Полный текст (2 848 стр.). Показаны 2136–2175 · переход к 2141.
стр. 2136
العمر " الذي تنمو فيه القوى والملكات، وتزداد يوما بعد يوم، فقال تعالى في سورة النحل (٧٠): ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا﴾، وقال تعالى في سورة الحج (٥): ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا﴾.
وتعرض كتاب الله لوصف هذه الحالة نفسها بالتفصيل في سورة الروم السابقة أيضا، فقال تعالى (٥٤): ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾، وفي صحيح البخاري من حديث سعد بن أبي وقاص أن رسول الله ﷺ كان يتعوذ ويقول: " أعوذ بك أن أرد إلى أرذل العمر " وقد استجاب الله دعاء رسوله فانتقل إلى الرفيق الأعلى وعمره لا يزيد عن ثلاثة وستين عاما. ثم قال تعالى تعقيبا على ذلك: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾، إشارة إلى أن الله الذي خلق الإنسان وقضى بتنكيسه في الخلق، بعد مروره بعدة أطوار، قادر على أن يفعل به ما يشاء من موت وبعث وحشر وحساب، ينتهي بالثواب أو العقاب.
وكأن الحق إنما منح الإنسان في " أفضل العمر " المزيد من القوى والملكات، على العكس من " أرذل العمر "، ليجعله في محك الاختبار، ويبرز كل ما في دخيلة نفسه من الطوايا والأسرار، حتى إذا ما حدد اختياره بمحض إرادته إصلاحا أو إفسادا، وقرر مصيره بنفسه إشقاء أو إسعادا، وأخذت قواه وملكاته في التراجع والنقصان، وأحس بالتخلف عن الحركة،
стр. 2137
والعجز عن مسايرة الركبان، تولى الحق إعداده شيئا فشيئا لاستقبال الدار الآخرة، التي هي وحدها دار الخلود والإقامة، وهنالك ينال الإنسان ما هو أهل له عند ربه من المهانة أو الكرامة، ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ (٣٧: ٣٥).
وليبطل كتاب الله إحدى شبه المشركين الزائفة التي كان يروجها أعداء الرسول وخصوم الرسالة في فجر الإسلام، وهي ادعاء كون الرسول شاعرا، وكون الكتاب الذي جاء به من عند الله إنما هو من صنف الشعر المتعارف عند العرب، قال تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾، لأن رسالة خاتم الأنبياء والمرسلين، التي أرسله الله بها إلى الناس كافة، أجل وأعلى من أن تنزل إلى مستوى الشعر والشعراء أجمعين، فهي مخالفة للشعر شكلا وموضوعا، أصولا وفروعا، ومنذ ذلك العصر تبخرت هذه الشبهة ولم يعد لها أي رواج. ومما نبه إليه القاضي أبو بكر (ابن العربي) في هذا المقام " أن قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾، لا يتضمن عيب الشعر، كما أن قوله تعالى (٤٨: ٢٩): ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾، لا يقتضي عيب الكتابة ".
ثم نطق كتاب الله بالقول الفصل في شأن القرآن وشأن الرسالة، فقال تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ * لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا﴾، أي: من كان حي القلب حي الضمير، أو كل حي على وجه الأرض، ﴿وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾، أي: لتقوم
стр. 2138
الحجة عليهم، ومن أنذر فقد أعذر، ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (١٥: ١٧).
وانتقل كتاب الله إلى التذكير بنعمه على الخلق، خصوصا نعمه الظاهرة التي يتقلب فيها الإنسان كل يوم، ومن بينها (الأنعام) التي سخرها الحق لمصلحة الإنسان، ومنافعها المتعددة الأصناف والألوان، أكلا وشربا ولباسا وتأثيثا، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾، أي: مما أبدعناه دون شريك ولا معين، ﴿أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ﴾، أي: يتصرفون فيها، دون منازع ولا مانع، ﴿وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ﴾، أي: سخرناها لخدمتهم، ووضعناها تحت تصرفهم، قال جار الله الزمخشري، " ولهذا ألزم الله سبحانه الراكب أن يشكر هذه النعمة، ويسبح بقوله: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ (١٣: ٤٣)، ﴿فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ﴾، أي: مركوبهم، كالإبل التي هي سفن الصحراء، ﴿وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ﴾، أي: ما يختارون لحمه للتغذية والأكل الشهي، ﴿وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ﴾، أي: لهم فيها علاوة على ما سبق منافع أخرى من الأصواف والأوبار والأشعار والجلود والشحوم، و ﴿مَشَارِبُ﴾، إشارة إلى ما يتمتعون به من ألبانها السائغة للشرب، على غرار ما سبق في قوله تعالى في سورة النحل (٦٦): ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ﴾، وقوله تعالى في نفس السورة (٨٠): ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا
стр. 2139
تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾، ثم قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَشْكُرُونَ﴾، أي: أفلا يتذكرون هذه النعم الجليلة التي لا يطيب لهم العيش بدونها، ويشكرون الله عليها، بالعبادة الخالصة، والطاعة الدائمة، والتوحيد الذي لا تخالطه ذرة من الشرك، لا من الشرك الجلي ولا من الشرك الخفي.
ومن مقام التذكير بالنعم الإلهية التي أسبغها الحق على خلقه، عسى أن يعودوا إلى الله ويقدروه حق قدره يعود كتاب الله إلى وصف ما عليه المشركون الضالون، ومن سلك مسلكهم، من الجهل بعظمة الله، والشرك بربوبيته، وعدم الاعتراف بوحدانيته، وعبادة الأصنام والأوثان بدلا من عبادته، والتصدي لمقاومة كل من يطعن في معبوداتهم ويكشف عن حقيقتها، أملا في تلقي نصرها ومعونتها، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى بمنتهى الإيجاز: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ * لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ﴾.
وللتخفيف من هموم الرسول ومشاغله، من أجل ما يلقاه ﵊ من أذى المشركين وتعنتهم كل مطلع شمس، خاطبه ربه قائلا: ﴿فَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾.
