Полный текст (2 848 стр.). Показаны 2311–2350 · переход к 2316.
стр. 2311
كتاب الله بالتعقيب عليها، مبينا أن لطف الله بالإنسان، ورحمته إياه، لن يمسكهما عن خلقه كلما احتاجوا إليهما، وتوقفوا عليهما، إذ إن رحمته وسعت كل شيء، فقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ﴾، وفي سياق هذه الآية جاءت كلمة (الغيث) بالخصوص، بدلا من كلمة (المطر) التي أكثر استعمالا وشيوعا، إشارة إلى أن الحق متكفل بأن يغيث عباده ويرحمهم بعد اليأس والقنوط، فينجدهم بإنزال المطر كلما بسطوا أكف الضراعة إليه، سائلين الغوث والنجدة من خالقهم ورازقهم على الدوام، على غرار قوله تعالى في سورة الروم: (٤٩: ٤٨) ﴿فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ * فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ﴾.
وقوله تعالى في نفس السياق: ﴿وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ﴾، إشارة إلى أن الحق لا يتصرف لخلقه إلا بما ينفعهم دنيا وأخرى، فهو (وليهم) الحق، الذي يتولاهم بفضله وإحسانه، والذي يجب أن يتولوه بالسعي إلى مرضاته، والانقياد لأوامره، وهو سبحانه (الحميد) أي المحمود العاقبة في جميع ما يقدر ويفعله، لتوجيه خلقه ومصلحتهم.
ومضى كتاب الله يتحدث عن آيات الله الباهرة في كونه الفسيح، وفي الطليعة: خلق السماوات والأرض وما بثه سبحانه في العالم العلوي والعالم السفلي من كائنات وأحياء لا يحصيها عد، وقد مضى على الإنسان منذ ظهوره على سطح الأرض مئات
стр. 2312
الآلاف من السنين، وهو لا يزال عاجزا عن فهم هذا النظام العجيب، مشدوها أمام أسراره وعجائبه.
وبين كتاب الله أن الخالق الذي خلق هذه الكائنات والأحياء، وبثها ووزعها في السماوات والأرض قادر على أن يجمعها جميعا في صعيد واحد متى شاء، وفي ذلك مظهر آخر من مظاهر قدرته المبسوطة على كل شيء، ومظاهر علمه المحيط بكل شيء، وذلك قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾، ولفظ (دابة) في هذه الآية حمله ابن كثير على ما يشمل الملائكة والجن والإنس وباقي الحيوانات، بخلاف لفظ (دابة) الوارد في قوله تعالى (٤٥: ٣٥): ﴿مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾، فإن معناه قاصر على ما يدب من الكائنات الحية فوق ظهر الأرض.
وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾، يشير إلى ما يأمر به الحق عند قيام الساعة من (جمع المخلوقات) كلها عند النشر والحشر والحساب في عرصات القيامة، وفقا لقوله تعالى فيما سبق من هذه السورة (٧): ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾، ولقوله تعالى في سورة التغابن (٩): ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾، ولقوله تعالى في سورة الكهف (٩٩): ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا﴾ ولقوله تعالى في سورة آل عمران (٩): ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ
стр. 2313
لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾، ولقوله تعالى في سورة الواقعة (٥٠): ﴿قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ * لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾، ولا يصح حمل هذه الآية على (رواد الفضاء) كما ارتآه بعضهم، فإن ذلك تكلف لا تطاوعه هذه الآية ولا الآيات الأخرى التي تفسر معناها أوضح تفسير.
وتناولت آيات هذا الربع الحديث عن قدرة الله القاهرة في تحريك الرياح وتسكينها، وما لها من تأثير بالغ على نشاط الإنسان في عالم الملاحة البحرية، والحديث عن ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ﴾، والحديث عن ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾، والحديث عن ﴿الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾، والحديث عن الخاسرين ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. كما تناولت الآيات ذكر (الشورى) بين المسلمين، ومن أجل ذلك أطلق على هذه السورة اسم (سورة الشورى) تنويها بها، فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ * وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾، ففي هذه الآية الكريمة وصف الله المؤمنين حقا بالأوصاف الكاشفة عن حقيقتهم، وبالنعوت المنبثقة عن عقيدتهم، فهم قبل كل شيء مجتنبون للآثام والفواحش، بحيث لا يقربونها، ملتزمون للاعتدال والرضى في علاقاتهم، مالكون لأنفسهم عند الغضب، سالمون من الحقد على غيرهم، وهم لا يختلفون عن الاستجابة لأوامر الله والعمل
стр. 2314
بتوجيهاته في مختلف الشؤون، وهم قوامون بالصلاة التي هي عماد الدين، يؤدونها ويؤدون لها حقها، فتنعكس آثارها الظاهرة والباطنة في حياتهم اليومية، وهم كرماء الأيدي لا يبخلون بالإحسان والأنفاق مما رزقهم الله، في وجوه الخير وسبيل المعروف، وهم أعزاء النفوس، لا يتحملون من خصوم الحق أي ضيم أو هوان، بل ينتصفون منهم، وينتصرون للحق وبالحق عليهم، وهم إلى جانب هذا كله، وفي هذا الجو الأخلاقي السليم، والروحي الطاهر، يتشاورون فيما بينهم في شؤونهم العامة، بنفوس طاهرة، وقلوب صافية، ولا غرض لهم من الشورى إلا تحقيق أهداف الإسلام السامية، ولأمر ما أدمجت الآية الكريمة صفة (التشاور بين المسلمين) ضمن مجموعة متناسقة من الصفات الضرورية، التي لا غنى للإسلام عنها، والتي لا يتحقق مدلوله بدونها، ولم تأت بصفة (الشورى) وحدها مجردة عن بقية الصفات، ولا منفصلة عن بقية الشروط، لأن الشورى في نظر الإسلام لا توتي أكلها، ولا تؤدي الغرض منها، إلا إذا كانت تحيطها كافة الضمانات الدينية والأخلاقية والنفسية المطلوبة في أهل الشورى، فهذه الآية الكريمة تعطي للمسلمين التوجيه الكافي، وتضع أيديهم على الصفات الضرورية، والمؤهلات البارزة، المطلوبة فيمن يختارونه ليكون من أهل الشورى، ومما تجب ملاحظته في هذا المقام - ونحن في سورة الشورى المكية- أن الشورى في الإسلام كانت من عقائده الأساسية التي برز بها وهو لا يزال في نفس مكة، والإسلام إذ ذاك لم يتمكن بعد من إقامة دولته الأولى بالمدينة المنورة، فعقيدة
