Полный текст (164 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
وقد انتصر السلاح التقني الجديد على السلاح القديم، ولكن التاريخ الذي وجده الاستعمار الاستيطاني سواء في الجزائر أو في فلسطين لم يستكن، فظل الجزائريون والفلسطينيون يواصلون كفاحهم ونضالهم ولست أدري هل بلا معني أن يكون الزواوة وسائر البربر عرب كنعانيون من فلسطين!!
لكن الذي أدريه أن تاريخ الجزائريين الذي أراد الاستعماريون الفرنسيون شطبه وتزييفه وتزويره وتجاهله، ظل صافيا وانتصر عام ١٩٦٢.
لقد بات واضحا لدى كل من يكتب تاريخ الاستعمار هذه الظاهرة التي لطخت جبين الإنسانية أن الأمة العربية من الجزائر إلى فلسطين مرورا بالصومال وجزر القمر وأريتريا ومصر حتى الإسكندرون هي أكثر أمة قاومت الاستعمار، حتى طردته، وها هي تقاوم جيوبه وذيوله وأتباعه .. وكل هذا بفضل التاريخ، الذي تحول على يد ابن خلدون إلى علم وبين في مقدمته فضل هذا العلم كما يشير أبو يعلى نفسه، لكن أبو يعلى يرد على أدعياء "الفهامة" الذين كانوا يساعدون المستعمر في شطب التاريخ الجزائري وشطب اهتمام الجزائريين بالتاريخ فها هو يقول:
(وعلى هذا فالذي حدث لنا والذي نجتهد فيه رد أقوال جمهور من أهل وطننا هذا ممن يظن أنهم من أهل المعرفة فقهاء وطلبة العلم بأن علم التاريخ غير مطلوب وأنه قصص وأساطير الأولين كما قد أشرنا في الخطبة أو أنه سهل ليس بفن يدرس إلى غير ذلك مما قالوا. ولقد قالوا مثل ما قال الأولون ما ذكر في القرآن وكفى هذا ردا عليهم. ولكن لابد من زيادة بيان للاقتناع والارتداع فنقول: المرأة تلد الرجل طفلا والتاريخ يجعله رجلا ..) ص ٥.
стр. 37
إنها لعبارة جد لوذعية أن يقرن أبو يعلى التاريخ بالرجولة .. لقد اختصر في عبارته الكثير من مفهوم الزمن ومفهوم الأخلاق ومفهوم النمو الفزيولوجي والحضاري ويربط أبو يعلى زوايا فهمه لعلم التاريخ ربطا محكما إذ يقول ببراعة الخبير ودقته:
(إن علم التاريخ يزيد في العقل والإيمان ويزيد في العلم والعمل ويورث الشهامة والشجاعة إذ تثير قضاياه ثائرة الحماس في الغيورين ويحرك ما سكن في الخاملين) ص ٨.
وإذا كانت اللغة عند بعض الفرنسين هي الجنسية كما يقول عضو الأكاديمية الفرنسية "جلبير كونت" في لوموند ١٥ - ٠٧ - ١٩٧٨ (إن اللغة هي الجنسية نفسها، هي الوطن حيا ومنغما في ذات كل واحد منا) فإن التاريخ، تاريخ أي شعب، هو حضارة ذلك الشعب. وقد ربط أبو يعلى بين اللغة والتاريخ ربطا ناجحا إذ قال: (وقد اعتبره المتأخرون حياة الأمم أو موتها مثل اللغة يقولون لا حياة لأمة مات لسانها وكذلك لا حياة لأمة مات تاريخها) ص ٩.
ومن هنا نفهم بوضوح لماذا حارب الاستعماريون التاريخ واللغة العربية والدين بين الجزائريين وخصوصا بين الزواوة منهم الذين كتبوا تاريخهم بالعربية دون أية لغة عرفوها ومرت بهم عبر القرون.
