← Тафсир

Тафсир · id 115129

التيسير في أحاديث التفسير

محمد المكي الناصري

Полный текст (2 848 стр.). Показаны 2766–2805 · переход к 2771.

стр. 2766

جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ (١٠) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ (١١) إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (١٢) إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ (١٣) وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (١٥) فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٦) هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ (١٧) فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ (١٨) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ (١٩) وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ (٢٠) بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ (٢٢) ٨٦ - سورة الطارق مكية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ (١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ (٢) النَّجْمُ الثَّاقِبُ (٣) إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ (٤) فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (٥) خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (٦) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (٧) إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ (٨) يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ (٩) فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ (١٠) وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ (١١) وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ (١٢) إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ (١٣) وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ (١٤) إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (١٥) وَأَكِيدُ كَيْدًا (١٦) فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا (١٧)

стр. 2767

الربع الأخير من الحزب التاسع والخمسين في المصحف الكريم (ت) عباد الله في حديث هذا اليوم نتناول تفسير الربع الأخير من الحزب التاسع والخمسين في المصحف الكريم، ابتداء من قوله تعالى في سورة "الانشقاق" المكية: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ * وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ * وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ * لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾، إلى قوله تعالى في ختام سورة "الطارق" المكية أيضا: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا * وَأَكِيدُ كَيْدًا * فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾. ــ أول ما يواجهنا في هذا الربع من كتاب الله هو التلويح بالقسم على أنه لا مفر للإنسان من التقلب في عدة أطوار، خلال حياته الأولى وعند مماته، ثم في حياته الثانية، طبقا لمشيئة الله وحكمته، وقد استعرض كتاب الله أمام الإنسان عدة مشاهد كونية تدفعه إلى مزيد من التأمل والتدبر والاعتبار، واختار الوحي الإلهي هذه المشاهد هنا من بين مشاهد الليل، لا من بين مشاهد النهار، إذ الليل أجمع للفكر، وظواهره أدعى إلى التأمل العميق، والاعتبار الدقيق، فأشار كتاب الله في هذا السياق إلى " الشفق الأحمر " الذي يلاحق غروب الشمس في أول الليل، ويمتد إلى

стр. 2768

وقت العشاء، ولمنظره روعة وأية روعة، وإيحاء وأي إيحاء. وأشار كتاب الله في نفس السياق إلى " الليل المظلم " وما يرافق قدومه من مظاهر وظواهر تختلف كل الاختلاف عن مظاهر النهار وظواهره، ولظلام الليل رهبة وأية رهبة، وجلال وأي جلال. وأشار كتاب الله في نفس السياق إلى " القمر المنير "، ولتكامل نوره إذا استدار تأثير وأي تأثير، وجمال وأي جمال. وإذا كانت قوات الكون كلها مسخرة لله تتحرك بأمره كما يشاء، وتؤدي وظيفتها كما يريد على أحسن الوجوه، إلى ميقات يوم معلوم، فهل يستطيع الإنسان، وهو جزء صغير من هذا الكون الذي لا يتجزأ، أن يفلت من قبضة الله، أو أن يتحرك على خلاف مشيئته وبعكس إرادته؟ إنه لن يستطيع ذلك، ولا بد من أن يندمج في ناموس الكون العام، مصداقا لقوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ * وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ * وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ * لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾. ومعنى قوله تعالى ﴿وَمَا وَسَقَ﴾، أي: وما جمع، ومن جملة ما يجمعه الليل الظلام والنجوم والحيوان والإنسان، عندما يأوي كل منهما إلى مأواه، ومعنى قوله تعالى ﴿إِذَا اتَّسَقَ﴾، أي: إذا استدار وتكامل نوره، ومعنى قوله تعالى: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾، أي: لتتقلبون في حياتكم من حال إلى حال، منذ بدايتها إلى نهايتها، ومن ذلك أن يصبح أحدكم رضيعا ثم فطيما، بعد ما كان جنينا، وكهلا ثم شيخا، بعد ما كان شابا، وأن ينتقل من شدة إلى رخاء، ومن رخاء إلى شدة، ومن فقر إلى غنى، ومن

стр. 2769

غنى إلى فقر، ومن سقم إلى صحة، ومن صحة إلى سقم، كما يتضمن قوله تعالى: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾، معنى ثانيا: وهو ما سيلقاه الإنسان بعد موته وحين بعثه من الشدائد والأهوال، أثناء الحشر والحساب والجزاء في عرصات القيامة نفسها. فمعاناة الإنسان لهذه الأطوار والأحوال كلها في حياته الأولى وحياته الثانية هي التي عبر عنها الذكر الحكيم هنا " بالركوب ": ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾، جريا على المعهود في اللسان العربي من التعبير " بركوب الأخطار "، إشارة إلى معاناتها وتحملها، والتقلب فيها عند الاضطرار، على حد قول الشاعر العربي: إذا لم تكن إلا الأسنة مركبا ... فما حيلة المضطر إلا ركوبها ومن هنا انتقل كتاب الله إلى التساؤل، باستغراب وتعجب، لماذا يصر الكافرون على عنادهم، ويتمسك الجاحدون بجحودهم، ضاربين صفحا عن الاستجابة لما يحييهم، وكتاب الله يتلى أمامهم، ويقرع أسماعهم، فقال تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ﴾، أي: أن كل ما تعرضه الدعوة الإسلامية على خصومها والمكذبين بها من آيات كونية وآيات قرآنية، إنما يدفع إلى الإيمان لا إلى الكفر، وإنما يعين على إيقاظ الضمير وإثارة الشعور، لا على الغفلة والغرور، ومن هنا جاء التساؤل والاستغراب في هذا الباب. ثم عقب كتاب الله بما يؤكد أنه عليم بذات الصدور، مطلع على ما يضمره الكافرون من إصرار على التكذيب وإمعان في الغرور، داعيا نبيه إلى إنذارهم بالعذاب الأليم، وتبشير المؤمنين

