← Тафсир

Тафсир · id 115129

التيسير في أحاديث التفسير

محمد المكي الناصري

Полный текст (2 848 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

النواهي، ولم يتعدوا حدود الله، فأدوا ما عليهم من حقوق الله وحقوق الإنسان، ولم يخلوا بشيء منها، وهذا الوصف العام الجامع المانع هو وسام الشرف وخاتمة البيان. وبعد ما عدد كتاب الله الأوصاف الرئيسية والمميزة للمؤمنين في أجمل صورهم، وأكمل أحوالهم، عقب على ذلك بتجديد البشرى لهم مرة أخرى، هبة من الله وإكراما، فقال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ويا سعد من حلت بساحته البشرى من الله، وأحل عليه رضوان الله. قال القاضي أبو بكر (ابن العربي): " وقوله ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي بشرهم بثوابي إذا كانوا على هذه الصفة ... فأما نفس لا تكون هكذا ولا تتحلى بهذه الحلى، فلا يبذل فيها فلس، فكيف الجنة؟ ". وفي هذا الربع نفسه تولى كتاب الله الحديث عن قصة الثلاثة الذين خلفوا، وعن توبتهم التي سارت بذكرها الركبان، وسجلها الوحي بأحرف من نور في سور القرآن، حتى سميت بها هذه السورة الكريمة " سورة التوبة ". وإلى هذه القصة يشير قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾. وخلاصة هذه القصة أن رسول الله ﷺ ذهب إلى غزوة تبوك حين طابت الثمار، وبردت الظلال، وخرج في حر شديد، وهي

стр. 842

" العسرة " التي افتضح فيها الناس، وكان ممن تخلف عنه ثلاثة: كعب بن مالك، ومرارة بن الربيع العامري، وهلال بن أمية الواقفي. فلما قفل رسول الله من غزوة تبوك دخل إلى المسجد، فجاء من تخلف عنه يعتذرون إليه وهم ثمانون رجلا، فقبل النبي ظاهر حالهم ووكل سرائرهم إلى الله، إلا هؤلاء الثلاثة فإنهم لم يعتذروا، وصدقوا رسول الله ﷺ حقيقة أمرهم، وكان مما قاله له أحدهم، وهو كعب بن مالك: " يا رسول الله لو جلست عند غيرك لرأيت أن أخرج من سخطه بعذر، لكني والله لقد علمت لئن حدثتك بحديث كذب ترضى به عني ليوشكن الله أن يسخطك علي، ولئن حدثتك بصدق تجد علي فيه أني لأرجو عقبى ذلك من الله ، والله يا رسول الله ما كان لي عذر، والله ما كنت قط أفرغ ولا أيسر مني حين تخلفت عنك ". فقال رسول الله ﷺ : (أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي الله فيك). قال كعب بن مالك وهو يروي تمام القصة كما وردت في صحيح البخاري ومسلم وغيرهما من كتب السنة: " فنهى رسول الله ﷺ المسلمين عن كلامنا نحن الثلاثة من بين من تخلف عنه، فاجتنبنا الناس، وتغيروا لنا، حتى تنكرت لي في نفسي الأرض، فما هي بالأرض التي كنت أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنت أشد القوم وأجلدهم، فكنت أشهد الصلاة مع المسلمين، وأطوف بالأسواق، فلا يكلمني منهم أحد، وآتي رسول الله وهو في مجلسه بعد الصلاة، فأسلم عليه وأقول في نفسي: أحرك رسول الله شفتيه برد السلام علي أم لا؟ ثم أصلي قريبا منه وأسارقه النظر، فإذا أقبلت

стр. 843

على صلاتي (وهو جالس) نظر إلي، فإذا التفت نحوه أعرض عني، حتى إذا طال علي هجر المسلمين ... ومضت أربعون ليلة من الخمسين، إذا برسول رسول الله يأتيني يقول: " يأمرك رسول الله أن تعتزل امرأتك " فقلت له: " أطلقها أم ماذا أفعل؟ " فقال: " بل اعتزلها ولا تقربها ". وأرسل رسول الله إلى صاحبي بمثل ذلك ... فلبثنا على هذا الحال عشر ليال، فكمل لنا خمسون ليلة من حين نهى عن كلامنا، ثم صليت صلاة الصبح صباح الخمسين ليلة على ظهر بيت من بيوتنا، فبينما أنا جالس على الحال التي ذكر الله تعالى (في هذه الآية) قد ضاقت علي نفسي، وضاقت علي الأرض بما رحبت، سمعت صارخا أوفى على جبل سلع يقول بأعلى صوته: " أبشر يا كعب بن مالك، أبشر " فخررت ساجدا لله، وعرفت أن قد جاء الفرج من الله بالتوبة علينا، فأعلن رسول الله ﷺ توبة الله علينا، وأعلم بها المسلمين حين صلى الفجر، فأقبل الناس يبشروننا، ولما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبي، فكسوتهما إياه ببشارته، والله ما أملك يومئذ غيرهما، واستعرت ثوبين فلبستهما، وانطلقت أؤم رسول الله -أي أقصده- وتلقاني الناس فوجا فوجا يهنئونني بتوبة الله، يقولون: ليهنك توبة الله عليك، حتى دخلت المسجد، فإذا رسول الله جالس في المسجد والناس حوله، فقام إلي طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني، والله ما قام إلي رجل من المهاجرين غيره - وكان كعب لا ينساها لطلحة- فلما سلمت على رسول الله قال وهو يبرق وجهه من السرور: " أبشر يا كعب بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك ". فقلت: أمن عندك

