← Тафсир

Тафсир · id 115129

التيسير في أحاديث التفسير

محمد المكي الناصري

Полный текст (2 848 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

سابقا من قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ وقوله تعالى في آخر هذه السورة - سورة النساء - بعد اختتام الحديث في موضوع الإرث ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ فالوصية في هذا الموضوع الخطير آتية من الله مباشرة، وهذه الوصية إنما هي بيان من الله حتى لا يضل المسلمون، والتعقيب بقوله تعالى في هذا السياق ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ وبقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ كأنما هو رد على أولئك المتحذلقين الذين يتحدثون في هذا الموضوع حديثا كله هراء وادعاء للعلم بما لم يعلمه الله، وتطاول على حكمته، ومحاولة لنقض حكمه، وذلك حتى لا يتعالموا على الله، ولا يستمروا في ادعائهم الكاذب وجهلهم الفاضح. وقوله تعالى: ﴿آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا﴾ الوارد على وجه الاعتراض بين الآيات المحددة لأنصبة الوارثين والوارثات معناه كما نص عليه (ابن العربي) المعافري " أنه تفاديا لحيف أحدهم وظلمه، بتفضيله ابنا على بنت، أو أبا على أم، أو ولدا على ولد، أو أحدا من هؤلاء أو غيرهم على أحد آخر، تولى الله سبحانه قسم التركة بعلمه، وأنفذ فيها حكمته بحكمه، وكشف لكل ذي حق حقه، وعبر لكم ربكم عن ولاية ما جهلتم، وتولى لكم بيان ما فيه نفعكم ومصلحتكم ". ومما يستلفت النظر في هذا الموضوع قوله تعالى خلال آيات الميراث ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ بمعنى " الارضاخ " للقرابة

стр. 317

الذين يحضرون القسمة ولا يرثون، وإعطائهم نصيبا من التركة، إذا كان مال التركة وافرا، والاعتذار إليهم إذا كان مال التركة قليلا. قال أبو بكر (ابن العربي) المعافري في كتابه " أحكام القرآن ": (والصحيح أنها - أي هذه الآية - مبينة استحباب المشاركة لمن لا نصيب لهم من الإرث، بأن يسهم الورثة لهم من التركة، ويذكروا لهم من القول ما يؤنسهم، وتطيب به نفوسهم. وهذا محمول على الندب من وجهين: أحدهما: أنه لو كان فرضا لكان ذلك استحقاقا في التركة، ومشاركة في الميراث، لأحد الجهتين معلوم، وللآخر مجهول، وذلك مناقض للحكمة وإفساد لوجه التكليف. الثاني: أن المقصود من ذلك هو الصلة، ولو كان فرضا يستحقونه لتنازعوا منازعة القطيعة). انتهى كلام ابن العربي. ومما تناولته آيات هذا الربع حسن المعاشرة وحسن العهد بين الزوج والزوجة، ووجوب ترفع الأزواج عن استغلال زوجاتهم أو الضغط عليهن بحبسهن إلى الموت، للتمتع بإرثهن، وعن الإضرار بهن، لاسترجاع ما قدموا إليهن من الصداق عند الزواج، وضرورة تحمل الزوج لبعض المتاعب من زوجته حفظا للأسرة من الانهيار، وتفاديا للفراق بينهما والطلاق، وذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا * وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ

стр. 318

إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا * وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ فها هنا سمى الله عقد الزواج (ميثاقا غليظا) ليبرز ما يجب أن يكون له من الحرمة الخاصة والتقدير البالغ. وينهى الله الرجال عن أن يحبسوا نسائهم كرها إذا ساءت علاقتهم معهن، وانتهت عشرتهم الجميلة لهن، وأصبح بقاء النساء في عصمتهم إنما هو لغرض نفعي مادي هو الحصول على أرثهن بعد الموت ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾. كما ينهى الله الرجال أيضا أن يعضلوا نساءهم عن طريق الإضرار بهن في العشرة ومنعهن من الطلاق حتى لا يستطعن الزواج من غيرهم، واستعمالهم معهن وسائل الضغط والإكراه، حتى يسترجعوا منهن المهر الذي أعطوه إليهن، ليتزوجوا به مرة أخرى من بعد الفراق ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ ﴿أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا * وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾. ثم يأمر الله الرجال أن يعاشروا نسائهم عشرة طيبة بالمعروف، فإن ذلك على حد قول (ابن العربي) " أهدأ للنفس، وأهنأ للعيش، وأقر للعين " ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾. ويوصي الحق الرجال في نفس هذا السياق، بالصبر والاحتمال وعدم المبادرة إلى الفراق، إذا وجدوا في زوجاتهم

стр. 319

كراهية، ومنهم نفرة، من غير فاحشة ولا نشوز، فربما آل ذلك إلى عشرة أفضل ومحبة أدوم ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾. قال القاضي أبو بكر (ابن العربي): " قال علماؤنا في هذا دليل على كراهية الطلاق، ويناسب هذا المعنى ما جاء في الحديث عن رسول الله ﷺ (أبغض الحلال عند الله الطلاق) وقوله ﷺ (خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي) وجاء رجل إلى عمر بن الخطاب يريد أن يطلق زوجته بدعوى (أنه لا يحبها) فما كان من عمر إلا أن قال له: " ويحك ألم تبن البيوت إلا على الحب؟ فأين الرعاية وأين التذمم ". وثبت أن رسول الله ﷺ كان في حياته البيتية جميل العشرة، دائم البشر، يداعب أهله ويتلطف بهم، ويوسع النفقة عليهم، وكان إذا صلى العشاء ودخل منزله يسمر مع أهله قليلا قبل أن ينام، يؤانسهم بحديثه وسمره ﵇.

