← История

История · id 115130

تاريخ الزواوة

أبو يعلى الزواوي

Полный текст (164 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

تاريخ الزواوة تأليف: أبو يعلى الزواي مراجعة وتعليق: سهيل الخالدي منشورات وزارة الثقافة الجزائر

стр. 2

العنوان: تاريخ الزواوة تأليف: أبو يعلى الزواوي مراجعة وتعليق: سهيل الخالدي مديرية الفنون والآداب تحت إشراف: د. ربيعة جلطي الطبعة الأولى ٢٠٠٥ جميع الحقوق محفوظة

стр. 3

الإهداء .. إلى الصديق الحاج محمد أمزيان الحسيني بن بوجليل ولاية بحاية-الوفي. مع كل المحبة والتقرير سهيل

стр. 4

إلى من يهمه الأمر رغم أن بعض تعليقاتي على كتاب تاريخ الزواوة هذا نشرت في بعض اليوميات الجزائرية في ذروة الفتنة التي شهدتها الجزائر لا أنني أود -أولا- أن أوضح خاصة "للأشخاص حسني النوايا" لأني هنا أعلق على هذا الكتاب، كما يعلق صحفي قارئ يسجل تعليقه على هامش الصفحة. ويجب أن يكون واضحا بأني لا أحقق ولا أدقق ولا شيء من ذلك الذي له علاقة بالعمل الأكاديمي الباحثين الأفاضل. وأما اعتمادي في تعليقي على بعض الكتب الأخرى وبعض المراجع وأحيانا تلك المراجع التي لها قيمة المصدر، فما ذاك إلا لإنعاش الذاكرة، كما يجدر بمعلق يحترم كلمته، وليس كما يليق باحث أو مدقق بضيف إلى الاحترام، الدقة والتمحيص والتوثيق. ومن بين الكتب التي اعتمدتها في هذا التعليق: رحلة ابن جبير، رحلة ابن بطوطة، العرب واليهود في التاريخ، أعلام الجزائر، عروبة البربر والحقيقة المغمورة، عروبة الجزائر عبر التاريخ، الحركة التبشيرية الفرنسية في الجزائر، تأملات في مسألة الأقليات، أبحاث وآراء في تاريخ الجزائر، لسان العرب الأمازيغ، التكوين التاريخي للأمة العربية، الحضارة الفينيقية، الأمازيغ وقضيتهم في المغرب الكبير، سطور من الرسالة.

стр. 5

وهناك كتب أخرى رجعت إليها بعضها ذكرته وبعضها لم أذكره إضافة إلى أوراقي الخاصة ومخطوطاتي التي لم تنشر بعد، ومنها مخطوط بتاريخ الحرف العربي الجريح، ومخطوط شخصيات جزائرية في المشرق العربي، وغيرهما ... ولم أشأ أن أخصص ثبتا أو هوامش لهذه المراجع حتى لا يختلط على البعض أن ما أقوم به هو شيء غير التعليق. ولأن هناك بعضا من سيئي النوايا في مجتمعنا الجزائري خاصة دعاة التفتيت والتشتيت والحروب المجانية، ممن يكتبون في بعض صحفنا، هم على سوء نواياهم -يتمتعون- بمجهولات واسعة، فبعضهم يدعي أنه وحده الذي يفهم الرسالة المحمدية، وبعض آخر يدعي أنه هو الذي علم ماركس وبعض ثالث يدعي أنه ألهم فولتير، والبعض الرابع ولعله الأخطر، يدعي أنه الطبيب الذي أشرف على ولادة أول بربري في جبال الأطلس، فجعل من نفسه وصيا سياسيا وناطقا باسم الأمازيغ والأمازيغية ولأن ذلك كذلك، أقول: لا يهمني في قليل أو كثير أن أمازيغ له أو ليس له علاقة بيعرب، فلا أعتقد أن أحدا في هذا الكون متأكد من نقاء عرقه، فالذين يشتغلون في تصنيف أعراق البشر وأنسابهم، إنما يضحكون على السذج من البشر فهؤلاء المشتغلون أنفسهم لا يستطيعون الادعاء بنقاوة نسبهم الشخصي فضلا عن القومي.

стр. 6

وهنا لست أزعم بأني من أهل السياسة وأحزابها وأن لي معرفة بأهلها، غير أني أؤكد اهتمامي بالحضارة والثقافة ولا أنكر ما بينهما وبين السياسة من علاقه، وهي كعلاقه النجار بالخشب .. لا أحد يستطيع أن يقرر قرارات قاطعة مانع، من منهما يعطي الكلمة للآخر أهو النجار أم الخشب، أهي الثقافة أم السياسة؟! إن الذي اعتقده وأؤمن به حتى الثبات هو أن شعبنا الأمازيغي خل التاريخ مع الفينيقيين (حضارة الشرق) وليس مع اليونان حضارة الغرب) .. ثم أبدع وصنع التاريخ مع الحضارة العربية حيث صار البربر عربا والعرب بربرا، فمن ذا الذي يؤكد لي أن عقبة بن نافع هو فعلا من صلب يعرب وليس من صلب أمازيغ! لذلك يؤلمني كمواطن أن أرى البعض من (أدعياء الثقافة السياسية) من الجزائريين وغير الجزائريين يلعبون بحضارة شعبنا عقله وثقافته ويصورون الأمازيغ على أنهم شعب انتهازي، ليس له كلمة في التاريخ. ففي نظرهم حين كان الرومان سادة العالم كان الأمازيغ روما نصارى، وحين ساد العرب العالم صار الأمازيغ عربا مسلمين. ولأن العرب اليوم في ضعف، ها هم لأمازيغ يبحثون عن "أرومة" أوروبية ينتمون إليها. وهذا فضلا عن كونه إهانة لأمازيغيتنا هو تلاعب استعماري قح، وجهل "حضاري" مقيت ... وسذاجة من بعض سياسيينا لأنه كذلك رفض الأمازيغ والعرب في الشام مقولة الدعاية الفرنسية وقبلها التركية. من أن الأمازيغ ليسوا عربا وجاءوا

стр. 7

مع الأمير عبد القادر ثم بعده المقراني، ليحتلوا الشام وليستعمروه، وقد تصدى الجزائريون الأمازيغ والعرب الشوام لهذه الدعايات وأسقطوها كما أسقطوا ويسقطون في الجزائر دعوى أن العرب جاءوا مستعمرين وغزاة. وهذا الكتاب الذي أعلق عليه هو أحد الكتب التي أسقطت دعايات الاستعمار تلك. وبالتأكيد فإني على علم بأن عالمنا المعاصر تتنازع كتابة تاريخ الأمم فيه، مدرستان: المدرسة الاستعمارية التي تسعى لإلحاق حضارات البشر بروما، فالمسرح والغناء والرقص وحتى "الله" نفسه هو روماني أو إغريقي. والمدرسة الإنسانية التي تحترم جهد كل الشعوب وكل الأمم في كل مراحلها- في صنع التاريخ والحضارة البشرية، فكما لليونان جهد، للهنود جهد، وللصينيين جهد، وللعرب جهد، وللفرس جهد ... ولعله من الواضح إنني من محبذي المدرسة الإنسانية هذه وبالتالي فأنا بالغ الاعتزاز بعروبتي وعلى رأسها الأمازيغ الذين أضافوا إليها وطوروها لأنهم منها ولها، بل لعلهم أصلها فكما أن الشيوعية وجدت قبل لينين فإن الإسلام وجد قبل محمد فإبراهيم كان مسلما حنيفا، وكما أن ألمانيا وجدت قبل بسمارك فإن العروبة لم تولد مع عقبة. لذلك فأنا أنظر باحتقار لكل أولائك الذين يسعون إلى ضرب القبائلي بالشاوي والأمازيغي بالعربي والمسلم بالنصراني، والسني والشيعي، والآشوري والفينيقي فهذا النوع من "الصراعات

стр. 8

رديئة" لا يرقى بالحضارة البشرية، وقد تجاوزتها الشعوب على وجه هذا الكوكب منذ أزمان وأزمان ... وقد وعى الشيخ أبو يعلى الزواوي مؤلف هذا الكتاب .. هذه الحقيقة منذ مطلع القرن فضل من بعض "مثقفينا السياسيين" في نهاية هذا القرن!. إذن فليكن واضحا كل الوضوح بأني المسؤول الوحيد عن تعليقي، فلا الناشر مسؤول ولا أبو يعلى الزواوي مسؤول، آمل أن لا يكون ذنبي عند البعض أني لم "أؤجر" عقلي للأكاديمية البربرية أو معهد العالم العربي، فالذين يؤجرون عقولهم يهون عليهم تأجير وطنهم، وأنا لا أؤجر حبة رمل واحدة من وطني الممتد من شنقيط حتى حضرموت إنه بيتي حتى ولو لم أمتلك فيه مساحة قبر!! الجزائر ٠١/ ٠٥/ ٢٠٠٥ مأوى المسنين/ باب الزوار سهيل