стр. 844

يا رسول الله أم من عند الله؟ فقال: " لا بل من عند الله ". وكان رسول الله ﷺ إذا سر استنار وجهه حتى كأنه قطعة قمر، حتى يعرف ذلك منه، فلما جلست بين يديه قلت يا رسول الله: " إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله ". فقال ﵇: " أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك ". فقلت يا رسول الله: " إنما نجاني الله بالصدق، وإن من توبتي أن لا أحدث إلا صدقا ما بقيت، والله ما تعمدت كذبة منذ قلت ذلك لرسول الله إلى يومي هذا، وإني لأرجو أن يحفظني الله فيما بقي ". فهذه هي قصة " الثلاثة الذي خلفوا " كما حكاها كعب بن مالك أحد الثلاثة، ورواها البخاري ومسلم في الصحيحين وغيرهما من أئمة الحديث، وهي أحسن تفسير لقوله تعالى في هذه السورة ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ أي خلفوا عن بقية المعتذرين الذين حلفوا واعتذروا، لأن هؤلاء الثلاثة فضلوا الصدق على الحلف، فلم يحلفوا ولم يعتذروا وصدقوا الله ورسوله، وقضوا خمسين ليلة مهجورين من الرسول والمؤمنين وهم صابرون ينتظرون فرج الله، وعفوه عنهم، وقبول توبتهم، إلى أن نزل بقبول توبتهم الوحي من عند الله ﴿حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ﴾ أي مع سعتها ﴿وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ﴾ والظن هنا بمعنى اليقين ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾. قال القاضي أبو بكر " ابن العربي ": " وفيه دليل على أن للإمام أن يعاقب

стр. 845

المذنب بتحريم كلامه على الناس أدبا له ". وتنويها بصدق الثلاثة الذين خلفوا، والتزامهم للصدق دون انحراف ولا تراجع ختم كتاب الله الحديث عن قصتهم بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾.

стр. 846

الربع الثالث من الحزب الواحد والعشرين في المصحف الكريم (ق) ــ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (١٢٣) وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ (١٢٥) أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ (١٢٦) وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (١٢٧)

стр. 847

لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (١٢٩) ١٠ - سورة يونس مكية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (١) أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ (٢) إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٣) إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (٤) هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا

стр. 848

خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٥) إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ (٦) إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ (٧) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٨) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٩) دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٠)

стр. 849

الربع الثالث من الحزب الواحد والعشرين في المصحف الكريم (ت) عباد الله حديث هذا اليوم يتناول الربع الثالث من الجزب الواحد والعشرين في المصحف الكريم، ابتداء من قوله تعالى في سورة التوبة المدنية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ إلى قوله تعالى في سورة يونس المكية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ * دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ــ في هذا الربع تنتهي سورة التوبة المدنية، وتبتدئ سورة يونس المكية، والجزء الأخير من سورة التوبة يخص بالذكر موضوع الجهاد في سبيل الله مرة أخرى، ويتعرض بالتدقيق والتفصيل لوصف الحالة التي يكون عليها المنافقون من الانفعال والقلق والاضطراب، كلما نزلت أمامهم سورة من سور القرآن، ويلقي بالخصوص الأضواء على (الخلق العظيم) الذي كان عليه الرسول الكريم، مما أعطاه مكانة خاصة بين الأنبياء والرسل

стр. 850

- فضلا عمن دونهم - وجعلهم أهلا لكل إجلال وتكريم. أما الجزء الأول من سورة يونس فهو يتضمن تنويها بآيات الذكر الحكيم، وتنبيها إلى أن إرسال الرسل إلى الناس من نفس البشر، لا من بين الملائكة، أمر لا غرابة فيه، بل هو الأمر المعقول والمنتظر، كما يتضمن تبشير للمؤمنين بمكانتهم الخاصة عند الله، وتفصيلا لنشأة الكون الواسع، وما يتعاقب عليه من مظاهم وأطوار، وتوجيها إلى التدبر في آيات الله، ومن بينها تعاقب الشمس والقمر واختلاف الليل والنهار، ووصفا لما ينتهي إليه من يرجو لقاء الله من حسن المآب، وما ينتهي إليه من لا يرجو ذلك اللقاء ولا يحسب له آي حساب. ولنقف الآن وقفة قصيرة عند بعض الآيات الواردة في هذا الربع، بقدر ما يسمح به الوقت المخصص لهذه الحصة. يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ وهذه الآية سبقتها آية أخرى في نفس الموضوع، وفي نفس هذه السورة سورة التوبة، وهي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾. غير أنه يوجد بين هاتين الآيتين فرق فهم، ذلك أن الآية السابقة أمرت بجهاد الكفار عموما القريب منهم والبعيد، بينما الآية الواردة في هذا الربع ترشد المؤمنين إلى نوع خاص من الكفار الذين يجب البدء بقتالهم بالخصوص، وهؤلاء الكفار الذين

