← Тафсир

Тафсир · id 115129

التيسير في أحاديث التفسير

محمد المكي الناصري

Полный текст (2 848 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ - ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾، ومن بين المحرمات التي لها نفس الحكم الميتة ما مات مخنوقا بحبل أو غيره، إما عمدا وإما صدفة ﴿الْمُنْخَنِقَةُ﴾. وما مات مضروبا بالحجر أو العصا أو الخشب أو غير ذلك، من كل شيء ثقيل غير محدد ﴿الْمَوْقُوذَةُ﴾. وما مات ساقطا من جبل أو سطح أو هوى في بئر، أو تردى من مكان شاهق ﴿الْمُتَرَدِّيَةُ﴾، ويلحق بها ﴿الْمُتَنَدِّيَةُ﴾ وهي الدابة التي انْفَلتت من وثاقها وَشَرَدَتْ، فوقعت مطاردتها لإرجاعها، ورميت بسيف أو رمح فماتت. وما مات منطوحا بقرون بهيمة أخرى ﴿النَّطِيحَةُ﴾. وما وقع فريسة للوحوش المفترسة ﴿مَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾ وكان أهل الجاهلية إذا أكل السبع شاة أكلوا بقيتها. فهذه كلها محرمات ملحقة بالميتة، اللهم إلا إذا وقع تداركها بالذبح وهي تحرك يدا أو رجلا ولا تزال فيها الروح ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾. قال القاضي أبو بكر (ابن العربي): (اختلف قول مالك في هذه الأشياء، فروي عنه أنه لا يوكل إلا ما كان بذكاة صحيحة. والذي في (الموطأ) عنه أنه إن كان ذبحها ونفسها يجري وهي تطرف فليأكلها. ثم عقب ابن العربي على ذلك قائلا: (وهذا هو الصحيح من قوله الذي كتبه بيده، وقرأه على الناس من كل بلد، عمره، فهو أولى من الروايات الغابرة).

стр. 422

ومما ورد تحريمه في هذا السياق اللحوم التي يتم الوصول إليها وتقع قسمتها بين المقامرين عن طريق الاستقسام بالأزلام، وهي القداح والقراطيس التي كان المشركون يستشيرونها بحضرة أصنامهم في الإقدام على الأمور أو الإحجام عنها، والتي كانوا يقامرون بها أحيانا أخرى في الميسر، فكل من خرج له قدح أو قرطاس نال من لحم الجزور بقدر ما خصص لذلك القدح أو القرطاس، فيمثلون ما يخرج لهم، ويعتقدون أن ذلك هداية من الصنم لمطلبهم ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ﴾. وهذه المحرمات جميعا هي التي استوعبها قوله تعالى في هذا الربع: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ - إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ - وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ﴾. وسبقت في سورة البقرة آية أخرى لها علاقة بهذا الموضوع، وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾. غير أن الحق تخفيفا عن عباده، وحفظا لهم من خطر الهلاك في حالة الإضطرار - أباح لهم عند عدم وجود الحلال من المأكولات أن يأكلوا ما يدفعون به ألم الجوع وينقذهم من الخطر، ولو كان محرما، في انتظار وجود ما هو حلال، بشرط أن لا يتعمدوا أكل ذلك الحرام عن شهوة مقصودة، وإنما يتناولونه عن ضرورة ملحة لا خلاص لهم منها، وذلك قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ على

стр. 423

غرار قوله تعالى في آية أخرى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾. وفي نفس هذا المعنى سبقت آية أخرى في سورة البقرة، وهي قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. ومعنى قوله تعالى: ﴿غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾. عند المحققين من المفسرين: غير طالب شرا ولا متجاوز حدا، فيدخل تحت لفظ الباغي كل خارج عن الإمام وقاطع للطريق ومن في معناهما، ويدخل تحت لفظ (العادي) كل من تجاوز حد الضرورة إلى حد الاختيار، ولأجل ذلك لا يستبيح العاصي بسفره رخص السفر، لأن الله تعالى إنما أباح ذلك عونا، والعاصي لا تحل إعانته، فإن أراد الانتفاع بالرخصة فليتب أولا، ثم ليترخص ثانيا. ثم مضت الآيات الكريمة تشرح تساؤل المسلمين من جديد عن هذا الموضوع، وكأنهم أخذوا يتحرجون من أكل بعض الأشياء الأخرى التي اعتادوا أكلها قبل الإسلام، فهم يستفسرون الرسول ﷺ عنها لمعرفة حكم الله فيها، وذلك قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾. ومعنى هذا الجواب أن الله تعالى لم يحرم على المؤمنين شيئا من ﴿الطَّيِّبَاتُ﴾، وإنما حرم عليهم ﴿الْخَبَائِثَ﴾ وحدها: الخبائث بطبعها،