стр. 9

كيف عثرت على الكتاب ؟ لما كنت في دمشق الشام مارس ١٩٨٧ - أفريل ١٩٩١ قادما إليها من ليماسول في قبرص التي قضيت فيها الشتاء (ديسمبر ١٩٨٦ وجانفي وفيفري ١٩٨٧) مستجما بعد سنوات عمل متواصلة في الكويت جانفي ١٩٧٩ - ديسمبر ١٩٨٦، قدمتها وفي نيتي إنجاز عدد من الكتابات الروائية والإعلامية وكتاب عن الجالية الجزائرية في الشام استنادا على أوراق وصلت إلي من أوراق الوالد والجد المهجرين من منطقة واد البردي في ولاية البويرة وهكذا قضيت أعواما أربعة لا عمل لي غير التنقل بين مكتبة الأسد في طريق المزة ومكتبة الظاهرية في دمشق القديمة وأثئاء مراجعني للفهارس في مكتبة "الأسد" حرف الزاي وجدت اسم الزواوي، وبجانبه اسم الكتاب (تاريخ الزواوة). طلبته من الموظف، فلما أتاني به طلبت تصويره على الفور وفي نفس اليوم انتقلت إلى مكتبة الظاهرية وبحثت عنه في فهارسها وصورته. وهكذا اجتمعت لدي نسختان مصورتان. وعدت إلى ييتي كمن عثر على كنز وهو كنز فعلا. وفي اليوم التالي ذهبت إلى مختار الجزائريين في حي السويقة بدمشق الأستاذ "ابح مزيان". وبحثنا معا عن اسم الشيخ أبو يعلى في السجلات الموجودة عنده وهما سجلان أحدهما تركي العهد يعود إلى عام ١٩٠٤ على الأرجح والآخر فرنسي العهد يعود إلى عام ١٩٢٣ ولم نجد للشيخ تسجيلا أو أية إشارة لسكنه أو عائلته.

стр. 10

فما كان مني إلا أن ذهبت إلى الأستاذ أحمد سهيل الفضيل الجزائري الذي جاوز من العمر سبعين عاما - توفي عام ٢٠٠٣ - وكان أحمد سهيل يشغل دائما منصب سكرتير جمعيات الجزائريين في الشام وأمدني بكثير من المعلومات هو ابن الحاج بلقاسم بن محمد الفضيل الذي ذكره أبو يعلى في الكتاب المهجر من عين الحمام وشغل مناصب رفيعة في سورية، وأبلغني بأن الشيخ الزواوي كان على علاقة بوالده الحاج بلقاسم، وأنه لم يطل به المقام في دمشق، بل أن كتابه هذا لم يعد متداولا أو معروفا خاصة وأن مكتبة جمعية المقاصد الخيرية المغربية في السويقة لم يعد لها وجود، وليس هناك من سبيل سوى العائلات الجزائرية نفسها ولما كان الدكتور مازن المبارك قد انتقل من جامعة دمشق إلى جامعة دبي، وتوفت والدته في تلك الفترة، لم أشأ إزعاجه بالموضوع فلجأت إلى الأستاذ محمد اليعقوبي وهو شاب جزائري مثقف من مواليد دمشق يتقن العديد من اللغات ومتعدد المواهب ورث مكتبة عن أبيه عن جده عن جد أبيه بعض كتبها انتقل مع جد والده المهجر عام ١٨٤٧ من آيت سعادة فجاء إلي الأستاذ محمد اليعقوبي بنسخة مصورة من الكتاب عينة ولكنني لم أستطع العثور على ترجمة دقيقة للمؤلف يمكن اعتمادها غير تلك الأحاديث الشفوية، وإن كنت قد بدأت أجمع خيوط الرجل من بعض ما كبه في "المقتبس" الدمشقية وفي غيرها. ولما كان من مشروعي الأساسي في دمشق هو إنجاز كتاب عن المهجرين الجزائريين في الشام ودورهم في حركة التحرير العربي، "الذي نشر في الجزائر بعنوان الإشعاع المغربي في الشرق العربيا" ونشاطهم الفكري والثقافي هو

стр. 11

جزء من هذا الدور، وموضوع الشيخ أبو يعلى، هو جزئية في هذا النشاط، خشيت أن تشغلني الجزئية عن المشروع فركنت الكتاب جانبا مع تلك الكتب التي عثرت عليها من مؤلفات الجزائريين في الشام والتي تبلغ عددا يمكنني من الزعم بأني أملك مكتبة من هذه الكتب، والتي آمل أن أنشرها بين الناس. وحين قدمت الجزائر في ماي ١٩٩١، أردت أن أثير موضوع هذا الكتاب علي أجد من يساعدني في أن أعود إليه، فإذا بأستاذنا المؤرخ الكبير أبو القاسم سعد الله يبلغني أنه يبحث عن هذا الكتاب حيث سبق له وأن نشر مقالة حول رسالة عثر عليها من رسائل المؤالف، تتحدث عن مشروع الكتاب، فسلمت النسخة للدكتور أبو القاسم سمد الله وواصلت بحثي حول الزواوي مسترشدا بمكاتبة الدكتور أبو القاسم سعد الله. من هو المؤلف ؟ يقول الدكتور أبو القاسم سعد الله في كتابه أبحاث وأراء في تاريخ الجزائر الجزء الثاني الصادر في الجزائر عام ١٩٨٦ في بحث بعنوان (مشروع كتاب تاريخ زواوة) لأبي يعلى الزواوي معرفا بهذا الشيخ الجليل (فهو السعيد بن محمد الشريف بن العربي ابن يحيى بن الحاج بن آيت سيدي محمد الحاج بزواوة ومن ثم نسبته الزواوي ولد بقرية تعاروست زواوة حوالي سنة ١٨٦٢) ص ١٤٥ غير أن المؤلف نفسه شككني بتاريخ مولده الذي ذكره أستاذنا الفاضل سعد الله إذ قال في ص ٦٢ من مؤلفه (وقد رأيت والدي رحمه الله

стр. 12

في قرية صوامع في بني بوشعايب في وسط معمعة في سنة ١٨٦٩ م وأنا ابن أربع سنين) فحسب هذا النص يكون مؤلفا من مواليد ١٨٦٥ ومع أن ابن أربع سنوات لا يتذكر على الأرجح تلك التفاصيل التي يذكرها أبو يعلى مما يجعلنا نميل إلى ما ذكره الأستاذ سعد الله حيث يكون عمر مؤلفنا وقت وقوع الحادثة التي أوردها بحدود ٧ أو ٨ سنوات وهو عمر يمكن أن يتذكر به الطفل الذكي حوادث كتلك. إنني كتبت في عدد جريدة الشعب المشار إليه سابقا أطلب من القراء إسعافي وقلت (أود أن أعلم القارئ الجزائري أني أقوم بتحقيق وتدقيق هذا الكتاب وكتب أخرى للمؤلف لذا سأكون شاكرا لو تفضل أحد من عائلته أو قرابته بإفادتي عن تفاصيل حياته) وكانت الاستجابة الوحيدة من طرف محمد حسن عليلي اليجري الزواوي في جريدة الخبر المشار إليه ويبدوا أن الشيخ أبو يعلى الزواوي قام برحلات عديدة "نحن نعرف أن له ثلاث رحلات إلى دمشق التي حرر فيها كتابه هذا وإلى القاهرة حيث سكن مع الشيخ طاهر الجزائري إذ يقول (ولما اجتمعت به بمصر وسكنا معا مدة خمسة أعوام تقريبا كلفني بتحرير مقالات كثيرة وبتأليف في النحو وأخر في إلزام الشبان الأصحاب بالتدين وألح على إثبات مذكراتي ونظراتي في السياسة وكان معجبا بها شهادة الإخوان الشاميين والمصريين الذين هم بقيد الحياة) ص ١٠٣ ولا يحدد أبو يعلى متى التقى بالشيخ طاهر ومتى سكنا معا إلا أنه يفهم من النص في نفس الصفحة أن ذلك كان خلال الحرب العالمية الأولى ومعروف أن هذه الحرب استغرقت لفترة ١٩١٤ - ١٩١٨ وكان الشيخ طاهر الجزائري قد هرب من دشق إلى مصر فارا من اضطهاد الأتراك

стр. 13

له ١٩٠٥ وظل فيها حتى سنة ١٩٢٠. ولا يبدوا أن الشيخ أبو يعلى قد انتقل من مصر إلى دمشق حيث نجد أنه في عام ١٩١٧ قام برحلة إلى باريس إذ يذكر ي رسالة بعث بها إليه ابن زكري فيقول (فمن ذلك ما كاتبني به الأستاذ المرحوم العلامة الحافظ الزواوي الشيخ محمد السعيد بن زكري مفتي الجماعة بمدينة الجزائر في ماي ١٩١٧ أيام إقامتي بباريس) ثم يوضح أنه وصلته من ابن زكري رسالة أخرى بتاريخ يونيو في السنة المذكورة. ويبدو أن أبو يعلى الزواوي قد قام برحلة إلى تونس وهناك تعرف على الشيخ الطاهر الجزائري إذ يقول الأستاذ سعد الله (فقد زار الشيخ الطاهر موطن آبائه الجزائر حوالي ١٨٩٣ فوجد الشيخ أبا يعلى في تونس) ص ١٤٦. وقد حاولت أن أجد سندا لرحلتين محتملتين أولاهما أن يكون أبو يعلى قد زار الحجاز لأداء فريضة الحج وثانيها أن يكون قد زار فلسطين لأن الذاهب من دمشق إلى القاهرة عبر القطار في تلك الأيام كان لابد له أن يأخذ قطار دمشق - حيفا ومنها إما أن يأخذ السفينة أو أن يواصل بالقطار حتى غزة ولكنني لم أعثر على سند صحيح ... وفي اعتقادي أن للرجل رحلات سيكون من المفيد إذ ما عرفنا ذات يوم أنه دونها فحتى الآن لا نعرف إذا ما ترك مذكرات.

