Полный текст (2 848 стр.). Показаны 2346–2385 · переход к 2351.
стр. 2346
واتجه الخطاب إلى الرسول ﵇ مرة أخرى يدعوه إلى انتظار وعد الله بشأن مصير المشركين، فقال تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَقِيلِهِ يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ * فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾.
والآن وقد انتهينا من سورة (الزخرف) المكية ننتقل بعون الله إلى (سورة الدخان) المكية أيضا، وقد أطلق عليها هذا الاسم، أخذا من قوله تعالى، فيها: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾، وبمجرد الشروع فيها نجد أنفسنا أمام آيات كريمة تنوه بكتاب الله، وتصف " الليلة المباركة " التي أنزله الله فيها على قلب رسوله الصادق الأمين، وتلفت نظر الإنسانية جمعاء إلى أن كتاب الله إنما هو رحمة مرسلة من عند الله، أنزله لهداية البشر، والأخذ بيدهم لسلوك مسالك الرشاد والسداد، وذلك قوله تعالى: ﴿حم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ * أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ * رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾. ويتصل بنفس الموضوع قوله تعالى (١٨٥: ٢): ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾، وقوله تعالى: (١: ٩٧): ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ فبمقتضى هذه الآيات الكريمة يتبين أن كتاب الله ابتدأ نزوله في شهر رمضان المبارك، الذي شرع صيامه ذكرى
стр. 2347
لنزول القرآن، وأن أول ليلة وقع بدأ نزوله فيها هي إحدى ليالي رمضان، وهي بالذات (ليلة القدر) التي هي عند الله خير من ألف شهر، وهذه الليلة هي التي نوه بها كتاب الله في فاتحة هذه السورة التي نحن بصدد تفسيرها، حيث وصفها بأنها (ليلة مباركة)، لأن القرآن الذي ابتدأ نزوله فيها كان أكبر بركة أنعم الله بها على بني آدم، بما فتح لهم من آفاق جديدة في العلم والمعرفة، وما هداهم إليه من وجوه الإصلاح الروحي والمادي لمختلف مرافق الحياة، وما أتاح لهم من الوسائل الفعالة، لترميم صرح الحضارة المتداعي، وبعث الإنسانية من مرقدها الطويل.
وقوله تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ * أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا﴾ إشارة إلى ما تولى كتاب الله الكريم بيانه من معالم الدين، وما شرعه من الأوامر والنواهي التي جعلها شرعة خالدة للمسلمين، ومنهاجا دائما للمؤمنين، فما من أمر أو نهي في كتاب الله إلا وهو يتضمن من الحكمة والرشاد، ما يضمن صلاح العباد ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ (٨: ٩٥).
وقوله تعالى في وصف كتابه: ﴿رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ﴾ تعريف لعباده المؤمنين بأبرز خاصة من خواص كتابه الكريم، فلا يعرف في تاريخ البشرية أن كتابا غير القرآن ماثله- فضلا عن أن يفوقه- في الأخذ بيد الإنسان، وتحريره من سيطرة الأوهام ورق الأوثان، ودفع عجلة تقدمه ونهضته إلى أقصى حدود الإمكان، ويكفي لتقدير فضله الواسع، ومعرفة تأثيره العميق، إلقاء نظرة ولو بسيطة
стр. 2348
على تاريخ الأمم التي دخلت، بفضله، في عداد الأمم المتحضرة، والتي أصبح لها في ظله كيان وسلطان، والتي في إمكانها إذا عادت إلى حظيرته بعزيمة وإخلاص أن تستعيد مجدها وتفرض وجودها إلى آخر الزمان.
стр. 2349
الربع الثالث من الحزب الخمسين
في المصحف الكريم (ق)
ــ
كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٢٥) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٢٦) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (٢٧) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ (٢٨) فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ (٢٩) وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ (٣٠) مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ (٣١) وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (٣٢) وَآتَيْنَاهُمْ مِنَ الْ آيَاتِ مَا فِيهِ بَلَاءٌ مُبِينٌ (٣٣) إِنَّ هَؤُلَاءِ لَيَقُولُونَ (٣٤) إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ (٣٥) فَأْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣٦) أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ (٣٧) وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (٣٨) مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٣٩) إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٠) يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤١) إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٤٢) إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (٤٣)
стр. 2350
طَعَامُ الْأَثِيمِ (٤٤) كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (٤٥) كَغَلْيِ الْحَمِيمِ (٤٦) خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ (٤٧) ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ (٤٨) ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٤٩) إِنَّ هَذَا مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ (٥٠) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ (٥١) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٢) يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَابِلِينَ (٥٣) كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (٥٤) يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ (٥٥) لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٥٦) فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٥٧) فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٥٨) فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ (٥٩)
٤٥ - سورة الجاثية مكية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (٢) إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَ آيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ (٣) وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٤) وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٥) تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ (٦) وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٧) يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا
стр. 2351
كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٨) وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئًا اتَّخَذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (٩) مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ وَلَا يُغْنِي عَنْهُمْ مَا كَسَبُوا شَيْئًا وَلَا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠) هَذَا هُدًى وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِ آيَاتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ (١١) اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢) وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَ آيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١٣)
стр. 2352
الربع الثالث من الحزب الخمسين
في المصحف الكريم (ت)
عباد الله
موضوع حديث اليوم تفسير الربع الثالث من الحزب الخمسين في المصحف الكريم، ابتداء من قوله تعالى في "سورة الدخان" المكية: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ﴾، إلى قوله جل علاه في "سورة الجاثية" المكية أيضا: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾.