стр. 424

والخبائث بالقصد منها، وأضاف إلى ما هو حلال نوعا آخر هو أكل ما وقع صيده بواسطة الكلاب المعلمة) والكلب المعلم (هو الذي إذا أشليته انشلى، وإذا زجرته انزجر، وإذن فصيد الكلب المعلم هو الحلال، لا نفس الكلب المعلم، وإنما يكون صيدا حلالا إذا أخذ الكلب الصيد وأمسكه حتى يجيء إليه صاحبه، وكان الصائد قد ذكر اسم الله عند إرساله للصيد، طبقا لقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ ويلحق بالكلب المعلم الفهود وجوارح الطير، فقد روى أشهب وغيره عن الإمام مالك أن الباز والصقر والعقاب وما أشبه ذلك من الطير إذا كان معلما يفقه ما يفقه الكلب فإنه يجوز صيده، وبه قال عامة العلماء. وانتقل كتاب الله إلى الحديث عن طعام أهل الكتاب، مبينا أن ذبائح الكتابيين من اليهود والنصارى وأطعمتهم حلال للمسلمين، بخلاف المجوس فلا تؤكل ذبائحهم ولا أطعمتهم، وذلك قول الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾. قال القاضي أبو بكر (ابن العربي): (فإن قيل: فما أكلوه على غير وجه الذكاة كالخنق وحطم الرأس. فالجواب: إن هذه ميتة، وهي حرام بالنص، وإن أكلوها فلا نأكلها نحن، كالخنزير فإنه حلال لهم، ومن طعامهم، وهو حرام علينا، فهذه أمثلة، والله أعلم). ثم عاد فقال: (ولقد سئلت عن النصراني يفتل عنق الدجاجة ثم يطبخها، هل يأكل معه، أو تؤخذ طعاما منه؟ فقلت: تؤكل

стр. 425

لأنها طعامه وطعام أحباره ورهبانه وإن لم تكن هذه ذكاة عندنا، ولكن الله تعالى أباح طعامهم مطلقا). وذكر ابن كثير في تفسيره أن أصحاب مالك يحرمون على المسلمين أكل ما يعتقد اليهود تحريمه من ذبائحهم، إذ ليس من طعامهم، فلا يندرج تحت قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾. وفصل ابن رشد في كتابه ﴿بداية المجتهد﴾ القول في هذا الموضوع فقال، (والحق أن ما حرم عليهم أو حرموه على أنفسهم - يقصد أهل الكتاب - هو في وقت شريعة الإسلام أمر باطل، إذ كانت ناسخة لجميع الشرائع، فيجب أن لا يراعى اعتقادهم في تحليل الذبائح اعتقاد المسلمين، ولا اعتقاد شريعتهم، لأنه لو اشترط ذلك لما جاز أكل ذبائحهم بوجه من الوجوه، لكون اعتقاد شريعتهم في ذلك منسوخا، واعتقاد شريعتنا لا يصح منهم. وإنما هذا حكم خصهم الله تعالى به، فذبائحهم - والله أعلم - جائزة لنا على الإطلاق، وإلا ارتفع حكم آية التحليل جملة، فتأمل هذا فإنه بين، والله أعلم). أما قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ فمعناه أن الله تعالى أباح للمسلمين أن يطعموا من ذبائحهم أهل الكتاب، أي ولكم أن تطعموهم من ذبائحكم كما أكلتم من ذبائحهم. وقال ابن كثير: (وهذا من باب المكافأة والمقابلة والمجازاة. فأما الحديث الذي فيه

стр. 426

(لا تصحب إلا مؤمنا ولا يأكل طعامك إلا تقي) فمحمول على الندب والاستحباب، والله أعلم). وقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ فِسْقٌ﴾ بعد قوله: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ﴾ وارد على غرار قوله تعالى في آية أخرى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ فالواجب على المسلم تفادي ذلك بكل الوسائل، حتى لا يندرج في عداد الفاسقين.

стр. 427

الربع الأخير من الحزب الحادي عشر في المصحف الكريم (ق) ــ وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (١٢) فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣) وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ

стр. 428

فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (١٤) يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦) لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧) وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ

стр. 429

يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (١٨) يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٩) وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (٢٠) يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (٢١) قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ (٢٢)

стр. 430

الربع الأخير من الحزب الحادي عشر في المصحف الكريم (ت) عباد الله نعالج في حصة هذا اليوم الربع الأخير من الحزب الحادي عشر في المصحف الكريم، وأول آية منه قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ﴾ وآخر آية فيه قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾ ــ تعرض الآيات الكريمة في هذا الربع الميثاق الذي أخذه الله على بني إسرائيل، وما تجرؤوا عليه من نقض لذلك الميثاق، وما نالهم من عذاب، نتيجة نقضه وخيانته ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ﴾ - ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾ كما تعرض الآيات الكريمة الميثاق الذي أخذه الله على النصارى، ثم نقضهم لميثاقه، بعد ذلك، وما نالهم من عقاب وعذاب، نتيجة نقضهم لميثاقه، وخيانتهم لعهده ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾.