стр. 14

وفاته وأثاره توفي الشيخ الزواوي في أوائل يونيو - حزيران ١٩٥٢ كما ذكر الأستاذ سعد الله وكما أكد لي قريبه المشار إليه الذي حضر الوفاة والدفن .. وترك أبو يعلى عددا من المؤلفات والمخطوطات والمقالات المنشورة في الصحف الجزائرية والمصرية والشامية، ذكرها الدكتور سعد الله في كتابه وقرأ كتاباته كثير من العلماء الذين عاصروه وأعتقد أنه من الأهمية بمكان أن يقوم أحد المهتمين بجمع هذا التراث الضخم وتحقيقه ونشره خاصة وأن الرجل لم يعقب ذكرا بل توفي عن ابنتين.

стр. 15

أهمية الكتاب يتألف الكتاب من ١٠٤ صفحة من المقطع الصغير قياس (١٣/ ٢١) وطبع في مطبعة الفيحاء في دمشق الكائنة في شارع مدحت باشا "كان واليا على الشام وصدرا أعظم - وزير أول- في العهد التركي" وقد طبع على نفقة أحد رجال التصوف المعروفين من المهجرين الجزائريين في دمشق، وهو أمازيغي أيضا واسمه عمر بن طيب الزواوي وقد حفظت حقوق الطبع للمؤلف نفسه، ونشر الكتاب عام ١٣٤٠ هـ. وقد ورد اسم الكتاب والكاتب كالتالي (كتاب تاريخ الزواوة تأليف الفقير الضعيف الراجي عفو ربه اللطيف السعيد بن محمد شريف أبو يعلى الزواوي). يهدي المؤلف كتابه إلى السيد أحمد الهاشمي بالصيغة التالية: (إلى صاحب الشرف الممجد، ذي السيادة القعساء الصحيحة السند، إبن علي الشريف السيد أحمد الهاشمي العلوي الفاطمي الزواوي). ويضيف المؤلف في الإهداء: (مولاي كان لتاريخ الزواوة شأن عظيم، وأنتم من الأعاظم، وكان لهم نسب كريم، وأنت من الأكارم، أما وقد كان أو كاد ينسى، فاقبل مني أن أجدده لعلنا نتأسى كما قال الأول: فتأسوا بمن مضى إذا ظلمتم ... فالتأسي للنفس عزاء فأهديه إلى سيادتكم العظمى، ولكم فيه الكلمات العليا.)

стр. 16

أما السيد أحمد الهاشمي فهو "على الأرجح" أحمد جودت الهاشمي الينيوي الذي هاجر والده من "بني يني" وأظهر نبوغا في الرياضيات وتخرج من جامعة استامبول وباريس وأسهم في الحركة الوطنية في الشام وكان أول رئيس لجمعية المقاصد الخيرية المغربية، وسأقدم له ترجمة مفصلة حين يرد ذكره في الكتاب. غير أن السيد حسن عليلي قال أن المعني بالإهداء ليس هو الشخص الذي رجحت ... ولكنه لم يقدم أية معلومات عن أحمد الهاشمي المذكور. وكتاب تاريخ الزواوة مكتوب بلغة عربية جميلة وبأسلوب هو أقرب إلى أسلوب المحدثين منه إلى أسلوب القدامى رغم ما فيه من السجع. أما أسباب تأليف الكتاب فهي واضحة وقد أعلنها المؤلف من الإهداء والخطبة والتي هي إزالة الظلم الذي لحق بتاريخ الزواوة بالقول أنهم غير عرب فهو يقول في خطبة الكتاب: (وكان مولدي بالزواوة، ومنشاي ومرباي في تلك الزوايا، وكادت شهرة القبائل الصنهاجية تكون طامسة الأعلام مجهولة لأسباب كثيرة، وقضايا منها ما هي مقبولة، ومنها ما هي مزورة مردودة تحرك لي الساكن واستنجدني الظاعن والقاطن فأردت أن أضع كتابا صغير الحجم، كبير العلم، كنموذج من تاريخ الزواوة مقتصرا على تبيين نسبهم، وذكر شيء من فضائلهم ... فانتدبني كثير من الزواوة لتحرير شيء بما يتعلق بهم ونسبهم). (ويضع عند كلمة "استنجدني" هامشا يقول فيه أسفل الصفحة الثالثة إشارة إلى الجهال المهذارين بأن الزواوة برابرة ورومان .. إلخ).

стр. 17

إذن فنحن أمام كتاب هام يشكل وثيقة تاريخية حررت بطلب وتكليف جماعي من الزواوة لتبيان تاريخهم والرد على من يقول أنهم غير عرب ... ولعل هذا يفسر لماذا لم يصل الكتاب إلى القارئ الجزائري رغم مرور هذه المدة الطويلة على طبعة ونشره، ويوضح لنا أن الاستعمار الفرنسي وأكاديمياته ومثقفيه يعملون منذ وقت طويل على إشاعة الفتنة والحرب الأهلية في أي قطر عربي يبتلي بهم ويريدون من الزواوة، (أو القبائل أو الأمازيغ أو البربر) أن يكونوا وقودا لهذه الفتنة وأداة من أدوات الانفصال والتقسيم .. ولكن الزواوة تفطنوا لهذه الحيلة وأفسدوا على المستعمر الفرنسي سواء في الجزائر أو في الشام مسعاه، وقادوا حركة النهضة العربية - الإسلامية مشرقا ومغربا فكانوا على رأس القومية العربية في يوم الوقيعة خيولا عربية سريعة. أما منهج الكتاب ومصادره ومراجعه ينطبق عليها ما قلناه على الأسلوب، فإذا كان الكاتب يعتمد على السجع كما هو حال مؤلفي مطلع القرن، فإن منهجه كمنهجهم يحاول التخلص من المنهج القديم ليدخل قدر الإمكان بالمنهج الحديث، ونجده يذكر مراجعه وكلها من أمهات كتب التراث مثل كتب ابن خلدون والمسعودي والطبري وابن إسحاق والكلبي وابن الأثير وابن الخطيب والمقري والواقدي وغيرهم ويحاول المؤلف أن يشير إلى بعض الصحف والخطب وكذا الوقائع والأحداث التي شهدها. ويبدو أن البحث قد استغرق منه عدة سنوات وعرضه على كثير من مثقفي زمانه وقد فرغ منه كما ورد في صفحة ٩٣ (عشية يوم الأربعاء ١٩ ذي القعدة الحرام عام سبعة وثلاثين وثلاثمائة وألف للهجرة).

стр. 18

أسباب تأليف الكتاب ومنهجه إذن وإن أسباب تأليف الكتاب هي كما أسلفنا إزاحة الظلم الذي وقع على البربر عموما والزواوة منهم خصوصا من طرف مثقفي الاستعمار وذلك لسعي هاته الفئة إلى طمس تاريخ الزواوة وفصلهم عن بني أرومتهم العرب من جهة، وإنكار إسهام الزواوة في الحضارة البشرية، لإخراجهم من التاريخ ونزرع الفتن بينهم وبين أهلهم سواء في القطر الجزائري أو في سائر أقطار الوطن العربي من جهة أخرى، وللمستعمر أهدافه الكثيرة من وراء ذلك لعل في طليعتها استمرار التخلف، فما دام الزواوي متخلفا جائعا خائفا في بلده، فهذا يعني أن فرنسيا متقدما شبعانا آمنا في فرنسا، فكما لم يغتني عني إلا من فقر فقير فلا استعمار دون تخلف وجوع وخوف. وبالتأكيد فإن هذه الأسباب التي يوردها الشيخ أبو يعلى الزواوي هي أسباب أكثر من وجيهة سواء من الناحية العلمية المحضة، حيث يجب أن يبرز الحقيقة على أيدي العلماء قبل غيرهم من بني البشر، أو من الناحية الوطنية والعشائرية والدينية فهل يرضى جزائري له ذرة من الوطنية أن يسكت وهو يرى الفتنة تزرع في وطنه، وهل يرضى زواوي عاقل له ذرة من حب الزواوة عشيرته وأهله، أن تستغل عواطف هذه العشيرة وهؤلاء الأهل ليزح بهم في فتنة تسيل فيها دماؤهم ويسيلون فيها دماء غيرهم، لا لشيء إلا ليستفيد الأجنبي المستعمر وبعض المنتفعين من أشخاص وعائلات كائنا من كانت ثقافتهم أو وظيفتهم أو عائلاتهم أو عاطفتهم وهل يرضى مسلم عاقل له ذرة