ــ
في بداية هذا الربع يضرب الله الأمثال لمشركي قريش بما وقع للأمم السابقة من قبلهم، فيتحدث كتاب الله عن الكارثة التي نزلت بفرعون وقومه، جزاء تحديه للرسالة الإلهية التي برزت على يد موسى الكليم، ومحاربته لها مع الملأ من قومه بجميع وسائل التمويه والتهريج والتعذيب، ومجاراة عامة قومه له ضد الحق المبين، ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ (٥٤: ٤٣). وقد نعى كتاب الله ما خلفوه وراءهم من بساتين ناضرة، وزروع مثمرة، ومياه جارية، وقصور عالية: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا
стр. 2353
فَاكِهِينَ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ﴾.
وبين كتاب الله هوان فرعون وقومه على الله وعلى الناس أجمعين، حتى أنه لم يأبه أحد لنكبتهم، ولم تبك عين على ما أصابهم فجأة من العقاب والعذاب، إذ لم يتركوا وراءهم أي عمل صالح، أو ذكرى طيبة يذكرهم بها أهل الأرض أو أهل السماء: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ﴾، قال قتادة: (كانوا أهون على الله من أن تبكي عليهم السماء والأرض)، وقد سئل أحد أئمة التفسير الأولين: (أتبكي الأرض والسماء؟ فقال: أتعجب؟ وما للأرض لا تبكي على عبد كان يعمرها بالركوع والسجود؟ وما للسماء لا تبكي على عبد كان لتكبيره وتسبيحه فيها دوي كدوي النحل؟).
وأشارت نفس الآيات الكريمة إلى بعض الأسباب التي أوجبت غضب الله على فرعون وقومه، فهذا عذاب مهين كان يعذب به الذين آمنوا بموسى من بني إسرائيل، ظلما وعدوانا، وهذا إسراف بالغ كان لا يفتر عنه في اللذات والشهوات، وهذا استعلاء وكبرياء كان يتحدى بهما قدرة الله المطلقة، وسطوته البالغة، ﴿إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾، ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ (٤: ٢٨).
وتناولت الآيات في هذا السياق ما يدخره الحق للمعذبين في الأرض المغلوبين على أمرهم، من النجاة والفوز والنصر، في نهاية الأمر، وهذا تثبيت للمسلمين الأول،
стр. 2354
الذين كانوا يتحملون من مشركي مكة أنواع الأذى وصنوف الإساءات، فتحدث كتاب الله ضاربا لهم المثل بنجاة بني إسرائيل من عذاب فرعون، وخروجهم من قبضته، واختيارهم على غيرهم من أهل زمانهم لحمل الأمانة، بقيادة موسى الكليم ﵇، إذ إنهم كانوا وقتئذ أفضل معاصريهم وأولاهم بحمل الأمانة، رغما عما يعلمه الحق فيهم من وجوه النقص المتعددة، التي كان يعالجها بالتهذيب والتشذيب موسى وأخوه هارون ومن جاء بعدهما، وذلك قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ * وَآتَيْنَاهُمْ مِنَ الْآيَاتِ مَا فِيهِ بَلَاءٌ مُبِينٌ﴾، أي: آتيناهم من الحجج والبراهين وخوارق العادات ما فيه اختيار ظاهر، وامتحان جلي، لمن اهتدى به وكان من المهتدين.
وبعدما تحدث كتاب الله عن إنكار مشركي قريش لعقيدة (البعث) الأساسية في الدين، وعن ادعائهم أنه لا نشر ولا بعث بعد الموت، وعن مطالبتهم للرسول ﵇ ببعث آبائهم من القبور فورا، وإرجاعهم إلى الحياة الدنيا، حتى يذعنوا ويؤمنوا بالبعث المنتظر يوم القيامة، تساءل كتاب الله هل مشركو قريش خير عند الله من قوم (تبع) الذين أهلكهم وأهلك من قبلهم بشركهم وإجرامهم، وكأنه يقول: إن المصير الذي انتهى إليه قوم تبع، ومن ماثلهم من الأقوام المنحرفة عن الحق، سيكون هو نفس المصير الذي يؤول إليه أمر مشركي قريش، وذلك قوله تعالى مشيرا إليهم: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ لَيَقُولُونَ * إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا
стр. 2355
الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ * فَأْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾.
