Полный текст (2 848 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.
стр. 666
الربع الأخير من الحزب السابع عشر
في المصحف الكريم (ق)
ــ
وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (١٥٦) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧) قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا
стр. 667
الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨) وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٥٩) وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١٦٠) وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (١٦١) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ (١٦٢) وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ
стр. 668
حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٣) وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٦٤) فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٥) فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (١٦٦) وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٦٧) وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (١٦٨) فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ
стр. 669
لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٦٩) وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ (١٧٠)
стр. 670
الربع الأخير من الحزب السابع عشر
في المصحف الكريم (ت)
عباد الله
في حديث هذا اليوم نتناول الربع الأخير من الحزب السابع عشر في المصحف الكريم، ابتداء من قوله تعالى: ﴿وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾.
ــ
قوله تعالى في بداية هذا الربع: ﴿وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ﴾ جزء من دعاء موسى ﵇، وهو تتمة لدعائه الوارد في نهاية الربع الماضي: ﴿أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ﴾ وهذا الدعاء من حق كل مؤمن يؤمن بالله ورسوله وكتبه أن يدعو به لنفسه ولكافة المؤمنين.
وبعد الانتهاء من هذا الدعاء الشامل لخير الدنيا وخير الآخرة، يبدأ خطاب إلهي عام في موضوع العذاب والثواب، والنعمة والنقمة، ومضمون هذا الخطاب أن رحمة الله العامة تسع كل شيء مما يشاء، وأن عذابه يصيب به من يشاء، وإذا كانت الرحمة شاملة للنبات والحيوان والإنسان وكافة المخلوقات، فإن العذاب إنما يكون بالمرصاد لأعداء الله المتمردين على أوامره، من
стр. 671
خصوم النبوات والرسالات، وذلك قوله تعالى: ﴿قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ ولا يفهمن أحدا من هذه الآية أن الله يعذب من يشاء من عباده دون مبرر للعذاب، فإرادة الله المطلقة إرادة حكيمة، ومشيئته الحرة من كل قيد مشيئة عادلة، بمقتضى قوله تعالى: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾، وقوله تعالى في آية أخرى ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ وأخرج الإمام مسلم في صحيحه من حديث سلمان الفارسي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إن لله مائة رحمة، فمنها رحمة يتراحم بها الخلق، وبها تعطف الوحوش على أولادها، وأخر تسعة وتسعين إلى يوم القيامة﴾.
ثم نبه كتاب الله إلى أن هناك رحمة خاصة زائدة على الرحمة العامة التي تشمل البر والفاجر، والمؤمن والكافر، والنبات والحيوان، وجميع المخلوقات المنتشرة في الأكوان، وهذه الرحمة الخاصة اقتضت حكمته واستوجب عدله أن تكون قاصرة على خير أمة أخرجت للناس، متى حافظت على خيريتها ولم تتنازل عن هويتها، وذلك ما وعدها به الحق وعد حق وصدق إذ قال تعالى: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا﴾ أي الرحمة الخاصة، وتندرج تحتها عدة نعم جليلة ودقيقة، في الدنيا والآخرة: ﴿لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾.
стр. 672
وهذه الآيات الكريمة تتناول صفات الرسول ﷺ التي يشترك فيها مع غيره من الأنبياء والرسل السابقين: ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ كما تبرز أهم الصفات، التي ميزته أولا ﴿النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ﴾ والتي ميزت رسالته عن بقية الرسالات ثانيا: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ أي يضع عنهم التكاليف الثقيلة التي كانت شائعة قبل الإسلام، بمعنى أنه جاء بدين طبعه الله بطابع السماحة واليسر، كما قال الرسول ﷺ : (بعثت بالحنيفية السمحة) وقال ﷺ : (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) وقال ﷺ : (إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تقل أو تعمل).
وتتناول نفس الآيات صفات أتباع الرسول ﵇ من صالحي المؤمنين، فهم أهل إيمان وإحسان، وتقوى وإتباع، وهم أهل وفاء وثبات على العهد الذي عاهدوا الله عليه، من نصرة رسوله، وبذل الأرواح في سبيله في كافة الظروف وجميع البقاع: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (١٥٦) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ﴾ - ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾.
ومما تنبغي ملاحظته هنا ما كررته الآية الكريمة هنا من صفة الإتباع التي هي شارة التكريم والتشريف، وموضع الأفضلية والخيرية للأتباع، فقد كررتها الآية مرتين، بصيغة المضارع الدالة على تجدد العمل حينا بعد حين: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ﴾ وبصيغة الماضي الدالة على وقوع الإتباع فعلا، لا قولا،
стр. 673
وعملا لا ادعاء، ﴿وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ﴾ وكان مسك الختام في هذا المقام، تلك الإشارة الكريمة ذات المغزى البعيد، والطالع السعيد، ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ أي هم الفائزون لا غيرهم، وغيرهم خاسرون حتما، دنيا وأخرى.
وفي قوله تعالى: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ نقطة مهمة يجب الوقوف عندها، ذلك أن سورة الأعراف سورة (مكية) و (الزكاة) بالمعنى الذي تعرف به بين المسلمين الآن فريضة (مدنية)، فما معنى (الزكاة) إذن في سورة الأعراف وما ماثلها من السور المكية، مثل سورة فصلت التي ورد فيها في سياق ذم المشركين قوله تعالى: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ * الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾؟.