стр. 19

من دين أن يرى أبناء دينه في فتنة لا دين لها، ولا يستفيد منها إلا سوى أعداء الدين والمنتفعين به، وهل يرضى إنسان عصري وحديث بأساليب الهمجية؟ ولعله من الواضح أن الزواوة سواء كانوا من المقيمين في أرض الوطن أم من المهجرين إلى الشام رفضوا تلك الدعاوى التي بثها المستعمر الفرنسي في الجزائر وفي سورية ولبنان بأنهم غير عرب وأنهم بربر ورومان وما إلى ذلك، وهم الذين حثوا أبو يعلى الزواوي على تأليف كتابه بالإضافة إلى رغبته هو ودوافعه هو لإزاحة الظلم والتزوير. وكان في هذا واضح العبارة فهو يربط الأسباب والعلاقات والدوافع والتشجيعات ربطا محكما ومنطقيا ... إذ يقول: (وكان مولدي بالزواوة، ومنشاي ومرباي في تلك القرى ذوات الزوايا، وكادت شهرة تلك القبائل الصنهاجية تكون طامسة الأعلام مجهولة، لأسباب كثيرة، وقضايا منها ما هي مقبولة، ومنها ما هي مزورة مردودة ... تحرك لي الساكن، واستنجدني الظاعن والقاطن، فأردت أن أضع كتابا صغير الحجم، كبير العلم، كأنموذج من تاريخ الزواوة، مقتصرا على تبيين نسبهم وذكر شيء من فضائلهم، وما قيل فيهم، وما كان لأوائلهم، ليكون النشء الجديد على بصيرة من سلفهم، ليعلموا ما كان من أمرهم، ليقتدوا بكل فعل مجيد، وينبذوا كل ما هو غير سديد، لعلهم يأخذون ببعض القديم وبعض الجديد، والتزام الأحماض فيه لتنشيط قارئيه، لأنفخ فيهم روحا قوية، وأبعث فيهم ذوي همم عالية، وأهدي إليهم هذا الكتاب المستطاب، فإن فعلوا فذاك هو الصواب، وإلا فما علي من حساب) ص ٣ - ٤.

стр. 20

إذن فإن أبو يعلى الزواوي لا ينكر ولا يخفي دوافعه الوطنية والعشائرية الدينية في تأليفه لهذا الكتاب، بل هو يحمل الأجيال الجديدة مسؤوليتها إن هي انساقت وراء أولائك الجهال والمهذارين الذين يدقون الأسافين بين الجزائريين الزواوة والجزائريين غير الزواوة ... بل وأكثر من ذلك فهو ينبه هذه الأجيال الجديدة بأن عليها التمحيص والتدقيق والأخذ بأفضل ما في القديم وبأفضل ما في الجديد ... ولعمري إن أبو يعلى كان في هذه العبارات البسيطة مربيا كبيرا ... !! ثم يتطرق إلى المنهجية حيث قسم كتابه إلى فصول سبعة تجدها منطقية الترتيب والتصاعد، فقد تحدث عن علم التاريخ وفضله أولا، ثم نجده يدخل موضوعه مباشرة إذ خصص الفصل الثاني لنسب الزواوة وهو يكاد يكون أطول فصول الكتاب من صفحة ١٢ إلى صفحة ٢٦ ثم يرفده بفصل ثالث غير منفصل عن الثاني ألا وهو محامدهم وخصائصهم، وأما الفصل الرابع فهو في زواياهم وعلمائهم وخدمتهم العربية، والفصل الخامس في بعض عاداتهم وأما الفصل السادس ففي المطلوب لإصلاح حالهم وخصص السابع للائحة التعليم ونظامه الذي يقترحه ويبين طريقة التعليم. ونحن في عصرنا هذا حيث في الجزائر عدة جامعات ومنها جامعة تيزي وزو، لو دققنا النظر أن لكل فصل فها يستحق لوحده أطروحة جامعية خاصة. فالرجل كان عالما محيطا بموضوعه أيما إحاطة عارفا بأبعاده وخفاياه، ويعرف وعورة الطريق الذي يسير عليه، فأن نقول في أول القرن العشرين، والاستعمار ينيخ بكلكله على صدرك، إن الزواوة عرب، فتلك والله بطولة،

стр. 21

خاصة وأن العرب كانوا في ذلك الوقت وما زالوا حتى الوقت، لا يقدمون للباحثين والكتاب العطايا والهدايا من النساء والقصور والسيارات، والانتساب إليهم لا يخرج الإنسان من العوز، وإن كان يدخله في العزة!! نجد المؤلف ينتقل للحديث عن الوضع السائد في منطقة القبائل ورأيه في طريق إصلاحها فيتحدث عن الإصلاح المطلوب، الإصلاح الإسلامي، لائحة نظام التعليم وبيان طريقة طرق التعليم الابتدائي، الكتب التي يدرسونها، الإدارة والتفتيش للزوايا، ويبدوا أن هذا القسم هو ملخصات لما ورد في كتب سابقة له واعتبارا من الصفحة ٩٣ نجده يتدارك ما فاته في بعض الفصول فيعود لنسبهم ولأجوادهم ونوابغهم وإلى ذكر أسماء بعضهم ممن حموا تحت قيادة الأمير عبد القادر الجزائري نصارى دمشق في فتنة ١٨٦٠ م ثم يفرد فصلا بعنوان "تقريظ الكتاب" يورد فيه نصوص ورسائل وردته مقرظة كتابه من مفتي مدينة الجزائر الشيخ بن زكري مؤرخة في ماي ١٩١٧ وأتبعها بأخرى مؤرخة في يونية من نفس السنة، ويقحم المؤلف رسالة ثالثة بجواب على تعزية لابن زكري ولا علاقة لها بموضوع الكتاب ولا يذكر تاريخها. الأمازيغ في سوريا لعله ليس معروفا على نطاق واسع بين الناس أن الأمير عبد القادر الجزائري حين أوقف مقاومته المسلحة للاحتلال الفرنسي عام ١٨٤٧ م/ ١٢٦٣ هـ، كان قد أمر علماء ورجال دولته وجيشه بالهجرة إلى الشام حتى لا تشن عليهم فرنسا حرب إبادة كما هي عادتها. وبالفعل فقد هاجر هؤلاء

стр. 22

مع عائلاتهم ويبلغ تعدادهم جميعا حوالي خمسمائة نفر وقد وصلوا إلى دمشق لشام فاسقبلهم الشوام استقبالا عظيما قلقت منه حكومة الباب العالي في استامبول. وعرفت هذه الدفعة بهجرة المشايخ "إذ أعقبتها دفعات أخرى ولم يسلم الأمير سلاحه إلا بعد أن تأكد من وصولهم إلى دمشق. وكان معظم هؤلاء المهجرين الجزائريين سواء من هذه الدفعة الأولى أوالدفعات التي تلتهم من الأمازيغ أو البربر أو القبائل أو ما شئت من التسميات التي أطلقت على عرب جرجرة والأطلس وعلى رأس هؤلاء الشيخ المهدي السكلاوي شيخ الزاوية الرحمانية والشيخ محمد المبارك "دلس" والشيخ صالح السمعوني "بجاية" والشيخ أحمد بن سالم "البويرة"، واليعقوبي، وأعراب وغيرهم، وقد تطرقت إلى موضوع الهجرة في كتابي "الإشعاع المغربي في بلاد المشرق العربي" - دور الجالية الجزائرية في بلاد الشام، المنشور في الجزائر. - وقد جلس هؤلاء العلماء على الفور في مجالس العلم في مدارس وزوايا ومساجد دمشق حيث أمن لهم إخوتهم عرب الشام كل سبل العيش والعمل، وأقطعتهم الحكومة البركية أجود الأراضي في غوطة دمشق وسهل حوران وأرض الجليل. وبدأت بهم في الشام نهضة علمية حيث شهدت المدرسة الجقمقية ودار الحديث وجامع الغابة والزواية الأخضرية فضلا عن المسجد الأموي الكبير ومسجد السنانية دروسا واسعة لهؤلاء. وحتى الأمير عبد القادر الجزائري نفسه حين وصل دمشق عام ١٨٥٦ أخذ مقعده على رأس هؤلاء مدرسا في الجامع الأموي والمدرسة الجقمقية ودار الحديث.

