Полный текст (2 848 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ (١٨٤) كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (١٨٥)
стр. 282
الربع الأول من الحزب الثامن
في المصحف الكريم (ت)
عباد الله
في حصة هذا اليوم نشرع في الحزب الثامن من المصحف الكريم، وبداية الربع الأول من هذا الحزب قوله تعالى: ﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (١٧١) الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ ونهايته قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾
ــ
بعدما تولى كتاب الله في آخر آية من الربع الماضي الحديث عن شهداء المسلمين الذين قتلوا يوم أحد في سبيل الله، وأخبر بأنهم أحياء عند ربهم يرزقون، وأنهم فرحون بما آتاهم الله من فضله، مبتهجون بمن سيلحق بركبهم، ويقتدي بهم في متابعة الجهاد والفوز بالشهادة، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾.
стр. 283
مضى كتاب الله في نفس السياق، وتولى في أول آية من هذا الربع الحديث عن أولئك المؤمنين الذين ينتظرهم إخوانهم الشهداء، عسى أن يلحقوا بهم من خلفهم، ويشاركوهم فيما آتاهم الله من نعمة، ومنحهم من فضل، جزاء إيمانهم بالله ورسوله، وجهادهم في سبيله، وتأسيهم بهم في بذل المهج رخيصة من أجله، وذلك قوله تعالى: ﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
ثم تصدت الآيات الكريمة لوصف هذا الصف الخاص من المؤمنين الذين استبشر بهم من سبقوهم من الشهداء، وذلك ابتداء من قوله تعالى: ﴿الْمُؤْمِنِينَ * الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ﴾. إلى قوله تعالى: ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾.
ولإدراك مغزى هذه الآيات وفهم معناها لابد من إلقاء بعض الأضواء على الحادثة التي ارتبطت بها.
ذلك أن مشركي قريش بعدما أصابوا ما أصابوا من المسلمين يوم أحد، وكروا راجعين إلى ديارهم، تحركت في نفوسهم الأحقاد، واشتغلت في قلوبهم نيران الحسرة والندم، وطغت عليهم روح الغرور والحمية، فأخذوا يرددون فيما بينهم مقالات خبيثة تكشف عن خطة جديدة ولئيمة، أخذت ترتسم في أذهانهم، بغية استئصال شأفة المسلمين، مثل قولهم: " لا محمدا قتلتم، ولا الكواعب أردفتم، بئس ما صنعتم، ارجعوا " ومثل قولهم: " أصبنا محمدا وأصحابه ثم نرجع قبل أن نستأصلهم، لنكرن على بقيتهم
стр. 284
ثم لنفرغن منهم ". فبلغ ذلك إلى علم رسول الله ﷺ فندب المسلمين إلى ملاحقة المشركين من ورائهم، غير أنه ﵊ لم يأذن باللحاق به والسير في ركابه لهذا الغرض إلا لمن حضر موقعة أحد وثبت معه فيها، وعندما أذن مؤذن رسول الله في الناس كان يقول: " لا يخرجن معنا أحد إلا من حضر يومنا بالأمس ".
ورغما عن الحالة الأليمة التي كان عليها أولئك المسلمون، إذ هم مثخنون بالجراح، ولا يزال شريط يوم أحد بأهواله يمر أمام أعينهم، فإنهم استجابوا لنداء رسول الله، لم يتخلف منهم أحد، طاعة لله، وفداء لرسوله، وكان الرسول يرمي من وراء ذلك إلى إفساد خطة المشركين الجديدة التي تناقلتها الأخبار، وإلى إلقاء الرعب في قلوبهم، بإبراز ما عليه المسلمون من جلد وقوة إيمان، وإظهار أن ما أصابهم لم يوهنهم عن عدوهم، ولم يفت في عضدهم، وقد كان أبو بكر الصديق وعمر وعثمان وعلي والزبير في طليعة المسلمين الذين تعقبوا المشركين، فلما وصلوا إلى مكان يقال له " حمراء الأسد " على ثمانية أميال من المدينة رآهم المشركون فهالهم الأمر، وقذف الله الرعب في قلب زعيمهم وقائدهم أبي سفيان، فانقلب وانقلبوا معه إلى مكة قافلين، بينما رجع رسول الله ومن معه إلى المدينة سالمين.
وفي هذه المناسبة قال رسول الله ﷺ : " إن أبا سفيان قد أصاب منكم طرفا، وقد قذف الله في قلبه الرعب ورجع ".
والآن، وبعد الإتيان بهذا البيان الموجز نستطيع أن نتفهم الآيات
стр. 285
الكريمة التي سجلت هذا الحادث الخطير، ووصفته ووصفت أبطاله بأوجز وصف وأروعه، وذلك قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ * الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ - الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾. ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾.