والجواب الذي أجاب به المحققون عن مثل هذا السؤال هو أن اسم (الزكاة) أطلق أولا بصفة إجمالية لم يكن فيها تقرير لمقادير خاصة، ولا تعيين لأنصبة معينة، ولما كثر عدد المسلمين بمكة نوعا ما فرض الله على أهل الأموال أن يعطوا للمحتاجين صدقة من زرعهم ونخلهم وثمارهم، بقوله تعالى في سورة الأنعام المكية، وهي من آخر ما نزل بمكة: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾. وعندما تألفت جماعة المسلمين بالمدينة من المهاجرين والأنصار قام الأنصار بمواساة المهاجرين، وآثروهم على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، وكانوا يعتبرون تلك العطايا واجبة عليهم، لأن القرآن كرر الأمر بها، وسماها (زكاة) وقرنها بالصلاة، وهكذا كانت الزكاة في أول الإسلام مفروضة على المسلمين بوجه إجمالي غير
стр. 674
مفصل، وكانت مقاديرها ومواقيتها موكولة إلى أريحية المؤمنين أنفسهم وتقديرهم للظروف دون أي تحديد، اعتمادا على الوازع الديني المجرد، الذي يحث على التقرب إلى الله بكل ما فيه رضاه. وإنما فرضت الزكاة المعينة المحددة الأنواع والأنصبة والمواقيت في سنة اثنتين أو ثلاث بعد الهجرة إلى المدينة، فكان منها زكاة الأنعام، وزكاة الثمار، وزكاة النقدين، وقد بين رسول الله ﷺ وجوبها والحكمة في فرضها في غير ما حديث، ومن ذلك قوله لمعاذ وهو يودعه حين بعثه إلى اليمن: (فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم زكاة أموالهم، تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم). وهكذا مرت الزكاة بعدة مراحل، ممن فصل القول فيها الشيخ محمد الطاهر " ابن عاشور " في كتابه " أصول النظام الاجتماعي في الإسلام "، وهو في ذلك متفق معنى وروحا مع ما قرره الإمام أبو إسحاق الشاطبي في كتابه " الموافقات " حول التشريع المكي والتشريع المدني وما بينهما من علاقة وتدرج. ثم خاطب الحق خاتم أنبيائه ورسله مكلفا إياه أن يبلغ الرسالة التي تلقاها من عند الله إلى جميع الناس، فهو رسول الله إلى كافة السلالات والأجناس، وهو رسول الله إلى من عاصره وإلى كل من يأتي بعده إلى يوم الدين: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾. كما كلفه بأن يدعوهم جميعا إلى الإيمان بالله ورسوله، وأن يأمرهم بإتباعه إن أرادوا الهدى والبعد عن الضلال: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ فالسر كله في الإتباع " إتباع الهدى المحمدي " والشر كله في الابتداع " ابتداع الضلالات والبدع ".
стр. 675
ومن هنا انتقل كتاب الله مرة أخرى إلى الحديث عن بني إسرائيل، وكان ذلك عودا على بدأ، فأشارت الآيات الكريمة إلى معجزة جديدة أبرزها الله على يد موسى وعصاه: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ وفي نفس الموضوع ورد قوله تعالى في سورة البقرة المدنية: ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ الآية، ثم عقب كتاب الله على ذلك قائلا: ﴿وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾.
وجاء دور بني إسرائيل في الانحراف من جديد، ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ﴾ و " الرجز " إما العذاب أو الغضب أو الطاعون، وورد في سورة البقرة المدنية قوله تعالى في نفس الموضوع: ﴿فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾.
وجاء دور بني إسرائيل في التحايل على التخلص من أوامر الله والتحلل من نواهيه، وبذلك وضعوا سابقة " الحيل " في الشريعة والدين: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا﴾ أي ظاهرة على الماء من كل مكان: ﴿وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾.
стр. 676
وأعلن كتاب الله نوع العقاب الصارم الذي عاقبهم به جزاء تحايلهم على أوامره، وتحللهم من نواهيه، إذ قال تعالى: ﴿فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ * وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ وفي قوة هذه الصيغة ما يفيد معنى القسم، و " تأذن " بمعنى أمر وأعلم، وقال تعالى: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا﴾ على غرار ما سبق في سورة البقرة المدنية: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ * فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ، فجعلناها نكلا لما بين يديها وما خلفها وموعظة للمتقين﴾.
وأخيرا كشف كتاب الله النقاب عن الحكمة الإلهية فيما تقلب فيه بنو إسرائيل - ولا يزالون يتقلبون - من أطوار، بين الشدة والرخاء، والسراء والضراء، والنعمة والنقمة، فقال تعالى: ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾. لكنهم استمروا على خيانة العهد كلما عاهدوا، وعلى نقض الميثاق كلما واثقوا: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ﴾ إلا أنهم ما لبثوا أن جعلوا كتابهم بضاعة للبيع والشراء، حسب مقتضيات الأغراض والأهواء: ﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ﴾؟.