стр. 2315
الشورى وعقيدة التوحيد برزتا في الإسلام في وقت واحد، وهما من خصائص المجتمع الإسلامي ومميزات الدولة الإسلامية منذ نشأتها الأولى. قال القاضي أبو بكر (ابن العربي) المعافري عند تفسيره لهذه الآية: (الشورى ألفة للجماعة، ومسبار للعقول، وسبب إلى الصواب، وما تشاور قوم إلا هدوا. ونقل عن بعض العقلاء أنه قال: ما أخطأت قط: إذا حزبني أمر شاورت قومي، ففعلت الذي يرون، فإن أصبت فهم المصيبون، وإن أخطأت فهم المخطئون).
وفي ختام هذا الربع تناولت الآيات الكريمة موضوعا قوي الحساسية بالنسبة للنسل والذرية، وذلك قوله تعالى: ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾، وبديهي أن موضوع (الذرية) له علاقة وثيقة بموضوع (الرزق) الذي أشارت إليه أول آية في هذا الربع: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ﴾، فكما أن الله ينزل بقدر ما يشاء من الرزق، كذلك يهب من يشاء من الذرية أو لا يهب. قال ابن كثير في تفسيره تعليقا على مضمون هذه الآية: (فجعل الناس أربعة أقسام، منهم من يعطيه البنات، ومنهم من يعطيه البنين، ومنهم من يعطيه من النوعين ذكورا وإناثا، ومنهم من يمنعهم هذا وهذا، فبجعله عقيما لا نسل له ولا ولد، ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ﴾ أي بمن يستحق كل قسم من هذه الأقسام، ﴿قَدِيرٌ﴾، أي على ما يشاء من تفاوت الناس في ذلك)، ثم مضى ابن كثير يقول: (وهذا المقام شبيه بمقام آخر،
стр. 2316
حيث خلق الله الخلق على أربعة أقسام، فآدم ﵇ مخلوق من تراب، لا من ذكر ولا أنثى، وحواء ﵍ مخلوقة من ذكر بلا أنثى، وعيسى ﵇ مخلوق من أنثى بلا ذكر، وسائر الخلق سوى عيسى ﵇ مخلوقون من ذكر وأنثى، فهذا المقام في الآباء والمقام الأول في الأبناء، وكل منهما أربعة أقسام، فسبحان العليم القدير).
стр. 2317
الربع الأخير من الحزب التاسع والأربعين
في المصحف الكريم (ق)
ــ
وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ (٥١) وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ (٥٣)
٤٣ - سورة الزخرف مكية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٣) وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ (٤) أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ (٥) وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ (٦) وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٧) فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا وَمَضَى مَثَلُ
стр. 2318
الْأَوَّلِينَ (٨) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (٩) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠) وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ (١١) وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ (١٢) لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ (١٤) وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ (١٥) أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ (١٦) وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (١٧) أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ (١٨) وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ (١٩) وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (٢٠) أَمْ آتَيْنَاهُمْ
стр. 2319
كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ (٢١) بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ (٢٢) وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ (٢٣)
стр. 2320
الربع الأخير من الحزب التاسع والأربعين
في المصحف الكريم (ت)
عباد الله
حديث هذا اليوم يتناول تفسير الربع الأخير من الحزب التاسع والأربعين في المصحف الكريم، وبدايته قوله تعالى في سورة الشورى المكية: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾، ونهايته قوله تعالى في سورة الزخرف المكية أيضا: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾.
ــ
يتحدث كتاب الله في مطلع هذا الربع عن مقامات الوحي الذي يتلقاه الأنبياء والرسل عن الله ، وقد ثبت في كتب السنة النبوية عن رسول الله ﷺ أنه تلقى الوحي عن ربه من أربعة طرق:
الطريق الأول: أن يلقي الملك في روعه وقلبه ما يوحى إليه، من غير أن يرى الملك، كما جاء في صحيح ابن حبان عن رسول الله ﷺ أنه قال: (إن روح القدس نفث في روعي أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب).
стр. 2321
الطريق الثاني أن يأتيه الوحي في مثل صلصلة الجرس، وكان هذا النوع هو أشد أنواع الوحي عليه، حتى أن جبينه ليتفصد عرقا في اليوم الشديد البرد.
الطريق الثالث: أن يتمثل له الملك رجلا فيخاطبه حتى يعي عنه ما يقول.