وفي تفسير ابن كثير: (إن قوم تبع هم (سبأ) أهلكهم الله فخرب بلادهم، وشردهم، ومزقهم كل ممزق، وقد كانوا عربا من قحطان، كما أن هؤلاء المشركين عرب من عدنان، وقد كانت حمير- وهم سبأ- كلما ملك فيهم رجل سموه (تبعا) كما كان يقال (كسرى) لمن ملك الفرس، و (قيصر) لمن ملك الروم، و (فرعون) لمن ملك مصر، و (النجاشي) لمن ملك الحبشة، وغير ذلك من أعلام الأجناس)، قال قتادة: " ذكر لنا أن كعبا كان يقول في تبع: إنه نُعت نعت الرجل الصالح، فقد ذم الله تعالى قومه، ولم يذمه، قال: وكانت عائشة ﵂ تقول: (لا تسبوا تبعا فإنه قد كان رجلا صالحا)، ثم قال ابن كثير: (وحج تبع البيت الحرام في زمن الجرهميين، وكساه الملاء والوصائل من الحرير والحبير، ونحر عنده ستة آلاف بدنة، وعظمه وأكرمه، ثم عاد إلى اليمن وقد ساق قصته بطولها الحافظ ابن عساكر من طرق متعددة).
وانتقل كتاب الله إلى تأكيد حقيقة إسلامية طالما قررها وأكدها لترسخ في الأذهان، ألا وهي أن الله تعالى لم يخلق هذا الكون عبثا ولا لعبا، وإنما خلقه لحكمة سامية اقتضت خلقه، ولأمر عظيم أراده من وراء إبداعه، وهذه الحكمة السامية وهذا الأمر العظيم ينبغي أن يحاول الإنسان فهمهما، والإلمام بهما، إذ
стр. 2356
عن طريق هذا الفهم وهذا الإيمان يدرك الإنسان ما لخالق الكون من جلال وجمال بارزين في خلقه، ويدرك السر الذي اقتضى خلق الإنسان، وترشيحه للخلافة عن الله في هذا الكون، فمن لم يعرف الغاية من خلق الكون عموما لم يدرك الغاية التي من أجلها خلق الإنسان، الذي هو جزء لا يتجزأ من هذا الكون، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ * مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ * إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾، على غرار قوله تعالى (٢٧: ٣٨): ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾، وقوله تعالى (١١٥: ٢٣): ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾.
ومضى كتاب الله يصف أهوال الجحيم، التي تنتظر أعداء الحق من المشركين والكافرين، كما يصف مسرات دار النعيم، التي تنتظر أهل الحق من المؤمنين المتقين، ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ * فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾.
وها هنا ننتهي من (سورة الدخان) المكية لننتقل إلى سورة (الجاثية) المكية أيضا، وإنما أطلق عليها هذا الاسم، أخذا من قوله تعالى فيها: ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً﴾، وفي مطلعها نجد أنفسنا أمام حديث مستأنف عن القرآن الكريم، والتنويه بمقامه العظيم: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم حم * تَنْزِيلُ الْكِتَابِ
стр. 2357
مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾، ثم تشرع السورة في تعداد آيات الله المبثوثة في آفاق الكون الواسعة، وتعداد آيات الله الناطقة في كل إنسان إنسان وحيوان حيوان، وآيات الله البارزة في الظواهر الكونية، التي تتعاقب وتتوالى دون انقطاع وفي كل وقت، مما يحمل على الإذعان لقدرة الله وحكمته، ويقوي اليقين بعدله ورحمته، ويدفع إلى التطوع بعبادته وطاعته، نتيجة لاهتداء العقل إلى معرفته، وذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ * وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ * وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾، وقد أحسن جار الله الزمخشري في تفسير هذه الآيات حيث قال: (المعنى أن المنصفين من العباد إذا نظروا في السماوات والأرض النظر الصحيح علموا أنها مصنوعة، وأنه لا بد لها من صانع، فآمنوا بالله وأقروا، ﴿لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾، فإذا نظروا في خلق أنفسهم وتنقلها من حال إلى حال، وهيئة إلى هيئة، وفي خلق ما على ظهر الأرض من صنوف الحيوان ازدادوا إيمانا، وأيقنوا وانتفى عنهم اللبس ﴿آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾، فإذا نظروا في سائر الحوادث التي تتجدد في كل وقت، كاختلاف الليل والنهار، ونزول الأمطار، وحياة الأرض بها بعد موتها، وتصريف الرياح جنوبا وشمالا، وقبولا ودبورا، عقلوا، واستحكم علمهم، وخلص يقينهم ﴿آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ وحلل ابن كثير قوله تعالى: ﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ﴾، فقال: أي جنوبا وشمالا، ودبورا وصبا، برية وبحرية، ليلية ونهارية، ومنها ما هو
стр. 2358
للمطر، ومنها ما هو للقاح، ومنها ما هو غذاء للأرواح، ومنها ما هو عقيم لا ينتج، وسمي المطر في هذه الآية (رزقا)، لأن به يحصل الرزق، ونبه إلى السر في قوله تعالى أولا: ﴿لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾، وقوله ثانيا: ﴿لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾، وقوله ثالثا: ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾، وأن ذلك ترق من حال شريف إلى ما هو أشرف منه وأعلى. وقال القشيري يجعل الله العلوم الدينية كسبيةً مصححة بالدلائل، محققة بالشواهد، فمن لم يستبصر بها زلت قدمه عن الصراط المستقيم).
