← Тафсир

Тафсир · id 115129

التيسير في أحاديث التفسير

محمد المكي الناصري

Полный текст (2 848 стр.). Показаны 2171–2210 · переход к 2176.

стр. 2171

وكما ختم كتاب الله قصة نوح في الربع الماضي بالتنويه به والثناء عليه إذ قال: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ * سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ * إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾، ختم قصة إبراهيم في هذا الربع أيضا بمثل ذلك، فقال: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ * سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ * كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾. وقبل أن ينتقل كتاب الله إلى الحديث عن قصة موسى وهارون أخبر بالبشرى الثانية التي بشر الله بها إبراهيم وهي ولادة إسحاق الذي يصغر عن أخيه إسماعيل ببضع عشرة سنة، وأثنى عليه وعلى والده والمحسنين من ذريتهما، فقال تعالى: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ * وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾، ومما يلاحظ في هذا الصدد أن البشارة بإسحاق التي وردت في سورة الحجر (الآية: ٥٣)، تضمنت وصفه " بالغلام العليم "، ﴿قَالُوا لَا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ﴾، بينما البشارة هنا بأخيه إسماعيل فظلت وصفه " بالغلام الحليم "، ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾، وتأكيدا لحلم إسماعيل وصبره قال تعالى: ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ (٨٥: ٢١). وتنويها بقدر إسماعيل، على غرار أخيه إسحاق، قال تعالى (٥٥، ٥٤: ١٩): ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا * وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾، وفي حقه وحق أخيه قال تعالى على لسان أبيهما

стр. 2172

إبراهيم، حمدا لله وشكرا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ (٣٩: ١٤). وكما أجمل كتاب الله في الربع الماضي قصة نوح ﵇، أجمل في هذا الربع قصة موسى وهارون، وقصة إلياس، وقصة لوط، وقصة يونس: فعن موسى وهارون ﵉ قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ * وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾، أي: من الرق الذي خلص منه قومه أولا، ومن الغرق، الذي لحق فرعون وجنوده وحدهم أخيرا، ﴿وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ * وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ﴾، ثم ختم كتاب الله قصتهما بنفس الأسلوب الذي ختم به قصة نوح وإبراهيم فقال تعالى: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي الْآخِرِينَ * سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ * إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾. وعن إلياس ﵇ قال تعالى: ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلَا تَتَّقُونَ * أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ﴾، أي: أتدعون صنما اتخذتموه ربا، وتتركون من يقال له " خالق "، ﴿اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ * فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾، أي: لمسوقون إلى جهنم سوقا، ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾، وسلك كتاب الله في ختام قصة إلياس نفس النمط الذي ختم به قصص نوح وإبراهيم وموسى

стр. 2173

وهارون فقال تعالى: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ * سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ * إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾، وفي قراءة أخرى سلام على إلياسين كما يقال إسماعيل إسماعين. وفي الآيات الأخيرة من هذا الربع ذكر كتاب الله بقصة لوط وقصة يونس: فعن لوط ﵇ قال تعالى: ﴿وَإِنَّ لُوطًا لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ﴾، وهي امرأته التي كانت موالية لقومها ممالئة لهم على الضلال طبقا لقوله تعالى في آية أخرى (٦٠: ١٥): ﴿إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ﴾، أي: الهالكين غير الناجين، ﴿ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ﴾، أي: بالرجم بحجارة من سجيل، ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ * وَبِاللَّيْلِ﴾، أي: تمرون على أرضهم في أسفاركم ليلا ونهارا، ومع ذلك لا تعتبرون ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾. وعن يونس ﵇ قال تعالى: ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ * فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾، ذلك أنه فارق قومه متسترا لينجو بنفسه دونهم، فلم يجد إلا سفينة مثقلة بالركاب والتحق بها، وسرعان ما أصبحت مهددة بالغرق، " فأقرع " الركاب فيما بينهم ليخففوا من أثقالها، وإذا به يفاجأ بأن يكون نصيبه هو أن يلقى في البحر، تنفيذا لنتيجة " القرعة " التي أجراها ركاب السفينة، ﴿فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ﴾، أي: هو داخل في الملامة، لأنه أتى بما يلام

стр. 2174

عليه، حيث أنه فارق قومه دون إذن من مولاه، ناسيا أن رقبته ملك خاص لله، قال الترمذي الحكيم: " سماه (آبقا ومليما) لأنه أبق عن عبودية الله، ولم يصب عين الصواب الذي عند الله، ﴿فلولا أنه كان من الْمُسَبِّحِينَ﴾، أي: الذاكرين الله كثيرا بالتسبيح والتقديس، ﴿لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ﴾، أي: في بطن الحوت، عقابا له، ﴿إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾.