стр. 320

الربع الأول من الحزب التاسع في المصحف الكريم (ق) ــ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٢٤) وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ

стр. 321

مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٥) يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٦) وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (٢٧) يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (٢٨) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٩) وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (٣٠) إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (٣١) وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ

стр. 322

عَلِيمًا (٣٢) وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا (٣٣) الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا (٣٤) وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا (٣٥)

стр. 323

الربع الأول من الحزب التاسع في المصحف الكريم (ت) عباد الله حصة هذا اليوم تستغرق الربع الأول من الحزب التاسع في المصحف الكريم، ويبتدىء هذا الربع بقوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ وينتهي بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾. ــ أول ما نلاحظه عند النظر في هذا الربع أن بدايته مرتبطة كل الارتباط بما قبله بواسطة واو العطف، فهي تتمة لموضوع تناولته الآيات الأخيرة في الربع الماضي، ابتداء من قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا * حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ إلى آخر الآية. والحديث هنا عما حرمه الله على الرجال، ومنع زواجهم به من النساء، وهذا التحريم إما بسبب النسب، وإما بسبب المصاهرة، وإما بسبب الرضاع الذي يترتب عليه ما يترتب على النسب.

стр. 324

وبناء على حكم الله في هذه المسألة يحرم على الرجل أن يتزوج بأمه، وبأم زوجته، وبزوجة أبيه، وابنته، وبأخته، وبعمته، وبخالته، وببنت أخيه، وببنت أخته، وبزوجة ابنه. وتحرم عليه المرأة المتزوجة بغيره، ويحرم عليه الجمع بين الأختين ومثله الجمع بين المرأة وعمتها، والجمع بين المرأة وخالتها. كما يحرم عليه من الرضاع مثل ما حرم عليه من النسب، حيث إن المرضعة تنزل منزلة الأم، فتحرم على من أرضعته هي وكل من يحرم على الابن من قبل أم النسب، وإنما اكتفت الآية بالإشارة إلى صورتين من هذا الصنف، وهما الأم من الرضاعة، والأخت من الرضاعة، لأن ذكر الأم التي هي أصل، والأخت التي هي فرع تنبيه على الباقي، ويشمل ذلك البنت من الرضاع، والعمة من الرضاع، والخالة من الرضاع، وأم الزوجة من الرضاع، وبنت الزوجة من الرضاع، والجمع بين المرأة وأختها من الرضاع، أو عمتها وخالتها من الرضاع، وذلك معنى قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا * حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ

стр. 325

أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. وقال ﷺ : (يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب)، وقال ﵊: (لا يجمع بين المرأة وعمتها ولا بين المرأة وخالتها) وكلاهما من أحاديث الصحاح. ولتوضيح ما يدور عليه الحكم في الرضاع قال القاضي أبو بكر (ابن العربي): " إن كل شخصين التقما ثديا واحدا في زمان واحد أو في زمانين فهما أخوان، والأصول منهما والفروع بمنزلة أصول الأنساب وفروعها في التحريم ". ولا شك أن لله حكما كبرى في تحريم زواج الرجال من النساء اللاتي تتناولهن هذه الآيات الكريمة، من ذلك أن الزواج بين الأقارب يضعف ذريتهم كلما امتد الزمن، بينما تلقيح العائلة بدم جديد يجدد حيويتها، ويقوي استعداداتها، وهذا المعنى وارد في الحديث النبوي الشريف. ومن ذلك أن الزواج بمن يجب توقيرهن واحترامهن كالأم والعمة والخالة، أو من تجب رعايتهن والعطف عليهن، كالبنت والأخت، وبنات الأخ والأخت، قد يؤدي إلى معاملتهن معاملة غير مرضية، عندما تطرأ بعض الهزات والخلافات على الحياة الزوجية، وينشأ عن ذلك شقاق في العائلة لا يمحى طول العمر. وقس على ذلك الشعور الغريب الذي يشعر به الأب إذا عرف أن ابنه قد يخلفه في زوجته، أو الابن إذا عرف أن أباه قد سبقه إليها.

