← Тафсир

Тафсир · id 115129

التيسير في أحاديث التفسير

محمد المكي الناصري

Полный текст (2 848 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

الربع الثالث من الحزب الثامن عشر في المصحف الكريم (ت) عباد الله تتناول حصة هذا اليوم الربع الثالث من الحزب الثامن عشر في المصحف الكريم، ابتداء من قوله تعالى: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ * يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾. ــ في حديثنا الماضي ختمنا بعون الله وتوفيقه سورة الأعراف المكية، وكانت ثالث سورة مكية في ترتيب المصحف الكريم، علاوة على سورة الفاتحة وسورة الأنعام المكيتين أيضا، وانتقلنا من سورة الأعراف إلى سورة الأنفال المدنية التي نحن بصدد تفسيرها الآن، وهي خامس سورة مدنية في ترتيب المصحف الكريم، بالإضافة إلى سورة البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، التي هي سور مدنية أيضا. وسورة الأنفال نزلت بمناسبة غزوة بدر الكبرى، وكانت كما قال الإمام مالك " في سبع عشرة ليلة خلت من شهر رمضان " وذلك في السنة الثانية للهجرة، وغزوة بدر في الإسلام تمثل الجولة الأولى

стр. 702

من جولات الكفاح الإسلامي المظفر، لصد العدوان ورد الطغيان، وإنقاذ المستضعفين الذين كانوا يضطهدون بمكة من الرجال والنساء والولدان. ومن أجل ذلك أطلق بعض الصحابة على سورة الأنفال اسم " سورة بدر ". قال القاضي أبو بكر " ابن العربي ": " إن السورة هي سورة بدر كلها، وكلها مدنية إلا سبع آيات، فإنها نزلت بمكة، وهي قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ إلى آخر الآيات السبع ". وقد تضمنت سورة الأنفال أهم المبادئ الأساسية التي جاء بها الإسلام لتنظيم شؤون السلم والحرب، وتحديد عوامل النصر وأسباب الهزيمة، وتعيين واجبات المجاهدين في سبيل الله من جهة الإعداد والاستعداد، وتوضيح حقوقهم على الدولة الإسلامية التي يدافعون عن كيانها، وتبيين الطريقة التي يعامل بها أسرى الحرب، والطريقة التي تتبع في الغنائم. وبالإجمال فإن هذه السورة الكريمة وضعت الحجر الأساسي للسياسة الحربية العامة التي يجب أن يطبقها الإسلام كلما اضطر المسلمون إلى خوض غمار الحرب للدفاع عن أنفسهم، ولم يجدوا من خصومهم عدلا ولا استعدادا للسلام. وسميت هذه السورة " سورة الأنفال " أخذا من مطلعها الخاص، حيث ابتدأت بقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾.

стр. 703

وكلمة الأنفال هنا تعني بالخصوص الغنائم التي غنمها المجاهدون في غزوة بدر، فقد كانت أول شيء من نوعه بالنسبة لكثير منهم، فبادر الوحي الإلهي إلى التصريح بما يرفع في شأنها كل غموض، ويرفع في أمرها كل نزاع، وأعلن كتاب الله أن الحكم الخاص بها موكول إلى الله ورسوله رأسا، لأن حكمهما لا يلحقه ميل ولا حيف ولا جور، ولم يكن الحكم فيها موكولا إلى اجتهاد المجاهدين أنفسهم، حذرا من أن يكون في حكمهم دخل لاعتبارات لا علاقة لها بالجهاد، وذلك معنى قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ ثم جاء الحكم في شأنها مفصلا كما سيأتي في قوله تعالى في نفس السورة: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ الآية. ونبهت الآيات الكريمة إلى أن الحكمة الإلهية في جعل الحكم في الغنائم موكولا إلى الله ورسوله هو تنقية الجو من كل ما يؤدي إلى فساد ذات البين بين الإخوة المجاهدين، وحمايتهم من عوامل الشقاق والنزاع، إذ متى كان الحكم في أمر من الأمور صادرا عن الله ورسوله، فلن يسع المؤمنين أجمعين إلا طاعة حكمهما، والائتمار بأمرهما، ومن شأن المؤمن إذا ذكر الله أمامه أن يخشع ويلين، ويخضع لحكمه ويستكين، وذلك ما أشار إليه قوله تعالى بعد مطلع سورة الأنفال-آخر الربع الماضي-: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ -

стр. 704

أي زادتهم تصديقا- ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ الآية. وقوله تعالى: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ﴾ وردت في أوله كاف التشبيه: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ﴾ وقد اختلف المفسرون في السبب الجالب لهذه الكاف من ناحية الإعراب. ومن أحسن ما ورد في ذلك ما قاله القاضي عبد الجبار: ﴿هذا الجنس من الحذف ربما يعد في كمال الفصاحة، فبشر الله نبيه بالنصرة التامة وجميل العاقبة يوم بدر، كما سهل له الخروج من بيته﴾ إلى آخر كلامه، وذلك رغما عن تثاقل بعض المؤمنين وترددهم في الخروج، طبقا لقوله تعالى في نفس السياق: ﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ﴾ وإنما ثقل الخروج عليهم لقتال المشركين، لما فيه من المشقة الزائدة، على حد قوله تعالى في آية أخرى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. وليس المراد أنهم كرهوا الخروج مع رسول الله ﷺ ، فذلك لا يتصور في شأن المؤمنين، خصوصا السابقين الأولين. وقد نقلت دواوين السيرة وكتب الحديث أن النبي ﷺ عندما بلغه خروج قريش لقتال المسلمين أخبر الناس واستشارهم، فكان مما قاله المقداد بن عمرو من المهاجرين- وهو الذي اشتهر بالمقداد ابن الأسود-: " يا رسول الله امض لما أمرك الله به فنحن معك، والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا وإنا معكما مقاتلون ".