стр. 2175

الربع الأول من الحزب السادس والأربعين في المصحف الكريم (ق) ــ فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ (١٤٥) وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ (١٤٦) وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (١٤٧) فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ (١٤٨) فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ (١٤٩) أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ (١٥٠) أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (١٥١) وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٥٢) أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ (١٥٣) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (١٥٤) أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (١٥٥) أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ (١٥٦) فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٥٧) وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (١٥٨) سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٥٩) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٦٠) فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ (١٦١) مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ (١٦٢) إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ (١٦٣) وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ (١٦٤) وَإِنَّا

стр. 2176

لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ (١٦٦) وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ (١٦٧) لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٦٨) لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٦٩) فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (١٧٠) وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (١٧٣) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٤) وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (١٧٥) أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ (١٧٦) فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ (١٧٧) وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٨) وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (١٧٩) سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٢) ٣٨ - سورة ص مكية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ (٢) كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ (٣) وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (٤) أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (٥) وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ (٦) مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ (٧) أَأُنْزِلَ

стр. 2177

عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ (٨) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ (٩) أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ (١٠) جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزَابِ (١١) كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ (١٢) وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ أُولَئِكَ الْأَحْزَابُ (١٣) إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ (١٤) وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ (١٥) وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ (١٦) اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ (١٧) إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ (١٨) وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ (١٩) وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ (٢٠)

стр. 2178

الربع الأول من الحزب السادس والأربعين في المصحف الكريم (ت) عباد الله موضوع حديث اليوم تفسير الربع الأول من الحزب السادس والأربعين في المصحف الكريم، ابتداء من قوله تعالى في سورة الصافات المكية: ﴿فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ﴾ إلى قوله تعالى في سورة ص المكية أيضا: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾. ــ والآيات الأولى من هذا الربع هي تتميم لما سبقها في شأن يونس وقومه، ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾، الآيات، ذلك أن يونس ﵇ بعد أن قضى وقتا طويلا في تسفيه معتقدات الشرك والوثنية بين قومه، ولم يصل معهم إلى نتيجة حاسمة، ضاق صدره، ونفذ صبره، إذ لم يكن مندرجا بين " أولي العزم " من الرسل، الذين لا يضيق صدرهم، ولا ينفد صبرهم، فغضب على قومه، وقرر الرحيل عنهم والفرار منهم، بعد أن أنذرهم بالعذاب الإلهي الشديد، لكنه لم يبن قراره بالرحيل عنهم على وحي إلهي صريح، وإنما بناه على مجرد اجتهاد شخصي، وكان الأولى به - كما ظهر فيما بعد- أن لا يضيق صدره، ولا ينفد

стр. 2179

صبره، وأن ينتظر حكم الله بينه وبين قومه، وذهب يونس يضرب في الأرض، فرارا من قومه، حتى انتهى به المطاف إلى شاطئ البحر، فوجد جماعة يعبرونه، وركب معهم سفينة مشحونة بالأثقال، غير أنه ما كادت سفينتهم المشحونة تمخر عباب البحر حتى هاجت عليها الأعاصير، وتلاطمت فوقها الأمواج، ولم يجدوا وسيلة للخلاص من الغرق إلا بالتخفيف من حمولتها، فأقرعوا بين ركابها، ووقعت القرعة على يونس، ثم أعيدت القرعة عدة مرات، لكن نتيجتها كانت مثل المرة الأولى، وضن الركاب به أن يلقوه في البحر، احتراما لمظهره المهيب، لكن يونس أدرك بنور إيمانه أن لله سرا وأي سر في " القرعة " التي خرج سهمها فيه، وفيما كتبه الله عليه، فألقى بنفسه في البحر راضيا مطمئنا، مستسلما لإرادة الله وحكمه الحكيم، فالتقمه الحوت لطفا من الله، حتى لا يموت غريقا، وأخذ الحوت يتقلب به في أعماق البحر وهو في بطنه، دون أن يقتطع منه لحما، أو يكسر له عظما، وكانت فرصة سانحة ليونس يدرك بها سر الله في البحر وقدرته الباهرة، كما أدرك سر الله وقدرته في البر، وأحس يونس أن فيما كتبه الله عليه نوعا من التأديب الإلهي على ما أقدم عليه من مفارقة قومه، والتوقف عن مواصلة رسالته بينهم، دون إذن سماوي صريح، فما وسعه -وهو في بطن الحوت لا يستطيع أن يفلت من قبضة الله- إلا الالتجاء إلى الله بالتضرع والدعاء والندم على ظلمه لنفسه، والتعلق بواسع عفو الله وخفي لطفه، فاستجاب الله دعائه، بعد أن نال ما قدره له من جزاء، وألقاه الحوت بأمر الله في أرض عراء، لا نبات بها ولا بناء، وأذن الله بإنبات شجرة عليه تظله بورقها،

стр. 2180

وتطعمه من ثمرها، وما كاد يستعيد عافيته ويزول عنه السقم، حتى بادر للعودة إلى قومه مسرعا، واستأنف الرسالة السامية التي ألقاها الله على عاتقه، وكم كان سروره عظيما، وابتهاجه بالغا، عندما وجد أن الله قد حقق أمنيته، وأن قومه قد شرح الله صدورهم للإيمان، وهجروا الأصنام والأوثان، بمجرد ما شاهدوا نذر العذاب الذي كان أنذرهم به، فعرفوا صدقه وآمنوا برسالته، وذلك قوله تعالى في سورة الصافات التي نواصل تفسيرها: ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ * فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ * فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ * فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ * وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ * وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ * فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾، ويزيد هذه الآيات تفسيرا وتوضيحا قوله تعالى في سورة الأنبياء (٨٧): ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾، وقوله تعالى في سورة (يونس) إحدى سور القرآن المسماة باسمه (٩٨): ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾. ويظهر من السياق أن الحكمة المقصودة من الإتيان بقصة يونس كخاتمة لقصص الأنبياء والرسل، منذ عهد نوح ﵇، في هذه السورة المكية، هي ضرب المثل لخاتم الأنبياء والمرسلين، بمن سبقه من " أولي العزم " الأولين، وتحذيره من