وختم هذا الربع مؤكدا أن الدار الآخرة هي أحق من الدنيا بالعمل من أجلها والرجاء فيها، وهي خير للمتقين من كل الوجوه: ﴿وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ ومنوها بالأجر العظيم الذي
стр. 677
ادخره الله للصالحين من عباده، الذين يصلحون في الأرض ولا يفسدون، وللمتمسكين بكتابه، الذين لا يكتمون ما أنزل الله ولا يشترون به ثمنا قليلا: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾.
стр. 678
الربع الأول من الحزب الثامن عشر
في المصحف الكريم (ق)
ــ
وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧١) وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (١٧٣) وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (١٧٤) وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (١٧٥) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ
стр. 679
ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (١٧٦) سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ (١٧٧) مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٧٨) وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩) وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠) وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٨١) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (١٨٢) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (١٨٣) أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (١٨٤) أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (١٨٥) مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٨٦) يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ
стр. 680
رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (١٨٧)
стр. 681
الربع الأول من الحزب الثامن عشر
في المصحف الكريم (ت)
عباد الله
في حصة هذا اليوم نتناول الربع الأول من الحزب الثامن عشر في المصحف الكريم، ابتداء من قوله تعالى: ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
ــ
أول آية في هذا الربع، هي آخر آية من قصة بني إسرائيل وردت في سورة الأعراف، وسبق في نهاية الربع الماضي الحديث عن " ميثاق الكتاب " الذي أخذه الله عليهم كما أخذه من بعد على غيرهم: ﴿أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾.
وفي بداية هذا الربع أشار كتاب الله على سبيل التذكير إلى الظرف الذي أخذ عليهم فيه ذلك الميثاق، وهو ظرف لا ينسى، إذ تمت فيه إحدى معجزات موسى ﵇، ذلك أن الله أوحى إلى الجبل، فاتقلع وارتفع في السماء، حتى كأنه مظلة تظللهم من فوق رؤوسهم، فلما رأوا الجبل على تلك الحالة قال لهم موسى عليه
стр. 682
السلام ألا ترون ما يقول ربي : (لئن لم تقبلوا التوراة بما فيها لأرمينكم بهذا الجبل)، وذلك ليقروا بميثاق الكتاب، ويحسبوا له كل حساب، فلم يسعهم حينئذ إلا القبول بعد التردد، والإقرار بعد التقاعس، نزولا على حكم هذه المعجزة الخارقة للعادة، وإلى المعنى الرئيسي الذي هو محور هذه القصة تشير الآية الكريمة بإيجاز: ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ﴾ أي رفعناه فوق رؤوسهم ﴿كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ﴾ من الظل، وجمعها ظلل ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ﴾ أي ساقط عليهم ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾.
وقوله تعالى هنا: ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ الآية، أمر إلهي موجه رأسا لبني إسرائيل، على غرار الأمر الإلهي الموجه إلى موسى نفسه، ﴿فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا﴾، وقد سبق في الربع الثالث من الحزب الماضي، والمراد به أن يأخذوا ميثاق الكتاب بجد وحزم وعزم وامتثال كامل، وقد تناول كتاب الله نفس القصة أيضا في سورة البقرة المدنية، حيث قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ الآية. كما تناولها في سورة النساء المدنية أيضا، حيث قال: ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ﴾. ولفظ الطور الوارد في سورة البقرة والنساء المدنيتين المراد به " الجبل " كما ورد هنا في سورة الأعراف: ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ﴾ إذ القرآن يفسر بعضه بعضا، وقد نص على هذا التفسير ابن عباس ومجاهد وعطاء وعكرمة والحسن والضحاك والربيع ابن أنس وغيرهم من مفسري السلف كما نقله ابن كثير.
стр. 683
ثم انتقلت الآيات الكريمة في هذا الربع إلى الحديث عن أقدم وأول ميثاق أخذه الله على كافة العباد، وهم لا يزالون في أصلاب آبائهم سرا مكنونا في عالم الغيب، وهذا الميثاق هو ميثاق فطرة الله التي فطر الناس عليها، وهو يتضمن في جوهره الإقرار بربوبية الله وبعبودية الإنسان، على أساس من التوحيد والإيمان. فما من إنسان إنسان وكل إلى فطرته الأولى، ولم تتعرض فطرته لعوامل التشويه والإفساد، إلا وهو مقر بألوهية الله وربوبيته للعباد، ومعترف من أعماق قلبه بهذا الميثاق، وملتزم بجميع نتائجه وآثاره على الإطلاق، دون معارضة ولا جحود، ودون أي قيد من القيود، مصداقا لقوله تعالى، ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ حتى ما إذا وقع الإنسان بين أيد غير أمينة، فعملت على تشويه فطرته وإفسادها، انحرف عن الفطرة السليمة، واختلطت عليه العقيدة الصحيحة بالمعتقدات السقيمة، ونسي الميثاق الأزلي المعقود بين فطرته وبين ربه، ووقع في شرك الشيطان وحزبه.