стр. 326

ولنتصور كيف يكون شعور الأم إذا زاحمتها بنتها في زوجها، وشعور البنت إذا زاحمتها أمها، وشعور الأخت إذا زاحمتها أختها، فأية أمومة وأية أخوة تبقى وقتئذ بينهن وهن يتصارعن على امتلاك قلب واحد، ويتزاحمن على الاستقلال بفراش واحد. يضاف إلى ذلك ما نبه إليه شيخ الكتاب المعاصرين الأستاذ عباس محمود العقاد في كتابه (حقائق الإسلام وأباطيل خصومه) أثناء كلامه على الأسرة الإسلامية إذ قال: " والمقاصد من هذا التحريم منوعة لا نحصيها في هذا المقام، أجلها وأجداها توسعة الأسرة ووقايتها من شواجر الخصومة والبغضاء، وأن يتحقق بالزواج من أسباب المودة والنسب ما لم بتحقق بالقرابة " ثم نبه إلى الأهمية الخاصة التي جعلها الله للنسب والمصاهرة، حيث اعتبرهما القرآن الكريم من آيات خلق الإنسان، كما جاء في سورة الفرقان: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾. والآن نعود إلى بعض الفقرات في هذه الآيات الكريمة لمزيد البيان والتوضيح. فقوله تعالى بعد تحريم التزوج بزوجات الآباء ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ هو خبر عن عفو الله ، وعدم مؤاخذته بما مضى في الجاهلية من هذا العمل القبيح، إذ كان بعض الأعراب تغلب عليه الحمية لأبيه، فيكره أن يحل أجنبي محل والده، ويخلفه ولده في فراشه.

стр. 327

وقوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ الربائب واحدتها ربيبة، وهي بنت امرأة الرجل من غيره، من قولك ربها يربها إذا تولى أمرها، وهي محرمة على الرجل سواء كانت في حجره كما تشير إليه الآية، أو كانت في حجر حاضنتها غير أمها، لأن كونها في حجر الرجل ليس شرطا في الحكم بتحريمها، وإنما خرج هذا الخطاب مخرج الغالب فلا مفهوم له. ونقل عن علي بن أبي طالب القول بإباحة تزوج الرجل بربيبته إذا لم تكن في حجره، اعتمادا على ظاهر الآية، وإليه ذهب داود الظاهري وابن حزم، وذكر الحافظ الذهبي أنه عرض ما روي عن علي بن أبي طالب في هذا الموضوع على الشيخ تقي الدين ابن تيمية فاستشكله وتوقف في أمره، كما حكى ذلك ابن كثير في تفسيره. وقوله تعالى: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ الحلائل واحدتها حليلة، بمعنى محللة، والأبناء ثلاثة أنواع: ابن النسب، وابن الرضاع، وابن التبني، فأما ابن النسب وابن الرضاع فحكمهما معلوم، وأما ابن التبني فكان أمره معروفا في الجاهلية وصدر الإسلام، وكان ينسب إلى الرجل الذي تبناه لا إلى أبيه الحقيقي، فلما نزل قوله تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ انتهى العمل بذلك، وتفاديا من دخول ابن التبني تحت كلمة (أَبْنَائِكُمُ) في هذا المقام جاء بعد هذه الكلمة قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ وذلك ليسقط ولد التبني فلا تندرج زوجته تحت حكم التحريم في هذه الآية، ويكون الزواج بزوجته بعد فراقه لها

стр. 328

مباحا، وهذا النوع الأخير من الأبناء عن طريق التبني هو الذي يطلق عليه لفظ (أدعياء) كما في قوله تعالى: ﴿لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾. وقوله تعالى بعد تحريم الجمع بين الأختين ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ معناه أن الجمع بين الأختين الذي كان شرعا لمن قبلنا لم يقره الإسلام بل أبطله وألغاه. وقوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ معناه النساء إذا كن في عصمة الأزواج، وقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ أي هن محرمات إلا ما ملكت اليمين بالسبي في دار الحرب أثناء الجهاد فإنه يحل الزواج بهن بعد الاستبراء. وقوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ معناه أن ما عدا الأصناف المحدودة التي نص كتاب الله على تحريمها في هذا السياق، أو في غيره كتحريم المرأة المشركة، يكون حلالا للزواج، اللهم إلا إذا اعترض عارض، أو حدث مانع استوجب الحرمة في نظر الشرع، مثل المرأة الخامسة الزائدة على أربع، ومثل المطلقة ثلاثا، ومثل المرأة الحامل والمرأة المعتدة، قبل وضع الحمل وإتمام العدة، وكذلك اليتيمة الصغيرة في مذهب الإمام مالك والإمام الشافعي. وقوله تعالى: ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ معناه أن هذا التحريم القاطع في شأن الأصناف المحرمة من النساء التي نص عليها القرآن الكريم أمر صادر من الحق لا يسوغ تبديله ولا تغييره، بل يجب التزام العمل به دائما، فما حرم الزواج به فهو