стр. 2770

بالنعيم المقيم، فقال تعالى: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ * وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ﴾، أي أعلم بما تنطوي عليه صدورهم، ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾، واستعمال " البشارة " هنا فيه نوع من المفاجأة والتبكيت، إذ لو رغبوا في " البشرى " على وجهها الصحيح لسلكوا إليها طريقها الوحيد، وهو طريق الإيمان والإذعان، ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾، أي: لكن المؤمنين المتقين لهم أجر غير منقوص ولا مقطوع، على حد قوله تعالى في آية أخرى: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ (هود: ١٠٨)، وانتقد ابن كثير قول بعضهم في تفسير آية ﴿لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾، أن معناها لهم أجر غير ممنون عليهم، فإن الله له المنة على أهل الجنة في كل حال، وإنما دخلوها بفضله ورحمته، لا بأعمالهم، فله عليهم المنة دائما سرمدا. ولننتقل الآن إلى سورة " البروج " المكية أيضا، معتمدين على الله. وهذه السورة الكريمة تتحدث عن قصة " أصحاب الأخدود " وهم فئة من المؤمنين الأولين كانوا قد آمنوا قبل ظهور الإسلام، وتعرضوا للعذاب بالنار على يد الكفار من إخوانهم، عقابا لهم على إيمانهم. وقد ابتدأت السورة الكريمة باستعراض جملة من الأشياء التي ينبغي الوقوف عندها وقفة خاصة، والتأمل فيها وفيما وراءها، بقصد الذكرى والاعتبار، ففي مطلعها إشارة إلى السماء مع

стр. 2771

وصفها " بذات البروج " ومعنى " البروج " في هذا السياق حسبما اختاره ابن جرير: منازل الشمس والقمر، التي يسير فيها كل واحد منهما بنظام مطرد. وفي مطلع هذه السورة إشارة إلى " اليوم الموعود " وهو يوم القيامة، وإشارة إلى " الشاهد والمشهود "، و " المشهود " هو ما يبرز يوم القيامة من ظواهر كونية غريبة، وما يجري من أحوال وأهوال في عرصاتها، و " الشاهد " هو الخلق، الذي يجمعه الله بعد شتات وافتراق في صعيد واحد، ليشاهد فناء العالم، والنشر والحشر، والثواب والعقاب، وذلك قوله تعالى: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ * وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ * وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾. ثم استعرضت الآيات الكريمة قصة " أصحاب الأخدود "، والمراد " بالأخدود " هنا الحفرة التي حفرها الكفار في الأرض وأوقدوا فيها النار، ثم ألقوا فيها المؤمنين الذين آمنوا بالله، وكفروا بمعتقداتهم الباطلة، من الرجال والنساء، وأحرقوهم بالنار، عقابا لهم، وتنفيرا من عقيدتهم، وذلك قوله تعالى: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ * النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ * إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ * وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ * وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ * الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾. ولعل السر في الإتيان بهذه القصة هو مواساة المؤمنين المستضعفين الذين كان سفهاء المشركين يعذبونهم أشد العذاب بمكة في فجر الإسلام، وتعريفهم بما سبق للمؤمنين قبلهم في

стр. 2772

عصور قديمة، من التعرض لأنواع الإذاية والتنكيل، وبما آل إليه أمر الكافرين الذين عذبوهم، من سوء العاقبة والعذاب الوبيل، ولذلك جاء التعقيب هنا مباشرة بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ * إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ﴾، أي: سيعذبون عذابا أليما من جنس ما عذبوا به المؤمنين: حريقا بحريق، وبطشا ببطش. وهذه الآية كما يندرج تحتها قدماء الكفار الذين حفروا الأخدود لإحراق المؤمنين قبل الإسلام، تشمل أيضا مشركي قريش الذين يعذبون المستضعفين من المؤمنين في فجر الإسلام. ثم تولى كتاب الله التنويه بالمؤمنين الذين تحملوا الشدائد والتضحيات في سبيل إيمانهم، دون أن يتنازلوا عن عقيدتهم، وذكر ما نالوه عند الله من الفوز الكبير، جزاء تضحيتهم الكبرى، وما أعده الله لهم من النعيم المقيم، فقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ﴾. وعرج كتاب الله على جملة من صفات الله وأسماءه الحسنى، التي تبرز فيها وتنعكس من خلالها آثار جماله وجلاله، فقال تعالى: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ * ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ * فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾، فهو سبحانه " غفور " لمن تاب من ذنبه، وأناب إلى ربه.

стр. 2773

وهو سبحانه " ودود " لمن آثر طاعته على طاعة غيره، وكرس حياته لاجتناب نهيه وامتثال أمره، وهو " ذو العرش " الذي وسع كرسيه السماوات والأرض، وهو " المجيد " الذي يتضاءل كل شيء أمام عظمته وجلاله، وهو " الفعال لما يريد " ذو الملك والملكوت، الذي لا يقف شيء في وجه إرادته وقدرته، ولا يحول مخلوق دون تنفيذ مشيئته وفق حكمته. وأشار كتاب الله إشارة موجزة إلى بطش الله الشديد، بفرعون وثمود، فقال تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ * فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ﴾. وخُتمت سورة " البروج " بتسفيه ما عليه الكفار من تكذيب وعناد، وتأكيد أنهم مهما كفروا وعاندوا فلن يستطيعوا الإفلات من قبضة الله، الذي هو لهم بالمرصاد، وذلك قوله تعالى: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ * وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ﴾، وما دام الله سبحانه (محيطا بهم) فهو الذي ينطق بالقول الفصل في شؤونهم جميعا. وقوله تعالى في نهاية السورة: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾، إشارة إلى ما لكتاب الله من منزلة عظيمة ومقام كريم، وإلى ما تولاه به الحق سبحانه من " الحفظ الخاص "، بحيث لا يلحقه تحريف ولا تبديل، ولا زيادة ولا نقص، على حد قوله تعالى في آية أخرى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر: ٩).

