← Тафсир

Тафсир · id 115129

التيسير في أحاديث التفسير

محمد المكي الناصري

Полный текст (2 848 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

جاءت على خلاف ما هو معتاد في جنسها، لا شكلا، ولا حجما، ولا غذاء، فأمرهم صالح بتركها تأكل في أرض الله، وبأن يكون لها وحدها شرب يوم معلوم، كما يكون لمواشيهم شرب اليوم الذي يليه، بحيث تقاسم ﴿نَاقَةُ اللَّهِ﴾ مواشيهم مياه الشرب مناصفة، يوم لها ويوم لهم. غير أن كبار القوم وأصحاب المصالح، لم يصبروا طويلا على امتثال أمر صالح، ولعلهم وجدوا في هذا الأمر حدا لاحتكارهم، وقيدا لاستغلالهم واستثمارهم، ولعل ألبان (ناقة صالح) أصبحت عونا لصالح على الدعوة إلى الله، وغذاء للفقراء المستضعفين الذين آمنوا بالله، فلم يسع كبار قوم صالح وكفارهم إلا أن يحرضوا على قتل ﴿نَاقَةُ اللَّهِ﴾، تحديا صارخا لصالح الذي انتشرت دعوته إلى الله ﴿وَقَالُوا يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: ٧٧]. وحدد صالح لمصرعهم بعد عقرهم للناقة ثلاثة أيام، كل يوم منها يرون فيه لونا من ألوان العذاب، قبل أن يهلكوا ويبيدوا بالمرة، وإلى هذه المعاني مجتمعة يشير قوله تعالى هنا بإيجاز وإعجاز: ﴿وَيَا قَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ﴾، فعقروها فقال: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ * فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ * وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ * كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِثَمُودَ﴾.

стр. 947

وانتقل كتاب الله من الحديث عن قصة صالح وما انتهت به من عذاب لكفار ثمود إلى قصة لوط مع قومه. ولهذه القصة علاقة بإبراهيم الخليل ﵇ إذ كان بينه وبين لوط قرابة روح وقرابة نَسَب، فقد أرسل الله ملائكته إلى لوط ﵇ ليخبروه بأن موعد هلاك المفسدين الضالين من قومه قد أصبح على الأبواب. وفي طريقهم إلى لوط عرجوا على إبراهيم الخليل واستضافوه، فأحسن ضيافتهم ﴿فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾. والحنيذ هو المشوي على الحجارة المحماة، وبشروا امرأته بولادة إسحاق ويعقوب رغما عن فواتها سن الحمل، وبالرغم من شيخوخة زوجها إبراهيم ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ * قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ * قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾. ودار الحديث بينهم حول قوم لوط وما ينتظرهم من عذاب الله ﴿إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾. ولما وصل أولئك الملائكة إلى مقر لوط ونزلوا عنده أقبل عليه الفسقة المفسدون من قومه يريدون اغتصاب ضيوفه من الملائكة، فجدد عليهم لوط أمر الله إليهم بالتوبة من جريمة الشذوذ الجنسي، ودعاهم إلى الاكتفاء بما أحل الله من العلاقات الزوجية المشروعة ﴿وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي﴾ أي بنات قومي ﴿هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ

стр. 948

رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾. لكنهم أصروا على انحرافهم كل الإصرار ﴿قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ﴾. فأخذهم الله أخذا وبيلا، جزاء قلبهم للأوضاع، وما ارتكبوه بفاحشتهم من سوء الابتداع. وتلقى لوط من الملائكة الرسالة التي جاؤوه بها من عند الله ﴿قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ﴾، لكنهم استثنوا من أهله امرأة لوط كما استثنى الله من أهل نوح ابنه وامرأته معا، فكانا من المغرقين، وهذا الاستثناء هو قولهم فيما حكاه عنهم كتاب الله ﴿إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ * فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ * مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ﴾. وبعدما أسدل الستار، على قوم لوط بما فعلوه من الفواحش والأوزار، عقب كتاب الله على ذلك بما يفيد أن كل من عمل عملهم، وسلك مسلكهم، من الفسقة الظالمين، سيكون مهددا بعذاب الله، وسيف العقاب مصلت على رأسه دائما، إن لم يكن على الصورة التي عوقب بها قوم لوط، فعلى صورة أخرى لا يعلمها إلا الله، فللعذاب ألوان شتى، كما أن للزهر ألوانا شتى، فقال تعالى ﴿وَمَا هِيَ﴾ أي نقمة الله ﴿مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾.

стр. 949

الربع الأول من الحزب الرابع والعشرين في المصحف الكريم (ق) ــ وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ (٨٤) وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٨٥) بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (٨٦) قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (٨٧) قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ

стр. 950

إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (٨٨) وَيَا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ (٨٩) وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ (٩٠) قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ (٩١) قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (٩٢) وَيَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ (٩٣) وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٩٤) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ (٩٥) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٩٦) إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ

стр. 951

فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ (٩٧) يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ (٩٨) وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ (٩٩) ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ (١٠٠) وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ (١٠١) وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (١٠٢) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ (١٠٣) وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ (١٠٤)