والملفت للنظر أن الزواوة والبربر عموما الذين سعى ويسعى الاستعماريون وأذنابهم لطمس تاريخهم، أن الكتاب الذي حول التاريخ إلى علم هو الكتاب الذي يظهر تاريخهم وهو أول كتاب تاريخ لهم أوليس اسم كتاب ابن خلدون
стр. 38
هو "كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر من عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر" والتاريخ لم يكن قبل هذا الكتاب قد تحول إلى "علم" بكل ما تحمله كلمة علم من معنى! ثم إن البربر وخصوصا الزواوة منهم لهم باع طويل في التأرخة وكتابة التاريخ، فقد أورد معجم أعلام الجزائر ٢٩ علما جزائريا معظمهم ممن كتب في التاريخ وتنتهي أسماؤهم بلقب الزواوي، ومنهم صاحب كتابنا هذا محمد السعيد أبو يعلى وقد قال في صفحة عن كتابنا هذا الذي ننقحه: (له تاريخ زواوة لا يزال مخطوطا، وها نحن نصحح لصاحب معجم أعلام الجزائر من صدر الإسلام حتى العصر الحاضر الطبعة الثانية بيروت ١٩٨٠ الأستاذ عادل نويهض) ونثبت أن تاريخ الزواوة طبع. ولا يعني هذا أن المؤرخين من الزواوة هم فقط الذين ورد لقب الزواوي في آخر أسمائهم، أوليس أحمد بن أحمد أبو العاس الغبريني المؤرخ الشهيد هو من بني غبري بطن من قبائل الأمازيغ، ونشأ في بجاية وتعلم بها وبتونس .. والأمثلة كثيرة لو أردنا أن نورد كتبا بأسماء الزواوة خصوصا والبربر عموما من أهل "التأرخة" والتاريخ ... ومع كل ذلك يراد لهم اليوم أن يكونوا بلا تاريخ، أو أن يقف تاريخهم عند الوندال والرومان وما إلى ذلك، لا لشيء إلا لأن مصلحة فرنسا الاستعمارية وأتباعها من "قياد" قدامى وجدد تقتضي أن لا يكون للبربر تاريخ، ما دام تاريخهم جزء من تاريخ العرب الذين سببوا هم وتاريخهم مأزق الاستعمار!!
لقد كان أبو يعلى الزواوي ﵀ مدركا لفضل علم التاريخ وتاريخ
стр. 39
الزواوة على الخصوص ويعرف أن الذي (يزدري علم التاريخ إن كانت له غيرة وحمية، وإن الذي لا يبالي بما قيل فيه، فهو إما جهول أو سفيه، وسيان عنده الحياتان الطيبة والخبيثة، وفي مثل هذا يقال ليس بحي فيرجى، ولا بميت فيرثى، إذا التاريخ كرامة ولا يأبى الكرامة إلا لئيم، ولا يغفل عن أصله إلا زنيم) ص ١٠.
ولا أعتقد أن في البربر جميعهم لئيم يأبى الكرامة ولا زنيم يغفل عن أصله الأمازيغي العربي إلا من ارتبطت مصلحه المعاشية بالاستعمار فهذا يقول الجزائريون عن قلة فطنته وهول جريرته (على كرشه يخلي عرشه) ويقول عن بطنته وانعدام كرامته (حشيشة طالبة معيشة) وكلا هذين عند البربر من سفلة الناس، فالبربري لا يخلي عرشه ولا يرضى أن يكون حشيشا أو نخالة!!
ولعلني هنا أذكر بعض الكتب التي ذكرت تاريخ البربر بهذه الثورة أو تلك، أذكرها للإشارة والمثال فقط.