стр. 23

ولم يقل أحد من المشارقة أن هؤلاء أمازيغ أو بربر أو قبائل ليس لهم أن يحتلوا مكانة في المجتمع، بل على العكس تماما فإن هؤلاء هم الذين حمو النصارى في الفتنة التي أشعلتها الدول الكبرى في الشام عام ١٨٦٠، وفي عام ١٨٧٧ عرض المشارقة على الأمير عبد القادر الجزائري أن يكون ملكا على رأس الدولة العربية التي أرادوا استقلالها عن تركيا التي استبدت وابتعدت عن روح الإسلام. وكان هؤلاء الأمازيغ بمن فيهم الدفعات التي هجرت إثر ثورة المقراني عام ١٨٧١ ومجموعة الشيخ محمد بن يلس التي هاجرت إثر قانون التجنيد الإجباري عام ١٩١١ يوجهون المجتمع الشامي ضد كل الاستعمار الغربي، والفرنسي منه خصوما، وضد الاستبداد التركي، ويثيرون في هذا المجتمع الشامي روح القومية العربية والثقافة العربية الإسلامية ويحيون الأمجاد العربية، فاستجاب لهم المجتمع وعمل تحت رايتهم وقد تأسست نتيجة هذه الحركة "جمعية النهضة العربية" عام ١٩٠٤ بقيادة الشيخ طاهر السمعنوي الجزائري ابن الشيخ صالح السمعوني الذي هاجر كما أشرنا عام ١٨٤٧ من بجاية تحديدا من وغليس بلدية سيدي عيش دائرة أقبو في واد الصومام وقبيلة بني سمعون التي عند أهلها الخبر اليقين. ومن جمعية النهضة العربية انبثفت جمعيات القومية العربية كالجمعية القحطانية وجمعية العهد وجمعية العربية للفتاة التي أعلنت الثورة العربية على تركيا عام ١٩١٦ - ١٩١٨ بالاتفاق مع شريف مكة الحسين بن علي وولده فيصل. وقد أعدم الأتراك خيرة رجال هذه الجمعيات وفي طليعتهم ذلك

стр. 24

الضابط الفيلسوف "سليم الجزائري" وهو ابن أخ الشيخ طاهر وتلميذه، والأمير عمر نجل الأمير عبد القادر وغيرهما من الجزائريين فضلا عن الشوام، وكان الشيخ الطيب العقبي هو الناطق الإعلامي باسم الشريف حسين حيث يرأس تحرير جريدة "القبلة" لسان حال الثورة العربية. وهكذا قاد البربر الأمازيغ "القبائل" حركة القومية العربية من منتصف القرن التاسع عشر حتى الآن، قادوها مغربا ومشرقا وكانوا سيوفا بتارة ضد المستعمرين الأوروبين والمستبدين الأتراك هؤلاء الذين بدأوا -معا- يشيعون بين الشوام أن القبائل والأمازيغ ليسوا عربا بل عملاء الفرنسيين لاحتلال الشام. - وفي عام ١٩٢٠ احتلت فرنسا دمشق إثر معركة ميسلون البطولية وكانت تخشى أول ما تخشى أولئك الجزائريين الذين يقودون المجتمع الشامي دينا وفكرا وسياسة فسعت إلى فصلهم عن هذا المجتمع، فلجأت إلى ذات الحيلة التي لجأ إيها المستبد التركي القائم والتي طبقها في الجزائر. فكما قالت لهؤلاء الأمازيغ في الجزائر أنكم لستم عربا وأن العرب جاؤوكم مستعمرين مع بني هلال ... إلى آخر هذه الأسطوانة، قالت لأهل الشام أن هؤلاء الأمازيغ ليسوا أكثر من برابرة غير عرب جاؤوا إلى بلادكم بقصد احتلالها واستعماركم وأن فرسا نفسها تساعدهم في ذلك وبدأت أجهزة الدعاية في جيشها المحتل الذي فيه جزائريون مجندون إجباريا، بث هذه الأقوال والدعايات في صفوف الشوام إشعالا منها للفتنة بينهم وبين الجزائريين ... غير أن الذي حدث أن الجزائريين والشوام جميعا أعلنوا الثورة

стр. 25

الكبرى ضد فرنسا عام ١٩٢٥ - ١٩٢٧ بقيادة سلطان الأطرش والأمبر عز الدين الجزائري، وكان الجزائريون في الجيش الفرنسي وعلى رأسهم الضابط عطاف يساعدون الثورة السورية بالسلاح وغيره. ولم يعد سرا أن الأمازيغ في سوريا كانوا جزءا أساسيا ومحركا قويا للنضال القومي العربي، سواء ضد الأتراك أو ضد الفرنسيين أو الإنجليز أو الصهيونية والإمبريالية العالمية، بل إن حزب البعث العربي الاشتراكي الذي يكرهه "الفرانكوفون" وأدعياء الأمازيغية، كان يقوم على أكتاف الكثير من هؤلاء الزواوة المهجرين إلى دمشق بل وصلوا إلى أعلى المراتب في قيادة الحزب والدولة، ومنهم على سبيل المثال رئيس وزراء سوريا في سبعينيات القرن العشرين "عبد الرحمان أحمد خليفاوي" أصيل الأربعاء بني إيراثن كما كان منهم قيادات في الأحزاب الإسلامية ومنهم محمد المبارك أصيل دلس ومن أبناء عمومه الشيخ أبو يعلى الزواوي كما ذكر في كتابه هذا الذي بين أيدينا كما ليس سرا ما قدمته سوريا ومصر والسعودية وكل العرب للثورة الجزائرية ١٩٦٢ - ١٩٥٤ وهو أمر لم يفعله العرب دولهم وشعوبهم مع الثورة الفيتنامية مثلا!!.

стр. 26

مواقفه وفلسفته من خلال النصوص التي بين أيدينا يتبين لنا أن للرجل موقفين: إذ يقول معلقا على خطبة جول كامبون الوالي العام للجزائر في بلدة الأربعاء ناثي إيراثن عام ١٨٩١ (قلت لابد من غالب ومغلوب وأن لكل شيء حد ونهاية ثم إن الدولة الحالية التي استولت عليهم تحبهم وتميل بالعطف عليهم وتود أن يتمدنوا تمدنا عصريا) ص ٤١. وهذا موقف يناقض قوله بأن الشيخ الطاهر الجزائري كان معجبا بنظراته السياسية فالشيخ الطاهر الجزائري لم يكن مؤسسا للحركة القومية العربية فحسب بل أنه كان واضحا في علاقته بالدول والمستشرقين الإنجليز وكان أميل للسياسة البريطانية لذلك فإن تلامذته الذين أعلنوا الثورة العربية الكبرى عام ١٩١٦ لم يسمحوا لشريف مكة الحسن بن علي سوى بالاتصال مع بريطانيا دون سواها من الحلفاء، وليس من المتوقع أن يعجب طاهر الجزائري الذي لم ترد كلمة فرنسا على لسانه أو قلمه إلا أردفها بـ "لعنها الله". بأفكار رجل يجامل فرنسا لدرجة أنه يكلفه بتثقيف الشاب وأكثر من ذلك فإان كتاب تاريخ الزواوة خاصة في فصوله الأولى المتعلقة بنسب الزواوة وتاريخهم متفق مع أفكار الشيخ الطاهر من أن الزواوة عرب قحطانيون .. ونجد في الصفحة ١٠٧ أن الشيخ طاهر يطلب من أبي يعلى أن يحرر رسالة في لسان الزواوة قبل الشروع في تاريخهم ويدله على مراجع تاريخية مثل الديباج المذهب وابن خلكان والسخاوي كما أن واقعة السكن

стр. 27

مع الشيخ طاهر هذه المدة الطويلة لا يمكن أن تتم لو كان بينهما مثل هذا الاختلاف البين في المواقف السياسة وميزة طاهر الجزائري كانت عدم المهادنة.! ثم هناك موقف مهم ورد في الكتاب وهو مطالبة أبو يعلى الزواوي بعصرنة التعليم العربي في الجزائر وإدخال الاقتصاد السياسي والإداري والطب والفلسفة وهذه العصرنة هي التي قام بها الشيخ الطاهر الجزائري في دمشق والشام كله فجرت عليه غضب الأتراك وهذه المطالب بعصرنة التعليم في الجزائر والإصرار على العربية تتفق ليس فقط مع أفكار الشيخ الطاهر بل أيضا مع أفكار الحركة الوطنية الجزائرية وسائر فصائل حركة التحرر القومي العربي منذ مطلع القرن العشرين، فالبربرية زواوية وغير زواوية هي جزء من القومية العربية جنسا وثقافة، دينا وأرضا، ماضيا ومستقبلا. إذن فإن مواقف الشيخ أبو يعلى الزواوي في نهاية التحليل هي المواقف (العربية الإسلامية) التي أجمع عليها كل رجالات الزواوة (الأمازيغ جميعا) من علماء وساسة منذ قرون ولم يخرج عن هذا الإجماع إلا فئة قيلة ممن أثرت فيهم أجهزة الدعاية الفرنسية. وما عبارته عن خطاب جامبول إلا كلمة مجاملة شاردة اقتضتها ظروف أكثر منها موقفا سياسيا أو ثقافيا، فالموقف السياسي والثقافي تجسد في رفقته لابن باديس في تأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين. وحدة الوطن يشير أبو يعلى في مطلع حديثه عن نسب الزواوة إلى اختلاف المؤرخين فيه وأن هذا الاختلاف هو الذي لفت نظره للبحث والتنقيب هل هم عرب