وفي هذا السياق يجدد كتاب الله مرة أخرى بيان الحكمة الإلهية في ابتلاء المؤمنين وتمحيصهم بالنكبات والتضحيات، فيقول : ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾. إذ في مثل هذه الوقائع والمواقع ترفع الحجب وتهتك الأستار. قال مجاهد: ميز بينهم يوم أحد، وقال قتادة: ميز بينهم بالهجرة والجهاد.
ومن الحديث عن المؤمنين الذين اتبعوا الشهداء بإحسان اتجه الخطاب الإلهي مباشرة إلى نبيه الأعظم يواسيه ويترفق به، في صيغة تدعو إلى السلوى والعزاء وترك الحزن جانبا، ذلك أن رسول الله -شفقة منه على الناس، وحرصا على خيرهم ونجاتهم- كان يحزن أشد الحزن لاستمرار المنحرفين في انحرافهم، وإصرار الكافرين على كفرهم ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾.
ومضى الخطاب الإلهي يهدئ روع نبيه، ويجدد له الوعد بما ينتظره وأمته من الفتح المبين والنصر المكين.
стр. 286
فلنستمع إلى الحق كيف يخاطب رسوله في هذا المقام: ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
ومما يلاحظ هنا أن جملة ﴿لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾ تكررت مرتين متتابعتين، في سياق هاتين الآيتين، إشارة إلى أن حزن رسول الله إنما كان من أجل الله لا من أجل نفسه، كما أنها تؤكد أن جميع المحاولات التي يحاولها الكافرون بالله وبدينه لن تقف عقبة كأداء في وجه انتشار الإسلام، ولن تحول دون انتصاره في مستقبل الأيام، فسينتشر دين الله في جميع أرجاء الأرض، وسيفرض وجوده على العالم، ولن تقف العقائد المضادة في وجه انتشاره زمنا طويلا ﴿وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾.
وفي هذا الربع آية كريمة تنعى على البخلاء بخلهم مرة أخرى، وتدعو المسلمين إلى البذل والإنفاق في سبيل الله، ترفيها عن أمتهم، وتدعيما لدولتهم، وتعرفهم بأن ما يكسبونه من ثروة إنما هو وديعة من الله بين أيديهم استخلفهم فيها، فلا ينبغي لهم أن يبخلوا بالعطاء من مال الله في سبيل الله، وذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾. ليس
стр. 287
معناه كما قد يتبادر إلى بعض الأذهان أن الإسلام يحض على إهمال المصالح المادية المشروعة، أو أنه يدعو إلى الزهد في معالجة الشؤون الدنيوية الضرورية لحياة الإنسان الفردية والاجتماعية، بل إن كل ما يقوم به أود الفرد والجماعة من الضروريات والحاجيات، بل حتى التحسينيات والكماليات، يدعو الإسلام إلى اقتنائه، ويحض على تناوله، في عشرات الآيات ومختلف السور، كقوله تعالى في سورة البقرة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ﴾. الآية، وقوله تعالى في سورة الأعراف: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾.
وإنما المراد من قوله تعالى هنا: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾. وما شابهه أن يحافظ المسلم في حياته على التوازن بين المادة والروح، وأن ينظر إلى الحياة الدنيا نظرة واقعية، فيقدرها بقدرها، ويتناول ما هو لازم منها، ولا ينسى متطلبات الرحلة المنتظرة بعدها، والمرحلة الطويلة التي تعقبها، بل يتأهب لها، ويستعد لمواجهتها بالزاد الكافي، عن وعي تام، وبغاية الاهتمام، فبعد مفارقة دار التكليف والعمل، يكون زاد التقوى وحده هو معقد الرجاء والأمل.
стр. 288
الربع الثاني من الحزب الثامن
في المصحف الكريم (ق)
ــ
لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٨٦) وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ (١٨٧) لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٨٨) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٨٩) إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ
стр. 289
فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٩١) رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (١٩٢) رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ (١٩٣) رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ (١٩٤) فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ (١٩٥) لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (١٩٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (١٩٧) لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ (١٩٨) وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ
стр. 290
إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٩٩) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٢٠٠)
٤ - سورة النساء مدنية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١) وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا (٢) وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا (٣) وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (٤) وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ
стр. 291
أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٥)
стр. 292
الربع الثاني من الحزب الثامن
في المصحف الكريم (ت)
عباد الله
في حديث هذا اليوم نتناول الربع الثاني من الحزب الثامن في المصحف الكريم، وفيه نختتم سورة آل عمران ونفتتح سورة النساء، مستعينين بالله معتمدين على هدايته وتوفيقه، فأول آية منه تقع في سورة آل عمران، وهي قوله تعالى: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ وآخر آية فيه تقع في سورة النساء، وهي قوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾.
ــ
يتناول القسم الأخير من سورة آل عمران في هذا الربع وصف الامتحان الإلهي الذي يتعرض له المؤمنون الصادقون. وعاقبة صبرهم عليه ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ الآية.