стр. 2774

ومن هنا ننتقل إلى سورة " الطارق " المكية أيضا، مستعينين بالله. ويتصدر في بدايتها قسم من الله عظيم، بالسماء التي رفع سمكها، وبالنجم الثاقب الذي أعده ليخرق حجب الظلام الكثيفة، بشعاعه النافذ المضيء، وذلك قوله تعالى: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ * النَّجْمُ الثَّاقِبُ﴾. ثم بين كتاب الله الحقيقة التي أقسم عليها تنويها بها، وتركيزا للأنظار من حولها، ولا سيما أنظار الغافلين المستهترين، ألا وهي حقيقة " الرقابة الإلهية الدائمة " الموضوعة على الإنسان، حتى يسلك سبيل الرشاد، ويتفادى الوقوع في أشراك الفساد، وذلك قوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾، أي: كل نفس عليها من الله حافظ يراقبها ويحرسها ويرعاها، على حد قوله تعالى في آية أخرى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ (الرعد: ١١). وأخذ كتاب الله يذكر الإنسان بأطوار نشأته الأولى منذ كان نطفة من مني تمنى، ويعرفه بأن القدرة الإلهية التي أبدعته من لا شيء، وأخرجته من العدم إلى الوجود في الحياة الأولى قادرة كذلك على أن تخرجه من عدم الموت إلى الوجود في الحياة الثانية، وأنه إن لم يمدده الله بقوته ونصره في الدنيا والآخرة، وتركه موكولا إلى نفسه أصبح مضرب المثل في العجز والخذلان التام، وذلك قوله تعالى:

стр. 2775

﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ * يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ * إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ * يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ * فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ﴾، و " الصلب " في جسم الرجل، و " الترائب " في جسم المرأة، والمراد " بيوم تبلى السرائر " يوم القيامة، الذي يظهر فيه مكنونات الصدور وخفاياها، فلا تبقى سرا من الأسرار. وخُتمت سورة " الطارق " بقسم آخر من الله عظيم: " بالسماء " التي ينزل منها الغيث، و " بالأرض " التي ينبت فيها النبات، والمقسم عليه هنا الذي هو محل العبرة: هو أن ما جاء به كتاب الله في شأن البعث والنشأة الآخرة هو " القول الفصل " الذي لا مرد له، فهو قول حاسم لا يقبل جدلا ولا ترددا ولا معارضة، وأن كل محاولة للغض من هذه الحقيقة، أو التشكيك فيها، أو الكيد لمن آمنوا بها ستبوء بالخيبة والفشل، وسيكون النصر المبين حليف الإيمان والمؤمنين، والفشل الذريع حليف الكفر والكافرين، وذلك قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ * وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ * إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ * وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ * إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا * وَأَكِيدُ كَيْدًا * فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾.

стр. 2776

الربع الأول من الحزب الستّين في المصحف الكريم (ق) ــ ٨٧ - سورة الأعلى مكية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى (٤) فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى (٥) سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (٦) إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى (٧) وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى (٨) فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى (٩) سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى (١٠) وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى (١١) الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى (١٢) ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى (١٣) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (١٥) بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٧) إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٨) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى (١٩) ٨٨ - سورة الغاشية مكية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (١) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (٢) عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ (٣) تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً (٤) تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ (٥) لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ (٦) لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ (٧)

стр. 2777

وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ (٨) لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ (٩) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (١٠) لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً (١١) فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ (١٢) فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ (١٣) وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ (١٤) وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ (١٥) وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ (١٦) أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (١٨) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (١٩) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (٢٠) فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢) إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (٢٣) فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ (٢٤) إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (٢٦) ٨٩ - سورة الفجر مكية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وَالْفَجْرِ (١) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (٢) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (٣) وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ (٤) هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ (٥) أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (٦) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (٧) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (٨) وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ (٩) وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ (١٠) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (١١) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (١٢) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (١٣) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (١٤) فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا

стр. 2778

مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (١٥) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (١٦) كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (١٧) وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (١٨) وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا (١٩) وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا (٢٠) كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (٢١) وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢) وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى (٢٣) يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي (٢٤) فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (٢٥) وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ (٢٦) يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي (٣٠)

стр. 2779

الربع الأول من الحزب الستّين في المصحف الكريم (ت) عباد الله موضوع حديث اليوم تفسير الربع الأول من الحزب الستين في المصحف الكريم، وبدايته فاتحة سورة "الأعلى" ﴿بسم الله الرحمن الرحيم سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى * الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾، ونهايته قوله تعالى في ختام سورة "الفجر" المكية أيضا: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾. ــ وأول ما يفتتح به هذا الربع في فاتحة سورة " الأعلى " هو أمر الله لرسوله وللمؤمنين معه بتمجيد اسم الله وتنزيهه، واستحضار أسماءه وصفاته الحسنى، استحضارا تاما وعاما، وذلك قوله تعالى: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، وذكر " الربوبية " هنا يوحي برعاية الله لخلقه، وإحسانه إليهم، وإنعامه عليهم، رغم ما هم عليه من جحود وعناد، وإضافة " الرب " إلى " كاف المخاطب " الموجه للرسول ﵇ تدل على ما له ﷺ من ارتباط وثيق بالله، وما له من مقام كريم عند الله.

стр. 2780

ثم بين كتاب الله أن للحق سبحانه على عباده حقوقا ثابتة في ذممهم، مقابل نعمه المتوالية عليهم، فهو سبحانه الذي انفرد بخلقهم وإبداعهم: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى﴾. وهو سبحانه الذي حدد لكل مخلوق رسالته المنوطة به في هذا الوجود، وهداه إلى وسائلها ومسالكها: ﴿وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾. وهو سبحانه الذي أكرم الإنسان والحيوان، فيوفر لكل منهما ما يحتاج إليه من أنواع الغذاء الضرورية للعيش في مختلف فصول السنة، وفي مختلف أجواء الأرض، الحارة والباردة والمعتدلة: ﴿وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى * فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى﴾، والمراد " بالمرعى " هنا جميع صنوف النباتات والزروع، والشأن في النبات أن يخرج أخضر، وهو معنى " أحوى "، ثم يذوي وييبس فإذا هو " غثاء ". واتجه الخطاب الإلهي بعد ذلك إلى خاتم الأنبياء والمرسلين صلوات الله وسلامه عليهم، ممتنا عليه بأن الله تعالى قد تعهد بإقرائه الذكر الحكيم، كما تعهد سبحانه بإعانته على حفظ آياته البينات، إثر تلقيها له، دون أن يقرب ساحته ذهول ولا نسيان: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى﴾. وقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾، جار على مقتضى الأدب مع الله، على حد قوله تعالى في آية أخرى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ (الإنسان: ٣٠)، وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ (المدثر: ٥٦)، وقوله تعالى في آية ثالثة:

стр. 2781

﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ (الكهف: ٢٣، ٢٤)، فمشيئة الله فوق كل شيء، وهي الضمان الأول والخير لكل شيء. وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى﴾، تذكير للمؤمنين بوجوب مراقبة الله، ولزوم استشعار ضمائرهم لمراقبته الدائمة باستمرار، فذلك عون لهم على التمسك بالاستقامة، والاعتصام بالتقوى، " والإحسان هو أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك " كما في الحديث الشريف. ثم بشر الحق سبحانه رسوله خاتم الأنبياء والمرسلين ببشرى عظيمة لا تعدلها بشرى، ألا وهي تيسيره " لليسرى ": ﴿وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى﴾، وهذه البشرى مزدوجة، بشارة بما يرافق حياته ﷺ وحياة أمته من لطف وعناية وتيسير، وبشارة بما يميز شريعته من سماحة وبعد عن كل حرج أو تعسير، على حد قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (البقرة: ١٨٥). جاء في الصحيحين عن عائشة ﵂ أنها قالت: (ما خيّر رسول الله ﷺ بين أمرين إلا اختار أيسرهما). وروى البخاري أن رسول الله ﷺ قال: " إن هذا الدين يسر، ولن يشادّ الدين أحد إلا غلبه " وثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: " يسّروا ولا تعسّروا ". وانتقلت الآيات الكريمة إلى تحديد مهمة الرسول ﵇، وأنها لا تتجاوز - بالنسبة للمعاندين- مجرد تبليغ الرسالة

стр. 2782

والتذكير بها، أما ثمرة التبليغ ونتيجة الدعوة فأمرهما موكول إلى الله، فمن اختار لنفسه طريق السعادة والهدى أقبل على دعوته واتعظ بها، ومن اختار لنفسه الشقاء والضلال تجنبها، وأقفل قلبه دونها، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى * سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى * وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى﴾. ثم وصف كتاب الله " مصير " الشقي الذي لم ينفذ نور الإيمان إلى قلبه، وأنه سيعذب في جهنم عذابا لا يتمتع خلاله بنعمة الحياة، ولا ينعم أثناءه براحة الموت، إذ يكون حيا وميتا في آن واحد، فقال تعالى: ﴿الْأَشْقَى * الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى * ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى﴾. وبين كتاب الله طريق الفوز والفلاح، لمن أراد سلوكه من أهل التقوى والصلاح، فقال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾، بمعنى أن الفائز برضوان الله هو من أدى ما عليه من حقوق لله، وحقوق لعياله، إذ أحب الخلق إلى الله أنفعهم لعياله " كما في الحديث الشريف. " فحق الله " يؤديه بالذكر والصلاة، وما ناسبهما، و " حق الخلق " يؤديه بالصدقة والزكاة وما شابههما، قال قتادة في تفسير هذه الآية: " قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى "، أي: زكى ماله، وأرضى خالقه، وقال أبو الأحوص: " إذا أتى أحدكم سائل وأنت تريد الصلاة، فلتقدم بين يدي صلاتك زكاة، فإن الله يقول: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾، وروي عن أمير

стр. 2783

المؤمنين عمر بن عبد العزيز أنه كان يأمر الناس بإخراج صدقة الفطر، ويتلو هذه الآية: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾، وقال ابن كثير: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾، أي: طهر نفسه من الأخلاق الرذيلة، وتابع ما أنزل الله على رسوله، ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾، أي: أقام الصلاة في أوقاتها، ابتغاء رضوان الله وامتثالا لشرع الله. ثم اتجه الخطاب الإلهي إلى الذين أسرتهم شهوات الحياة الدنيا، وأغرتهم ملذاتها فنسوا ما وراءها، فقال تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾، إشارة إلى أن حسن التدبير، وسلامة التفكير، لا ينصحان من له مسكة من العقل بإيثار ما يفنى على ما يبقى، وإيثار ما يزول ويبيد على ما يخلد ويدوم، بل إنهما لينصحانه بأخذ نصيبه من الدنيا، والتزود لنصيبه في الآخرة، إن لم ينصحاه بإيثار آخرته على دنياه، ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (البقرة: ٢٠١). وخُتمت سورة " الأعلى " المكية بالإشارة إلى ما بين الرسالات الإلهية من توافق وتلاحم وتكامل وصلة رحم، فهذه التوجيهات الإلهية التي تضمنها الذكر الحكيم قد سبق أن نزلت بمضمونها ومحتواها صحف موسى وإبراهيم، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾، وقد سبق في سورة " النجم " إشارة أخرى لصحف إبراهيم وموسى في قوله تعالى: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى

стр. 2784

وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ (النجم: ٣٦، ٣٧). روى الإمام أحمد في مسنده، وأبو داود وابن ماجة في سننهما، أنه لما أنزلت: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ (الواقعة: ٧٤)، قال رسول الله ﷺ : " اجعلوها في ركوعكم " فلما نزلت: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، قال: " اجعلوها في سجودكم ". ومن هنا ننتقل إلى سورة " الغاشية " المكية أيضا مستعينين بالله. و" الغاشية " من أسماء يوم القيامة، سميت بذلك لأنها تغشى الناس وتعمهم كما قال ابن عباس وغيره، وقد تصدت الآيات الكريمة في صدر هذه السورة لوصف مشاهد يوم القيامة وأهوالها، وما يكون عليه الخلق عند حشرهم في عرصاتها، فقال تعالى: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾، قال رسول الله ﷺ : " نعم. قد جاءني "، ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ﴾، أي: هناك طائفة من الناس تعلو وجوههم - يوم القيامة- الذلة والكآبة، ﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ﴾، " عاملة " أي: علمت عملا أحبطه الله فلم يقبله منها ولم ينفعها به، فهي من الأخسرين أعمالا، الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا، " ناصبة " أي: هي يوم القيامة في نصب وتعاسة وشقاء، بالعذاب الأليم الذي تتلقاه، لأنها لم تقدم بين يديها عملا صالحا يقبله الله ويثيبها عليه: ﴿تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً * تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾، أي: من عين بلغت