стр. 705

ولم يزل رسول الله ﷺ يقول: (أشيروا علي أيها الناس) وكان يريد أن يعرف رأي الأنصار بعدما عرف رأي المهاجرين، ويتخوف أن يكون رأيهم هو التعهد بنصرته ممن دهمه بالمدينة، لا بنصرته ممن هاجمه خارجها، فقال له سعد بن معاذ: " والله لكأنك تريدنا يا رسول الله. قال: أجل. فقال سعد باسم الأنصار: " فوالذي بعثك بالحق إن استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، ما يتخلف منا رجل واحد، إنا لصبر عند الحرب، جمع " صبور " صدق عند اللقاء " جمع صدوق " فسر على بركة الله ". فسر رسول الله صلى اله عليه وسلم بقول سعد وقال للمسلمين: (سيروا على بركة الله وأبشروا. والله لكأني أنظر إلى مصارع القوم). وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾ المراد بغير ذات الشوكة " طائفة العير " التي انتظر البعض أن تقع في أيديهم دون قتال، " وذات الشوكة " هي طائفة النفير من مشركي قريش، التي استنفرها أبو سفيان فجاءت لقتال المسلمين، وكان عددها يتجاوز ألف مقاتل، بينما كان عدد المجاهدين " البدريين " ثلاثة عشر مقاتلا وثلاثمائة مقاتل لا غير، كما حققه القاضي أبو بكر " ابن العربي "، وبسبب ذلك تخوف بعض المسلمين أن ترجح عليهم كفة المشركين. ثم بين كتاب الله أن الحكمة من وراء غزوة بدر ليست هي القيام بمناوشة عادية، أو تحقيق مكسب رخيص، وإنما هي مقدمة كبرى لأمر كبير، وشأن خطير، هو انتصار الإسلام على الشرك داخل جزيرة العرب، وظهوره على الملل الباطلة والأديان المنحرفة في

стр. 706

جميع أطراف العالم: ﴿وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ (٧) لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ الآية، إشارة إلى ما قام به النبي ﷺ يوم بدر عندما نظر إلى أصحابه في المعركة وهم قلة قليلة، ونظر إلى المشركين الذين جاؤوا بعصبة كبيرة، فاستقبل ﷺ القبلة وعليه رداؤه وإزاره، ثم أخذ يقول، (اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام فلا تعبد في الأرض أبدا). فما زال ﷺ يستغيث ربه ويدعوه دعاء المضطر حتى سقط رداؤه عن منكبيه، فأتاه أبو بكر وناوله رداءه فارتداه، ثم التزمه أبو بكر من ورائه. وقال: " يا نبي الله: كفاك مناشدتك ربك، فإنه سينجز لك وعدك ". فلم يلبث ﷺ إلا قليلا حتى أمد الله المسلمين بمدد من عنده، ونزلت السكينة في قلوب المؤمنين، وحلت البشرى وجاء النصر السريع من عند الله؛ وبذلك تحققت الاستجابة، بعد الإنابة. وهذا تنبيه من كتاب الله إلى أن الرجوع إلى الله واستمداد عونه ونصره في مثل هذه المواقف- مواقف الدفاع عن الإسلام والتضحية في سبيله بالنفس والنفيس- أمر لا غنى عنه في كسب المعارك لمن يريد النصر ويسعى إليه. ومن أجل ذلك سن لنا رسول الله ﷺ هذه السنة: سنة الاستغاثة بالله والاستنصار بقوته، رجاء إمداده وإعانته، إذ لا غنى عنهما في سلم أو حرب، لقوي أو ضعيف. وإلى هذه المعاني يشير قوله تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي

стр. 707

مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ -أي متتابعين-: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ * إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ وقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا﴾ أي ليعرف المؤمنين نعمته عليهم بإظهارهم على عدوهم، رغما عن كثرته وقلتهم: ﴿ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ﴾. ونبه كتاب الله إلى أن سر النجاح في مثل هذه المواقف، أو مفتاح النصر فيها ليس في كثرة العدد والعدد بقدر ما هو كامن في الإيمان الصادق، والتضحية المثالية، وروح الفداء الخالصة لوجه الله التي يتشبع بها المسلمون، فالعبرة في نظر الإسلام بالكيف قبل الكم، وذلك ما يقتضيه قوله تعالى: ﴿وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ﴾. وقوله تعالى عقب ذلك: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ تعهد من الله تعالى بإعانة أهل الإيمان الحق، وبنصرتهم على غيرهم ولو كانوا ثلة قليلة، ما تمسكوا بإيمانهم وثبتوا على دينهم، وكانت صلتهم بالله موصولة غير مقطوعة. واهتمت الآيات الكريمة اهتماما خاصا بجريمة الفرار من الصف، مما يمكن أن يحدث في مثل هذه الظروف، وهي الجريمة

стр. 708

التي يطلق عليها في الشريعة اسم " الفرار من الزحف " فمن ارتكبها وقع في الحرام، واستحق العقوبة المغلظة عليها من " الإمام "، اللهم إلا إذا كان مقصوده من هذا العمل مكيدة العدو، فيظن أن الذي تظاهر بالفرار قد خاف منه ويتبعه، وإذا به ينقض عليه ويقتله، أو كان مقصوده الانتقال إلى صف آخر من صفوف المجاهدين في المعركة، بغية إعانتهم على العدو الغادر، وذلك ما يفصله قوله تعالى في أثناء هذا الربع: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ * وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ أي يوم الزحف أيا كان ذلك اليوم، بما يشمل يوم بدر أو غيره من أيام الإسلام، على مدى العصور ومرور الأيام، ﴿إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ﴾ والتحرف للقتال هو أن يظهر الفرار وهو يريد الرجوع، مكيدة للعدو، حتى يقع العدو في الفخ بسهولة، ﴿أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ﴾ والتحيز إلى فئة هو أن ينتقل من مكانه الأول إلى موقع جديد في المعركة، وهو يريد إعانة الفئة المشتبكة فيه مع العدو. أما من ولى دبره وفر من الزحف وهو لا ينوي إلا مجرد الإدبار والفرار، دون أن يهتم بما يقع للمسلمين وراءه من هزيمة وانكسار: ﴿فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾. روى البخاري ومسلم في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (اجتنبوا السبع الموبقات. قيل يا رسول الله وما هن قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات).