ويتناول وصف المدعين المتبجحين وجزاء ادعاءاتهم الكاذبة ﴿وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾ الآية.
ويتناول وصف الذين يذكرون الله ويتفكرون في خلقه،
стр. 293
ويسجل انطباعاتهم عن الكون والمكون، ويعرض نماذج من مناجاتهم فيما بينهم وبين أنفسهم، وفيما بينهم وبين ربهم ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ﴾ - ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ﴾ - ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ﴾ إلى آخر الآيات.
ويتناول وصف فريق من أهل الكتاب آمنوا بالله وبالرسول ﴿خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾.
ويتناول حض المسلمين على الصبر والصلاة والمصابرة والرباط والتقوى حتى يكونوا من المفلحين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.
أما القسم الأول من سورة النساء الذي يندرج في هذا الربع فيتناول وصفا لوحدة النوع الإنساني ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ وحديثا عن الأرحام والأيتام، وآخر عن تكوين الأسرة الموحدة، وعن مبدأ تعدد الزوجات، ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ ثم حديثا عن موقف الإسلام من أموال السفهاء ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾.
ونظرا لكثرة الموضوعات في هذه الحصة سنعالج منها ما يتسع له الوقت، مؤجلين بقيتها إلى أول مناسبة قادمة إن شاء الله.
وإذن فلننظر في أول آية من هذا الربع، وهي قوله تعالى
стр. 294
في خطاب المؤمنين ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا﴾.
كلنا يعلم أن الفضل كل الفضل في انتشار الدعوة الإسلامية وانتصارها والإقبال على اعتناقها في أطراف العالم إنما يرجع إلى ما بذله سلفنا الصالح بكل سخاء وبدون حساب، من جهود عظيمة وتضحيات جسيمة، خالصة لوجه الله، بالأرواح والأموال، وكل من له مسكة من العقل والعلم والدين يدرك بالبداهة أن كل شبر من دار الإسلام-على سعتها وترامي أطرافها-إنما هو تراب زكي معطر بدماء المجاهدين في سبيل الله، الذين أخذوا على عاتقهم هداية البشرية إلى دين الله، ثم استودعوه بين أيدينا، وتركوا أمر المحافظة عليه أمانة في أعناقنا، وهكذا أثبت تاريخ الإسلام والتاريخ العام أن القرآن الكريم قد ربى المسلمين أحسن تربية، وأعدهم أكمل إعداد، لتحمل أعباء الدعوة الإسلامية، والتضحية في سبيلها بالنفس والنفيس، وأن الخطاب الإلهي المذكور الذي وجهه الحق إليهم قد استجابوا له وتقبلوه أحسن قبول، وذلك مصداق قوله تعالى: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾.
وكلنا يعلم ما تعرض له الإسلام منذ نشأته الأولى، وما يتعرض له إلى الآن وحتى الآن، من الأذى البالغ والمكر السيئ الذي يوجهه إليه في شتى الأشكال مخالفوه من أهل الكتاب أولا، ومن غيرهم ثانيا، فمن تحريف لكتاب الله وتزييف لمعانيه، ومن تشويه لتاريخ الإسلام وعقائده، ومن تهجم على شعائره وشرائعه بالنقد السخيف والنقص الباطل، ومن محاولات متوالية لبلبلة أفكار
стр. 295
المسلمين، وبث الحيرة والشك في نفوسهم، ونشر الإباحية والفوضى في أوساطهم، فضلا عما تعرض له الإسلام في بعض الأزمات والأوقات من إبادة الآثار الإسلامية، وقضاء على بدائع التراث الإسلامي، وضغط على العناصر الإسلامية لتندمج في غيرها مكرهة، أو تفنى وتبيد بالمرة.
وهكذا أثبت تاريخ الإسلام والتاريخ العام أن القرآن الكريم كان صادقا كل الصدق عندما قرر للمسلمين من أول يوم أنهم سيكونون عرضة للأذى من طرف أهل الكتاب وغيرهم، وأن هذا الأذى لن يكون قليلا وإنما سيكون أذى كثيرا، وذلك مصداق قوله تعالى وهو يخاطب المؤمنين خطابا مؤكدا ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا﴾.
وبعد هذا الخبر الغيبي الصادق، والخطاب الإلهي المؤكد، المتضمن لما سيتعرض له المسلمون من ابتلاء وإيذاء، جاء التعقيب عليه بآية أخرى تنبه المسلمين إلى أن عدتهم الأولى للتغلب على ضعف أنفسهم وعلى أذى أعدائهم إنما هي الصبر والتقوى، وكلاهما من الأمور الشاقة التي لا يقوى عليها إلا أهل العزائم من أولي العزم ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.