стр. 28

أو بربر ووصل إلى نتائج مرضية بعد بحث استغرق بضعة عشر عاما، وهو يحدد موقعهم الجغرافي بدقة إذ يقول في هذا المطلع: (اختلف المؤرخون في نسب الزواوة، والزواوة قبائل كثيرة مشهورة، موطنهم ومساكنهم بشمال أفريقية يجعلهم البحر الأبيض المتوسط الممتد من خليج مدينة الجزائر إلى بجاية إحدى عواصمهم وإلى جيجل نصف دائرة فهؤلاء هم المعروفون والمشهورون بالزواوة) ص ١٢. ويقول المهندس وباحث الآثار، المؤرخ العراقي د. أحمد سوسة في كتابه الذي حاربته الصهيونية (العرب واليهود في التاريخ حقائق تاريخية تظهرها المكتشفات الآثارية) ما نصه: (إن القبائل المعروفة بالبربر التي استوطنت أراضي شمال أفريقية كانت تقيم في الأصل في أرض فلسطين إلى جانب الكنعانيين ثم أخرجت منها في عهد الملك داود فيقول المسعودي في ذلك أن أرض البربر كانت أرض فلسطين من بلاد الشام وإن ملكهم كان جالوت، وهذا الاسم سمة لسائر ملوكهم إلى أن قتل ملكهم جالوت، فلم يتملك عليهم بعده ملك، وأنهم انتهوا إلى ديار المغرب، فانتشروا هناك واختارت البربر سكن الجبل والودية والرمال والدهاس وأطراف البراري والقفار) ص ٩٨. إذن فإن الذين سكنوا الجبل والأودية هم الزواوة بتوافق هذين النصين وإن البربر غير الزواوة سكنوا مناطق أخرى، إذ يقول القديس أو غستين في بعض كتاباته (لما سألت أهل بونة عنابة من أين أتيتم قالوا أتينا من أرض كنعان) والمعروف أن التوراة لا تتحدث أين ذهب الفلسطينيون بعد قتل داود ملكهم

стр. 29

جالوت أو جليات، فهذه النصوص تجيب عن السؤالين:: تخبر خبرين أين سكن الزواوة أو البربر ومن أين جاءوا؟ ولدينا نصوص أخرى مثل الخريطة التي ذكرها أحمد توفيق المدني في كتابه (تاريخ الجزائر) حول توزيع "القبائل البربرية وموطنها بالقطر الجزائري فيذكر (في عمالة الجزائر صنهاجة، وفي جبال الجرجرة المسماة ببلاد القبائل الكبرى زواوة، فليسة، قسطولة، أووقنون، فراوسين، بني راثن، بطروم، بني منقلات، عمور، بني يحي، هجر، فتاية) ص ١٢٥ طبعة ثانية الجزائر ١٩٨٤. وأما محمد علي مادون صاحب كتاب ظهر حديثا بعنوان "عروبة البربر -الأمازيغ، الشلح، القبائل، التوارق- الحقيقة المغمورة" فيقول في الصفحة ١١٥من طبعة دمشق الأولى (فبربر الجهات الشمالية من القالة شرقا إلى إرزا غربا من جبال وشتانة وأدوغ والجرجرة وغالبهم من كتامة في بلاد القبائل الصغرى وزواوة ميلاد القبائل الكبرى). هذه الكتب التي ذكرتا لم يطلع عليها أو يعلى، كما أن مؤلفيها لم يطلعوا على كتابه هذا ... ومع ذلك نلمس دقة الرجل في تحديد موطن الزواوة في منطقة جرجرة. وورد في كتاب ظهر ونحن نكتب هذا التعليق لمؤلفه د. سعد الدين إبراهيم "تأملات في مسألة الأقليات" ص ٨٦ ما يلي: (والبربر هم جماعة أثنية أصلية في شمال إفريقيا، وكانوا يمثلون أغلبية السكان الأصليين حينما وفدت إليهم جيوش العرب المسلمين في القرن السابع الميلادي، ولأنهم سلاليا ينتمون إلى الأسرة الحامية السامية، والبحر متوسطية التي ينتمي إليها العرب،

стр. 30

ولأن معظم النظريات عن أصولهم ترجع بهم إلى الجزيرة العربية أو الفينيقية، فقد سهل ذلك من عمليات التفاعل والمصاهرة، والتعريب والأسلمة ...). وكنت خلال تجوالي الطويل في العديد من الأقطار العربية قد لاحظت تشابه أسماء الكثير من القرى والبلدات والمناطق في الجزائر وعموم المغرب العربي وفلسطين والجزيرة العربية وبلاد الشام والعراق، مع تشابه أسماء العشائر والقبائل وقد سجلت ذلك في "سفر" أعمل على إنجازه بعنوان "بلدانية العرب" وأنا أقول تشابه من باب الحيطة، فالواقع أن هناك تطابق كبير حتى في العادات القديمة جدا (المعروفة قبل الإسلام) فمثلا في الجزائر قرية المعذر وفي فلسطين معذره، وفي الجزائر البويرة وفي فلسطين البويرة، وفي الجزائر زكري وفي فلسطين زكريا، وفي الجزائر عنابة، وفي فلسطين عنابة، وفي الجزائر علمة وفي فلسطين علما .. هل ستقولون هذه أسماء عربية هنا وهناك اخترعها "الهلاليون" الغزاة الاستعماريون المحتلون كما يريد البعض أن يفهمونا، إذن ماذا لو قلت لكم أن في أواسط جبل الشيخ من امتداده المشرقي نحو سوريا جبل اسمه جبل بربر، وجبل آخر من سلسلة جبال تدمر في شمال سورية أيضا اسمه جبل بربر وتسكنه عشائر تمتد حتى العراق تسمى الشاوية أو الشوايا. وإذا أردتم تشابها آخر .. ففي القبائلية نقول "مقران" عن الرجل الكبير السن والقدر والقيمة والقوة، فأقول أن ما بين الحدود العربية والإيرانية جبل يقال له جبل المقران، وفي فلسطين يقولون عن ذلك الرجل "أمقرن" أو أنهم يقولون "فلان قرن" أي أنه محنك وقوي ولا أحد يستطيع أن يغلبه وهو داهية يفلت من الحصار، وعند أريحا جبل يطل كقرن من الجبل على غور

стр. 31

الأردن، وهو الذي يسميه النصارى جبل التجربة، حيث حاول إبليس إغواء المسيح، ويسميه الفلسطينيون "قرن طل" أي جبل كبير أطل ويكتبها بعضهم متصلة "قرنطل" ولا أظنني أزيد أحدا علما إذا قلت أن معظم أسماء القرى والفلسطينية والعربية المتطابقة مع أسماء القرى والأماكن الجزائرية موجودة في الجزيرة العربية خاصة في منطقة جبال عسير، وقد أوردها الدكتور كمال صليبي الذي نشر بعدة لغات والموسوم "هل جاءت التوراة من الجزيرة العربية؟ " ولا أعتقد أن هذا التطابق في تسمية الأماكن بين جبال جرجرة في الجزائر وكنعان في فلسطين والشام وعسير في الجزيرة العربية، وأسماء القرى والأماكن، إلا إثراء للمدرسة التاريخية التي تقول أن الزواوة والبربر عموما إنما جاءوا من اليمن إلى فلسطين فمصر فصعيدها فالمغرب العربي .. وهو في نفس الوقت إضعاف لتلك المدرسة الاستعمارية التي تحاول أن تلحق كل البربر بمن فيهم الزواوة إلى أوروبا لمجرد أن بعض الأوروبيين في غفلة من الزمان، ساكنوا البربر في بعض مناطقهم. وهذا الضعف الجغرافي - التاريخي للمدرسة الاستعمارية في كتابة التاريخ يزداد هزالا على هزال، إذا ما قارنا بين القبائل البربرية في المغرب العربي والقبائل العربية في المشرق العربي، وإذا ما قارنا بين اللهجات المشرقية واللهجات الأمازيغية، ثم احتكمنا إلى أقرب اللغات إلى هذه اللهجات جميعا، أي اللغات السامية وخاصة العربية! شخصيا لست مهتما في أي من الطرفين ذهب إلى الآخر، أهم البربر الذي ذهبوا إلى اليمن، أم العرب الذين جاؤوا إلى الأطلس، فهم عندي كشقي