стр. 709

الربع الأخير من الحزب الثامن عشر في المصحف الكريم (ق) ــ إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (٢٢) وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤) وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢٥) وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٢٦) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٧)

стр. 710

وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٨) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢٩) وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٣٠) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٣١) وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٢) وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣) وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٣٤) وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٥) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ

стр. 711

لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (٣٦) لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٣٧) قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ (٣٨) وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٣٩) وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٤٠)

стр. 712

الربع الأخير من الحزب الثامن عشر في المصحف الكريم (ت) عباد الله في حصة هذا اليوم نتناول الربع الأخير من الحزب الثامن عشر في المصحف الكريم، ابتداء من قوله تعالى: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ * وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾. ــ أول ما ينبغي التنبيه إليه في بداية هذه الحصة هو أن أول آية من هذا الربع، ترتبط ارتباطا وثيقا بالآيات السابقة عليها في أواخر الربع الماضي، فقد سبق قبلها قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ * وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾. ومعنى هذه الآيات السابقة أن طاعة الله ورسوله واجبة على المؤمنين، وأن مخالفة أمر الرسول بعد العلم بأمره محرمة عليهم وهم منهيون عنها نهيا باتا، ثم طالبهم الحق بأن لا يسلكوا مسلك المشركين والمنافقين، إذ المشركون مجاهرون بالمخالفة، مصرون على العناد، والمنافقون - وإن أظهروا الطاعة- فهم ينطوون على النفاق والإلحاد، ومن هذا

стр. 713

السياق انتقل كتاب الله مباشرة إلى وصف دقيق فيه تبكيت وتنكيت ينطبق على المشركين والمنفقين الذين نهى الله المؤمنين عن اتباعهم وسلوك مسلكهم، وفي ذلك تحذير من نفس السلوك، فقال تعالى في شأنهم، تقريعا وتوبيخا، في بداية هذا الربع: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ أي الصم عن سماع الحق، لأنهم لا يستجيبون له، وإن قالوا سمعنا فهم لا يسمعون، والبكم عن الاعتراف بالحق - رغما عن تلقيه - لأنهم يمتنعون من ذكره وترديده. وتعبير كتاب الله عن هذا الصنف من الخلق بكلمة ﴿شر الدواب﴾ مناسب لما لهم عليه كل المناسبة، فهم يشبهون الحيوانات العجماء في كونها لا تدرك عن طريق الاستماع بآذانها إلى كلام الناس إلا أصواتا غامضة تعجز كل العجز عن فهمها والإلمام بمعانيها، وهم يشبهون الحيوانات العجماء في كونها - وإن كان لها لسان- إلا أنها لا يصل منها إلى الغير إلا نبرات صوتية، لا قيمة لها ولا أهمية، وما دامت آذان هذا الصنف من الناس حين تسمع لا تنقل ما تسمعه إلى قلوبهم، وما دامت ألسنتهم حين تنطق إنما تهرف بما لا تعرف دون وعي ولا شعور، فآذانهم وألسنتهم أشبه ما تكون بآذان الدواب العجماء وألسنتها، وهم بسبب ذلك أدخل في عالم البهائم وأعرق، وأبعد من عالم الإنسان كل البعد. وسبق قوله تعالى في مثل هذا المقام: ﴿أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾. قال القاضي عبد الجبار في كتابه (تنزيه القرآن عن المطاعن)

стр. 714

عند تفسير قوله تعالى، ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾: " ذمهم على ترك القبول، ثم شبههم بالصم والبكم على طريقة اللغة، في مبالغة ذم من لا يقبل الحق، فربما قيل فيه إنه ميت، كما قال الله تعالى عن مثلهم لرسول الله ﷺ : ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ ولذلك قال هنا بعده: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ﴾، ثم قال ﴿وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ فذمهم نهاية الذم " إذ لا خير فيهم ولا أمل في هدايتهم ﴿وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ﴾ أي أفهمهم ﴿لَتَوَلَّوْا﴾ أي لارتدوا بعد فهمه على أدبارهم ﴿وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ أي صادون عنه منصرفون، ولن ينفع العقل وحده صاحبه إذا كان قلبه ميتا، وإحساسه متبلدا. وانتقل كتاب الله إلى مخاطبة المؤمنين بأشرف صفاتهم وهي صفة " الإيمان " داعيا إياهم إلى الاستجابة لله وللرسول، منبها لهم إلى أن تطبيق المنهج الإسلامي في الحياة هو الطريق الوحيد إلى الحياة الطيبة والعيش الكريم، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ قال الإمام البخاري ﴿اسْتَجِيبُوا﴾ أي أجيبوا ﴿لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ أي لما يصلحكم. وقال عروة ابن الزبير: ﴿لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ أي للحرب التي أعزكم الله تعالى بها بعد القهر. وقال القاضي عبد الجبار: وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ هو بعث من الله تعالى على الجهاد، فكما ذم من قعد عنه ولم يطع الرسول فيه كذلك مدح من قام بحقه. وأراد بقوله ﴿إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ أن الجهاد

