← Тафсир

Тафсир · id 115129

التيسير في أحاديث التفسير

محمد المكي الناصري

Полный текст (2 848 стр.). Показаны 2801–2840 · переход к 2806.

стр. 2801

أن يختار لنفسه ما يشاء، وأن يتحمل تبعة اختياره في دار الجزاء، فإما أن يكون (أتقى)، وإما أن يكون (أشقى)، وذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى * وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى * فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى * لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى * الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى * وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى * وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾. ولننتقل الآن إلى سورة " الضحى " المكية أيضا، وهذه السورة تعبر عن رعاية الله لرسوله من فوق سبع سماوات، وتسجل ما يتمتع به من رضى مولاه وتأييده في الشدة والرخاء، وفي بدايتها قسم " بالضحى والليل إذا سجى ". و ﴿الضحى١﴾ وقت ارتفاع النهار وامتداد الشمس، و " سجى " بمعنى سكن وهدأ، والمقسم عليه فيها هو أن الله تعالى يرعى نبيه بعين رعايته التي لا تنام، وأنه لا يمكن أن يجفو رسوله ﵇، ولا أن يكله إلى نفسه، بعدما اختاره لرسالته، وأعده لحمل أمانته، وأن ما ادخره له سبحانه من الفضل والعطاء، يتجاوز العد والإحصاء، ويفوق كل ما يؤمله من الثواب والجزاء، وذلك قوله تعالى: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾، أي ما أبغضك وما هجرك، ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى * وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾. ثم اتجه الخطاب الإلهي إلى خاتم الأنبياء والمرسلين، يذكره بما رافق حياته منذ بدايتها وفي جميع أطوارها من العناية الربانية والمدد الإلهي، مؤكدا له " أن الكريم إذا بدأ كمل "،

стр. 2802

وذلك ما يشير إليه قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾، أي: وجدك " يتيما " فسخر لك من يحنو عليك ويقف بجانبك في السراء والضراء ووجدك " ضالا " بين قوم سيطرت عليهم " الجاهلية "، وأنت تتلمس طريق الهدى: فعصمك من جاهليتهم، وأعدك لتكون رسوله إلى العالمين على غرار قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾ (الشورى: ٥٢). ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾، أي: أكرمك بقناعة النفس وغنى القلب، فلم تلهك الدنيا ولا شهواتها ولا مطامعها. وخُتِمت هذه السورة الكريمة بالدعوة إلى كفالة اليتيم والإحسان إليه، وإكرام السائل والعطف عليه، والتحدث بنعم الله التي أنعم بها على رسوله والمؤمنين، وعلى رأسها نعمة الإيمان والإسلام، والذكر الحكيم الذي أنزله الله رحمة للعالمين، وذلك قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ﴾، أي: اكفله وقربه وأصلح أمره، ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ﴾، أي: إما أن تعطيه مما أعطاك الله، أو تعده، أو ترده ردا جميلا بكلمة طيبة ويندرج تحت هذه الآية السائل عن دينه من أجل البيان والمعرفة. ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾، أي: اشكر إحسان الله إليك وإنعامه عليك، بالجوارح واللسان والجنان.

стр. 2803

الثمن الأول من الربع الثالث في الحزب الستين بالمصحف الكريم (ق) ــ ٩٤ - سورة الشرح مكية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١) وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (٣) وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (٤) فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٦) فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ (٨) ٩٥ - سورة التين مكية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١) وَطُورِ سِينِينَ (٢) وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (٣) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤) ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (٥) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٦) فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ (٧) أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ (٨) ٩٦ - سورة العلق مكية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥) كَلَّا إِنَّ

стр. 2804

الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (٧) إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى (٨) أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى (١٠) أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى (١١) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى (١٢) أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٣) أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى (١٤) كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ (١٥) نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ (١٦) فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ (١٨) كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (١٩) ٩٧ - سورة القدر مكية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (٣) تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (٤) سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (٥)

стр. 2805

الثمن الأول من الربع الثالث في الحزب الستين بالمصحف الكريم (ت) عباد الله موضوع حديث اليوم تفسير الثمن الأول من الربع الثالث فى الحزب الستين بالمصحف الكريم، ويشتمل هذا الثمن على سورة "الشرح" وسورة "التين" وسورة "العلق" وسورة "القدر"، وكلها سور مكية، وبدايته قوله تعالى: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾، ونهايته قوله جل علاه: ﴿سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ ــ وسورة " الشرح " المكية التي هي فاتحة هذا الثمن تتضمن خطابا من الحق سبحانه لنبيه، فيه مناجاة له من ربه، تنسجم كل الانسجام، وتتناسب كل التناسب، مع الخطاب الإلهي الذي وجهه إليه في سورة " الضحى " قبلها، حتى لكأنهما سورة واحدة في موضوع واحد. وأول ما يسجله الخطاب الإلهي في هذه السورة ما آتاه الله لنبيه من رحابة صدر، وانشراح خاطر، وهدوء بال، وطمأنينة قلب، حتى يستطيع أن يواجه مسؤوليات الرسالة الملقاة على عاتقه، ويتحمل أعباءها برضى تام وعزم راسخ، وذلك ما يشير إليه قوله

стр. 2806

تعالى في خطابه لنبيه: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾، وإن " شرح الصدر " بالنسبة لأي إنسان كيفما كان، لدليل على هداية الله له وتوفيقه في الحياة، ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ (الأنعام: ١٢٥)، فما بالك بمقام الرسول ﵇. وثاني شيء يسجله الخطاب الإلهي في هذه السورة ما آتاه الله من صبر جميل، وقدرة خارقة على مواجهة الشدائد، ومعاناة المتاعب، في سبيل تبليغ الرسالة الإلهية، وإعلان الدعوة الإسلامية، رغم معارضة أقطاب الشرك، ومقاومة قادة الوثنية، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى: ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾، أي: خففنا عنك العناء الذي أثقل ظهرك، وأعناك على حمله، بما أمددناك به في كل حين، من تيسير وصبر وثبات ويقين. وثالث شيء يسجله الخطاب الإلهي في هذه السورة ما أكرم الله به نبيه من الذكر الجميل الخالد على مر الدهر: الذكر الخالد في اللوح المحفوظ والملأ الأعلى، والذكر الخالد في أرجاء الأرض شرقا وغربا، شمالا وجنوبا، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى هنا: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾، وإلى هذا المعنى ينظر قوله تعالى في آية أخرى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ (الزخرف: ٤٤). وهل هناك ذكر أجمل وأرفع من ذكر اسمه بعد اسم الله، كلما تحركت بذكر الله الشفاه، (لا إله إلا الله، محمد رسول الله)،