ولولا ما تحلى به سلفنا الصالح من صبر على القيام بالواجبات، وصبر على تحمل المكاره، وما التزموه من تقوى الله، التي جعلتهم يقظين حذرين من ذات أنفسهم، فضلا عن الحذر من
стр. 296
أعدائهم، لما حققوا معجزة الفتح الروحي لعقيدة الإسلام، التي اكتسحت العقائد المخالفة في هذا العالم الإسلامي الفسيح، حيث يعيش المسلمون اليوم.
على أن كتاب الله طمأن في نفس الوقت رسوله والمؤمنين، على مصير الإسلام والمسلمين، ووعدهم بظهور دينه على الكافرين، فقال تعالى: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾. فاتحة الآيات العشر، المعروفة في الإسلام بخواتيم سورة آل عمران، وهي الآيات التي كان رسول الله ﵊ يقرأ بها إذا قام من الليل للتهجد قبل صلاة الصبح، وفي شأنها جاء الأثر (ويل لمن قرأها ثم لم يتفكر فيها).
وهذه الآية الأولى من العشر الخواتيم دعوة صريحة موجهة من الحق إلى المسلمين، ليستعملوا ما وهبهم الله من العقول في النظر إلى ملك الله، والتفكر في ملكوته، بغية التعرف عليهما، واكتشاف سننهما، وعن طريقهما يتعرفون إلى عظيم قدرته، ويلمون بدقيق حكمته.
وفي ذلك إيماء إلى أن الله تعالى لم يخلق الألباب والعقول
стр. 297
لتبقى معطلة مشلولة دون أن تؤدي وظيفتها، وإنما خلقها وميز بها الإنسان عن غيره، ليصل بها إلى أعلى درجات العلم واليقين، في الحدود التي تسمح بها طبيعة التكوين البشري، ماديا وعقليا.
وقد كانت هذه الآية وما ماثلها هي نقطة الانطلاق بالنسبة للفكر الإسلامي في جميع البيئات والعصور، فانطلقت العقول من عقالها، وعالجت بالبحث والاكتشاف أكثر جنبات الكون وزواياه، وكان من ذلك التراث الإسلامي الذي لم يسبق له نظير في تاريخ الفكر، لا من جهة التنوع، ولا من جهة التعمق، ولا من جهة الأصالة والابتكار.
وقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ﴾، حكاية عن الذين يذكرون الله ويتفكرون في خلقه، هو تصوير كاشف للنهاية المنطقية والحتمية التي يصل إليها المفكر المؤمن عن طريق تأمله في الملك والملكوت، إذ تلوح له حكمة بديع السماوات والأرض وقدرته وعلمه على وجهها الكامل، وذلك منسجم مع قوله تعالى في سورة النساء: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ﴾، وقوله تعالى في سورة الدخان- ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ * مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
وبعدما حكى كتاب الله هذا القول عن أولي الألباب الذين يذكرون الله ويتفكرون في خلقه، إعجابا منهم بقدرته وحكمته، حكى قولهم أيضا في مناجاته ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ إعرابا عن خوفهم من عقابه،
стр. 298
وتجنبهم لأسباب خزيه وعذابه، ثم حكى قولهم في مناجاته ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾ شهادة على أنفسهم بالإيمان بالله ورسوله، وأملا في الالتحاق بركب (الأبرار) الأبرار الذين ضربوا الرقم القياسي في " البر " حتى عرفوا بوصفه بين الناس، إذ بروا بملتهم وأمتهم وأسرتهم برورا يشمل الآباء والأبناء والأرحام، وجميع أهل الإسلام.
وأخيرا حكى الحق قوله في مناجاته: ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ ثقة منهم بوعد الله الذي جاء على ألسنة رسله، ذلك الوعد الذي ينتظره الأبرار الصالحون في موعده بكل ثقة واطمئنان.
وبعدما حكى كتاب الله نماذج من مناجاة المؤمنين الذين يذكرون الله ويتفكرون في خلقه، وكشف النقاب عن دخائل نفوسهم، ومكنونات ضمائرهم، ليعرفهم على حقيقتهم إلى بقية الناس، عاد فأثبت أن الحق لم يخيب رجاءهم، بل حقق أملهم واستجاب دعاءهم، ووعد على لسان الحق أن لا يضيع عمل عامل منهم، ذكرا كان أو أنثى، مشيرا بذلك إلى أن باب الذكر والفكر مفتوح في وجه المؤمنين والمؤمنات على السواء، وأنه لا فرق بينهم في مجال التقرب إلى الله، والتسابق للحصول على رضاه، وذلك قوله تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ ﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ﴾.