وكما ذكر كتاب الله الإنسان بنعمة " الأنعام " التي لا يطيب له العيش بدونها ولا المقام، ها هو كتاب الله يذكر الإنسان
стр. 2140
بنفسه التي بين جنبيه، ويتساءل بمنتهى الاستغراب كيف ينسى الإنسان أن الله هو الذي أوجده من العدم، وأنه خلقه من ماء مهين، ثم صوره في أحسن صورة، وجعله في أحسن تقويم، وزوده بالعقل والنطق واللسان، إلى أن أصبح فصيحا بليغا يحسن الجدل والقول والبيان، وبدلا من أن يعترف بفضل الله عليه، ها هو يجادل في الحق ويكابر، ولا يتورع عن المجاهرة بأسخف سؤال يوجهه المخلوق إلى الخالق، وإلى هذه المعاني يشير قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾، أي: يتولى مخاصمة مبدعه وخالقه، ويتشدق بتحدي ممده ورازقه، ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾، لكن لم يلبث أن جاءه الجواب المفحم القاطع: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾، قال القشيري: " وما دامت الإعادة في معنى الإبداء، فأي إشكال يبقى في جواز الإعادة في الانتهاء ".
وأضاف كتاب الله إلى هذا الجواب، الذي لا يدخله الشك والارتياب، ظاهرة باهرة أخرى هي ظاهرة انقداح النار من الشجر الأخضر، مع ما بين الماء والنار من تضاد في المخبر والمظهر، وهي ظاهرة معترف بها في القديم والحديث، وذلك قوله تعالى في نفس السياق: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ﴾.
وليقضي كتاب الله على جحود المتنطعين وعنادهم، وعلى شك المتحذلقين واستبعادهم، ألقى عليهم الحق سبحانه وتعالى
стр. 2141
سؤالا ضخما لا يمكن أن يكون جوابه إلا بالتسليم، من كل ذي عقل سليم، فقال تعالى: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾، الذي عم خلقه كل شيء، وأحاط علمه بكل شيء، ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾.
وختمت سورة (يس) بخاتمة كلها تسبيح وتقديس، واعتراف بحكمة الله الباهرة، وتمجيد لقدرته القاهرة، وتذكير بسطوته الباطنة والظاهرة، ﴿فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾.
والآن وقد انتهينا بحمد الله من تفسير سورة (يس) المكية ننتقل بعون الله إلى تفسير (سورة الصافات المكية) أيضا، قال تعالى: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم وَالصَّافَّاتِ صَفًّا * فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا * فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا﴾.
هذا قسم من الله تعالى بملائكته، ﴿الصَّافَّاتِ﴾ بالملأ الأعلى في عبادته، و ﴿الزَّاجِرَاتِ﴾، عباده عن معصيته، و ﴿التَّالِيَاتِ﴾، كلامه المنزل على رسله لإرشاد الإنسان وهدايته، وهذه الصفة الأخيرة للملائكة جاءت هنا على غرار قوله تعالى فيما سيأتي في سورة المرسلات (٥ - ٦): ﴿فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا * عُذْرًا أَوْ نُذْرًا، عذرا أو نذرا﴾، وقال جار الله الزمخشري: " يجوز أن يقسم الله بنفوس العلماء العمال، ﴿الصَّافَّاتِ﴾، أقدامها في التهجد وسائر الصلوات وصفوف الجماعات، ﴿فَالزَّاجِرَاتِ﴾، بالمواعظ والنصائح، ﴿فَالتَّالِيَاتِ﴾، آيات الله، والدارسات
стр. 2142
شرائعه، أو بنفوس قواد الغزاة في سبيل الله، التي " تصف " الصفوف، و " تزجر " الخيل للجهاد، و " تتلو " الذكر مع ذلك، لا تشغلها عنه الشواغل، كما يحكى عن علي بن أبي طالب ﵁ ".
وجواب القسم، المقسم عليه " بالصافات والزاجرات والتاليات "، هو قوله تعالى في نفس السياق: ﴿إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ * رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ﴾، وما أحسن ما علق به الإمام القشيري على هذه الآية حيث قال: (ومعنى كونه " واحدا " تفرده في حقه عن القسمة، وتقدسه في وجوده عن الشبيه، وتنزهه في ملكه عن الشريك، " واحد " في جلاله، " واحد " في جماله، واحد في أفعاله، واحد في كبريائه، بنعت علائه، ووصف سنائه) وجمعت كلمة " المشارق "، إما باعتبار كل ما يسبح في الفضاءمن شموس وأقمار، وإما باعتبار الشروق اليومي للشمس وحدها طيلة كل نهار.
وبمناسبة ذكر السماوات ومشارقها في فاتحة هذه السورة لفت كتاب الله الأنظار إلى السماء الدنيا وزينتها، فقال تعالى: ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ﴾، على غرار قوله تعالى في آية أخرى (٥: ٢٧): ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾، ثم عرفنا بأن الملأ الأعلى الذي ينزل منه الوحي على الأنبياء والمرسلين، هو على الدوام في مأمن من تطفل الكهان والشياطين، وأن من حاول منهم النفاذ إلى حماه، للتشويش على الوحي المنزل من عند الله، أو لهتك أستار " عالم الغيب "، كان
стр. 2143
معرضا للطرد والرجم دون أدنى ريب، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى: ﴿وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ * لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ * دُحُورًا﴾، أي: يطردون طردا، على غرار قوله تعالى في آية أخرى (٥: ٦٧): ﴿وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾، ثم قال تعالى: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ﴾، أي: موجع ومؤلم، من الوصب وهو المرض، وقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾، هذا الاستثناء يرجع إلى غير الوحي، لأن الوحي لا سبيل إلى التطفل عليه، بدليل قوله تعالى هنا: ﴿لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى﴾، وقوله في آية أخرى (٢١٢: ٢٦): ﴿إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾، أما " عالم الشهادة " المادي فهو مفتوح الأبواب، في وجه كل إنسان، منذ قديم الزمان.
ثم أعاد كتاب الله الكرة لمجابهة منكري البعث وخصوم الرسالة، فقال تعالى: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا﴾، أي: من السماوات والأرض وما فيهما، وهذه الآية على غرار قوله تعالى (٥٧: ٤٠) ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾، ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ﴾، أي: طين لاصق بعضه ببعض، ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ﴾، أي: أنت عجبت من إنكارهم للبعث، وهم يسخرون من إثباتك له، ﴿وَإِذَا ذُكِّرُوا لَا يَذْكُرُونَ * وَإِذَا رَأَوْا آيَةً﴾، أي: من آيات الله في الآفاق والأنفس، ﴿يَسْتَسْخِرُونَ﴾، أي: يبالغون في السخرية والاستهزاء، ﴿وَقَالُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ * أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا
стр. 2144
وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ * أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ * قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ﴾، أي: مغلوبون على أمركم صاغرون.