الطريق الرابع: أن يرى الملك في صورته التي خلق عليها، فيوحي إليه ما يشاء الله أن يوحيه. قال ابن القيم في كتابه (زاد المعاد): (وقد وقع هذا له مرتين، وورد ذكره في سورة النجم).
وهذا الموضوع موضوع الوحي من الله إلى أنبيائه ورسله هو ما تضمنه قوله تعالى في هذا الربع: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾.
فقوله تعالى: ﴿إِلَّا وَحْيًا﴾ يندرج تحته الطريق الأول والطريق الثاني للوحي، كما عرفهما رسول الله ﷺ .
وقوله تعالى: ﴿أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾، يندرج تحته ما أوحاه الله إلى موسى الكليم، بعد تكليمه وحجبه عن الرؤية، رغما عن سؤاله لها.
وقوله تعالى: ﴿أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾ يندرج تحته الطريق الثالث والطريق الرابع للوحي، كما وصفهما الرسول ﵇، وكما وقع لكثير من الأنبياء والرسل، حيث
стр. 2322
نزل عليهم بالوحي جبريل وغيره من الملائكة المقربين، بإذن الله العلي الحكيم.
وانتقل كتاب الله للحديث عن الوحي بالقرآن إلى الرسول ﵇، وعن مبلغ النعمة التي أنعم الله بها على نبيه، عندما اختاره لختم الرسالة من بين خلقه، فقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾، ففي هذه الآية وصف للقرآن بأنه (روح) من عند الله، أنزله لإحياء نفوس الأشباح من البشر، الذين فقدوا مقومات الحياة، وفي هذه الآية وصف للقرآن بأنه (نور) من عند الله، أنزله لهداية الضالين الحيارى من مختلف الأمم والملل.
وكم كان هذا الوصف صادقا، وكم كانت هذه الحقيقة أمرا واقعيا، بالنسبة للبشرية جمعاء، فمنذ نزل القرآن ودخلت البشرية تحت رايته، عرفت من ألوان التقدم والازدهار والحضارة ما لم يسبق له مثيل في آلاف السنين التي سبقت نزول القرآن، ولا يزال موكب العلم والكشف عن حقائق الكون يواصل طريقه بإذن من الله، منذ فتح له القرآن السبيل، ومهد له الطريق.
وأكد كتاب الله مرة أخرى ما في اتباع رسالة خاتم الرسل من ضمانة حقيقية لصلاح الخلق ورشادهم، حيث أن هذا الرسول إنما يهدي الناس إلى النهج القويم الذي رسمه لهم، وارتضاه لسلوكهم، خالقهم وخالق الكون كله، وإذا كان الكون كله مطواعا
стр. 2323
وفي قبضة الله، لا يتخلف عن إرادته ورضاه، فيتبع النواميس والسنن التي رسمها له دون تردد ولا اعتراض، فأحر بالإنسان الذي كرمه الله بالعقل، وبالخلافة عنه في الأرض، وبحمل الأمانة التي أشفقت منها بقية المخلوقات، أن يكون أكثر طواعية للنواميس الخلقية، وأشد التزاما للتعاليم الإلهية، وذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾.
وهنا تودعنا (سورة الشورى) المكية، لننتقل منها إلى (سورة الزخرف) المكية أيضا، وإنما سميت (سورة الزخرف) أخذا من قوله تعالى في آيتها الخامسة والثلاثين: ﴿وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ * وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، ومعنى (الزخرف) الزينة من كل شيء، وقد اتجهت الآيات الأولى من هذه السورة إلى مواصلة الحديث عن كتاب الله، وعن تعداد مزاياه، فقال تعالى: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم حم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾، وها هنا بين الحق منزلة كتابه في الملأ الأعلى، ليقدسه ويعظمه ويطيعه أهل الأرض، أسوة بالملائكة المقربين. والمراد (بأم الكتاب) اللوح المحفوظ، كما فسره ابن عباس ومجاهد ﵄، وبقوله (لعلي) أي ذو مكانة عظيمة وشرف وفضل، قاله قتادة، وبقوله (حكيم) أي محكم بريء من اللبس والزيغ والتناقض.
وفي معنى التنويه بكتاب الله وبيان عظيم مكانته جاء أيضا
стр. 2324
قوله تعالى (١١: ٨٠): ﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ * فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ * فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ * مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ * بِأَيْدِي سَفَرَةٍ * كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾، وجاء قوله تعالى (٨٠. ٧٧: ٥٦) ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ * لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ * تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. قال ابن كثير: (ومن هاتين الآيتين استنبط العلماء أن المحدث لا يمس المصحف، وإذا كان الملائكة يعظمون القرآن في الملأ الأعلى، فأهل الأرض أولى بذلك وأحرى، لأنه نزل عليهم، وخطابه متوجه إليهم، فهم أحق أن يقبلوه بالإكرام والتعظيم، والانقياد له بالقبول والتسليم).