стр. 329

حرام، وما أحل الزواج به فهو حلال بين المسلمين إلى يوم الدين. وفي هذا الربع آيات كريمة أخرى من المناسب أن نقف عندها وقفة خاصة، إذ لها علاقة وثيقة بما حدده الله من الحلال والحرام في موضوع الزواج الذي هو أساس تكوين الأسرة وكل ما يتفرع عنها، وما هو حرام في هذا الموضوع الخطير، إرشادا للمؤمنين من عباده وهداية لهم إلى أحسن الطرق وأفضل النظم، حتى يقفوا عند حدودها ولا يتجاوزوها. كما أنه مهد طريق التوبة وفتح باب العفو في وجه أولئك الذين عرفوا انحراف الجاهلية وفوضاها الاجتماعية والخلقية، فلم يؤاخذهم على ما سلف قبل نزول القرآن الكريم. وفيها علاوة على ذلك تنبيه إلى أن عبيد الشهوات وأسراء اللذات سوف لا يرتاحون لهذا النظام الإلهي الأخلاقي وأحكامه الطاهرة، لأنه يقف في وجوههم، ويسد أمامهم طريق الفوضى والتلاعب بالأعراض، بل إنهم سيحاولون إغواء بقية المسلمين وإغراءهم على تعدي الحدود التي رسمها الحق ، وسيدعونهم إلى نبذ أحكامه وتعاليمه ظهريا. وأخيرا في هذه الآيات امتنان من الله على عباده بأنه يريد أن يخفف عنهم، ولذلك أحل لهم ما فيه الخير والنفع، مما يفتح في وجوههم أبواب الفضائل، وحرم عليهم ما فيه الشر والأذى، ليقفل من خلفهم أبواب الرذائل.

стр. 330

ثم سجل كتاب الله في نهاية هذا الموضوع حقيقة لا ينازع فيها إنسان، ألا وهي أن الإنسان مخلوق ضعيف أمام نداء الشهوة وإغراء الشيطان. وإذن فلا بد لتوجيهه وإنقاذه وحمايته من الأخذ بيده وحضه على الإيمان بالله، وأمره بالتزام شريعته. وهذه المعاني هي التي يشير إليها في إيجاز وإعجاز قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا * يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾. ومسك الختام في هذا الربع هو التنبيه بالأخص على قوله تعالى ضمن هذه الآيات ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ فهذا الوصف - وصف العلم والحكمة - الذي جاء به التعقيب الإلهي هو مفتاح الفهم الصحيح، والإيمان الصادق، والطاعة الكاملة للتعاليم الإلهية في شأن الأسرة المسلمة، إذ لا علم أصح ولا أكمل من علم الله الشامل، ولا حكمة أوثق ولا أوفق من حكمته الكاملة، ولله الحجة البالغة.

стр. 331

الربع الثاني من الحزب التاسع في المصحف الكريم (ق) ــ وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا (٣٦) الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (٣٧) وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا (٣٨) وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا (٣٩) إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ

стр. 332

حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (٤٠) فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (٤١) يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا (٤٢) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا (٤٣) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ (٤٤) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا (٤٥) مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (٤٦) يَا أَيُّهَا

стр. 333

الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (٤٧) إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (٤٨) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٤٩) انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا (٥٠) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا (٥١) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا (٥٢) أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا (٥٣) أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا (٥٤) فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا (٥٥) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ

стр. 334

بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا (٥٦) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا (٥٧)

стр. 335

الربع الثاني من الحزب التاسع في المصحف الكريم (ت) عباد الله في هذه الحصة نتناول الربع الثاني من الحزب التاسع في المصحف الكريم، وأول آية فيه قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ وآخر آية منه قلوه تعالى: ﴿لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا﴾. ــ عندما نتدبر هذا الربع الثاني من الحزب التاسع نجده يهتم بموضوعات بلغت الغاية في التنوع والكثرة، فمن أمر بعبادة الله ونهي عن الشرك به، إلى أمر بالإحسان إلى الوالدين وذي القربى واليتامى والمساكين، ومن إحسان للجار القريب ذي الرحم، إلى الإحسان للجار البعيد من غير الأرحام، ومن إحسان للرفيق، إلى الإحسان لعابر السبيل والرقيق، ثم يعلن، الحق غضبه على المختالين الفخورين من أهل الكبر والزهو، وغضبه على البخلاء الذين لا يجودون ولا ينفقون، وعلى الدعاة إلى البخل الذين يضيفون إلى بخلهم تحريض غيرهم على البخل ولا يظهرون أثر نعمة الله عليهم، وينذرهم بالعذاب والاهانة يوم القيامة. ويستنكر كتاب الله ما يتظاهر به عشاق السمعة وعبيد الرياء

стр. 336

من مظاهر الإنفاق والإحسان، وهم في الحقيقة قرناء الشيطان ﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا﴾. وتنتقل الآيات إلى وصف العدل الإلهي الذي لا يضيع في وزنه مثقال ذرة فضلا عما هو أكبر وأجل، ويسجل كتاب الله "وعد الصدق" بمضاعفة الحسنات للمحسنين وثوابهم عليها بما لا حد له ولا حصر. ومن هناك يتجه الخطاب الإلهي إلى الرسول الأعظم، ويصف له مشهدا من أعظم المشاهد المؤثرة في يوم القيامة، عندما يقف الرسول ﷺ شهيدا على أمته، ولا فرق بين من شاهدوه في حياته، ومن لم يشاهدوه ولحقوا به خلال القرون والأجيال حتى يوم الدين، وبين كتاب الله ماذا يكون عليه في ذلك المشهد العظيم حال أولئك الذين عصوا الله ورسوله، حيث يودون لو أن الأرض ابتلعتهم فلم يبق منهم أثر ولا خبر، ولكن أين المفر؟ ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا * يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾. ثم تتناول الآيات الكريمة فريضة الصلاة التي هي عماد الدين، وما يجب للدخول فيها من استعداد فكري ونفسي وجسمي خاص، فلا صلاة مع ضياع العقل وخبال الفكر وشرود الذهن، ولا صلاة مع قيام ما يمنع المصلي من استيفاء جميع أركانها على الوجه المطلوب ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ ثم لا صلاة مع الحدث الأصغر والحدث الأكبر، المنافيين لمناجاة الله والوقوف بين يديه.