وقد أشار كتاب الله في هذا السياق، إلى أن الحكمة الإلهية في المبادرة في أخذ هذا الميثاق هي قطع كل عذر لمن نكث بعد ذلك بالعهد، وإسقاط كل حجة لمن لم يبر بالوعد، مصداقا لقوله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ وإلى هذه المعاني مجتمعة يشير قوله تعالى هنا في إيجاز وإعجاز: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾ وكشف كتاب الله عما قد ينتحلونه من الأعذار
стр. 684
لشركهم وكفرهم: ﴿أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾.
ثم عقب كتاب الله على ذلك كله، مبينا أنه إنما يفصل الآيات تفصيلا، لتتضح حقيقة الإيمان الكبرى، وليعود السفهاء الضالون إلى طريق الرشد والهدى، والمبطلون المنحرفون إلى جادة الحق والصواب: ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾.
روى الإمام مسلم في صحيحه أن رسول الله ﷺ قال (يقول الله إني خلقت عبادي حنفاء، فجاءتهم الشياطين، فاجتالتهم عن دينهم - أي صرفتهم عنه- وحرمت عليهم ما أحللت لهم). وفي الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: (كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه) الحديث.
وانتقلت الآيات الكريمة لوصف صورة من صور الانحراف، الذي طالما تعرضت له فطرة الإنسان في مختلف العصور، فضربت المثل بحالة المكذبين بآيات الله بعد معرفتها، أولئك الذين ينزلون بانحرافهم من أعلى الدرجات إلى أسفل الدركات. وتشمل هذه الصورة بالخصوص من يكرمه الله بمعرفة آياته ليؤدي حقها في نفسه، وليبلغ رسالتها إلى الناس، ثم يستحوذ عليه الشيطان، فلا يلبث أن ينقلب به الحال، ويصيبه الخبال، ويستبدل بالعطاء سلبا، وبالهدي ضلالا، فيعرض عن النظر في آيات الله، ويعلن الحرب على الله، وينسلخ من دينه وعهده، كما ينسلخ الحيوان الذبيح من
стр. 685
جلده، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ﴾ أي استحوذ عليه وجعله تابعا ومطيعا له طاعة عمياء ﴿فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ أي من الحائرين الهالكين: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ﴾ أي أنه بدلا من أن يرتفع إلى أعلى الدرجات، بما أكرمه الله به من الآيات، تنكب طريق الرفعة، واختار لنفسه السقوط إلى الحضيض، والنزول إلى أسفل الدركات، وقوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ على غرار قوله تعالى في آية أخرى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ فهواه عنده هو الدين المتبع: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ﴾ وما أهون على الله وعلى الناس من يصفه كتاب الله بهذا الوصف المشين: ﴿إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾ أي أنه إذا زجر لم ينزجر، وإذا أهمل لم يعتبر، وهذا المعنى قريب من قوله تعالى في آية أخرى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.
ثم عقب كتاب الله على ما وصف به المذبذبين الذين تعرضوا للسلب بعد العطاء من وصف مثير فقال تعالى: ﴿ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾. وبين كتاب الله أن هذا النوع من الخلق هم أقبح مثل بين الناس، لأن الأفكار الخبيثة التي ينشرونها، والطرائق الفاسدة التي يسلكونها، تفعل بأتباعهم المخدوعين، ما لا تفعله الأوبئة والطواعين: ﴿سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ معناه أن من رضي لنفسه أن يهتدي بهدى
стр. 686
الله واستعمل ما وهبه الله من ملكات ومواهب استعمالا رشيدا، واتجه بها كلها اتجاه خير وتقوى وصلاح كان مهتديا وفائزا حقا وصدقا، مصداقا لقوله تعالى في آية أخرى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ ومن أعرض عن ذكر ربه واستعمل ما وهبه الله من ملكات ومواهب استعمالا سفيها، واتجه بها كلها اتجاه شر وفسق وفساد كان ضالا وخاسرا، أولا وآخرا، مصداقا لقوله تعالى في آية أخرى: ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ وعلى مثل هذا الصنف يصدق قوله تعالى في أواخر هذا الربع: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾.
ونبه كتاب الله في سياق حديثه عن كثرة أهل النار من أين تتكون، إلى أن الحكمة الإلهية فيما آتاه الله للإنسان من حواس لطيفة متنوعة، وأجهزة دقيقة مختلفة، هي أن تكون نوافذ له يطل منها على الحقائق التي تحيط به من حوله، فإن لم يستعملها للملاحظة والتجربة، وإن لم ينتفع بها في التدبر والاعتبار، واستقصاء حقائق الأشياء القريبة والبعيدة، الحاضرة والغائبة، لم يختلف عن الحيوانات العجماء في شيء، بل إنه ليكون أقل منها درجات وأضل سبيلا، إذ إن الحيوانات العجماء - بحكم ما غرز الله فيها من غرائز بسيطة - تؤدي جميع المهام الموكولة إليها في حدود إحساسها الغريزي على أحسن وجه، وهي لا تعرف أي انحراف عنها أو انصراف، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ
стр. 687
أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾.
ونوه كتاب الله بالهادين المهتدين من أهل الحق والعدل، كما أنذر الضالين المضلين من أهل الباطل والظلم، وأعلن عن استدراجه إياهم، وإهماله لهم، في انتظار أخذهم على بغتة أخذا وبيلا: ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ * وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ * وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ ومن هدده بالكيد له رب العالمين، كان من غير شك أخسر الخاسرين في الدنيا والدين.