ثم اتجه كتاب الله إلى خطاب المنحرفين عن الحق من المشركين والكافرين، مستفسرا لهم: هل من الخير أن يتركهم الحق هملا، فلا يبعث إليهم الرسل، ولا ينزل عليهم الكتب: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ (٣٦: ٧٥)، وهل مصلحة الإنسانية ونفعها أن تقف الدعوة وهي في حالة جزر لا في حالة مد، وأن تتعطل حكمة الله البالغة في توالي النبوات والرسالات على الخلق، وذلك قوله تعالى: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾، وكأن الله تعالى يقول، (إن ربوبيتي لكم تقتضي أن أمدكم برحمتي وإحساني، ولو كنتم مسرفين ظالمين منحرفين)، وهذا هو السر في مواصلة الأنبياء والرسل للدعوة الإلهية، حتى يتحقق الهدف منها وهو إرشاد فريق منهم وصلاحه على الأقل ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ (١٦٥: ٤). فمن لطف الله ورحمته بخلقه أن لا يترك دعاءهم
стр. 2325
إلى الخير، وإن كانوا مسرفين معرضين عنه، بل أمر رسله بذلك، ليهتدي من يريد الهدى، ولتقوم الحجة على من يريد الضلال. قال قتادة: (والله لو أن هذا القرآن رفع حين ردته أوائل هذه الأمة لهلكوا، ولكن الله عاد بعائدته ورحمته، فكرره عليهم، ودعاهم إليه عشرين سنة أو ما شاء الله من ذلك).
واهتمت الآيات الباقية من هذا الربع بالحديث عن موقف أعداء الرسالات عبر القرون والأجيال، فقال تعالى: ﴿وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ * وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾، وبالحديث عن حقائق الإيمان وعقائد التوحيد التي يدعو إليها كتاب الله، مؤيدة بالحجج القاطعة، والبراهين الساطعة، فقال تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ * وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ﴾ إلى آخر الآيات الواردة في هذا السياق. كما اهتمت نفس الآيات بوصف معتقدات الوثنية وخرافات الجاهلية، وصفا مصحوبا بتسفيه دعاتها وأتباعها، وهدم الدعائم المنهارة التي قامت على أساسها، ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾، - ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ﴾، - ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ أي على دين مشترك ﴿وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾.
стр. 2326
الربع الأول من الحزب الخمسين
في المصحف الكريم (ق)
ــ
قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (٢٤) فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٢٥) وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (٢٧) وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٨) بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ (٢٩) وَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ (٣٠) وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (٣١) أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٣٢) وَلَوْلَا
стр. 2327
أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ (٣٣) وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ (٣٤) وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ (٣٥) وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٧) حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ (٣٨) وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٩) أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٤٠) فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ (٤١) أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ (٤٢) فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤٣) وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ (٤٤) وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (٤٥) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِ آيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ
стр. 2328
الْعَالَمِينَ (٤٦) فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِ آيَاتِنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَضْحَكُونَ (٤٧) وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا وَأَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤٨) وَقَالُوا يَا أَيُّهَ السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ (٤٩) فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ (٥٠) وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٥١) أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ (٥٢) فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ (٥٣) فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (٥٤) فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٥) فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ (٥٦) وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (٥٧) وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (٥٨) إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ (٥٩) وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ (٦٠)
стр. 2329
وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١) وَلَا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطَانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٢)
стр. 2330
الربع الأول من الحزب الخمسين
في المصحف الكريم (ت)
عباد الله
موضوع الحديث في هذا اليوم هو تفسير الربع الأول من الحزب الخمسين في المصحف الكريم، ابتداء من قوله تعالى: ﴿قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ﴾، إلى قوله جل علاه: ﴿وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ * وَلَا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطَانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾.
ــ
بعدما أشارت الآيات الكريمة في نهاية الربع الماضي إلى ما اعتاده خصوم الرسالات الإلهية من التكذيب بها، والتصدي لمحاربتها بالجهل الفاضح والتقليد الأعمى، منذ فجر الحياة، وبعدما أشارت إلى وقوف مشركي العرب، من خاتم الرسل ﵊، موقفا مماثلا لموقف من سبقهم إزاء بقية الرسل، اتجه خطاب الله في بداية هذا الربع إلى نبيه ﷺ ، ملقنا إياه سؤالا وجيها، موجها إلى مشركي قريش، المعتصمين بالتقاليد البالية، والمتسترين وراء تقديس ما كان عليه الآباء والأجداد، وهكذا يقول الله تعالى: ﴿قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ﴾، أي هل من المنطق والعقل أن تتبعوا التقاليد الفاسدة،
стр. 2331
والمعتقدات الباطلة، لمجرد أن آباءكم اتبعوها وآمنوا بها، ولو كان الذي جئتكم به هو أفضل وأرشد، وأحق وأصدق، مما وجدتم عليه آباءكم؟ أليس من الحكمة والتبصر في العواقب أن تتأملوا فيما أعرضه عليكم، وأن تقارنوا بينه وبين ما وجدتم عليه آباءكم، لتهتدوا بعد الضلال، وتؤمنوا بعد الكفر.
ثم تشير الآيات الكريمة مرة أخرى إلى قصة إبراهيم الخليل ﵇ مع أبيه وقومه، وما كان له من صراع عنيف معهم، من أجل إحقاق التوحيد الحق، وإبطال الشرك الباطل، وفي ذلك رد صريح على ما يدعيه مشركو العرب لأنفسهم، من كونهم على ملة أبيهم إبراهيم، إذ ملته الحقيقية هي ملة التوحيد لا ملة الشرك، وعقيدة التوحيد هي التي أوصى بها إبراهيم بنيه، وهي التي حملها من أبنائه وعقبه: موسى، وعيسى، ومحمد خاتم الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، وذلك قوله تعالى في هذا السياق: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ * وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾.
ويتحدث كتاب الله عن عهد (الفترة) التي مرت بجزيرة العرب، دون أن يبعث فيها نبي أو رسول، وأن الله لم يؤاخذ المشركين خلال تلك الفترة بما ارتكبوه من ذنوب، وبما اعتقدوه من ضلالات، بل إنه- تفضلا منه وكرما- قد أمهلهم، و (متعهم وآباءهم)، في انتظار حلول الوقت الذي تقتضي الحكمة الإلهية أن تبرز فيه الرسالة المحمدية، وها هي تلك الرسالة قد حان
стр. 2332
موعدها لإخراج المشركين من الظلمات إلى النور، وذلك قوله تعالى: ﴿بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ﴾.