стр. 2785

أعلى درجة في الحرارة والغليان، كما قال ابن عباس وغيره ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ * لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ﴾، و " الضريع " شجر شائك مسموم، وقال قتادة " هو شر الطعام وأبشعه وأخبثه ". وهناك طائفة أخرى من الناس يظهر على وجوهها أثر النعمة يوم القيامة، وهي طائفة السعداء من المقربين والأبرار، وفي وصفها يقول الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ * لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ﴾، أي: أنها راضية عن عملها الذي وفقها الله إليه وقدمته بين يديها، ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً﴾، أي: لا لغو فيها ولا تأثيم، على حد قوله تعالى في آية أخرى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا * إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا﴾ (الواقعة: ٢٥، ٢٦)، ثم قال تعالى: ﴿فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ * فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ * وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ * وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ * وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾، وهذا من باب التمثيل والتقريب، إذ فيها " ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر ". ثم أخذ كتاب الله يعرض ما أنعم به سبحانه على الإنسان، وما أبدع صنعه في مختلف الأكوان، تذكيرا بما له سبحانه من الفضل والإحسان، وتنبيها على أن هذه النعم تستحق أن تقابل بالشكر والامتنان، لا بالجحود والكفران، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾، وإنما ذكرت " الإبل " في هذا السياق من الآيات، لأنها فعلا من

стр. 2786

عجائب المخلوقات، فقد ميزها الله تعالى على غيرها بعينين وأذنين ومنخرين لا يوجد لهما نظير عند بقية الحيوانات، لا في شكلهما ولا في وظيفتهما، كما زودها بقوائم طويلة وأقدام منبسطة جعلت منها " سفينة الصحراء " التي تنقل الإنسان وتحمل الأثقال، على امتداد العصور والأجيال مع استغنائها عن الماء لمدة شهرين متتاليين في فصل الشتاء وتحملها وطأة العطش في فصل الصيف، وحملها لكتل من الشحم في سنامها فوق ظهرها، دفعا لغائلة الجوع عنها، وضمانا لاستمرار سيرها. وخُتمت سورة " الغاشية " بخاتمة تريح ضمير الرسول ﵇، وتحدد مهمته في الاقتصار على تبليغ الرسالة إلى الخلق، وإقامة الحجة عليهم، حتى لا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل، وذلك قوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ * إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ * فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ * إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ على غرار قوله تعالى في آية ثانية: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ﴾ (ق: ٤٥)، وقوله تعالى في آية ثالثة: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ (الرعد: ٤٠)، وفي ذلك تخفيف عن الرسول ومواساة له من ربه، فقد كان ﷺ يحزن حزنا شديدا عندما يرى الضالين مصرين على ضلالهم، كما يشير إلى ذلك قوله تعالى في (سورة الشعراء: ٣): ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾. ولننتقل الآن إلى سورة " الفجر " المكية أيضا، وفي مطلع هذه السورة قسم عظيم بأوقات العبادات، وأنواع من القربات،

стр. 2787

التي يتقرب بها إلى الله عباده المتقون، وذلك قوله تعالى: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ * وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ * وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ * هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾، أما " الفجر " فمعناه واضح، وأما " الليالي العشر " فالمراد بها عشر ذي الحجة كما قال ابن عباس وغيره، وقد ثبت في صحيح البخاري عن ابن عباس مرفوعا: (ما من أيام، العمل الصالح أحب إلى الله فيهن، من هذه الأيام)، يعني عشر ذي الحجة، وأما " الشفع والوتر " فهي الصلاة، بعضها شفع وبعضها وتر، كما رواه أحمد في مسنده مرفوعا. وقوله تعالى: ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾، أي: لذي عقل ولب، وإنما سمي العقل " حجرا " لأنه يمنع الإنسان من تعاطي ما لا يليق به من الأفعال والأقوال. وانتقلت الآيات الكريمة إلى التذكير بمصرع عاد وثمود وفرعون، جزاء كفرهم وعنادهم وتمردهم على الله: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ * وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ * وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ * الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ﴾. ثم تحدث كتاب الله عما يداخل الإنسان من زهو بنفسه إذا ناله رخاء، وعما يشعر به من هوان إذا نزلت به شدة، فقال تعالى: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ﴾، ورد

стр. 2788

الحق سبحانه على الإنسان حتى لا يعتقد هذا الاعتقاد السخيف، فقال تعالى: ﴿كَلَّا﴾، أي: ليس الأمر أمر إكرام ولا إهانة كما يزعم الإنسان، فإن الله تعالى يوسع الرزق لمن يحبه ومن لا يحبه، ويضيق الرزق على من يحبه ومن لا يحبه، على حد قوله تعالى في آية أخرى: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ (المؤمنون: ٥٥، ٥٦). وكل ذلك منه سبحانه ابتلاء واختبار وامتحان، لمبلغ ما عند الإنسان من ثقة بالله وإيمان. وانتقد كتاب الله ما عليه أشرار الخلق من الأثرة والأنانية، وقسوة القلب، والتلهف على كسب المال من أي وجه كان، وما هم عليه من شح وبخل وإهمال للبر والإحسان، فقال تعالى: ﴿بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ * وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ * وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا * وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾، وابتدأ كتاب الله هنا بذكر " اليتيم "، إشارة إلى رعاية الإسلام رعاية خاصة لليتامى لكونهم فقدوا الحنان الأبوي الذي لا يعوضه شيء، ولذلك أوصى رسول الله ﷺ باليتامى، وبشّر من يكفلهم خير كفالة بمرافقته في الجنة جنبا لجنب، فقال ﷺ فيما رواه أبو داود في سننه: (أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة)، وقرن بين إصبعيه الوسطى والتي تلي الإبهام. ثم عاد كتاب الله إلى الحديث عن فناء العالم وقيام الساعة، وحشر الخلائق للحساب، إما للعقاب وإما للثواب،

стр. 2789

﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ * وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ * يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾.

