← Тафсир

Тафсир · id 115129

التيسير في أحاديث التفسير

محمد المكي الناصري

Полный текст (2 848 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

يُحْيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٥٦) يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٥٧) قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٥٨) قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ (٥٩) وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ (٦٠) وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦١) أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٤) وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦٥) أَلَا

стр. 877

إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (٦٦) هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٦٧) قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٦٨) قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (٦٩) مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (٧٠)

стр. 878

الربع الثاني من الحزب الثاني والعشرين في المصحف الكريم (ت) عباد الله في حصة هذا اليوم نتناول الريع الثاني من الحزب الثاني والعشرين في المصحف الكريم، ابتداء من قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ * مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾. ــ في نهاية الربع الماضي وصفت الآيات الكريمة مشهد الخليقة بكافة أممها وشعوبها، وهي تعرض أمام الله، الواحدة تلو الأخرى، كل أمة بمحضر رسولها، شاهدا لها أو عليها، ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾. وفي بداية هذا الربع تذكير من الله لرسوله، وتلقين له وللمؤمنين، أن الرسول على جلالة قدره عند الله، لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا، فضلا عن أن يملك لغيره من أفراد أمته نفعا أو

стр. 879

ضرا، وأن الرسول على شدة قربه من الله خاضع كل الخضوع لمشيئة الله المطلقة، لا يفلت منها في شيء، وذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾. ومغزى هذه الآية الكريمة تذكير المؤمنين بأنه لا ينبغي لهم أن يتركوا " الوسيلة " الشرعية إلى رضا الله والقرب منه، وهي إتباع الأوامر واجتناب النواهي، والتزام التقوى، والتمسك بالاستقامة سرا وعلنا، وأنه لا ينبغي لهم أن يتكاسلوا عن الأعمال الصالحة، ويتكلوا كل الاتكال على مجرد رحمة الله وعفوه، وما يتفرع عنهما من شفاعة في العصاة والمذنبين بعد التعذيب والتأديب، وأنه لأكرم للمؤمن، وأوفق بإيمانه ومحبته لله والرسول -إن كان صادق المحبة لهما- أن يكون من أهل الحسنى وزيادة، لا من أهل السوأى، أو من أهل السوأى وزيادة، فشعار هذا الدين: " اعملوا ولا تتكلوا ". ومن هنا انتقل كتاب الله إلى تقرير حقيقة دينية وكونية طالما قررها وكررها، ألا وهي أن الأمم نفسها لها أعمار وآجال كالأفراد، وأن كل أمة لها أجلها الذي تستوفيه إذا لم تبق صالحة للحياة، وأنه إذا حل هذا الأجل لم تبق أمامها أية فرصة للنجاة والخلاص، فما على كل أمة تريد البقاء إلا أن تحسن التصرف فيما آتاها الله، وأن تبتعد كل البعد عن موجبات سخط الله، وفقا للرسالة الإلهية التي تلقتها من رسول الله، أما إذا خانت العهد، وأخلفت الوعد، وتصرفت تصرف السفهاء الخائنين، فإنها لا بد أن تقضي نحبها، وتدخل في عداد الغابرين.

стр. 880

ودخولها في عداد الغابرين إما أن يكون باستئصالها وإبادتها بالمرة من خريطة العالم كعاد وثمود، وغيرهما من شعوب العالم القديم، وإما أن يكون بالإدالة منها وإنزالها إلى درجة العبودية لغيرها، والتبعية الدائمة لسواها، فتصبح ذنبا من الأذناب، ولا يحسب لها بين الأمم أي حساب، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى هنا: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾. أخرج أبو داود في سننه أن رسول الله ﷺ قال: (توشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، فقال قائل: من قلة نحن يومئذ؟ قال: لا بل أنتم كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن في قلوبكم الوهن. قيل وما الوهن يا رسول الله؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت). ومضى كتاب الله يذكر الغافلين بمصير الأمم التي تمردت قبلهم على حكم الله، فقال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ * أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ * ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾. ونبه كتاب الله إلى ما يداخل الشاكين من شك وريب في صدق الدعوة وصدق الداعي، ولاسيما في يوم القيامة بما يستلزمه من بعث ومعاد، فقال تعالى حكاية عنهم: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ؟﴾ أي يستخبرونك هل يوم القيامة حق، وهل الدين الذي جئت به هو دين الحق؟ ثم لقن الحق

стр. 881

سبحانه وتعالى لرسوله ما يقول: ﴿قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾. قال ابن كثير: " وهذه الآية ليس لها نظير في القرآن إلا آيتان أخريان، وهما قوله تعالى في سورة سبأ: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ [الآية: ٣]، وقوله تعالى في سورة التغابن٣: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ﴾ [الآية: ٧]. وقوله تعالى هنا: ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ مثل قوله تعالى في آية أخرى ﴿وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [التغابن: ٧]، وتأكيدا لنفس المعنى قال تعالى في نفس السياق: ﴿أَلَا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾. ثم عاد كتاب الله إلى وصف خصائص القرآن العظيم، وما جاء به من هدى للضالين والغافلين، ورحمة للمحرومين والمظلومين، وشفاء للمرضى والمكلومين، مما جعل الناس يدخلون في دين الله أفواجا من جميع السلالات والألوان، فكان نعمة الله الكبرى على بني الإنسان، وذلك قوله تعالى هنا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ * قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾. وفي نفس هذا المعنى ورد قوله تعالى في آية ثانية: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: ٨٢]، وقوله تعالى في آية ثالثة: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾ [فصلت: ٤٤]. ولا شك أن كتاب الله شفاء لما في النفوس والأرواح من الأمراض الباطنة، وشفاء لما في العقول والأفكار من الشكوك