وختم هذا الربع بوصف المفاجأة الكبرى التي تنتظرهم، حيث قال تعالى: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ﴾، أي: إذا هم قيام ينظر بعضهم إلى بعض، و " الزجرة الواحدة " هنا هي الصيحة الواحدة، ﴿وَقَالُوا يَا وَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ﴾، فرد عليهم الملائكة الموكلون بهم: ﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾، والمراد " بيوم الدين " يوم الجزاء، و " بيوم الفصل " يوم القضاء، ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ (٧: ٤٢).
стр. 2145
الربع الثالث من الحزب الخامس والأربعين
في المصحف الكريم (ق)
ــ
احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ (٢٣) وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (٢٤) مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ (٢٥) بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ (٢٦) وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٢٧) قَالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ (٢٨) قَالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٢٩) وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ (٣٠) فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ (٣١) فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ (٣٢) فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٣) إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (٣٤) إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (٣٥) وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ (٣٦) بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ (٣٧) إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الْأَلِيمِ (٣٨) وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٩) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (٤٠) أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ (٤١) فَوَاكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ (٤٢) فِي جَنَّاتِ
стр. 2146
النَّعِيمِ (٤٣) عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (٤٤) يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (٤٥) بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ (٤٦) لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ (٤٧) وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ (٤٨) كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ (٤٩) فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٥٠) قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ (٥١) يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ (٥٢) أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ (٥٣) قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ (٥٤) فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ (٥٥) قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (٥٦) وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (٥٧) أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (٥٨) إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٥٩) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٠) لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ (٦١) أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ (٦٢) إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ (٦٣) إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (٦٤) طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ (٦٥) فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٦٦) ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ (٦٧) ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ (٦٨) إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ (٦٩) فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ (٧٠) وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ (٧١) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ (٧٢) فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (٧٣)
стр. 2147
إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (٧٤) وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (٧٥) وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦) وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ (٧٧) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (٧٨) سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ (٧٩) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٠) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (٨١) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (٨٢)
стр. 2148
الربع الثالث من الحزب الخامس والأربعين
في المصحف الكريم (ت)
عباد الله
في حصة هذا اليوم نتناول الربع الثالث من الحزب الخامس والأربعين في المصحف الكريم، ابتداء من قوله تعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ * مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾، إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ * ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ﴾.
ــ
لا يزال كتاب الله يواصل الحديث عن المشركين بالله، والمنكرين للبعث والشاكين في الوقوف بين يديه، مسجلا الأوامر الإلهية الصادرة في شأنهم وشأن رفقائهم، ليلقوا الجزاء المناسب عن جريمة الشرك بالله، وجريمة الشك في البعث، اللتين هما أكبر الجرائم، رافعا الستار عما يدور بين أئمة الكفر الطغاة، وأتباعهم المخدوعين المغلوبين على أمرهم، وهم يتحاورون في جهنم ويتلاومون، لكن بعد فوات الوقت، ﴿وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ﴾ (٥٤:١٠) وأول أمر صدر في حق هؤلاء الأئمة والأتباع سجله كتاب الله في بداية هذا الربع قوله تعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾، أي: أشياعهم وأتباعهم،
стр. 2149
﴿وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ * مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ * وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾، أي: قفوهم للحساب، ثم سوقوهم إلى النار.
وتمهيدا لحكاية الحوار الذي يدور بينهم في هذا المشهد الرهيب قال تعالى: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾.
فمن كلام الأتباع المخدوعين، وهم يخاطبون أئمة الكفر، حكى كتاب الله قولهم: ﴿قَالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ﴾، ولفظ ﴿الْيَمِينِ﴾، هنا مستعار للقوة والقهر، كما حكى قول نفس الأتباع في التنديد والتشهير بما كان عليه أئمة الكفر من استبداد وطغيان: ﴿بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ﴾.
ومن كلام أئمة الكفر الطغاة وهم يخاطبون الأتباع المخدوعين حكى كتاب الله قولهم: ﴿قَالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ * وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾، مقلدين بهذا الأسلوب في التضليل والتلبيس إمامهم الأكبر إبليس، إذ قال في مثل هذا المجال: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ (٢٢: ١٤).
ثم سجل كتاب الله عليهم اعترافهم- بعد اللف والدوران -بجرمهم، واعترافهم بعدل الله في عقابهم على ظلمهم، فقال تعالى على لسانهم بالنسبة للاعتراف الأخير: ﴿فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ﴾، أي: ذائقون عذاب الله لا محالة، وقال
стр. 2150
تعالى على لسانهم بالنسبة للاعتراف الأول: ﴿فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ﴾ مخاطبين أتباعهم.
وفي خلال هذا الحوار وصف كتاب الله ما آل إليه أمر المتبوعين والأتباع من تخاذل واستسلام، في هذا المقام، حيث لم ينصر أحد الفريقين الفريق الآخر، للخلاص من العذاب، ولم ينصر كلا الفريقين ما كانوا يعبدونه من دون الله، من الشياطين والأوثان والأصنام، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى بمنتهى الإيجاز: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ﴾، أي: ما لكم لا ينصر بعضكم بعضا الآن، ﴿بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾.
وسجل كتاب الله القول الفصل، والحكم العدل في هذه القضية وأمثالها، فقال تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾،لكن لكل فريق منهم نصيبه المناسب لجرمه، ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ﴾، وسبق في سورة الأحزاب موقف قريب من هذا الموقف، يكشف فيه الأتباع المخدوعون زيف القادة الذين خدعوهم، ويلعنوهم لعنا كبيرا، وذلك قوله تعالى حكاية عنهم (٦٧): ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا * رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا﴾، وإنما استحقوا ﴿ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ﴾، لأنهم ضلوا وأضلوا.
وتثبيتا للحكم الصارم الذي حكم به الحق في شأنهم جاء كتاب الله بحيثيات الحكم وأسبابه، فقال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾، أي: إذا قيل لهم
стр. 2151
قولوا لا إله إلا الله، ﴿يَسْتَكْبِرُونَ * وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾، فهم يشركون بالله ولا يرضون به ربا، وهم يطعنون في الرسول ولا يرضون به نبيا، وكفى بإنكار الربوبية وإنكار النبوءة مبررا لاستحقاق العذاب، في نظر أولي الألباب، -ومنذ أبى إبليس من السجود لآدم واستكبر فدخل في عداد الكافرين أصبح الاستكبار عن عبادة الله وطاعته سنة متبعة عند أهل الكفر، وقاسما مشتركا بينهم في كل جيل وعصر، حتى أنه كلما ذكر في القرآن " الكفر والكافرون "، ذكر بجانبه في الغالب " الكبر والمستكبرون ".