стр. 2807

وهل هناك ذكر أجمل وأرفع من ذكر اسمه من أعلى ملايين المآذن الشاهقة، المرتفعة في دنيا الإسلام الواسعة، عند النداء لكل صلاة، (أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله). قال قتادة: " رفع الله ذكره في الدنيا والآخرة، فليس خطيب ولا متشهد ولا صاحب صلاة إلا ينادي بها: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله ". وهل هناك ذكر أجمل وأرفع من ذكره ﵇ في مجمع الأنبياء والمرسلين، وهو لا يزال في عالم الغيب في أصلاب آبائه الأولين، ومن أخذ الله على أنبيائه ورسله ميثاقا غليظا بالإيمان به وبدعوته، وتأييده ونصرته، مصداقا لقوله تعالى في سورة (آل عمران: ٨١): ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾، وفي مثل هذا المقام قال حسان ابن ثابت: أَغَرُّ عَلَيْهِ لِلنُّبُوَةِ خَاتَمٌ ... مِنَ اللَّهِ مِنْ نُور يَلوحُ وَيشْهَد وَضَمَّ الْإِلَهُ اسْمَ النَّبِيِّ إِلَى اسْمِهِ ... إِذَا قَالَ فِي الْخَمْسِ الْمُؤَذِّنُ "أَشْهَدُ" وَشَقَّ لَهُ مِنَ اسْمِهِ لِيُجِلَّهُ ... فَذُو الْعَرْشِ "مَحْمُودٌ" وَهَذَا "مُحَمَّدُ" ثم انتقل كتاب الله إلى تبشير الرسول والمؤمنين بأنهم إذا واجهتهم شدة في الحياة، وكانت وجهتهم في أعمالهم خالصة لوجه الله، فإن العناية الإلهية تتعهد دائما بتحويل شدتهم إلى رخاء، وعسرهم إلى يسر، وإذن فلا ينبغي لهم أن يقنطوا من

стр. 2808

رحمة الله، ولا أن يسيئوا الظن بالله، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾، قال قتادة: (ذكر لنا أن رسول الله ﷺ بشر أصحابه بهذه الآية فقال: " لن يغلب عسر يسرين "، ذلك أن لفظ " العسر " ورد معرفا في الحالين، فهو " واحد "، وأن لفظ " اليسر " ورد منكرا في كلا الموضعين، فهو " متعدد "، ف " العسر الأول " هو عين الثاني، و " اليسر الثاني " زائد على " اليسر الأول ". واتجه الخطاب الإلهي مرة أخرى إلى الرسول ﵇، يأمره بمواصلة الكفاح والعمل في سبيل الدعوة دون انقطاع، بحيث أنه كلما فرغ من أمر تصدى لما بعده، ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾، إذ إن أعباء الرسالة متعددة، وتكاليف الدعوة متنوعة، ووجوه النشاط الإسلامي متسلسلة يسلم بعضها لبعض، وقد وفّى الرسول ﵇ بما عاهد عليه الله، فلم يذق طيلة عهد الرسالة للراحة طعما، ولم ينتقل إلى الرفيق الأعلى حتى ترك من ورائه عقيدة راسخة، وشريعة قائمة، ودولة حاكمة. ودعا الله نبيه في ختام هذه السورة إلى أن يجعل همه الأكيد في كل أعماله ومساعيه ابتغاء مرضاة الله، والتقرب إليه دون سواه، بكل تجرد وإخلاص، ودون أي اعتبار خاص، وذلك قوله تعالى في إيجاز وإعجاز، والخطاب له ولكل مؤمن من أمته: ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾. ومن هنا ننتقل إلى سورة " التين " المكية أيضا، معتمدين على الله.

стр. 2809

وهذه السورة الكريمة يتصدرها قسم عظيم " بالتين والزيتون، وطور سينين، والبلد الأمين " والمحور الذي يدور عليه القسم فيها هو خلق الإنسان، وما يتعرض له في حياته من فوز أو خذلان، وربح أو خسران. فالله تعالى يمتن هنا على الإنسان بأنه قد خلقه أحسن خلق، وأبدعه أكمل إبداع، وميزه بمزايا خصوصية على غيره من أنواع الحيوان، عسى أن يعرف فضل الله عليه، فيتحلى بحلية الإيمان، عن اقتناع وإذعان، ويقبل على طاعة الله بكل اغتباط وامتنان، وإلى ذلك يشير قوله تعالى: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينِينَ * وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ * لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾، ونقل ابن كثير عن بعض الأئمة أن المقسم به هنا هي محال ثلاثة، بعث الله في كل واحد منها نبيا مرسلا من أولى العزم، أصحاب الشرائع الكبار، فالأول محل التين والزيتون وهو بيت المقدس، حيث بعث الله عيسى ابن مريم، والثاني طور سيناء، حيث كلم الله موسى بن عمران، والثالث مكة، وهي البلد الأمين، الذي من دخله كان آمنا، حيث بعث فيه محمد بن عبد الله، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. ثم ينبه كتاب الله إلى أن الإنسان قد يسيء إلى نفسه بتصرفه تصرف السفهاء، فيما آتاه الله من طاقات، وملكات، وممتلكات، فيتخذها ذريعة للكفر والفساد، بدلا من اتخاذها عونا على الإيمان والصلاح، ويتردى من قمة المكارم والفضائل، إلى هوة الفساد والرذائل، وإذ ذاك ينزل بمحض اختياره من أعلى

стр. 2810

عليين، فيعاقبه الله على ذلك، ويجعله أسفل سافلين، وإلى هذا المعنى يشير قوله تعالى: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ﴾، سئل مجاهد عن الخطاب الوارد في هذه الآية: هل هو موجه إلى النبي ﷺ ؟ فقال: " معاذ الله، إنما عني به الإنسان ". وهكذا قال عكرمة وغيره، أي: إن الخطاب موجه إلى ابن آدم عموما، وإلى من يكذب بيوم الدين على وجه الخصوص. وخُتمت هذه السورة الكريمة بذكر ما ينعم به في الجنة المؤمنون٦ من الأجر المتواصل غير الممنون: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾، كما ختمت بالتنويه بحكمة الله البالغة، التي لا تماثلها حكمة، وبحكم الله العادل، الذي ليس كمثله حكم: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾، بلى. وإنا على ذلك من الشاهدين. ولننتقل الآن إلى سورة " العلق " المكية أيضا، مستعينين بالله. ومطلع هذه السورة الكريمة هو أول نفحة من نفحات السماء المباركة، التي نزلت على خاتم الأنبياء والمرسلين، شفاء لما في الصدور ورحمة للعالمين، حيث تلقى الرسول ﵇ من ربه لأول مرة تكليفه بالرسالة، ونزل عليه هذا القسم الأول من القرآن الكريم، الذي هو " براعة الاستهلال " لدينه القويم، فقال تعالى: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ

стр. 2811

الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾، وتعليقا على هذه الآيات الكريمة قال ابن كثير: " أول شيء نزل من القرآن هذه الآيات الكريمات المباركات، وهي أول رحمة رحم الله بها العباد، وأول نعمة أنعم بها عليهم، وفيها التنبيه على ابتداء خلق الإنسان من علقة، وأن من كرمه تعالى أن علم الإنسان ما لم يعلم، فشرفه وكرمه بالعلم، وهو القدر الذي امتاز به أبو البرية آدم عن الملائكة، والعلم تارة يكون في الأذهان، وتارة يكون في اللسان، وتارة يكون في الكتابة بالبيان، فهو ذهني ولفظي ورسمي، والرسمي -نسبة للرسم والكتابة- يستلزمهما من غير عكس ". فقوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾، توجيه من الله لرسوله إلى أن " القراءة " هي شعار الإسلام البارز، المميز له من بين الأديان، وتنبيه إلى أن دعوته تقوم على أساسها، وتنتشر بقدر انتشارها، فهي دعوة هداية ونور، لا دعوة ضلال وظلام. وذكر " اسم الله " هنا تعريف بأن الله وحده هو منبع الهداية والنور، فحيثما كانت الحجة البالغة، والبرهان الساطع، والعقيدة الصحيحة، والشريعة السمحة، فثم وجه الله ﷻ ، وهناك اسمه الأعلى، وحيثما كانت الأوهام والأباطيل، والمعتقدات الفاسدة والأضاليل، فهناك الأصنام والأوثان، وأولياء الشيطان، وطواغيت الجهلة من بني الإنسان، التي لا يجتمع معها اسم الله في أي مكان. ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ

стр. 2812

لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ (الزمر: ٤٥). وقوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾، إشارة -أولا- إلى صفة " الخلق " البارزة، التي هي إحدى صفات الكمال الإلهي، والتي بفضلها، كان بدأ الخليقة من أصلها، وكان العالم العلوي والعالم السفلي وفق تصميمها، وإشارة -ثانيا- إلى خلق الإنسان، الذي توج الله بخلقه نشأة الأكوان، وجعله محور الرسالة، ومستودع الأمانة، ومستقر الخلافة، ومن أجل هدايته أرسل الرسالة وأنزل الكتب: ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ (الأنفال: ٤٢). وقوله تعالى: ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾، حض من الله لرسوله والمؤمنين على مواصلة القراءة باستمرار ودون انقطاع، لأنها إكرام عظيم من الله للإنسان، لا تتحقق إنسانيته على الوجه الكامل إلا بتحقيقها واستمرارها على مر الزمان. وقوله تعالى: ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾، تعريف للرسول والمؤمنين بقيمة " القلم " عند الله، وأثره العميق في تهذيب الإنسان وتمدينه وتحضيره، وحفظ تراثه الفكري عبر القرون والأجيال، وإشارة إلى الدور العظيم الذي سيلعبه القلم في إنشاء الحضارة الإسلامية العريقة، ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾، ولولا القلم الذي أكرم الله به الإنسان، وهداه إلى اكتشافه واستعماله، لبقي الإنسان عبارة عن حيوان أعجم، لا رصيد له من الثقافة ولا من الحضارة، ولا أثر له في سجلات الحياة.

стр. 2813

وقوله تعالى: ﴿عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾، امتنان من الله على الإنسان، أي: إنسان كان، بأنه سبحانه هو منبع العلم ومصدر المعرفة، فهو -أولا- الذي جهز الإنسان بجميع الحواس والملكات والطاقات القابلة للتعليم، والملائمة لإدراك المعلومات وتصور الحقائق، وهو - ثانيا- الذي يفتح لعباده بقدر ما يشاء من مغلقات الأسرار في الوجود، فتتفتح عيونهم وعقولهم كل يوم على حقائق جديدة، ومعلومات مفيدة، ولو لم يكشفها لهم بنوره لما اكتشفوها إلى الأبد، على حد قوله تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ (البقرة: ٢٥٥)، وقوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ (طه: ١١٤)، فمصدر التعليم الأول والأخير هو الله العليم الحكيم، الذي أحاط بكل شيء علما. وانتقلت الآيات الكريمة إلى وصف ما يصيب الإنسان من انحراف في السلوك، وخبال في التصور، وما يضيفه إلى ذلك كله من تثبيط غيره عن العمل الصالح، فقال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى * إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى * أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى * عَبْدًا إِذَا صَلَّى * أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى * أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى * أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى * أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾. وعقَّب كتاب الله على ذلك بإنذار خطير وجهه إلى الإنسان الطاغي، الباغي على الخلق، المنحرف عن الحق، فقال تعالى: ﴿كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ﴾، أي: لنجعلن في ناصيته سمة سوداء تفضحه يوم القيامة بين الناس، ﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ * فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾، أي: فليدع قومه وعشيرته لينصروه، إن كانوا

стр. 2814

يستطيعون له نصرا، لكنهم لن يستطيعوا، ﴿سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾. ووجه كتاب الله الخطاب إلى المؤمن الذي يثبطه غيره عن العمل الصالح، محذرا إياه من طاعة المثبطين، والسير في ركاب المعوقين، داعيا إياه إلى الثبات على الإيمان، والاعتصام بحبل الله في كل آن، فقال تعالى: ﴿كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾. ولننتقل الآن إلى سورة " القدر " المكية أيضا، معتمدين على الله. وهذه السورة الكريمة تبين فضل ليلة القدر ومكانتها عند الله، بما دشنته القدرة الإلهية فيها من نزول الوحي على رسول الله ﷺ ، فكانت ليلة مباركة، عمت بركتها الإنسانية جمعاء. و" ليلة القدر " هي إحدى ليالي شهر رمضان، الذي فرض الله صيامه على المسلمين شكرا لله، واحتفاء بذكرى نزول القرآن: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ * سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾. وإنما سميت " ليلة القدر " لما أعلن فيها من تقدير الله وتدبيره الحكيم، ولما لها من القيمة الكبرى والمقام العظيم، وقيل: إنها سميت بذلك لأن الله أنزل فيها كتابا " ذا قدر "،

стр. 2815

على رسول " ذي قدر "، لأمة " ذات قدر "، فهي " ليلة القدر " العظيم، والفضل العميم، وإليها يشير قوله تعالى في سورة (الدخان: ٣): ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ * أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ * رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. وفي فضل قيامها ورد في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: " من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ". وفي الحض على تحريها ورد في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: " تحروا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان ".