ابن الآبار: كتاب الحلة السيراء، ابن الأثير: الكامل في التاريخ، الإدريسي: نزهة المشتاق في اختراق الأفاق، الأصطخري: المسالك والممالك، البراري: كتاب الجواهر، البغدادي: الفرق بين الفرق، البكري: المغرب في ذكر بلاد افريقية المغرب، البلاذري: فتوح البلدان، التيجاني: رحلة التيجاني، ابن تغري بردي: النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، ابن حزم الأندلسي: جمهرة أنساب العرب، ابن حماد: أخبار ملوك بني عبيد وسيرتهم، الحموي: معجم البلدان، ابن حوقل: صورة الأرض، ابن حيان: المقتبس في أخبار الأندلس، ابن
стр. 40
الرطيب: أعمال الأعلام، ابن خلكان: وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، يحي ابن خلدون: بقية الرواد في ذكر ملوك بني عبد الواد، ابن أبي دينار: المؤنس في أخبار افريقية وتونس، الطبري: تاريخ الأمم والملوك، أبو الفداء: المختصر في تاريخ البشر، مؤلف مجهول: مفاخر البربر وهو مجموع ونشر في الرباط عام ١٩٣، اليعقوبي: تاريخه المعروف بتاريخ اليعقوبي، حركات: المغرب عبر التاريخ حتي، تاريخ العرب، كحالة: معجم قبائل العرب، الهمذاي: الإكليل، شنقيطي: تحفة الألباب في شرح الأنساب، الكعاك: البربر، محمد شفيق: المعجم العربي الأمازيغي، الناظوري: المغرب الكبير. وأما الكتب المشهورة جدا مثل كتاب عبد الرحمان بن خلدون والمسعودي وغيرهما فهي أشهر من أن نشير إليها ... أما آخر كتاب صدر في المشرق العربي فهو بعنوان عروبة البربر الحقيقة المغمورة الذي أشرنا إليه وهو من منشورات العام ١٩٩٢.
وهناك كتب أخرى كثيرة بالعربية والفرنسية والإنجليزية تحدثت عن البربر صورة أو بأخرى وفي عصر ما من العصور، ومنها أمهات كتب المؤرخين كهيرودتس وغيره إلا من الملاحظ أن معظم الذين اهتموا بكتاب تاريخ البربر هم المؤرخون العرب على مدى العصور التاريخية، بينما يتحدد اهتمام لأوربيين في عصر الاستعمار فمعظم الكتب التي ألفها الأوربيون عن البربر من إنتاج الحقبة الاستعمارية وهذا له أكثر من دلالة عند الذين يعقلون.!
стр. 41
وحدة اللغة
يتحدث أبو يعلى الزواوي في كتابه عن التشابه بين اللغة أو اللهجة الزواوية وبين اللهجة أو اللغة في بعض البلدان العربية .. وهو في اعتقادنا أمر جد منطقي وغير مدهش على الإطلاق .. فاللغة العربية الفصحى لم تولد من الفراغ .. إنها يعرف كل الباحثين تجمع بين ثناياها كل اللغات أو اللهجات السامية، فالساميون تطورت لهجاتهم وأصبحت لغات كالسريانية والأرامية والعبرية والأمازيغية وما إلى ذلك .. وكلها موجودة في القاموس العربي الذي احتوى هذه اللغات، حيث احتواها اللسان العربي المبين، ثم وحدها القرآن الكريم الذي ذكر العديد من اللغويين العرب أنه احتوى ألفاظا بربرية وقد بحثت ذلك بالتفصيل في كتاب آخر هو "تاريخ الحرف العربي الجريح" -مطارحات في فلسفة ومستقبل اللغة- أرجوا أن يصدر قريبا، لذلك لم ينشأ صراع لغوي داخل العرب أو المسلمين .. وهو أمر حاوله ماوتسي تونغ عند توحيد الصين في عام ١٩٤٨ عندما قرر الحزب الشيوعي اعتماد لهجة بكين كلغة رسمية للصين، وهكذا فإن اللهجة الأمازيغية موجودة في اللغة العربية وفي قلب الجزيرة العربية نفسها .. فإن الجزائريين الزواوة والشاوية لا يتخلفون في كثير عن القبائل اليمنية في جبال ردفان وفي صنعاء عندما يتحدث كل منهم لهجته المحلية. وعلى المرء أن يقف طويلا عند ظاهرتيين أولاهما أنه لا يوجد تاريخ أمازيغي مكتوب بالأمازيغية فكله مكتوب بالعربية، باستثناء ما كتب بالفرنسية خلال الاحتلال الفرنسي، وثانيهما هذا العدد الهائل من البربر
стр. 42
العلماء الذين أسهموا في تطور العربية وتعضيدها كابن أجروم وابن معطي وغيرهما. وكان يجب -ولا يزال- أن تتطور الأمازيغية إلى لغة متكاملة عبر اللغة العربية الأكثر قربا منها.