стр. 952

الربع الأول من الحزب الرابع والعشرين في المصحف الكريم (ت) عباد الله حصة هذا اليوم تتناول الربع الأول من الحزب الرابع والعشرين في المصحف الكريم، ابتداء من قوله تعالى: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ * وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ﴾. ــ تتناول الآيات الكريمة في أكبر قسم من هذا الربع قصة شعيب ﵇ مع قومه مدين، وفي هذه القصة نواجه نوعا جديدا من المخالفات ارتكبه قوم شعيب وأسرفوا فيه إسرافا بالغا. فبالإضافة إلى شركهم بالله، وما يترتب على الشرك وحده، وما ينبثق عنه من آفات وعاهات وتقاليد فاسدة، نجد أهل مدين قد بالغوا في استغلال الخلق وأكل أموال الناس بالباطل، فهم يطففون الكيل، ويطففون الوزن، ويبخسون الناس أشياءهم، وهم مثل فاضح للاستغلال المادي الفاحش الذي لا يرحم ولا يخجل،

стр. 953

ولا يتعفف ولا ينصف أحدا، الأمر الذي جعل شعيبا ﵇ يرفع عقيرته ضد قومه، عملا بأمر الله الذي لا يرضى عن الاستغلال والمستغلين، من أي جنس أو دين، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى هنا: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ﴾ أي في معيشتكم ورزقكم، وأخشى عليكم زوال هذا الخير ﴿وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ * وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ * بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أي ما يفضل لكم من الربح بعد وفاء الكيل والميزان خير لكم من أكل أموال الناس بالباطل ﴿وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾. غير أن المستغلين الشرهين من قوم شعيب لم يتمالكوا أنفسهم من الغضب والاستعلاء، وأخذوا يتبجحون بأن المال الذي يكتسبونه من تجارتهم هو مالهم الخاص، ولذلك فهم فيه أحرار يفعلون به ما يشاؤون، ويتصرفون فيه كيف يريدون، ورفضوا تقييد حريتهم بأي قيد في معاملاتهم التجارية التي اعتادوها، فهم حريصون على اكتساب أكبر ربح ممكن، بأقل عوض ممكن، وهم يعتبرون هذا الأسلوب في التجارة هو أسلوب التجار العقلاء الراشدين في معاملاتهم، وما دونه سفه وبله، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى حكاية عنهم: ﴿قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ﴾، ثم يختمون ردهم عليه بقول ظاهره المدح وباطنه القدح، فيقولون: ﴿إِنَّكَ

стр. 954

لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾، ومرادهم منه أن من يدعو إلى العدل والإنصاف في البيع والشراء مثل دعوته يعد في نظرهم جاهلا وسفيها، لا حليما ورشيدا، فالرشد في نظر المستغلين، تجارا أو غير تجار، هو ابتزاز أموال الناس بأدنى مقابل، أو بدون مقابل بتاتا، وهذه سنتهم المتوارثة في كل عصر وجيل. وقول أهل مدين لنبيهم شعيب ﴿أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ [الآية: ٨٧] تتضمن نوعا من الاستهزاء والتعبير، إذ كانوا متضايقين مما رأوه عليه من المواظبة على عبادة الله، والتضرع بين يديه، شأنهم في ذلك شأن خصوم الرسالات الإلهية في جميع العصور، الذين يتطيرون بأهل الصلاح والتقوى، ويتضايقون من استقامتهم وثباتهم على الحق. لكن شعيبا لا يسلك في الرد على قومه مسلكهم في المراء والاستهزاء، بل يرد عليهم الرد اللائق بمقام الأنبياء والمصلحين، مؤكدا لهم أن التعليمات التي بلغها إليهم عن ربهم ليست موجهة إليهم دونه، بل هو أول من ينفذها، وأنه ليس ممن يأمر بالبر غيره، ثم ينسى نفسه ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾. ثم عقَّب شعيب على ما دار بينه وبين كفار قومه بما يوضح الهدف الأساسي، من كل رسالة إلهية بعث الله بها إلى الناس، وهذه الرسالة تتلخص أولا وأخيرا في إصلاح أحوال الناس إصلاحا شاملا، تصلح معه عقيدتهم، وتصلح معه شريعتهم، ويصلح معه سلوكهم، ويصلح معه مجتمعهم، وتصلح معه

стр. 955

معايشهم، وتصلح معه علاقاتهم. وهكذا يتسرب الإصلاح إلى كل زاوية من زوايا حياتهم الظاهرة والباطنة، فيصبحون أمة فاضلة وصالحة، ويصبح مجتمعهم مجتمعا فاضلا وصالحا، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى هنا على لسان شعيب ﵇ ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. وها هنا كلمتان في غاية الأهمية لا بد من الوقوف عندهما ولو قليلا، ألا وهما كلمة (الإصلاح) وكلمة (التوفيق). فكلمة الإصلاح تعني على العموم الإتيان بما هو صالح ونافع ومناسب، من الصلاح، ضد الفساد، وأصل معنى " الفساد " في لغة العرب زوال منفعة الشيء وتعذر المقصود منه، وأطلق الفساد في لسان الشرع على الشرك بالله الذي هو منبع جميع الضلالات والبدع، وعلى إذاية الخلق، كما في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة: ٢٠٥] سواء كانت تلك الإذاية عامة لمجموعهم، أو خاصة ببعضهم، فيكون الصلاح الذي هو ضد الفساد عبارة عن سلوك طريق الهدى والاستقامة، والعمل على نفع الخلق نفعا عاما أو خاصا، ويكون (الصالح) هو الذي قام بما يلزمه من حقوق الله وحقوق العباد. والمراد بكلمة (التوفيق) هنا ضد الخذلان، من " الوَفْق بين الشيئين "، بمعنى التحامهما، ولم تَرِد كلمة التوفيق بمعنى عدم الخذلان في آية أخرى من كتاب الله. ونعمة التوفيق بهذا المعنى من أجل النعم التي أنعم الله بها على الخواص من عباده، فمن