стр. 2181

التهاون في أداء الرسالة الملقاة على عاتقه، إذ لا يعفيه منها شيء، ولا يبرر التخلي عنها أي أذى يلحقه من قبل المشركين، مهما كان أذاهم بالغا، بل تجب عليه المثابرة ويلزمه الصبر، إلى أن يتحقق النصر، ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ (١٠: ٨) كما تتضمن هذه القصة تنبيها صريحا للرسول ﵇، حتى لا يسلك مسلك أخيه يونس، عندما فارق قومه مغاضبا لهم، ساخطا عليهم، فاضطرته الأقدار للعودة إليهم من جديد، إذ لابد له من تحقيق مراد الله، وتبليغ رسالته، ولو كره المشركون. وبهذا التوجيه يظهر مغزى ما جاء بعد ذلك في هذا الربع نفسه من الآيات البينات، حيث يقول الحق تثبيتا لرسوله على الحق، والدعوة إليه دون انقطاع ولا فتور (١٧٢: ١٧١): ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ * وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾، ومادام الحق قد وعد رسله بنصره، وعلى رأسهم خاتم الرسل والأنبياء، ووعد جنده بالغلبة، فلا مناص من المثابرة والمصابرة، ﴿وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ﴾، ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ (٥٥: ٤٠) ﴿لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ (٦: ٣٠). أما بقية الآيات من سورة الصافات في هذه الحصة فهي وصف كاشف للمعتقدات الوثنية الباطلة، التي كان عليها مشركو الجاهلية، ومن قبلهم كافة المشركين في العالم، وإتيان القرآن بها يقصد منه إبراز ما بين الشرك والتوحيد من البون الشاسع، وما بين المشركين والموحدين من تفاوت بالغ في درجة التفكير ومستوى

стр. 2182

العقل، ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ﴾، ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ * إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾، ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. والآن فلنشرع على بركة الله في تفسير سورة (ص) المكية أيضا: لقد ركزت الآيات الأولى من هذه السورة اهتمامها، في إلقاء الأضواء على خصوم الرسالة المحمدية، وكشف الستار عن السبب الدفين والوحيد في خصومتهم وعنادهم، فهم من جهة أُولى أهل ﴿عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾، وهم من جهة ثانية مقيدون بسلاسل التقليد الأعمى لا يستطيعون عنه حولا، وذلك قوله تعالى فيما يتصل بالنقطة الأولى: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ * بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾، " والعزة " هنا بمعنى الاستكبار والحمية، و " الشقاق " بمعنى التعصب والعناد، ثم قوله تعالى فيما يتعلق بالنقطة الثانية: ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ * أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (٤) أجعل الآلهة إلها واحدا، إن هذا، لشيء عجاب﴾. على أن قادة الشرك وزعماء الوثنية لم يكتفوا بما هم عليه في ذات أنفسهم من كبر وعناد، وتقليد للآباء والأجداد، بل راحوا ينظمون الحملات تلو الحملات، لحمل عامة المشركين على التمسك بالوثنية وتشكيكهم في دعوة التوحيد، مدعين زورا وبهتانا أن الملل السابقة على الإسلام لا تؤيد رسالة خاتم الأنبياء ﵇، وإلى ذلك يشير قوله تعالى: ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ

стр. 2183

امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ * مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ * أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا﴾، ثم أبطل كتاب الله ما أدلوا به، من شبه وأباطيل، مشيرا إلى أن الحق هو وحده الذي يعلم حيث يجعل رسالاته، ويهب من خزائنه الواسعة ما يريد لمن يريد، فقال تعالى: ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ * أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ * جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزَابِ﴾. وأخيرا تولت الآيات الكريمة الإشارة إلى ما قام به من العناد والتكذيب قبل مشركي قريش قوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وأصحاب الأيكة، أي: الغابة الملتفة- وفرعون " ذو الأوتاد "، إشارة إلى الأهرامات الشامخة البناء، التي نصبها الفراعنة، فكانت كالأوتاد الممدودة نحو السماء، وذلك قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ * وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ أُولَئِكَ الْأَحْزَابُ * إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ﴾. وانتهى هذا الربع بالحديث عن داوود ﵇، وما آتاه الله من القوة، ومنحه من تسخير الجبال والطير، وجاء ختامه بهذا التنويه الإلهي الكريم: ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾.