وقد بدأت ذلك فعلا، حين صارت تكتب بحروف عربية وأنتج العديد من المؤلفين الجزائريين الكثير من الكتب باللغة الأمازيغية المكتوبة بالحروف العربية، وهو أمر جد صحيح ومنطقي فما دامت اللهجة الأمازيغية إحدى اللهجات السامية، فلماذا لا تتطور حروفا ونحوا وصرف عن طريق أقرب اللهجات واللغات السامية إليها، فما هو العيب في ذلك؟ فاللغة الفرنسية لم تتطور عن طريق اللغات السلافية أو اليابانية، بل تطورت عن طريق اللاتينية، الأقرب إليها بل هي أمها فلماذا لا تسلك اللهجة الأمازيغية الطريقة نفسها وتتطور عبر اللغة الأقرب إليها، فكيف إذا كانت هذه اللغة هي أكثر اللغات السامية تطورا وهي الأكثر قربا من الأمازيغية .. أعني اللغة العربية وهنا نأتي بمثالين:
١ - اختارت بعض الشعوب الإسلامية مثل الأكراد، الفرس، الأورد. كتابة لغتهم عبر الحرف العربي رغم أن هذه اللغات لا تمت بصلة إلى اللغات السامية فضلا عن العربية، والروابط بين هذه القوميات والعرب هي روابط دينية وليست قومية .. وهذه اللغات تتطور الآن بسبب أن الحرف العربي هو حرف القرآن الكريم وبالتالي فلم يشعر المواطن بفصل كبير على الأقل في الشكل بين لغة يومه ولغة ربه .. وحين اختارت تركيا منذ عهد كمال أتاتورك الحرف اللاتيني بعد أن صدق الرجل أن الحرف العربي سبب
стр. 43
التخلف، واجهت تركيا وتواجه العديد من المشكلات "التطرف الديني" ومشكلات الهوية والثفافة وهي مهددة بالتمزيق.
٢ - اليهود أنفسهم، والذين تجمدت لغتهم العبرية منذ ألفي سنة تقريبا، وتحولت إلى لغة "الحيدر" و"الكنيس" وحين صمموا على تحويل الديانة اليهودية إلى قومية عبرية ورفع آحاد هاعام شعاره المعروف آخر يهودي وأول عبري. رجعوا إلى لغتهم العبرية "المتجمدة" وأخذوا يطورونها وكان منطقهم معقولا، فهذه اللغة هي إحدى اللغات السامية وبعثها وتطويرها لابد أن يتم عن طريق هذه اللغات الأقرب إليها، وأكثر اللغات السامية تطورا هي اللغة العربية، لذلك فهم يطورون عبرانيتهم هذه عن طريق اللغة العربية، ولم يقولوا أنها غير علمية ولغة غير تكنولوجية وما إلى ذلك، وهم الذين يعرفون لغات الأرض كلها باعتبارها لغاتهم القومية!!
وهكذا نستنتج أن الذي أوقف تطور اللغة الأمازيغية هو الاستعمار الفرنسي نفسه، لأنه يعادي الأمازيغية ويحاربها كما يعادي العربية ويحاربها، لأنه أصلا ضد الجزائريين كلهم حتى ولو كانوا في قلب أثينا .. إنه فقط يريد أرض الجزائريين. أما الجزائريين أنفسهم سواء كانوا عربا أم أمازيغا أم هبطوا من السماء .. فإلى المحرقة .. أليس هو الذي قتل ما لا يقل عن عشرة ملايين جزائري في حرب استمرت ١٣٠ سنة.
ويجيء الآن عبر الأكاديمية البربرية ليضحك على عقولنا ويدعي أنه يسعى لتطوير لغتنا البربرية، بل يريد أن يصطنع لنا قومية معادية للقومية العربية حتى تظل النيران مشتعلة في جبال الأطلس إلى الأبد، وهو يأكل خيراتنا وثرواتنا ..
стр. 44
ويريد أن يصطنع لنا حروفا لاتينية ويطور لغتنا عبر لاتينيته، بعد أن منعنا ١٣٠ سنة من تعلم الحرف اللاتيني. إننا نقول له: وفر جهودك فنحن كبربر وأمازيغ نعرف مصالحنا وثقافتنا جيدا فلا تتدخل في شؤوننا ..