стр. 337

ونظرا لحرص الإسلام على عدم تضييع المؤمن للصلاة التي هي أوثق صلة بينه وبين ربه، وضرورة قيامه بأدائها في الحضر والسفر والصحة والمرض، أباح التيمم بدلا من الطهارة المائية للمريض والمسافر والمحدث والجنب، ولم يوجب التيمم بالنسبة لجميع الأعضاء والأطراف المطلوب تطهيرها بالماء، بل اكتفى في التيمم بالوجه واليدين دون ما عداهما زيادة في التخفيف، وأشار كتاب الله إلى أن هذا التخفيف منبثق من الرفق والعفو الذي هو من صفات الله، ومن مقتضيات حكمته ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾. وانتقلت الآيات إلى الحديث من جديد عن أهل الكتاب الذين يقفون حجر عثرة في طريق الإسلام، فبينت سوء استغلالهم للقسم الضئيل الباقي عندهم من الكتاب في خدمة مصالحهم المادية، وترضية أهوائهم الشخصية، وأوضحت سعيهم إلى تضليل المسلمين، وما هم عليه من عداوة ثابتة للمؤمنين ﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ * وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾. وأشارت الآيات بالأخص إلى تحريف اليهود وتأويلهم لنصوص الوحي وأوامره عن مواضعها ومقاصدها، وحكت جملة من تعابيرهم المستنكرة التي اعتادوا أن يستعملوها في أحاديثهم عن رسول الله والمؤمنين، طعنا منهم في الدين، وعارضت تعابيرها المستنكرة بتعابير أخرى لو اهتدوا إليها وعبروا بها لكان خيرا لهم وأقوم، لكن ﴿لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾.

стр. 338

ثم عاد كتاب الله إلى توجيه الخطاب لأهل الكتاب لإقامة الحجة عليهم، داعيا إياهم إلى الإيمان برسالة القرآن، محذرا لهم من عقاب الله لهم بطمس وجوههم وجعلها من قبل أقفيتهم، وردهم على أدبارهم، أو لعنتهم كما لعن الله أصحاب السبت من قبلهم ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾. وقررت الآيات الكريمة إثر ذلك مبدأ إسلاميا جوهريا لا تسامح فيه ولا تنازل عنه، هو أن الشرك بالله ذنب عظيم لا يمكن أن يغفره لأحد من خلقه، وأن غيره من بقية الذنوب يمكن أن يكون محلا للمغفرة بإذنه ومشيئته ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾. واتجه الخطاب الإلهي مرة أخرى إلى الرسول الأعظم ﷺ ، متحدثا إليه عن أولئك المتبجحين المداحين الذين يزكون أنفسهم بأنفسهم بمختلف وجوه التزكية، حيث يترفعون على غيرهم، ويعتبرون الغير أقل منهم درجة ومقاما بالنسبة للحياة الدنيا وللحياة الآخرة أيضا، ومنبها إلى أن التزكية الحقيقية بالأفضلية والأسبقية إنما تكون بأمر الله ومن عنده، وما عداها من التزكيات الشخصية والملفقة، إنما هو محض كذب على الله ومجرد افتراء على الناس ﴿بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾. واستمر الخطاب الإلهي متجها إلى الرسول الأعظم ﷺ ، لافتا نظره إلى أمر مستغرب جدا من الذين أوتوا نصيبا من الكتاب، إذ هو على خلاف ما كان ينتظر منهم طبقا لإدعاءاتهم، ذلك أنهم

стр. 339

يؤمنون بالشياطين والسحرة والكهان والأصنام، ويؤيدون الباطل، ويفضلون المشركين على المسلمين بدعوى أنهم أحسن منهم حالا وأفضل اعتقادا ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ ثم تكر عليهم الآيات باللعن والطرد وتنذرهم بالفشل: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾. ويتساءل كتاب الله لو أن هذا الصنف من الناس كان لهم نصيب من الملك والسلطان، ماذا كانوا يفعلون بضعفاء بني الإنسان؟ ويأتي الجواب القاطع بأنهم لا يؤتون الناس حتى " النقير "، أي حتى أتفه الأشياء وأقلها، وذلك لأنهم بلغوا من البخل والشح وقسوة القلب واحتقار الضعفاء ما يجعلهم أحرص الناس على احتكار جميع وسائل العيش وأسباب الثروة لأنفسهم دون الناس جميعا ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا﴾. وفي مثل هذا الصنف جاء قوله تعالى أيضا: ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ﴾. وأخيرا يكشف كتاب الله الستار عن السبب الدفين في معارضة اليهود للمسلمين، ويبين أنه مجرد حسد اليهود للمسلمين على ما آتاهم الله من فضله، فقد ظلت النبوة زمنا طويلا في أنبياء بني إسرائيل، وجاء عيسى بن مريم فكان منهم، وإن رفضوا دعوته، وأنكروا رسالته، لكن هذا الرسول الذي جعله الله خاتم الأنبياء والمرسلين هو من بني إسماعيل لا من بني إسرائيل، فهم يحسدونه حسدا بالغا، لأن النبوة ختمت به، فخرجت منهم، ولن تعود إليهم