وهذه الآيات الكريمة شبيهة بآية سورة البقرة (١٦٤): وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾.
وخُتِم هذا الربع بآية جامعة مانعة في هذا المجال، هي نقطة الانطلاق ومحور التفكير في الحال والمآل، فقال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾.
стр. 2359
الربع الأخير من الحزب الخمسين
في المصحف الكريم (ق)
ــ
قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤) مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (١٥) وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (١٦) وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١٧) ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (١٨) إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ (١٩) هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٢٠) أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (٢١) وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ
стр. 2360
وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٢) أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٢٣) وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (٢٤) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٥) قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٢٦) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ (٢٧) وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٨) هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٩) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (٣٠) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنْتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ (٣١) وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ
стр. 2361
بِمُسْتَيْقِنِينَ (٣٢) وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٣٣) وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٣٤) ذَلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَغَرَّتْكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٣٥) فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)
стр. 2362
الربع الأخير من الحزب الخمسين
في المصحف الكريم (ت)
عباد الله
في حديث هذا اليوم نتناول الربع الأخير من الحزب الخمسين في المصحف الكريم، وبدايته قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾، ونهايته قوله تعالى في ختام "سورة الجاثيه": ﴿وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.
ــ
يتوجه الخطاب الإلهي في مطلع هذا الربع إلى الرسول ﵇ ليرشد السابقين من المؤمنين، الذين يتحملون معه بمكة صنوف الإذايات، وضروب الإساءات من طرف المشركين، إلى ضرورة الصبر على أذاهم، والإغضاء عن إساءتهم، ذلك أن هؤلاء المشركين الضالين جديرون في هذه المرحلة التمهيدية بالإهمال والرثاء، أكثر مما هم جديرون بالمؤاخذة والجزاء، فهم لا يزالون عمي البصائر، ضعفاء العقول، فاقدين لقوة التمييز بين الحق والباطل، محرومين من نور الإيمان، شاكين في (أيام الله)، التي لا ريب فيها ولا شك، فالأولى عدم الرد على أذاهم بمثله، وعدم التسابق معهم في مجال الإساءات
стр. 2363
والمضايقات. وفي الموقف الذي يقفه المؤمنون من أذى المشركين، مساعدة لهؤلاء الحيارى على إدراك التأثير الروحي العميق، الذي أحدثه الإسلام في معتنقيه، وعلى مقارنة التهذيب الإسلامي والأخلاق الإسلامية السمحة، بما هم عليه من أخلاق (الجاهلية الأولى) وتقاليدها الصبيانية والعدوانية.
يضاف إلى ذلك أن صبر المسلمين على أذى مشركي مكة يحسب لهم عند الله من الأعمال الصالحة، التي يجزون عليها الجزاء الحسن، كما أن أذى المشركين للمؤمنين سيضاعف لهم -إن لم يؤمنوا ويتوبوا- الجزاء السيء عندما يحل موعد الجزاء، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾.
وانتقلت الآيات الكريمة فورا للتذكير بمبدأ إسلامي أصيل، وعقيدة جوهرية من عقائده الأولى، ألا وهي أن كل فرد مسؤول عن نفسه، وأن كل فرد مجزي على عمله، وما دام الأمر هكذا فلا موجب لمغالاة المؤمن في حمل المخالف له على اعتقاد ما يعتقده هو، بوسائل الضغط والإكراه، بمعنى أن المؤمن، عندما يدعو المخالف له إلى الإيمان، ويبلغه رسالة ربه بالتي هي أحسن، يكون قد أدى واجبه كاملا غير منقوص، وليس مطالبا بأن يحمل غير المؤمن على عقيدة الإيمان كرها، فهؤلاء المشركون الذين لا يزال المسلمون يعايشونهم في مكة، قبل أن يؤذن لهم بالهجرة إلى المدينة، قد استمعوا إلى كتاب الله، ودعاهم الرسول والمؤمنون
стр. 2364
معه إلى الحق المبين، وبذلك أصبحوا مسؤولين عن أنفسهم، موكولين إلى اختيارهم، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى في هذا الربع: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾، على غرار قوله تعالى في آية ثانية (٢١: ٥٢)، ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾.