فإذا كانت اللغة كما يقول باحثوك الفرنسيون هي الجنسية، فإن أقرب لغة إلى لغتنا هي العربية وأقرب جنسية إلى جنسيتنا هي الجنسية العربية، فدعنا نحل مشاكلنا مع العرب، إذا كانت هناك مشاكل دون تدخل منك .. فنحن لا نريد مساعدتك!!
وعلى كل الأحوال فإن التشابه اللغوي بين العرب والأمازيغ ليس فقط في اللغة كمفردات وتسميات وحسب بل أنه في الخط أيضا فالخط الأمازيغي "التيفيناغ" هو جزء من الخط العربي المسن القديم، وتطور "التيفيناغ" كان لابد أن يتم بذات الطريقة التي تطور ما المسند، وصولا إلى الخط العربي الحالي "الجزم" أي أن أجدادنا الذين كتبوا الأمازيغية بالحرف العربي استفادوا بذكاء من جهود قرون طويلة، وهناك عشرات الكتب التي تبحث في تاريخ الخطوط يمكن الرجوع إليها، بل إن مؤرخين فرنسيين مثل لوبون وجوليان نصوا على أن التيفيناغ هو شكل من أشكال الخط العربي القديم.
وحدة المزاج
ولعل أبو يعلى الزواوي قد أدرك تماما أبعاد التطابق الثقافي بين العرب والبربر، فبعد أن أبرز التطابق في السلالة وفي النظام الاجتماعي وفي الدين، وفي اللغة - وقد أتينا نحن بشواهد لاحقة أثبتت ما ذهب إليه وأكدته - فإنه
стр. 45
ينتقل بنا إلى تطابق آخر وهو تطابق العادات والتقاليد، أي تطابق الأخلاق والطباع والسيكولوجية الجماعية، فما يعتبر محمودا عند الزواوة نجده محمودا عند العرب وما هو مذموم عند هؤلاء مذموم عند أولائك.
بل يبدي أبو يعلى الزواوي من العلمية والفهم العميق للمجتمع البشري ما لا نجده عند بعض الباحثين الأوروبيين، فهو لا يعني بالتطاق نسخا مكررة أو يستخرج نسخا مشوهة، فثمة اختلافات هي كاختلاف خنصرك هن بنصرك أو كاختلافك عن توأمك وهذه هي الشعوب فمن قال أن أهالي الألزاس والبريتان نسخة مكررة عن أهالي مرسيليا ..
يقول أبو يعلى في الصفحة ٢٦ (فالزواوة إذن عرب مستعربة وعرب عربا بأصلهم المتقدم ثم أن كثيرا من الأخلاق والعادات والطباع في البربر متماثلة متمازجة بطبائع العرب كاتخاذ البيوت من الشعر والوبر، والطين والحجر، والظعن والإقامة، وكسب الشاء، وحلق الرأس، والشجاعة، والكرم، والقرى، والانتجاع والارتياد، وركوب الخيل وكسب النعم، الإبل والبقر والغنم إلى غير ذلك مما لا يكاد يستقرأ وكلها أحكام الاستعراب والله يحكم لا معقب لحكمه وهو جل شأنه سريع الحساب).
وإذا طبقنا هنا القاعدة العلمية التي تقول: "إن أخلاق الناس تنتجها أوضاعهم الاقتصادية" فإن الوضع الثقافي والأخلاقي للبربر الأمازيغ المتشابه (كل هذا التشابه) مع الوضع الأخلاقي والثقافي للعرب لا يمكن أن يكون قد نتج عن حالة استعمارية، بل هو ناتح بالضرورة عن تشابه أو تطابق اقتصادي، فالبربر والعرب عموما هم أصحاب نظام اقتصادي واحد سماته الأساسية
стр. 46
الرعي والزراعة والتجارة وقد وقفوا على أبواب التصنيع في بغداد والقيروان ودمشق وتلمسان وفاس والقاهرة .. والاستعمار يقوم أصلا على "التصادم الاقتصادي".