стр. 340

أبدا ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾. غير أن الله تعالى يفضح ما هم عليه من تناقض وتضارب واضطراب، ويسجل عليهم مرة أخرى أنهم كفروا بنفس الرسل الذين أرسلوا إليهم من بني إسرائيل وذرية إبراهيم، وإذن فلا غرابة ولا عجب في كفرهم بالنبي الهاشمي المطلبي. ثم ينتهي الربع بوصف ما أعده الله في النار من العذاب للكافرين ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا * وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا﴾.

стр. 341

الربع الثالث من الحزب التاسع في المصحف الكريم (ق) ــ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (٥٨) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (٦٠) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (٦١) فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا

стр. 342

قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا (٦٢) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا (٦٣) وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا (٦٤) فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥) وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (٦٦) وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (٦٧) وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٦٨) وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ

стр. 343

عَلِيمًا (٧٠) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا (٧١) وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا (٧٢) وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧٣)

стр. 344

الربع الثالث من الحزب التاسع في المصحف الكريم (ت) عباد الله في هذه الحصة نستوعب الربع الثالث من الحزب التاسع في المصحف الكريم، وبداية قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ الآية، وختامه قوله تعالى: ﴿يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. ــ يتناول هذا الربع عدة موضوعات رئيسية وجوهرية بالنسبة لتكوين الدولة الإسلامية، وبسط العدل وإقرار النظام فيها، وضمان التعايش وحفظ الوئام بين أبنائها. ففيه آيات تلزم المؤمنين بطاعة الله من جهة، وبطاعة الرسول ومن يلي أمر المسلمين بعده من جهة أخرى. وطاعة الله امتثال أوامره ونواهيه طبقا لما أوحى به في كتابه. وطاعة الرسول امتثال أمره ونهيه وهو بين ظهراني المسلمين، والتزام سنته والسير على طريقته بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى. وطاعة من يلون أمر المسلمين من بعده هي مبايعتهم على كتاب الله وسنة رسوله، وعدم عصيانهم في المعروف، لا في المنشط

стр. 345

ولا في المكره، وعدم الافتيات عليهم أو خذلانهم. ويدخل تحت (أولي الأمر) من الوجهة العملية والتنفيذية أمراء المسلمين، بما جعل الله في أعناقهم من مسؤولية السلطة والحكم، ويدخل تحت (أولي الأمر) من الوجهة العلمية والنظرية علماء المسلمين، بما تخصصوا فيه وائتمنهم الله عليهم من النظر في الكتاب والسنة وكل ما يدور في فلكهما، مما لا غنى عنه بالنسبة لتسيير شؤون الدولة، في انسجام ووفاق مع أنظار الملة، وذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ قال ابن كثير: " والظاهر أن (أولي الأمر) عامة في كل أولي الأمر من الأمراء والعلماء، والله أعلم ". ويلاحظ في تعبير القرآن الكريم أنه استعمل الأمر بالطاعة قبل ورود كلمة (الله) (أطيعوا الله)، لأن الأمر بطاعة الله مستقل بنفسه كل الاستقلال، كما استعمل نفس الأمر بالطاعة قبل ورود كلمة (الرسول) _ (وأطيعوا الرسول) حيث إن الأمر بطاعة الرسول مستقل بنفسه أيضا، وإن كانت طاعة الرسول هي في نهاية الأمر وحقيقته طاعة لمن أرسله وهو الله، وإن كان الرسول نفسه أول مطيع لله وملتزم لأمره بحكم رسالته وعصمته. أما طاعة (أولي الأمر) فقد ربطها القرآن بطاعة الرسول نفسه ربطا وثيقا محكما، وذلك بواسطة واو العطف، وجعلها بحكم هذا الربط مندرجة تحت طاعته، إذ إنها بمنزلة الفرع من الأصل، والطاعة الأصلية طاعة الله ورسوله، وفي إطارها، وفي دائرة حدودها تتم طاعة أولي الأمر، الذين هم خلفاء الرسول بالنسبة لأمته وملته.