стр. 956

رُزق نعمة التوفيق فقد رُزق خيراً كثيراً. قال حجة الإسلام الغزالي: " وإنما الاعتبار بقلب العالم الموفق، المراقب لدقائق الأحوال، وهو المحك الذي يمتحن به خفايا الأمور، وما أعز هذا القلب في القلوب ". وبيَّن كتاب الله أن شعيبا ﵇ لم يتقهقر عن دعوته إلى الله، بل استمر ثابتا عليها، داعيا إليها دون انقطاع، وقد حاول أن يستخلص العبرة لقومه مما أصاب الأقوام السابقة قبلهم، فهم يعرفون مصارعهم حق المعرفة، وعندهم من خبرها الشيء الكثير ﴿وَيَا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي﴾ أي لا يحملنكم بغضي وعداوتي على الإصرار والعناد، وكأنه يريد أن يقول لهم إني أخاف عليكم ﴿أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ * وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾. إلا أنه بالرغم من جميع الجهود التي بذلها في سبيل هدايتهم وإقناعهم بالحق أصروا على ما هم فيه، ولم يكتفوا بإصرارهم على الباطل، بل أطلقوا لألسنتهم العنان في الطعن على شعيب والطعن في دعوته، والتهديد له بالرجم إلى أن يموت، وذلك ما تشير إليه الآيات التالية: ﴿قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ﴾ أي إن دعوتك لا يستسيغها عقل ولا يقبلها منطق ﴿وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا﴾ أي لا عصبة لك من كبار القوم ﴿وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ﴾ أي لولا أن لعشيرتك معزة عندنا، ومكانة خاصة بيننا، لقمنا برجمك، و " الرجم " أشق العقوبات

стр. 957

وأكثرها تعذيبا ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ﴾. وما كان من شعيب ﵇ إلا أن رد عليهم في حدود الأدب المعهود من الأنبياء، وفي نطاق الدعوة المأمور بتبليغها عن الله ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾ أي رفضتم دعوته وعصيتم أمره ﴿إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾. ولما انقطع كل أمل في قلوبهم للإصلاح الذي جاءهم به شعيب عن الله تبرأ منهم ومن أعمالهم، ووكلهم إلى عذاب الله المرتقب، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى حكاية عن شعيب يحذرهم وينذرهم: ﴿وَيَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ﴾ أي اعملوا على طريقتكم فأنا عامل على طريقتي، على غرار قوله تعالى في آية أخرى: ﴿لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾ [الشورى: ١٥] وقوله تعالى ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: ٦] ثم مضى ينذرهم قائلا: ﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ﴾ أي ستعلمون من الكاذب فينا ومن المعذب؟ هل أنا أم أنتم، على غرار قوله تعالى في آية أخرى: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤]، ﴿وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ﴾. ثم انتهت قصة شعيب مع كفار أهل مدين بعذابهم وعقابهم، واستئصالهم وإبادتهم، ونجاة شعيب والذين آمنوا معه، كما ينتهي كل صراع بين الخير والشر، والحق والباطل، باندحار الشر والباطل، وانتصار الخير والحق، وذلك ما يشير إليه قوله

стр. 958

تعالى هنا: ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ * كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾ أي كأن لم يعيشوا فيها من قبل ﴿أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾. ومن هنا انتقل كتاب الله إلى قصة موسى مع فرعون، فأوجز الإشارة إليها في هذا المقام دون تفصيل ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ * إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾. وعقب كتاب الله على هذه القصص كلها بما يبرز العبرة من وقوعها أولا، والتذكير بها ثانيا، فقال تعالى: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ﴾ أي منها ما لا تزال أطلاله قائمة تشير إلى نقمة الله وعذابه، ومنها ما حل به الخراب والدمار فلم يبق منه عين ولا أثر ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾.

стр. 959

الربع الثاني من الحزب الرابع والعشرين في المصحف الكريم (ق) ــ يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (١٠٥) فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (١٠٦) خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٠٧) وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (١٠٨) فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ (١٠٩) وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (١١٠) وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١١١) فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ

стр. 960

وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢) وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (١١٣) وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ (١١٤) وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (١١٥) فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ (١١٦) وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ (١١٧) وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١١٩) وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (١٢٠) وَقُلْ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ (١٢١) وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (١٢٢) وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ

стр. 961

٣فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٢٣) ١٢ - سورة يوسف مكية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (١) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢) نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ (٣) إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ (٤) قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٥) وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦) لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ (٧) إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٨) اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ (٩)

стр. 962

الربع الثاني من الحزب الرابع والعشرين في المصحف الكريم (ت) عباد الله في حصة هذا اليوم نتناول الربع الثاني من الحزب الرابع والعشرين في المصحف الكريم، وبدايته قوله تعالى في سورة هود المكية: ﴿يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ ونهايته قوله تعالى في سورة يوسف المكية أيضا: ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ﴾. ــ في بداية هذا الربع يواصل كتاب الله الحديث عن يوم القيامة، وقد بدأ الحديث عن هذا اليوم الموعود في نهاية الربع الماضي بقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ * وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ﴾. ثم تلا ذلك قوله تعالى هنا: ﴿يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ [الآية: ١٠٥]. وهكذا نجد هذه الآيات الكريمة مرتبطا بعضها ببعض، لأنها في موضوع واحد. وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ﴾ يماثله في