стр. 431

ويوجه كتاب الله خطابه إلى أهل الكتاب من النصارى واليهود، مبينا لهم أن الرسول الأعظم ﵊ جاء ليظهر الكثير مما كانوا يخفونه في كتبهم، وليبرز حقيقة الوحي الإلهي لهم خاصة وللناس عامة، وليخرجهم من الظلمات إلى النور ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾. ثم يواجه كتاب الله العقيدة الباطلة التي يعتقدها النصارى في المسيح ابن مريم وأمه منها، ومذكرا بعبوديتها لله، وخضوعهما لمشيئته، ونزولهما عند إرادته ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾. ويتناول كتاب الله بالأخص ما يمني به اليهود والنصارى أنفسهم، وما يعتقدونه، لمن هو منهم وعلى شاكلتهم، من منزلة عند الله، والمكانة الخاصة لديه دون بقية الناس، ثم يكر الخطاب الإلهي على دعواهم بالنقض والإبطال، مبينا لهم أنهم ﴿بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾ لا أقل ولا أكثر، فهم لا يفضلون، غيرهم بأي فضل ذاتي، مهما ادعوا لأنفسهم من الدعاوى، ومهما تمنوا على الله من الأماني ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾.

стр. 432

ويتجه الخطاب الإلهي مرة أخرى إلى أهل الكتاب مباشرة، لافتا نظرهم إلى الرسول الأعظم الذي أرسله الله ليبين لهم الحق، على حين فترة من الرسل، وليقيم عليهم الحجة حتى لا يقولوا: ﴿مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ﴾ ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. ثم يحكي كتاب اللهثم يحكي كتاب الله للناس أجمعين قصة موسى مع قومه، وما وجهه إليهم من ذكرى وموعظة عسى أن يذكروا نعمة الله فيقابلوها بالشكر والطاعة، فقد جعل الله فيهم من الأنبياء والملوك ما لم يجعله في غيرهم من معاصريهم، وآتاهم من نعمه ما لم يؤت بقية الناس في عهدهم، لكنهم كفروا بنعمه، ولم يحفلوا بالميثاق الذي واثقهم عليه، ولم يجاهدوا في سبيله. وذلك هو السر في جبنهم وتراجعهم أمام الأرض المقدسة وهم على أبوابها، وفزعهم من القوم الذين استولوا عليها فزعا جعلهم يصرخون في وجه نبيهم موسى، ويعلنون براءتهم منه ومن ربه كما حكى الله عنهم في كتابه المبين: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ * يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ * قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾ - ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا

стр. 433

إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ - ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾. وفي (كتاب التفسير) من صحيح البخاري عن طارق عن عبد الله قال: (قال المقداد يوم بدر: يا رسول الله، إنا لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى ﴿فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون﴾ ولكن امض ونحن معك. فكأنه سرى عن رسول الله ﷺ مما يدل أقوى دلالة على الأثر الحميد والعميق الذي كانت تتركه في نفوس المسلمين قصص الأنبياء مع أقوامهم، وذلك هو الغرض الأول من ذكرها في القرآن الكريم. ومن الفوائد في هذا الربع الإشارة إلى (النقباء) الذين هم بمنزلة النواب والمندوبين عن غيرهم، يتحدثون باسمهم بمختلف المناسبات، وينوبون عنهم في النظر إلى مختلف المشاكل ﴿وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ فقد وجه موسى ﵇ النقباء الإثني عشر إلى الأرض المقدسة، ليختبروا حال من بها، ويعلموه بما اطلعوا عليه فيها حتى ينظروا معه في الغزو إليها. وهكذا لما بايع رسول الله ﷺ الأنصار ليلة العقبة، وعددهم في تلك الليلة سبعون رجلا، كان فيهم اثنا عشر نقيبا بعدد نقباء موسى، ثلاثة من الأوس وتسعة من الخزرج، وهؤلاء هم الذين تولوا المعاقدة والمبايعة عن قومهم للنبي ﷺ على السمع والطاعة، وقد جعلهم النبي ﷺ نقباء على من كان معهم، وعلى من يأتي بعدهم.