стр. 2184

الربع الثاني من الحزب السادس والأربعين في المصحف الكريم (ق) ــ وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (٢١) إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ (٢٢) إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ (٢٣) قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ (٢٤) فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ (٢٥) يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (٢٦) وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ

стр. 2185

وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (٢٧) أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (٢٨) كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٩) وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٣٠) إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ (٣١) فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ (٣٢) رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ (٣٣) وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ (٣٤) قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٣٥) فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ (٣٦) وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (٣٧) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (٣٨) هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٩) وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ (٤٠) وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (٤١) ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ (٤٢) وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (٤٣) وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ

стр. 2186

الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٤٤) وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ (٤٥) إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (٤٦) وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ (٤٧) وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيَارِ (٤٨) هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ (٤٩) جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ (٥٠) مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ (٥١)

стр. 2187

الربع الثاني من الحزب السادس والأربعين في المصحف الكريم (ت) عباد الله موضوع حديث اليوم هو الربع الثاني من الحزب السادس والأربعين في المصحف الكريم، ابتداء من قوله تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ﴾، إلى قوله تعالى: ﴿يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ﴾. ــ ترتبط الآيات الأولى من هذا الربع بما سبقها في نهاية الربع الماضي، والحديث فيها جميعا يدور حول داوود ﵇، غير أن القسم السابق منها كان تنويها بما أكرم الله به حملة الرسالة، ومن بينهم داوود ﵇، من تأييد وتسخير، ونفوذ روحي لا يقف عند حد، إذ يتجاوز دائرة الإنسان، ويمتد إلى الجماد والحيوان، ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ * وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً﴾، كما كان تنويها بما أكرم الله به رسله- وداوود منهم وإليهم - من نصر مؤزر، وفتح مبين، وسلطة رحيمة وحكيمة، يستعملونها لخير الإنسانية جمعاء، ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾.

стр. 2188

ومغزى هذا الجزء ومعناه الذي يدل عليه السياق هو أن العزيز الوهاب الذي أكرم نبيه داوود، وأنعم عليه بالحكمة والسلطان، وتسخير الإنسان والجماد والحيوان، لن يكل رسوله محمدا إلى نفسه، ولن يتركه عرضة لأذى المشركين وسيطرتهم، بل إنه سينصره عليهم، وسيظهر دينه على أباطيلهم، وسيجعل أمته خير أمة أخرجت للناس، ودولته أكبر دولة عرفها العالم، فلا ينبغي له أن يبتئس أو ييأس، وهو في غمرة الكفاح مع الشرك والمشركين، ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٧: ١٢٨). أما القسم الأخير من نفس الآيات في نفس الموضوع، وهو ما جاء في بداية هذا الربع الذي نحن بصدد تفسيره، فهو تقرير "ضمني" لأن الله تعالى عندما يكل إلى رسله سلطة الحكم بين الناس، والخلافة عنه فيهم، لن يتركهم حيارى يتخبطون في مشاكل الخلق ونزاعاتهم، دون مدد ولا سند، بل إنه سبحانه يمدهم برعايته وعنايته، وتوفيقه وتوجيهه، باستمرار، ولا يقرهم في أي شأن من الشؤون على الخطأ، إذا اجتهدوا وتعرضوا للخطأ من غير قصد، وكما أمد الحق داوود ﵇ برعايته وتوجيهه، عندما أولاه مقاليد الحكم، فسيمد رسوله محمدا ﵇ بنفس المدد، عندما يحين الوقت لذلك، وينصر رسوله، ويظهر دينه، ويقيم دولة الإسلام الكبرى، الخالدة إلى يوم الدين. وعلى ضوء هذا المعنى نفهم قوله تعالى مخاطبا لخاتم الأنبياء والمرسلين: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا

стр. 2189

الْمِحْرَابَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ﴾، ﴿وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾، وقوله تعالى في نفس السياق مذكرا بالخطاب الإلهي الذي وجهه إلى داوود: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾، وفهم القرآن على هذا النحو وشبهه من الإيحاء والتوجيه والإرشاد، وتحليل آياته في إطار الجو الذي نزلت فيه، هو ما يدعو إليه كتاب الله نفسه في هذا السياق، ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾. أما قصة الخصمين اللذين احتكما إلى داوود ﵇، بالتفاصيل التي يذكرها بعض المفسرين، مما لم يرد في كتاب الله، فقد قال عنها الحافظ ابن كثير في تفسيره: " أكثرها مأخوذ من الإسرائيليات، ولم يثبت فيها عن المعصوم حديث يجب اتباعه، ولكن روى ابن أبي حاتم ها هنا حديثا لا يصح سنده، لأنه من رواية يزيد الرقاشي عن أنس ﵁، ويزيد، وإن كان من الصالحين، لكنه ضعيف الحديث عند الأئمة، فالأولى أن يقتصر على مجرد تلاوة القصة، وأن يرد علمها إلى الله ، فإن القرآن حق، وما تضمن فهو حق أيضا ". والآن فلنقرأ ما حكاه كتاب الله بإيجاز وإجمال عن مضمون الدعوى، ولنسمع كيف عرض المدعي دعواه على داوود عليه

стр. 2190

السلام، ولنسجل ماذا حكم به داوود لصالح المدعي، إذ سلم له المدعى عليه ولم يطعن في دعواه: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا﴾، أي: اجعلها في كفالتي وملكي، ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾، أي: أغلظ علي في القول، ﴿قَالَ﴾، أي: داوود، ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ﴾، أي: من الأقرباء والشركاء، ﴿لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾، أي: يظلم بعضهم بعضا، ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ﴾، أي: اختبرناه وامتحناه، ﴿فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾. وقوله تعالى: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى﴾، علق عليه ابن كثير في تفسيره فقال: " هذه وصية من الله لولاة الأمور، أن يحكموا بين الناس بالحق المنزل من عنده ﵎، وأن لا يعدلوا عنه فيضلوا عن سبيله " وذكر (ابن العربي) المعافري في معنى قوله تعالى: ﴿خَلِيفَةً﴾، أن معنى " الخلافة " لغة هو قيام الشيء مقام الشيء، وبين أن الله قد جعل الخلافة لخلقه على العموم، كما في قوله ﵇: " إن الله مستخلفكم فيها -أي في الدنيا- فناظر كيف تعملون "، وجعلها على الخصوص، كما في قوله تعالى هنا: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ﴾، وذكر أن " الخلفاء " على أقسام: أولهم الإمام الأعظم، وآخرهم العبد في مال سيده، واستشهد على ذلك بقوله ﷺ : " كلكم راع