стр. 963

المعنى قوله تعالى في آية ثانية: ﴿وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾ [الشورى: ٢٩]. وهذا المعنى الذي تتضمنه كلتا الآيتين تؤكده عدة آيات أخرى في كتاب الله، كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ﴾ [التغابن: ٩]، وقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [آل عمران: ٩]، وقوله تعالى: ﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ﴾ [المرسلات: ٣٨]، وقوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا﴾ [الكهف: ٩٩]، وقوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [آل عمران: ٢٥]، وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾، [الشورى: ١٥]، وقوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [الجاثية: ٢٦]، وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [النساء: ٨٧]. وقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾ يظهر أن فيه وصفا لكيفية تنفس الأشقياء في جهنم، وأنه على خلاف ما هو معتاد في تنفس الكائنات الحية، كأن تنفس الأشقياء في جهنم يسبق فيه " الزفير " الذي هو دفع النفس إلى الخارج، على " الشهيق " الذي هو أخذ النفس إلى الداخل، بينما التنفس العادي للكائنات الحية يسبق فيه " الشهيق " الذي يأخذ به الكائن الحي حظه من الهواء المنعش إلى داخل الجسم، على " الزفير " الذي يدفعه الكائن الحي من الداخل إلى الخارج بعد أخذ حاجته منه. وفي هذا الوصف لتنفس الأشقياء في جهنم

стр. 964

إشارة إلى ما يعانونه من ضيق واختناق، حتى كأن صدورهم تغلي غليان المرجل، وعلى العكس من ذلك يكون حال السعداء في الجنة ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي دون أن يتعرضوا لأي شيء من هذه الأعراض الغريبة. وقوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ الوارد في سياق كل من السعداء والأشقياء، في تفسيره تأويلان مختلفان: التأويل الأول: أن المراد (خالدين في الجنة أو في النار ما دامت سماوات الآخرة وأرضها) لأن الآخرة هي دار الخلود. ويشهد لهذا المعنى قوله تعالى: ﴿وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ﴾ [الزمر: ٧٤]، وإلى هذا التأويل ذهب ابن عباس حيث قال: " لكل جنة سماء وأرض "، والحسن البصري حيث قال: " سماء غير هذه السماء، وأرض غير هذه الأرض، والخلود في الجنة أو في النار ما دامت تلك السماء وتلك الأرض ". وإلى هذا التأويل مال ابن كثير في تفسيره حيث قال: " قلت: ويحتمل أن المراد بما دامت السماوات والأرض الجنس، لأنه لا بد في عالم الآخرة من سماوات وأرض، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ "] إبراهيم: ٤٨] وبه أخذ القاضي عبد الجبار في كتابه " تنزيه القرآن عن المطاعن " إذ قال: " وجوابنا أن للنار سماء وأرضا، وكذلك الجنة، ولا يفنيان، فهذا هو المراد ". التأويل الثاني: أن المراد هو مجرد التأبيد والدوام، على حد قول العرب: " هذا دائم دوام السماوات والأرض أو باق ما

стр. 965

لاح كوكب، وما ناح الحمام ". وإلى هذا التأويل ذهب ابن جرير وابن جزى في تفسيرهما. وقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ في سياق الكلام على الذين شقوا وارد مورد الاستثناء من قوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾، على غرار قوله تعالى في آية ثانية: ﴿قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ١٢٨] ويشبهه قوله تعالى في آية ثالثة: ﴿فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [النمل: ٨٧]، وقوله تعالى في آية رابعة: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [الزمر: ٦٨]. وقال ابن كثير ما خلاصته: " اختلف المفسرون في المراد من هذا الاستثناء على أقوال كثيرة حكاها الشيخ أبو الفرج بن الجوزي في كتابه " زاد المسير "، وغيره من علماء التفسير، ونقل كثيرا منها الإمام أبو جعفر بن جرير ﵀ في كتابه. واختار ابن جرير ما نقله عن خالد بن معدان والضحاك وقتادة، وابن سنان، ورواه ابن أبي حاتم عن ابن عباس والحسن أيضا أن الاستثناء (يعني " إلا ما شاء ربك "، الوارد في سياق الحديث عن الأشقياء) عائد على العصاة من أهل التوحيد، ممن يخرجهم الله من النار بشفاعة الشافعين، من الملائكة والنبيئين والمؤمنين، ولا يبقى بعد ذلك في النار إلا من وجب عليه الخلود فيها، ولا محيد له عنها ". قال ابن كثير: " وهذا عليه كثير من العلماء قديما وحديثا في تفسير هذه الآية الكريمة ".