стр. 688
الربع الثاني من الحزب الثامن عشر
في المصحف الكريم (ق)
ــ
قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١٨٨) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٨٩) فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٩٠) أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (١٩١) وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٢) وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ (١٩٣) إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ
стр. 689
أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٩٤) أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ (١٩٥) إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ (١٩٦) وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٧) وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَسْمَعُوا وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (١٩٨) خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٠٠) إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ (٢٠١) وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ (٢٠٢) وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٢٠٣) وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٢٠٤) وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي
стр. 690
نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ (٢٠٥) إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ (٢٠٦)
٨ - سورة الأنفال مدنية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)
стр. 691
الربع الثاني من الحزب الثامن عشر
في المصحف الكريم (ت)
عباد الله
حديث هذا اليوم نتناول فيه الربع الثاني من الحزب الثامن عشر في المصحف الكريم، ابتداء من قوله تعالى في سورة الأعراف المكية: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ إلى قوله تعالى في سورة الأنفال المدنية: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾.
ــ
في بداية هذا الربع، يتلقى خاتم الأنبياء والمرسلين من رب العالمين، أمرا إلهيا بقصد التعليم والتلقين لجميع المؤمنين، وهذا الأمر يرمي إلى إزالة كل شك أو ريب، في أن الله وحده هو النافع الضار، والمنفرد بالتصرف المطلق في خلقه دون غيره، ولو كان هذا الغير نبيا أو رسولا، ولو كان هذا الغير خاتم الأنبياء والمرسلين، ويتضمن هذا الأمر تعريف الناس أجمعين بأن الرسول لا يملك حتى لنفسه نفعا ولا ضرا، رغما عن كونه يحمل شارة الرسالة، المؤذنة باصطفائه واختياره على جميع الخلق، ورغما عن كونه في أعلى درجات القرب من الله والحصول على رضاه، وإذا كان الرسول الكريم في منطق القرآن السليم، يعلن عن نفسه، بأمر من ربه،
стр. 692
أنه لا يستطيع لنفسه نفعا ولا ضرا، فمن باب أولى وأحرى أن يكون إعلانه عن هذه الحقيقة شاملا لغيره من بقية الناس. وهذه تربية من الله لعباده، وإرشاد لهم بهذا الأسلوب المباشر، حتى لا تختلط في أذهانهم ولا في عقائدهم خصائص الألوهية بخصائص النبوة.
وتأكيدا لنفس المعنى مضى الخطاب الإلهي يلقن الرسول الأعظم ﷺ ماذا ينبغي أن يعلم لأمته حتى لا تضل سواء السبيل، فأثبت بأسلوبه الخاص أن علم الغيب بالأصالة إنما هو من اختصاص علام الغيوب وحده: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾، لكن يحدث أحيانا أن يتكرم الحق ، ويظهر على شيء من غيبه بعضا من خواص خلقه، وذلك لحكمة إلهية، وهذا لا يعدو أن يكون " منحة ربانية " لهم في بعض الظروف، مصداقا لقوله تعالى في سورة الجن المكية: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾.
وأوضح كتاب الله هنا فيما لقنه لرسوله الأعظم ﷺ أن الرسول لو كان يعلم الغيب فعلا لانتفع بعلم الغيب فيما يتناوله من شؤون، ولتفادى بفضله كثيرا من الأحداث والمفاجآت، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى على لسان رسوله ﷺ : (وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ).
ومن التفاسير التي أوردها ابن جرير الطبري لهذه الآية: (لو كنت أعلم الغيب لأعددت للسنة المجدبة من السنة المخصبة،
стр. 693
ولوقت الغلاء من وقت الرخص، ولاجتنبت ما يكون من الشر قبل أن يكون). وقال القاضي عبد الجبار: " المراد لو كنت أعلم الغيب وقت خروجي من الدنيا لاستكثرت من الخير والطاعة، فقد كان ﷺ لا يعرف قدر أجله، ولو عرفه لزاد في الطاعات أضعافا، وليس المراد لاستكثرت من الخير فيما يتصل بلذات الدنيا، وقد يحتمل: لاستكثرت من الخير في دفع المضار عن نفسي والمؤمنين ".
ثم أكد كتاب الله على لسان رسوله الأعظم ﷺ أن اختصاص الرسالة على وجه الأصالة لا يتجاوز البشارة والنذارة، فهو " بشير ونذير " للناس أجمعين، ولاسيما للمؤمنين الذين هم ثلة من الأولين وقليل من الآخرين، وذلك قوله تعالى بصيغة الحصر: ﴿إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾.