стр. 2191

وكلكم مسؤول عن رعيته، والعبد راع في مال سيده ومسؤول عن رعيته ". وها هنا لطيفة لا ينبغي إغفالها، ألا وهي أن لفظ " الملك " لا يناقض لفظ " الخلافة "، وأن من الممكن أن يجتمعا في محل واحد، كما هو الشأن هنا، إذ وقع إطلاقهما معا في كتاب الله على داوود ﵇، فهو في آن واحد " ملك " بدليل قوله تعالى: ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ﴾، و " خليفة " بدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً﴾، والعبرة في استعمالهما وتواردهما على محل واحد: إنما هي بالتزام حدود الله، والاهتداء بهدي الوحي المنزل من عند الله، وبناء على ذلك يكون الخليفة " ملكا " ويكون الملك " خليفة ". ثم تناولت الآيات بالذكر شيئا من حياة سليمان بن داوود ﵉ وسيرته، وما آتاه الله من نفوذ وتسخير، وما تعرض له إلى جانب ذلك من الامتحان، وناله من الرضى والغفران، وذلك قوله تعالى تنويها بسليمان: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾، وقوله تعالى حكاية لدعاء سليمان: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾، وقوله تعالى تعريفا بمكانة سليمان: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾. وفي نفس السياق ذكر كتاب الله إبراهيم وإسحاق ويعقوب، ﴿أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ﴾، وإسماعيل واليسع وذا الكفل، وكلهم من ﴿الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ﴾،وذكر كتاب الله في هذا

стр. 2192

المقام قصة خاصة- مواساة لنبيه حتى يصبر على أذى مشركي قريش- قصة أيوب ﵇، الذي يضرب به المثل في الصبر والرضى، ونوه به قائلا: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾. وانتهى هذا الربع بالحديث عما أعده الله للمتقين من الجزاء الحسن والنعيم المقيم، ﴿هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ * جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ * مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ﴾.

стр. 2193

الربع الثالث من الحزب السادس والأربعين في المصحف الكريم (ق) ــ وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ (٥٢) هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ (٥٣) إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ (٥٤) هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ (٥٥) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمِهَادُ (٥٦) هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ (٥٧) وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ (٥٨) هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لَا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُو النَّارِ (٥٩) قَالُوا بَلْ أَنْتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا فَبِئْسَ الْقَرَارُ (٦٠) قَالُوا رَبَّنَا مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ (٦١) وَقَالُوا مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ (٦٢) أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ (٦٣) إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ (٦٤) قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٦٥) رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (٦٦) قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ (٦٧) أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ (٦٨) مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٦٩)

стр. 2194

إِنْ يُوحَى إِلَيَّ إِلَّا أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٧٠) إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ (٧١) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (٧٢) فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٧٣) إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٧٤) قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ (٧٥) قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (٧٦) قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٧٧) وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (٧٨) قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٧٩) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٨٠) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (٨١) قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣) قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ (٨٤) لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٥) قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (٨٦) إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (٨٧) وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ (٨٨) ٣٩ - سورة الزمر مكية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١) إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (٢) أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا

стр. 2195

لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ (٣) لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٤) خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (٥) خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٦) إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٧)

стр. 2196

الربع الثالث من الحزب السادس والأربعين في المصحف الكريم (ت) عباد الله حديثنا في هذا اليوم يتناول الربع الثالث من الحزب السادس والأربعين في المصحف الكريم، ابتداء من قوله تعالى في سورة (ص) المكية: ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ﴾، إلى قوله تعالى في سورة الزمر المكية أيضا: ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾. ــ لا يزال كتاب الله يواصل وصفه " المعجز " لما أعده الله في دار البقاء، من نعيم يسعد به " المتقون "، وعذاب يشقى به " الطاغون ". ومما يستلفت النظر هنا ما أبرزه الاستعمال القرآني في هذا السياق بالخصوص، من المقابلة بين ﴿الْمُتَّقِينَ﴾ والـ ﴿طَاغِينَ﴾، حيث قال تعالى: ﴿وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ﴾، ثم قال بعد ذلك ﴿هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ﴾، إذ من شأن " المتقي " أن يكون ملازما للاحتياط والحذر، واقفا عند حدود الله، بينما غير المتقي من شأنه أن يكون متجرئا على الله، منتهكا حرماته، لا يقف أي شيء دون انطلاق أهوائه وطغيان شهواته، فهو لا يعرف الحدود والقيود، ولا يحسب لها أدنى حساب، وبهذه المقابلة بين التقوى والطغيان، التي جاء بها

