← Тафсир

Тафсир · id 115129

التيسير في أحاديث التفسير

محمد المكي الناصري

Полный текст (2 848 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٥٤) إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (٥٥) وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ (٥٦) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٥٧) وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ (٥٨) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ (٥٩) قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (٦٠) وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ (٦١) وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ

стр. 457

لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٦٢) لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (٦٣) وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٦٤) وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٦٥) وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ (٦٦)

стр. 458

الربع الثالث من الحزب الثاني عشر فى المصحف الكريم (ت) عباد الله في هذه الحصة نتناول الربع الثالث من الحزب الثاني عشر في المصحف الكريم، وبدايته قوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ ونهايته قوله تعالى: ﴿مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾. ــ يبتدئ هذا الربع، بخطاب موجه إلى الرسول الأعظم ﷺ ، آمرا له أن يحكم بما أنزل الله، وأن لا يتأثر بأهواء المحكومين لفتنته عن بعض ما أنزل الله إليه. وإذا كان الخطاب الإلهي يتوجه إلى الرسول ﷺ بمثل هذه الأمور والنواهي، وهو المتميز عن غيره بالعصمة والرسالة - حرصا على إحقاق الحق وإبطال الباطل، وإقامة العدل المطلق بين الناس - فمن باب أولى وأحرى أن يوجه هذا الخطاب الإلهي إلى غير المعصومين من ولاة المسلمين الحاكمين بين الناس من بعده، ومن باب أولي وأحرى أن تساق إليهم هذه الأوامر والنواهي، بل إنهم هم

стр. 459

المقصودون بالذات من هذا الخطاب الموجه في الظاهر إلى الرسول الأعظم ﷺ إذ هم وحدهم - دون الرسول - المعرضون للتأثر بأهواء المحكومين والمخالفين، على حساب الحق، وهم وحدهم المعرضون للفتنة عن العدل. والفتنة أنواع وأشكال، من بينها فتنة الرشوة، وفتنة البطانة والحاشية، وفتنة العداوة والصداقة، وفتنة الشفاعات والوساطات، وفتنة الانحراف والتحريف، وفتنة الآراء الفاسدة والنظريات الباطلة. وذلك قوله تعالى في خطابه إلى الرسول وهو خطاب إلى المؤمنين عن طريقه ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾. وتنتقل الآيات الكريمة إلى وصف أولئك الذين يولون الأدبار ويتراجعون عن الحكم بما أنزل الله تعالى، مفضلين التقهقر إلى الوراء، وناظرين إلى شريعة الله، إما شزرا، وإما بالاستخفاف والاستهزاء. وتبين نفس الآيات أن الوصول إلى هذا الحد الأقصى من الانحراف إنما هو نتيجة حتمية لانحرافات تدريجية سابقة، ونوع من أنواع العقاب الإلهي لأولئك المنحرفين الفاسقين، على ذنوبهم التي ارتكبوها وأصروا عليها إصرارا، وذلك قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ﴾. ويرفع كتاب الله النقاب عن خصوم الشريعة وأعدائها، ويبين السر الخفي والدافع الحقيقي لخصومتهم لها في السر والعلن، ذلك

стр. 460

أنهم يفضلون شريعة الغاب على شريعة الكتاب، لأنهم يجدون في كنف الأولى كل ما يحقق أغراضهم المنحرفة من الوسائل والأسباب، وحكم الغاب بالنسبة للإسلام هو حكم الجاهلية الأولى، وحكم الجاهلية هو حكم الهوى لا حكم الحق، وحكم العصبية لا حكم العدل، وحكم الطبقية لا حكم المساواة، وحكم الاستغلال لا حكم الإنصاف، وحكم الإباحة لا حكم ضبط النفس، وحكم الفوضى لا حكم النظام، وحكم الفواحش والخبائث لا حكم المكارم والطيبات، وبالجملة فحكم الجاهلية هو الحكم الذي يوحي به الشيطان، والنقيض الطبيعي التام من كل الوجوه، ومن جميع زوايا النظر، لحكم الحكيم الرحمان. ومن أراد أن يستحضر مثالا حيا لثمرة حكم الجاهلية وثمرة حكم الإسلام، والوليد الشرعي لكل منهما، فليتذكر كيف كان المجتمع العربي في العهد الجاهلي، وكيف أصبح في العهد الإسلامي، وكيف كانت رقعة العالم، الذي أصبح فيما بعد عالما إسلاميا، كيف كانت قبل الإسلام وكيف عادت بعده. وهذا ما يشر إليه قوله تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾. وبطريق الإيماء تفيد هذه الآية الكريمة معنى دقيقا وصريحا لا مناص من لفت النظر إليه، ألا وهو أن كل حكم لم يكن مطابقا لما أنزل الله، ولا مستندا إلى ما أنزله، ولا منسجما مع روحه، ولا مستنبطا منه أو راجعا إليه، أو دائرا في فلكه، بوجه من وجوه الاستنباط وطريقة من طرق الاجتهاد، فهو مندرج تحت حكم