стр. 715

يؤدي إلى حياتهم، من حيث لولاه لقتلهم الكفار، فهم كقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ ويحتمل: إذا دعاكم للأمر الذي يؤدي به إلى حياة الأبد والثواب. وقال أبو بكر ﴿ابن العربي﴾: " قوله تعالى ﴿لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ ليس يريد حياة المشاهدة والأجسام، وإنما يريد به حياة المعاني والقلوب، بدعائه إياهم إلى الإسلام، والقرآن، والحق، والجهاد، والطاعة، والألفة ". وليعطي كتاب الله شاهدا حيا على صدق محتوى هذه الآية الكريمة، وعلى كون الدعوة الإسلامية كانت فعلا نقطة الانطلاق لإقامة حياة عزيزة الجانب موفورة البركات، جاء قوله تعالى في هذا السياق بعد بضع آيات: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ فمن القلة إلى الكثرة، ومن الضعف إلى القوة، ومن الخوف إلى الأمن، ومن الحجر إلى الرشد، ومن الضيق والخصاصة إلى السعة والغنى عن الناس، ومن الانكسار إلى الانتصار. والتعبير هنا بقوله تعالى: ﴿تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ﴾ تعبير حقيقي ينطبق على الواقع، فقد كان عدد المسلمين في بداية أمرهم بمكة أقل من القليل، وهم لا يتجاوزون بضع عشرات، وكانوا كالنقطة البيضاء في جلد الثور الأسود، إذ ليس في العالم باستثنائهم إذ ذاك إلا مشرك أو مجوسي أو يهودي أو نصراني، والكل يحوك لهم الدسائس، ويتربص بهم الدوائر، وينتظر لهم أسوأ مصير، فلم تمض إلا سنوات معدودة حتى نصر الله عبده، وهزم

стр. 716

الأحزاب وحده، وفك عن الإسلام الحصار المضروب من حوله، وانطلق كالموج الزاخر يزحف في مده الطالع من مكان إلى آخر، وكالشمس المضيئة تسطع على بقاع العالم بقعة بعد أخرى. ويقابل معنى الحياة والإحياء المستفاد من قوله تعالى هنا في هذا الربع: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ معنى الهلاك والفناء المضاد له، المستفاد من قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾. روى الترمذي وصححه، وأبو داوود، والنسائي، وابن حبان في صحيحه، والحاكم في مستدركه، وقال الحاكم إنه على شرط الشيخين، وابن جرير في تفسيره، كلهم من حديث يزيد ابن أبي حبيب عن " أسلم " مولى عمران التجيبي قال: " حمل رجل من المسلمين على صف الروم في غزوة كانوا يغزونها حتى دخل فيهم، ومعنا أبو أيوب الأنصاري، فقال ناس: ألقى بيده إلى التهلكة، فقال أبو أيوب الأنصاري، أيها الناس إنكم تتأولون هذه الآية على غير التأويل، نحن أعلم بهذه الآية، إنما نزلت فينا معشر الأنصار، صحبنا رسول الله ﷺ ، وشهدنا معه المشاهد ونصرناه، فلما فشا الإسلام وظهر واجتمعنا معشر الأنصار تخفيا، فقلنا قد أكرمنا الله بصحبة نبيه ﷺ ، ونصره، حتى فشا الإسلام وكثر أهله، وكنا قد آثرناه على الأهلين والأموال والأولاد، وقد وضعت الحرب أوزارها، فنرجع إلى أهلينا وأولادنا فنقيم فيهما، فأنزل الله تعالى على نبيه يرد علينا ما قلنا: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ فكانت التهلكة في

стр. 717

الإقامة في الأهل والمال وفي ترك الجهاد. قال " أسلم " راوي هذا الحديث: فما زال أبو أيوب الأنصاري شاخصا في سبيل الله حتى دفن بأرض الروم. وقد نبه مصلحو الإسلام في القرن الأخير، وفي طليعتهم حكيم المشرق جمال الدين الأفغاني الحسيني ومؤرخ المغرب أحمد ابن خالد الناصري الجعفري إلى أن أهم سبب كان ولا يزال لطمع الأجانب في العالم الإسلامي هو إهمال المسلمين، لما أمرهم الله به وحضهم عليه، من العناية التامة بالقوة العسكرية، والفنون الحربية، ومن تركهم الاستعداد للجهاد، واعتمادهم في العدة والعتاد على نفس الأجانب الطامعين في السيطرة على العباد والبلاد. وانتقل كتاب الله إلى الحديث عن الأمانة الملقاة على عاتق المسلمين وما يجب عليهم إزاء تلك الأمانة، من أداء وصيانة، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. و" الأمانة " شجرة وارفة الظلال ذات فروع وأغصان، ويندرج تحتها جميع الأعمال التي ائتمن الله عليها الإنسان، فتبدأ بالخلافة عن الله في الأرض، والقيام بتطبيق بنود الدستور الإلهي بين جنباتها: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ﴾ وتتسع الأمانة شيئا فشيئا حتى تشمل واجب المسلم في جميع مجالات الحياة: واجبه نحو ملته، ونحو أمته، ونحو دولته، ونحو مجتمعه، ونحو أسرته وأولاده، ونحو

стр. 718

عماله وطلابه، ونحو نفسه التي بين جنبيه، ففي جميع هذه المجالات، وفيما هو أعلى منها أو دونها، توجد أمانة مقدسة، وتوجد مسؤولية كبرى عن تلك الأمانة، حتى لا يضيعها المؤتمنون عليها فيحسبوا في عداد الخائنين. ومن خان أي نوع من أنواع الأمانة الملقاة على عاتقه في أي مجال من مجالاتها يعد خائنا لله ورسوله في نظر الإسلام، لأنه يعتبر العدو " رقم واحد " للصالح العام. قال ابن كثير: " والصحيح أن هذه الآية عامة، وإن صح أنها وردت على سبب خاص، فالأخذ بعموم اللفظ لا بخصوص السبب عند الجماهير من العلماء، و " الخيانة " تعم الذنوب الصغار والكبار، اللازمة والمتعدية﴾. وأخيرا نبه كتاب الله إلى حقيقة من كبريات الحقائق تبشر المؤمنين وتلقي الطمأنينة في قلوبهم، لا سيما في أوقات الأزمات، والخطوب المدلهمات، وهذه الحقيقة هي أنه كما أنفق مشركو قريش كثيرا من الأموال، واستنفروا العدد العديد من الرجال، لقتال المسلمين وإبادتهم، ورغما عن ذلك باد الشرك وانهزم المشركون، وبقي الإسلام وانتصر المسلمون، فكذلك سينفق خصوم الإسلام بغية القضاء عليه أموالهم، وسيؤلبون عليه- لكسر شوكته- جميع قواهم، لكن عناية الله ستضع حدا لمكرهم، وترد كيدهم في نحرهم، فلا يجنون من نفقاتهم العريضة إلا حسرة وخسرانا، ولا من مؤامراتهم الطويلة إلا هوانا وخذلانا، وذلك ما يتضمنه قوله تعالى في هذا الربع مبشرا للمؤمنين بكتابه، والمتعلقين بأهدابه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ

стр. 719

فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾ ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾.