стр. 32

التمرة، وليس مهما أن تكون "دجلة" الجزائر سميت على نهر دجلة العراق أو النهر هو الذي سمي على نهر الجزائر، فتمر بسكرة كتمر البصرة كلاهما مذاق عربي! وأبو يعلى الزواوي حين حدد الموقع الجغرافي كان يعرف المدخل إلى التاريخ أيضا ... فقد اتصلت أرض المشرق بالمغرب اتصالا طبيعيا فكان من الطبيعي أن يتصل الناس بعضهم، هذا يذهب إلى ذاك فتمتزج السلالات، وتتكون الأمم من هذا الاتصال وهذا التمازج فلماذا ونحن في عصر التجمعات الكبرى، العصر الذي لا تستطيع دولة لوحدها أن تعيش، وقد صار التواصل أكثر إلحاحا، لماذا يراد فصل البربري عن العربي والادعاء للبربري بأن العرب غزاة هلاليون والادعاء للعرب بأن البربر رومان محتلون؟! إنه افتراء على التاريخ. وحين قلت أن البربر رأس العروبة ورأس القومية العربية، كان ذلك صحيحا، فما داموا من قحطان، فقحطان رأس العرب. والذي يشجعني على القول أن البربر (فهر قريش) يكون بشكل من الأشكال هو "افريقش" ذلك الشبه إجماع على أن البربر من "كتم" أو "كتامة" وكتامة أو كتم هو اسم مشهور بين العرب في الجزيرة، ولعله في الأصل "قثم" فهناك من العرب ما يقلب القاف إلى كاف والثاء إلى تاء. إن "كثم" من الأسماء المشهورة في القبائل العربية قديما وحديثا، ومنها عشيرة "الكتوم" الأردنية "وكتمتو" الفلسطينية وآل مكتوم على الشواطئ الشرقية للجزيرة العربية.

стр. 33

وقد لاحظت أن بعض العائلات البربرية حتى اليوم تحمل نفس ألقاب عائلات عربية في الجزيرة والشام، ومنها كما يحضرني اللحظة عائلة "كسوس" وهو اسم تحمله عائلة كبيرة في جنوب الأردن "الكرك". أما القصيدة التي أوردها ﵀ ونسبها إلى أحد أبناء ملكيكرب والتي تتحدث عن القبائل العربية ومساكنها والتي منها: ومنا بأرض المغرب جند تعلقوا ... إلى بربر حتى أتوا أرض بربر فقد أوردها محمد كرد علي في كتابه خطط الشام ونسبها إلى معد يكرب (محمد كرد علي علامة سوري-كردي- تتلمذ على يد الشيخ طاهر الجزائري ويعتبر من مؤسسي الفكر القومي العربي وتولى وزارة التعليم في سورية) وأما المهندس الدكتور أحمد سوسة العلامة العراقي الشهير، فلم يذكر هذه القصيدة فحسب بل أوود في الصفحة ٨ من الطبعة السادسة لكتابه المنشور بعدة لغات (العرب واليهود في التاريخ) ما يلي: (إن القبائل المعروفة بالبربر والتي استوطنت أراضي شمال إفريقيا كانت تقيم في الأصل في فلسطين إلى جانب الكنعانيين ثم أخرجت منها في عهد الملك داود. فيقول المسعودي في ذلك أن أراضي البربر كانت أراضي فلسطين في بلاد الشام وأن ملكهم جالوت، فلم يتملك عليهم بعده ملك، أنهم انتهوا إلى ديار المغرب فانتشروا هناك واختارت البربر سكن الجبل والأودية والرمال والدهاس وأطراف البراري والهقار). ولست أدري كم يختلف قول أحمد سوسة الذي يعتمد الآثار بصفته عالم آثار شهير عن قول القديس أوغستين (وسألت أهل بونة "عنابة" من أين أتيتم فقالوا أتينا من أرض كنعان) وكم

стр. 34

ألف كلاهما عن أبي يعلى الزواوي الذي لم يكن عالما في الآثار كأحمد سوسة الذي قضى ٤٠ عاما وهو يؤلف كتابه هذا وله فضلا عنه حوالي ٥٠ كتابا سبعة منها بالانجليزية. وحدة التاريخ في اعتقادي ليس مدهشا أن يكتب أبو يعلى الزواوي تاريخ الزواوة باللغة العربية؛ ذلك أننا لو استثنينا فترة الاحتلال الفرنسي فإننا لا نجد تاريخا مكتوبا للبربر بغير العربية بما في ذلك الكتب التي كتبها المؤرخون البربر أنفسهم؛ ويبدو لي ذلك معقولا فالثفافة العربية بكل مراحلها سواء قبل الإسلام أو بعده لم تنظر إلى البربر باعتبارهم جنسا أوروبيا مثلا أو جنسا إفريقيا محضا بل نظرت إليهم دائما كجزء من الجنس العربي والثقافة العربية في مختلف المراحل وظل الأمر كذلك حتى عند الفرنسيين في بدايات الاحتلال وكان نابليون نفسه يستعمل لفظة عرب حين يتحدث عن الجزائريين عموما. ولكن أن الاستعمار الفرنسي في الجزائر كان يغير خطابه كلما شعر بالتقدم في السيطرة على الجزائر وصولا إلى أهدافه في إلغاء الشخصية الجزائرية بكل مكوناتها وإلحاقها بفرنسا دون أن تكون جزءا من الشخصية الفرنسية، وعلى ذلك حارب كثيرا وبمختلف الوسائل والأساليب التاريخ الجزائري في مختلف حقبه. وزيف ما استطاع تزييفه ومنع الجزائريين من دراسة تاريخهم المكتوب. والأسباب واضحة، فالاستعمار الفرنسي هو استعمار استيطاني، مثله في ذلك مثل الاستعمار الأوروبي لكل من الأمريكيتين وأستراليا وجنوب إفريقيا والاستعمار الأوروبي والصهيوني لفلسطين.

стр. 35

فإنه لا استيطان مع التاريخ، فالمستوطن يريد استعمار الأرض، وأن يبيد أصحاب هذه الأرض تماما أو أن يلحقهم به ... لذلك أباد الأوروبيون في أمريكا حوالي ٣٠ مليون ممن نسميهم اليوم الهنود الحمر وحطم ثلاث حضارات من حضاراتهم .. أما الأستراليين، فلم تبق منهم سوى بعض القبائل البدائية، وفي جنوب إفريقيا ابتدأت الكفة مع مطلع القرن العشرين ترجح للأفارقة الأصليين الذين لم تبق منهم سوى ٢٥ مليون بعد أن شن الأوروبيون وفي طليعتهم الهولنديون حرب إبادة مستمرة منذ ٣ قرون. لكن المأزق الخطير الذي وقع فيه الاستعمار الاستيطاني الأوروبي والاستعمار عموما هو ما يمكن أن نسميه (بالمأزق العربي) .. فقد غزا هذا الاستعمار الجزائر عام ١٨٣٠ لتكون أول أرض عربية تستعمر، ووجدها متخلفة تقنيا كجزء من التخلف الذي كانت عليه الدولة التركية، وكان الجزائريون مثلهم في ذلك مثل الشوام والعراقيين والليبيين والحجازيين واليمنيين والمصريين يناضلون ضد التخلف التركي واستبداد الأتراك باسم الإسلام. فقد ظهرت حركة القومية العربية في الجزائر في أواخر العشرينات من القرن التاسع عشر، وظهرت هذه الحركة في المشرق العربي في أربعينياته ... نعم لقد وجد الاستعمار التخلف في الجزائر، لكنه وجد التاريخ ... وجد الحضارة. ومن المعروف أن الجزائريين غيروا وجهة مقاومتهم للتخلف المتمثل في سلطة الأتراك، نحو مقاومة الغزو الاستعماري الذي استهانت به السلطة التركية المحلية والمركزية في استانبول وأخذوا يبنون دولة المقاومة الفريدة من نوعها، بقيادة الأمير عبد القادر.