وردا على مزاعم المشركين في حق الرسول، وإبطالا لها من الأساس، قال تعالى: ﴿بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ﴾، فرسالته ﵊ تجديد وتكميل لرسالات الرسل جميعا، والذي جاء به من عند الله، هو الحق الذي لا حق سواه، وما خالفه كله باطل، ﴿إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ (٨١: ١٧) ورفعا لكل إبهام والتباس فيما جرى على لسان أئمة الكفر، إذ قالوا فيما سبق: ﴿فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ﴾، قال تعالى موضحا ومفصحا: ﴿إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الْأَلِيمِ * وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.
وفتح كتاب الله صفحة جديدة في سجل عباد الله المخلصين الذين لا يذوقون العذاب، ولا يناقشون الحساب، لوفائهم بعهدهم مع الله، ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (١٠: ٤٨)، ووصف أنواع الإنعام والإكرام
стр. 2152
المخصصة لهم في جنات النعيم، فقال تعالى مستثنيا لهم ممن يذوقون العذاب: ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾، ومعنى ﴿الْمُخْلَصِينَ﴾، بفتح اللام على قراءة نافع المدني وبرواية ورش المتبعة في المغرب: " الذين أخلصهم الله لطاعته، واستخلصهم لولايته " وقرئ بكسر اللام أيضا أخذا من " الإخلاص " بمعنى إفراد الله وحده بالعبادة، وتصفية عبادته من كل الشوائب، ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ * فَوَاكِهُ﴾، أما " الرزق المعلوم " ففي شأنه جاء قوله تعالى في آية أخرى (٦٢: ١٩): ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾، وأما " الفواكه " ففي شأنها جاء قوله تعالى في آية أخرى (٦٢: ٥٦): ﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ * لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ﴾، ثم قال تعالى على وجه التعميم والشمول: ﴿وَهُمْ مُكْرَمُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾، والإكرام بمعناه العام لا يقتصر على ما ورد في هذا السياق وما ماثله، بل يشمله ويشمل غيره، " مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر، على قلب بشر "، حسبما أخبر بذلك الصادق المصدوق عليه أزكى الصلاة وأزكى السلام، وفي طليعة ذلك كله: " رضوان الله " الذي هو غاية الغايات، عند أصفياء الله وأوليائه. قال تعالى (٧٢: ٩): ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾.
ومضى كتاب الله يعدد جملة من نعمه الظاهرة على عباده المخلصين، فبعد أن وصف طعامهم من قبل، ها هو يصف
стр. 2153
مجالس أنسهم، ونوع شرابهم، وحلائل أزواجهم، حيث يقول: ﴿عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾، أي: جالسون على سرر متقابلين، وذلك ليأنس بعضهم ببعض، ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ * بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ * لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ﴾، أي: بكأس لا تحدث لهم مغصا في البطن، ولا صداعا في الرأس، ولا غيبوبة في العقل، وكلمة " الغول " هي التي أبدلت في اللسان الدارج غلطا باسم " الكحول " تقليدا للنطق الأجنبي المحرف، ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ﴾، أي: عندهم زوجات عفيفات يغضضن أبصارهن، وهن حسان الأعين، ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾، أي: مصون.
ومن المشاهد المثيرة والمؤثرة التي سجلها كتاب الله في هذا السياق مشهد أحد نزلاء الجنة وهو يحكي لرفاقه بعض ذكرياته، ومنها محاولة أحد قرناء السوء لإغرائه بالكفر وإغوائه، وتشكيكه في أمر البعث والحساب، والثواب والعقاب، وعندما ينتهي من قصته يبدي لرفاقه رغبته في البحث عن مصير هذا القرين ومقره الأخير في الدار الآخرة، فإذا به يكتشف أن قرينه الذي كان يخادعه في الدنيا يوجد بين نزلاء جهنم، ويحمد الله على أن قرين السوء الذي كان يستدرجه للكفر لم يبلغ منه ما يريد، وإلا لهلك مثله وكان له نفس المصير، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ * قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ * يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ * أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ﴾، أي: مجزيون ومحاسبون بعد
стр. 2154
الموت، ﴿قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ أي: قال لرفاقه: هل تشرفون من مكان عال، وتطلعون معي على المعذبين، لتروا بأعينكم معي هذا القرين، ﴿فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾، أي: رأى قرينه يرتع في بحبوحة جهنم، فلما رآه على تلك الحال، ﴿قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾، أي: قال وكأنه يتحدث إلى ذلك القرين الشقي: إن كدت لتهلكني، وأكد هذا القول بالقسم، ثم استحضر العناية الإلهية، التي حميته من الوقوع في فخ ذلك القرين والسقوط في الهاوية، فقال معترفا بفضل الله عليه: ﴿وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾، أي: لكنت من الذين يساقون إلى جهنم سوق المجرمين.
وتعبيرا عما في ضمائر نزلاء الجنة المنعمين، وتمنيهم للحياة فيها حياة لا يذوقون بعدها الموت، نطق كتاب الله بلسان حالهم قائلا: ﴿أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ * إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾،وعندما أدركوا أن ما تمنوه من حياة الخلود هو بفضل الله عليهم من باب تحصيل الحاصل، تيقنوا أن ما يشغل الناس في الدنيا ويلهيهم عن الله إنما هو ظل زائل، أما نعيم الآخرة فهو وحده النعيم المقيم، ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ وليحضوا غيرهم على الاهتداء بهديهم واللحاق بركبهم، قال تعالى على لسانهم: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾.