стр. 851

تتوجه إليهم الأنظار هم الذين توجد مراكز نفوذهم السياسي وقواعدهم العسكرية قريبة كل القرب من عاصمة الإسلام وقاعدته الأولى " المدينة المنورة "، ممن يتربصون بالإسلام الدوائر، إذ في وجودهم بالقرب من عاصمة الإسلام خطر مباشر لا يمكن تجاهله بحال، وفيه نوع من الحصار المضروب على الإسلام، حتى لا يتسرب إلى خارج الجزيرة العربية، وينتشر فيما وراءها. وبما أن رسالة الإسلام رسالة عامة إلى كافة البشر، كان من أوجب الواجبات عليه أن يهدم السدود، ويخترق الحدود، ليشق طريقه إلى الشعوب والأمم، آمنا من الفتنة والاضطهاد، داعيا إلى إقامة دعائم الصلاح والرشاد، عاملا على دك حصون الظلم والفساد، وذلك ما دشنه رسول الله ﷺ بنفسه في غزوة تبوك آخر حياته قبل انتقاله إلى الرفيق الأعلى. قال ابن كثير في تفسيره لهذه الآية الكريمة ما خلاصته بإيجاز: " أمر الله المؤمنين أن يقاتلوا الكفار أولا فأولا، الأقرب فالأقرب، إلى حوزة الإسلام. ولهذا بدأ رسول الله يقاتل المشركين في جزيرة العرب، فلما فرغ منهم ودخل الناس من سائر أحياء العرب في دين الله أفواجا شرع في قتال أهل الكتاب، فتجهز لغزو الروم الذين هم أقرب الناس إلى جزيرة العرب، وأولى الناس بالدعوة إلى الإسلام، لأنهم أهل الكتاب، فبلغ تبوك ثم رجع سنة تسع من هجرته ﵇، ثم اشتغل في السنة العاشرة بحجة الوداع، ثم عاجلته المنية بعد حجته بأحد وثمانين يوما، فاختاره الله لما عنده، وقام بالأمر بعده خليفته أبو بكر الصديق ... فوطَّد

стр. 852

القواعد، وثبت الدعائم، ورد شارد الدين وهو راغم ... ثم شرع في تجهيز الجيوش الإسلامية إلى الروم عبدة الصلبان، وإلى الفرس عبدة النيران، ففتح الله ببركة سفارته البلاد ... وكان تمام الأمر على يدي وصيه من بعده وولي عهده الفاروق الأواب، شهيد المحراب ... أبي حفص عمر بن الخطاب، فأرغم الله به أنوف الكفرة الملحدين، وقمع الطغاة والمنافقين، واستولى على الممالك شرقا وغربا ... ثم لما مات شهيدا، وقد عاش حميدا، أجمع الصحابة من المهاجرين والأنصار على خلافة أمير المؤمنين عثمان بن عفان ... شهيد الدار، فكسى الإسلام حلة سابغة، وأمد في سائر الأقاليم حجة الله البالغة، فظهر الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها ... وبلغت الملة الحنيفية من أعداء الله غاية مآربها، وكلما علوا أمة انتقلوا إلى من بعدهم، ثم الذين يلونهم من العتاة الفجار، امتثالا لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ﴾ ". وقوله تعالى هنا: ﴿وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾ أمر للمؤمنين الذين يشتبكون مع أعدائهم بأن يواجهوا المعركة بما يلزم لها من قوة القلب، وضبط النفس، وتقدير المصلحة العليا، وأن يقوموا بواجب الجهاد كاملا غير منقوص، حتى يمكنوا بجهادهم للإسلام، ويفرضوا هيبته على الأنام، ويرفعوا عنه الحصار المضروب من حوله، ويشقوا له طريق العيش في سلام. وبنفس المعنى سبق قوله تعالى في هذه السورة وكما سيأتي في سورة التحريم: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ

стр. 853

عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٧٣ - التحريم: ٩]. وكلمة (الغلظة) إذن لا تعني القسوة، ومجاوزة الحدود، بقدر ما تعني الشجاعة في القتال، وضبط الأعصاب عند مواجهة العدو، فالجهاد الإسلامي كان ولا يزال هو المثل الأعلى للحرب الإنسانية في أهدافها، والأخلاقية في تصرفاتها، فلا تمثيل بالقتلى، ولا قتل للجرحى، ولا تعذيب لأسرى، ولا تحريق للزرع، ولا تضييع للضرع، ولا اعتداء على الأطفال والنساء والعَجَزة، ولا إهانة للرهبان في دياراتهم وصوامعهم، ولا حرب مع البعيد عن ميدان المعركة من المدنيين، وإنما الحرب منحصرة كلها في جبهة القتال، ومع حاملي السلاح المقاتلين، وأعوانهم المساعدين، فهذا هو الجهاد الإسلامي الصحيح. وقوله تعالى في نفس هذا السياق ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ إشارة إلى أن جهاد المسلمين لا يؤتي ثمرته المرجوة إلا إذا كان القائمون به من الجند، والمشرفون عليه من القادة، معتصمين بتقوى الله قولا وعملا، سرا وجهرا. أما العصاة المذنبون فإنهم يفقدون أهم سلاح في المعركة، وهو سلاح التقوى المنبثقة من الإيمان، وما تستتبعه من رضا الله ومدده القوي ولطفه الخفي. قال ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية: " فكلما قام ملك من ملوك الإسلام وأطاع أوامر الله، وتوكل على الله، فتح الله عليه من البلاد، واسترجع من الأعداء بحسب ذلك، وبقدر ما فيه من ولاية لله ". وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ

стр. 854

مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ امتنان من الله تعالى على عباده المؤمنين، وتذكير لهم بخصائص الدعوة الإسلامية التي أوحى الله بها إلى خاتم الأنبياء والمرسلين، وما جاءت به هذه الدعوة السماوية من يسر وسماحة وبعد عن الحرج والعنت، وحرص شديد على هداية الخلق، والأخذ بيدهم إلى طريق الفوز والسعادة دنيا وأخرى، نوره كتاب الله بما امتلأ به قلب الرسول الأعظم من العطف على أمته والاهتمام بمصيرها، وبما تحمله من المتاعب في سبيل تبليغ الرسالة إليها وخفض جناحه لها. ثم عقب على ذلك بما يفيد أنه إذا ضل المسلمون طريقهم، وهجروا كتابهم، وأهملوا شريعتهم، وعادوا إلى الجاهلية الأولى، مولين الأدبار، فإن رسول الله ﷺ يتبرأ من أعمالهم، ويكلهم إلى أنفسهم، ولا يغني عنهم من الله شيئا، وذلك قوله تعالى هنا في إيجاز وإعجاز ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ أي أدبروا ورجعوا عن التمسك بالإسلام وشريعته - ﴿فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ﴾ مصداقا لقوله تعالى في آية ثانية ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان: ٣٠]، وقوله تعالى في آية ثالثة: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه: ١٢٤]، وقوله تعالى في آية رابعة: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢١٥) فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢١٦) وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ [الشعراء: ٢١٥، ٢١٦، ٢١٧].

стр. 855

وختمت سورة التوبة بتمجيد الله والثناء عليه والالتجاء إليه، تلقينا لرسول الله والمؤمنين: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾. وهنا نقف أمام سورة يونس المكية، وأطلق عليها هذا الاسم، بمناسبة ورود آية فيها عن قوم يونس إذ قال تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾. وسبق ذكر يونس ﵇ في سورة النساء ﴿وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ﴾. وفي سورة الأنعام ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ﴾. ومن المناسبات الطريفة الموجودة بين نهاية سورة التوبة وبداية سورة يونس أنهما يشتركان معا في الحديث عن خاتم الأنبياء والمرسلين، وتوجيه الأنظار إلى الرسالة التي فضله الله بها على العالمين. فمن قوله تعالى في خاتمة سورة التوبة: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الآية: ١٢٨]، ننتقل إلى قوله تعالى في فاتحة سورة يونس: ﴿الر، تلك آيات الكتاب الحكيم، الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (١) أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ﴾. ثم قال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ

стр. 856

الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾. ومضى الحديث في بقية هذا الربع يقارن بين الكافرين والمؤمنين، وما يكونون عليه من أحوال في الدنيا، وما ينتهون إليه من مآل في الآخرة، إلى أن جاء الوحي بتفصيل هذه البشرى التي ابتدأت بها السورة فقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ * دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.

стр. 857

الربع الأخير من الحزب الواحد والعشرين في المصحف الكريم (ق) ــ وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١١) وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢) وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (١٣) ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (١٤) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى

стр. 858

إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥) قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٦) فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ (١٧) وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٨) وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١٩) وَيَقُولُونَ لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (٢٠) وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ (٢١) هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ

стр. 859

دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٢٢) فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٣) إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢٤) وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٥)

стр. 860

الربع الأخير من الحزب الواحد والعشرين في المصحف الكريم (ت) عباد الله في حصة هذا اليوم نتناول الربع الأخير من الحزب الواحد والعشرين في المصحف الكريم، ابتداء من قوله تعالى: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. ــ من شأن الإنسان العادي وغير المهذب، إذا أصابه الضجر وأثاره الغضب، أن يدعو على نفسه وأهله وولده وماله بدعاء الشر، ومن شأنه أيضا إذا هدأت أعصابه واطمأن قلبه أن يدعو لنفسه وأهله وولده بدعاء الخير، غير أن الله تعالى الذي هو مجيب الدعاء، والذي يرتبط بإرادته المطلقة مصير دعاء الداعين، إن شاء أجابه، وإن شاء لم يجبه، تكرم على خلقه، رحمة بهم، وإحسانا إليهم، في فترات ضعفهم، وهيجان غضبهم، بأن لا يجيب دعاءهم إذا كان ذلك الدعاء يتضمن شرا، وصادرا عن مجرد الغضب والضجر، لأن في إجابة هذا النوع من الدعاء هلاكا لهم محققا.