стр. 299
وقوله تعالى في وصف الذين يذكرون الله ويتفكرون في خلقه: ﴿يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ معناه بالأصالة أن هذا الصنف من المؤمنين قد بلغوا من الحساسية واليقظة والوعي ما جعلهم لا يغفلون أبدا، بل يستغرقون في الذكر والفكر في كل الأحوال، لا فرق عندهم بين قيام وقعود، ولا بين وقوف ومشي، ولا بين اضطجاع على الجنب واستلقاء على الظهر، إذ الفكر الذي يدفع إلى الذكر إنما هو جوهر روحاني، ومصباح نوراني، يستطيع أن يقوم بوظيفته في كل الأحوال، ولا يتعطل عنها بحال، كما يصدق بالتبع على ذكر الله في الصلاة، فقد قال ﷺ كما في الصحيحين (صل قائما، فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى جنبك) وهذا هو من باب التيسير والتخفيف، بالنسبة لبعض الأعذار الطارئة على التكليف.
стр. 300
الربع الثالث من الحزب الثامن
في المصحف الكريم (ق)
ــ
وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (٦) لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (٧) وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٨) وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٩)
стр. 301
إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (١٠) يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (١١) وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا
стр. 302
السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ (١٢)
стр. 303
الربع الثالث من الحزب الثامن
في المصحف الكريم (ت)
عباد الله
تتناول حصة التفسير اليوم الربع الثالث من الحزب الثامن في المصحف الكريم، وهذا الربع يبتدىء من قوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا﴾ وينتهي يقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾.
ــ
كل من درس طبيعة الإسلام وعرف مقاصده يتيقن أنه دين رحمة وإحسان، وأنه يوجه أكبر عناية لرعاية حقوق الضعفاء والمستضعفين من بني الإنسان، وفي طليعة الضعفاء المعرضين للإهمال وأحيانا للعدوان، فئة اليتامى الذين فقدوا آباءهم، ففقدوا بفقدهم الحماية والنصرة والعطف والشفقة والحنان، فهذه الفئة يهتم بها كتاب الله في غير ما آية، وفي غير ما سورة، ومن ذلك آيات سبقت في سورة البقرة أوصى الله فيها بالإحسان إليهم والإنفاق عليهم، فقال تعالى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى
стр. 304
وَالْيَتَامَى﴾ وقال تعالى: ﴿قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى﴾.
وسبقت في سورة البقرة آية أخرى في شأن اليتامى تبين إلى أي مدى اهتم المسلمون بأمرهم، حتى أخذوا يستفسرون الرسول عن حكم الله فيهم، وهي قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.
وبمقتضى هذه الآية رخص الإسلام للقائمين بحضانة اليتامى وكفالتهم في مخالطتهم في العيش، بدلا من عزلهم واعتزالهم كما وقع من بعض الناس، حيث تحرجوا من مخالطتهم واعتزلوهم ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ﴾ إلا أن كتاب الله يأمر بأن يقتصر الغرض من مخالطة اليتامى على إصلاحهم وإصلاح أموالهم، وتحقيق ما فيه نفع لهم ورفق بهم، واعتبر ذلك عملا من أعمال الخير إذ قال: ﴿قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾ ولا يرضى الإسلام بأن تكون مخالطتهم مجرد ذريعة إلى تحقيق منفعة المخالط ومصلحته الخاصة، على حساب اليتيم، فذلك أشبه بالإفساد منه بالإصلاح ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ إذ لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء.
ومما تجب ملاحظته في هذه الآية وصف الحق لليتامى بوصف (الأخوة) التي تقتضي مزيدا من العطف والتكافل بين الإخوة ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ وكلمة (الإصلاح) التي استعملها كتاب الله في شأنهم يمكن تعميمها على سائر وجوه الإصلاح بما يشمل الناحية التربوية والناحية المادية معا.
стр. 305
وفي الربع الماضي من سورة النساء تولى كتاب الله الحديث عن اليتامى أيضا فقال تعالى: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾ بمعنى أن القائمين بحضانة اليتامى وكفالتهم يجب عليهم صيانة أموال اليتامى وحفظها لهم، إلى أن يأنسوا منهم الرشد، وإذ ذاك يجب عليهم بحكم هذه الآية أن يدفعوا إليهم أموالهم كاملة غير منقوصة.
ثم قال تعالى: ﴿وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾ بمعنى أن القائمين على اليتامى لا يسوغ لهم أن يحوزوا لنفسهم من ممتلكات اليتامى وأمتعتهم ما هو جيد، ويبادلوهم بما هو رديء، فهذا العمل يعتبره الإسلام نوعا من الخيانة، وضد الأمانة.
ثم قال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ بمعنى القائمين أن على اليتامى لا يسوغ لهم أن يتحايلوا ويخلطوا أموال اليتامى بأموالهم، حتى لا يتميز رأس مال اليتيم ولا ملكه، من رأس مال القائم عليه وملكه الخاص، لأن هذا النوع من التصرفات والحيل مدعاة إلى الحيف على اليتيم، وذريعة لابتلاع ماله واختلاسه.
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾ بمعنى أن هذه التصرفات الملتوية التي تضيع معها معالم مال اليتيم، ويتعرض عن طريقها للضياع، تصرفات حرمها الإسلام، وإثمها عند الله إثم كبير، بحيث تلتحق عنده بكبائر الذنوب لا بصغائرها.