стр. 2816

الثمن الثاني من الربع الثالث في الحزب الستين بالمصحف الكريم (ق) ــ ٩٨ - سورة البينة مدنية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (١) رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً (٢) فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ (٣) وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ (٤) وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (٦) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (٧) جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (٨)

стр. 2817

٩٩ - سورة الزلزلة مدنية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (١) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا (٢) وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا (٣) يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (٤) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا (٥) يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ (٦) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨) ١٠٠ - سورة العاديات مكية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا (١) فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا (٢) فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا (٣) فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا (٤) فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا (٥) إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (٦) وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ (٧) وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (٨)

стр. 2818

الثمن الثاني من الربع الثالث في الحزب الستين بالمصحف الكريم (ت) عباد الله موضوع حديث اليوم تفسير الثمن الثاني من الربع الثالث في الحزب الستين بالمصحف الكريم، ويشتمل هذا الثمن على سورة "البينة" وسورة "الزلزلة" وسورة "العاديات"، وبداية هذا الثمن قوله تعالى في فاتحة سورة "البينة": ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾، ونهايته قوله تعالى في سورة "العاديات": ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾. ــ أول ما تتحدث عنه سورة " البينة " هو التعريف بموقف الكافرين والمشركين من رسالة خاتم الأنبياء والمرسلين، ذلك الموقف المضطرب المتناقض، فقد كان أهل الكتاب على أثارة من العلم بالرسول " الخاتم "، وكان المشركون يبررون ما هم عليه بعدم إرسال رسول إليهم مثل غيرهم، فلما جاءهم رسول من عند الله جحدوا الرسالة وكذبوا الرسول، وبدلا من أن يتدبروا ما جاء به من الآيات البينات، وينصرفوا عما هم عليه من فاسد المعتقدات، حسبما كان منتظرا، أصروا على ما هم فيه من الضلال، ولم ينفكوا عن المماحكة والجدال، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى:

стр. 2819

﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾. وتعريفا " بالبينة " التي جاء بها الرسول، وتأكيدا لأن ما جاء به كله دلائل واضحة وبراهين ساطعة من المحسوس والمعقول، قال تعالى: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً﴾، أي: يقرأ عليكم صحفا منزهة عن كل المطاعن والشبهات، ﴿فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾، أي: فيها آيات مكتوبة كلها ناطقة بالحق، مستقيمة لا عوج فيها، على غرار قوله تعالى في سورة (الكهف: ١): ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا * قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا﴾. ثم خص كتاب الله بالذكر " أهل الكتاب " من اليهود والنصارى لعظم مسؤوليتهم، فقد كانوا على علم بظهور الرسول " الخاتم " والرسالة " الخاتمة "، وكانوا يبشرون المشركين ببعثته ورسالته، مبينا ما آل إليه أمرهم بعد ظهور الرسول والرسالة من الجحود والإنكار، والحسد والاستكبار، مما كان له أثر كبير على المشركين في التمسك بشركهم، اقتداء بتمسك الكافرين بكفرهم، فقال تعالى: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾، والمراد " بتفرقهم " تفرقهم عن الحق، أو تفرقهم فرقا، فمنهم من آمن، ومنهم من أنكر، ومنهم من عرف الحق وعاند. وانتقل كتاب الله إلى التذكير بمضمون الدعوة الإسلامية،

стр. 2820

والتعريف بجوهرها وفحواها، وأنها دعوة جامعة للناس أجمعين، إلى عبادة الله وحده، وإنفراده بالطاعة والعبودية، وأداء حقوق الله -وعلى رأسها إقامة الصلاة- وأداء حقوق العباد - وعلى رأسها إيتاء الزكاة- مع الإخلاص لله في القول والعمل، والابتعاد عن كل ما هو باطل وفاسد، نية واعتقادا، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى، مذكرا أهل الكتاب بما أمروا به في الكتب المنزلة: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾، أي: لا يميلون إلى الباطل من قريب ولا من بعيد، ﴿وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ﴾، ثم قال تعالى منوها بدين الحق والمبادئ السامية التي يدعو إليها: ﴿وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾، أي: ذلك دين الملة المستقيمة، ودين الشريعة المستقيمة. وتولى كتاب الله في هذا السياق التعريف " بخير الخلق "، والتعريف " بشر الخلق "، وما يكون عليه كلا الفريقين في الدنيا والآخرة من حق أو باطل، وسعادة أو شقاء، فقال تعالى واصفا لحال الأشرار في كل عصر: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾، أي: هم شرار الخلق، وقال تعالى واصفا لحال الأخيار في كل جيل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾، أي: هم خيار الخلق، ﴿جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾، أي: جنات استقرار وإقامة ودوام، ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾، أي: مقيمين فيها باستمرار، ﴿﵃﴾، أي: حقق لهم جميع الأماني، ثم خلع

стр. 2821

عليهم رداء الرضوان الذي لا سخط بعده أبدا، ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (التوبة: ٧٢)، ﴿وَرَضُوا عَنْهُ﴾، أي: رضوا بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد نبيا ورسولا، وشكروا إحسان الله إليهم، ونعمه عليهم، ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾، أي: إن هذا الجزاء الحسن إنما يناله من اتقى الله حق تقواه، وعبده كأنه يراه، وعلم أنه إن لم يره فإنه يراه. وبعد الانتهاء من سورة " البينة " المدنية تستقبلنا سورة " الزلزلة " وهي مكية على الأرجح، وهذه السورة تصور حالة الإنسان، وما يكون عليه من الذهول والفزع عندما تقوم الساعة، التي هي " يوم الفزع الأكبر "، ويحشر الناس من كل مكان للجزاء والحساب، والثواب والعقاب، وذلك قوله تعالى بعد البسملة: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾، أي: إذا زلزلت الأرض زلزالها الذي لم يسبق له مثيل، وأضيف " الزلزال " إلى " الأرض " لأنه " زلزال كلي " يعم الكوكب الأرضي بأسره من أدناه إلى أقصاه، لا " زلزال جزئي " يخص جانبا منه دون آخر. ﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾، أي: لفظت ما في جوفها من الدفائن والخزائن، والكنوز والمعادن، وألقت ما في بطنها من أفلاذ كبدها، وحشرت مختلف الأحياء الذين يوجدون بها إلى سطحها. ﴿وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا﴾، أي: أن الإنسان على العموم يفاجأ بما يواجهه من أحوال وأهوال لم يسبق له أن عاينها من قبل، " وليس الخبر كالعيان "، " فالمؤمن بالبعث " إنما يتساءل متعجبا مما يراه من الهول العظيم، و " الكافر بالبعث " يتساءل مستنكرا قيام الساعة نفسه، لأنه كان