وأعاد كتاب الله الحديث عن قصة بني إسرائيل ليضرب بهم المثل للمؤمنين، حتى لا يسلكوا مسلكهم ولا يتعرضوا للعزل عن خلافة الله في الأرض، التي أراد أن يُعدهم لها بخاتم كتبه، على يد خاتم أنبيائه ورسله، فقد مر بنو إسرائيل بفترة اختارهم الله فيها من بين جميع معاصريهم لحمل الرسالة الإلهية التي جاء بها موسى ﵇، وفي ذلك الطور آتاهم الله الكتاب والحكم، والنبوءة والعلم، ثم تبع هذا الطور طور آخر من الخلاف والانحراف، والعناد والفساد، والطغيان والعدوان، فبعث الله عيسى بن مريم، إذ (أنعم عليه وجعله مثلا لبني إسرائيل)، وذلك ليبين لهم بعض الذي اختلفوا فيه، ويردهم إلى حظيرة الاستقامة، وطريق السلامة، وبدلا من أن يستجيبوا لدعوته، كانوا حربا عليه وعليها، فنزع الله عن بني إسرائيل أهلية الخلافة وشرف النبوة، واقتضت الحكمة الإلهية تكليف فرع آخر من عقب إبراهيم الخليل وابنه إسماعيل الذبيح، ﵉، بحمل الرسالة، وأداء الأمانة، وتجديد الدين الحق، بين الخلق، والخلافة عن الله في الأرض، على أساس ملة إبراهيم، وكان ذلك على يد سيدنا محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه، وفي هذا السياق
стр. 2365
يقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾، أي: فضلناهم على معاصريهم وأهل زمانهم، ﴿وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الْأَمْرِ﴾، أي: حججا بينة وبراهين قاطعة، من الشريعة التي جاء بها موسى، ﴿فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾، أي: أنهم من بعد قيام الحجج الثابتة بالوحي اختلفوا فيما بينهم، وحرفوا الكلم عن مواضعه، ﴿بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾، أي: حسدا من بعضهم لبعض، وبغيا من بعضهم على بعض، اتباعا للأهواء والأغراض والشهوات.
وعقب كتاب الله على الخلافات التي قامت بين بني إسرائيل ففرقت جمعهم، وأدت إلى نزع صولجان الخلافة عن الله من بين أيديهم، وإخراج النبوة نهائيا من سلالتهم، فخاطب الرسول ﵇ قائلا: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾، كأن الحق يشير إلى أن الخلافات التي نشأت بين بني إسرائيل فيما بينهم، وبين بقية الملل والأديان، أصبحت خلافات مزمنة لا سبيل إلى علاجها، بل إنها سترافقهم على مر الزمان إلى اليوم الموعود، وهذه الحقيقة ماثلة للعيان، منذ نزل القرآن، إلى الآن وحتى الآن.
غير أن كتاب الله - وهذا هو الغرض المقصود من الحديث عن بني إسرائيل، ووصف ما تعرضوا له في حالتي الرضى والغضب من جانب الله -وجه الخطاب إلى خاتم الأنبياء والرسل،
стр. 2366
وعن طريقه وجه الخطاب إلى كافة المؤمنين، داعيا له ولهم إلى وجوب التمسك بشرعة الإسلام التي حلت محل الشرائع السابقة، وإلى ضرورة اتباعها وعدم الخروج عنها، والحذر من الوقوع في شبكات الأهواء المفرقة، والاختلافات الممزقة، إذ إن أصحاب الأهواء ودعاة الفرقة الذين يدعون لأهوائهم، ويستدرجون إليها أهل الحق، لا يستطيعون أن يردوا غضب الله، عمن حاد عن شريعة الله، وتعدى حدود الله، وهم أعجز من أن يبقوا على عرش الخلافة عن الله، من خان الأمانة وأشهر الحرب على الله، وذلك معنى قوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ * إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾، ويؤكد كتاب الله هذا المعنى لافتا نظر الرسول ﵇ إلى حال أهل الكتاب، الذين اتبعوا أهواءهم من بعدما جاءهم من العلم، وما هم عليه من تناقض وتخاذل وحيرة وارتباك، وذلك قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾.