وحيث أن الأشياء إنما تعرف بأضدادها بادر كتاب الله إلى تصوير حالة الأشقياء المعذبين، الذين ظلموا ربهم، فأشركوا به غيره، ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ (١٣: ٣١)، وظلموا عباده،
стр. 2155
فاستعبدوهم وأضلوهم، وظلموا أنفسهم، فرفضوا دين الحق الذي لا يقبل الله سواه، وافتتح كتاب الله هذا العرض بسؤال عجيب لا يجد له الأشقياء جوابا، وذلك قوله تعالى: ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا﴾، أي: أنزل أصحاب الجنة ورزقهم خير، ﴿أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾، التي هي نزل أصحاب الجحيم، ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ﴾، أي: امتحانا لهم واختبارا، ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ * طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾، أي: ثمرها مكروه مستقبح، كما يكره الناس ويستقبحون صورة الشيطان، التي هي في خيالهم أشد الصور تجسيما للبشاعة والقبح. وكما اعتقد الناس في " الملك " أنه خير محض، فشبهوا به أحسن الصور وأجملها، اعتقدوا في " الشيطان " أنه شر محض، فشبهوا به أقبح الصور وأبشعها، ومن ذلك قوله تعالى على لسان صواحب يوسف في التشبيه بالملك: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾، (٣١: ١٢)، ثم قال تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا﴾، أي: من شجرة الزقوم، ﴿فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ * ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ﴾، أي: شرابا من الماء الحار، مشوبا ببعض الأخلاط الرديئة، مما يزيدهم عذابا على عذاب، وعقابا على عقاب، ﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ﴾، مصداقا لقوله تعالى في آية أخرى (٤٤: ٥٥)، ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ* يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾.
وتنبيها إلى عدل الله في عقابه للظالمين الذين ظلموا أنفسهم وظلموا غيرهم وظلموا ربهم، وتمسكوا بالتقليد الأعمى
стр. 2156
للآباء والأجداد في ضلالهم، وأصروا على اتباع آثارهم وحمل أوزارهم، قال تعالى تعقيبا على ما سبق: ﴿إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ﴾، أي: وجدوهم على ضلال فاقتدوا بهم، ﴿فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾، أي: يسيرون عليها سيرا حثيثا، ﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ * وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ * فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ﴾، ثم قال تعالى: ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾، استثناء من قوله تعالى: ﴿أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ﴾، عقب قوله: ﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ﴾، أو استثناء من قوله تعالى: ﴿عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ﴾، عقب قوله ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ﴾. ويصح أن يكون الاستثناء منهما معا، لأن " عباد الله المخلصين " اهتدوا فلم يكونوا، ﴿مِنَ الضَّالِّينَ﴾، وسبقت لهم الحسنى والبشرى فلم يكونوا، ﴿مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾.
وبعد ما أشار كتاب الله إلى المنذرين الذين أرسلهم الله لإنذار الضالين وهدايتهم، وإلى المنذرين الذين أصروا على ضلالتهم، تصدى لذكر نماذج فريدة في نوعها من كلا الفريقين، مما فيه عبرة وذكرى لكافة المؤمنين، وترويح وتسلية لخاتم الأنبياء والمرسلين: وأول اسم تصدر في هذا المقام اسم نوح " ﵇، فقال تعالى في شأنه: ﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ﴾، أي: بعد أن يئس نوح من هداية قومه ولم يؤمن معه إلا قليل، استغاث بنا واستنصر، ﴿وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ (٢٦: ٧١)، واستجبنا دعاءه ونصرناه عليهم، ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾ أي:
стр. 2157
نجيناه ومن آمن معه من الطوفان الذي سلطناه على الكافرين من قومه، ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾، لأن الكافرين من قومه بادوا مع ذرياتهم وماتوا غرقا، فلم يبق منهم عين ولا أثر، وإنما بقي منهم مجرد العبرة والخبر، ويؤكد هذا المعنى قوله تعالى في آية أخرى (٤٨: ١١): ﴿قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
وتنويها برسالة نوح ﵇، وإبرازا لمكانته الخاصة عند الله وعند الناس، قال تعالى: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ * سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ﴾، أي: أبقينا له ذكرا جميلا على مر الزمان، وسخرنا للسلام عليه كل لسان، ثم قال تعالى مبينا استحقاق نوح ومن سار على هديه لحسن الجزاء، وكونه أهلا لكل تنويه وثناء: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾، فالإيمان والإحسان هما الطريق الموصل إلى رضا الرحمن، ورضا الرحمن هو الوسيلة إلى زرع محبة الإنسان في قلب أخيه الإنسان، أما الذين وقفوا لنوح ورسالته بالمرصاد، فقد انتقم الله منهم شر انتقام، لأنهم طغوا في البلاد، وكانوا من شر العباد: ﴿ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ﴾، قال جار الله الزمخشري: " علل مجازاة نوح ﵇ بتلك التكرمة السنية، من تبقية ذكره، وتسليم العالمين عليه إلى آخر الدهر، بأنه كان محسنا، ثم علل كونه محسنا بأنه كان عبدا مؤمنا، ليريك جلالة محل الإيمان، وأنه القصارى من صفات المدح والتعظيم، وليرغبك في تحصيله
стр. 2158
والازدياد منه، فاللهم زدنا إيمانا وإحسانا، ولنتل مرة أخرى تلاوة مجردة قوله تعالى في ختام هذا الربع: ﴿سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ * إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ * ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ﴾.
стр. 2159
الربع الأخير من الحزب الخامس والأربعين
في المصحف الكريم (ق)
ــ
وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ (٨٣) إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٤) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ (٨٥) أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (٨٦) فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٨٧) فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (٨٨) فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ (٨٩) فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ (٩٠) فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (٩١) مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ (٩٢) فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ (٩٣) فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ (٩٤) قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (٩٥) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦) قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ (٩٧) فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ (٩٨) وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ (٩٩) رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠٠) فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (١٠١) فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (١٠٢)
стр. 2160
فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٠٥) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (١٠٦) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (١٠٧) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (١٠٨) سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ (١٠٩) كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١١٠) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١١١) وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٢) وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ (١١٣) وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ (١١٤) وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (١١٥) وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ (١١٦) وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ (١١٧) وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (١١٨) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي الْآخِرِينَ (١١٩) سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ (١٢٠) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٢١) إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١٢٢) وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣) إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلَا تَتَّقُونَ (١٢٤) أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ (١٢٥) اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (١٢٦) فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (١٢٧) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٢٨)
стр. 2161
وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (١٢٩) سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ (١٣٠) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٣١) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١٣٢) وَإِنَّ لُوطًا لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٣) إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (١٣٤) إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ (١٣٥) ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ (١٣٦) وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٣٨) وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٩) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١٤٠) فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (١٤١) فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ (١٤٢) فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤٤)
стр. 2162
الربع الأخير من الحزب الخامس والأربعين
في المصحف الكريم (ت)
عباد الله
في حصة هذا اليوم نتناول الربع الأخير من الحزب الخامس والأربعين في المصحف الكريم، ابتداء من قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ * إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾، إلي قوله تعالى عن يونس: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾.