стр. 434

قال (ابن العربي): (قال علماؤنا، التسعة من الخزرج هم: أبو أسامة أسعد بن زرارة، وسعد بن الربيع، وعبد الله بن رواحة، والبراء بن معرور، وعبد الله بن عمرو، وعبادة بن الصامت، وسعد بن عبادة، والمنذر بن عمر، وعمر بن الجموح)، وذكر بن كثير بدلا من هذا الإسم اسم (رافع بن مالك بن العجلان) والثلاثة من الأوس هم أسيد بن الخضير، وسعد بن خيثمة، ورفاعة بن عبد المنذر. ومن الناس من يعد فيهم أبا الهيثم بن التيهان، وقد كان رسول الله ﷺ بنفسه (نقيب الأنصار) بالنسبة لنقبائهم ولمن تحتهم جميعا. وكلمة (نقيب) تطلق في اللغة على الأمين والكفيل، وإنما قيل له (نقيب) لأنه يعرف دخيلة أمر القوم ومناقبهم، والمناقب تطلق على الخلق الجميلة وعلى الأخلاق الحسنة. وكما عرف الإسلام (النقباء) فقد عرف (العرفاء)، جمع عريف، وهو الذي يعرف ما عند الشخص الذي كلف به، ليعرف به من جعله عريفا، فقد روي أن وفد هوازن لما جاؤوا تائبين إلى النبي ﷺ كلم رسول الله الناس، وسألهم أن يتركوا لهم نصيبهم من السبي، فقال الناس: (قد طيبنا ذلك يا رسول الله - أي وافقنا عليه- لكن رسول الله ﷺ قال لهم: إنا لا ندري من أذن منكم في ذلك ممن لم يأذن، فارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم). فرجع الناس فكلمهم عرفاؤهم، ثم رجعوا إلى رسول الله ﷺ فأخبروه أنهم قد طيبوا وأذنوا، وبنى قراره ﷺ على ما بلغه (العرفاء) إليه نيابة عمن يمثلونهم من الناس.

стр. 435

وهذه السابقة التاريخية تصح أن تكون سندا لكل نظام تمثيلي يراد إنشاؤه في العالم الإسلامي، تحقيقا للشورى العامة التي أمر بها الإسلام، وطبقها الرسول ﷺ .

стр. 436

الربع الأول من الحزب الثاني عشر في المصحف الكريم (ق) ــ قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٣) قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (٢٤) قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٢٥) قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٢٦) وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٢٧) لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (٢٨)

стр. 437

إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (٢٩) فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٣٠) فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ (٣١) مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ (٣٢) إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ

стр. 438

فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٤) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣٥) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٣٦) يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٣٧) وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨) فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٩) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤٠)

стр. 439

الربع الأول من الحزب الثاني عشر من المصحف الكريم (ت) عباد الله حديث هذا اليوم يتناول الربع الأول من الحزب الثاني عشر في المصحف الكريم، ويبتدىء هذا الربع بقوله تعالى: ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. وينتهي بقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. ــ في هذا الربع، من كتاب الله تتحدث الآيات الكريمة بالأخص عن ثلاثة أمور أساسية لا يقوم مجتمع سليم آمن ومطمئن بدون حفظ لها، وذب عنها، وصيانتها من كل اعتداء، ألا وهي أمن الأرواح وأمن الأموال وأمن الطرق، كما تتحدث عن موقف بني إسرائيل من الأرض المقدسة وتحريمها عليهم، جزاء خذلانهم لنبيهم موسى ﵇، وعن نفيهم في التيه وابتلائهم فيه مدة أربعين سنة ﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ﴾. وتتناول آيات هذا الربع بالذكر موضوع التقوى والوسيلة

стр. 440

والجهاد ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ كما تتناول محاولة الكافرين اليائسة يوم القيامة، للافتداء من عذاب الله والخروج من النار دون جدوى ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾. أما موضوع الأمن على الأرواح فقد تناوله القرآن الكريم عندما عرض على المؤمنين قصة ولدي آدم، وبين أنهما ذات يوم قدما إلى الله قربانا بقصد التقرب إليه، فتقبل الله من أحدهما ولم يتقبل من الآخر، وكانت الصدقة المقبولة هي صدقة ولد آدم التقي، دون أخيه غير المتقي، فثارت فورة الحسد والحقد في نفس الأخ الذي لم يقبل قربانه، وأحس أنه قد افتضح أمام الناس، إذ ظهر من أمره ما بطن، وألقى الشيطان في روعه أنه لا حياة له ما دام أخوه المتقي والمقبول القربان عند الله يمشي على الأرض، ففكر في قتل أخيه والتخلص منه لينفرد وحده بالعيش، وعندما هدد أخاه بالقتل أجابه أخوه بأن قبول القربان يتوقف على تقوى الله، فما عليه إذا أراد قبول قربانه إلا أن يتقي بدوره، لكن أخاه أصر على قتله مهما كلفه الأمر، فما كان من الأخ المتقي إلا أن ذكر أخاه الحسود الحقود بأنه يخاف الله، وأنه لن يقاتله ولن يقتله ولو دفاعا عن نفسه، وأنه يفضل أن يقع إثم قتله على أخيه، بدلا من يقع هو في الإثم مثله، وأخيرا تغلبت نزعة الشر في أخيه على نزعة الخير التي فيه، فقضى نحبه قتيلا على يد أخيه، وتحمل أخوه وزر قتله ووزر كل قتل وقع بين الناس من بعده، كما قال رسول الله ﷺ (لا تقتل نفس ظلما