وانتقل كتاب الله إلى وصف حالة يختلط فيها الإيمان بالشرك عند كثير من الناس، ذلك أن الله تعالى طبع الإنسان، ذكرا وأنثى، على حب الذرية والرغبة في إنجاب الأولاد، ومن أجل تحقيق هذه الرغبة يستعمل بعض الناس لجهلهم كل الوسائل الممكنة، حتى الوسائل غير المشروعة، لاسيما إذا طال على بعضهم الانتظار وامتد به الأمد، وهكذا يصبح الزوج والزوجة في قلق واضطراب، تارة يستجيبان لفطرة الله فيتوجهان بدعائهما ورجائهما في إنجاب الولد إلى الله، وتارة ينحرفان عن الفطرة فيعقدان الأمل والرجاء على غير الله، ويظهر أثر ذلك فيما يقدمه الأب أو الأم من نذر إلى غير الله، ومن اعتقاد بأن ذلك الغير كان له تأثير مباشر في تحقيق مناه، أيا كان ذلك الغير، صنما أو إنسانا، حيا أو ميتا.
стр. 694
وإلى وصف هذه الحالة وما ماثلها يشير قوله تعالى هنا: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ﴾ والتغشي هنا كناية عن المباشرة، وهو تعبير منسجم مع قوله تعالى في آية أخرى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ ﴿فلما أثقلت﴾ أي صارت ذات ثقل بحملها: ﴿دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا﴾ أي الزوج والزوجة ﴿لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا﴾ أي لئن أعطيتنا بشرا سويا ووليدا غير مشوه ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ * فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا﴾ أي أعطاهما الله مولودا سليما كما طلبا ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ أي نسيا الله تعالى، ونسبا نجاح الحمل ونجاح الولادة إلى غير الله من الأصنام والأوثان، أو إلى غير الله من أهل الصلاح المشهورين بين أهل الملل والأديان: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ * أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾. ويتصل بهذا الموضوع قوله تعالى في هذه السورة: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾، وقوله تعالى في سورة لقمان: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾.
وبعدما لقن كتاب الله خاتم أنبيائه ورسله حججه البالغة ليقارع بها الشرك وأهله، ويبطل بها أباطيلهم وأضاليلهم من أساسها، عاد إلى رسوله بالمواساة والتوجيه، ليثبت فؤاده على الحق، وليسلك به مسالك الأناة والصبر، وليمده بمدد روحي جديد يستعين به على تحمل الأذى، ومواجهة الجفاء، فقال تعالى مخاطبا لنبيه: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ * وَإِمَّا
стр. 695
يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.
قال قتادة: " هذه أخلاق أمر الله نبيه ﷺ ودله عليها " وقال القاضي أبو بكر " ابن العربي ": " قال علماؤنا هذه الآية من ثلاث كلمات، قد تضمنت قواعد الشريعة في المأمورات والمنهيات، حتى لم يبق فيها حسنة إلا أوضحتها، ولا فضيلة إلا شرحتها، ولا أكرومة إلا افتتحتها، وأخذت الكلمات الثلاث أقسام الإسلام الثلاثة. فقوله تعالى: ﴿خذ العفو﴾ تولى بالبيان جانب اللين ونفي الحرج في الأخذ والإعطاء والتكليف، وقوله تعالى، ﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ تناول جانب المأمورات والمنهيات؛ وأنهما ما عرف حكمه، واستقر في الشريعة موضعه، واتفقت القلوب على علمه. وقوله: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ تناول جانب الصفح بالصبر، الذي به يتأتى للعبد كل مراد في نفسه وغيره. ولو شرحنا ذلك على التفصيل لكان أسفارا ".
وعلى عكس ما فهم بعض المتأخرين من كلمة " العرف " الواردة هنا، فحملها على الأعراف والعادات، نبه القاضي أبو بكر " ابن العربي " وغيره من المفسرين والفقهاء إلى أن المراد بالعرف في هذا السياق هو " المعروف من الدين، المعلوم من مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، المتفق عليه في كل شريعة ". وقد امتثل رسول الله ﷺ أوامر ربه حق الامتثال، وطبقها في حياته وسلوكه على التمام والكمال، ثم بسط القاضي أبو بكر " ابن العربي " القول في تفسير هذه الآية وتحليلها فقال: " أما العفو فإنه عام في متناولاته، ويصح أن يراد به: خذ ما خف وسهل مما تعطى، فقد كان رسول الله ﷺ يقبل من الصدقة التمرة والقبضة والحبة والدرهم والسمل
стр. 696
" الثوب البالي " ولا يلمز شيئا من ذلك ولا يعيبه، ولقد كان يسقط من الحقوق ما يقبل الإسقاط، حتى قالت عائشة في الحديث الصحيح (ما انتقم رسول الله لنفسه قط).
" وأما الاحتمال، فلقد كان ﷺ يصبر على الأذى ويحتمل الجفاء، حتى قال ﷺ : (يرحم الله موسى، لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر).
" وأما مخالقة الناس وملاطفتهم فقد كان أقدر الخلق عليها وأولاهم بها: فإنه كان ﷺ يلقى كل أحد بما يليق به، من شيخ وعجوز، صغير وكبير، وبدوي وحضري، وعالم وجاهل، ولقد كانت المرأة توقفه في السكة من سكك المدينة فيقف لها، ولقد كان يقول لأخ صغير لأنس: يا أبا عمير ما فعل النغير، متلطفا ومؤنسا " والنغير تصغيرالنغر " وهو طائر يشبه العصفور أحمر المنقار. ولقد كان يكلم الناس بلغاتهم " أي بلهجتهم " تأنيسا لهم وتطييبا لخواطرهم " كلام ابن العربي ".