стр. 882

الكامنة، فهو الترياق المجرب في الخلوات والجلوات، وهو الإكسير الذي لا يماثله إكسير لعلاج جميع الأزمات. ومن جملة آيات هذا الربع آيات بينات تولى فيها كتاب الله التنويه " بأوليائه " والتعريف بهم وبصفاتهم، حتى يكونوا قدوة صالحة لبقية الناس، فيسلك من يأتي بعدهم نفس الطريق الذي سلكوه، ويبتغي إلى الله نفس الوسيلة التي اختارها الله لهم فاختاروها لأنفسهم، وهي شريعته المنزلة، وحكمته المفصلة، مع التزامهما كل الالتزام وإتباعهما كامل الإتباع، وتفادي كل زيادة عليهما أو ابتداع، منبها إلى أن باب الولاية مفتوح في وجه جميع المؤمنين، وأن مفتاحه الوحيد قريب غير بعيد، ألا وهو الإيمان والتقوى، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾، وكأن سائلا بادر بالسؤال عن أولياء الله من هم؟ فقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾. ثم بين كتاب الله ما ينتظر كل مؤمن اتقى الله وتولاه، وأصبح من أولياء الله، من البشريات والهبات، فقال تعالى: ﴿لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة﴾. أما البشرى في الحياة الدنيا فهي أن يحييهم الله حياة طيبة، وأن يجعل لهم ودا ومحبة في قلوب خلقه، وأن يعيشوا في كنف رعايته وفي حمى لطفه الخفي. وأما البشرى في الآخرة فهي النعيم المقيم، ورضوان الله الذي لا سخط بعده ولا تأثيم. روى مسلم في صحيحه عن أبي ذر أنه قال: يا رسول الله، الرجل يعمل العمل ويحمده الناس عليه ويثنون عليه به. فقال رسول الله ﷺ : (تلك

стр. 883

عاجل بشرى المؤمن). وأخيرا طبع كتاب الله بخاتم القدرة الأزلية على وعد الله لأوليائه، بأنه وعد نافذ لا يلحقه إخلاف ولا تغيير، فقال تعالى: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾ أي أن هذا الوعد مقرر وثابت وكائن لا محالة، بفضل الله وكرمه. ووعد له هذه القوة وهذا التأكيد من الله تعالى هو أحق الوعود بأن يقال فيه بدءا وختاما ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾.

стр. 884

الربع الثالث من الحزب الثاني والعشرين في المصحف الكريم (ق) ــ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ (٧١) فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٧٢) فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلَائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (٧٣) ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ (٧٤) ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ بِآيَاتِنَا فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ (٧٥)

стр. 885

فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ (٧٦) قَالَ مُوسَى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ أَسِحْرٌ هَذَا وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ (٧٧) قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ (٧٨) وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ (٧٩) فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ (٨٠) فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ (٨١) وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (٨٢) فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ (٨٣) وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ (٨٤) فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٨٥) وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٨٦) وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (٨٧) وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا

стр. 886

إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٨٨) قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٨٩) وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩٠) آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٩١) فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ (٩٢)

стр. 887

الربع الثالث من الحزب الثاني والعشرين في المصحف الكريم (ت) عباد الله حصة هذا اليوم تتناول الربع الثالث من الحزب الثاني والعشرين في المصحف الكريم، ابتداء من قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ﴾. ــ في هذا الربع تناول كتاب الله من بين قصص الأنبياء السابقين قصة نوح وقصة موسى ﵉، تذكيرا لمشركي قريش ومن في معناهم من الغافلين الضالين، بما آل إليه أمر قوم نوح، وأمر فرعون وملائه، من جراء إصرارهم على الباطل، ورفضهم لقبول الرسالة الإلهية رفضا باتا، وتحذيرا لهم من أن ينالهم من العذاب ما نال الأمم الغابرة، إذا أصروا على رفض الدعوة الإلهية ولم يستجيبوا لله وللرسول.

стр. 888

فعن قصة نوح ﵇ نبه كتاب الله إلى أن نوحا بعدما طالت إقامته بين قومه، وطال تذكيره لهم دون جدوى دعاهم إلى اتخاذ موقف صريح وحاسم تجاه الدعوة التي جاءهم بها، وأشعرهم بأنه لا ينبغي لهم الاستمرار على التردد والغموض، فإما أن يعلنوا قبول دعوته نهائيا، على أساس أن دعوته حق وصدق، وإما أن يعلنوا رفضها بالمرة، ويتحملوا جميع النتائج الناشئة عن وقوفهم في وجهها، وأخبرهم نوح ﵇ أنه لا يتهيب أي موقف يتخذونه ضده، فهو متوكل على الله، معتصم بحبله، ممتثل لأمره، وأكد أنه لا يرمي من وراء دعوتهم إلى الله إلى أي مغنم مادي أو فائدة شخصية، بل إن كل همه منحصر في هدايتهم إلى الله تعالى، وكل أمله معلق على ثواب الله، وذلك قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي﴾ أي إقامتي بين أظهركم ﴿وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً﴾ أي لا تتركوا أمركم في التباس وغموض، بل افصلوا حالكم معي ﴿ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ * فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ أي رفضتم دعوة الله ولم تقبلوا طاعته ﴿فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ﴾ أي أنني لم أطلب منكم مقابل نصحي أي عوض من أي نوع كان، بل هو نصح خالص لله ولكم ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾. وقوله تعالى هنا على لسان نوح ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ يؤكد الحقيقة الدينية والتاريخية الثابتة، وهي أن جميع الأنبياء والرسل قد بعثهم الله إلى عباده بنفس الدعوة،