стр. 441

إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها، لأنه كان أول من سن القتل). وتشير قصة ابني آدم في نفس السياق إلى أن الأخ الحسود القاتل قد ارتبك بعد قتله لأخيه ولم يعرف ماذا يفعل به، إلى أن رأى غرابا يواري تحت التراب غرابا آخر قد مات، فأقبل على أخيه يواريه في التراب، وذلك قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ * إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ * فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ * فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾. فهذه القصة التي حكاها القرآن الكريم تصف لنا نموذجين من البشر تمكنت من أحدهما روح الاعتداء، كما تمكنت روح الطيبوبة من الآخر، وهما وجها لوجه، دون رادع يردع الأول من الثاني: النموذج الأول: نموذج الإنسان النزاع إلى الشر، الميال إلى العدوان، المصر على الأذى، المتعدي للحدود. النموذج الثاني: نموذج الإنسان النزاع للخير، الميال إلى الإنصاف، الحريص على الإحسان، المتمسك بالتقوى. وتبين لنا نفس القصة أنه عندما واجه كل واحد منهما الآخر

стр. 442

بمفردهما ولم يتدخل بينهما عنصر ثالث، ليردع الإنسان الشرير، ويحول بينه وبين الاعتداء على الإنسان الخير، كان عنصر الخير هو الضحية والفريسة لعنصر الشر، ولم تنفع تقوى المتقي أمام عدوان المعتدي. ومن هنا اقتضت حكمة الله تشريع الحدود الرادعة عن ارتكاب الجرائم، وإقامة السلطة التي تقوم بتنفيذها، وتتولى مطاردة المجرمين، وحماية الأرواح والأموال والطرق، من اعتداء المعتدين حتى لا يعكروا صفو الحياة على بقية الناس الآمنين. وهذا هو السر في قوله تعالى عقب الانتهاء من قصة ابني آدم مباشرة: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾. وذكر بني إسرائيل في هذه الآية بالخصوص إنما هو لمناسبة السياق الذي وردت فيه، فقد كان الحديث قبل قصة آدم يدور حول قصة موسى وقومه بخصوص الأرض المقدسة والتيه الطويل الذي عوقبوا به، وإلا فكما كتب الله القصاص على بني إسرائيل كتبه على من قبلهم وعلى من بعدهم، وإن كان بنو إسرائيل لم يتراجعوا بذلك كله عن سفك الدماء ﴿ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ إشارة إلى أن الحياة التي وهبها الله للإنسان إلى أجل مسمى في هذه الدنيا هي حق

стр. 443

مقدس منحه الله لعباده، فلا يسوغ لغيره الوقوف في وجه هذا الحق المطلق، وإذن فمن اعتدى على حياة فرد يعتبر معتديا - من جهة المبدأ - على حياة كل الأفراد، والذي استباح لنفسه العدوان على حياة فرد بعينه أصبح في حل أمام نفسه من كل القيود التي تحول دون اعتدائه على الباقين، إذ لا فرق بين حياة عمرو وحياة زيد بالنسبة لطبيعة الحياة فيهما، ولا بالنسبة لواهب الحياة لهما. ولهذه الاعتبارات يكون الذي حال دون الاعتداء على حياة فرد من الأفراد، أو اقتص من المعتدي عليها -ردعا له وحماية للباقين - كأنما أحيا أولئك الأفراد جميعا ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾. وأما موضوع الأمن في الطرق الذي أشار إليه بالإجمال قوله تعالى: ﴿أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ﴾ فقد تناولته بالتفصيل آيتان من هذا الربع، وهما قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. وكما نلاحظ جميعا فقد اعتبر الحق قطاع الطرق المسلحين والعاملين على الإخلال بالأمن العام، والساعين في تعويق الناس عن التنقل بأنفسهم وبضائعهم آمنين مطمئنين بين مختلف المدن والقرى والبوادي والحواضر، (محاربين) لله ولرسوله، ومن ثم سميت جريمتهم بجريمة (الحرابة) إشعارا لكل من يهمه الأمر، بأن

стр. 444

صيانة أمن الناس فريضة عامة من فرائض الدين، والإخلال بها عدوان على حق الله المبين، لا يسوغ القيام به لأي أحد من المسلمين، ولذلك وضع الله لهذه الجريمة عقوبات مغلظة، أنزلها وحددها في كتابه من فوق سبع سماوات، تتراوح بين القتل والصلب والنفي وقطع الأطراف من خلاف، وإنما حددها الله تعالى في كتابه الحكيم حتى لا يتهاون في شأنها المتهاونون، ولا يعترض على تنفيذها المتحذلقون، ووكل الحق أمر اختيار العقوبة المناسبة، من بين تلك العقوبات، لظروف الجريمة وملابساتها، إلى اجتهاد أمراء المؤمنين وولاة المسلمين. وأما موضوع الأمن على الأموال فقد تناولته آيتان من هذا الربع أيضا، وهما قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وفي قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ﴾ إشارة إلى أن السارق هنا ظالم للمجتمع وغير مظلوم منه، فقد اعتدى بالسرقة على مال غيره لمجرد الرغبة في الإجرام والقيام بظلم الغير، حيث لا ضرورة من فقر ولا جوع تدفعه إلى ذلك، وإنما دفعه إلى السرقة استهانته بحرمة أموال الناس، وحرصه على الاستئثار بها لنفسه دونهم، رغبة في التكاثر والغنى من أيسر طريق، وفي الآية أيضا إيماء إلى وجوب كفاية حاجة المحتجين، وتمكينهم من ضروريات الحياة، حتى لا يقعوا في شرك الجريمة، فقد (كاد الفقر أن يكون كفرا) كما جاء في الأثر.