غير أن مشركي العرب، إمعانا منهم في الشقاق والعناد، وأسوة بمن سبقهم من خصوم الرسالات المكذبين بالرسل، بدلا من أن يقبلوا على اعتناق الحق، ويعتزلوا الباطل، وبدلا من أن ينتقلوا إلى دين التوحيد الخالص، وينبذوا معتقدات الشرك، أخذوا يواجهون خاتم الرسل ﵊ بمثل ما واجه به فرعون وقومه موسى الكليم، وكما وصف فرعون موسى بأنه (ساحر) وادعى أن دعوته إنما هي مجرد (سحر) ها هم مشركو قريش يرددون نفس الاتهام، ويكررون نفس النغمة، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى حكاية عنهم: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ﴾، على غرار ما حكاه كتاب الله عن فرعون وقومه في نفس هذا الربع وهم يخاطبون موسى ﵇، ﴿وَقَالُوا يَا أَيُّهَ السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ﴾ (٤٩).
ثم يبرز كتاب الله ما انطوى عليه تكذيب مشركي قريش للرسول ﵇ من اعتبارات وأسباب سياسية ومادية، فهم بالرغم عن كونهم لا ينكرون شرف محتد الرسول، وكونه (خيارا من خيار)، نسبا وحسبا، إلا أنهم يرون أنه لا يتمتع بزعامة قبلية، ولا برياسة زمنية، وإذن فليس هناك ما يؤهله في نظرهم لحمل الرسالة، وهم يرون أنه إذا كان ولا بد من إرسال رسول إليهم، فالأولى أن يكون هذا الرسول أعظم رجل في مكة أو في الطائف
стр. 2333
عصبية ونفوذا، طبقا (لاعتبارات الجاهلية) الخاصة، وذلك ما يحكيه عنهم قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ وكأن مشركي قريش كانوا بهذه الاعتبارات ينظرون إلى الموقف الذي وقفه قبلهم فرعون من موسى، عندما أخذ يحط من مقامه، مدعيا أنه غير أهل للرسالة، لأنه لا سلطان له ولا مال، ولا يلبس مثله أساورة من ذهب، وذلك ما حكاه كتاب الله عن فرعون في هذا الربع نفسه، إذ قال: ﴿وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ * أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ * فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾ (٥٣).
لكن كتاب الله رد على المشركين ادعاءهم، مبينا أن اعتباراتهم الواهية ما بين مادية وسياسية، لا عبرة بها عند الله، بالنسبة إلى النبوة والرسالة، وأن الله تعالى هو الذي يتولى اختيار الأنبياء والرسل، بمحض مشيئته، وأنه يختارهم لحكمة سامية هو المنفرد بعلمها قبل ظهورها للناس، وذلك قوله تعالى: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ؟﴾، إشارة إلى أن النبوة والرسالة مظهر من مظاهر رحمة الله، وأنه يختص برحمته من يشاء كما يشاء، وأنه هو الذي (يعلم حيث يجعل رسالاته) دون بقية الخلق، فالرسالة عطية إلهية مجردة، واختيار إلهي صرف، بحيث لا ينفع فيها التمني، ولا تنال بالسعي والاكتساب، ولا بالاقتراح والترشيح من الأحباب والأصحاب.
стр. 2334
وفي هذا السياق، رفع كتاب الله الستار عن حقيقة اجتماعية واقعية لها تأثير في نظام المجتمع البشري، وما يلزم أن يكون عليه من تعايش وتعاون وتكامل، فقال تعالى: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، أي: قسمنا لكل إنسان حظه في العيش، من المطعم والمشرب والمسكن وما يتوقف عليه من المنافع، وأذنا له في تناوله، على أن يسلك في تناوله الطرق المشروعة، حتى تكون قسمته حلالا طيبا، ثم قال تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾، أي: أن الله تعالى فاوت بين خلقه، فيما وهبهم من العقول والفهوم والقوى الظاهرة والباطنة، والاستعدادات المختلفة، والميول المتعددة، فسلك بعضهم طريقا، وسلك بعضهم طريقا آخر، إذ لم يكونوا في درجة واحدة من تلك الهبات، وبذلك تنوعت أعمالهم ومكاسبهم، واحتاج بعضهم إلى ما عند البعض الآخر، وأصبح كل فريق منهم متوقفا على خبرة الآخر ومعونته، مسخرا لخدمته، وذلك لخير المجتمع كله، وخدمة الصالح العام، وهذه هي الحكمة الإلهية من وراء التفاوت الذي جعله الله بين خلقه ﴿لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾، كما قال تعالى، وليس المراد أن فريقا يعتبر (أعلى) وفريقا يعتبر (أدنى)، فلا طبقية في الإسلام، وكلمة (سخريا) الواردة في هذه الآية من (التسخير) بالمعنى الوارد في قوله تعالى: ﴿سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ (٢٠: ٣١)، لا من (السخرية) بمعنى الاستهزاء، الوارد في قوله تعالى: ﴿إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ﴾ (٣٨: ١١)، قال الإمام القشيري: (لو كانت المقادير متساوية
стр. 2335
لتعطلت المعايش، ولبقي كل عند حاله).