وقوله تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ورد معناه في كتاب الله في آيتين أخريين، وإحداهما في سورة ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ وهي قوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ * وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ وثانيتهما في سورة (حم السجدة) وهي قوله تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ قال ابن كثير: " ولا رابع لهن في كتاب الله ".
وأصل " النزغ " الفساد، إما بالغضب أو بغيره، و " العياذ بالله "
стр. 697
هو الاستجارة به من الشر، والالتجاء والاستناد إلى حمايته سبحانه، قال ابن جرير في تفسير هذه الآية: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ﴾ أي وإما يغضبنك من الشيطان غضب يصدك عن الإعراض عن الجاهل، أو يحملك على مجازاته ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ أي فاستجر بالله من نزغه: ﴿إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ أي ﴿سَمِيعٌ﴾ لجهل الجاهل عليك والاستعاذة به من نزغه، وسميع لغير ذلك من كلام خلقه، إذ لا يخفى عليه شيء، و ﴿عَلِيمٌ﴾ بما يذهب عنك نزغ الشيطان، وعليم بغير ذلك من أمور خلقه.
وقال القاضي عبد الجبار: " معنى قوله تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ﴾ التحرز من وسوسة الشيطان، لأن الشيطان لا يتمكن من الرسول ﷺ ، وربما كان الخطاب هنا بذكر الرسول ﷺ والمراد غيره "، أي أن يكون الخطاب الموجه ظاهرا في هذه الآية إلى الرسول ﷺ ، موجها في الحقيقة عن طريقه إلى أمته، فهي المقصودة به بالذات، حتى تتغلب على ما للشيطان من وساوس وهمزات.
وختمت سورة الأعراف بالتنويه بكتاب الله وهديه، ودعوة كل مؤمن إلى سماع القرآن والإنصات إليه من كل قلبه، وبتعريف المؤمنين أجمعين بما يلزمهم من أدب الدعاء وحسن العبادة، حتى يحظوا بالقبول عند الله ويندرجوا في سلك أهل السعادة، وذلك قوله تعالى في ختام سورة الأعراف: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ * وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ * إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾.
стр. 698
الربع الثالث من الحزب الثامن عشر
في المصحف الكريم (ق)
ــ
كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ (٥) يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (٦) وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ (٧) لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (٨) إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (١٠) إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ
стр. 699
عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ (١١) إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ (١٢) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (١٣) ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ (١٤) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (١٥) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦) فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٧) ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ (١٨) إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ (١٩) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
стр. 700
أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ (٢٠) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (٢١)
стр. 701
الربع الثالث من الحزب الثامن عشر
في المصحف الكريم (ت)
عباد الله
تتناول حصة هذا اليوم الربع الثالث من الحزب الثامن عشر في المصحف الكريم، ابتداء من قوله تعالى: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ * يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾.
ــ
في حديثنا الماضي ختمنا بعون الله وتوفيقه سورة الأعراف المكية، وكانت ثالث سورة مكية في ترتيب المصحف الكريم، علاوة على سورة الفاتحة وسورة الأنعام المكيتين أيضا، وانتقلنا من سورة الأعراف إلى سورة الأنفال المدنية التي نحن بصدد تفسيرها الآن، وهي خامس سورة مدنية في ترتيب المصحف الكريم، بالإضافة إلى سورة البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، التي هي سور مدنية أيضا.
وسورة الأنفال نزلت بمناسبة غزوة بدر الكبرى، وكانت كما قال الإمام مالك " في سبع عشرة ليلة خلت من شهر رمضان " وذلك في السنة الثانية للهجرة، وغزوة بدر في الإسلام تمثل الجولة الأولى
стр. 702
من جولات الكفاح الإسلامي المظفر، لصد العدوان ورد الطغيان، وإنقاذ المستضعفين الذين كانوا يضطهدون بمكة من الرجال والنساء والولدان.
ومن أجل ذلك أطلق بعض الصحابة على سورة الأنفال اسم " سورة بدر ". قال القاضي أبو بكر " ابن العربي ": " إن السورة هي سورة بدر كلها، وكلها مدنية إلا سبع آيات، فإنها نزلت بمكة، وهي قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ إلى آخر الآيات السبع ".
وقد تضمنت سورة الأنفال أهم المبادئ الأساسية التي جاء بها الإسلام لتنظيم شؤون السلم والحرب، وتحديد عوامل النصر وأسباب الهزيمة، وتعيين واجبات المجاهدين في سبيل الله من جهة الإعداد والاستعداد، وتوضيح حقوقهم على الدولة الإسلامية التي يدافعون عن كيانها، وتبيين الطريقة التي يعامل بها أسرى الحرب، والطريقة التي تتبع في الغنائم. وبالإجمال فإن هذه السورة الكريمة وضعت الحجر الأساسي للسياسة الحربية العامة التي يجب أن يطبقها الإسلام كلما اضطر المسلمون إلى خوض غمار الحرب للدفاع عن أنفسهم، ولم يجدوا من خصومهم عدلا ولا استعدادا للسلام.