ومما ينبغي الانتباه إليه في هذا المقام كلمة (الأمر)، التي تكررت في هذا الموضوع، ولأمر ما كان هذا التكرار والربط في نفس السياق، ففي الحديث عن بني إسرائيل سبق قوله تعالى هنا: ﴿وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الْأَمْرِ﴾، وفي الخطاب للرسول ﵇ ورد قوله تعالى هنا: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ﴾، وكلاهما ينظر إلى قوله تعالى في سورة الأعراف (٥٤):
стр. 2367
﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾، مما يوضح أن الله تعالى كما انفرد بخلق الإنسان وجميع الأكوان، فهو وحده الذي له حق (الحاكمية) على الإنسان، إذ هو سبحانه المنفرد بعلم حقيقته ووجوه نقصه في كل زمان ومكان، وإلى كتاب الله ومزاياه يشير قوله تعالى: ﴿هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾.
ومضى كتاب الله في المقارنة بين الصالحين والفاسقين، وما هنالك من فوارق أساسية وجوهرية بين الفريقين في الحياة وبعد الممات، فقال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾.
ويصف كتاب الله عقيدة (الدهريين) الباطلة ومن لف لفهم فيقول: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾، ويبطل كتاب الله عقيدتهم بحجج الفطرة القاطعة، وشواهد التجربة الناطقة، مؤكدا مرة أخرى أنه سيجمع خلقه يوم الجمع ليفصل بينهم، ﴿ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾.
ويتحدث كتاب الله عن اليوم الموعود، واجتماع كافة الأمم فيه أمام خالقها وهي (جاثية) على ركبها، وعن دعوة كل أمة منها إلى كتابها، إذ إن (العهد) بين الله وبينها هو ما أنزله إليها من كتبه، وما أرسله إليها من رسله، ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ (١٦٥: ٤)، (ودعوة كل أمة إلى كتابها)
стр. 2368
تقتضي محاسبتها من الله حسابا عسيرا على ما فعلت بالكتاب الذي أنزل إليها، هل اتبعته ووفت بما عاهدت الله عليه، أم اتخذت كتابها مهجورا، ونبذته وراء ظهرها، وذلك قوله تعالى: ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ * وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنْتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾.
وخُتِمت هذه السورة بشكر الله على آثار نعمته وجماله والخشوع والخضوع أمام عظمته وجلاله، إذ قال تعالى: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.
стр. 2369
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
التيسير
في
أحاديث التفسير
стр. 2370
التيسير
في
أحاديث التفسير
من إملاء
سماحة الشيخ محمد المكي الناصري
الجزء السادس
دار الغرب الإسلامي
стр. 2371
الطبعة الأولى
١٤٠٥هـ - ١٩٨٥م
دار الغرب الإسلامي
стр. 2372
الربع الأول من الحزب الواحد والخمسين
في المصحف الكريم (ق)
ــ
٤٦ - سورة الأحقاف مكية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (٢) مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ (٣) قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤) وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ (٦) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ
стр. 2373
كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (٧) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلَا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ كَفَى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٨) قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٩) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ (١١) وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ (١٢) إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٣) أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٤)
стр. 2374
وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ (١٦) وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٧) أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ (١٨) وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٩) وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ (٢٠)
стр. 2375
الربع الأول من الحزب الواحد والخمسين
في المصحف الكريم (ت)
عباد الله
موضوع حديثنا هذا اليوم هو تفسير الربع الأول من الحزب الواحد والخمسين في المصحف الكريم، وبدايته فاتحة سورة الأحقاف المكية: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم حم * تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ * مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى﴾، ونهايته قوله جل علاه: ﴿فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ﴾.
ــ
في مطلع هذا الربع ينوه كتاب الله بتنزيل القرآن العظيم، وكونه متضمنا لحكم الله ﴿الْعَزِيزِ﴾، ولحكمة الله ﴿الْحَكِيمِ﴾. ويتحدث مرة أخرى عن مبدأ " الحق " الذي قامت عليه السماوات والأرض وما بينهما، فما من شيء في أجواء السماء، وما من شيء في أرجاء الأرض، إلا وهو ينطق بالإبداع والنظام والتنسيق، ويفصح عن التناسب والتوازن والتقدير الإلهي الدقيق، ويشير كتاب الله إلى أن خلق السماوات والأرض وما بينهما لم يكن عبثا، ولا لعبا، ولا باطلا، بل له حكمة يرمي إليها، وغاية ينتهي
стр. 2376
عندها، وأجل مضروب لهما محدود في علم الله لا يزيد ولا ينقص، متى تحققت الحكمة الإلهية من خلقهما، ومتى استنفد النوع البشري جميع الطاقات والمؤهلات التي رشحته لعمارة الأرض والخلافة فيها عن الله، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى: ﴿حم * تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ * مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى﴾.