стр. 461

الجاهلية، وداخل تحته دخولا أوليا، مهما أعطي له من الألقاب والأسماء، حيث إن كتاب الله اقتصر عند تعداد أنواع الحكم التي يحكم بها بين الناس على نوعين اثنين لا ثالث لهما: النوع الأول حكم الله، والنوع الثاني حكم الجاهلية، فمن ترك حكم الجاهلية انتقل عنه إلى حكم الله، ومن ترك حكم الله انتقل عنه إلى حكم الجاهلية، وهو في الحقيقة رمز لكل حكم يتنكر للتوجيهات الإلهية والمبادئ الأخلاقية، ويتجاهل وجودها، ويتعمد محاربتها، ويسقط من حسابه ومن تقديره كل علاقة تربطه بمن ﴿لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾، متجاهلا قوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾. وفي هذا السياق نفسه يوجه كتاب الله خطابه إلى المؤمنين، متحدثا عما يمكن أن يقع لبعضهم من الردة عن دينه - وكأن في ذلك إشارة إلى من يعطل الحكم بما أنزل الله، ويستبدل به حكم الجاهلية، ويفضله على حكم الإسلام - ثم يعقب على ذلك بأن الله تعالى غني عن هذا النوع من الناس، وقادر على أن يستبدل بهم قوما آخرين لا يبغضهم الله ولا يبغضونه، ولكن يحبهم الله كما يحبونه، ومن جملة خصالهم أنهم رحماء بالمؤمنين، يحققون بينهم مقتضيات شرعه الرحيم وعدله السليم، أشداء على الكافرين لا يقبلون منهم افتياتا ولا تطاولا، ولا يفتحون في وجوههم بابا للفتنة عما أنزل الله. ثم إنهم يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون في الله لومة لائم، فهم لا يتأثرون بأهواء المحكومين والمخالفين ولا بنزغات الجاهلية كيفما كانت، ولا يتنازلون عن شرع الله وعدله قلامة ظفر، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ

стр. 462

عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾. وقوله تعالى في هذه الآية: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ يشبه قوله تعالى في آية أخرى ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ فلفظ ﴿أَذِلَّةٍ﴾ هنا بمعنى رحماء هناك، ولفظ ﴿أَعِزَّةٍ﴾ هنا بمعنى أشداء هناك، إذ القرآن يفسر بعضه بعضا. ثم يزيد كتاب الله هذا الموضوع توضيحا وتبيينا، فيخاطب الرسول ﷺ ، لافتا نظره إلى الدوافع والأسباب التي جعلت كفار أهل الكتاب ومن في حكمهم يتنكرون لحكم الله، ويصرون على الكفر بما أنزل الله، فهم يعيشون عيشة كلها فسوق وانحراف، وهم أسرع الناس إلى ارتكاب الفواحش والآثام ن وأكثرهم تهالكا على الظلم والطغيان، وأشدهم انهماكا في أكل أموال الناس بالباطل. ولو كان هذا الأمر مقتصرا على عامتهم، والخاصة منهم تنكره وتقاومه لهان الخطب، ولكن خاصتهم متواطئة عليه مع العامة بسكوتها وتهاونها، إذ لا تنكره ولا تقف في وجهه بحال. وذلك قوله تعالى: ﴿وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * لَوْلَا يَنْهَاهُمُ

стр. 463

الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾. وختمت آيات هذا الربع بدعوة أهل الكتاب إلى الإيمان بالله وتقواه، ودعوتهم إلى تنفيذ التوجيهات الإلهية التي تضمنها الوحي المنزل في التوراة والإنجيل والقرآن، كما تضمنت نفس الآيات الكريمة وعد الله لهم - إن دخلوا في حظيرة الإسلام وحكمه - بالمزيد من نعمه الظاهرة والباطنة، وذلك قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ * وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾. وهذا الوعد الإلهي وإن كان موجها لكفار أهل الكتاب، فهو موجه لعصاه المسلمين من باب أولى وأحرى، فما عليهم إلا أن يعودوا إلى الله ويرضوا بحكمه، ويسيروا في حياتهم الخاصة والعامة على ضوء الهدي المحمدي، ليكونوا من المهتدين، ومع الذين أنعم الله عليهم من النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا.