ثم لا يكتفي كتاب الله بهذه الآيات في الحديث عن اليتامى وحقوقهم، بل يخصص آية أخرى في هذا الربع لنفس الموضوع، وذلك قوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ
стр. 306
فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾.
وهذه الآية تتضمن عدة أحكام إلهية تجب طاعتها، ويلزم الوقوف عند حدودها:
- الحكم الأول - وجوب اختبار اليتيم من طرف القائم عليه قبل دفع أمواله إليه، وهذا الاختبار يتم في نظر علمائنا على مرحليتين:
المرحلة الأولى: أن يتأمل القائم على أمر اليتيم أخلاق يتيمه، ويستمع إلى حديثه، ويتعرف على اتجاهاته وأغراضه، ليعرف ما هو عليه من نجابة وضبط، أو غفلة وإهمال.
والمرحلة الثانية: أن يدفع إليه شيئا يسيرا من ماله ويبيح له التصرف فيه إذا توسم فيه الخير، فإن نماه وأحسن النظر فيه فقد تم الاختيار، وليسلم إليه ماله جميعه، وإن أساء النظر في اليسير الذي دفعه إليه وجب عليه إمساك ماله عنه، هذا هو تفسير قوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ أي بلغوا أول مرحلة تؤهلهم للزواج ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾. ونقل ابن كثير عن سعيد بن جبير في معنى ﴿آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ أي صلاحا في دينهم، وحفظا لأموالهم. وكذا روي عن ابن عباس والحسن البصري وغير واحد من الأئمة، وهكذا قال الفقهاء: " إذا بلغ الغلام، مصلحا لدينه وماله، انفك الحجر عنه، فسلم إليه ماله الذي تحت يد وليه ".
стр. 307
- الحكم الثاني - نهي القائم على أمر اليتيم عن الإسراف والتبذير في الصرف من مال اليتيم الذي هو إلى نظره، ولو كان الصرف على نفس اليتيم، ونهيه أيضا عن استغلال صغر سنه، والمبادرة بتبديد ماله قبل بلوغه وكبره، حتى إذا ما كبر وجد ماله قد نفد أو بقي منه القليل، وهذا ما يقتضيه قوله تعالىْ ﴿وَلَا تَأْكُلُوهَا﴾ أي أموال اليتامى ﴿إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا﴾.
- الحكم الثالث - أمر القائم على أمر اليتيم إذا كان غنيا بعدم أخذ أي أجر على ما يقوم به من نظر في مصالح اليتيم وتدبير لأمواله، وذلك قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ قال الشعبي: هو عليه كالميتة والدم.
- الحكم الرابع - السماح للقائم على أمر اليتيم إذا كان فقيرا بتناول الأجر على ما يقوم به من نظر في مصالح اليتيم وتدبير لأمواله، بشرط أن يكون أجره على ذلك معقولا لا تبذير فيه ولا استغلال، وذلك قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ على غرار قوله تعالى في سورة الأنعام: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾، وذهب بعض الأئمة ومنهم عبيدة السلماني وأبو العالية، وهو أحد قولي ابن عباس، على أن ما أخذه الفقير القائم على أمر اليتيم أجرا على نظره يرده إليه إذا أيسر، لأن مال اليتيم على الحظر لا على الإباحة، وإنما أبيح للحاجة فيرد بدله، وروي عن عمر أنه قال: " إني أنزلت نفسي من هذا المال منزلة والي اليتيم، إن استغنيت استعففت، وإن احتجت استقرضت، فإذا أيسرت قضيت ".
стр. 308
- الحكم الخامس - وجوب الإشهاد على اليتامى بدفع أموالهم إليهم حين الدفع من طرف القائمين عليهم، حتى لا يبقى أي التباس ولا إدعاء، ولا يقع أي جحود أو إنكار، وذلك قوله تعالى: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾.
وبعد هذه الأحكام الإلهية والتوجيهات السماوية المحددة والصريحة والواضحة كل الوضوح جاء التعقيب عليها بقوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ تنبيها للقائمين على أمر اليتامى إلى أن الحق هو الذي يتكفل بحسابهم في يوم الحساب إذا قصروا أو زيفوا أو دلسوا أو خانوا في حساب اليتامى الذين كانوا إلى نظرهم، مما يدل على خطورة مسؤوليتهم أمام الله أكثر من غيرهم، إذ غيرهم من الناس يكل إليهم الله حساب أنفسهم بأنفسهم، كما يدل عليه قوله تعالى في سورة الإسراء ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾.
على أن كتاب الله لا يكتفي بهذا الإنذار الصريح، بل يزيد عليه إنذارا آخر يمس نفس الذرية التي تكون للقائمين على أمر اليتامى، عندما يموتون ويتركون ذريتهم في أيد غير أمينة، معرضة للاستغلال والأذى، وذلك قوله تعالى: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ﴾.