стр. 720

الربع الأول من الحزب التاسع عشر في المصحف الكريم (ق) ــ وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤١) إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ (٤٢) إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٤٣) وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ

стр. 721

إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٤٤) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٤٥) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (٤٦) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (٤٧) وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٤٨) إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٩) وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (٥٠) ذَلِكَ

стр. 722

بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٥١) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٥٢) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٥٣) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ (٥٤) إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٥٥) الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ (٥٦) فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٥٧) وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ (٥٨) وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ (٥٩)

стр. 723

الربع الأول من الحزب التاسع عشر في المصحف الكريم (ت) عباد الله يتناول حديث هذا اليوم، ابتداء من قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ﴾. ــ بعدما سجلت سورة الأنفال المدنية في مطلعها السابق أن " الأنفال " - وهي هنا المغانم التي غنمها المسلمون في غزوة بدر - موكول أمرها إلى الله ورسوله، لا إلى تقدير المجاهدين أنفسهم ورأيهم الخاص، وأنها ليست ملكا مباشرا لهم بمجرد الغزو والجهاد: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ جاءت الآيات في بداية هذا الربع، تعلن حكم الله ورسوله في شأن تلك الأنفال خاصة، وفي شأن غيرها من الغنائم التي يغنمها المسلمون في حروبهم عامة، وهذا الحكم يتلخص في قسم الغنائم على يد الإمام أو من يخلفه في قيادة الجيش، إلى خمسة أخماس، تكون أربعة أخماس منها لمجموع المجاهدين الذين قاتلوا في سبيل الله،

стр. 724

ويخصص الخمس الباقي لمصالح المسلمين العامة، ولاسيما لذوي الحاجات منهم، الذين يحمل بيت مال المسلمين عادة عبء الصرف على حاجاتهم الضرورية. وهذا الخمس العام المردود على ذوي الحاجات من المسلمين هو الذي يطلق عليه كتاب الله هنا ﴿خمس الله والرسول﴾ كما يطلق في عرف الشرع على أي نوع من أنواع الحقوق العامة اسم " حق الله " وإن كان مآل ذلك الحق إلى عموم الناس. ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ وذلك قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ وفيه تعيين لمصارف الخمس العام. قال عمر ابن عبد العزيز: " قوله: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ يعني في سبيل الله " وقال عطاء ابن أبي رباح: " خمس الله والرسول واحد ". وقال أبو بكر " ابن العربي ": " إنما ذكر الله نفسه في هذا المقام، تشريفا لهذا الكسب الذي جعله الله من أفضل وجوه الكسب ". وكلمة " الغنيمة " يراد بها ما أخذ من أموال الكفار بقتال، بينما كلمة " الفيء " - وستأتي في آيات أخرى من كتاب الله - يراد بها ما أخذ منهم بغير قتال، كالأموال التي يصالحون عليها، أو يتوفون عنها ولا وارث لهم، وكالخراج والجزية، وهذا النوع لا يخمس مثل الغنيمة، وإنما يتصرف فيه الإمام بما فيه مصلحة المسلمين، ويطلق عليه لفظ " الفيء " لأن الله أفاءه ورده على رسوله والمؤمنين، ووضعه بين أيديهم لينتفعوا به في مصالحهم العامة، وهم أهل لكل خير،

стр. 725

وأحق بكل نفع. قال ابن كثير: " هذه الآية: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ هي توكيد لتخميس كل قليل وكثير، حتى الخيط والمخيط، مصداقا لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ الآية. روى الإمام أحمد من حديث عبادة بن الصامت أن رسول الله ﷺ قال: (إن هذه من غنائمكم، وإنه ليس لي فيها إلا نصيبي معكم الخمس، والخمس مردود عليكم، فأدوا الخيط والمخيط، وأكبر من ذلك وأصغر، ولا تغلوا، فإن الغلول عار ونار على أصحابه في الدنيا والآخرة) و"الغلول" بمعنى السرقة والاختلاس من الغنيمة. وروى أبو داوود والنسائي أن رسول الله ﷺ قال: (لا يحل لي من غنائمكم - مثل هذه- إلا الخمس، والخمس مردود عليكم). وروى البيهقي بإسناد صحيح أن رسول الله ﷺ سئل عن الغنيمة فقال: (لله خمسها وأربعة أخماسها للجيش). ثم سئل فما أحد أولى به من أحد؟ فقال: (لا، ولا السهم تستخرجه من جيبك، ليس أنت أحق به من أخيك المسلم). وثبت في الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: (ما لي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس، والخمس مردود عليكم فيكم). وفي الصحيح: (إنما أنا قاسم بعثت أن أقسم بينكم، والله المعطي، فالله حاكم، والنبي قاسم، والحق للخلق). والخطاب بالأمر في قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ

стр. 726

شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ موجه إلى الذكور من المسلمين القادرين على القتال، فهم الذين منحهم الله بفضله أربعة أخماس الغنيمة، وإذا تطوعت المرأة بالقتال - رغما عن كونه لم يفرض عليها- كان لها نصيب من نفس الغنيمة، لكن بصفة عطية وهدية مجردة، لا بصفة سهم مفروض، كما ثبت في الصحيح: (أن النساء كن يحذين من الغنيمة ولا يسهم لهن) ومعنى يحذين - أي يعطين- من " الحذوة "، وهي العطية والهدية، واستحسن ابن حبيب من أئمة المالكية أن يكون لها سهم في الغنيمة أيضا. والعبرة بالنسبة إلى التعبئة وحمل السلاح في الإسلام إنما هي بإطاقة القتال والقدرة عليه، بحيث يقبل فيه حتى المراهقون متى كانوا أقوياء على القتال، فقد عرض ابن عمر على رسول الله ﷺ يوم أحد وهو ابن أربع عشرة سنة فلم يجزه ﷺ ، ثم جاء يوم الخندق وهو ابن خمسة عشرة سنة، وعرض على رسول الله ﷺ فأجازه، وأذن له بالمشاركة في المعركة مع كبار المجاهدين. وإنما يثبت السهم في الغنيمة لمن حضر القتال دون من غاب، ولو كانت غيبته لعذر، اللهم إلا إذا كان الغائب قد تغيب في مصلحة الجيش، فإنه يشارك من حضر بسهمه، كما ذهب إليه محمد بن المواز من المالكية، ومن حضر مريضا كمن لم يحضر، اللهم إلا إذا كان له رأي يساهم به في تدبير الحرب، وذهب أشهب من المالكية إلى أن المجاهد الأسير يسهم له وإن كان مقيدا بالحديد. وأما من يصحب الجيش للمعاش كالأجراء والصناع والتجار ممن لم يقصدوا القتال ولا خرجوا للجهاد، فلا حق لهم في الغنيمة،

стр. 727

مصداقا لقوله تعالى في سورة المزمل: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ فقد ميز الله في هذه الآية المقاتلين عن أهل المعاش من المسلمين. وبين حال كل فريق وحكمه، نعم، إذا اشترك الأجراء والصناع والتجار في نفس القتال إلى جانب بقية المجاهدين - علاوة على ما يقومون به من كسب معاشهم - كان لهم حقهم في الغنيمة، لأن سبب الاستحقاق قد وجد منهم كما نص عليه المحققون. وإذا كان كتاب الله لم ينص على أي تفصيل أو تفضيل في شأن الأربعة الأخماس التي منحها للمجاهدين الغانمين، فقد جاءت السنة النبوية الكريمة ببعض التفصيل والتفضيل، ذلك أن النبي ﷺ فاضل بين الفارس والراجل من المجاهدين، فأعطى للراجل سهما واحدا، وأعطى للفارس سهمين اثنين. قال أبو بكر (ابن العربي): (وذلك لكثرة العناء وعظم المنفعة " - أي بالنسبة للفارس - " فجعل الله التقدير في الغنيمة بقدر العناء في أخذها، حكمة منه سبحانه فيها، ووقف بعض العلماء عند الحد الذي فاضل به رسول الله ﷺ بين الفارس والراجل، واستحسن البعض الآخر إعطاء الفارس بدلا من سهمين ثلاثة أسهم، له واحد ولفرسه اثنان، ومن له عدة أفراس أسهم لواحد منها، إذ لم يرد عن النبي ﷺ أنه أسهم لأكثر من فرس واحد). وهكذا أحكم الله أمر الغنيمة بقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى

стр. 728

وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ وبهذا الحكم الإلهي الحكيم في الغنائم، أسقط الله حكم الجاهلية الظالم: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ ذهب كثير من المفسرين إلى أن المراد به نفس المعنى المقصود في قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ وعن عمر بن عبد العزيز أن القرابة لا يعطون من الخمس إلا بالفقر، قال مالك: وبه أقول. واحتج مالك بأن ذلك جعل لهم عوضا عن الصدقة، لأنها لا تحل لآل البيت. وقوله تعالى: ﴿وَالْيَتَامَى﴾ المراد به أيتام المسلمين الفقراء، واليتيم من فيه ثلاثة أوصاف: موت أبيه قبل بلوغه، ووجود الإسلام فيه أصلا أو تبعا لأبويه، وحاجته إلى المساعدة. وتوسع بعض العلماء فأدرج في اليتامى المستحقين حتى اليتامى الأغنياء، بوصف يتمهم، لا بوصف غناهم. وقوله تعالى: ﴿وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ المراد به المسافر الذي يجتاز الطريق محتاجا، وإن كان غنيا في بلده، ومثله من عزم على السفر إلى مسافة تقصر فيها الصلاة، دون أن يكون عنده ما ينفقه في ذلك السفر. وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ إشارة إلى يوم بدر الذي فرق الله فيه بين الحق والباطل، وأعلى كلمة الإيمان على كلمة الشرك، والمراد: ﴿بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا﴾ عدوة الوادي القريبة

стр. 729

إلى المدينة، وبها نزل المسلمون، والمراد: ﴿بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى﴾ العدوة البعيدة عن المدينة والقريبة إلى ناحية مكة، وبها نزل المشركون. وقوله تعالى: ﴿وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ إشارة إلى العير التي كانت تحمل تجارة قريش من الشام في طريقها إلى مكة، محاذية لساحل البحر. وقوله تعالى: ﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾ أي ليقضي ما أراده من إعزاز الإسلام وأهله، وإذلال الشرك وأهله، بقدرته ولطفه. وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ يتضمن تلقين المؤمنين آداب المعركة وصدق اللقاء، وأمرهم بالثبات والتجلد عند مواجهة الأعداء. جاء في الصحيحين عن رسول الله ﷺ أنه قال: (فإذا لقيتموهم - أي الأعداء- فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف). وجاء في حديث آخر أن رسول الله ﷺ قال: (فإذا لقيتموهم فاثبتوا واذكروا الله، فإن صخبوا وصاحوا فعليكم بالصمت). وقال قتادة في تفسير هذه الآية: " افترض الله ذكره عند أشغل ما يكون، عند الضرب بالسيوف ". قال أبو بكر " ابن العربي ": " قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ فيه ثلاث احتمالات: ١ - اذكروا الله عند جزع قلوبكم، فإن ذكره يُثبِّت. ٢ - اذكروا الله بالقلب واللسان حتى يَثبُتَ القلبُ على اليقين