وليريح كتاب الله ضمير الرسول من كل قلق يساوره، بعد أن بلغ الرسالة وأدى الأمانة، ولم يستجب له في الحين (الصم) الذين لا يسمعون، و (العمي) الذين لا يهتدون، خاطبه ربه قائلا: ﴿أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾، وكأنه يذكره بخطابه الآخر: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ (٤٠: ١٣)، وبين كتاب الله أن الحق قادر على الانتقام من خصوم الرسالة، حتى لو انقطعت عنهم الرسالة، بحلول أجل الرسول، وأن تملصهم من الاستجابة لها لا يغنيهم شيئا، كما أنه سبحانه قادر على أن يطيل حياة رسوله حتى يريه رأي العين ما يصيبهم من هزيمة وخذلان، وإلى ذلك يشير قوله تعالى في نفس السياق: ﴿فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ * أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ﴾.
وفي هذه الغمرة من غمرات الكفاح ضد الشرك والمشركين يتوجه كتاب الله إلى الرسول ﵇ مخاطبا إياه، وموصيا له بالثبات على ما جاء به من عند الله، فقال تعالى: ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ﴾، وهذه دعوة إلى المزيد من الثبات والصمود، وعدم التبرم والضجر، والتصلب في الحق والدفاع عنه إلى آخر رمق. ثم قال تعالى: ﴿إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، تأكيدا لما عليه الرسول من ثبات في الفؤاد، ورسوخ في الاعتقاد، فكتاب الله هو المفضي إلى صراط الله المستقيم، والموصل إلى جنات النعيم، والخير الدائم المقيم، وهذا
стр. 2336
الخطاب موجه أيضا بالتبع إلى كل مسلم ومسلمة في القديم والحديث.
وإمعانا في تكريم الرسول والرسالة، وإنعاما عليه بأعلى درجات التوقير والجلال، خاطبه ربه قائلا: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ وكلمة (الذكر) هنا تحمل معنيين لا تعارض بينهما، فكتاب الله يتضمن تذكير الرسول وتذكير عشيرته الأقربين، كما يتضمن تذكير الناس أجمعين، مصداقا لقوله تعالى (١٠: ٢١): ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾، وكتاب الله في نفس الوقت هو شرف للرسول الذي اصطفاه الله لرسالته، وشرف لقومه ولغته، وشرف لمجموع أمته، ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ (٤: ٩٤)، ولما كان السابقون الأولون أفهم الناس لكتاب الله كانوا أقوم الناس به وأعملهم بمقتضاه، ﴿وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾، أي: سوف تسألون عن هذا القرآن: هل قمتم بحقه وشكرتم الله على أن خصكم به؟ ومن هنا كان فهم اللسان العربي المبين، أكبر عون على فهم الدين، والتمسك به عن بينة ويقين، فهذه الآية الكريمة عند نزولها تنبأت بما سيؤول إليه أمر رسالة الإسلام التي حملها إلى الخلق رسول الهدى والحق، وأن هذه الرسالة سيكون لها وله بفضلها، ذكر خالد في العالمين، وسيستمر هذا الذكر العاطر إلى يوم الدين: ﴿وَلَا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطَانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾.
стр. 2337
الربع الثاني من الحزب الخمسين
في المصحف الكريم (ق)
ــ
وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٦٣) إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦٤) فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ (٦٥) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٦٦) الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ (٦٧) يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٦٨) الَّذِينَ آمَنُوا بِ آيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ (٦٩) ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ (٧٠) يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٧١) وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ
стр. 2338
تَعْمَلُونَ (٧٢) لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ (٧٣) إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (٧٤) لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (٧٥) وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ (٧٦) وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ (٧٧) لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ (٧٨) أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ (٧٩) أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ (٨٠) قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ (٨١) سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (٨٢) فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٨٣) وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (٨٤) وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٥) وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٨٦) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (٨٧) وَقِيلِهِ يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ (٨٨) فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٨٩)
стр. 2339
٤٤ - سورة الدخان مكية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (٣) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤) أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (٥) رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦) رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (٧) لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (٨) بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ (٩) فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (١١) رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (١٢) أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ (١٣) ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ (١٤) إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ (١٥) يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ (١٦) وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ (١٧) أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٨) وَأَنْ لَا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (١٩) وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ (٢٠) وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ (٢١) فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ
стр. 2340
هَؤُلَاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ (٢٢) فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (٢٣) وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ (٢٤)
стр. 2341
الربع الثاني من الحزب الخمسين
في المصحف الكريم (ت)
عباد الله
في حديث هذا اليوم نعالج تفسير الربع الثاني من الحزب الخمسين في المصحف الكريم، وبداية قوله تعالى في "سورة الزخرف" المكية: ﴿وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾، ونهايته قوله تعالى في "سورة الدخان" المكية أيضا: ﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ﴾.