стр. 346

والعجيب أن هذه الآية الكريمة ما كادت تنتهي من الأمر بطاعة الله، وبطاعة الرسول وأولي الأمر، حتى وضعت المسلمين أمام مسؤولياتهم إذا طرأ على حياتهم ما يدعو إلى التنازع والاختلاف في شؤونهم العامة، وبادرت إلى قطع دابر النزاع، إذ نصت على الحل الملائم والمناسب لكل تنازع أو اختلاف قد يقع بينهم، وذلك حتى يحسم الخلاف بينهم من الأساس، ويعود المسلمون إلى الاتفاق والائتلاف. والحل القرآني والعملي لكل تنازع يطرأ بين المسلمين كما نص عليه كتاب الله هو الرجوع إلى الله ورسوله، والنظر فيما أوجب التنازع بينهم، على ضوء ما في كتاب الله وسنة رسوله، واستخراج الحل الإسلامي الملائم من تعاليمهما وتوجيهاتهما، ومن القياس على نصوص الدين، وسوابقه، في عهد الرسالة وعهد الخلافة الراشدة، وبذلك يهتدي المسلمون إلى حل واحد يرضاه الجميع، ويلتزم طاعته الجميع، ومادام المرجع فيه هو الله ورسوله فلا غالب ولا مغلوب، ولا منتصر ولا منهزم، وإنما تكون كلمة الله وحدها هي العليا ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ وهذا هو معنى قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ على غرار قوله تعالى في آية أخرى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾. ثم جاء التعقيب على هذا الإرشاد الإلهي بأنه هو خير وسيلة وأحسن طريقة لفض النزاع بين المسلمين إذا طرأ عليهم ما يدفع

стр. 347

إليه، وأنه أحسن عاقبة ومآلا، وفي ذلك إيماء إلى أن أية وسيلة أخرى قد يقع عليها الاختيار خارج هذا الإطار، لا تكون ناجعة ولا نافعة ولا حاسمة للنزاع، وإلى هذا يشير قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾. ثم استنكر الحق موقف الذين يزعمون أنهم مؤمنون، ومع ذلك يرفضون التحاكم إلى الله ورسوله، مفضلين التحاكم إلى غيرهما، وبذلك يخرجون من دائرة الحق والحكمة إلى دائرة الباطل والشهوة. ونبه كتاب الله إلى أن هؤلاء المؤمنين بزعمهم إذا ساروا في هذا الاتجاه فإنهم يصبحون بمنزلة الدمى في يد الشيطان، إذ هو الذي يضلهم عن الطريق السوي، ويذهب بهم إلى أبعد مذاهب الضلال، وذلك معنى قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾. على أن كتاب الله يتولى فضيحة هذا الصنف من أدعياء الإيمان، فيصفهم علانية بالنفاق الصريح، ويسجل عليهم تهربهم من حكم الله ورسوله، وامتعاضهم منه، وإعراضهم عنه، وذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾.

стр. 348

ثم تعود الآيات الكريمة مرة أخرى لتثبيت المعاني الرئيسية السابقة في هذا الربع فتقول: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾، إذ الحكمة في إرسال الرسل هي تبليغ أوامر الله وتوجيهاته إلى عباده، ليسيروا في حياتهم الخاصة والعامة وفقا لها، وطبقا لمقتضاها، ومادام الرسول ثابت الصدق عن الله، ومضمون العصمة من الهوى ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾، فلا بد لمن آمن به من أن يطيعه فيما أمر به ونهى عنه، دون أدنى تحفظ ولا أدنى اعتراض. ويؤكد كتاب الله هذا المبدأ بكل قوة وبكل شدة، فيوجه خطابه إلى الرسول ﷺ مقسما بالله العظيم على محتواه وفحواه ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. وبعدما أمر كتاب الله كافة المسلمين حكاما ومحكومين، رؤساء ومرءوسين، بطاعة الله ورسوله، وبرجوعهم إليهما، واحتكامهم عندهما، وتحكيمهم لهما، كلما وقع تنازع بين المسلمين أو اختلاف، وبعدما وصف كتاب الله بوصف النفاق وزعم الإيمان كل من يتهرب منهما، ويتحاكم إلى غيرهما، جاءت الآيات الكريمة تسجل فضل من أطاع الله ورسوله، وتبين أي ركب عظيم سيسير فيه، وأي الرفاق الأعلين سيكون برفقتهم في أعلى عليين، وذلك قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا * ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾.

стр. 349

الربع الأخير من الحزب التاسع في المصحف الكريم (ق) ــ فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (٧٤) وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا (٧٥) الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا (٧٦) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا

стр. 350

قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٧٧) أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا (٧٨) مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٧٩) مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا (٨٠) وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (٨١) أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢) وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا (٨٣) فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ

стр. 351

يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا (٨٤) مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا (٨٥) وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا (٨٦)

стр. 352

الربع الأخير من الحزب التاسع في المصحف الكريم (ت) عباد الله في حديث هذا اليوم سنلقي نظرة على الربع الأخير من الحزب التاسع في المصحف الكريم، وهو يبتدىء من قوله تعالى: ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ وينتهي بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾ ــ عندما نتأمل الآية الأولى في هذا الربع، وهي قوله تعالى: ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ﴾ الآية، نجدها مرتبطة كل الارتباط بالآيتين الأخيرتين من الربع الماضي ومبنية عليهما. ففي الآيتين الأخيرتين من الربع الماضي وصف كاشف لشعور المنافقين الدفين، وموقفهم الحقيقي من الجهاد والمجاهدين، إذ يبين كتاب الله ما عليه المنافقون من التخلف والتباطؤ عن تلبية نداء الرسول الأعظم ﷺ ، وما يقومون به علاوة على تخلفهم عن ركب المجاهدين من تثبيط لعزائم المسلمين، حتى لا يجاهدوا المشركين.