стр. 889

وبنفس العقيدة، والمراد " بالدعوة " الدعوة إلى الخير، و " بالعقيدة " عقيدة التوحيد، وهذه الدعوة وهذه العقيدة تتضمنهما معا كلمة " الإسلام " التي هي شعار دين الحق الوحيد المنزل من عند الله ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩]. ومصداقا لهذه الحقيقة ها هو كتاب الله يحكي لنا على لسان نوح: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾. ويحكي لنا على لسان إبراهيم الخليل: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ * وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٢]. ويحكي لنا على لسان يوسف: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠١]. ويحكي لنا على لسان موسى: ﴿يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٨٤]. ويحكي لنا عن أنبياء بني إسرائيل: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾ [المائدة: ٤٤]. ويحكي لنا على لسان حواريي عيسى: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ [المائدة: ١١١].

стр. 890

ويحكي لنا على لسان خاتم الأنبياء والمرسلين المسلم الأول في هذه الأمة: ﴿إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢، ١٦٣]. ولعل من البديهي أن تكون عقيدة الإسلام واحدة ودعوته واحدة، رغما عن تباعد الأيام وتطاول القرون، وتعدد الأنبياء وكثرة الرسل، ما دام منبع الإسلام الأول والأخير منبعا وحيدا وواحدا لا يتعدد ولا يتبدل، ألا وهو الوحي الإلهي الصادر عن الله تعالى الواحد الأحد، خالق الكون ومدبر الأمر، الذي لا تبديل لكلماته، وكلماته كلها صدق وعدل ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام: ١١٥]. وبين كتاب الله للتذكير والتحذير مصير المصرين على الباطل من قوم نوح، حيث أغرقهم وأبادهم بالمرة، ومصير الذين استجابوا لله ولرسوله، حيث نجاهم مع نبيهم نوح من الغرق، فكانت نجاتهم مزدوجة: نجاهم من الغرق في بحر الضلال في البداية، ونجاهم من الغرق في بحر الوبال في النهاية، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ﴾ أي نجينا نوحا ونجينا من آمن به وأصبح على دينه " والمرء في ميزانه أتباعه "، ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ خَلَائِفَ﴾ أي جعلنا الذين آمنوا بنوح مستخلفين في الأرض، بدلا ممن كذبوه فلم يعودوا أهلا للاستخلاف ﴿وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾. ونبه كتاب الله إلى أن الحكمة في ذكر قصة نوح وما ماثلها

стр. 891

إنما استخلاص العبرة، وضرب المثل بالواقع المحسوس، فقال تعالى: ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ﴾. والخطاب هنا وإن كان موجها إلى الرسول ﵊ ليطمئن إلى وعد الله، وإلى أن الله سينجي المؤمنين، وسيهلك المكذبين، هو موجه أيضا إلى مشركي قريش، وإلى كل من يسلك مسلكهم في التكذيب والعناد، والغفلة عن سلوك طريق الرشد، ليوقنوا بأن مصيرهم -إذا أصروا على ما هم عليه- هو الهلاك المحقق والعذاب الأليم، إذ ﴿ما جرى على المثل يجري على المماثل﴾. وتحدث كتاب الله عن أفواج الرسل التي جاءت بعد نوح ﵇، وما جاء به أولئك الرسل إلى أقوامهم من الحجج القاطعة والبراهين الساطعة، إلا أن أقوامهم بادروا إلى تكذيبهم، وأصروا على موقفهم، ورغما من مرور الأيام واستمرار الدعوة دون انقطاع، فإنهم لم يتراجعوا عن موقفهم قلامة ظفر، عنادا وإصرارا، وتعصبا واستكبارا، وذلك قوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِ﴾ أي من بعد نوح ﴿رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ﴾ أي رفضوا أن يؤمنوا أخيرا بما كذبوا به أولا، فأهلكهم الله، عقابا لهم، وتحذيرا لمن بعدهم، ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ﴾ [الإسراء: ١٧]. ﴿كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ﴾ أي وهكذا يقع للمكذبين الذين يأتون من بعدهم، إذ يسلكون نفس السبيل الذي سلكه أسلافهم من المكذبين الأولين، فهم في الحقيقة حزب واحد، ويجمعهم رأي واحد، هو الاعتقاد الفاسد.