стр. 861

وهذه المنة الربانية التي من الله بها على عباده، بعدم إجابته دعاء الشر، هي التي تتضمنها أول آية في هذا الربع، حيث قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾ أي لو أن الله استجاب للناس كلما دعوا دعاء الشر لأهلكهم. قال مجاهد في تفسير هذه الآية: " دعاء الشر هو قول الإنسان لولده أو ماله إذا غضب عليه: " اللهم لا تبارك فيه والعنه " فلو يعجل الله لهم الاستجابة في ذلك، كما يستجاب لهم في الخير، لأهلكهم. قال ﷺ : (لا يدعون أحدكم على نفسه، فربما صادف ساعة لا يسأل الله فيها أحد إلا أعطاه إياها). وروى البزار في مسنده أن رسول الله ﷺ قال: (لا تدعوا على أنفسكم. لا تدعوا على أولادكم. لا تدعوا على أموالكم. لا توافقوا من الله ساعة فيها إجابة فيستجيب لكم) وإلى مثل هذا المعنى يشير قوله تعالى في آية أخرى: ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا﴾. [الإسراء: ١١]. أما دعوة المظلوم على ظالمه ولو كانت دعوة شر على الظالم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب، كما جاء في الحديث الشريف. وانتقل كتاب الله إلى وصف الحالة النفسية التي يكون عليها الإنسان عندما يصاب بمرض أو نكبة أو كربة، وما يبدو عليه من القلق والاضطراب، والضعف والاستكانة، والالتجاء إلى الله التجاء العاجز المضطر، حتى إذا ما استرجع صحته، وزالت عنه آثار النكبة، وانكشفت عن ساحته الكربة، نسي ربه نسيانا تاما،

стр. 862

وعاد إلى طغيانه وإسرافه على أقوى وأشد ما يكون، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى هنا: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا﴾ أي أنه يلح في الدعاء ويكثر منه في جميع الأحوال وجميع الأوضاع التي يكون عليها جسمه، ليلا ونهارا، على غرار قوله تعالى في آية أخرى: ﴿وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ﴾ [فصلت: ٥١] أي دعاء كثير لا ينتهي. ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾ أي أعرض عن الله وانصرف عن بابه، وقطع التعلق بجميع أسبابه. ﴿كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. والمراد بالإسراف هنا الإسراف في ارتكاب الذنوب، والإقبال على المعاصي بنهم وشهية وضراوة، حتى يصبح المذنب متبلد الإحساس، فاقدا للشعور، مطبوعا على قلبه، مغضوبا عليه من ربه. وفي نفس هذا الربع وصف الله صورة ثانية من صور الضعف البشري والروح الانتهازية الهزيلة عند توقع النكبة أو عند حلولها، ثم ما يتلوها بعد النجاة منها من بغي وعدوان، وإعراض وطغيان، وذلك قوله تعالى هنا: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٢٢) فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾. ومثل هذا المعنى ورد في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا

стр. 863

مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا﴾ [الإسراء: ٦٧]. وهذه الصور التي وصفها كتاب الله تنطبق كل الانطباق على كثير من الناس في القديم والحديث، ولاسيما أولئك المذبذبين الذين لا إيمان لهم، ولا صبر عندهم، من ضعفاء النفوس الغافلين، والحيارى التائهين. أما الذين رزقهم الله الإيمان والصبر فصلتهم بالله قائمة على الدوام، لا فرق عندهم بين السراء والضراء، والشدة والرخاء، وقد عبر عن حالتهم أصدق تعبير نص الحديث النبوي الشريف المروي عن رسول الله ﷺ أنه قال: (عجبا للمؤمن، لا يقضي الله له قضاء إلا كان خيرا له، إن أصابته ضراء فصبر، فكان خيرا له، وإن أصابته سراء فشكر، كان خيرا له، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن). ومن أهم ما تناوله هذا الربع موضوع القرآن الكريم، وما أثاره المشركون حوله من شبهات باطلة، وقاموا به من تحديات شاملة، مما تصدى له كتاب الله بالرد والإبطال، ولم يبق بعده لقائل أي مقال، فقال تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ * قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا

стр. 864

تَعْقِلُونَ * فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ﴾. وهكذا بينت الآيات الكريمة أن الذكر الحكيم والقرآن الكريم إنما هو كتاب الله المطابق لما في اللوح المحفوظ، منه بدأ وإليه يعود، وليس كتاب رسوله حتى يكون للرسول فيه دخل من قريب أو بعيد، كما بينت الآيات الكريمة أن الرسول إنما يتلقى الوحي عن الله في الوقت الذي يريد الله أن يوحي إليه، وأن الوحي الذي يتلقاه من عند الله لا يملك له الرسول تبديلا ولا تغييرا، وأن دور الرسول الوحيد هو أن يبلغه إلى الناس كما أنزل، وأن تلاوة الرسول للقرآن على الناس إنما هي بأمر الله وتيسيره، ولولا اصطفاؤه للرسالة وتيسيره لها لما استطاع أن يتخطى المستوى الذي كان عليه قبلها، فقد قضى الرسول بين ظهراني قومه أربعين سنة، دون أن ينبس من هذا النوع المعجز ببنت شفة، حتى جاءه الله بالرسالة، وأكرمه بالوحي، وأنزل عليه القرآن وكلفه بالتبليغ والبيان، فكان ما كان، مما تناقلته الركبان، واستدار له الزمان، ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ١، ٢، ٣، ٤، ٥]، ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل: ٤]. وتحدث كتاب الله في هذا الربع عن استخلافه لخلقه في هذه الأرض، ابتلاء لهم واختبارا، حتى يتجلى في تصرفاتهم ما

стр. 865

هم عليه من رشد أو سفه، وحتى يبرز في أعمالهم ما هم عليه من شكر لله على نعمة الاستخلاف، أو كفر بها وتجن عليها، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى هنا: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ * ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾. وبين كتاب الله عاقبة الانحراف والخيانة إذا لم يحسن الإنسان التصرف فيما استخلف فيه وخان الأمانة، وذلك في عدة آيات من هذا الربع، منبها إلى أن سنة الله في المستخلفين الظالمين جرت على أن يستدرجهم ويمهلهم، ويفتح أبواب نعمه على مصاريعها في وجوههم، حتى إذا ما ظنوا أن قوتهم لا تعادلها قوة، وأن قدرتهم لا تعجزها قدرة، وأنهم ليسوا بمؤاخذين ولا معذبين، فوجئوا بعذاب الله فأخذوا على غرة، في الوقت الذي لم يكونوا ينتظرون العذاب بالمرة، فقال تعالى: ﴿فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا﴾ أي أنه سبحانه يقابل مكرهم بما يبطل مفعوله، ويمحو أثره ﴿إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾.

стр. 866

وختم هذا الربع بالدعوة إلى دار السلام، التي لا باب لها ولا مفتاح إلا التمسك بمبادئ الإسلام، فقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.

стр. 867

الربع الأول من الحزب الثاني والعشرين في المصحف الكريم (ق) ــ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٦) وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٧) وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ (٢٨) فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ (٢٩) هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٣٠) قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ

стр. 868

وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣١) فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٣٢) كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٣٣) قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٣٤) قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٥) وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ (٣٦) وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٧) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣٨) بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (٣٩) وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهِ وَرَبُّكَ

стр. 869

أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ (٤٠) وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (٤١) وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ (٤٢) وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لَا يُبْصِرُونَ (٤٣) إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٤) وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (٤٥) وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ (٤٦) وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٤٧) وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٨)

стр. 870

الربع الأول من الحزب الثاني والعشرين في المصحف الكريم (ت) عباد الله حديث هذا اليوم يتناول الربع الأول من الحزب الثاني والعشرين في المصحف الكريم، ابتداء من قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ * وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ــ في نهاية الربع الماضي وجه كتاب الله دعوة عامة إلى كافة الأنام، لاستقبالهم في دار السلام، وهي جنة النعيم، التي لا لغو فيها ولا تأثيم، فقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ﴾. والمغزى الذي يرمي إليه كتاب الله من وراء هذه الدعوة العامة الكريمة أن يكفي الناس أنفسهم مؤونة التكلف في البحث عن منهج نافع وصالح للحياة دون جدوى، وأن يتقبلوا بكلتا اليدين، منهج ربهم الذي وضعه لحياتهم، ورسمه لسعادتهم، عن علم تام بمصالحهم وحاجياتهم، وفي انسجام تام مع طاقتهم وملكاتهم، وبذلك يختصرون الطريق إلى الحياة السعيدة في الدنيا، والحياة السعيدة في الآخرة.