ــ
بعدما أوجز كتاب الله الحديث عن نوح ﵇ في الآيات الثمان الأخيرة من الربع الماضي واصل الحديث في بقية هذه السورة عن إبراهيم الخليل ﵇، ثم عن موسى وهارون، ثم عن إلياس، ثم عن لوط، ثم عن يونس، عليهم سلام الله جميعا، لكن قصة إبراهيم أخذت من هذه السورة الحظ الأوفر بالنسبة إلى قصص الأنبياء الآخرين، فقد استغرقت وحدها إحدى وثلاثين آية، أي: مجموع الثمن الأول من هذا الربع بأكمله، والحديث عن إبراهيم الخليل في كتاب الله وارد في خمس وعشرين سورة من سور القرآن الكريم، من بينها سورة إبراهيم وسورة الأنبياء، وفي سورة الأنبياء السابقة استغرقت قصته ثلاثا وعشرين آية.
стр. 2163
يقول الله تعالى في بداية هذا الربع، عقب الانتهاء من قصة نوح مباشرة: ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ﴾، أي: أن إبراهيم كان في الدعوة إلى توحيد الله وطاعته، والتفاني في نشر دينه وإعلاء كلمته، على منهاج نوح وسنته.
وقوله تعالى: ﴿إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾، معناه أن إبراهيم أقبل على ربه بكل قلبه، بحيث لا يشغله عنه شيء سواء، فقلبه خال من الشرك، خال من الشك، نقي من جميع الآفات التي تعترى القلوب. وسبق في سورة الشعراء، في ختام مجموعة من الأدعية الإبراهيمية، التي كان يدعو بها إبراهيم ربه، دعاؤه الذي يقول فيه (٧٩): ﴿وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ * يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾، فتقبل الله دعاءه، وحقق في الدنيا قبل الآخرة رجاءه.
وقوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ * أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾، إشارة إلى ما قام به إبراهيم من دعوة أبيه وقومه إلى عبادة الله وتوحيده، بدلا من عبادة الأصنام التي يزعمون أنها آلهة، مع أن هذا الزعم لا يعتمد على حجة، ولا يستند إلى برهان، وإنما هم مجرد إفك وبهتان، وهذه الآية هنا على غرار قوله تعالى فيما سبق من سورة الأنعام (٧٤): ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾، والسؤال الوارد هنا في قوله: ﴿مَاذَا تَعْبُدُونَ﴾؟ سؤال من إبراهيم، يتضمن الإنكار والاستنكار، لما عليه قومه من ضلال في العقائد والأفكار، وكلمة (الافك) تطلق على أسوأ أنواع
стр. 2164
الكذب، وهو الكذب الذي لا يثبت، ويضطرب صاحبه، ولا يعني ذلك أن في الكذب ما هو أحسن أو مستحسن.
وقوله تعالى على لسان إبراهيم وهو يخاطب قومه: ﴿فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾؟ يؤدي معنيين بإثنين:
- المعنى الأول تذكيرهم بأن الله " رب العالمين "، هو وحده الذي يستحق العبادة من الناس أجمعين، لا هذه الأصنام التي يسخر من عبادتها العقل والدين.
- والمعنى الثاني تحذيرهم من لقاء الله وهم به مشركون، والوقوف بين يديه وهم لغيره عابدون، إذ بأي وجه يلاقونه، وبأي لسان يخاطبونه.
وقوله تعالى: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ﴾، إشارة في منتهى الإيجاز إلى ما حكاه كتاب الله عن إبراهيم في سورة الأنعام بتفصيل، حيث قال تعالى (٧٩: ٧٥): ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ * فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ * فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ * فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾، فقد كان أبوه وقومه يعبدون الأصنام والكواكب، والشمس والقمر، فأراد أن ينبههم على الخطأ
стр. 2165
في معتقداتهم، وأن يرشدهم إلى طريق النظر والاستدلال، ويعرفهم بأن النظر الصحيح لا يقبل أن شيء من تلك المعبودات إلها، ولا يتردد في الإيمان بأن وراء تلك الكواكب مدبرا دبر طلوعها وأفولها، وانتقالها ومسيرها، وسائر أحوالها.
وقوله تعالى على لسان إبراهيم: ﴿فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ﴾، أوهم به إبراهيم قومه أنه أصيب بسقم ومرض، ولعلهم فهموا أن مرضه من أمراض الجسم المعدية، ﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ﴾، أي: أدبروا عنه وتركوه وحيدا فريدا، فرارا مما تخيلوه من العدوى، لكن إبراهيم لم يكن سقيما بالمعنى الذي فهموه، وإنما كان سقيما بمعنى آخر، فهو يريد أن يعتزلهم ويختلي بنفسه، ليتمكن من تنفيذ مخططه في الهجوم على أصنامهم والتمثيل بها، وبذلك يزول سقمه، إذ إن الضمير الحي للمؤمن الحق لا يستريح إلا بتغيير المنكر والقضاء عليه، ولاسيما إذا كان في درجة إبراهيم ومقامه العظيم الذي بلغ القمة، ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ (١٢٠: ١٦)، وإذن فقول إبراهيم: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ لا يندرج تحت معنى " الكذب "، وإنما هو من جملة " المعاريض " التي تستعمل لتحقيق مقصد شرعي مقبول، وثبت في الحديث الشريف: " إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب "، وما ورد في بعض الأحاديث من إطلاق لفظ " الكذب " على مثل هذا القول وغيره من مقالات إبراهيم المأثورة إنما مجرد " تجوز " في التعبير، وليس المراد به الكذب المنهي عنه شرعا، والمستهجن طبعا، فالأنبياء والرسل- وفي طليعتهم إبراهيم خليل الله- معصومون من جميع
стр. 2166
النقائص، والكذب من أشنع النقائص وأبغضها إلى الله والناس.