стр. 892

وانتقل كتاب الله إلى الحديث عن قصة موسى وفرعون، وهذه القصة تأتي بصفة خاصة في عدة سور من القرآن الكريم، لحكم إلهية في ذلك، ولعل من جملة هذه الحكم تذكير المسلمين باستمرار، بما مر به بنو إسرائيل من التقلبات والأطوار، وما أوقعوا فيه العالم من فساد وإباحية واستهتار، وتوجيه أنظار المسلمين وغيرهم، إلى وجوب الحذر من هذا العنصر الناقم على غيره، لما فيه من الأضرار والأخطار. والمهم من قصة موسى مع فرعون في هذا السياق هو تعريف المسلمين بأن السر في هلاك فرعون وقومه هو ما كان عليه فرعون من كبر واستعلاء، وما كان عليه هو وقومه من ظلم وإجرام، وما حاولوه من إخفاء الحق عن طريق السحر والشعوذة، مما جعلهم في عداد الهالكين الخاسرين، وأبقى قصتهم عبرة للأولين والآخرين، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ بِآيَاتِنَا فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ * فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ * قَالَ مُوسَى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ أَسِحْرٌ هَذَا﴾؟. كما يشير إلى نفس المعنى قوله تعالى في نفس هذا الربع: ﴿وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾. وبين كتاب الله ما أدلى به فرعون وقومه من الأعذار المنتحلة، والمبررات المفتعلة، لرفض الدعوة الإلهية، وهذه الأعذار والمبررات تتلخص في أن الدعوة التي جاء بها موسى من عند الله إنما ترمي إلى قلب نظام الدولة، والاستيلاء على مقاليد

стр. 893

الحكم في مصر الفرعونية، وإذن فهي دعوة تدمير وتخريب، لا تستحق سوى الرفض والمقاومة، ولا يستحق أصحابها سوى الاضطهاد والتعذيب، وهذا الموقف الفرعوني هو نفس الموقف الذي يقفه الطغاة المتفرعنون، تجاه جميع الدعوات الصالحة في كل جيل. وكم رأينا لهذا الموقف في العصر الذي نعيش فيه من مثيل، وإلى هذا المعنى يشير قوله تعالى حكاية عن فرعون وملأه: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ أي لتصرفنا عن معتقداتنا ﴿وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ﴾ أي لتكون لكما الرياسة والسلطان في هذا البلد -والخطاب هنا لموسى وهارون- ﴿وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ﴾ أي لن نصدق دعوتكما أبدا. ولا بد من التنبيه في هذا السياق إلى معنى من أهم المعاني الواردة في هذا الربع، وهذا المعنى هو أن الساحرين لا يفلحون، وأن المفسدين لا يصلحون، وذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ﴾ وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾، فالساحر المأجور الذي يباشر عملية السحر، والساحر الذي يستأجره على ذلك للاستعانة بسحره على بلوغ غرض من أغراضه السافلة كلاهما محكوم عليه مسبقا من الله تعالى بالخيبة والخسران، دينا ودنيا، عاجلا أو آجلا: ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ [طه: ٦٩]. والمفسد الذي يتظاهر بالإصلاح، أو يدعي أن الفساد هو عين الصلاح، لا يستقيم له من الأمر شيء، بل لا بد أن ينقلب به

стр. 894

الحال من سيء إلى أسوأ، اللهم إلا إذا عاد إلى طريق الصلاح الحقيقي، فيصلح الله عمله، ويحقق أمله ﴿وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾. وخُتم هذا الربع بوصف الحالة التي آل إليها فرعون عند الغرق حتى تظل ماثلة في الأذهان، وعبرة لبني الإنسان، فقال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ * آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾ أي لا تذهب بعد غرقك مع التيار وتأكلك الحيتان، وإنما تبقى جثتك حجة ناطقة عليك لمن يأتي بعدك في مستقبل الزمان. والراجح أن فرعون موسى هو رمسيس الثاني من الأسرة التاسعة عشرة، الذي لا تزال جثته محفوظة حتى الآن، وهي معروضة في متحف الآثار بالقاهرة يشاهدها الزائرون ﴿لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ﴾.

стр. 895

الربع الأخير من الحزب الثاني والعشرين من المصحف الكريم (ق) ــ وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٩٣) فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٩٤) وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٩٥) إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٩٧) فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ (٩٨) وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ

стр. 896

كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٩٩) وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (١٠٠) قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠١) فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (١٠٢) ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٣) قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٤) وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٥) وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٦) وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١٠٧) قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (١٠٨) وَاتَّبِعْ

стр. 897

مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (١٠٩) ١١ - سورة هود مكية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١) أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ (٢) وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ (٣) إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤) أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٥)

стр. 898

الربع الأخير من الحزب الثاني والعشرين من المصحف الكريم (ت) عباد الله في حصة هذا اليوم نتناول الربع الأخير من الحزب الثاني والعشرين في المصحف الكريم، ابتداء من قوله تعالى في سورة يونس المكية: ﴿وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ إلى قوله تعالى فى سورة هود المكية أيضا: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾. ــ عند تحليل أغلب الآيات الكريمة الواردة في هذا الربع ضمن القسم الأخير من سورة يونس المكية نجدها دائرة حول موضوع واحد هو موضوع الإيمان، وما يعترض طريقه من شك وتردد، وتعصب وجهل، وغفلة واستهتار، ونجد كتاب الله يوجه الخطاب إلى كل إنسان يشك في صدق الرسالة الإلهية، الموكول تبليغها إلى خاتم النبيئين والمرسلين، يدعوه إلى استفسار أهل العلم المطلعين على تاريخ الرسالات السابقة، فإنه إذا اطلع على تاريخها ومضمونها لم يجد أدنى صعوبة في تصديق " الرسالة