стр. 966

ويمكن حمل الاستثناء الوارد في هذا السياق على طريق التأدب مع الله، كقولك " إن شاء الله " مصداقا لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣، ٢٤] ومنه قوله تعالى في سورة الأعراف: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الآية: ٤٩]، وقوله تعالى في سورة الأعلى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى * إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الآيتان: ٦، ٧]. وقوله تعالى تعقيبا على حكمه في شأن الأشقياء: ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ إشارة إلى أن الإرادة الإلهية نافذة لا يلحقها أي خلل أو أي تعطيل، فقد بعث الله إلى الناس الرسل، وأقام عليهم الحجج، وأنذرهم سوء العاقبة، وها هو يثبت لهم أن الأمر جد لا هزل، وأن قوله قول فصل، ﴿إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ * وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ﴾ [الطارق: ١٣، ١٤] وبذلك يكون عذابهم مطابقا لمقتضى العدل، ومنسجما مع روح الحكمة. وقوله تعالى تعقيبا على وصفه لحال السعداء: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ أي عطاء غير مقطوع، فيه طمأنينة لقلوبهم، وتطييب لخواطرهم، ورفع لأثر التوهم الذي يشعر به الاستثناء الوارد أيضا في سياق الحديث عنهم ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ إذ أن ظاهره يوهم احتمال انقطاع العطاء الإلهي عنهم، حيث أن ذلك العطاء ليس أمرا واجبا على الله، وإنما هو موكول إلى مجرد مشيئته، ومحض منته، ولا يبعد أن تكون الحكمة في هذا الاستثناء بالنسبة للسعداء،

стр. 967

هي أن تبقى قلوبهم معلقة بين جناحي الخوف والرجاء. وذهب الضحاك والحسن البصري إلى أن الاستثناء في قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ الوارد في سياق السعداء هو منصب على عصاة الموحدين الذين كانوا في النار ثم أخرجوا منها بعد العذاب، إذ أن هؤلاء لا يصدق عليهم ما يصدق على السعداء الأصليين الذين لم يروا العذاب أصلا، من أنهم في الجنة خالدون، لأن عصاة الموحدين يمرون بالعذاب الأليم أولا، ولا ينالهم عفو الله إلا أخيرا. وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ﴾ تعريف من الله تعالى لرسوله بأنه سيوفيهم جزاءهم، طبقا لما يقع عليه اختيارهم، وتكسبه أيديهم من الهدى أو الضلال. و" المرية " هي الشك، والنهي عن الشك الوارد هنا في قوله تعالى: ﴿فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ﴾ وإن كان في ظاهره موجها للرسول ﵊، فإنه موجه في الحقيقة إلى غيره من أفراد المدعوين والمكلفين، الذين يتصور في حقهم وجود الشك، والمطلوب منهم الوصول إلى اليقين، لتمييز الحق من الباطل، نظير قوله تعالى في آية سابقة وجه فيها الخطاب إلى الرسول، والخطاب في الحقيقة موجه إلى بقية الناس ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [يونس: ٩٤] والنبي لم يشك ولم يسأل.

стр. 968

وقوله تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا﴾ أمر من الله لرسوله والمؤمنين بالثبات على الصراط المستقيم، ونهي من الله للمؤمنين عن البغي والطغيان، والظلم والعدوان، ولو كان من يقع عليه البغي والظلم مشركا. وللتحذير من الإقدام على الظلم والتورط في نتائجه قال تعالى عقب النهي عنه: ﴿إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ بمعنى أنه يراقبكم ويراقب أعمالكم. ثم وجه الحق خطابه لرسوله والمؤمنين من جديد، يأمرهم بالابتعاد عن موالاة الظلمة، وبالحذر من إعانتهم على الظلم بأي وجه من الوجوه، فقال تعالى: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ ولا يدخل في (الركون) مجرد المخالطة والمعاشرة دون عون ولا تأييد، كما نص عليه القاضي عبد الجبار. وبين كتاب الله أن الله وحده هو الذي يجب أن يكون ولي الذين آمنوا، يوالونه وينصرونه، ويقفون بجانب أوامره دائما، لأن غير الله وإن تولوه فلن يكون لهم وليا، إذ ليس بيده ضر ولا نفع، ولا عطاء ولا منع، وإذا اعتمدوا على غير الله وكلهم الله إلى أنفسهم، وخذلهم خذلانا مبينا ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ ذكر ابن كثير أن هذه الآية يحتمل أن تكون نزلت قبل فرض الصلوات الخمس ليلة الإسراء، حيث لم يكن يجب من الصلوات

стр. 969

إلا صلاتان في النهار وقيام الليل ... وقال القاضي أبو بكر (ابن العربي): " لا خلاف أن هذه الآية تضمنت الصلوات الخمس، والذي نختاره أنه ليس في النهار من الصلوات إلا الظهر والعصر، وباقيها في الليل، فزلف الليل ثلاثة: في ابتدائه، وهي المغرب، وفي اعتدال فحمته، وهي العشاء، وعند انتهائه، وهي الصبح ". وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ عقب الأمر بالصلاة مباشرة، شبيه بقوله تعالى في آية أخرى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥]. فالصلاة إذا أقيمت على الوجه الأكمل هي أحسن الحسنات، وهي أكبر مطهر ومكفر للسيئات، بما تعين عليه من محاسبة النفس على الأوزار، وما تدفع إليه باستمرار من التوبة والاستغفار. جاء في الحديث الصحيح عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (أرأيتم لو أن بباب أحدكم نهرا غمرا يغتسل فيه كل يوم خمس مرات، هل يبقى من درنه شيئا؟ قالوا: لا يا رسول الله. قال: كذلك الصلوات الخمس يمحو الله بهن الذنوب والخطايا) رواه مالك في الموطأ، والبخاري في الصحيح، والترمذي في السنن، وأحمد في المسند. وروى الإمام أحمد من حديث أبي ذر أن رسول الله ﷺ قال: (اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن). والمراد " بالنهر الغمر " في حديث أبي هريرة: كثير الماء. وقوله تعالى هنا: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ فيه إشارة إلى أن الله تعالى قادر على أن يضطر الناس جميعا إلى