стр. 464

الربع الأخير من الحزب الثاني عشر في المصحف الكريم (ق) ــ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٦٧) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٦٨) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٩) لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ (٧٠)

стр. 465

وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (٧١) لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (٧٢) لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٣) أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٤) مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٧٥) قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ

стр. 466

ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٧٦) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (٧٧) لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩) تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ (٨٠) وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (٨١)

стр. 467

الربع الأخير من الحزب الثاني عشر في المصحف الكريم (ت) عباد الله حديث هذا اليوم يتناول تفسير الربع الأخير من الحزب الثاني عشر في المصحف الكريم، وأول آية منه قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ وآخر آية فيه قوله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾. ــ يبتدئ الخطاب الإلهي في هذا الربع، بحض الرسول ﷺ على القيام بواجب التبليغ الذي كلفه الله به دون توان ولا تردد، وينبهه إلى أن أي تقصير في هذا الواجب يعتبر عملا مضادا للتبليغ، كما يؤكد للرسول ﷺ أن الله الذي أرسله لتبليغ الرسالة قد تعهد بحفظه، وأنه مهما استعمل من الوسائل لتحقيق هذه الغاية وضاعف من الجهود في هذا السبيل، فلن ينال حياته أي مكروه، وأن أي محاولة يحاولها الكافرون ضده ستبوء بالفشل، وذلك قوله تعالى، ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ

стр. 468

مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾. وينبغي أن يفهم هذا الأمر الإلهي للرسول ﷺ بالتبليغ والحرص عليه، على أنه أمر موجه إلى ورثة الرسول من بعده، وهم علماء الشريعة وحملة الدين، الذين هم مطالبون بتبليغ الدعوة الإسلامية، وكشف النقاب عنها على وجهها الحق، في كل العصور والأجيال، مهما كلفهم ذلك من الجهود والتضحيات. ثم يوجه كتاب الله خطابه إلى أهل الكتاب مرة أخرى، فيدينهم جميعا بما هم عليه من مخالفة صريحة للتوراة والإنجيل، مبينا أن ما يدعونه من التمسك بهما، وما ينسبونه إليهما مما ليس منهما، هو منتهى الزور والتضليل، وموضحا أن ﴿أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ بسبب ابتعادهم في دينهم، وتحريفهم لكتبهم، وابتعادهم عن روح الدين ومنبع الإيمان، أصبحوا وهم ﴿ليسوا على شيء﴾ لا من الدين، ولا من الإيمان ولا من الكتاب، وأن الوسيلة الوحيدة لإنقاذهم مما هم فيه قبول رسالة الإسلام التي قامت على أساسها وهديها نفس التوراة ونفس الإنجيل، والتي جاء القرآن الكريم بتتميمها وختامها لخير الناس أجمعين، وذلك قوله تعالى، ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾. وعقب كتاب الله على هذه الدعوة بما يفيد أن كثرة من أهل الكتاب ستصر على ضلالها، وسوف لا تستجيب لدعوة الإخاء الديني والإنساني التي ينادي به الإسلام، بل ما يؤكد أن هذه الدعوة ستزيدها طغيانا على طغيان، وكفرا على كفر، اعتزازا منها

стр. 469

بالإثم والأنانية، وإمعانا في العناد والاستكبار، وتمسكا بحفظ مصالحها وامتيازاتها، وحرصا على إبقاء الجماهير المضللة في شبكتها، وتحت تأثيرها، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾. وانتقلت الآيات الكريمة إلى التنديد بموقف بني إسرائيل من ميثاق الله الذي واثقهم به، والتنديد بموقفهم من رسل الله الذين تعاقبوا عليهم الواحد بعد الآخر، فلم يكن آخرهم أحسن حظا من أولهم، وأشارت نفس الآيات إلى ما تقلبت فيه كثرة بني إسرائيل من عصيان وتوبة، ثم عصيان مستمر جعلهم محل سخط الله وغضبه، وذلك قوله تعالى ﴿لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ (٧٠) وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾. ومن الحديث عن بني إسرائيل وموقفهم من أنبيائهم انتقلت الآيات مرة أخرى إلى الحديث عن موقف المدعين لإتباع المسيح والإيمان به، مبينة كفرهم الصريح بسبب تأليههم لعيسى ابن مريم، على خلاف تعاليمه ووصاياه التي نادى بها من المهد إلى اللحد، فنفس المسيح ﵇ منذ كان في المهد صبيا قال: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ ولم يقل إني إله، ونفس المسيح ظل خلال قيامه برسالته يدعوا أتباعه إلى عبادة الله الواحد الأحد،

стр. 470

وعرفهم بأن الإله المعبود هو رب العالمين وحده لا شريك له، وبأن الشرك بالله ظلم عظيم لا جزاء له إلا النار، وليس لأهله شفعاء ولا أنصار، وذلك قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ * لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. ثم يتولى كتاب الله وصف الحقيقة الصادقة عن المسيح وأمه مريم دون زيادة ولا نقص، ولا غلو ولا تحريف، ولا تأليه ولا تثليث، وذلك قوله تعالى: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ * قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾. وقوله تعالى: ﴿كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾ فيه توضيح لبشرية عيسى وأمه وتوابع هذه البشرية، بتعبير قرآني مهذب، فمن كان يتناول الطعام لدفع ألم الجوع، سوف يضطر بحكم تناوله الطعام إلى العمل على التخلص من فضلاته، وإذن فهو يحتاج لتناول الطعام أولا والتخلص من فضلاته ثانيا، ومن كان حاله هو هذا