стр. 445

الربع الثاني من الحزب الثاني عشر في المصحف الكريم (ق) ــ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٤١) سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ

стр. 446

فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٤٢) وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (٤٣) إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤) وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٤٥) وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً

стр. 447

لِلْمُتَّقِينَ (٤٦) وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤٧) وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٤٨)

стр. 448

الربع الثاني من الحزب الثاني عشر في المصحف الكريم (ت) عباد الله نتناول في حصة هذا اليوم الربع الثاني من الحزب الثاني عشر في المصحف الكريم، وأول آية منه قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ وآخر آية فيه قوله تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾. ــ في هذا الربع، يتحدث كتاب الله عن الوقع الأليم الذي يحدثه في نفس الرسول الأعظم ﷺ رجوع فريق من الناس إلى الكفر بعد الإيمان ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾ - ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾. ويتحدث كتاب الله عن أهل الكتاب وما هم عليه من تصديق للأكاذيب، وتواطؤ مع المتآمرين على الإسلام تحت جنح الظلام، وتحريف للكلم عن مواضعه، ومحاولة للدس والاستغلال،

стр. 449

وتهالك على أكل أموال الناس بالباطل عن طريق الرشوة والربا ﴿وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا﴾ - ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾. ويلفت كتاب الله نظر الرسول الأعظم ﷺ إلى ما قد يحاوله اليهود من تحكيمه في بعض شؤونهم الملية، بالرغم عن وجود الأحكام الخاصة بتلك الشؤون منصوصا عليها في التوراة التي يدعون التزامهم لها، وإيمانهم بها، منبها إياه إلى أن غرضهم من مثل هذه المحاولات هو تفاديهم لأحكام التوراة، التي أخذوا يشعرون أنها - بالنسبة لأحكام الإسلام - أحكام قاسية تقضي بعقوبات مغلظة، تاركا للنبي ﷺ الخيار حسب الظروف، فإن شاء الحكم بينهم طبقا لطلبهم تدخل وحكم، وإن فضل الأعراض بالرغم من طلبهم لم يتدخل ولم يحكم، داعيا له إذا رجح التدخل والحكم، طبقا لطلبهم، إلى أن يحكم بينهم بالعدل المجرد، دون أي اعتبار للأغراض والأهداف التي قصدوها من وراء التحاكم إلى الرسول ﷺ ، بدلا من التحاكم مباشرة إلى التوراة. وبهذه المناسبة نوه كتاب الله بالتوراة التي أوحى الله بها إلى موسى، ولم يكتم أن في التوراة بالصيغة التي أنزلت عليها هدى ونورا، وإن كان القرآن الكريم مهيمنا على جميع الكتب المنزلة من قبله، وناسخا لما انتهى وقت العمل به منها. وذلك قوله تعالى: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ

стр. 450

يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ * إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾. وكلمة (الْمُقْسِطِينَ) في هذه الآية هي نقيض كلمة (القاسطين) التي وردت في آية أخرى، فالمقسط من عدل ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ والقاسط من ظلم ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾. وقوله تعالى: ﴿بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ﴾ إشارة إلى أن حفظ التوراة كان أمره موكولا إلى أحبار اليهود وعلمائهم أنفسهم، ولذلك وقع ما وقع من التحريف والتبديل عندما تهاونوا بحفظها والمحافظة عليها، وأخذوا يشترون بآياتها ثمنا قليلا، بخلاف القرآن العظيم فقد تعهد بحفظه رب العالمين الحفيظ العليم، ولم يكل الأمر إلى أحد من خلقه فقال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ وذلك هو السر في بقائه محفوظا مصونا من كل تحريف أو تغيير إلى يوم الدين، وهو السر في خلود وصمود لسان القرآن العربي المبين، رغما عن الحرب الدائرة، الخفية والظاهرة، التي تشهرها عليه القوات المعادية والمكابرة. ثم فصل كتاب الله ما أجمله في الربع الماضي من مبدأ