غير أننا نجد في التاريخ العربي هنا نقطة صدام بين الدولة والأمة، فقد كانت الأمة عربية والدولة إسلامية، إذ سيطرت على الدولة العربية فئات إسلامية من خارج الأمة العربية كالفرس والديلم والمماليك والأتراك، فتوقف التصنيع في بدايته وبدأت الغزوات المغولية والصليبية وبدأت الأمة العربية تتقهقر في المشرق والمغرب على حد سواء، فإذا كانتا الغزوات الصليبية قد بدأت في المشرق وانتهت في المغرب فإن الاستعمار الاستيطاني بدأ في الجزائر ليصل إلى فلسطين.
لقد أسهم ذلك العراك بين الدولة والأمة في تقهقر الطرفين: الأمة العربية والدولة الإسلامية، تقهقرا اقتصاديا وثقافيا مريعا، وهنا نجد التشابه بين المشرق والمغرب في حالة التقهقر كما وجدناه في حالة التقدم .. فهما دائما في وضع اقتصادي واحد ووضع ثقافي واحد .. لذلك فالأخلاق واحدة.
ولعلنا هنا نفهم أن أحد أسباب انهيار الدولة العربية الإسلامية هو ذلك التصادم الاقتصادي الذي نشأ تحت ستار الوحدة الإيديولوجية "الإسلامية" فحين سيطرت الأعراق غير العربية على هذه الدولة باسم الدين وبدأت تبدوا وكأنها "قومية استعمارية" بدءا من البرامكة وانتهاء بالشكل الأوضح لهذا التصادم على يد الأتراك الطورانيين. فتطور الصراع داخل الدولة العثمانية وصار صراعا قوميا واضحا بين العرب والأتراك وبدأ العرب يغيرون مفهومهم
стр. 47
للدولة .. ولعل البداية كانت هنا في جزائرنا منذ عشرينيات القرن التاسع عشر وامتدت إلى لبنان ثم تطورت على يد الأمير عبد القادر خلال المقاومة الباسلة التي أبداها شعبنا ضد الاحتلال الفرنسي وأخذ هذا المفهوم، مفهوم الدولة العربية شكله المتبلور عام ١٨٧٧ حين انتخبب زعماء المشارفة الأمير عبد القادر ليؤسس دولة عربية مسلحة مستقلة عن تركيا المسلمة يساعده في ذلك أولئك الرجال البربر الذين ساندوه وساعدوه بسيوفهم في حماية نصارى الشام العرب من المسلمين غير العرب (أتراك وأكراد) الذين دفعت بهم تركيا وفرنسا وبريطانيا إلى أتون الحرب الأهلية عام ١٨٦٠، ولا يمكن للبربر أن يقودوا حركة التحرير القومي العربي في المشرق العربي سواء بزعامة الأمير عبد القادر أو غيره لو نظر إليهم المشارقة أو نظروا هم لأنفسهم ككيان آخر خارج التشكيل العربي سواء من الناحية السلالية العرقية أو من الناحية الاقتصادية أو من الناحية الدينية والاجتماعية التنظيمية أو من ناحية الأخلاق.
ويبدوا لي في هذا الفصل المخصص لمحامد الزواوة وخصائصهم أن الشيخ أبو يعلى قد فلت من فخ وقع ويقع فيه غيره الكثير من العرب والعجم والروم. ألا وهو فخ المقارنة بين الشعوب والأمم وتعداد مناقب هذا الشعب وإظهارها .. والحال هو أن كل شعوب الأرض متساوية وكلها أصيلة، وكلها تحمل ذات المناقب والمحامد فليس هناك شعب يقول عن نفسه أنه بخيل مثلا أو جبان. فكل شعوب الأرض هي بنظر نفسها عظيمة وهذه هي صفة الإنسان السوي الصحيح، فالإنسان مهما كان فردا أو شعب فاليهودي لا يعتبر نفسه
стр. 48
بخيلا وكذلك الاسكتلندي، سواء الفرد منهم أو الشعب، بل الآخرون هم الذين يرون فيه ذلك ولعل مسألة ذكر نقائص الشعوب دون محامدها هي أمر تجنبته الثقافة العربية الإسلامية وحصارها، فليس في هذه الحضارة كتاب مثل رواية "شكسبير" الانجليزي المومومة "تاجر البندقية" التي تصف اليهودي بالبخيل وليس هناك كاتب عربي مثل الفرنسي "موباسان" الذي يصف البربر الجزائريين بالهمجية، طبعا يشير لهم كعرب، فلم تكن في وقته قد بدأت سياسة تفتيت الجزائريين.