стр. 471

الحال، لا يمكن أن يكون إلها ولو في الخيال. وواصلت الآيات الكريمة حديثها عن كفار بني إسرائيل، مبينة تواطؤهم على المناكر، وحرصهم على موالاة الكافرين، وما أدى إليه هذا السلوك المنحرف من عذاب في الدنيا والآخرة، وذلك قوله تعالى: ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ * تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ﴾. وإذا استنكر كتاب الله موقف التواطؤ على المنكر من بني إسرائيل، فإنه يستنكره من المسلمين من باب أولى وأحرى. على أن كتاب الله في هذا الربع قد فتح في وجه المخالفين للإسلام أيا كان دينهم، وكيفما كان شعارهم - بالرغم عن مخالفتهم وانحرافاتهم - باب التوبة والمغفرة والدخول في حظيرة الإسلام على أساس المساواة التامة، لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم، ووعدهم وعد الحق والصدق بالأمن في الدنيا والآخرة، رفقا بهم، وحرصا على هدايتهم، وإقامة للحجة عليهم، وذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾.

стр. 472

الربع الأول من الحزب الثالث عشر في المصحف الكريم (ق) ــ لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢) وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٨٣) وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (٨٤) فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (٨٥) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا

стр. 473

أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (٨٦) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٨٧) وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (٨٨) لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٨٩) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٩٢) لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ

стр. 474

اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (٩٣) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٩٤) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (٩٥) أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٩٦)

стр. 475

الربع الأول من الحزب الثالث عشر في المصحف الكريم (ت) عباد الله نتناول في حصة هذا اليوم الربع الأول من الحزب الثالث عشر في المصحف الكريم، ويبتدىء هذا الربع بقوله تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ وينتهي بقوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ ــ في بداية هذا الربع، يتحدث كتاب الله، وهو يخاطب الرسول ﷺ ، عن مواقف أهل الكتاب من الإسلام، وما يبرز في صفوفهم من عداوة أو مودة له ولأهله، ولا يغفل كتاب الله التنبيه إلى أن الهوة التي تفصل بين الإسلام والوثنية من جهة، وبينه وبين اليهودية من جهة أخرى، هوة سحيقة جدا، فطبيعة الوثنية في حد ذاتها ومن أصلها لا تنسجم مع الوحي الإلهي في شيء، ولاسيما الوحي الإلهي الوثيق الذي لا تبديل فيه ولا تغيير، كوحي القرآن الكريم، وأنى للظلمة أن تنسجم مع النور، وللحق أن يعايش الباطل. وعناد اليهودية وتجاهلها لبقية الأنبياء والرسل ولبقية الكتب

стр. 476

المنزلة وتظاهرها بالاستعلاء والاستكبار على من لا يدين بدينها، كل ذلك جعلها سباقة إلى إشهار الحرب على الإنجيل ورسوله، كما جعلها سباقة إلى حرب القرآن ورسوله، وقد اختارت في كثير من الأوقات حرب الدسيسة، والتآمر، وبلبلة الأفكار، وإثارة المشاكل الجانبية، ثم محاولة التسرب إلى قلعة القرآن عن طريق التأويلات المبتذلة، والأساطير المنتحلة، فهي من الوجهة السياسية الحليفة الأولى للوثنية العربية طيلة عهد الرسالة المحمدية، وهي من الوجهة الاعتقادية والتشريعية تتزعم جميع الحركات والتيارات المناوئة للإسلام، والعاملة على تشويهه وتحريفه، وإبرازه كعنصر ثانوي لا أصالة فيه ولا ابتكار، ولا تفتر دوما عن ملاحقة الإسلام ومطاردته في مختلف المجالات، ولاسيما مجالات العقائد والأفكار والآراء، وإلى هذه المعاني يومئ قوله تعالى في إيجاز وإعجاز ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾. ويلاحظ في هذه الآية تقديم ﴿الْيَهُودَ﴾ على ﴿الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ والسر في ذلك - والله أعلم - أن خطر هذا العنصر أقوى وأشد من خطر جميع العناصر الوثنية، لا فرق بين الوثنية العربية وغيرها، فالوثنية ليس لها أي أساس مقبول من الوحي والرسالة، ولا من المنطق والحكمة، وهي عاجزة أن تقف على قدمها أمام الإسلام الذي يقوم في صميمه على الكتاب والحكمة معا، بينما اليهودية تعتبر نفسها عقيدة توحيد، وبيدها شريعة التوراة التي لا تقبل فيها نسخا، وإن كانت من الوجهة العملية قد حرفتها بنفسها ومسختها مسخا، وهكذا تجد المجال مفتوحا عند غير المسلمين، لتضليلهم