стр. 451

القصاص الذي سجلته التوراة وأقره الإسلام، فقال تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ وكما أمر الله تعالى بالقصاص، وجعله في هذا الباب هو الأساس، بالنسبة لأصحاب الحق فيه، الحريصين على استخلاصه بوجه شرعي، فقد فتح باب العفو وإسقاط القصاص في وجه أولئك الذين يفضلون العفو على المؤاخذة، ويسقطون حقهم في القصاص، إقفالا لباب الفتنة، ونشرا لروح التسامح بين الناس، وابتغاء المزيد من الطمأنينة والعيش في سلام ووئام، وذلك قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ واعتبر الإسلام هذا النوع من العفو كفارة لذنوب القتيل. وانتقلت الآيات الكريمة إلى الحديث عن عيسى بن مريم ﵇ وما أمر به من تصديق التوراة، وما نزل عليه من الإنجيل، ولم يكتم كتاب الله أن الإنجيل حسب الصيغة التي أوحى الله بها إلى عيسى هدى ونورا، وإن كان القرآن الكريم مهيمنا عليه، كما هيمن على التوراة المنزلة من قبله. ورغما عن الإسلام دعا اليهود والنصارى إلى الدخول فيه، والعمل بشريعته، فإن من اختار منهم البقاء على يهوديته أو نصرانيته، لم يجبره الإسلام على أن يتحاكم إلى الشريعة الإسلامية، بل أذن لليهود في تطبيق أحكام التوراة عليهم كما نزلت دون تحريف، وأذن للنصارى في تطبيق وصايا الإنجيل عليهم كما نزلت دون تحريف. وفتح الباب في وجه التدخل أو عدمه، في حالة ما إذا

стр. 452

توجه إليه اليهود أو النصارى أنفسهم بطلب التدخل. وعلى ضوء هذا التفسير ينبغي أن نفهم قوله تعالى: ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ﴾ على غرار الآية السابقة ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ﴾ أما التدخل في شؤونهم الملية أو عدمه فهو مرتبط بطلبهم الخاص ورغبتهم الخاصة، كما يدل عليه قوله تعالى: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾. ثم وجه كتاب الله خطابه إلى الرسول الأعظم ﵊، آمرا له بالحكم بين اليهود بعضهم مع بعض، وبين النصارى بعضهم مع بعض، إذا جاؤوا إليه طالبين تدخله وحكمه، على أن لا يتأثر حكمه عليهم بأي اعتبار خارج عن مقتضى العدل المجرد والحق الصراح ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾. وعقب على ذلك بما معناه أنه بعد إقامة الحجة على صدق الدين الحق الذي هو دين الإسلام، ودعوة اليهود والنصارى إلى الدخول فيه، وامتناع من امتنع منهم، وإصراره على الاحتفاظ بيهوديته أو نصرانيته، لم يبق أمام الإسلام بالنسبة للمصرين على ما هم فيه إلا موقف واحد، هو موقف السماح لهم بالبقاء على دينهم والتحاكم إلى كتابهم، فلليهود توراتهم، وللنصارى إنجيلهم، وذلك قوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾.

стр. 453

أما الذين أسلموا من المشركين والكتابيين وكافة الأمم والملل فكتابهم الوحيد هو مسك الختام للوحي الإلهي وخاتمة كتبه المنزلة، وهو كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والذي هو في آن واحد مصدق لما بين يديه، ومهيمن عليه، أي أنه مصدق لما في الكتب السابقة من حقائق إيمانية، وتشريعات سماوية، وتوجيهات إلهية، لكنه حاكم عليها كلها، بمعنى أن ما ينسب إليها إن أثبته وصدقه كان حقا وصدقا، وإن نفاه وكذبه كان زورا وبهتانا، وإن أقر منها تشريعا كان تشريعا للمسلمين كما هو تشريع لمن قبلهم، وإن نسخ منها تشريعا وألغاه اعتبره المسلمون كأن لم يكن. يضاف إلى ذلك أن كتاب الله يعتبر في الدولة الإسلامية هو الدستور الأساسي العام، الذي يعيش في ظله جميع المتساكنين في دار الإسلام، من كافة الملل والأقوام، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾. وقوله تعالى في سياق هذه الآيات: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ - ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ تنبيه إلى أن خصوم الشريعة الإلهية في الأرض هم ثلاثة أصناف: ١ - كافرون: لا يؤمنون بالله ولا برسله ولا بكتبه، فهم يفضلون شريعة الغاب على شريعة الكتاب.

стр. 454

٢ - وظالمون: لا يجدون في شريعة العدل والحق ما يؤيد ظلمهم، ويدعم بغيهم. ٣ - وفاسقون: لا تقع أيديهم في شريعة الله على أي سند يبيح لهم الفجور والفسوق، والاستهتار والعقوق. فهؤلاء الأصناف الثلاثة هم خصوم شريعة الله، وعليهم ألقى كتاب الله أضواءه الكشافة حتى تسفل كلمتهم في الأرض، ولا تعلو فيها إلا كلمة الله.