стр. 2197

القرآن، نستطيع أن نفهم روح التقوى، ونميز ملامح المتقين. ومن المناسب في هذا المقام عقد مقارنة ولو على وجه الإجمال بين الوصف الذي وصف به كتاب الله أهل الجنة من ﴿الْمُتَّقِينَ﴾، والوصف الذي وصف به أهل النار من الـ ﴿طَاغِينَ﴾، فالآيات القرآنية في ختام الربع الماضي وبداية هذا الربع لم تعرج مطلقا على أي حديث يمكن أن يعتبر حديثا نابيا بين أهل الجنة فيما بينهم، لأنهم جميعا يعيشون عيشة راضية، وقد ألفت بينهم وحدة العقيدة، ووحدة السلوك، ووحدة المصير، ﴿إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ (٤٧: ١٥)، بينما الآيات التي تسجل مشاعر الـ ﴿طَاغِينَ﴾، وهم في جهنم، وانطباعات بعضهم عن بعض، وردود الفعل للمحاورات والمجادلات التي يتبادلونها وهم يتلقون عذاب الله، كلها تصورهم وهم يتراشقون بالتهم والشتائم واللعنات، ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ (٣٨: ٧)، فعندما يفاجأ بعضهم بقدوم فريق جديد من الطاغين عليهم، ويقال: ﴿هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ﴾، يرد ذلك البعض على هذه المقالة شامتا متشفيا ويقول: ﴿لَا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُو النَّارِ﴾، لكن الفريق الذي يسمع هذه التحية المنكرة، لا يلبث أن يرد على الشامتين تحيتهم، ملقيا عليهم مسؤولية التردي في هوة الشقاء والعذاب، ﴿قَالُوا بَلْ أَنْتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا فَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾، من المفارقات في هذا المشهد المفجع أنهم يتجهون إلى الله مهطعين خاشعين، داعين على من أضلهم وأغواهم، وأمسك بمقادتهم إلى النار: ﴿قَالُوا رَبَّنَا مَنْ

стр. 2198

قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ﴾. ثم يشير كتاب الله إلى الخيبة التي يمنى بها " الطاغون " عندما يستقر بهم المطاف في جهنم، حيث لا يستدبرون مفاجأة إلا ليستقبلوا مفاجأة أدهى وأمر. نعم لقد كانوا في حياتهم يعتبرون ﴿الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ﴾، عبارة عن منبوذين أشرار، لا يستحقون إلا السخرية والاستهزاء، وهاهم الآن يتساءلون عنهم في لهفة وحسرة: أين يوجد أولئك الرجال الذين كانوا يعدونهم أشرارا، هل هم يرافقونهم في جهنم لكن لا تقع عليهم أعينهم الزائغة؟ أم أنهم ليسوا في جهنم أصلا: ﴿وَقَالُوا مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ * أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ﴾. ويعقب كتاب الله على هذا الوصف الكاشف الذي يبرز حيرة الطاغين الخارجين عن طاعة الله، المكذبين لرسله، ويكشف الستار عما هم عليه من شقاق وخلاف وتضارب في الآراء، ولو في دار الشقاء، قائلا: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ﴾. وتنتقل الآيات فيما بعد ذلك إلى قصة خلق آدم وسجود الملائكة له، امتثالا لأمر الله تعالى بتكريمه، وترشيحا لما أعدته له الأقدار من الخلافة في الأرض، وحمل أمانة التكليف التي عجزت عن حملها بقية المخلوقات، ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ﴾ (٣٣: ٧٢)، وتنتهي القصة بالإشارة إلى أخطر سابقة في عالم الكبر والغواية، وهي سابقة إبليس اللعين: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ

стр. 2199

الْكَافِرِينَ * قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ * قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ * قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ * وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾، ثم حكى كتاب الله تحدي إبليس اللعين: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾. وختمت سورة (ص) بآية كريمة هي آية إعجاز وتثبيت النبوة، والتنبؤ بما ستلده الأيام من أحداث واكتشافات تزيد المؤمنين إيمانا، وتبهر الشاكين والمكذبين، فلا يسعهم إلا أن يذعنوا لها إذعانا، وذلك قوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ * وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾، إشارة إلى أن ما جاء به القرآن، وعلمه للإنسان، ستثبت الأيام أنه حق لا ريب فيه، وصواب لا خطأ فيه، على مر الأزمان، وما من جيل إلا وسيكتشف من لطائفه وأسراره ما لم يصل إلى غيره، فكتاب الله " لا يشبع منه العلماء، ولا يخلق على كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه "، كما جاء في الأثر عن علي كرم الله وجهه، وبمعنى هذه الآية سبق قوله تعالى في سورة الحج (٥٤): ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ﴾، وسيأتي في سورة فصلت قوله تعالى (٥٣): ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾. والآن فلنشرع على بركة الله في تفسير سورة الزمر المكية أيضا، مستعينين بالله، وإنما سميت بهذا الاسم أخذا من آيتين في نفس السورة وردت فيها كلمة (الزمر)، جمع "زمرة" بمعنى