стр. 477

عن حقيقة الإسلام المثلي وجوهره الرفيع. ثم تنتقل الآيات الكريمة إلى وصف طائفة أخرى من أهل الكتاب، هي طائفة من القسيسين والرهبان كانت تدين بالنصرانية، لكنها على أثارة من العلم بقرب ظهور خاتم الأنبياء والمرسلين طبقا لبشارة المسيح ﵇ الثابتة من قبل ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ فما كاد يظهر الإسلام، ويشرع الرسول ﷺ في تبليغ الرسالة التي تلقاها من عند الله، حتى آمنوا به وبرسالته، بل أعرضوا عن لغو اليهود من جهة، وتركوا نصرانيتهم من جهة أخرى، وخالطت بشاشة الإيمان قلوبهم، وتلقوا ما أنزل إلى الرسول بتلهف وشوق وتأثر بالغ، ففاضت أعينهم بالدموع، وبرزت على جوارحهم آثار الخشوع وأخذوا يسألون الحق أن يكتبهم في زمرة الأمة المحمدية الشاهدة على الناس، وأن يدخلهم الجنة في رفقة القوم الصالحين، ونظرا لصدق يقينهم، وإخلاص إيمانهم، وتوفيقهم، استجاب الله دعاءهم، وأحسن جزاءهم، وذلك ما أشار إليه قوله تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ * وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ * وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ * فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ

стр. 478

خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾. وفي هذه الطائفة أو في مثلها نزل قوله تعالى في سورة القصص ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ * أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾. وإذن فالأمر في قوله تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً﴾ الآية يتعلق بمن كانوا على النصرانية ثم تركوها نهائيا وانتقلوا إلى الإسلام، لا بمن أصروا على نصرانيتهم واستمروا عليها ووقفوا في وجه الإسلام يحاربون دعوته، ويطاردون شريعته، ويستعبدون أمته، منذ نشأته الأولى إلى هذه الأيام، فهؤلاء هم الذين تولى الحق ذكرهم وذكر عقابهم في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾. ومضى كتاب الله يدعو المؤمنين إلى تجنب مظاهر الرهبانية التي ابتدعها النصارى في دينهم، مطالبا للمؤمنين بتناول جميع الطيبات التي أحلها الله لهم، لكن في غير تجاوز الحدود، ودون إسراف بما يزيد عن الهدف المقصود ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا﴾. ولفتت الآيات الكريمة أنظار المؤمنين إلى ما يجب أن يحيطوا به اسم الله من تقديس واحترام، وأنهم لا ينبغي لهم أن يقسموا

стр. 479

باسمه العظيم إلا عند الضرورة القصوى ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ منبهة إلى أنه إذا كان الله تعالى لا يؤاخذهم باللغو في أيمانهم، لأنها صدرت منهم عن غير قصد ودون عمد، فإنه سبحانه سيحاسبهم على الأيمان التي قصدوها، وتعمدوا توكيد مقاصدهم بها هل بروا بها أو لم يبروا، وعليهم إذا لم يبروا بأيمانهم أن يكفروا عن تقصيرهم في البرور بها. وحددت نفس الآية الوجوه التي يمكن أن تقع ﴿كفارة اليمين﴾ باختيار واحد منها، وذلك قوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. وجدد كتاب الله الحديث عن تحريم الخمر والقمار، وتحريم الذبائح التي كان المشركون يذبحونها، ويرشون بدمائها أحجارا وثنية مخصوصة يدعونها (الأنصاب) أو يقتسمونها بواسطة قداح أو قراطيس خاصة يدعونها (الأزلام) مبينا الآثار السيئة التي تنشأ عن شرب الخمر وعن لعب القمار، ومعلنا تحريم الخمر والميسر تحريما قاطعا، وذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾. وهنا يجب التنبيه والتأكيد على أن من صيغ التحريف التي

стр. 480

يستعملها القرآن الكريم صيغة (اجْتَنِبُوا) كما ورد في هذه الآية وغيرها من الآيات، مثل قوله تعالى في سورة النحل ﴿وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾، وقوله تعالى في سورة الحج ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾، وقوله تعالى في سورة الحجرات: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ﴾ الآية، فكل ما ورد في هذه الآيات بعد صيغة اجتنبوا يعتبر في الشريعة من المحرمات المقطوع بتحريمها. ثم يعقب كتاب الله على ذلك كله بقوله: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا﴾، منبها إلى أن شارب الخمر ولاعب القمار هما عمليا في حرب مع الله ورسوله، مجاهران لله ولرسوله بالعصيان، متمردان على طاعته، متهاونان بأحكام شريعته. وإذا كان المتمرد على سلطة المخلوق مثله يتعرض لأشد أنواع العقاب، جزاء تمرده وعصيانه، فما بالك بالمخلوق المتمرد على سلطة الخالق القاهر فوق عباده، ماذا يكون مصيره بين يدي الله؟ يوم لا ينفعه إلا طاعة الله وتقواه وما قدمت يداه، وذلك هو معنى قوله تعالى: ﴿وَاحْذَرُوا﴾ بعد قوله: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ أي احذروا مغبة عصيانكم لله، فقد تكون العاقبة أوخم عاقبة، وقد تكون الخاتمة أسوء خاتمة، فأطيعوا الله ليثبتكم في أحرج المواقف، ولا تلقوه وأنتم سكارى عند سكرات الموت، وكونوا من أهل الإيمان والإذعان، حتى ينعم الله عليكم في مواقف الحيرة والفزع بالثبات والاطمئنان، قال تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾.