стр. 730

ويسكن، ويثبت اللسان على الذكر ولا يضطرب. ٣ - اذكروا ما عندكم من وعد الله لكم، بابتياعه أنفسكم منكم، ومثامنته لكم. ثم عقب على هذه الاحتمالات قائلا: " وكلها مراد، وأقواها أوسطها، فإن ذلك إنما يكون عن قوة المعرفة، ونفاذ القريحة، واتقاد البصيرة، وهي الشجاعة المحمودة في الناس. وقوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ يتضمن أفضل وصية من الله لعباده، وهي الوصية التي تمسك بها السابقون الأولون، وشدوا عليها يد الضنين، ومهما عاد المسلمون إلى التمسك بها أعاد الله إليهم ما عودهم من النصر والفتح المبين. ومن أصدق ما قيل في تحليل هذه الوصية الإلهية وتعليلها ما ذكره القاضي أبو بكر ابن العربي حيث قال: " هذه الوصية هي العمدة التي يكون معها النصر، ويظهر بها الحق، ويسلم معها القلب، وتستمر معها على الاستقامة الجوارح، فإنما يقاتل المسلمون بأعمالهم لا بأعدائهم، وباعتقادهم لا بأمدادهم "، ثم علق على ما نهى الله عنه من التنازع، وما ينشأ عن التنازع من فشل فقال: " وهذا أصل عظيم في المعقول والمشروع. . . فإذا ائتلفت القلوب على الأمر استتب وجوده، واستمر مريره، " يقال استمر مريره إذا استحكم عزمه " وإذا تخلخل القلب قصر عن النظر، وضعفت الحواس عن القبول، والائتلاف طمأنينة للنفس، وقوة للقلب، والاختلاف إضعاف له، فتضعف الحواس، فتقعد عن المطلوب، فيفوت

стр. 731

الغرض، وذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ وكنى ﴿بالريح﴾ عن اطراد الأمر ومضائه، بحكم استمرار القوة فيه، والعزيمة عليه، وأتبع ذلك بالأمر والصبر، الذي يبلغ العبد به إلى كل أمر متعذر، وذلك بوعده الصادق في أنه مع الصابرين: ﴿وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾. وأخيرا أخبر الله عباده المؤمنين أنه منزه عن أن يظلم أحدا من الخلق، وأنه لا يغير نعمة أنعمها عليهم إلا إذا كفروا بأنعمه وتواطأوا على نصرة الباطل وإبطال الحق، وذلك قوله تعالى في أواخر هذا الربع: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾، وقوله تعالى في ختامه: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ﴾.

стр. 732

الربع الثاني من الحزب التاسع عشر في المصحف الكريم (ق) ــ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (٦٠) وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦١) وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (٦٢) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٣) يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٦٤) يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا

стр. 733

مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (٦٥) الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٦٦) مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٧) لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٦٨) فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٦٩) يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٠) وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٧١) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ

стр. 734

حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٧٢) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ (٧٣) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٧٤) وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧٥) ٩ - سورة التوبة مدنية بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١) فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ (٢) وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣) إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ

стр. 735

الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٤)

стр. 736

الربع الثاني من الحزب التاسع عشر في المصحف الكريم (ت) عباد الله في حصة هذا اليوم نتناول تفسير الربع الثاني من الحزب التاسع عشر في المصحف الكريم، ابتداء من قوله تعالى في سورة الأنفال المدنية: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ إلى قوله تعالى في سورة التوبة المدنية أيضا: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾. ــ بعدما نبه كتاب الله في نهاية الربع الماضي إلى ما قد يتعرض له المؤمنون من دسائس ومؤامرات، يبيتها لهم أعداء الإسلام، وخاصة ما يقوم به أولئك الأعداء من خيانة متوالية للعهود، ونقض مستمر للمواثيق، إذ لا عهد لهم ولا ميثاق، فقال تعالى في شأنهم: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ﴾. وبعدما دعا كتاب الله إلى وجوب التنكيل بأعداء الإسلام

стр. 737

الخائنين للعهود، والضرب على أيديهم عند لقائهم دون هوادة، حتى يعتبر بهم غيرهم من بقية الأعداء، وحتى لا يحدثوا أنفسهم بالعدوان من جديد على المسلمين، فقال تعالى: ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾. وبعدما أمر الله رسوله والمؤمنين بالاحتياط التام، من تحركات أعداء الإسلام، وبالمبادرة إلى نقض عهدهم عند توقع خيانتهم، بمجرد ظهور بوادر الخيانة وبروز آثارها، وإن لم يكونوا قد أعلنوا خيانتهم رسميا، فقال تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ جاءت الآيات الكريمة في أول هذا الربع بقاعدة قرآنية عامة، وخطاب إلهي موجه إلى كافة المومنين، بصفة مؤبدة ومستمرة إلى يوم الدين، وذلك قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾. ففي هذا الخطاب الإلهي الحكيم يأمر الله عباده المومنين أمرا قاطعا بإعداد كل ما في إمكانهم واستطاعتهم من وسائل القوة، الكافية لمجابهة أعداء الإسلام، وعدم الغفلة عن هذا الاستعداد، على مدى السنين والأعوام. وكتاب الله في هذه الآية لا يحدد نوعا خاصا من أنواع " القوة " وإنما يأمر بإعداد القوة بكل ما في الوسع والطاقة، وعلى الإطلاق والشمول، دون تعيين لنوعها، ولا تحديد لشكلها، لأن أنواع القوة وأدواتها تختلف من عصر إلى عصر، ومن جيل إلى جيل، فلكل عصر نوع من القوة يقهر الأعداء، ونوع من السلاح يفيد في مقاومتهم ويردهم على أعقابهم. والله تعالى بمقتضى هذه الآية يلزم المسلمين بأن يكونوا أقوياء غير ضعفاء، وبأن يكونوا في