стр. 36

وقد انتصر السلاح التقني الجديد على السلاح القديم، ولكن التاريخ الذي وجده الاستعمار الاستيطاني سواء في الجزائر أو في فلسطين لم يستكن، فظل الجزائريون والفلسطينيون يواصلون كفاحهم ونضالهم ولست أدري هل بلا معني أن يكون الزواوة وسائر البربر عرب كنعانيون من فلسطين!! لكن الذي أدريه أن تاريخ الجزائريين الذي أراد الاستعماريون الفرنسيون شطبه وتزييفه وتزويره وتجاهله، ظل صافيا وانتصر عام ١٩٦٢. لقد بات واضحا لدى كل من يكتب تاريخ الاستعمار هذه الظاهرة التي لطخت جبين الإنسانية أن الأمة العربية من الجزائر إلى فلسطين مرورا بالصومال وجزر القمر وأريتريا ومصر حتى الإسكندرون هي أكثر أمة قاومت الاستعمار، حتى طردته، وها هي تقاوم جيوبه وذيوله وأتباعه .. وكل هذا بفضل التاريخ، الذي تحول على يد ابن خلدون إلى علم وبين في مقدمته فضل هذا العلم كما يشير أبو يعلى نفسه، لكن أبو يعلى يرد على أدعياء "الفهامة" الذين كانوا يساعدون المستعمر في شطب التاريخ الجزائري وشطب اهتمام الجزائريين بالتاريخ فها هو يقول: (وعلى هذا فالذي حدث لنا والذي نجتهد فيه رد أقوال جمهور من أهل وطننا هذا ممن يظن أنهم من أهل المعرفة فقهاء وطلبة العلم بأن علم التاريخ غير مطلوب وأنه قصص وأساطير الأولين كما قد أشرنا في الخطبة أو أنه سهل ليس بفن يدرس إلى غير ذلك مما قالوا. ولقد قالوا مثل ما قال الأولون ما ذكر في القرآن وكفى هذا ردا عليهم. ولكن لابد من زيادة بيان للاقتناع والارتداع فنقول: المرأة تلد الرجل طفلا والتاريخ يجعله رجلا ..) ص ٥.

стр. 37

إنها لعبارة جد لوذعية أن يقرن أبو يعلى التاريخ بالرجولة .. لقد اختصر في عبارته الكثير من مفهوم الزمن ومفهوم الأخلاق ومفهوم النمو الفزيولوجي والحضاري ويربط أبو يعلى زوايا فهمه لعلم التاريخ ربطا محكما إذ يقول ببراعة الخبير ودقته: (إن علم التاريخ يزيد في العقل والإيمان ويزيد في العلم والعمل ويورث الشهامة والشجاعة إذ تثير قضاياه ثائرة الحماس في الغيورين ويحرك ما سكن في الخاملين) ص ٨. وإذا كانت اللغة عند بعض الفرنسين هي الجنسية كما يقول عضو الأكاديمية الفرنسية "جلبير كونت" في لوموند ١٥ - ٠٧ - ١٩٧٨ (إن اللغة هي الجنسية نفسها، هي الوطن حيا ومنغما في ذات كل واحد منا) فإن التاريخ، تاريخ أي شعب، هو حضارة ذلك الشعب. وقد ربط أبو يعلى بين اللغة والتاريخ ربطا ناجحا إذ قال: (وقد اعتبره المتأخرون حياة الأمم أو موتها مثل اللغة يقولون لا حياة لأمة مات لسانها وكذلك لا حياة لأمة مات تاريخها) ص ٩. ومن هنا نفهم بوضوح لماذا حارب الاستعماريون التاريخ واللغة العربية والدين بين الجزائريين وخصوصا بين الزواوة منهم الذين كتبوا تاريخهم بالعربية دون أية لغة عرفوها ومرت بهم عبر القرون. والملفت للنظر أن الزواوة والبربر عموما الذين سعى ويسعى الاستعماريون وأذنابهم لطمس تاريخهم، أن الكتاب الذي حول التاريخ إلى علم هو الكتاب الذي يظهر تاريخهم وهو أول كتاب تاريخ لهم أوليس اسم كتاب ابن خلدون

стр. 38

هو "كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر من عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر" والتاريخ لم يكن قبل هذا الكتاب قد تحول إلى "علم" بكل ما تحمله كلمة علم من معنى! ثم إن البربر وخصوصا الزواوة منهم لهم باع طويل في التأرخة وكتابة التاريخ، فقد أورد معجم أعلام الجزائر ٢٩ علما جزائريا معظمهم ممن كتب في التاريخ وتنتهي أسماؤهم بلقب الزواوي، ومنهم صاحب كتابنا هذا محمد السعيد أبو يعلى وقد قال في صفحة عن كتابنا هذا الذي ننقحه: (له تاريخ زواوة لا يزال مخطوطا، وها نحن نصحح لصاحب معجم أعلام الجزائر من صدر الإسلام حتى العصر الحاضر الطبعة الثانية بيروت ١٩٨٠ الأستاذ عادل نويهض) ونثبت أن تاريخ الزواوة طبع. ولا يعني هذا أن المؤرخين من الزواوة هم فقط الذين ورد لقب الزواوي في آخر أسمائهم، أوليس أحمد بن أحمد أبو العاس الغبريني المؤرخ الشهيد هو من بني غبري بطن من قبائل الأمازيغ، ونشأ في بجاية وتعلم بها وبتونس .. والأمثلة كثيرة لو أردنا أن نورد كتبا بأسماء الزواوة خصوصا والبربر عموما من أهل "التأرخة" والتاريخ ... ومع كل ذلك يراد لهم اليوم أن يكونوا بلا تاريخ، أو أن يقف تاريخهم عند الوندال والرومان وما إلى ذلك، لا لشيء إلا لأن مصلحة فرنسا الاستعمارية وأتباعها من "قياد" قدامى وجدد تقتضي أن لا يكون للبربر تاريخ، ما دام تاريخهم جزء من تاريخ العرب الذين سببوا هم وتاريخهم مأزق الاستعمار!! لقد كان أبو يعلى الزواوي ﵀ مدركا لفضل علم التاريخ وتاريخ

стр. 39

الزواوة على الخصوص ويعرف أن الذي (يزدري علم التاريخ إن كانت له غيرة وحمية، وإن الذي لا يبالي بما قيل فيه، فهو إما جهول أو سفيه، وسيان عنده الحياتان الطيبة والخبيثة، وفي مثل هذا يقال ليس بحي فيرجى، ولا بميت فيرثى، إذا التاريخ كرامة ولا يأبى الكرامة إلا لئيم، ولا يغفل عن أصله إلا زنيم) ص ١٠. ولا أعتقد أن في البربر جميعهم لئيم يأبى الكرامة ولا زنيم يغفل عن أصله الأمازيغي العربي إلا من ارتبطت مصلحه المعاشية بالاستعمار فهذا يقول الجزائريون عن قلة فطنته وهول جريرته (على كرشه يخلي عرشه) ويقول عن بطنته وانعدام كرامته (حشيشة طالبة معيشة) وكلا هذين عند البربر من سفلة الناس، فالبربري لا يخلي عرشه ولا يرضى أن يكون حشيشا أو نخالة!! ولعلني هنا أذكر بعض الكتب التي ذكرت تاريخ البربر بهذه الثورة أو تلك، أذكرها للإشارة والمثال فقط. ابن الآبار: كتاب الحلة السيراء، ابن الأثير: الكامل في التاريخ، الإدريسي: نزهة المشتاق في اختراق الأفاق، الأصطخري: المسالك والممالك، البراري: كتاب الجواهر، البغدادي: الفرق بين الفرق، البكري: المغرب في ذكر بلاد افريقية المغرب، البلاذري: فتوح البلدان، التيجاني: رحلة التيجاني، ابن تغري بردي: النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، ابن حزم الأندلسي: جمهرة أنساب العرب، ابن حماد: أخبار ملوك بني عبيد وسيرتهم، الحموي: معجم البلدان، ابن حوقل: صورة الأرض، ابن حيان: المقتبس في أخبار الأندلس، ابن

стр. 40

الرطيب: أعمال الأعلام، ابن خلكان: وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، يحي ابن خلدون: بقية الرواد في ذكر ملوك بني عبد الواد، ابن أبي دينار: المؤنس في أخبار افريقية وتونس، الطبري: تاريخ الأمم والملوك، أبو الفداء: المختصر في تاريخ البشر، مؤلف مجهول: مفاخر البربر وهو مجموع ونشر في الرباط عام ١٩٣، اليعقوبي: تاريخه المعروف بتاريخ اليعقوبي، حركات: المغرب عبر التاريخ حتي، تاريخ العرب، كحالة: معجم قبائل العرب، الهمذاي: الإكليل، شنقيطي: تحفة الألباب في شرح الأنساب، الكعاك: البربر، محمد شفيق: المعجم العربي الأمازيغي، الناظوري: المغرب الكبير. وأما الكتب المشهورة جدا مثل كتاب عبد الرحمان بن خلدون والمسعودي وغيرهما فهي أشهر من أن نشير إليها ... أما آخر كتاب صدر في المشرق العربي فهو بعنوان عروبة البربر الحقيقة المغمورة الذي أشرنا إليه وهو من منشورات العام ١٩٩٢. وهناك كتب أخرى كثيرة بالعربية والفرنسية والإنجليزية تحدثت عن البربر صورة أو بأخرى وفي عصر ما من العصور، ومنها أمهات كتب المؤرخين كهيرودتس وغيره إلا من الملاحظ أن معظم الذين اهتموا بكتاب تاريخ البربر هم المؤرخون العرب على مدى العصور التاريخية، بينما يتحدد اهتمام لأوربيين في عصر الاستعمار فمعظم الكتب التي ألفها الأوربيون عن البربر من إنتاج الحقبة الاستعمارية وهذا له أكثر من دلالة عند الذين يعقلون.!
следующие страницы →