стр. 481

الربع الثاني من الحزب الثالث عشر في المصحف الكريم (ق) ــ جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٩٧) اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٨) مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ (٩٩) قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠٠) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٠١) قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ (١٠٢) مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (١٠٣) وَإِذَا قِيلَ

стр. 482

لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (١٠٤) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٠٥) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ (١٠٦) فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٧) ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (١٠٨) يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١٠٩) إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ

стр. 483

تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (١١٠)

стр. 484

الربع الثاني من الحزب الثالث عشر من المصحف الكريم (ت) عباد الله حديث هذا اليوم يستوب الربع الثاني من الحزب الثالث عشر في المصحف الكريم، وأول آية فيه قوله تعالى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ﴾ وآخر آية منه قوله تعالى: ﴿وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾. ــ يبتدئ الحديث في هذا الربع، بذكر فضائل الكعبة وخصائص البيت الحرام، وما اقتضته الحكمة الإلهية من جعل هذه المنطقة منطقة أمن عام، وطمأنينة شاملة، بالنسبة للإنسان وبالنسبة للحيوان، فالإنسان في دائرتها لا يتعرض لأي انتقام من أخيه أو عدوان، والحيوان في محيطها يتمتع بعهد الأمان وبالحصانة التامة من طرف الإنسان، بحيث لا يسفك بها دم، ولا يتوقع فيها ثأر، ولا يروع فيها سرب، ولا يقتل فيها صيد، ولا يعضد فيها شجر، ويكون الحجاج إليها كلهم فارغي البال، اللهم إلا من عبادتهم التي يعكفون عليها، ومناسكهم التي يقومون بها وهم على أحسن حال، دون رفث ولا فسوق ولا جدال، وذلك قوله تعالى: ﴿جَعَلَ

стр. 485

اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾ أي آمنا لهم وصلاحا. وسميت الكعبة (كعبة) لنتوئها وبروزها، إذ يقال لكل ناتئ بارز (كعب)، مستديرا أو غير مستدير، على ما صححه المحققون. ويتجه خطاب الله إلى نبيه العظيم ﷺ ، آمرا له أن ينبه الناس إلى أن الخبيث والطيب لا يستويان عند الله في شيء، وأن يلفت نظر الإنسان أيا كان وحيثما كان، إلى أن مجرد الاستلذاذ بالخبيث والإعجاب به لا يقف في وجه هذه الحقيقة الناصعة، فقد يكون الخبيث جذابا وبراقا ومثيرا، ولكنه في جوهره خبيث، وفي أثره خبيث، ولن يقف الخبيث مع الطيب على قدم المساواة بأي وجه من الوجوه، وإذا كان الخبيث (أوزن) في الدنيا فالطيب أوزن منه في الآخرة، وإذا كان مآل الطيب إلى الجنة، فإن مآل الخبيث إلى النار، وإذا كان منفق المال الخبيث يعتبر إنفاقه هباء منثورا، فمنفق المال الطيب يظل إنفاقه ثابتا مذكورا، هذا إلى ما يترتب على تناول كل من الطيب والخبيث، وعلى ممارسة كل من الطيبات والخبائث، من الآثار النفسية والأخلاقية، الفردية والاجتماعية، مما يجعل سلوك الطيبين رحمة لهم وللناس، وسلوك الخبيثين نقمة عليهم قبل أن يكون على بقية الناس، وإلى ذلك يشير قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. ثم يتناول كتاب الله الحديث عن طائفة من الناس، مصابة بنوع غريب من حب الاستطلاع والهوس بلغ إلى حد الوسواس،