ــ
في الآيات الأخيرة من الربع الماضي جرى الحديث عن عيسى بن مريم ﵉، ابتداء من قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾، وذلك في سياق الرد على المشركين الذين أرادوا أن يساووا بينه وبين معبوداتهم من الأوثان والأصنام، نظرا لأن النصارى يتوجهون إليه بالعبادة كما يتوجهون هم إلى معبوداتهم، وفي بداية هذا الربع جاءت تتمة الرد عليهم، وإبطال قياسهم الفاسد، فقد نقلت كتب السيرة أن مشركي قريش هالهم ما تلاه رسول الله ﷺ أمامهم من قوله تعالى في خطابه لهم: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ
стр. 2342
أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ (٩٨:٢١)، إذ إن مضمون هذه الآية يقتضي أن المشركين وجميع معبوداتهم التي يعبدونها من دون الله سيكونون في جهنم، فأورد المشركون على رسول الله ﷺ (إشكالا) بما يقوم به النصارى من عبادة لعيسى بن مريم، وسألوه هل سيكون عيسى بن مريم أيضا في جهنم كما تكون فيها أصنام المشركين وأوثانهم التي يعبدونها من دون الله، هذا وهم يعلمون مسبقا أن عيسى بن مريم كان رسولا ولم يكن صنما، لكنهم أرادوا أن ينتقلوا من هذا القياس الفاسد -لأنه قياس مع وجود الفارق- إلى أن آلهتهم ومعبوداتهم لن تكون في النار، ما دام عيسى بن مريم لا يدخل النار، وهو في نظرهم ليس خيرا من آلهتهم، ﴿وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ﴾، فغرضهم في الحقيقة هو الجدل والمشاكسة، لا الوصول إلى جوهر الحق في الموضوع: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾، وقد كانوا ينتظرون من رسول الله أن يقول لهم: إن آلهتكم خير (فيكون ذلك إقرارا لهم على عبادتها) أو يقول: (إن عيسى خير من ألهتكم) فيكون إقرارا منه بأن عيسى أهل للعبادة، أو أن ينفي (الخيرية) عنهم جميعا، وذلك طعن في عيسى، فكان فحوى جواب النبي ﷺ : (إن عيسى خير من آلهتكم، ولكنه لا يستحق أن (يعبد). وذلك قوله تعالى في نفس السياق: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾
وهكذا تولى كتاب الله إبطال قياسهم لعيسى بن مريم على آلهتهم، وبين أن الدعوة التي دعا إليها عيسى النصارى كانت
стр. 2343
قاصرة على إفراد الله بالعبادة، والاعتراف له بالعبودية، والتعريف بإلوهيته ووحدانيته المطلقة دون سواه، فهو لم يدع أحدا من أتباعه لا إلى عبادته ولا إلى تأليهه، ولا إلى اعتباره ابنا للإله، كما ادعاه النصارى المبطلون، وذلك قوله تعالى في بداية هذا الربع: ﴿وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ على غرار ما جاء في آية أخرى حكاية عن عيسى ابن مريم (١١٧: ٥): ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾.
ثم عقب كتاب الله على هذا الرد المفحم الذي أبطل شبه المشركين، موضحا مصدر العقائد الباطلة التي انتشرت عن المسيح بين فرق النصارى المختلفة، وذلك قوله تعالى: ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ﴾ إشارة إلى الشيع والمذاهب والفرق التي انقسمت إليها النصرانية بعد عيسى ﵇، والتي اخترعت بمحض خيالها عقيدة (المسيح الإله)، أو (المسيح ابن الله)، وما شابههما من المعتقدات الزائفة، التي هي (ظلم في حق الله) - إذ يصدق على معتقديها أنهم ما قدروا الله حق قدره - (وظلم في حق المسيح)، لأنه لم يكن سوى عبد لله، فغالى فيه أتباعه ورفعوه إلى مرتبة الإله، وهذا الظلم الصارخ هو الذي يشير إليه قوله تعالى هنا: ﴿فَوَيْلٌ
стр. 2344
لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾ عقب الإشارة لاختلاف الفرق والمذاهب النصرانية، التي تضمنها قوله تعالى: ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ﴾.
وأشار كتاب الله في هذا السياق إلى ما يقوم بين أهل الأهواء والضلالات من صداقة مدخولة، وخلة مشبوهة، أساسها التضامن ضد الحق وأهله، والتعاون على الإثم والعدوان، مبينا أن هذه الصداقة مهما طالت فمآلها إلى عداوة صريحة، وكراهة بالغة، بحيث تنفصم عراها لأول احتكاك يقع بينهم من أجل المغانم أو المغارم، فلا يلبث بعضهم أن يتبرأ من بعض، وتتجلى هذه القطيعة بينهم على أشدها يوم القيامة، حيث لا ينفع أحد منهم الآخر، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾، على غرار قوله تعالى حكاية عن إبراهيم الخليل وهو يخاطب قومه الضالين (٢٥: ٢٩): ﴿وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾. أما الصحبة في الله من أجل التعاون على البر والتقوى، والتزام الحق والصدق دون مداراة ولا مداهنة، فهي نافعة في الدنيا، وأثرها ممتد إلى الآخرة بفضل الله وكرمه، وذاك ما يشير إليه قوله تعالى هنا بصيغة الاستثناء: ﴿إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾، وبشر كتاب الله المتآخين في الله، الذين قامت أخوتهم على تقوى من الله ورضوان، بأنهم سيدعون يوم القيامة بأفضل نداء يدعى به المقربون عند الله، فقال تعالى: ﴿يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾، ثم بين السر
стр. 2345
فيما أعد الله لهم من نعيم مقيم، إذ قال تعالى في وصفهم: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ﴾، فقد آمنوا بآيات الله حقا وصدقا، وقد أسلموا وجوههم لله رقا وعتقا.
وعرج كتاب الله بعد ذلك على العقيدة الباطلة التي يعتقدها المشركون وبعض اليهود والنصارى، حيث يدعون أن لله ولدا، وهذه العقيدة هي التي أشار إليها كتاب الله في الآية الخامسة عشرة من هذه السورة، حيث قال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾، وفي الآية الثلاثين من سورة التوبة حيث قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾، واتجه الخطاب الإلهي إلى الرسول ﷺ في هذا الربع ملقنا إياه ماذا يقوله لمن يعتقد هذه العقيدة الباطلة: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾، أي: فأنا أول من يعظم ذلك الولد، لكن الله واحد أحد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفؤا أحد.