стр. 2200

الفوج والجماعة، حيث قال تعالى (٧١): ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا﴾، وقال تعالى (٧٣): ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا﴾. أول موضوع في هذه السورة يطرق الآذان هو موضوع نزول القرآن، حيث قال تعالى: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ * إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾، وثاني موضوع فيها هو إبراز دعوة التوحيد، والإلحاح على التمسك بها والإخلاص فيها، حيث قال تعالى: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ * أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾،وثالث الموضوعات يتناول تسفيه أنواع الشرك والكفر التي يدين بها المشركون والكافرون، حيث قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾، وهذا رد على المشركين الذين نسبوا إليه أنه " اتخذ من الملائكة إناثا " وعلى النصارى الذين نسبوا إليه أنه اتخذ من المسيح ولدا، ﴿سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾، والموضوع الرابع تصدى فيه كتاب الله للرد على المعتقدات الباطلة بالبراهين القطعية، والدلائل الكونية، مما يضطر إلى التسليم به، ويتواطأ على قبوله: الحس والعقل والوجدان، وذلك قوله تعالى مذكرا بآياته الكونية في الآفاق: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾، وقوله تعالى مذكرا بآياته الطبيعية في الأنفس:

стр. 2201

﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ﴾، ثم عقب كتاب الله على الآيات الباهرة التي أبرزها في الأنفس والآفاق، مستخلصا منها نتائجها المنطقية، فقال تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾. وبعد هذه الجولة القرآنية في عالم الملك والملكوت خاطب الحق عباده جميعا، مبينا لهم أنه سبحانه إنما يريد بهم ولهم خيرا، وأن من اهتدى منهم فلنفسه أحسن، ومن ضل فإنما يضل عليها، وأن كل فرد مسؤول عن نيته وعمله أمام الله، وذلك قوله تعالى في نهاية هذا الربع: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾.

стр. 2202

الربع الأخير من الحزب السادس والأربعين في المصحف الكريم (ق) ــ وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ (٨) أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (٩) قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (١٠) قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (١١) وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ (١٢) قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٣) قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي (١٤) فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ

стр. 2203

هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (١٥) لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ (١٦) وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٨) أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ (١٩) لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ (٢٠) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (٢١) أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٢) اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ

стр. 2204

فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٢٣) أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٢٤) كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (٢٥) فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٢٦) وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٧) قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٢٨) ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٢٩) إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ (٣١)

стр. 2205

الربع الأخير من الحزب السادس والأربعين في المصحف الكريم (ت) عباد الله في حصة هذا اليوم نتناول الربع الأخير من الحزب السادس والأربعين في المصحف الكريم، ابتداء من قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ﴾، إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾. ــ في بداية هذا الربع يصف كتاب الله بكل دقة، وفي إيجاز وإعجاز، نفسية ضعفاء الإيمان من بني الإنسان، ومواقفهم المتناقضة في كل زمان ومكان، ولاسيما الموقف الذي يكونون عليه في حالة الضراء، والموقف الذي ينقلبون إليه في حالة السراء، وذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾، على غرار قوله تعالى في آية ثانية (١٢: ١٠): ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾، وقوله تعالى في الآية ثالثة (٦٧: ١٧): ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ

стр. 2206

أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا﴾، وقوله تعالى في آية رابعة (٤٩: ٣٩): ﴿فَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾. وجميع هذه الآيات تسجل على ضعفاء الإيمان ما هم عليه من تناقض وتذبذب وتردد، وتكشف الستار عن خلجات نفوسهم ونبضات قلوبهم في حالتي اليسر والعسر، والشدة والرخاء، فهم حينما تنزل بساحتهم كارثة من الكوارث، أو داهية من الدواهي، يجزعون ويفزعون، ويحسون من أعماق أعماقهم بما هم عليه من الضعف والعجز والهوان على الله وعلى الناس، ويدركون بغريزتهم الفطرية أنهم لا يستطيعون لما نزل بهم دفعا، وأنه لا خلاص لهم من المحنة، ولا نجاة لهم من الكرب، إلا بالالتجاء إلى الله وحده القاهر فوق عباده، ويجدون أنفسهم مدفوعين بدافع قهري وخفي إلى التمرغ في أعتاب من بيده الملك والملكوت، طارقين بابه بمنتهى الخضوع والخشوع، حتى إذا ما استجاب الله دعاءهم، بواسع رحمته، وجميل لطفه، نسوا الله فأنساهم أنفسهم، ولم يعودوا يتذكرون المحنة التي نكست رؤوسهم، وأثقلت ظهورهم، وأقضت مضاجعهم، وزلزلت كيانهم، بل استأنفوا من جديد كل ما كانوا عليه من التظاهر والتجاهر بالفساد والطغيان، ولجوا في العناد والعدوان، وأقبلوا على ممارسة شهواتهم، والانغماس في لذاتهم، والجري وراء أهوائهم، والتسابق إلى الطاعة العمياء، لمن يشركونهم بالله من السادة