ثم قال تعالى: ﴿فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ * مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ﴾، هذا وصف موجز لما قام به إبراهيم في غيبة قومه، بعد أن خلا بنفسه وبقي وحده في معبدهم، فقد وجد أمام الأصنام التي يزعمون أنها آلهة طعاما أحضروه خصيصا للمعبد، تقربا إلى الأصنام، وتبركا بها، فلم يسعه إلا أن يخاطب الأصنام التي هي جماد مخاطبة العقلاء، إمعانا منه في السخرية بها والاستهزاء، وذلك قوله مخاطبا لأصنامهم: ﴿أَلَا تَأْكُلُونَ * مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ﴾؟ وفي هذه الخلوة الفريدة من نوعها سنحت له الفرصة التي كان ينتظرها ليتحدى ضلال قومه، ويكشف سفاهة رأيهم وسخافة معتقداتهم، فانهال بيمينه على أصنامهم يضربها ويحطمها، حتى تناثرت أشلاؤها بالهدم والتدمير، ولم يترك منها - لحكمة ستظهر من بعد- إلا الصنم الكبير، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى في نفس السياق: ﴿فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ﴾، وإنما خص الضرب ﴿بِالْيَمِينِ﴾ لأنها أقوى والضرب بها أشد، وسبق قوله تعالى في سورة الأنبياء (٥٨): ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ * فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا﴾، أي: فتاتا، ﴿إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ﴾، ومعنى " راغ " مال سرا وذهب في خفية، والمصدر روغ وروغان كما يقال: " روغان الثعلب ".
ثم قال تعالى: ﴿فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ * قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ﴾، هذا بيان لما أصاب قوم إبراهيم من هول المفاجأة،
стр. 2167
إذ بمجرد ما بلغتهم أصداء ذلك الحدث الخطير هبوا مسرعين إلى معبدهم للدفاع عن أصنامهم، ولما واجهوا هذا العمل بالاستنكار واجههم إبراهيم بالحق الصراح الذي ليس عليه غبار، فأخذ يسأل ويتساءل هل من المعقول أن يعبد الإنسان الصنم الذي ينحته بيده من الحجر، ولا يعبد الله الذي خلق البشر، وخلق ما يعمله كل من صنع ومهر، واخترع وابتكر، إذ لولا المواهب والملكات التي وهبها الله للإنسان، والمواد الخام التي سخرها له، لما كان أي شيء من ذلك في حيز الإمكان: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾، وروى البخاري في صحيحه من حديث حذيفة مرفوعا: (إن الله تعالى يصنع كل صانع وصنعته).
وأجمل كتاب الله في هذه السورة ما قام به قوم إبراهيم من " تحقيق " في هذه الحادثة التي أثارت غضبهم، وهيجت تعصبهم، وما آل إليه " التحقيق " من محاكمة علنية أصدروا الحكم في إثرها بإعدام إبراهيم حرقا، بدلا من إعدامه شنقا، مبالغة في العقاب والتعذيب، لكي لا يتجرأ أحد بعده على سلوك مسلكه الشاذ والغريب، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى هنا: ﴿قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ﴾، أي: في النار الموقدة، لكن الله تعالى لم يحقق حلمهم، ونقض حكمهم: ﴿فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ﴾، وسبق في سورة الأنبياء عرض هذا الجانب وغيره من قصة إبراهيم بتفصيل أكثر، ابتداء من الآية الواحدة والخمسين حيث قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ﴾، إلى قوله تعالى في نفس السياق: ﴿قَالُوا
стр. 2168
حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ *) قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ * وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ﴾.
وبعد أن نصر الله خليله إبراهيم على قومه بأعظم أنواع النصرة، ﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا﴾ (٤٠: ٩)، فكر إبراهيم ﵇ في اعتزال قومه والهجرة من ديارهم، ليأسه من صلاح حالهم، فتوكل على الله، ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي﴾، أي: ذاهب إلى مكان آمن أتمكن فيه من عبادة الله، وموطن صالح للدعوة أواصل فيه الدعوة إلى توحيد الله، ابتغاء مرضاة الله، قال القرطبي: " هذه الآية أصل في الهجرة والعزلة، وأول من فعل ذلك إبراهيم ﵇ " ولثقة إبراهيم بهداية الله إياه، في الحل والترحال، وتوفيق خطواته في الحال والمآل، عقب على ذلك بقوله: ﴿سَيَهْدِينِ﴾، إيمانا منه بأن هداية الله له حاصلة لا محالة، واقتداء بهذه المقالة التي قالها إبراهيم ﵇ قال موسى ﵇ أيضا: ﴿عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ (٢٢: ٢٨)، وقال: ﴿إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ (٦٢: ٢٦).
وليطمئن إبراهيم على انتشار دعوته واستمرارها تمنى على الله أن يرزقه خلفا صالحا يحمل الدعوة من ذريته، فالتجأ إلى الله يقول: ﴿رب هب لي من الصالحين (١٠٠)﴾، ولفظ " الهبة " يستعمله القرآن في الولد والأخ، لكن يغلب استعماله في الولد، كما ورد في هذه الآية، ومن استعماله في الأخ قوله تعالى (٥٣: ١٩): ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا﴾.
стр. 2169
وتعليقا على دعاء إبراهيم: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾، قال فخر الدين الرازي: " اعلم أن الصلاح أفضل الصفات، بدليل أن الخليل ﵇ طلب الصلاح لنفسه فقال: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ (٨٣: ٢٦)، وطلبه للولد فقال: ﴿هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾، وطلب سليمان الصلاح بعد كمال درجته في الدين والدنيا فقال: ﴿وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾ (٢٧: ١٩)، وذلك يدل على أن الصلاح أشرف مقامات العباد ".
وكم كانت البشرى باستجابة دعاء إبراهيم سريعة معجلة، فضلا من الله وكرما، حيث قال تعالى: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾، وكلمة ﴿غُلَامٍ﴾، تفيد أن المولود المتمنى على الله سيكون ذكرا، وأنه سيتجاوز مرحلة الطفولة ويبلغ الحلم، وكلمة ﴿حَلِيمٍ﴾، تدل على أنه سيلقى من الابتلاء ما يحتاج إلى الحلم في تحمله، وبذلك يكون حليما مثل أبيه، ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ﴾، (٧٥: ١١) والوصف " بالحلم " يشعر بأن الغلام المبشر به في هذا المقام هو إسماعيل لا إسحاق، لأن الوصف بالحلم أنسب به أكثر من أخيه، وأي حلم أعظم من حلمه حين عرض عليه أبوه الذبح فقال: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾.
ومن الحديث عن تبشير الله لإبراهيم ﴿بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾، انتقل كتاب الله فجأة إلى عرض الملحمة الكبرى التي ابتلى الله فيها هذا الغلام، ووالده " الإمام " فكانت مناسبة لامتحان مبلغ ما
стр. 2170
عند الوالد والولد من " حلم " عظيم، وفرصة لإبراز مالهما عند الله من مقام كريم، وذلك قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ * فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ * وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾.