стр. 899

الخاتمة " التي ختم الله بها جميع الرسالات، بل إنه ليقتنع بأنها لب اللباب من الرسالات كلها، وبأنها آخر مرحلة وأعلى قمة انتهى إليها الوحي الإلهي، لهداية البشرية في سيرها الحاضر والمستقبل، نحو الرقي الحقيقي، والتطور الشامل، والسعادة الكاملة. وإلى هذا المعنى يشير قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ﴾ أي إن كنت أيها الإنسان لا تزال في شك مما أنزلنا من القرآن لهدايتك وإرشادك ﴿فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ أي الشاكين، من " الامتراء " وهو الشك ﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾. فالخطاب في هذه الآية ليس موجها إلى الرسول الأعظم ﵊، ولو على وجه الفرض والتقدير، إذ لا يتصور في حق الرسول أي شك أو امتراء أو تكذيب، ولذلك لما نزلت هذه الآية قال رسول الله ﷺ : (لا أشك ولا أسأل) كما روى ذلك قتادة بن دعامة، أي أنه ﵊ غير داخل تحت هذا الخطاب مطلقا، وإنما الخطاب موجه إلى من يتصور فيه الشك والامتراء والتكذيب من المشركين والمنافقين وضعفاء الإيمان، وموجه كذلك إلى عامة اليهود والنصارى من أهل الكتاب الذين يجد أحبارهم ورهبانهم وصف الرسالة والرسول مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل. وهؤلاء إما أن يكون شكهم تلقائيا صادرا عن مجرد الجهل،

стр. 900

فهم مدعوون بهذا الخطاب إلى سؤال أهل العلم واستفسارهم، حتى يزول شكهم، على حد قوله تعالى في آية أخرى ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] وبذلك يرتفع شكهم، ويتأكد إيمانهم. وإما أن يكون شكهم صادرا عن تعمد الإنكار والإصرار، فيكون الخطاب موجها إليهم على وجه الزجر والتقريع، لأنهم يجادلون في أمر ثابت لا محل فيه للجدل والمراوغة ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٩]. وقوله تعالى في هذا السياق ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ * وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ ليس المراد منه أن الله يحول بين فريق من الناس وبين الإيمان، فالله تعالى قد هدى الإنسان النجدين، وعرفه طريق الخير من طريق الشر، ومكنه من جميع الوسائل لتمييز الحق من الباطل، والهدى من الضلال، وأعطاه من القدرة والإرادة ما يستطيع بواسطتهما أن يرجح كفة على أخرى، وأن يختار الطريق الذي يريد سلوكه، وأن يفضل من الأعمال والتصرفات ما يرغب في تفضيله، وذلك هو محور التكليف، ومناط الثواب والعقاب. وإنما المراد بهذه الآية وما ماثلها أن هناك طائفة من الناس قد ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون، فلم ينفع فيهم ترغيب ولا ترهيب، واختاروا عن عمد وإصرار طريق الهلاك والبوار، فلم يبق

стр. 901

في قلوبهم -بعدما خيَّم عليها الظلام- أيّ منفذ للنور، وأصبحت الموعظة بالنسبة إليهم كالضرب في حديد بارد لا أثر لها ولا نفع، فهؤلاء ﴿لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ﴾ لأنهم يكذبون بالآيات جميعها، ويسخرون منها كلها، وإنما يؤمنون في حالة واحدة وعن اضطرار، لا عن اقتناع، وذلك عندما يرون عذاب الله نازلا بساحتهم، وهو منهم قاب قوسين أو أدنى، فهم لا يؤمنون ﴿حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾. غير أن هذا النوع من الإيمان الاضطراري في آخر لحظة لا ينفع أصحابه، ومثله التوبة عند الاحتضار وغرغرة الموت لا تنفع صاحبها، كما لم ينفع فرعون إيمانه عندما أدركه الغرق: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾. ومضى كتاب الله في نفس السياق يتحدث عن الأمم الغابرة التي كذبت بآيات الله، فأخذها الله أخذا وبيلا، ولم ينفعها إيمانها الاضطراري في آخر لحظة، عند نزول العقاب، وحلول العذاب، اللهم إلا قوم يونس، فإنهم -بمجرد ما فقدوا نبيهم- إذ ذهب مغاضبا لهم- أحسوا بأن عذاب الله قد أخذ يقترب من ساحتهم، فبادروا بالتوبة إلى الله توبة نصوحا، بصدق وندم، قبل أن يدركهم العذاب، والتجأوا إلى الله أربعين ليلة يرتجون عفوه، ويسألون لطفه، خاشعين مهطعين، فلم يصبهم العذاب الذي أنذرهم به نبيهم يونس من قبل، لأنهم تداركوا أمره بالتوبة دون تأخير، وما كاد يونس يعود إليهم حتى وجدهم قد تابوا وآمنوا ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ [الصافات: ١٤٨] وذلك قوله تعالى في هذا الربع ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا﴾ أي