وانتقل كتاب الله إلى مواجهة المشركين بأسئلته المفحمة، وحججه البالغة، منددا بما يعتقدونه من الشرك بالله، مستفسرا لهم هل عندهم حجة على أن المعبودات التي يعبدونها شاركت الحق ﵎ في خلق الأرض أو في خلق السماوات في قليل أو كثير، حتى يعبدوها معه، أو يعبدوها من دونه؟ هل هناك كتاب سابق على القرآن من عند الله يستند إليه المشركون في إثبات شركهم؟ هل هناك دليل بيّن أو علم قاطع انفرد به المشركون وحدهم، حتى آثروا الشرك على التوحيد؟ وواضح أن هذه الأسئلة القرآنية لا يمكن للمشركين الجواب عنها بأي جواب مفيد، اللهم إلا مجرد العناد والتقليد. يضاف إلى ذلك أن هذه المعبودات التي يعبدها المشركون لا تستجيب لدعوتهم، ولا تحس بعباداتهم، إذ إنها عبارة عن جمادات أو أموات، لا تنفع في الدنيا ولا تشفع في الآخرة، فما الفائدة إذن من دعاءها وعبادتها؟ وإلى هذا الموضوع يشير قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو
стр. 2377
مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ * وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾. قال القاضي أبو بكر " ابن العربي " المعافري في كتابه " أحكام القرآن " عند تفسير هذه الآية ما نصه: " المسألة الأولى في مساق الآية، وهي أشرف آية في القرآن، فإنها استوفت أدلة الشرع عقليها وسمعيها، لقوله تعالى ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ﴾، فهذا بيان لأدلة العقل المتعلقة بالتوحيد وحدوث العالم، وانفراد البارئ بالقدرة والعلم والوجود والخلق. ثم قال: ﴿ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا﴾، أي بكتاب شاهد على ما تقولون؟ وهذا بيان لأدلة السمع، فإن مدرك الحق إنما يكون بدليل العقل أو بدليل الشرع حسبما بيناه في مراتب الأدلة في كتب الأصول، ثم قال: ﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾، يعني أو علم يؤثر، أي يروى وينقل، وإن لم يكن مكتوبا، فإن المنقول عن الحفظ مثل المنقول عن الكتب ".
ثم تتحدث الآيات الكريمة من جديد عن موقف المشركين من الوحي والرسالة، وقد كان الوحي والرسالة هما محور الصراع القائم بين الجاهلية والإسلام، فها هو كتاب الله يردد صدى اتهامات المشركين وادعاءاتهم من أن آيات القرآن البينات إنما هي سحر مبين، وها هو يسجل ما هم عليه من التساؤل والتشكك في طبيعة القرآن، هل هو صدق من عند الله، أم افتراء من صنع الإنسان، وها هو كتاب الله يبطل ادعاءاتهم، ويرد اتهاماتهم، مبينا
стр. 2378
أن الرسول ﵊ ليس بدعا من الرسل، بحيث لم يسبقه سابق، أو يعد أمره مفاجئا للناس، بل هو خاتم الأنبياء والرسل جميعا، وسلسلة الرسل أمرها ثابت تاريخيا، ومعروف واقعيا، وخبر الكتب المنزلة من عند الله شائع بين كافة البشر، يعرفه المؤمنون وغير المؤمنين، وإذن فلا مجال لاستغراب الوحي الذي أنزله الله على رسوله، فقد أنزله الله على رسله السابقين ولا موجب لاستغراب الرسالة التي كلفه الله بتبليغها للناس، فقد كلف غيره من الرسل بتبليغ رسالته منذ قرون، الوحي والرسالة إذن ظاهرتان طبيعيتان روحيتان أثبتهما التاريخ، وسجلهما واقع الحياة الاجتماعية، إلى جانب الظواهر الطبيعية الأخرى ولا مجال إنكار وجودهما، أو طمس معالمهما.
ونبه كتاب الله إلى العلاقة الوثيقة والرابطة الروحية بين الكتاب الذي أنزله الله على موسى الكليم ﵇، والكتاب الذي أنزله الله على نبيه محمد الأمين ﵇، كما جاء مصدقا لبقية الكتب المنزلة، فكتب الله يصدق بعضها بعضا، ورسله يتلقون الوحي جميعا من منبع واحد هو الواحد الأحد. وذلك قوله تعالى في هذا الربع: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ * أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلَا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ كَفَى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾، ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾، ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾،
стр. 2379
﴿وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ﴾، ويتصل بهذا الموضوع قوله تعالى في سورة الفرقان حكاية عن شبهات المشركين والجواب عنها: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا * قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (الفرقان: ٥، ٦).