стр. 2790

الربع الثاني من الحزب الستين في المصحف الكريم (ق) ــ ٩٠ - سورة البلد مكية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (١) وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ (٢) وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ (٣) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ (٤) أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ (٥) يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا (٦) أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ (٧) أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (٨) وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ (٩) وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (١٠) فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢) فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (١٥) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (١٦) ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (١٧) أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (١٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (١٩) عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ (٢٠) ٩١ - سورة الشمس مكية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (١) وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا (٢) وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا (٣) وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا (٤) وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا (٥) وَالْأَرْضِ

стр. 2791

وَمَا طَحَاهَا (٦) وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠) كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا (١١) إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا (١٢) فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا (١٣) فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا (١٤) وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا (١٥) ٩٢ - سورة الليل مكية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (٢) وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣) إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (٤) فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (١٠) وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى (١١) إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى (١٢) وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى (١٣) فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى (١٤) لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى (١٥) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٦) وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (١٧) الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى (١٨) وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (١٩) إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (٢٠) وَلَسَوْفَ يَرْضَى (٢١) ٩٣ - سورة الضحى مكية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (٣)

стр. 2792

وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (٤) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (٥) أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (٧) وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (٨) فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (٩) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ (١٠) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١)

стр. 2793

الربع الثاني من الحزب الستين في المصحف الكريم (ت) عباد الله في حديث هذا اليوم نعالج تفسير الربع الثاني من الحزب الستين في المصحف الكريم، ابتداء من قوله تعالى في فاتحة سورة "البلد" المكية: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ * وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ إلى قوله جل علاه في ختام سورة "الضحى" المكية أيضا: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾. ــ وفي بداية هذا الربع، وهو فاتحة سورة " البلد " المكية، قسم عظيم من الله تعالى على حقيقة واقعية تجمل حياة الإنسان من بدايتها إلى نهايتها، وكتاب الله عندما يأتي في سوره بهذه الأنواع من القسم يتوخى أمرين اثنين: - الأمر الأول: لفت نظر المؤمنين والناس كافة إلى الأهمية الخاصة التي تكون للشيء المقسم به في حد ذاته، فالتنبيه إليه، وتركيز الفكر حوله، مدعاة إلى التأمل فيه تأملا كافيا يعين على تحقيق الغرض المطلوب. - الأمر الثاني: لفت نظر المؤمنين والناس كافة إلى الحقيقة الكبرى التي تنعكس من خلال المعنى المقسم عليه، فإدراك تلك

стр. 2794

الحقيقة والتعمق فيها هو الهدف الرئيسي للقسم من أصله، بما يحتوي عليه من صيغة القسم والمقسم به والمقسم عليه. والمُقسَم به هنا في فاتحة هذه السورة " هذا البلد "، أي: مكة " أم القرى " حيث يوجد بيت الله الحرام، أول بيت وضع لعبادة الله وتوحيده في الأرض، وحيث يلتقي جميع الناس في أمن وسلام، ودماء بعضهم على بعض حرام. ويدرج كتاب الله في سياق هذا القسم بالذات إقامة رسوله ﵇ بنفس البلد، واستقراره به، إشارة إلى تكريم الله تكريما جديدا لمكة، بجعلها في نهاية المطاف مهد الرسالة، ومنزل الوحي، والمقر الأول لسكنى خاتم الأنبياء والمرسلين، وكأن الأقدار الإلهية تلوح هنا بأن " آية الإيمان " هي التي ستستقر بمكة إلى الأبد، وأنها ستمحو ظلمة الشرك من شعابها وبطاحها، فتعود مياه التوحيد إلى مجاريها، على ملة إبراهيم الخليل، وابنه إسماعيل، وإلى ذلك يشير قوله تعالى: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ * وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾، يمكن أن يكون إشارة إلى نعمة التوالد والتناسل، التي أنعم الله بها على كثير من خلقه، كما يمكن أن يكون إشارة خاصة إلى إبراهيم الخليل وابنه إسماعيل، فالوالد هو إبراهيم، والولد هو إسماعيل، ولا يخفى ما في هذه الإشارة من التناسب والانسجام، مع نفس السياق في هذا المقام، فقد كان إبراهيم الخليل هو باني البيت الحرام، بمساعده

стр. 2795

ابنه إسماعيل ﵉. وأما الحقيقة المقسم عليها فهي أن الإنسان منذ أن يستقر جنينا في بطن أمه وطيلة حياته إلى حين وفاته، لا ينفك عن مكابدة المتاعب، ومواجهة الشدائد، وتحمل المشاق، من طور إلى طور، ومن مرحلة إلى أخرى، ولا يهون من ضغط هذه الحقيقة التي تفرض نفسها على كل إنسان أن تختلف طرق الكفاح باختلاف الناس، فلكل صنف منهم متاعبه الخاصة، وكفاحه الدائم، الذي لا ينتهي إلا بانطفاء جذوة الحياة في الجسم وحلول الأجل، والهدف المتوخى من تذكير الإنسان بهذه الحقيقة التي تستغرق كل حياته هو تنبيهه إلى أنه إذا كان ولا بد سيكابد متاعب الحياة الدنيا، لينتقل منها إلى مكابدة متاعب أشد هولا منها في الحياة الثانية، فإنه سيكون أخسر الخاسرين، ولذلك ينبغي له أن يعمل عملا صالحا في دنياه، حتى يلقى الله وعنده من الحسنات، ما يضع حدا نهائيا لمتاعبه المعتادة في حياته الأولى، وبذلك يستأنف حياة ثانية كلها نعيم مقيم، ورضوان من ربه الكريم، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ * أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ * يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا * أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ﴾، وها هنا ينعى كتاب الله على البخلاء الإشحاح بخلهم وشحهم بالإنفاق في سبيل الله، إذ ينفقون أموالهم في غير وجهها المشروع، وكلما دعوا إلى الإنفاق في وجوه البر والإحسان تبجحوا بأنهم قد أنفقوا مالا كثيرا، ﴿مَالًا لُبَدًا﴾، وإن كان ما أنفقوه إنما صرفوه في الشهوات والملذات، وفي المعاصي