стр. 353

ورغما عن موقف التلكؤ والتخاذل والتثبيط الذي يقفونه كلما خرج المسلمون للجهاد في سبيل الله، فإنهم بحكم روح النفاق والطمع، والانتهازية التي هم عليها، يأسفون بالغ الأسف عندما ينتصر المسلمون، ويرجعون من جهادهم سالمين غانمين، ويتمنون لو أنهم حضروا معهم وكانوا من بين الفائزين كما أنهم بحكم روح النفاق والجبن والأنانية التي عليها يفرحون كامل الفرح بتخلفهم وعدم حضورهم، عندما يرجع المجاهدون وقد خلفوا من ورائهم في ساحة الجهاد عددا من الشهداء في سبيل الله. ويشير كتاب الله في نفس هاتين الآيتين إلى أن نفس التعبير الغامض الذي يستعمله المنافقون في الحديث عن المؤمنين ينبئ عن دخيلتهم، إذ لا يذكرونهم بوصفهم المميز، وإنما يستعملون في الحديث عنهم " ضمير الغائب المبهم " مما يدل على أنهم لا يجمعهم بهم أدنى رابطة، وعلى أن كل ما يتظاهرون به من المودة لهم محض زور وبهتان، وذلك ما يتضمنه قوله تعالى في ختام الربع الماضي ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا * وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. وعلى هذا المعنى الذي تتضمنه هاتان الآيتان وقع التعقيب بالآية الأولى في هذا الربع، وهي دعوة صادرة من الله تعالى إلى أولئك الذين استرخصوا أرواحهم في سبيله، لأن يقوموا بواجب الجهاد المقدس، غير ملتفتين إلى تخلف المنافقين وتثبيط المثبطين، كما

стр. 354

أنها وعد صادق من الحق لهم بالأجر العظيم والثواب الجسيم، سواء منهم من غلب وعاد، ومن وقع شهيدا في ساحة الجهاد. وذلك قوله تعالى: ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾. وفي هذا الربع يتحدث كتاب الله عن طائفة أخرى لا تملك من الشجاعة والاستعداد للتضحية القدر الكافي لمواجهة أعباء الجهاد، ويتضمن الحديث عنها معنى الاستغراب والتعجب، حيث إن هذه الطائفة بالذات، في الوقت الذي كانت أوامر الله وتعليماته تصدر إلى المسلمين بالانتظار والصبر وتحمل الأذى إلى حين، كانت تتحرق شوقا إلى الجهاد، وتطلب من الرسول الإذن لها بالقتال، فلما حل موعد الجهاد وكتب عليها القتال أخذت تتراجع إلى الوراء، وتتمنى لو أن هذه الفريضة لم تفرض، وأجلت إلى موعد آخر، بل إنها أخذت تتساءل في دهشة واستغراب عن السر الذي من أجله فرض الله الجهاد على المسلمين وذلك كله حرصا منها على الحياة، وتشبثا بمصالحها المادية الخاصة، وخوفا على الأموال والنساء والأولاد من عواقب الجهاد. وبعدما وصف كتاب الله هذا الصنف الرعديد من الناس، وما هو عليه من ضعف في النفس، وتمسك بالعيش الهنيء، جاء التعقيب على ذلك بمقارنة بين الدنيا ومتاعها والآخرة وثوابها، وأن الله يجازي من جاهد في سبيله بكامل العدل ومنتهى الكرم، كما يجازي القاعدين والمتخلفين بما هم أهله، وأن الموت الذي يخشونه

стр. 355

سيدركهم لا محالة حيثما كانوا قاعدين أو مجاهدين. وإلى مجموع هذه المعاني يشير قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا * أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾. وبعدما وصف كتاب الله ما عليه المذبذبون والمنافقون من غريب الأطوار والأحوال، وما يبيتونه في نفوسهم ويجري على ألسنتهم من سخيف الأقوال، وما يغلب عليهم من ميل إلى التمرد والخلاف، بدلا من التزام الطاعة والتمسك بالائتلاف، اتجه الخطاب الإلهي رأسا إلى الرسول الأعظم ﷺ ، داعيا إياه في نفس السياق إلى القيام بواجب الجهاد الذي كلفه الله به، وألقاه على عاتقه قبل كل الناس، ليبادر إلى أدائه، دون أن ينظر إلى أي اعتبار آخر، وآمرا له في نفس الوقت بأن يحض المؤمنين على الجهاد في سبيل الله، بغض النظر عن تخاذل المتخاذلين، وتثبيط المثبطين، وتراجع ضعفاء النفوس العاجزين، مبينا لرسوله والمؤمنين أن هدف الجهاد في سبيل الله إنما هو كف أذى الكافرين عن المؤمنين، وخضد شوكة المشركين وذلك قوله تعالى: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا﴾. ونظرا لأن الهدف الأساسي من القتال في سبيل الله هو تحرير
следующие страницы →