ومن هنا انتقلت الآيات الكريمة إلى تنزيه الله عن كل صفة من صفات النقص، وإلى تمجيده بكل صفة من صفات الكمال: ﴿سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾، ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ على غرار قوله تعالى في آية أخرى (٣: ٦) ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾، أي: لا إله سواه، لا في الأرض ولا في السماء، ثم قال تعالى: ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ * وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾.
стр. 2346
واتجه الخطاب إلى الرسول ﵇ مرة أخرى يدعوه إلى انتظار وعد الله بشأن مصير المشركين، فقال تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَقِيلِهِ يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ * فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾.
والآن وقد انتهينا من سورة (الزخرف) المكية ننتقل بعون الله إلى (سورة الدخان) المكية أيضا، وقد أطلق عليها هذا الاسم، أخذا من قوله تعالى، فيها: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾، وبمجرد الشروع فيها نجد أنفسنا أمام آيات كريمة تنوه بكتاب الله، وتصف " الليلة المباركة " التي أنزله الله فيها على قلب رسوله الصادق الأمين، وتلفت نظر الإنسانية جمعاء إلى أن كتاب الله إنما هو رحمة مرسلة من عند الله، أنزله لهداية البشر، والأخذ بيدهم لسلوك مسالك الرشاد والسداد، وذلك قوله تعالى: ﴿حم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ * أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ * رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾. ويتصل بنفس الموضوع قوله تعالى (١٨٥: ٢): ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾، وقوله تعالى: (١: ٩٧): ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ فبمقتضى هذه الآيات الكريمة يتبين أن كتاب الله ابتدأ نزوله في شهر رمضان المبارك، الذي شرع صيامه ذكرى
стр. 2347
لنزول القرآن، وأن أول ليلة وقع بدأ نزوله فيها هي إحدى ليالي رمضان، وهي بالذات (ليلة القدر) التي هي عند الله خير من ألف شهر، وهذه الليلة هي التي نوه بها كتاب الله في فاتحة هذه السورة التي نحن بصدد تفسيرها، حيث وصفها بأنها (ليلة مباركة)، لأن القرآن الذي ابتدأ نزوله فيها كان أكبر بركة أنعم الله بها على بني آدم، بما فتح لهم من آفاق جديدة في العلم والمعرفة، وما هداهم إليه من وجوه الإصلاح الروحي والمادي لمختلف مرافق الحياة، وما أتاح لهم من الوسائل الفعالة، لترميم صرح الحضارة المتداعي، وبعث الإنسانية من مرقدها الطويل.
وقوله تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ * أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا﴾ إشارة إلى ما تولى كتاب الله الكريم بيانه من معالم الدين، وما شرعه من الأوامر والنواهي التي جعلها شرعة خالدة للمسلمين، ومنهاجا دائما للمؤمنين، فما من أمر أو نهي في كتاب الله إلا وهو يتضمن من الحكمة والرشاد، ما يضمن صلاح العباد ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ (٨: ٩٥).
وقوله تعالى في وصف كتابه: ﴿رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ﴾ تعريف لعباده المؤمنين بأبرز خاصة من خواص كتابه الكريم، فلا يعرف في تاريخ البشرية أن كتابا غير القرآن ماثله- فضلا عن أن يفوقه- في الأخذ بيد الإنسان، وتحريره من سيطرة الأوهام ورق الأوثان، ودفع عجلة تقدمه ونهضته إلى أقصى حدود الإمكان، ويكفي لتقدير فضله الواسع، ومعرفة تأثيره العميق، إلقاء نظرة ولو بسيطة
стр. 2348
على تاريخ الأمم التي دخلت، بفضله، في عداد الأمم المتحضرة، والتي أصبح لها في ظله كيان وسلطان، والتي في إمكانها إذا عادت إلى حظيرته بعزيمة وإخلاص أن تستعيد مجدها وتفرض وجودها إلى آخر الزمان.
стр. 2349
الربع الثالث من الحزب الخمسين
في المصحف الكريم (ق)
ــ
كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٢٥) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٢٦) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (٢٧) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ (٢٨) فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ (٢٩) وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ (٣٠) مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ (٣١) وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (٣٢) وَآتَيْنَاهُمْ مِنَ الْ آيَاتِ مَا فِيهِ بَلَاءٌ مُبِينٌ (٣٣) إِنَّ هَؤُلَاءِ لَيَقُولُونَ (٣٤) إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ (٣٥) فَأْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣٦) أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ (٣٧) وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (٣٨) مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٣٩) إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٠) يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤١) إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٤٢) إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (٤٣)
стр. 2350
طَعَامُ الْأَثِيمِ (٤٤) كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (٤٥) كَغَلْيِ الْحَمِيمِ (٤٦) خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ (٤٧) ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ (٤٨) ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٤٩) إِنَّ هَذَا مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ (٥٠) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ (٥١) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٢) يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَابِلِينَ (٥٣) كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (٥٤) يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ (٥٥) لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٥٦) فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٥٧) فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٥٨) فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ (٥٩)
٤٥ - سورة الجاثية مكية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (٢) إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَ آيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ (٣) وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٤) وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٥) تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ (٦) وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٧) يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا
следующие страницы →