стр. 455

الربع الثالث من الحزب الثاني في المصحف الكريم (ق) ــ وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (٤٩) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥١) فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ (٥٢) وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ (٥٣) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ

стр. 456

عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٥٤) إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (٥٥) وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ (٥٦) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٥٧) وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ (٥٨) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ (٥٩) قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (٦٠) وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ (٦١) وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ

стр. 457

لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٦٢) لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (٦٣) وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٦٤) وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٦٥) وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ (٦٦)

стр. 458

الربع الثالث من الحزب الثاني عشر فى المصحف الكريم (ت) عباد الله في هذه الحصة نتناول الربع الثالث من الحزب الثاني عشر في المصحف الكريم، وبدايته قوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ ونهايته قوله تعالى: ﴿مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾. ــ يبتدئ هذا الربع، بخطاب موجه إلى الرسول الأعظم ﷺ ، آمرا له أن يحكم بما أنزل الله، وأن لا يتأثر بأهواء المحكومين لفتنته عن بعض ما أنزل الله إليه. وإذا كان الخطاب الإلهي يتوجه إلى الرسول ﷺ بمثل هذه الأمور والنواهي، وهو المتميز عن غيره بالعصمة والرسالة - حرصا على إحقاق الحق وإبطال الباطل، وإقامة العدل المطلق بين الناس - فمن باب أولى وأحرى أن يوجه هذا الخطاب الإلهي إلى غير المعصومين من ولاة المسلمين الحاكمين بين الناس من بعده، ومن باب أولي وأحرى أن تساق إليهم هذه الأوامر والنواهي، بل إنهم هم

стр. 459

المقصودون بالذات من هذا الخطاب الموجه في الظاهر إلى الرسول الأعظم ﷺ إذ هم وحدهم - دون الرسول - المعرضون للتأثر بأهواء المحكومين والمخالفين، على حساب الحق، وهم وحدهم المعرضون للفتنة عن العدل. والفتنة أنواع وأشكال، من بينها فتنة الرشوة، وفتنة البطانة والحاشية، وفتنة العداوة والصداقة، وفتنة الشفاعات والوساطات، وفتنة الانحراف والتحريف، وفتنة الآراء الفاسدة والنظريات الباطلة. وذلك قوله تعالى في خطابه إلى الرسول وهو خطاب إلى المؤمنين عن طريقه ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾. وتنتقل الآيات الكريمة إلى وصف أولئك الذين يولون الأدبار ويتراجعون عن الحكم بما أنزل الله تعالى، مفضلين التقهقر إلى الوراء، وناظرين إلى شريعة الله، إما شزرا، وإما بالاستخفاف والاستهزاء. وتبين نفس الآيات أن الوصول إلى هذا الحد الأقصى من الانحراف إنما هو نتيجة حتمية لانحرافات تدريجية سابقة، ونوع من أنواع العقاب الإلهي لأولئك المنحرفين الفاسقين، على ذنوبهم التي ارتكبوها وأصروا عليها إصرارا، وذلك قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ﴾. ويرفع كتاب الله النقاب عن خصوم الشريعة وأعدائها، ويبين السر الخفي والدافع الحقيقي لخصومتهم لها في السر والعلن، ذلك

стр. 460

أنهم يفضلون شريعة الغاب على شريعة الكتاب، لأنهم يجدون في كنف الأولى كل ما يحقق أغراضهم المنحرفة من الوسائل والأسباب، وحكم الغاب بالنسبة للإسلام هو حكم الجاهلية الأولى، وحكم الجاهلية هو حكم الهوى لا حكم الحق، وحكم العصبية لا حكم العدل، وحكم الطبقية لا حكم المساواة، وحكم الاستغلال لا حكم الإنصاف، وحكم الإباحة لا حكم ضبط النفس، وحكم الفوضى لا حكم النظام، وحكم الفواحش والخبائث لا حكم المكارم والطيبات، وبالجملة فحكم الجاهلية هو الحكم الذي يوحي به الشيطان، والنقيض الطبيعي التام من كل الوجوه، ومن جميع زوايا النظر، لحكم الحكيم الرحمان. ومن أراد أن يستحضر مثالا حيا لثمرة حكم الجاهلية وثمرة حكم الإسلام، والوليد الشرعي لكل منهما، فليتذكر كيف كان المجتمع العربي في العهد الجاهلي، وكيف أصبح في العهد الإسلامي، وكيف كانت رقعة العالم، الذي أصبح فيما بعد عالما إسلاميا، كيف كانت قبل الإسلام وكيف عادت بعده. وهذا ما يشر إليه قوله تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾. وبطريق الإيماء تفيد هذه الآية الكريمة معنى دقيقا وصريحا لا مناص من لفت النظر إليه، ألا وهو أن كل حكم لم يكن مطابقا لما أنزل الله، ولا مستندا إلى ما أنزله، ولا منسجما مع روحه، ولا مستنبطا منه أو راجعا إليه، أو دائرا في فلكه، بوجه من وجوه الاستنباط وطريقة من طرق الاجتهاد، فهو مندرج تحت حكم
следующие страницы →