стр. 902

لما آمنوا في الوقت المناسب قبل نزول العذاب ﴿كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ أي حلنا بينهم وبين العذاب، بسبب إيمانهم وتوبتهم قبل حلول العذاب، وذلك على خلاف ما فعله غيرهم، حيث لم يؤمنوا إلا عند حلول العذاب لا قبله، فلم ينفعهم إيمانهم في اللحظة الأخيرة، لأنه إيمان مطعون فيه صادر عن اضطرار وإجبار، لا عن اقتناع واختيار ﴿وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ أي متعنا قوم يونس إلى حين انتهاء آجالهم. وبهذا التفسير يتضح أن الاستثناء الوارد في قوله تعالى: ﴿إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ﴾ هو من باب الاستثناء المنقطع بمعنى: (ولكن قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم العذاب). وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ معناه أن الله تعالى لو أراد لحمل الناس على الإيمان واضطرهم إليه غاية الاضطرار، ولم يترك لهم في شأنه أي اختيار، ولجعل الإنسان كباقي الحيوانات العجماء مسوقا من ورائه بسوط القهر والإجبار، وحينئذ يصبح الإنسان مجبرا على الطاعة، مكرها على الإيمان، فاقدا لأخص خصائص الإنسان، لكن الله تعالى أراد أن يخلق الإنسان على خلاف غيره من الحيوانات، فخلقه حرا مختارا، وأعطاه من الأجهزة والملكات الخاصة به ما يمكنه من النظر والاختيار، ولا ينزل به إلى مستوى القهر والاضطرار، حتى يكون له في نظره الخاص ميزة، وفي اختياره الخاص فضل، وحتى يكون للتكليف والمسؤولية أساس مفهوم، ومبرر معقول، ومن أجل الملكة الإنسانية -ملكة التقدير

стр. 903

الشخصي والاختيار الحر، التي ميز الله بها الإنسان عن باقي الحيوان- اختار بعض الناس الإيمان دون الكفر، واختار بعضهم العكس، ومن أجل ذلك كان جزاء حسن الاختيار الثواب العظيم، وجزاء سوء الاختيار العذاب الأليم. وبهذا التفسير يتضح أيضا معنى قوله تعالى في آية أخرى ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ [هود: ١١٨] وذلك لاختلاف أفكارهم، وحسن أو سوء اختيارهم. وقوله تعالى: ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ خطاب من الله إلى رسوله، القصد منه تهدئة روعه وطمأنينة نفسه، فقد كان ﷺ حريصا على هداية الخلق، إلى حد أنه كان يحزن أشد الحزن إذا لم تنفع في بعضهم الموعظة الحسنة، ولم تؤثر فيهم الحجة البالغة ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٣]. وليس المراد أن رسول الله ﷺ كان يحاول فعلا إكراه غير المؤمنين على الإيمان، فهو أعلم الناس عن ربه بأنه ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: ٢٥٦]. نعم في هذه الآية تلقين من الله لعباده المؤمنين أن يبينوا للناس ما نزل إليهم، ويمكنوهم من وسائل الإيمان حتى تقوم الحجة عليهم، ثم يتركوا لهم بعد ذلك الخيار، فإن أرادوا الإيمان أقبلوا عليه عن طواعية واختيار.

стр. 904

وتأكيدا لهذا المعنى وتركيزا له في الأذهان قال تعالى مخاطبا لرسوله الأعظم ﷺ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ فهو من جهة أولى يمتنع من أن يعبد آلهة لا يؤمن بوجودها فضلا عن أن يؤمن بأحقيتها للعبادة، وهو من جهة ثانية لا يترك دينه الذي وثق به كل الثقة واطمأن إليه كل الاطمئنان، من أجل أن الآخرين لا يزالون يشكون في صحته، فشك الشاك لا يبطل إيمان المؤمن ولا يؤثر عليه، لكنه من جهة ثالثة لم يفرض على الشاكين أن يؤمنوا بدينه قهرا وجبرا، وإنما لفت أنظارهم إلى أن الله الذي يعبده هو وحده الذي بيده أرواحهم، وهو الذي يتوفاهم متى شاء ﴿وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. وزيادة في تأكيد مبدأ حرية الاعتقاد، وضمان هذه الحرية، بعد القيام بواجب الدعوة، وعلاوة على مضمون الآيات السابقة، وجه الحق في ختام هذه السورة -سورة يونس المكية- خطابه إلى نبيه ملقنا ومعلما له ولأمته ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾. ويتفق مع هذا قوله تعالى في آية ثانية: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: ٢١، ٢٢] وقوله تعالى في آية ثالثة: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ [الرعد: ٤٠].

стр. 905

وقوله تعالى: ﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ وعد سابق من الله لرسوله وهو لا يزال بمكة يكافح الشرك والمشركين، بما سيناله دينه من الظهور على بقية الأديان، وبما سيناله أتباعه من نصر مؤزر وفتح قريب في مختلف الأقطار والبلدان. وقد حقق الله وعده، وهزم الأحزاب وحده، ومكن من مقاليد العالم جنده ﴿أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [المجادلة: ٢٢]. غير أن هذا الوعد الإلهي في أصله مشروط بثلاثة شروط: الشرط الأول: إتباع الوحي الإلهي، وعدم التنكب عن طريقه أو الخروج عن هدايته ﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ﴾. والشرط الثاني: الصبر على تحمل متاعب الأمانة الإلهية والقيام بتكاليفها وأعبائها الثقيلة، عن وعي ويقظة، ودون هوادة ولا تهاون ﴿وَاصْبِرْ﴾. والشرط الثالث: التأهب لاغتنام الفرصة المواتية، وعدم تضييعها متى حان أوان انتهازها ﴿وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾. فلكل غلَّة موسمُها، ولكل معركة موعدُها، وإذا عاد المسلمون إلى الله بعدما فروا منه في هذا العصر، والتزموا بتنفيذ شروطه التي اشترطها عليهم دون أي إهمال أو إخلال، بدَّلهم الله حالا أحسن من هذا الحال، وعاد إليهم بالنصر والتأييد، والتوفيق والتسديد، وما ذلك على قدرته ببعيد.