стр. 970

الإيمان بعقيدة واحدة، والسير في طريق واحد، لو كان يريد أن يخلق الناس على نمط الطبيعة الآلية المجردة، لو كان يريد أن يحرمهم من أخص خصائص الإنسان، التي هي خصيصة التمتع بالإرادة والحرية، وبملكة التفكير والتقدير والاختيار، لكنه سبحانه خلقهم أناسي مجهزين بعقل وتفكر، وإرادة واختيار. والنتيجة الطبيعية لخلقهم على هذه الصورة هي اختلاف منازعهم، واختلاف مشاربهم، واختلاف اختياراتهم، وتبعا لذلك اختلاف عقائدهم ومذاهبهم، وتعدد مللهم وأديانهم، وبهذا التفسير يتضح معنى قوله تعالى هنا: ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ أي خلقهم على صورة خاصة ميزهم بها عن بقية الحيوانات، وهذه الصورة تقتضي بطبيعتها أن تختلف آراؤهم، فالخلاف مآلها، لأنه أثر من آثارها، ومن هنالك كان في الناس شقي وسعيد، ومؤمن وكافر ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ [الشورى: ٧]. وقوله تعالى هنا: ﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ استثناء متصل، أي إلا من رحم ربك فإنه لا يختلف، والمراد به من التزم دعوة الأنبياء والرسل، وآمن بها دون أن يشوبها بأية بدعة أو ضلالة، ولا أن يدخل عليها أي تغيير أو تبديل. وبعبارة أدق: من اختار لنفسه سيرة الرسول وأصحابه، فتمسك بها دون أن يحيد عنها وكان من حزب الله، الموعود بالفلاح والفوز والنجاة. وقوله تعالى: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ خطاب من الله لرسوله يتضمن حكمته فيما يقصه

стр. 971

عليه من أخبار الأنبياء والرسل السابقين، فهو يضرب له المثل بهم، ويحضه على التأسي والإقتداء بسلوكهم، ويعرفه بحسن عاقبتهم، ومصير المكذبين لهم من قومهم. وقوله تعالى: ﴿وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ إشارة إلى هذه السورة الكريمة -سورة هود- التي قال عنها الرسول الأعظم ﷺ : (شيبتني هود وأخواتها). وختمت سورة هود بخطاب من الله لرسوله يأمره فيه بمواصلة عبادته لله في جميع الحالات، وبالاعتماد عليه في جميع الخطوات، ويتعهد له مرة أخرى برعايته وعنايته في المنشط والمكره والسراء والضراء، فقال تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾. وبختام سورة هود ننهي حصة اليوم لطولها، مؤجلين القول في الآيات الأولى من سورة يوسف -وإن كانت مندرجة في هذا الربع- إلى الحصة المقبلة إن شاء الله، وكل آتٍ قريب.

стр. 972

الربع الثالث من الحزب الرابع والعشرين في المصحف الكريم (ق) ــ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (١٠) قَالُوا يَا أَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ (١١) أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (١٢) قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ (١٣) قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ (١٤) فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١٥) وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ (١٦) قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ

стр. 973

وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ (١٧) وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (١٨) وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَا بُشْرَى هَذَا غُلَامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (١٩) وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ (٢٠) وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٢١) وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٢٢) وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٢٣) وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (٢٤) وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ

стр. 974

مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٥) قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٦) وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٧) فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (٢٨) يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ (٢٩) وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٣٠) فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ (٣١) قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ (٣٢)

стр. 975

الربع الثالث من الحزب الرابع والعشرين في المصحف الكريم (ت) عباد الله حصة هذا اليوم تتناول الربع الثالث من الحزب الرابع والعشرين في المصحف الكريم، ابتداء من قوله تعالى: ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾. ــ لأجل أن نفهم الآيات الكريمة الواردة في هذا الربع (الربع الثاني من الحزب الرابع والعشرين في المصحف الكريم) لا بد لنا من الرجوع إلى ما سبقها من الآيات التي أجلنا القول فيها إلى هذه الحصة، ابتداء من مطلع سورة يوسف المكية، وأول ما نلفت إليه النظر سبب تسميتها " بسورة يوسف "، فقد تناولت قصة يوسف مع إخوته بالتفصيل، وتردد فيها اسم يوسف خمسا وعشرين مرة، وفي قصة يوسف قال رسول الله ﷺ كما رواه أحمد وانفرد بإخراجه البخاري: (الكريم ابن الكريم، ابن الكريم، ابن الكريم، يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم). ومن المناسبات الطريفة بين بداية سورة يوسف ونهاية سورة

стр. 976

هود، وما يوجد بينهما من علاقة وارتباط، أن كلا منهما تناول بالذكر والتنويه موضوع القصص التي يقصها كتاب الله، وما فيها من عبر وحكم، فقال تعالى في بداية يوسف: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ أي من الغافلين عن هذه القصة وما شاكلها، كما قال تعالى في نهاية سورة هود التي سبقتها: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾. والقَصص (بفتح القاف) لفظ مفرد يكون مصدرا ويكون اسم مفعول بمعنى المقصوص، والقصص (بكسر القاف) جمع قصة ومثلها أقاصيص. وقد خصَّ القاضي عبد الجبار من بين سور القرآن جميعا سورة يوسف بمقدمة نفيسة تولى فيها تحليل هذه السورة، ولفت الأنظار إلى ما فيها من مواطن العبرة والتدبر، فقال ﵀: " أول ما نذكر في هذه السورة أنها مشتملة من آداب الأنبياء صلوات الله عليهم، ومن آداب الأخلاق، والتمسك بالصبر والحلم، وتوقع الفرج بعد حين، والتشدد في الصبر على المعاصي واحتمال المكاره، على ما لو تأمله القارئ، وتمسك بكله أو بعضه، لعظم موقع ذلك في دينه ودنياه ". فليتأمل القارئ أولا رؤيا يوسف للكواكب والشمس والقمر، وأن أباه، صلى الله عليهما، كيف تقدم بكتمان ذلك عن إخوته، والصبر في كتمان ذلك صعب، فاحتمله تحرزا من