ولعل أحد الدارسين يتساءل لماذا اعتنى كتاب الله بأمر اليتامى إلى هذا الحد، ولماذا جاءت أحكامه مفصلة في شأنهم كل هذا التفصيل؟
стр. 309
والجواب أن الله تعالى عليم بخلقه، مطلع على خفاياهم ونواياهم، وكثير من الناس تطغى عليهم مصالحهم المادية، وتهيمن على تصرفاتهم روح الأثرة والأنانية، فينسون الله بالكلية، ويستغلون ضعف اليتامى وعجزهم عندما يسقطون فريسة بين أيديهم، بمجرد ما يفقدون الأب الذي كان يحنو عليهم، ويرعى شؤونهم ويحوط مصالحهم، فاهتم كتاب الله بأمرهم، واعتنى بشأنهم، وتولى الحق الدفاع عن حقوقهم، بل تولى بنفسه محاسبة القائمين على أمرهم، حماية لهم من استغلال المستغلين، وخيانة الخائنين، وذلك قوله تعالى في نفس هذا الربع ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾.
стр. 310
الربع الأخير من الحزب الثامن
في المصحف الكريم (ق)
ــ
تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤) وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (١٥) وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا (١٦) إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ
стр. 311
بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧) وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٨) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا (١٩) وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٢٠) وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (٢١) وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا (٢٢) حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ
стр. 312
وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٢٣)
стр. 313
الربع الأخير من الحزب الثامن
في المصحف الكريم (ت)
عباد الله
تتناول حصة هذا اليوم الربع الأخير من الحزب الثامن في المصحف الكريم، وبداية قوله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ ونهايته قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.
ــ
من الجاري على الألسنة قولهم " لكل اسم من مسماه نصيب " ونحن الآن في (سورة النساء) فلا بد أن يكون الحديث عن النساء في هذه السورة أطول من الحديث عنهن في أية سورة أخرى، وقد نبهت الآيات الكريمة في هذه السورة إلى نشأة الأسرة والحكمة المقصودة من وجودها ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾.
واهتمت آياتها بوجوب معاملة النساء على أساس العدل التام، والابتعاد عن كل ما فيه مساس بحقوقهن الأخلاقية والمادية، سواء كان أساس الأسرة قائما على الوحدة أو على التعدد ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ ﴿فَإِنْ
стр. 314
خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾.
وأوجبت آياتها تقديم الصداق، عطاء خالصا للزوجة لا يشاركها فيه ولي ولا زوج إلا إذا طابت نفسها بشيء منه تعطيه للأول، أو تتنازل عنه للثاني ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾.
وحددت آياتها نظام الإرث بين الأزواج وبين الأقارب، مما يحقق تكافل الأسرة، ويضمن استمرارها وانتفاعها بما يؤول إليها من أفرادها، فأقرت مبدأ الإرث، وبينت أنصبة الوارثين والوارثات ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا * وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ
стр. 315
بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾.
وأتمت سورة النساء الحديث الذي خصصته لنظام الإرث في الأسرة المسلمة وتحديد أنصبته في آخر آية منها، وهي قوله تعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.
وهكذا نلمس إلى أي حد بلغت عناية الحق بالأسرة المسلمة، فهو يصدر أوامره ووصاياه من فوق سبع سماوات لتنظيم شؤونها في الحياة وبعد الممات، مما يعطي الدليل القاطع والبرهان الساطع على أن هذا المجال الحيوي قد تفرد فيه الحق وحده بالاختصاص دون غيره، بحيث لا يمكن أن يتدخل فيه الغير، فضلا عن أن يدخل عليه أي تبديل أو تغيير.
وهذا المعنى هو ما ترمي إليه الآيات الكريمة الواردة في هذا الربع ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾.
على أن هذه الآيات إنما هي تأكيد وتثبيت للمعاني المستوحاة
стр. 316
سابقا من قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ وقوله تعالى في آخر هذه السورة - سورة النساء - بعد اختتام الحديث في موضوع الإرث ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ فالوصية في هذا الموضوع الخطير آتية من الله مباشرة، وهذه الوصية إنما هي بيان من الله حتى لا يضل المسلمون، والتعقيب بقوله تعالى في هذا السياق ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ وبقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ كأنما هو رد على أولئك المتحذلقين الذين يتحدثون في هذا الموضوع حديثا كله هراء وادعاء للعلم بما لم يعلمه الله، وتطاول على حكمته، ومحاولة لنقض حكمه، وذلك حتى لا يتعالموا على الله، ولا يستمروا في ادعائهم الكاذب وجهلهم الفاضح.