стр. 486

فهي تحاول أن تحيط علما بكل شيء، وهي تحشر أنفها في جميع المقامات والمجامع، وهي مولعة بالبحث عن أسرار الناس الخاصة ودخائل أمورهم دون أي موجب شرعي ولا مبرر أخلاقي، وهي حريصة على إثارة الأسئلة الفارغة أو الملتوية، التي لا جدوى من ورائها ولا نفع في الجواب عنها، بغية إيقاع المجيب عنها في ورطة يصعب عليه الخلاص منها، وهكذا فإلى هذه الطائفة ومثيلاتها يتجه الخطاب الإلهي قائلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾. ومما يندرج تحت هذه الآية ما جاء في الأثر: أن رجلا من بني سهم يقال له عبد الله بن حذافة كان يطعن فيه، فقال يا رسول الله من أبي؟ فقال أبوك حذافة، فدعاه لأبيه. قال الزهري، فقالت أم عبد الله بن حذافة: ما رأيت ولدا أعق منك قط، أكنت تأمن أن تكون أمك قد قارفت ما قارف أهل الجاهلية، فتفضحها على رؤوس الناس) فقال (والله لو ألحقني بعبد أسود للحقته). وأشار كتاب الله في تعقيبه على هذا النوع من الناس الموسوسين وأسئلتهم الفجة، إلى أن المؤمنين لا يمنعهم أي مانع من توجيه أسئلتهم إلى الرسول ﷺ ، ما دام الغرض منها هو الاستفسار عن الدين والسؤال عن الشريعة، منبها إلى أن أحسن فرصة مناسبة لإلقاء هذا النوع المفيد من الأسئلة هي الوقت الذي ينزل فيه الوحي على رسول الله ﷺ ، ففي تلك المناسبة يكون الرسول ﷺ على أتم استعداد لإجابة المؤمنين وتفقيههم في الدين، بتوضيح ما فيه إشكال، وتفصيل ما فيه إجمال، وذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَسْأَلُوا

стр. 487

عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ﴾. وقوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ يمكن تفسيره بالجزء الأخير من الحديث الصحيح الذي ثبت فيه عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الله أمركم بأشياء فامتثلوها، ونهاكم عن أشياء فاجتنبوها، وسكت لكم عن أشياء رحمة منه فلا تسألوا عنها) فيكون معنى ﴿عفا الله عنها﴾ سكت عنها رحمة بالمؤمنين. قال القاضي أبو بكر (ابن العربي) ما خلاصته: قوله تعالى ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْهَا﴾ أي أسقطها، والذي يسقط لعدم بيان الله فيه هو باب التكليف، فإنه بعد موت النبي ﷺ تختلف العلماء فيه ... واختلاف العلماء رحمة للخلق، وفسحة في الحق، وطريق إلى الرفق). ثم نادى كتاب الله بإبطال الشعائر الوثنية وإلغائها، وخاصة ما ابتدعه المشركون من اعتناق الإبل والغنم وتسييبها للأصنام والأوثان، فهذه ناقة تشق أذنها وتترك، وهي (البحيرة)، وتلك ناقة يخلى سبيلها مع أمها دون راع ولا قيد، وهي (السائبة) بحيث لا يركب ظهرها، ولا يجز وبرها، ولا يشرب لبنها، وهناك شاة تلد ذكرا أو ذكرا وأنثى، وهي (الوصيلة) فتخلى للأوثان والأصنام، وهذا فحل من الإبل ينقضي ضرابه، فيجعل عليه من ريش الطواويس ويسيب، وهو (الحامي). وهكذا ذم الله تعالى ما كان يفعله المشركون من هذه الشعائر الباطلة، وحذر المسلمين من الوقوع فيما وقعوا فيه، بعد أن عرفهم أن ذلك كله مجرد كذب على الله، ومحض افتراء عليه، وذلك قوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ

стр. 488

وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (١٠٣) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾. وفي هذا الربع آية كريمة يجب الوقوف عندها وقفة خاصة، فقد فهمها بعض الناس على غير وجهها منذ عهد مبكر، ألا وهي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. وأقل نظر إلى هذه الآية بتعمق وإمعان يؤدي إلى فهم المقصود منها على أحسن وجه، إذ هي واردة في سياق الآية التي سبقتها، وهي قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ فها هنا دعوة موجهة إلى المشركين من الرسول والمؤمنين، ليتركوا ما هم عليه من ضلال وخبال، لكنهم يصرون على تقليدهم الأعمى، ويأبون الاستجابة إلى الدعوة الإسلامية. وما دام الأمر هكذا، وما دام الرسول والمؤمنون قد بذلوا كل ما في وسعهم للقيام بتوجيه الدعوة وتبليغ الرسالة، وحاولوا بكل الوسائل إقناع المشركين دون جدوى، فقد برئت ذمتهم ولم يبق أمامهم إلا العمل على نجاة أنفسهم وخلاصها، ولن يحاسبوا على ضلال من أصر على الضلال، بعد دعوتهم لهم باستمرار، ورفضه لدعوتهم بكامل الرفض ومزيد من الإنكار. وليس معنى هذه الآية الإذن للمسلم بالتخلي عن واجباته نحو المجتمع الإسلامي والدولة

стр. 489

الإسلامية، ولا الترخيص له بالوقوف منهما موقف المتفرج الذي لا يهمه من أمرهما شيء، فذلك فهم مقلوب للإسلام، وتأويل مضاد للمعنى المقصود من هذه الآية. روى أصحاب السنن أن أبا بكر الصديق ﵁ قام فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس إنكم تقرؤون هذه الآية ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ وإنكم تضعونها على غير موضعها، وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن الناس إذا أرادوا المنكر ولا يغيرونه يوشك الله أن يعمهم بعقابه). ومما لا يسوغ للمسلم التخلي عنه ولا إهماله أبدا أمر أسرته وأولاده، امتثالا لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ وقوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾.