стр. 2822

يعتقد أنه مجرد أسطورة من أساطير الأولين، الأول يقول: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ (يس: ٥٢)، والثاني يقول: ﴿يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ (يس: ٥٢). وقوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾، فسره ابن مسعود والثوري وغيرهما بأن يخلق الله في الأرض نفسها حياة وإدراكا، فتشهد بما عمل عليها من صالح أو فاسد، وفسره ابن جرير وغيره بإحداث الله تعالى في الأرض أحوالا تقوم مقام التحديث باللسان، حتى ينظر من يقول: " مالها "؟ إلى تلك الأحوال، فيعلم أن هذا هو ما كان الأنبياء ينذرون به ويحدثون عنه، ومعنى الآية عند الزمخشري: " تحدث أخبارها بسبب إيحاء ربك لها، وأمره إياها بالتحديث "، ومعنى ﴿أَوْحَى لَهَا﴾ ألهمها، أو أذن لها. وقوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ﴾، أي: ليحاسبوا، يمكن تفسيره على وجهين كلاهما صحيح: -الوجه الأول - يصدر الناس عن مخارجهم من القبور إلى موقف الحساب، فرادى، كل واحد وحده لا ناصر له ولا معين، مصداقا لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ (الأنعام: ٩٤). - والوجه الثاني - يصدر الناس عن موقف الحساب متفرقين حسب أعمالهم، بين سعيد يؤمر به إلى الجنة، وشقي يؤمر به إلى النار. وقال السدي: " أشتاتا "، أي، فرقا. ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾، أي: يره في كتاب حسابه ويسره ما يراه، ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾، أي:

стр. 2823

يره في سجل حسابه ويحزنه ذلك، وفي الأثر: " من زادت حسناته على سيئاته مثقال ذرة دخل الجنة ". وروى أحمد في مسنده عن عبد الله بن مسعود أن رسول الله ﷺ قال: " إياكم ومحقرات الذنوب، فإنهن يجتمعن على الرجل حتى يهلكنه ". والآن وقد فرغنا من تفسير سورة " الزلزلة " نستعين بالله على تفسير سورة " العاديات " المكية، وهي ثالث وآخر سورة في هذا الثمن، وفي مطلعها قسم من الله عظيم، بالخيل التي جعلها الله قوة للجهاد في سبيله، والدفاع عن دينه، فكانت عدة الفتوحات الإسلامية في مختلف بقاع الأرض، وذلك قوله تعالى بعد البسملة: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا * فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا * فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا﴾، أقسم بخيل الغزاة المجاهدين في سبيل الله، " العاديات ضبحا "، أي: التي تجري وتعدو عند سيرها، و " تضبح " أثناء عدوها، و " الضبح " هو الصوت الذي يسمع من جوف الخيل حين تعدو، " الموريات قدحا "، أي: التي ينقدح الشرر من حوافرها إذا أصابت سنابكها الحجارة بالليل، " المغيرات صبحا " أي: التي تغير على الأعداء وقت الصباح، ولا تباغتهم في ظلام الليل، وقد كان رسول الله ﷺ يغير صباحا ويستمع الأذان، فإن سمع أذانا أمسك وإلا أغار. وقوله تعالى: ﴿فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا * فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾، وصف لما يقوم به فرسان الإسلام، وتقوم به خيلهم، من إثارة الغبار، عندما تقبل على ساحة المعركة، فتتوسط جموع الأعداء، وتخترق صفوفهم بكل شجاعة وحماس.

стр. 2824

وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ * وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ * وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾، هذا هو الشيء المقسم عليه وجواب القسم، وكأن كتاب الله يريد أن يقول: إن نعم الله على الإنسان لا يحصيها عد، وفي مقدمتها تمكينه من وسائل القوة والظفر، وتسخير الحق له طاقات الحيوان والبشر، وبالرغم من ذلك فإن الإنسان يتنكر لنعم الله، ويصرفها في غير محلها، ويتصرف فيها تصرف المستهترين السخفاء، والطغاة السفهاء، فمعنى قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾، إنه لجاحد لنعمة ربه، كافر بها، غير شاكر لها، وقال الحسن: " الكنود هو اللائم لربه الذي يعد المصائب، وينسى نعم الله عليه "، ومعنى قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾، إن الجاحد لنعمة الله ليشهد على جحود نفسه بنفسه، إذ لا يستطيع تكذيب ما ينطق به لسان حاله، وما يتجلى في أقواله وأفعاله، ومن ذلك قول الشاعر: " فكل إناء بالذي فيه ينضح "، ومعنى قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾، إن الإنسان تميل نفسه إلى حب المال، والبخل به، والشح في إنفاقه، و " الخير " هنا بمعنى المال، على غرار قوله تعالى في سورة (الفجر: ٢٠): ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾. قال ابن كثير: " وفي معنى هذه الآية مذهبان: أحدهما: أن المعنى، وإنه لشديد المحبة للمال، والثاني: أن المعنى وإنه لحريص بخيل، من أجل محبته للمال، وكلاهما صحيح ".