وسميت هذه السورة " سورة الأنفال " أخذا من مطلعها الخاص، حيث ابتدأت بقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾.
стр. 703
وكلمة الأنفال هنا تعني بالخصوص الغنائم التي غنمها المجاهدون في غزوة بدر، فقد كانت أول شيء من نوعه بالنسبة لكثير منهم، فبادر الوحي الإلهي إلى التصريح بما يرفع في شأنها كل غموض، ويرفع في أمرها كل نزاع، وأعلن كتاب الله أن الحكم الخاص بها موكول إلى الله ورسوله رأسا، لأن حكمهما لا يلحقه ميل ولا حيف ولا جور، ولم يكن الحكم فيها موكولا إلى اجتهاد المجاهدين أنفسهم، حذرا من أن يكون في حكمهم دخل لاعتبارات لا علاقة لها بالجهاد، وذلك معنى قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ ثم جاء الحكم في شأنها مفصلا كما سيأتي في قوله تعالى في نفس السورة: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ الآية.
ونبهت الآيات الكريمة إلى أن الحكمة الإلهية في جعل الحكم في الغنائم موكولا إلى الله ورسوله هو تنقية الجو من كل ما يؤدي إلى فساد ذات البين بين الإخوة المجاهدين، وحمايتهم من عوامل الشقاق والنزاع، إذ متى كان الحكم في أمر من الأمور صادرا عن الله ورسوله، فلن يسع المؤمنين أجمعين إلا طاعة حكمهما، والائتمار بأمرهما، ومن شأن المؤمن إذا ذكر الله أمامه أن يخشع ويلين، ويخضع لحكمه ويستكين، وذلك ما أشار إليه قوله تعالى بعد مطلع سورة الأنفال-آخر الربع الماضي-: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ -
стр. 704
أي زادتهم تصديقا- ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ الآية.
وقوله تعالى: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ﴾ وردت في أوله كاف التشبيه: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ﴾ وقد اختلف المفسرون في السبب الجالب لهذه الكاف من ناحية الإعراب.
ومن أحسن ما ورد في ذلك ما قاله القاضي عبد الجبار: ﴿هذا الجنس من الحذف ربما يعد في كمال الفصاحة، فبشر الله نبيه بالنصرة التامة وجميل العاقبة يوم بدر، كما سهل له الخروج من بيته﴾ إلى آخر كلامه، وذلك رغما عن تثاقل بعض المؤمنين وترددهم في الخروج، طبقا لقوله تعالى في نفس السياق: ﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ﴾ وإنما ثقل الخروج عليهم لقتال المشركين، لما فيه من المشقة الزائدة، على حد قوله تعالى في آية أخرى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. وليس المراد أنهم كرهوا الخروج مع رسول الله ﷺ ، فذلك لا يتصور في شأن المؤمنين، خصوصا السابقين الأولين.
وقد نقلت دواوين السيرة وكتب الحديث أن النبي ﷺ عندما بلغه خروج قريش لقتال المسلمين أخبر الناس واستشارهم، فكان مما قاله المقداد بن عمرو من المهاجرين- وهو الذي اشتهر بالمقداد ابن الأسود-: " يا رسول الله امض لما أمرك الله به فنحن معك، والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا وإنا معكما مقاتلون ".
стр. 705
ولم يزل رسول الله ﷺ يقول: (أشيروا علي أيها الناس) وكان يريد أن يعرف رأي الأنصار بعدما عرف رأي المهاجرين، ويتخوف أن يكون رأيهم هو التعهد بنصرته ممن دهمه بالمدينة، لا بنصرته ممن هاجمه خارجها، فقال له سعد بن معاذ: " والله لكأنك تريدنا يا رسول الله. قال: أجل. فقال سعد باسم الأنصار: " فوالذي بعثك بالحق إن استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، ما يتخلف منا رجل واحد، إنا لصبر عند الحرب، جمع " صبور " صدق عند اللقاء " جمع صدوق " فسر على بركة الله ". فسر رسول الله صلى اله عليه وسلم بقول سعد وقال للمسلمين: (سيروا على بركة الله وأبشروا. والله لكأني أنظر إلى مصارع القوم).
وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾ المراد بغير ذات الشوكة " طائفة العير " التي انتظر البعض أن تقع في أيديهم دون قتال، " وذات الشوكة " هي طائفة النفير من مشركي قريش، التي استنفرها أبو سفيان فجاءت لقتال المسلمين، وكان عددها يتجاوز ألف مقاتل، بينما كان عدد المجاهدين " البدريين " ثلاثة عشر مقاتلا وثلاثمائة مقاتل لا غير، كما حققه القاضي أبو بكر " ابن العربي "، وبسبب ذلك تخوف بعض المسلمين أن ترجح عليهم كفة المشركين.
ثم بين كتاب الله أن الحكمة من وراء غزوة بدر ليست هي القيام بمناوشة عادية، أو تحقيق مكسب رخيص، وإنما هي مقدمة كبرى لأمر كبير، وشأن خطير، هو انتصار الإسلام على الشرك داخل جزيرة العرب، وظهوره على الملل الباطلة والأديان المنحرفة في
следующие страницы →