وفي نفس هذا السياق عرّج كتاب الله على وصف شيء من أقوال المشركين ودعاويهم في تبرير ما هم عليه من تمسك بالشرك، وتعلق بالوثنية، فنبه إلى أن رد الفعل الذي أحدثه إقبال المستضعفين في مكة، من الفقراء والعبيد والإماء، على الإيمان بالله ورسوله في فجر الإسلام، هو إثارة غضب المشركين المتكبرين، وإثارة سخريتهم، ودفعهم إلى الوقوف من رسول الله ومن كتاب الله موقف الاستعلاء والاستكبار، وموقف العناد والمعارضة، لأنهم أحسوا بالخطر الكامن وراء ما مهد له الإسلام من تحرير المستضعفين في الأرض، وما يستتبعه ذلك التحرير الذي سيتم على يديه، من تغيير جذري في الأوضاع الاجتماعية والسياسية والاقتصادية لجزيرة العرب وللعالم أجمع، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ﴾.
وانتقل كتاب الله إلى التوصية بالإحسان للأمهات والآباء، قضاء لحقوق الوالدين، وبرورا بهما، ولا سيما الأمهات القائمات بحق الأمومة خير قيام، إذ يتحملن من المتاعب، ويبذلن من
стр. 2380
التضحيات، أثناء الوحم والحمل، وأثناء الوضع والرضاع، وفي جميع مراحل الطفولة من أجل تربية الأولاد وتهذيبهم، وطبعهم بالطابع الاجتماعي السليم، ما لا يتحمله غيرهم من الناس، وكل ذلك بمنتهى التفاني والإخلاص، وذلك قوله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ﴾، إشارة إلى أن الإحسان إلى الوالدين من مقتضيات " الإنسانية المجردة "، بحيث لا يكون الإنسان إنسانا، ولا يثبت إنسانيته بطريقة عملية، أيا كان دينه أو معتقده، إلا إذا أحسن إلى والديه، برورا بهما، وأداء لحقهما.
وقوله تعالى هنا: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا﴾، إشارة إلى أن الأم عندما يأذن الله لها بأن تحمل، أو يأذن لها بأن تضع الحمل، إنما هي منفذة لأمر الله الموكول إليها تنفيذه، وقائمة بتحقيق مراد الله في عمارة الأرض، واستمرار حياة الإنسان القصيرة على سطحها، لا اختيار لها في حمل ولا في وضع، وإنما هي تحت حكم القدرة الإلهية المسخرة للكون كله، وليس المراد أن الأم تكره الحمل وتكره الوضع، ولا ترغب فيهما، فقد زرع الله في " الأنثى " على العموم محبة النسل والولد، رغما عن جميع التضحيات والمتاعب والمشاق التي تتحملها في هذا السبيل.
وقوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾، إشارة إلى
стр. 2381
أقل مدة يمكن أن يقع فيها الحمل وهي ستة أشهر، وإلى أطول مدة يمكن أن يتم فيها الرضاع وهي أربعة وعشرون شهرا.
ومن وصية الله للإنسان بالإحسان إلى الوالدين انتقل كتاب الله إلى وصف نموذجين من نماذج الأولاد التي يواجهها الآباء والأمهات في حياتهم باستمرار:
الأول: نموذج الولد البار المهتدي الذي يمتثل وصية الله بالإحسان إلى والديه، ويقوم بها حق القيام، وهذا له الجزاء الحسن عند الله.
والثاني: نموذج الولد العاق الضال، الذي يهمل وصية الله، فيعامل والديه بالإساءة والتأفف دون أي اعتبار، وجزاؤه الخسران والهوان في الدنيا والآخرة.
وإلى النموذج الأول وهو الولد البار المهتدي يشير قوله تعالى: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي﴾، أي ألهمني، ﴿أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي﴾، وإلى ما ادّخره الله له من الجزاء الحسن يشير قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾.
وإلى النموذج الثاني وهو الولد العاق الضال يشير قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ﴾، أي أبعث، ﴿وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي﴾، أي: مضى
стр. 2382
الأموات من قبلي ولم يرجع منهم أحد، ﴿وَهُمَا﴾، أي: والداه، ﴿يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ﴾، أي: الولد العاق الضال، ﴿مَا هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾، وإلى ما أعده الله له من العذاب والنكال يشير قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾، أي: حق عليهم العذاب، ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ﴾.
وعقب كتاب الله على نموذج الولد البار المهتدي، ونموذج الولد العاق الضال فقال: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾.
стр. 2383
الربع الثاني من الحزب الواحد والخمسين
في المصحف الكريم (ق)
ــ
وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٢١) قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٢) قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (٢٣) فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٤) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (٢٥) وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٢٦)
стр. 2384
وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٧) فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢٨) وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (٢٩) قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٠) يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٣١) وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٣٢) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٣) وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٤) فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ
стр. 2385
وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ (٣٥)
٤٧ - سورة محمد مدنية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ (١) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ (٢) ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ (٣) فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ (٤) سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ (٥) وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ (٦) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (٧) وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ (٨) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (٩)
следующие страницы →