стр. 871

وبعدما وجه كتاب الله هذه الدعوة العامة التي لم يميز فيها طائفة عن أخرى، ولا جيلا عن جيل، ولا سلالة عن سلالة، بين الحق أن الذين يلبونها ويستجيبون لها، ويلتزمون السير بمقتضى صراط الله، ومنهجه في الحياة، هم الذين يهتدون ولا يضلون، ويسيرون سيرا حثيثا إلى دار السلام، ثم يصلون إليها في أمن وسلام، فقال تعالى: ﴿وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وفي بداية هذا الربع مضى كتاب الله في نفس السياق يتمم الحديث عن الذين لبوا دعوة الله، واستجابوا لما يحييهم حياة باقية، فقال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. والذين أحسنوا هم الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، نية واعتقادا، قولا وعملا، فكانت نياتهم حسنة، ومعتقداتهم حسنة، وأعمالهم حسنة، وأقوالهم حسنة، وهم قدوة حسنة في الهداية والاهتداء، وعنصر خير وصلاح في الظاهر والباطن. ﴿والحسنى﴾ التي بشرهم الله بها هي أحسن الجزاء وأعلاه درجة عند الله. ﴿والزيادة﴾ هي مضاعفة ثواب الحسنة من عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، ورضوان الله أكبر. ﴿والقتر﴾ هو ما يعلو وجوه الفجرة والكفرة من اكفهرار الوجه وكدر اللون في عرصات المحشر، من شدة هول الموقف، وما فيه من كرب وحزن وضيق. ﴿والذلة﴾ هي ما يلحق الفجار والكفار من هوان وصغار في تلك الدار، جزاء ما كانوا عليه من الطغيان والاستكبار في هذه الدار. وكما تعهد

стр. 872

كتاب الله للذين أحسنوا بأن لا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة، تعهد لهم في آيات أخرى بنضارة الوجوه وفرح القلوب، فقال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢، ٢٣]، وقال تعالى: ﴿فوقاهم الله شر ذلك اليوم ولقاهم نضرة وسرورا﴾ [الإنسان: ١١]. وأشار كتاب الله إلى ما سيكون يوم القيامة من مناقشة وحوار بين المشركين وشركائهم يوم القيامة، حيث يتبرأ أولئك الشركاء من الذين أشركوهم بالله فعبدوهم، وينفضون أيديهم منهم، وذلك قوله تعالى حكاية عنهم: ﴿وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ * فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ﴾ تنبيه لجميع عباده إلى أنهم مهما فروا وهربوا، وتحايلوا وتلاعبوا، فلا ملجأ لهم في نهاية المطاف إلا إليه سبحانه، فهو الذي يحيي ويميت، وهو الذي يحاسب ويعاقب، والخلق كلهم حيثما كانوا في قبضته، ورهن مشيئته وقدرته، ولذلك يجب عليهم أن يعبدوه ويطيعوه، وأن يحسبوا لسخطه ورضاه كل الحساب ﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ إشارة إلى ما عليه أكثر الخلق من الكسل والتهاون في البحث عن الحق، إذ تمر بهم مر السحاب الأعوام والسنون، وهم غارقون في أوحال الأوهام والظنون، دون أن

стр. 873

يكلفوا أنفسهم عناء البحث عن الحقيقة: الحقيقة الدينية، والحقيقة الكونية، والحقيقة النفسية، وكل هذه الحقائق مفصلة مبينة في آيات الذكر الحكيم، بأسلوب واضح ميسر للفهم والإدراك لكل ذي عقل سليم. ومن هنا انتقل كتاب الله إلى الحديث مرة أخرى عن القرآن الكريم وما احتوى عليه من حكم وأسرار، وتحدى بلغاء العرب من المشركين للمرة الثالثة والأخيرة أن يأتوا ولو بسورة مثله، بعدما تحداهم قبل ذلك للمرة الثانية أن يأتوا بعشر سور مثله ﴿قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [هود: ١٣] وبعدما تحداهم في المرة الأولى أن يأتوا بمثله كاملا ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨] فعجزوا أمام جميع هذه التحديات، لا في المقام الأول، ولا في المقام الثاني، ولا في المقام الأخير، وذلك قوله تعالى هنا: ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أي تصديق ما سبقه من الكتب المنزلة في أصل عقيدة التوحيد والدعوة إلى الخير والبر. ﴿وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أي تفصيل الحلال والحرام، وتبيين وسائل الخير ومناهج البر، بما يناسب سن الرشد الذي بلغت إليه البشرية، وبما يتفق مع ما أصبحت عليه من نضج واستعداد لتلقي آخر رسالة إلهية أرسلها الله إلى الناس. ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ

стр. 874

دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾، إذ جاءهم كتاب الله بما لم يعتادوه من الحقائق والمعاني والأساليب، وبما لم يسمعوا به من العقائد والشعائر والشرائع، فتنكروا له في بداية الأمر، جهلا منهم، ونفورا عن غير المألوف ﴿وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾ أي أن كثيرا من الحقائق والبشائر والإنذارات التي تضمنها كتاب الله كانت وقتئذ لم تبرز بعد إلى حيز الوجود، فاستعجلوا ظهورها، وطال عليهم أمد انتظارها، وداخلهم الشك في صحتها، فظنوا بالله الظنون ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. وها نحن في هذا القرن الرابع عشر الهجري قد رأينا من تأويل آياته البينات الشيء الكثير، وستحمل القرون القادمة في طياتها من تأويل آياته وتفسير معجزاته ما هو أكثر وأكبر وأبهر، ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾. وختم هذا الربع بتذكير ما بعده تذكير، وتحذير ما فوقه تحذير، فحواه أن كل أمة ستعرض أمام الله بمحضر رسولها، ليكون شاهدا لها بما بلغ من رسالة، وشاهدا عليها فيما قامت به حيال تلك الرسالة، من طاعة أو عصيان، وتطبيق أو نسيان، وذلك قوله تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾.