ذلك أن إبراهيم وابنه لما علما أن رؤيا الأنبياء من وحي الله، واستسلما لقضاء الله، الأول " إبراهيم " في قرة عينه، والثاني " إسماعيل " في نفسه، وتهيئا للعمل، ذاك بصورة الذابح، وهذا بصورة المذبوح، وكان ما كان من أمر إبراهيم امتثالا، ومن إسماعيل انقيادا، أكرم الله إبراهيم وابنه ﴿بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾، وإنما كان " عظيما " لأنه فداء لولد إبراهيم العظيم، وما أدراك ما إبراهيم وآل إبراهيم، ﴿قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ (١٢٤: ٢)، الآية، وبذلك رفع الحق عن إبراهيم وولده " الذبيح " محنة مزدوجة تعم الوالد والولد، ولا محنة أصعب منها ولا أشد، ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ﴾، ولو تمت تلك الذبيحة لكانت " سنة "، ولذبح أتباع إبراهيم أبناءهم، لكن الله سلم، فشرعت الأضحية في الإسلام، رمزا إليها وتذكيرا بها، وشكرا لله على نعمة الحياة التي أكرمنا بها، ودعانا إلى الحفاظ عليها، وأمر الله رسوله " بيوم الأضحى، فجعله عيدا لهذه الأمة " كما ورد ذلك في حديث شريف صححه ابن حبان.
стр. 2171
وكما ختم كتاب الله قصة نوح في الربع الماضي بالتنويه به والثناء عليه إذ قال: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ * سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ * إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾، ختم قصة إبراهيم في هذا الربع أيضا بمثل ذلك، فقال: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ * سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ * كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾.
وقبل أن ينتقل كتاب الله إلى الحديث عن قصة موسى وهارون أخبر بالبشرى الثانية التي بشر الله بها إبراهيم وهي ولادة إسحاق الذي يصغر عن أخيه إسماعيل ببضع عشرة سنة، وأثنى عليه وعلى والده والمحسنين من ذريتهما، فقال تعالى: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ * وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾، ومما يلاحظ في هذا الصدد أن البشارة بإسحاق التي وردت في سورة الحجر (الآية: ٥٣)، تضمنت وصفه " بالغلام العليم "، ﴿قَالُوا لَا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ﴾، بينما البشارة هنا بأخيه إسماعيل فظلت وصفه " بالغلام الحليم "، ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾، وتأكيدا لحلم إسماعيل وصبره قال تعالى: ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ (٨٥: ٢١).
وتنويها بقدر إسماعيل، على غرار أخيه إسحاق، قال تعالى (٥٥، ٥٤: ١٩): ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا * وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾، وفي حقه وحق أخيه قال تعالى على لسان أبيهما
стр. 2172
إبراهيم، حمدا لله وشكرا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ (٣٩: ١٤).
وكما أجمل كتاب الله في الربع الماضي قصة نوح ﵇، أجمل في هذا الربع قصة موسى وهارون، وقصة إلياس، وقصة لوط، وقصة يونس:
فعن موسى وهارون ﵉ قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ * وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾، أي: من الرق الذي خلص منه قومه أولا، ومن الغرق، الذي لحق فرعون وجنوده وحدهم أخيرا، ﴿وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ * وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ﴾، ثم ختم كتاب الله قصتهما بنفس الأسلوب الذي ختم به قصة نوح وإبراهيم فقال تعالى: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي الْآخِرِينَ * سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ * إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾.
وعن إلياس ﵇ قال تعالى: ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلَا تَتَّقُونَ * أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ﴾، أي: أتدعون صنما اتخذتموه ربا، وتتركون من يقال له " خالق "، ﴿اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ * فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾، أي: لمسوقون إلى جهنم سوقا، ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾، وسلك كتاب الله في ختام قصة إلياس نفس النمط الذي ختم به قصص نوح وإبراهيم وموسى
стр. 2173
وهارون فقال تعالى: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ * سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ * إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾، وفي قراءة أخرى سلام على إلياسين كما يقال إسماعيل إسماعين.
وفي الآيات الأخيرة من هذا الربع ذكر كتاب الله بقصة لوط وقصة يونس:
فعن لوط ﵇ قال تعالى: ﴿وَإِنَّ لُوطًا لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ﴾، وهي امرأته التي كانت موالية لقومها ممالئة لهم على الضلال طبقا لقوله تعالى في آية أخرى (٦٠: ١٥): ﴿إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ﴾، أي: الهالكين غير الناجين، ﴿ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ﴾، أي: بالرجم بحجارة من سجيل، ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ * وَبِاللَّيْلِ﴾، أي: تمرون على أرضهم في أسفاركم ليلا ونهارا، ومع ذلك لا تعتبرون ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾.
وعن يونس ﵇ قال تعالى: ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ * فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾، ذلك أنه فارق قومه متسترا لينجو بنفسه دونهم، فلم يجد إلا سفينة مثقلة بالركاب والتحق بها، وسرعان ما أصبحت مهددة بالغرق، " فأقرع " الركاب فيما بينهم ليخففوا من أثقالها، وإذا به يفاجأ بأن يكون نصيبه هو أن يلقى في البحر، تنفيذا لنتيجة " القرعة " التي أجراها ركاب السفينة، ﴿فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ﴾، أي: هو داخل في الملامة، لأنه أتى بما يلام
стр. 2174
عليه، حيث أنه فارق قومه دون إذن من مولاه، ناسيا أن رقبته ملك خاص لله، قال الترمذي الحكيم: " سماه (آبقا ومليما) لأنه أبق عن عبودية الله، ولم يصب عين الصواب الذي عند الله، ﴿فلولا أنه كان من الْمُسَبِّحِينَ﴾، أي: الذاكرين الله كثيرا بالتسبيح والتقديس، ﴿لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ﴾، أي: في بطن الحوت، عقابا له، ﴿إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾.
стр. 2175
الربع الأول من الحزب السادس والأربعين
في المصحف الكريم (ق)
ــ
فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ (١٤٥) وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ (١٤٦) وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (١٤٧) فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ (١٤٨) فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ (١٤٩) أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ (١٥٠) أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (١٥١) وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٥٢) أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ (١٥٣) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (١٥٤) أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (١٥٥) أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ (١٥٦) فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٥٧) وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (١٥٨) سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٥٩) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٦٠) فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ (١٦١) مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ (١٦٢) إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ (١٦٣) وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ (١٦٤) وَإِنَّا
следующие страницы →