стр. 906

الربع الأول من الحزب الثالث والعشرين في المصحف الكريم (ق) ــ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (٧) وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٨) وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ (٩) وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ (١٠) إِلَّا الَّذِينَ

стр. 907

صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١١) فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٢) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٣) فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٤) مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٦) أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (١٧) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ

стр. 908

عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (١٨) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (١٩) أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ (٢٠) أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢١) لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (٢٢) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٣)

стр. 909

الربع الأول من الحزب الثالث والعشرين في المصحف الكريم (ت) عباد الله حصة هذا اليوم تتناول الربع الأول من الحزب الثالث والعشرين في المصحف الكريم، ابتداء من قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. ــ في نهاية الربع الماضي ختمنا بعون الله وتوفيقه سورة يونس المكية، التي تليها في ترتيب المصحف الكريم سورة هود المكية أيضا. و " سورة هود " أطلق عليها هذا الاسم، أخذا من الآيات الكريمة التي وردت أثناءها في الحديث عن هود ﵇ وقومه عاد، كقوله تعالى: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الآية: ٥٠]. وقوله تعالى: ﴿قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [الآية: ٥٣]، وقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ

стр. 910

غَلِيظٍ﴾ [الآية: ٥٨]. وقوله تعالى: ﴿أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ﴾ [الآية: ٦٠]. وفي هذه السورة الكريمة قال رسول الله ﷺ : (شيبتني هود وأخواتها) جوابا لأبي بكر الصديق عندما قال له: (يا رسول الله قد شبت) كما روى ذلك الترمذي في سننه، وأخواتها هي: سورة الواقعة، والمرسلات، وعم يتساءلون، وإذا الشمس كورت، كما ورد في رواية أخرى عند الترمذي. وسورة هود لها شبه كبير بسورة يونس قبلها، وتستغرق أخبار الأنبياء السابقين وقصصهم مع أقوامهم أكبر قسم من هذه السورة، فبالإضافة إلى قصة هود مع قومه تتناول سورة هود جوانب جديدة من قصص نوح وصالح وإبراهيم ولوط وشعيب وموسى. ومما ينبغي التنبيه إليه في هذا المقام أن كتاب الله لا يتناول الموضوع الواحد، ولاسيما قصص الأنبياء، عدة مرات لمجرد التكرار، بل إن عودته ما بين الحين والحين إلى تناول تلك القصص تتضمن عرض جانب جديد من جوانبها لم يسبق عرضه من قبل، مما يتناسب مع السياق والموضوع الجديد الذي وردت فيه القصة. قال أبو القاسم بن جزي صاحب " القوانين الفقهية " في كتابه ﴿التسهيل لعلوم التنزيل﴾: " فإن قيل ما الحكمة في تكرار قصص الأنبياء في القرآن، فالجواب من ثلاثة أوجه: الأول: أنه ربما ذكر في سورة من أخبار الأنبياء ما لم يذكره

стр. 911

في سورة أخرى، ففي كل واحدة منهما فائدة زائدة على الأخرى. الثاني: أنه ذكرت أخبار الأنبياء في مواضع على طريقة الإطناب، وفي مواضع على طريقة الإيجاز، لتظهر فصاحة القرآن في الطريقتين. الثالث: أن أخبار الأنبياء قصد بذكرها مقاصد، فتعدد ذكرها بتعدد تلك المقاصد، فلما كانت أخبار الأنبياء تفيد فوائد كثيرة ذكرت في مواضع كثيرة، " ولكل مقام مقال " انتهى. وفي مطلع سورة هود يبتدئ الحديث بالتنويه بكتاب الله، وما تتضمنه آياته من حكمة وإحكام، ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾، كما اختتم الحديث في سورة يونس قبلها بوجوب إتباع كتاب الله، والثبات على تبليغه، والصبر على تحمل تبعاته ﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾. وبيَّن الله الاختصاص الأساسي والجوهري لمنصب الرسالة، وأنه ينحصر في النذارة والبشارة ﴿إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ﴾. ودعا المؤمنين إذا أرادوا أن يمتعهم الله متاعا حسنا بالنعم والأرزاق والخيرات، وأن يحييهم حياة طيبة، إلى استغفار ربهم، والتوبة إلى الله من ذنوبهم، بالندم عليها ندما صادقا، والإقلاع عنها إقلاعا تاما، حتى يفتح الله في وجوههم طريق العمل الصالح، ويعينهم على سلوكه بنجاح في جميع مجالات الحياة، وذلك قوله