стр. 875

الربع الثاني من الحزب الثاني والعشرين في المصحف الكريم (ق) ــ قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (٤٩) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ (٥٠) أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (٥١) ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٥٢) وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (٥٣) وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الْأَرْضِ لَافْتَدَتْ بِهِ وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٥٤) أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَلَا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٥٥) هُوَ

стр. 876

يُحْيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٥٦) يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٥٧) قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٥٨) قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ (٥٩) وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ (٦٠) وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦١) أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٤) وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦٥) أَلَا

стр. 877

إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (٦٦) هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٦٧) قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٦٨) قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (٦٩) مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (٧٠)

стр. 878

الربع الثاني من الحزب الثاني والعشرين في المصحف الكريم (ت) عباد الله في حصة هذا اليوم نتناول الريع الثاني من الحزب الثاني والعشرين في المصحف الكريم، ابتداء من قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ * مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾. ــ في نهاية الربع الماضي وصفت الآيات الكريمة مشهد الخليقة بكافة أممها وشعوبها، وهي تعرض أمام الله، الواحدة تلو الأخرى، كل أمة بمحضر رسولها، شاهدا لها أو عليها، ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾. وفي بداية هذا الربع تذكير من الله لرسوله، وتلقين له وللمؤمنين، أن الرسول على جلالة قدره عند الله، لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا، فضلا عن أن يملك لغيره من أفراد أمته نفعا أو

стр. 879

ضرا، وأن الرسول على شدة قربه من الله خاضع كل الخضوع لمشيئة الله المطلقة، لا يفلت منها في شيء، وذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾. ومغزى هذه الآية الكريمة تذكير المؤمنين بأنه لا ينبغي لهم أن يتركوا " الوسيلة " الشرعية إلى رضا الله والقرب منه، وهي إتباع الأوامر واجتناب النواهي، والتزام التقوى، والتمسك بالاستقامة سرا وعلنا، وأنه لا ينبغي لهم أن يتكاسلوا عن الأعمال الصالحة، ويتكلوا كل الاتكال على مجرد رحمة الله وعفوه، وما يتفرع عنهما من شفاعة في العصاة والمذنبين بعد التعذيب والتأديب، وأنه لأكرم للمؤمن، وأوفق بإيمانه ومحبته لله والرسول -إن كان صادق المحبة لهما- أن يكون من أهل الحسنى وزيادة، لا من أهل السوأى، أو من أهل السوأى وزيادة، فشعار هذا الدين: " اعملوا ولا تتكلوا ". ومن هنا انتقل كتاب الله إلى تقرير حقيقة دينية وكونية طالما قررها وكررها، ألا وهي أن الأمم نفسها لها أعمار وآجال كالأفراد، وأن كل أمة لها أجلها الذي تستوفيه إذا لم تبق صالحة للحياة، وأنه إذا حل هذا الأجل لم تبق أمامها أية فرصة للنجاة والخلاص، فما على كل أمة تريد البقاء إلا أن تحسن التصرف فيما آتاها الله، وأن تبتعد كل البعد عن موجبات سخط الله، وفقا للرسالة الإلهية التي تلقتها من رسول الله، أما إذا خانت العهد، وأخلفت الوعد، وتصرفت تصرف السفهاء الخائنين، فإنها لا بد أن تقضي نحبها، وتدخل في عداد الغابرين.

стр. 880

ودخولها في عداد الغابرين إما أن يكون باستئصالها وإبادتها بالمرة من خريطة العالم كعاد وثمود، وغيرهما من شعوب العالم القديم، وإما أن يكون بالإدالة منها وإنزالها إلى درجة العبودية لغيرها، والتبعية الدائمة لسواها، فتصبح ذنبا من الأذناب، ولا يحسب لها بين الأمم أي حساب، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى هنا: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾. أخرج أبو داود في سننه أن رسول الله ﷺ قال: (توشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، فقال قائل: من قلة نحن يومئذ؟ قال: لا بل أنتم كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن في قلوبكم الوهن. قيل وما الوهن يا رسول الله؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت). ومضى كتاب الله يذكر الغافلين بمصير الأمم التي تمردت قبلهم على حكم الله، فقال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ * أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ * ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾. ونبه كتاب الله إلى ما يداخل الشاكين من شك وريب في صدق الدعوة وصدق الداعي، ولاسيما في يوم القيامة بما يستلزمه من بعث ومعاد، فقال تعالى حكاية عنهم: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ؟﴾ أي يستخبرونك هل يوم القيامة حق، وهل الدين الذي جئت به هو دين الحق؟ ثم لقن الحق
следующие страницы →