стр. 2796

لا في الطاعات، وينسون أن الله سائلهم عما استخلفهم فيه من المال، من أين اكتسبوه، وأين أنفقوه، وأنهم سيحاسبون عليه حسابا عسيرا. ثم أخذ كتاب الله يستعرض مننه على الإنسان الذي هو مدين لخالقه بكل شيء، وذكر على سبيل المثال العينين اللتين يبصر بهما، واللسان الذي يعبر به، والشفتين اللتين يستعين بهما على الكلام وأكل الطعام، بالإضافة إلى ما في تكوين كل عضو من أعضاء الإنسان عموما من دقة الصنع، وإبداع التكوين، وغرابة التركيب، مما لا يستطيع أي مخلوق أن يصنع مثله، ولا أن يبدع نظيره، لا من الأولين ولا من الآخرين، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى في إيجاز وإعجاز: ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ﴾. وأضاف كتاب الله إلى هذه النعم نعمة العقل والتفكير التي أكرم بها الإنسان، وجعلها وسيلة في متناول يده، ليميز بها الخير من الشر، والحق من الباطل، والضلال من الهدى، وهذه النعمة التي وهبها له الحق سبحانه هي مناط التكليف والتشريف، ومناط الثواب والعقاب، وذلك قوله تعالى: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾، أي: طبعنا طبيعته على استعداد مزدوج: استعداد للخير إن اختاره، واستعداد للشر إن أراده، و " النجدان " نجد الخير ونجد الشر، أي الطريقان المؤديان إليهما. روي عن ابن عباس أنه فسر " النجدين " بالثديين، بمعنى أن الله هدى الإنسان بمجرد خروجه من بطن أمه إلى التقام ثدييها، إلهاما منه وإحسانا. ويشهد

стр. 2797

للتفسير الأول - وهو الذي رجحه ابن جرير- قوله تعالى في آية أخرى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا * إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ (الإنسان: ٢، ٣). وقوله تعالى: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ * أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾، حض من الله لعباده المؤمنين على مغالبة أنفسهم، والتغلب عليها بسلوك طريق النجاة والخير. والمراد " باقتحام العقبة " اقتحام الحواجز النفسية والمادية، التي تحول دون الإيثار والبر والإحسان، والإقبال على الإنفاق في سبيل الله، ومن وجوه الإنفاق الصالحة: المساعدة في عتق الأرقاء، وكفالة اليتامى، وإطعام المساكين. وبين كتاب الله أن مما يساعد على اقتحام العقبات والتغلب عليها: الإيمان بالله، والتواصي فيما بين المؤمنين " بالصبر والمرحمة ": الصبر على القيام بالتكاليف التي تعزز الإيمان، وتجعل المؤمنين كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا، والمرحمة التي تجعل من مجتمعهم مجتمعا تسوده الرحمة ويعمه الإخاء، ويبرز فيه التكافل بين كافة الفقراء والأغنياء، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾، ثم بشر كتاب الله الذين آمنوا، وبرزت في أخلاقهم ومعاملاتهم روح الإيمان، بأنهم سيكونون يوم القيامة من أصحاب اليمين المنعمين، ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ﴾، وأنذر الذين

стр. 2798

كفروا بالله وكفروا بنعمه بأنهم سيكونون في ذلك اليوم من أصحاب الشمال المعذبين: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ * عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ﴾، أي: نار مطبقة عليهم لا محيد لهم عنها. ومن هنا ننتقل إلى سورة " الشمس " المكية أيضا مستعينين بالله. وهذه السورة الكريمة يتصدرها قسم من الله بالشمس والقمر، والنهار والليل، والسماء والأرض، والنفس ذات الاستعداد المزدوج، ومناط القسم فيها هو تأكيد طبيعة النفس البشرية، وزيادة التعريف بميزتها الخاصة، ألا وهي استعدادها في كل وقت للميل نحو الخير، وللميل نحو الشر، فإذا مالت نحو الخير كانت نفسا زكية طاهرة، وإذا مالت نحو الشر كانت نفسا شقية قذرة، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا * وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا * وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا﴾، أي: جلى البسيطة وأنار أرجاءها، ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا﴾، أي: يغشى البسيطة فتظلم آفاقها، ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا * وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا﴾، أي: بسطها ودحاها، نظير قوله تعالى في آية أخرى: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا * أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا﴾ (النازعات: ٣٠، ٣١)، ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾، أي: ما خلقها عليه من الفطرة المستقيمة، نظير قوله تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ (الروم: ٣٠)، ثم قال تعالى: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾، أي: جعلها قادرة على التمييز بين خيرها

стр. 2799

وشرها، ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾، أي: فاز من نمى في نفسه استعداد الخير، وطهر نفسه بطاعة الله وتقواه، ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾، أي: خسر من أضعف في نفسه روح الخير، وأقبل على الموبقات والمعاصي. وبهذه المناسبة عرض كتاب الله نموذجا من نماذج النفوس الشريرة، فتحدث عن أشقى رجل من ثمود قام " بعقر الناقة " عصيانا لله ورسوله، رغم تحذير صالح ﵇، وقد سبق الحديث عن " ناقة صالح "، وموقف قومه منها بتفصيل في سورة الأعراف، وسورة هود، وسورة الإسراء، وسورة الشعراء، وسورة القمر، ثم تجددت الإشارة إليها في هذه السورة، فقال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا * إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا * فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾، أي: احذروا أن تمسوا ناقة الله بسوء، أو تتعرضوا لها في يوم سقياها، ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا﴾، أي غضب الله عليهم وأهلكهم بجرمهم جميعا، ﴿وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾، أي: أن عاقر الناقة لم يكن يقدر عاقبة ما صنع، أو المراد: أن الله تعالى لا يخاف تبعة أحد، على حد قوله سبحانه: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ (الأنبياء: ٢٣). ولننتقل الآن إلى سورة " الليل " المكية أيضا، وفي بداية هذه السورة قسم من الله بالليل والنهار، وبخلق الذكر والأنثى، والمقسم عليه فيها أمر يتعلق بالإنسان الذي هو محور الرسالة ومحور التكليف: ذلك أن الإنسان بحكم طبيعته مختلف الميول، متعدد الاتجاهات، متباين الاستعدادات، وليس لجميع أفراده