стр. 738

مستوى كاف من القوة يجعلهم في مأمن من طمع الطامعين، وعدوان المعتدين، إذ هو أعلم بما سيواجه الإسلام منذ ظهوره في العالم من أحلاف عدائية، ودسائس سياسية وعسكرية، ومؤامرات صليبية وصهيونية وإلحادية، دون انقطاع، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. ولذلك نزلت هذه الآية المحكمة واضحة كل الوضوح، صريحة كل الصراحة، تحذيرا للمسلمين من الغفلة عما يقويهم، وتذكيرا لهم بما يحيط بهم باستمرار من دسائس أعدائهم ومؤامراتهم، مما يلزم الاستعداد لرده والوقوف في وجهه في كل جيل، دون تهاون ولا إهمال ولا تردد. قال القاضي أبو بكر " ابن العربي ": " أمر الله بإعداد القوة للأعداء، بعد أن أكد في تقدمة التقوى، وأن الله تعالى لو شاء لهزمهم - أي الأعداء - بالكلام والتفل في الوجوه " إلى أن قال: " ولكنه أراد أن يبلو بعض الناس ببعض، بعلمه السابق، وقضائه النافذ، فأمر بإعداد القوى والآلة من فنون الحرب، التي تكون لنا عدة، وعليهم قوة، ووعد على الصبر والتقوى بإمداد الملائكة العليا ". وكتاب الله عندما يتحدث عن " القوة " ويدعو المسلمين إلى إعدادها بكل الوسائل لا يقصد بلفظ القوة معناها المادي المجرد وحده، المتمثل في الآلات والأدوات الحربية، وإنما يقصد منها معناها المادي ومعناها الروحي في آن واحد، بل إن القوة الروحية عنده بالنسبة إلى القوة المادية تعتبر كالجوهر بالنسبة للعرض، والروح بالنسبة للجسد، فالقوة الروحية في نظر الدين والأخلاق، والروح المعنوية العالية، في نظر المختصين من رجال الدراسات

стр. 739

النفسية والأبحاث العسكرية، هي منبع كل قوة، وأساس كل نصر، وبدونها تضطرب القلوب وتنهار الأعصاب، وتصبح الهزيمة من كل جيش قاب قوسين وعلى الأبواب، لكن إذا كانت قوة الإيمان بالله وتقوى الله تقود جنود الإسلام، في خطواتهم إلى الأمام، فبشرهم من عند الله بالفتح المبين، والنصر والتمكين، ووقتئذ يتم وعد الله بالغلبة على الكافرين، ويصدق قول الله تعالى وهو أصدق القائلين: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ﴾ أي أنهم لا يعجزون الله، فهم في قبضته، وتحت قهره ومشيئته. وبعدما أمر الله المسلمين بإعداد القوة لكبح جماح أعداء الإسلام، بشكل عام، خص كتاب الله بالذكر من بين أنواع القوة نوع الخيل، فقال تعالى، ﴿وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ وقد كانت الخيل في الحروب الماضية تحتل مكانا بالغ الأهمية، ولا تزال الخيل إلى اليوم تقوم بدور مهم في العمليات الحربية، ولا سيما عندما تتعذر الحركة على الأدوات الآلية. ولعل ذكر " الخيل " هو إنما ورد على وجه التنبيه، نظرا لأن الخيل كانت في العهد الإسلامي الأول أهم شيء في الحرب، وذلك حتى يقيس المسلمون عليها غيرها، ويهتموا في مستقبل الأيام بكل ما يحدث ويتجدد من أدوات القوة ووسائلها الفعالة، فالعبرة أولا وأخيرا إنما هي بإعداد القوة التي لا تضام، والاستعداد التام للعدو الظاهر والخفي على الدوام. ومن اللطائف في هذا الباب ما قام به علماء الشريعة من مناقشات، وما شغلوا به أنفسهم من مقارنات بين أدوات الحرب

стр. 740

أيها أفضل، اهتماما بهذا الموضوع: هل أن ركوب الخيل أفضل من الرمي، أم أن الرمي أفضل من ركوب الخيل، فذهب الإمام مالك إلى الرأي الأول، استنادا فيما يظهر إلى قوله تعالى هنا: ﴿وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ وإلى قوله ﷺ : (الخيل معقود في نواصيها الخير، إلى يوم القيامة. الأجر والمغنم) وهذا الحديث رواه البخاري في صحيحه عن عروة ابن أبي الجعد. وذهب غيره إلى الرأي الثاني، استنادا إلى أحاديث نبوية أخرى، فقد روى الإمام أحمد من حديث عقبة بن عامر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول وهو على المنبر: (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة، ألا إن القوة الرمي. ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي. ثلاثا) وهذا الحديث مروي عن رسول الله في صحيح مسلم أيضا. وروى الإمام أحمد وأصحاب السنن من حديث صالح بن كيسان أن رسول الله ﷺ قال: (ارموا واركبوا، وأن ترموا خير من أن تركبوا). وبعدما أمر كتاب الله المؤمنين من عباده بإعداد القوة لمواجهة خصوم الإسلام، حتى يصونوا البيضة ويحموا الذمار، أخذ يكشف الستار عن الحكمة الإلهية من وراء هذا الأمر القاطع، في إيجاز وإعجاز، فقال تعالى: ﴿تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ ومعنى هذه الآية الكريمة أن الحكمة من وراء أمر المسلمين ببذل كل ما في المستطاع، للحصول على القوة المادية إلى جانب القوة المعنوية، هي تخويف أعدائهم من مواجهتهم، وقطع كل أمل في الطمع فيهم، وتحذيرهم من نتائج
следующие страницы →