стр. 2825

الثمن الأول من الربع الأخير في الحزب الستين بالمصحف الكريم (ق) ــ أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ (٩) وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ (١٠) إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ (١١) ١٠١ - سورة القارعة مكية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الْقَارِعَةُ (١) مَا الْقَارِعَةُ (٢) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ (٣) يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ (٤) وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ (٥) فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (٦) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٧) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (٨) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (٩) وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (١٠) نَارٌ حَامِيَةٌ (١١) ١٠٢ - سورة التكاثر مكية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (٢) كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٤) كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (٥) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (٦) ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ (٧) ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨)

стр. 2826

١٠٣ - سورة العصر مكية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣) ١٠٤ - سورة الهمزة مكية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (١) الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ (٢) يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ (٣) كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ (٤) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ (٥) نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ (٦) الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ (٧) إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ (٨) فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ (٩) ١٠٥ - سورة الفيل مكية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (١) أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (٢) وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ (٣) تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (٤) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (٥)

стр. 2827

الثمن الأول من الربع الأخير في الحزب الستين بالمصحف الكريم (ت) عباد الله في حديث هذا اليوم نتناول تفسير الثمن الأول من الربع الأخير في الحزب الستين بالمصحف الكريم، وهذا الثمن من كتاب الله يشمل بقية سورة "العاديات" وسورة "القارعة" وسورة "التكاثر" وسورة "العصر" وسورة "الهمزة" وسورة "الفيل"، وكلها سور مكية. ــ وأول هذا الثمن يحتوي على ختام سورة " العاديات " التي تناول الحديث فيها جحود الإنسان لنعمة ربه، رغما عما يتقلب فيه من الهبات الإلهية، والعطايا الربانية، التي لا حد لها ولا حصر، ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ (إبراهيم: ٣٤). ففي ختامها تساءل كتاب الله هل بلغ الجهل والغرور بالإنسان، الكافر بالله، الجاحد لنعمه، إلى حد أن يتجاهل ما هو مقبل عليه -أحب أم كره- من مفارقة القبر بعد نزوله، وانتقاله منه، بعد سكناه المؤقتة، إلى دار البقاء والخلود، ليحاسب فيها على ما أصر عليه من الكبر والجحود: ﴿أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ﴾؟ أي: إذا أخرج من كان مقبورا فيها من الأموات،

стр. 2828

﴿وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ﴾، أي: أبرز ما كان مكتوما فيها من النيات والسرائر، ﴿إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾، أي: إنه سبحانه سيفاجئ الناس يوم القيامة، بأنه كان مطلعا على جميع أعمالهم وتصرفاتهم، وأنه سيحاسبهم عليها بمقتضاها، ﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ (الكهف: ٤٩). ومن هنا ننتقل إلى سورة " القارعة " المكية، و " القارعة " أحد الأسماء التي تطلق في كتاب الله على يوم القيامة، كالحاقة، والطامّة، والصاخّة، والغاشية، وفي هذه السورة يصف الحق سبحانه بعض أهوال الساعة ومشاهدها الرهيبة، ولا سيما ما يصيب الإنسان عند قيامها من ذهول واضطراب، وما يصيب الجبال من نسف وخراب، وما ينال السعداء والأشقياء من ثواب وعقاب، وذلك قوله تعالى بعد البسملة: ﴿الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ * يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ﴾، أي: يوم يكون الناس في حيرة وذهول، متفرقين شذر مذر، كالفراش الذي أعشى النور بصره، فانتشر من حوله، وتراكم بعضه على بعض، لا يدري ماذا يصنع، ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾، أي: تصبح الجبال التي كانت أوتادا صلبة ترسي الأرض في منتهى الرخاوة واللين والتفتت، كأنها صوف منفوش تذروه الرياح، ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾، أي: فأما من رجحت حسناته على سيئاته، فثقلت كفة الحسنات في ميزانه، فهو في عيشة خالدة يرضى عنها الله، ويرضى عنها عبده كل الرضى، إذ يرى فيها وفاء من الله بوعده، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا

стр. 2829

يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ (آل عمران: ٩)، ﴿وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾، أي: وأما من رجحت سيئاته على حسناته، فخفت كفة الحسنات في ميزانه، فالنار هي أمه ومأواه كما قال ابن زيد وقتادة، وبذلك يكون قوله تعالى هنا: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ * نَارٌ حَامِيَةٌ﴾، تفسيرا قرآنيا " للهاوية "، ولتصور ما عليه النار من درجة الحرارة، أعاذنا الله منها جميعا، يكفي أن نعرف قول رسول الله ﷺ في شأنها: " نار بني آدم التي توقدون جزء من سبعين جزءا من نار جهنم "، رواه البخاري وأحمد. ولننظر الآن في تفسير سورة " التكاثر " المكية، مستعينين بالله، وهذه السورة يدور الحديث فيها عن استغراق الغافلين، في شؤونهم المادية، ومصالحهم الشخصية، حتى يدركهم الأجل، وهم لم يتزودوا لآخرتهم بأي زاد من العمل الصالح، وفيها تأكيد للخلق، وتعريف لهم بأنهم سيسألون يوم القيامة عما آتاهم الله من فضله، وسيحاسبون على النقير من نعمه والقطمير، وذلك قوله تعالى بعد البسملة: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾، أي: ألهاكم الانهماك في التفاخر والتكاثر من الأموال والأولاد عن طاعة الله، وأداء حقوقه وحقوق خلقه، ﴿حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾، أي: حتى أتاكم الموت ودفنتم في القبور، دون أن تقدموا بين أيديكم ما ينفعكم عند الله. والتعبير هنا بلفظ " زرتم المقابر " دون التعبير مثلا " بسكنتم المقابر " فيه إشارة واضحة إلى أن إقامة الإنسان في قبره بعد الموت إنما هي مجرد إقامة مؤقتة، شبيهة بالزيارة أياما معدودة،

стр. 2830

لا سكنى مستمرة، أما منزله الذي سيسكنه وسيستقر فيه فهو إما الجنة وإما النار. عن ميمون بن مهران قال: " كنت جالسا عند عمر بن عبد العزيز فقرأ: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾، فلبث هنيهة ثم قال: " يا ميمون، ما أرى المقابر إلا " زيارة "، وما للزائر بدّ من أن يرجع إلى منزله ". قال أبو محمد: " معنى أن يرجع إلى منزله، أي: إلى جنة أو إلى نار ". وقوله تعالى: ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾، هذا وعيد مضاعف من الله تعالى للغافلين عن آخرتهم، الشاكين في بعثهم وحسابهم، وقوله تعالى: ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ﴾، هذا تفسير من الله للوعيد الشديد الذي توعد به الشاكين والكافرين، وفيه تأكيد بالغ لما سينالهم من عذاب الله، جزاء شكهم وكفرهم، و " عين اليقين " درجة زائدة على " علم اليقين "، إذ هي " الرؤية التي هي نفس اليقين وخالصته ". وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾، هذا تأكيد قوي؛ لأن الله سبحانه سيتولى سؤال عباده عن كل ما تقلبوا فيه من النعم أثناء حياتهم في الدنيا، ومن تلك النعم الأمن والغنى، والشبع، والظل، والنوم، واعتدال الخلق، وصحة الأبدان، وسلامة الأسماع والأبصار. قال مجاهد: " النعيم عبارة عن كل لذة من لذات الدنيا "، وقال ابن عباس: " يسألهم الله عن نعمه فيما استعملوها، وهو أعلم بذلك منهم "، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾

стр. 2831

(الإسراء: ٣٦). روي عن رسول الله ﷺ أنه قرأ: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾، ثم قال: " يقول ابن آدم: مالي مالي، وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت "، رواه أحمد ومسلم والترمذي والنسائي. وروي عن رسول الله ﷺ أنه قال: ﴿يتبع الميت ثلاثة، فيرجع اثنان ويبقى معه واحد: يتبعه أهله وماله وعمله، فيرجع أهله وماله، ويبقى عمله "، رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي. ولنستقبل الآن سورة " العصر " المكية أيضا، ومدار الحديث في هذه السورة على التعريف بالقيمة الحقيقية لحياة الإنسان، والإشارة إلى أن العبرة في حياته إنما هي بنوع المساعي التي يسعى فيها، والتصرفات التي يتصرفها، خيرا أو شرا، صلاحا أو فسادا، وفي هذه السورة قسم من الله " بالعصر "، وهو مفرد العصور، والمراد به الزمن الذي يقطعه الإنسان في حياته، وتقع فيه شتى حركاته وتصرفاته، وكما ذكر كتاب الله هنا لفظ " العصر " الذي هو مفرد العصور، ذكر في آية أخرى لفظ " الدهر " الذي هو مفرد الدهور. والمقسم عليه هنا هو إثبات أن الإنسان يظل خاسرا لنفسه ولحياته، ولا يعتبر من الفائزين المفلحين، إلا إذا تحول من إنسان جاحد، فاسد، أناني، إلى إنسان مؤمن بالله، قائم بالعمل الصالح، متمسك بالحق، " وموص " لغيره بالتمسك به، معتصم بالصبر، و " موص " لغيره بالاعتصام به، وذلك قوله تعالى بعد البسملة: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا

стр. 2832

وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾، وقد كتب عمر بن الخطاب إلى أبي الحسن الأشعري يقول: (عليك بالصبر، واعلم أن الصبر صبران: أحدهما أفضل من الآخر، الصبر في المصيبات حسن، وأفضل منه الصبر عما حرم الله تعالى). وقال علي بن أبي طالب: " بنيّ الإيمان على أربع دعائم: اليقين، والصبر، والجهاد، والعدل ". ومن هنا ننتقل إلى سورة " الهمزة " المكية أيضا، معتمدين على الله. وهذه السورة يدور الحديث فيها على تنفير المؤمنين من الغيبة والنميمة، ومن الطعن في الناس والازدراء بهم قولا أو فعلا، وفيها وعيد شديد من الله بالعذاب الأليم، لمن يتخذ من أعراض الناس وأحوالهم مجالا للتنقيص والازدراء، وذلك قوله تعالى بعد البسملة: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾، أي: هلاك وخسار لكل هماز لماز، و " الهماز اللماز " من يزدري الناس بقوله أو بفعله، بعينه أو لسانه أو يده، قال ابن عباس: " ﴿همزة لمزة﴾ أي طعان معياب ". وقال الربيع بن أنس: " الهمزة: يهمزه في وجهه، واللمزة: يلمزه من خلفه ". وقوله تعالى: ﴿الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ * يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ﴾، هذا وعيد من الله بالخصوص لأولئك الذين يطغيهم الغنى والمال، فينظرون إلى من دونهم من الفقراء نظرة التحقير والازدراء، ويتخذون منهم مادة رخيصة لسخريتهم وهمزهم ولمزهم من أجل كونهم ضعفاء، ﴿كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ * وَمَا

стр. 2833

أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ * نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ * الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ * إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾، أي: مقفلة عليهم بحيث لا يفارقونها، ﴿فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾، أي: في قيود ثقيلة لا يفلتون منها. ولنلق الآن نظرة على سورة " الفيل " المكية أيضا، وهذه السورة تتضمن امتنانا من الله على رسوله بأحد " الإرهاصات " الكبرى التي سبقت ولادته ونبوته، فقد عزم " أبرهة الحبشي " على هدم الكعبة ومحو أثرها من الوجود قبيل ولادة الرسول ﵇، وأقبل على مكة في جيش عرمرم تتقدمه الفيلة، وعلى رأسها فيل أبرهة نفسه، وكان فيلا ضخم الجثة لم ير مثله، فلما وجهوه نحو " الكعبة " برك في مكانه، واستعصى عليهم أمره، رغما عن ضربه ضربا مبرحا، وكان كلما وجهوه نحو الجهات الثلاث الأخرى يهرول ويسير، حتى إذا ما وجهوه نحو " الكعبة " صاح وبرك من جديد، وامتنع عن السير، وبينما هم كذلك؛ إذ أرسل الله عليهم طيرا من البحر أمثال الخطاطيف، مع كل طائر ثلاثة أحجار، كل حجر دون حبة الحمص، وفوق حبة العدس، واحد في منقاره واثنان في مخلبيه، ولم تصب تلك الأحجار أحدا منهم إلا هلك في الحين، فخرج من بقي منهم يبتدرون الطريق هاربين، وبقيت الكعبة رابضة في مكانها، خالدة إلى يوم الدين. قال ابن إسحاق: " حدثني يعقوب بن عتبة أنه حدث أن أول ما رؤيت الحصبة والجدري بأرض العرب ذلك اليوم، فلما بعث الله محمدا ﷺ كان فيما يعد على قريش من نعمه عليهم وفضله ما رد عليهم من أمر الحبشة ". وقال ابن كثير: " إن هذا من باب

стр. 2834

الإرهاص والتوطئة لمبعث رسول الله ﷺ ، فإنه في ذلك العام ولد على أشهر الأقوال، ولسان حال القدر يقول: " لم ننصركم يا معشر قريش على الحبشة لخيريتكم عليهم، ولكن صيانة للبيت العتيق الذي سنشرفه ونعظمه ونوقره لبعثة النبي الأمي محمد ﷺ خاتم الأنبياء؟ " وذلك ما يشير إليه قوله تعالى خطابا لنبيه وامتنانا عليه: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ * أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ﴾، أي: أبطل كيدهم، وخيب سعيهم، يقال: " ضلل كيده " إذا أبطله وجعله ضائعا، ﴿وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ﴾، أي: أسرابا متتابعة، ﴿تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ﴾، أي: طين مطبوخ بالنار مختلط بحجر، ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾، أي: كالتبن الذي جز لعلف الدواب فأكلته وراثته، وهذا التعبير جاء على أسلوب " أدب القرآن "، على غرار قوله تعالى: ﴿كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾، قال أبو حيان في تفسيره " البحر المحيط ": في خطابه تعالى لنبيه ﷺ بقوله: ﴿فَعَلَ رَبُّكَ﴾، تشريف له ﵇، وإشادة بذكره، كأنه قال: " ربك ومعبودك هو الذي فعل ذلك، لا أصنام قريش: إساف ونائلة وغيرهما ". وقال القشيري في " لطائف الإشارات "، إشارة إلى دور عبد المطلب في هذه القصة، ودعائه على أبرهة الحبشي وجيشه دفاعا عن البيت: " إذا كان عبد المطلب عندما أخلص في التجائه إلى الله، لاستدفاع البلاء عن البيت، لم يخيب الله رجاءه، وسمع دعائه، فالمؤمن المخلص إذا دعا ربه لا يرده خائبا ".