стр. 2800

استعداد واحد، ولا مؤهلات واحدة في جميع المجالات، ومن أجل ذلك يختلف اتجاهه، ويختلف تقديره، ويختلف عمله، ويختلف سعيه، ويختلف جزاؤه، وإلى هذا المعنى يشير قوله تعالى: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى * وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى * إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى * فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى * وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى﴾. ومعنى ﴿مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾ من بذل من نفسه وماله ابتغاء وجه الله، ومعنى ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾ من وثق بما عند الله من العاقبة الحسنة والجزاء الحسن، ومعنى ﴿اليُسْرَى﴾، أن الله تعالى ييسر أموره ويسهل عليه بلوغ مقاصده دون شدة ولا عنت، ومعنى ﴿مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى﴾ من بخل بما أعطاه الله، وخيل إليه أنه مستغن عن الله، فلم يؤد حقوق الله ولا حقوق العباد، ومعنى ﴿وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى﴾ من أساء الظن بالله، ولم يثق بما وعده به من العاقبة الحسنة والجزاء الحسن، ومعنى ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ سنخذله ولا نوفقه، وسيصطدم في طريقه بكل المعوقات والعراقيل، والتعبير عن هذا المعنى بلفظ " التيسير " مثل التعبير بلفظ " التبشير " في قوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (آل عمران: ٢١)، من باب التبكيت والتنكيت، ومعنى ﴿إِذَا تَرَدَّى﴾ إذا هلك وهوى في الدرك الأسفل من النار. ثم بين كتاب الله أن عناية الله بالإنسان عناية بالغة، ومن أجل ذلك، أرسل إليه الرسل، وأنزل عليه الكتب، وله بعد ذلك

стр. 2801

أن يختار لنفسه ما يشاء، وأن يتحمل تبعة اختياره في دار الجزاء، فإما أن يكون (أتقى)، وإما أن يكون (أشقى)، وذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى * وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى * فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى * لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى * الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى * وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى * وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾. ولننتقل الآن إلى سورة " الضحى " المكية أيضا، وهذه السورة تعبر عن رعاية الله لرسوله من فوق سبع سماوات، وتسجل ما يتمتع به من رضى مولاه وتأييده في الشدة والرخاء، وفي بدايتها قسم " بالضحى والليل إذا سجى ". و ﴿الضحى١﴾ وقت ارتفاع النهار وامتداد الشمس، و " سجى " بمعنى سكن وهدأ، والمقسم عليه فيها هو أن الله تعالى يرعى نبيه بعين رعايته التي لا تنام، وأنه لا يمكن أن يجفو رسوله ﵇، ولا أن يكله إلى نفسه، بعدما اختاره لرسالته، وأعده لحمل أمانته، وأن ما ادخره له سبحانه من الفضل والعطاء، يتجاوز العد والإحصاء، ويفوق كل ما يؤمله من الثواب والجزاء، وذلك قوله تعالى: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾، أي ما أبغضك وما هجرك، ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى * وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾. ثم اتجه الخطاب الإلهي إلى خاتم الأنبياء والمرسلين، يذكره بما رافق حياته منذ بدايتها وفي جميع أطوارها من العناية الربانية والمدد الإلهي، مؤكدا له " أن الكريم إذا بدأ كمل "،

стр. 2802

وذلك ما يشير إليه قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾، أي: وجدك " يتيما " فسخر لك من يحنو عليك ويقف بجانبك في السراء والضراء ووجدك " ضالا " بين قوم سيطرت عليهم " الجاهلية "، وأنت تتلمس طريق الهدى: فعصمك من جاهليتهم، وأعدك لتكون رسوله إلى العالمين على غرار قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾ (الشورى: ٥٢). ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾، أي: أكرمك بقناعة النفس وغنى القلب، فلم تلهك الدنيا ولا شهواتها ولا مطامعها. وخُتِمت هذه السورة الكريمة بالدعوة إلى كفالة اليتيم والإحسان إليه، وإكرام السائل والعطف عليه، والتحدث بنعم الله التي أنعم بها على رسوله والمؤمنين، وعلى رأسها نعمة الإيمان والإسلام، والذكر الحكيم الذي أنزله الله رحمة للعالمين، وذلك قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ﴾، أي: اكفله وقربه وأصلح أمره، ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ﴾، أي: إما أن تعطيه مما أعطاك الله، أو تعده، أو ترده ردا جميلا بكلمة طيبة ويندرج تحت هذه الآية السائل عن دينه من أجل البيان والمعرفة. ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾، أي: اشكر إحسان الله إليك وإنعامه عليك، بالجوارح واللسان والجنان.

стр. 2803

الثمن الأول من الربع الثالث في الحزب الستين بالمصحف الكريم (ق) ــ ٩٤ - سورة الشرح مكية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١) وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (٣) وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (٤) فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٦) فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ (٨) ٩٥ - سورة التين مكية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١) وَطُورِ سِينِينَ (٢) وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (٣) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤) ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (٥) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٦) فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ (٧) أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ (٨) ٩٦ - سورة العلق مكية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥) كَلَّا إِنَّ

стр. 2804

الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (٧) إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى (٨) أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى (١٠) أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى (١١) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى (١٢) أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٣) أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى (١٤) كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ (١٥) نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ (١٦) فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ (١٨) كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (١٩) ٩٧ - سورة القدر مكية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (٣) تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (٤) سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (٥)

стр. 2805

الثمن الأول من الربع الثالث في الحزب الستين بالمصحف الكريم (ت) عباد الله موضوع حديث اليوم تفسير الثمن الأول من الربع الثالث فى الحزب الستين بالمصحف الكريم، ويشتمل هذا الثمن على سورة "الشرح" وسورة "التين" وسورة "العلق" وسورة "القدر"، وكلها سور مكية، وبدايته قوله تعالى: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾، ونهايته قوله جل علاه: ﴿سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ ــ وسورة " الشرح " المكية التي هي فاتحة هذا الثمن تتضمن خطابا من الحق سبحانه لنبيه، فيه مناجاة له من ربه، تنسجم كل الانسجام، وتتناسب كل التناسب، مع الخطاب الإلهي الذي وجهه إليه في سورة " الضحى " قبلها، حتى لكأنهما سورة واحدة في موضوع واحد. وأول ما يسجله الخطاب الإلهي في هذه السورة ما آتاه الله لنبيه من رحابة صدر، وانشراح خاطر، وهدوء بال، وطمأنينة قلب، حتى يستطيع أن يواجه مسؤوليات الرسالة الملقاة على عاتقه، ويتحمل أعباءها برضى تام وعزم راسخ، وذلك ما يشير إليه قوله
следующие страницы →