стр. 912

تعالى: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾. ونبه كتاب الله إلى أن من زاد في الإحسان، زيد له في الثواب بقدر ما زاد من الحسنات والأعمال الصالحة، فقال تعالى: ﴿وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾ وكما يصدق هذا على الثواب في الآخرة يصدق على الجزاء في الدنيا. وأنذر كتاب الله على لسان رسوله كافة المخالفين، والعصاة المتعنتين، فالتفت إلى خطابهم قائلا: ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ (٣) إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. وأكد كتاب الله أن كل محاولة يحاولها الإنسان للاستخفاء والتستر عن الله، بالنسبة إلى أي عمل من الأعمال، ولاسيما عمل السيئات والفواحش، إنما هي محاولة فاشلة، لأن علم الله يستوعب السر والعلن، وعين الله تراقب ما ظهر وما بطن، فلا ثني الصدور، ولا ستار الأغطية، ولا أي وضع من الأوضاع التي يختفي بها الناس لها أدنى فائدة بالنسبة لعالم الغيب والشهادة، اللطيف الخبير ﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ﴾ أي يجعلونها أغشية وأغطية ﴿يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾. وتعهد كتاب الله بأنه ما من كائن حي يتوالد في الأرض، صغر شأنه أو كبر، إلا وقد تكفل الله برزقه، فهيأ له إما في البر

стр. 913

وإما في البحر ما يقتات به من المنتوجات والثمرات على اختلاف الأجناس والأنواع والأصناف، مما هو صالح ومناسب لحياة كل نوع من أنواع الأحياء، حشرة كان أو حيوانا أو إنسانا، وما على المسترزق إلا أن يبحث عن رزقه، ويسلك الطريق المؤدي إلى العثور عليه، وذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾. قال أبو القاسم بن جزي: " فان قيل كيف قال -على الله- بلفظ الوجوب وإنما هو تفضل، لأن الله لا يجب عليه شيء؟ فالجواب؟ أنه ذكره كذلك تأكيدا في الضمان، لأنه لما وعد به صار واقعا لا محالة، إذ أنه لا يخلف الميعاد ". ولا يقولن أحد: إن الله قد تكفل برزقي فلأترك تناول الأسباب، ولأنتظر من يطرق الباب، فإن السماء لا تمطر ذهبا ولا فضة كما قال عمر بن الخطاب. وقوله تعالى هنا: ﴿وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ إشارة إلى أن علم الله محيط بكل شيء، وأنه يعلم على العموم والخصوص، وعلى الجملة والتفصيل، في أي أرض تعيش الأحياء وفي أي أرض تموت، زرافات ووحدانا، وبأوسع من هذا المعنى ورد قوله تعالى في آية ثانية: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩]. والمراد " بالكتاب المبين " في هاتين الآيتين هو نفس المراد بالكتاب في قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ

стр. 914

بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنعام: ٣٨] أي كتاب خاص محفوظ عند الله، فيه بيان مفصل عن شؤون الخليقة من بدايتها إلى نهايتها. وقوله تعالى هنا: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ المتعلق من جهة الإعراب بفعل -خلق- الوارد في قوله تعالى قبله ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ تنبيه من الله إلى أن الحكمة في التفضل بخلقهم والتكفل برزقهم إنما هي اختبار أحوالهم، وإبراز آثارهم، والكشف عن اختياراتهم، لتقوم الحجة عليهم، فالدنيا إنما خلقها الله لتكون حلبة سباق وتنافس بين الناس في العمل الصالح، الذي ينشأ عنه صلاح البشرية وسعادتها، على غرار قوله تعالى في آية أخرى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢]. و" العمل الأحسن " المعبر به في هاتين الآيتين هو نفس المعنى المراد من " العبادة " التي ورد ذكرها في قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]. فكل عمل صالح هو عبادة لله وامتثال لأمره، من جهة، وكل عبادة هي في حد ذاتها عمل صالح، من جهة أخرى، والقرآن يفسر بعضه بعضا. وقوله تعالى في هذا الربع: ﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ﴾. المراد بالأمة هنا الأمد والأجل، أي إن أخرنا عنهم العذاب إلى وقت محدود تساءلوا ما الذي يحبس ذلك العذاب، وبنفس المعنى استعمل لفظ " أمة " في

стр. 915

قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يوسف: ٤٥] أي استذكر بعد مدة. ولإتمام الفائدة في هذا المقام ينبغي التنبيه إلى أن لفظ ﴿أُمَّةٍ﴾ في كتاب الله يستعمل أيضا بمعنى " الإمام المقتدى به " كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ [النحل: ١٢٠]، وبمعنى " الفرقة والطائفة " كما في قوله تعالى: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾ [آل عمران: ١١٣] وبمعنى " الجماعة " كما في قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ﴾ [القصص: ٢٣]، وبمعنى " الملة " كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣]، وبمعنى " أمة الإجابة المصدقة للرسالة " كما في قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] وبمعنى " أمة الدعوة " الشاملة لكل من بعث إليه الرسول ممن آمنوا أو بقوا على الكفر، كما في قوله تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [يونس: ٤٧]. وتناول كتاب الله بالوصف والتحليل نفسية الأشخاص القلقين، من ضعفاء الإيمان وضعفاء النفس، في حالتي الشدة والرخاء، مبينا أن هذا الرهط من الناس إذا أصابته شدة بعد الرخاء لا يلبث أن تنهار أعصابه، ويبلغ به اليأس والقنوط من رحمة الله إلى أقصى حد، حتى كأنه لم ينل في سابق حياته من ربه أي عطاء أو إحسان، فهو عاجز كل العجز عن تحمل
следующие страницы →