стр. 490

الربع الثالث من الحزب الثالث عشر في المصحف الكريم (ق) ــ وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ (١١١) إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١١٢) قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ (١١٣) قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١٤) قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (١١٥) وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ

стр. 491

مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١١٦) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١١٧) إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١١٨) قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١٩) لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٢٠) ٦ - سورة الأنعام مكية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ (٢) وَهُوَ اللَّهُ

стр. 492

فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ (٣) وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (٤) فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٥) أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ (٦) وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (٧) وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ (٨) وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ (٩) وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (١٠) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (١١) قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٢)

стр. 493

الربع الثالث من الحزب الثالث عشر في المصحف الكريم (ت) عباد الله في حصة هذا اليوم نعالج الربع الثالث من الحزب الثالث عشر في المصحف الكريم، وبدايته قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ ونهايته قوله تعالى: ﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾. ــ في هذا الربع، من كتاب الله نجمع بين آخر ثمن من سورة المائدة وأول ثمن من سورة الأنعام، وبذلك نكون قد اختتمنا سورة وابتدأنا أخرى، مستعينين بالله ومعتمدين عليه. والحديث في الثمن الأخير من سورة المائدة يتعلق بعيسى ابن مريم ﵇ والحواريين الذين آمنوا به وصدقوه. وقصة المائدة التي طلبوها، والحوار الذي دار بينهم وبين عيسى في شأنها، كما يتناول وصف الكيفية التي يكون عليها سؤال الحق يوم القيامة لعيسى عن موقف المسيحيين الذين غالوا في تعظيمه حتى رفعوه إلى درجة الألوهية، فأشركوا بالله الواحد الأحد، ثم وصف الجواب الذي يجيب به عيسى ابن مريم ربه، متبرئا

стр. 494

من المنتسبين إليه زورا وبهتانا، والغالبين في حقه ظلما وعدوانا. فقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي﴾ الذي نبتدئ به ربع هذا اليوم هو وارد في سياق آيات أخرى سبقت في نهاية الربع الماضي، وهو تابع لها ومرتبط بها في المعنى كل الارتباط، فقد سبقها قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ * إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ * وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي﴾. والمقام في هذه الآيات مقام استعراض عام أمام الله وبين يديه لجميع الرسل الذين أرسلهم الحق إلى خلقه، من أولهم إلى آخرهم، واستجوابهم أمام الجناب الإلهي الأقدس، ماذا كان موقف أممهم من الرسالات التي أرسلهم بها، وماذا كان جواب أممهم عنها؟ وفي وسط هذا الاستعراض الضخم لموكب الرسل الكرام جميعا يقف كتاب الله خاصة عند سؤال عيسى ابن مريم وجوابه، ويصف الحق له بشيء من التفصيل، وفي أسلوب من الحوار، فقد اختلط أمر عيسى ابن مريم

стр. 495

على من يدعون أتباعه اختلاطا كبيرا، وقد ارتبك في شأنه عدد غير قليل من البشر، وفي هذا السياق يذكر الله رسوله عيسى ابن مريم بالمعجزات التي أيده بها ﴿اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ﴾ ويعدها عدا، مؤكدا أنها كلها إنما كانت معجزات من عند الله ومن صنعه وبإذنه، لا من وضع عيسى ولا بقوته وقدرته ﴿إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ - ﴿وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ - ﴿وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي﴾ - ﴿وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي﴾ - ﴿وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ﴾ - ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي﴾ - وهكذا وردت هذه الآية الأخيرة في معرض تذكير الله لعيسى بن مريم بنعمه التي أنعم بها عليه، تمهيدا لاستجوابه واستفساره عن الغلو في تعظيمه، وتأليهه من طرف المنتسبين إليه، وموقفه من ذلك الغلو. والنعمة التي يمتن الله بها على عيسى ابن مريم في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي﴾ هي نعمة ما أكرمه الله به من الأصحاب والأنصار، إعانة له على تبليغ الرسالة، وأداء الأمانة، فقد ألهم الله الحواريين المعرفة بصدق رسالته، وألقى في قلوبهم بذور محبته، وهداهم إلى الإيمان بالله بواسطته، و ﴿الوحي﴾ إلى الحواريين في هذا المقام، لا يتجاوز أن يكون وحي (الإلهام)، على غرار ما جاء في قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا﴾ الآية. ثم بين كتاب الله كيف استجاب الحواريون لدعوة عيسى ابن مريم، وكيف آمنوا وشهدوا
следующие страницы →