стр. 977

حسدهم " ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ * قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾. " وليتأمل ثانيا كيف جاد به على إخوته، لئلا يستوحشوا، وظن السلامة، مع خوفه منهم عليه، حتى أقدموا على ما أقدموا " ﴿إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ﴾. " وليتأمل ثالثا أنه بعد ظهور ذلك منهم كيف احتملهم، ولم يجازهم على ما فعلوه، بقطعهم وإخراجهم عن محبته، وعن النظر لهم " ﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾. " وليتأمل رابعا صورة يوسف فيما وقع إليه من امرأة العزيز، كيف تشدد في الاحتراز عنها، واحتمل لذلك الحبس الطويل، حتى كانت عاقبة صبره ما حصل من اعتراف الكل بصيانته ووصوله إلى الملك والبغية " ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ - ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ * فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ

стр. 978

الْعَلِيمُ﴾ - ﴿قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ - ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ - ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾ - ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾. " وليتأمل خامسا ما دفع إليه إخوته في تلك السنين الصعبة، من التردد إلى يوسف، يطلبون من جهته القوت، واحتمالهم لما عاملهم به ﴿وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٥٨) وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ * فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلَا تَقْرَبُونِ﴾ - ﴿فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُوا يَا أَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾. " وليتأمل سادسا كيف صبر عليهم، وكيف احتمل في تخليص أخيه إلى حضرته، واحتباسه عنده على مهل، وقد كان يمكنه التعجل " (واسم أخيه هذا بنيامين، وكان أصغر من يوسف) ﴿وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. " وليتأمل سابعا كيف حسنت معاملته مع إخوته حين ظفر بهم، وقد كانوا عاملوه من قبل بما عاملوه به، ﴿قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ

стр. 979

مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ * قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ * قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ * قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾. " وليتأمل ثامنا كيف توصل إلى إزالة الغمة عن قلب أبيه، وصبر إلى أن ظفر بالوقت الذي أمكنه فيه إحضاره عنده على أحسن الوجوه " ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ * وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾. " وليتأمل تاسعا كيف كان صبر يعقوب ﷺ في بابه، وفي باب غيبة أخيه، وهو كالراجي لعودهما إليه واجتماعه معهما " ﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ - ﴿يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾. " وليتأمل عاشرا كيف قبل يوسف عذر إخوته، وقد اعتذروا إليه، مع تلك الجنايات العظام " ﴿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ﴾ فكان جوابه ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾.

стр. 980

" وليتأمل حادي عشر كيف قبل يعقوب أيضا عذرهم " ﴿قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ﴾ وزاد بأن قال ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾، " إلى وجوه أخر تركنا ذكرها ". " ثم إنه تعالى قال في آخر السورة لرسوله ﷺ ولجماعة المكلفين: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ﴾ فنبه بذلك على وجوب التمسك بهذه الأخلاق والآداب. وكذلك قال تعالى في أول السورة: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ لأن النفع يعظم بذلك لمن تأمله ". " وهذا معنى قوله ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: ٢٤] لأن من تدبر القرآن، وتمسك بأحكامه وآدابه وأخلاقه، انفتح قلبه للخيرات دينا ودنيا، فإن قرأه من غير تدبر يصير قلبه كأن عليه قفلا لا يتغير عما هو عليه، فهذه المقدمة التي قدمناها في هذه السورة تنفع فيها وفي القرآن ". انتهى نص المقدمة النفيسة التي قدم بها القاضي عبد الجبار سورة يوسف، وقد وضعنا بجانب كل نقطة منها ما يناسبها من الآيات. والآن فلنقف وقفة مناسبة عند جملة من الآيات الكريمة في هذه السورة بقدر ما يتسع له الوقت. فقوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ معناه اذكر يا محمد في قصصك عليهم من قصة يوسف إذ قال لأبيه (الآية).

стр. 981

وقال ابن عباس: " رؤيا الأنبياء وحي ". وقد تكلم المفسرون على تعبير هذه الرؤيا فقالوا إن الأحد عشر كوكبا عبارة عن إخوة يوسف، وكانوا أحد عشر أخا سواه، والشمس والقمر عبارة عن أمه وأبيه، ووقع تفسير هذه الرؤيا بعد أربعين سنة، وذلك حين رفع يوسف أبويه على العرش -وهو سريره الذي كان يجلس عليه لمباشرة شؤون الدولة -وإخوته بين يديه ﴿وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾. وقوله تعالى حكاية عن يعقوب ﵇: ﴿لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا﴾ دليل على معرفة يعقوب بتأويل الرؤيا، وأنها ترمز إلى ظهور يوسف على إخوته وتقدمه عليهم، ولذلك نهى ابنه يوسف عن ذكرها لإخوته، وأمره بكتمانها عنهم، خوفا من أن يحتالوا للقضاء عليه والتخلص منه. وخوفُ يعقوب من كيدهم إما أن يكون مبنيا على حكم العادة الشائعة بين بعض الإخوة وبعض الأقرباء إذا كانوا غير أشقاء، وإما أن يكون مبنيا على شعوره بغيرة إخوته منه وكرههم له، نظرا لشغف أبيه به دونهم. أما يعقوب نفسه فلم يبال بما ترمز إليه الرؤيا من علو مقام ابنه يوسف، لأن الأب يود عادة أن يكون ابنه خيرا منه، ولا يضيق بذلك صدرا. قال ابن كثير: " ومن هنا -أي من قوله تعالى: ﴿لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ﴾ -يؤخذ الأمر بكتمان النعمة حتى توجد وتظهر، كما ورد في حديث ﴿استعينوا على قضاء الحوائج بكتمانها، فإن كل ذي نعمة محسود﴾. وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ

стр. 982

الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ حكاية لما قاله يعقوب لابنه يوسف، متنبئا بما سيؤول إليه أمره في مستقبل الأيام. وقوله تعالى حكاية عن إخوة يوسف في شأن أبيهم يعقوب: ﴿إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾، إشارة إلى أنه كان لا ينزلهم من نفسه منزلة أخيهم يوسف، بينما محل الولد من أبيه هو أن ينزله منزلة سائر أولاده دون تفضيل، فالمراد هنا " بضلاله " إفراطه في حب يوسف وأخيه. وقوله تعالى: ﴿وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ﴾ قال القاضي أبو بكر (ابن العربي): " فيه دليل على أن بكاء المرء لا يدل دائما على صدق مقاله، لاحتمال أن يكون تصنعا، ومن الناس من يقدر من التطبع على ما يشبه الطبع ". وقوله تعالى حكاية عن إخوة يوسف: ﴿قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا﴾ تضمن إشارة إلى السباق، والأصل فيه الجري على الأقدام لمعرفة السابق من اللاحق، والسباق مندوب إليه شرعا، قال القاضي أبو بكر (ابن العربي): " المسابقة شرعة في الشريعة، وخصلة بديعة، وعون على الحرب، وقد فعلها النبي ﷺ بنفسه وبخيله، فروي أنه سابق عائشة فسبقها، وأنه سابقها فسبقته، فقال لها هذه بتلك، وروي أنه سابق بين الخيل التي أضمرت، من الحيفاء إلى ثنية الوداع، وسابق بين الخيل التي لم تضمر، من الثنية إلى مسجد بني زريق، وفي ذلك من الفوائد رياضة النفس والدواب، وتدريب

стр. 983

الأعضاء على التصرف، ولا مسابقة إلا بين الخيل والإبل خاصة ". وقوله تعالى: ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا﴾ إشارة إلى الدم الذي أراد إخوة يوسف أن يجعلوه علامة على صدقهم، لكن القميص كان سالما من التمزيق. قال ابن عباس: لو أكله السبع لخرق القميص، والعلامات إذا تعارضت تعين الترجيح، فيقضي بجانب الرجحان، ولا خلاف في الحكم بالتهمة إذا ظهرت، كما أشار إلى ذلك يعقوب ﵇ فيما حكته عنه الآية: ﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا﴾ إذ أن إخوة يوسف لم يكن من فعلهم ما يناسب الشفقة عليه، فيشهد بصدقها، بل كان الذي سبق منهم هو تبرمهم به، كما نبه إليه القاضي أبو بكر (ابن العربي). وقوله تعالى: ﴿وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ﴾ السيارة هنا مؤنث سيار، والمراد بها القافلة من المسافرين، و (الوارد) هنا هو الذي يستقي الماء للجماعة. وقوله تعالى: ﴿وَشَرَوْهُ﴾ -أي باعوه- ﴿بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾ عبارة عن قلتها، وهو يفيد أن الأثمان عندهم كانت تجري عددا لا وزنا، ولا شك أن في العدد تخفيفا عن الخلق، لكثرة المعاملة ومشقة الوزن. وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ المراد بالأرض هنا أرض مصر، والمراد

стр. 984

" بتأويل الأحاديث " البراعة والإصابة في تعبير الرؤيا. وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ إشارة إلى عزم امرأة العزيز على الإيقاع بيوسف في شركها، لكن يوسف لم يقع في ذلك الشرك بإعانة الله له، فتغلب على حديث النفس الذي لم يبلغ إلى درجة العزم، وحصنه الله من الوسواس الخناس، وصرفه عن السوء والفحشاء. والتعبير بلفظ " همت به " " وهم بها " بالنسبة لكل من الاثنين إنما هو من باب ﴿المشاكلة﴾ اللفظية لا غير، لاختلاف الموقفين واختلاف المعنيين. قال ابن جزي في تفسيره: " أكثر الناس الكلام في هذه الآية حتى ألفوا فيها التآليف، فمنهم مفرط ومفرط، والصواب إن شاء الله أنها همت به من حيث مرادها، وهم بها كذلك لكنه لم يعزم، بل كان همه خطرة خطرت على قلبه لم يطعها ولم يتابعها، ولكنه بادر بالتوبة عن تلك الخطرة حتى محاها من قلبه، لما رأى برهان ربه، ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾.

стр. 985

الربع الأخير من الحزب الرابع والعشرين في المصحف الكريم (ق) ــ قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٣٣) فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٤) ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ (٣٥) وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٣٦) قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (٣٧) وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ
следующие страницы →