стр. 2207

والكبراء، وإن كان في رضاهم سخط الله، وفي الاعتماد عليهم شرك بالله، وذلك كله من أجل متعة مؤقتة مآلها إلى زوال، وفي سبيل منفعة عاجلة نهايتها إلى وبال، وإلى هذا الموقف المزري الذي يقفه ضعفاء الإيمان في وقفتهم الخاسرة، ومقابلتهم لطف الله بالجحود بدلا من الشكر، وبالإساءة بدلا من الإحسان، ينظر قوله تعالى في نفس الموضوع: ﴿وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾: بينما المتحررون من ربقة الشرك الظاهر والخفي، ومن كل عبودية لغير الله، جاءتهم البشرى من الحق في قوله: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾. وتعالج آية أخرى من هذا الربع بالوصف والبيان، حالة الإنسان الكامل الذي أكرمه الله بقوة الإيمان بحيث لا تأخذه سنة الغفلة والنسيان، فهو قانت خاشع، معلق قلبه بين الخوف والرجاء، إذا خاف فإنه لا يخاف شيئا إلا عذاب الله، وإذا رجا فإنه لا يرجو أحدا وإنما يرجو رحمة الله، وذلك قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾، وأدرجت الآية ﴿آنَاءَ اللَّيْلِ﴾، في هذا المقام بالخصوص وهو مقام الذكر والفكر، لأن ساعات الليل في الواقع هي أصلح الأوقات لسكون النفس، وطمأنينة القلب، وتركيز الفكر في مناجاة الرب، وهي أبرك اللحظات للتأمل في جلال الكون وجماله، وإدراك قدرة المكون وكماله. وكما ذكرت ﴿آنَاءَ

стр. 2208

اللَّيْلِ﴾، في هذه الآية تنويها بقدرها، وإشارة إلى خفي سرها، فقد ذكرت مرة أخرى في قوله تعالى (١١٣: ٣): ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾. وحيث أن أسمى غاية للعلم والمعرفة بالنسبة للإنسان هي الوصول إلى " الحقيقة الأولى " التي هي مصدر النور ومنبع الحياة، وربط الاتصال بها قلبا وقالبا، جاء كتاب الله ينوه بها، ويلفت النظر إليها، معتبرا أن كل علم لا يؤدي إليها، ولا يصل بصاحبه إلى إدراكها، إنما هو نوع من الجهل، بل هو " الجهل المركب الغليظ "، وإلى ذلك يشير قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾، في أعقاب قوله تعالى: ﴿سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾، فمن لا يرجو الله ولا يخافه معدود بين الجهلاء، وإن كان عند نفسه وعند الناس من العلماء. وتأتي آية خاصة في هذا الربع لتصف مآل الخاسرين، ثم تتلوها آية أخرى لتصف مآل الفائزين، غير أن الربح والخسارة في لغة القرآن لهما ميزان خاص، غير الموازين المتعارفة بين الناس، فالخاسرون في هذا الميدان هم أولئك الذين خرجوا من هذه الدار وقد ضيعوا رأس مالهم، وهو خلاص أنفسهم ونجاتها، وضيعوا الربح الذي كان على مقربة منهم، وهو خلاص أهلهم وذويهم ممن كانوا تحت ولايتهم، فلا هم اهتدوا في أنفسهم، ولا هم أعانوا على الهداية من كانوا إلى نظرهم من الأزواج والأولاد

стр. 2209

والخدم، ولم يقوا أنفسهم وأهليهم نارا، وذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ * لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾. أما الفائزون الذين لم تلحقهم خسارة ولا إفلاس فهم على العكس من ذلك: أولئك الذين نجوا بأنفسهم فلم يخسروها، إذ صرفوا حياتهم- وهي رأس مالهم- في الرشد والخير والصلاح، ولم يخسروا أهليهم وذويهم، بل قادوهم إلى طرق الخير والبر، فكان ربحهم مضاعفا، ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾، ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ﴾. وتمضي الآيات الباقية من هذا الربع في تعداد نعم الله على خلقه، ووصف مظاهر لطفه بهم ماديا وروحيا، والمقارنة بين نور الإسلام وظلمة الكفر، وآثار كل منهما في النفوس، حيث قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ﴾، وقال تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾، ثم تمضي في استعراض خصائص القرآن العظيم الذي يجب أن يظل نبراسا للمسلمين إلى يوم الدين، ووصف ما خلع الله عليه من حلل المهابة والجلال، وجعل له من السيطرة على القلوب،

стр. 2210

والهيمنة على المشاعر، حيث قال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾. ومعنى قوله تعالى هنا: ﴿مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾، حسبما روي عن سفيان بن عيينة، (أن سياقات القرآن تارة تكون في معنى واحد يشبه بعضه بعضا، فهذا من " المتشابه "، وتارة تكون بذكر الشيء وضده، أي في معنيين اثنين، كذكر المؤمنين ثم الكافرين، وكوصف الجنة تم وصف النار، وما أشبه هذا، فهذا من " المثاني " مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ (١٤: ٨٢). قال ابن كثير: " وقد كان الصحابة رضوان الله عليهم عندما يسمعون كلام الله من تلاوة رسول الله ﷺ تقشعر جلودهم، ثم تلين مع قلوبهم إلى ذكر الله، ولم يكونوا يتصارخون ولا يتكلفون ما ليس فيهم، بل عندهم من الثبات والسكون، والأدب والخشية ما لم يلحقهم فيه أحد، ولهذا فازوا بالمدح من الرب الأعلى في الدنيا والآخرة، ولم ينعتهم بذهاب عقولهم، والغشيان عليهم، وإنما هذا في أهل البدع، وهو من الشيطان ". ومعنى قوله تعالى هنا في وصف كتابه العزيز: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾، أنه نزل بلسان عربي مبين لا التباس فيه ولا انحراف، ولا تناقض ولا اختلاف، على غرار قوله تعالى في
следующие страницы →