стр. 2835

الثمن الثاني من الربع الأخير في الحزب الستين بالمصحف الكريم (ق) ــ ١٠٦ - سورة قريش مكية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (١) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (٢) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (٣) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (٤) ١٠٧ - سورة الماعون مكية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (١) فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (٢) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (٣) فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (٦) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (٧) ١٠٨ - سورة الكوثر مكية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢) إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣) ١٠٩ - سورة الكافرون مكية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٣) وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (٤) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٥) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٦)

стр. 2836

١١٠ - سورة النصر مدنية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (٣) ١١١ - سورة المسد مكية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (٢) سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ (٣) وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (٤) فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ (٥) ١١٢ - سورة الإخلاص مكية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤) ١١٣ - سورة الفلق مكية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (٢) وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (٣) وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (٤) وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ (٥) ١١٤ - سورة الناس مكية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) مَلِكِ النَّاسِ (٢) إِلَهِ

стр. 2837

النَّاسِ (٣) مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (٤) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (٥) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (٦) صدق الله العظيم

стр. 2838

الثمن الثاني من الربع الأخير في الحزب الستين بالمصحف الكريم (ت) عباد الله حديث هذا اليوم هو مسك الختام لأحاديثنا التفسيرية، وسنتناول فيه بحول الله وقوته "السور التسع" الباقية من الحزب الستين في المصحف الكريم، ابتداء من سورة "قريش" وانتهاء بسورة "الناس"، وكلها سور مكية، ما عدا سورة "النصر". ــ أما سورة " قريش " وهي الأولى في هذا الحديث، فرغما عن كونها مستقلة عن سورة " الفيل " التي قبلها، ومفصولة عنها في " المصحف الإمام "، هي في الحقيقة متعلقة بها وتتمة لها، كما صرح بذلك محمد بن إسحاق وعبد الرحمن بن زيد. فمعنى قوله تعالى: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾ عند ابن إسحاق وابن زيد: " حبسنا عن مكة الفيل، وأهلكنا أهله ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾، أي: لائتلافهم واستمرار اجتماعهم في بلدهم آمنين، وكذلك لما سيؤول إليه أمر مكة والكعبة، عندما يبعث إلى الخلق خاتم الأنبياء والمرسلين. وقوله تعالى: ﴿إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ﴾، امتنان من الله على قريش بما أفاضه عليهم من الرزق الواسع، عن

стр. 2839

طريق القوافل التجارية، التي كانت تسير في الشتاء إلى اليمن جنوبا، وفي الصيف إلى الشام شمالا. وقوله تعالى: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾، دعوة من الله لقريش أن يشكروا نعمته عليهم، وأن يطهروا بيته الحرام من الأصنام والأوثان، إذ " البيت الحرام " بيت الله، ولا رب للبيت يستحق العبادة سواه. قال القشيري: " ووجه المنة في الإطعام والأمان هو أن يتفرغوا إلى عبادة الله، فإن من لم يكن مكفي الأمور لا يتفرغ إلى الطاعة، ولا تساعده القوة ولا القلب إلا عند السلامة بكل وجه، وقد قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ﴾ (البقرة: ١٥٥)، فقدم " الخوف " على جميع أنواع البلاء ". وتُواجهنا بعد ذلك سورة " الماعون "، وهذه السورة تكشف النقاب عن سريرة المكذبين بالبعث والجزاء، وأن الدافع لهم إلى التكذيب بالنشأة الآخرة هو علمهم بأنهم ليسوا على شيء، وخوفهم من سوء العاقبة، لما هم عليه من قبض في اليد، وغفلة في الفكر، وقسوة في القلب، ورياء للناس، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى بعد البسملة: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ﴾، أي: يكذب بالميعاد والجزاء، ﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ﴾، أي: يظلمه ويقهره ولا يحسن إليه، ﴿وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ * فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾، أي: ساهون عن فعلها بالمرة، أو ساهون عن أدائها في الوقت المقرر لها شرعا، أوساهون عن الخشوع فيها، والتدبر لمعانيها. قال ابن كثير: " فهذا

стр. 2840

اللفظ يشمل ذلك كله. ولكل من اتصف بشيء من ذلك قسط من الآية، ومن اتصف بجميع ذلك فقد تم له نصيبه منها، وكمل له النفاق العملي، كما ثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: " تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق "، الحديث. وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ﴾، أي: الذين يراءون الناس بأعمالهم وعباداتهم، ويفعلونها من أجل رؤية الناس، ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾، أي: يمنعون بذل المعروف كما فسره محمد بن كعب. قال عكرمة: " رأس الماعون زكاة المال، وأدناه المنخل والدلو والإبرة ". وقال ابن كثير: " هذا الذي قاله عكرمة حسن، فإنه يشمل الأقوال كلها، وترجع كلها إلى شيء واحد، هو أن المراد " بمنع الماعون " ترك المعاونة بمال أو منفعة". والآن فلنقف وقفة خاصة عند سورة " الكوثر "، والخطاب الإلهي في هذه السورة الكريمة موجه إلى الرسول ﵇، وهي تتضمن امتنان ربه عليه بما أعطاه من الخير الكثير في الدنيا والآخرة، كما تتضمن أمره بالاستمرار على ما هو عليه من التوجه إلى الله في صلاته ونسكه في كل حين، وذلك قوله تعالى بعد البسملة: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾، قال ابن عباس: " الكوثر هو الخير الكثير الذي أعطاه الله إياه "، وقيل لسعيد بن جبير: " إن ناسا يزعمون أنه نهر في الجنة "، فقال سعيد: " النهر الذي في الجنة من الخير الذي أعطاه الله إياه ". وروي عن أنس وأبي العالية ومجاهد وغير واحد من السلف: " أن الكوثر نهر في الجنة ".
следующие страницы →