وقوله تعالى: ﴿آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا﴾ الوارد على وجه الاعتراض بين الآيات المحددة لأنصبة الوارثين والوارثات معناه كما نص عليه (ابن العربي) المعافري " أنه تفاديا لحيف أحدهم وظلمه، بتفضيله ابنا على بنت، أو أبا على أم، أو ولدا على ولد، أو أحدا من هؤلاء أو غيرهم على أحد آخر، تولى الله سبحانه قسم التركة بعلمه، وأنفذ فيها حكمته بحكمه، وكشف لكل ذي حق حقه، وعبر لكم ربكم عن ولاية ما جهلتم، وتولى لكم بيان ما فيه نفعكم ومصلحتكم ".
ومما يستلفت النظر في هذا الموضوع قوله تعالى خلال آيات الميراث ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ بمعنى " الارضاخ " للقرابة
стр. 317
الذين يحضرون القسمة ولا يرثون، وإعطائهم نصيبا من التركة، إذا كان مال التركة وافرا، والاعتذار إليهم إذا كان مال التركة قليلا.
قال أبو بكر (ابن العربي) المعافري في كتابه " أحكام القرآن ": (والصحيح أنها - أي هذه الآية - مبينة استحباب المشاركة لمن لا نصيب لهم من الإرث، بأن يسهم الورثة لهم من التركة، ويذكروا لهم من القول ما يؤنسهم، وتطيب به نفوسهم. وهذا محمول على الندب من وجهين:
أحدهما: أنه لو كان فرضا لكان ذلك استحقاقا في التركة، ومشاركة في الميراث، لأحد الجهتين معلوم، وللآخر مجهول، وذلك مناقض للحكمة وإفساد لوجه التكليف.
الثاني: أن المقصود من ذلك هو الصلة، ولو كان فرضا يستحقونه لتنازعوا منازعة القطيعة). انتهى كلام ابن العربي.
ومما تناولته آيات هذا الربع حسن المعاشرة وحسن العهد بين الزوج والزوجة، ووجوب ترفع الأزواج عن استغلال زوجاتهم أو الضغط عليهن بحبسهن إلى الموت، للتمتع بإرثهن، وعن الإضرار بهن، لاسترجاع ما قدموا إليهن من الصداق عند الزواج، وضرورة تحمل الزوج لبعض المتاعب من زوجته حفظا للأسرة من الانهيار، وتفاديا للفراق بينهما والطلاق، وذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا * وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ
стр. 318
إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا * وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ فها هنا سمى الله عقد الزواج (ميثاقا غليظا) ليبرز ما يجب أن يكون له من الحرمة الخاصة والتقدير البالغ.
وينهى الله الرجال عن أن يحبسوا نسائهم كرها إذا ساءت علاقتهم معهن، وانتهت عشرتهم الجميلة لهن، وأصبح بقاء النساء في عصمتهم إنما هو لغرض نفعي مادي هو الحصول على أرثهن بعد الموت ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾.
كما ينهى الله الرجال أيضا أن يعضلوا نساءهم عن طريق الإضرار بهن في العشرة ومنعهن من الطلاق حتى لا يستطعن الزواج من غيرهم، واستعمالهم معهن وسائل الضغط والإكراه، حتى يسترجعوا منهن المهر الذي أعطوه إليهن، ليتزوجوا به مرة أخرى من بعد الفراق ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ ﴿أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا * وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾.
ثم يأمر الله الرجال أن يعاشروا نسائهم عشرة طيبة بالمعروف، فإن ذلك على حد قول (ابن العربي) " أهدأ للنفس، وأهنأ للعيش، وأقر للعين " ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾.
ويوصي الحق الرجال في نفس هذا السياق، بالصبر والاحتمال وعدم المبادرة إلى الفراق، إذا وجدوا في زوجاتهم
стр. 319
كراهية، ومنهم نفرة، من غير فاحشة ولا نشوز، فربما آل ذلك إلى عشرة أفضل ومحبة أدوم ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾. قال القاضي أبو بكر (ابن العربي): " قال علماؤنا في هذا دليل على كراهية الطلاق، ويناسب هذا المعنى ما جاء في الحديث عن رسول الله ﷺ (أبغض الحلال عند الله الطلاق) وقوله ﷺ (خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي) وجاء رجل إلى عمر بن الخطاب يريد أن يطلق زوجته بدعوى (أنه لا يحبها) فما كان من عمر إلا أن قال له: " ويحك ألم تبن البيوت إلا على الحب؟ فأين الرعاية وأين التذمم ". وثبت أن رسول الله ﷺ كان في حياته البيتية جميل العشرة، دائم البشر، يداعب أهله ويتلطف بهم، ويوسع النفقة عليهم، وكان إذا صلى العشاء ودخل منزله يسمر مع أهله قليلا قبل أن ينام، يؤانسهم بحديثه وسمره ﵇.
стр. 320
الربع الأول من الحزب التاسع
في المصحف الكريم (ق)
ــ
وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٢٤) وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ
следующие страницы →