ولأن أمر الحضارة والثقافة العربية كذلك، فإن شيخنا الزواوي فلت من هذا الفخ الذي يقود إلى الانغلاق، حتى يتحول الاعتزال القومي إلى تعصب واستعلاء! والانغلاق يؤدي إلى الجهل، والجهل إلى الأنانية، والأنانية إلى الفناء! فلت أبو يعلى الزواوي وعدد (من خلال الحديث النبوي الشريف) الفضائل التي يتمتع بها الروم وهي ذات الفضائل التي يمكن أن يتمع بها أي شعب آخر، لأنها موجودة في كل شعب وفي كل فرد فإن صارت هي الغالبة في نفس الفرد ارتفع شأنه بين الأفراد، وما ينطبق على الفرد بين الأفراد ينطبق على الشعب بين الشعوب ولكن الاستعمار خبيث فالرغبة في استعباد الآخر وظلمه صفة منحطة وخبيثة في الفرد وكذلك في الشعب .. ولأن الاستعمار الفرنسي "وكل الاستعمار" هو أبشع وأحط الصفات، راح من أجل أن يطيل عمره ويواصل استعباد الشعوب، يبحث عن نقائص هذه الشعوب وتناقضاتها، ويركز هذه النقائص في نفسية أفرادها، فالعرب كل العرب، والفيتناميون كل الفيتناميين، والأفارقة كل الأفارقة، والألمان كل الألمان،
стр. 49
والإنجليز كل الإنجليز، هم أمام الفرنسي همج متخلفون، متوحشون، أدمغتهم لا تشتغل ومعاقون فسيولوجيا، وليسوا لطفاء المعشر، وليس لديهم لغة جميلة معبرة أو أدب رفيع، فكلنا يذكر مثلا الصراع بين الفرنسية والألمانية والإنجليزية وكان الفرسيون يصفون اللغتين الأخريين كما شعبيهما بأقذع الأوصاف وأقبحها .. علما بأن اللغات الثلاث والشعوب الثلاث ذات أصل لاتيني واحد! وقد تمكت الألمانية من الانتصار في صراعها على الفرنسية، أما الإنجليزية فاخترقت الفرنسية وها هي تكاد تحتويها حث اشتهرت الألمانية كلغة أدب وفلسفة واشتهرت الإنجليزية كلغة علم وتجارة. ومن أجل أن يطيل الاستعمار عمره بين ظهرانينا راح يفصل بين العرب والبربر بما شاء له من أساليب الفرقة والفصل ثم يقيم بينهم نوعا من التفاضل والتفاخر فالتنابز فالضغائن فالأحقاد فالحروب .. وهذا ما يجعله هو السيد الذي يسود الطرفين دائما وأبدا .. فلذلك ألفت كتب وقيلت أطروحات في هذه المفاضلات السخيفة بين العرب والبربر فهناك من يقول أن العربي هو الأكرم فينبري آخر ويقول أن العربي كسول لا يعمل لأنه ابن الصحراء فيأتي آخر يقول أن البربري لا يعرف سوى الالتفاف بالبرنوس وتدخين الحشيش .. ولو أراد الواحد أن يعدد الكتب والمقالات التي أقامت هذا النوع المنحط من "الثقافة" لوضع فهرسا طويلا خاصة خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، وم الملاحظ أن الكتب والمقالات الفرنسية تشكل العدد الأكبر في هذا الفهرس الذي لا يشرف الإنسان فردا أو شعوبا ولا يشرف اللغة الفرنسية نفسها بل يحط من قدرها، والحقيقة أن الذين يفعلون ذلك إنما يخدعون
стр. 50
شعوبهم، فموباسان وفيكتور هيجو وألبير كامو وغيرهم من الفرنسين الذين احتقروا الجزائريين بربرا وعربا مثلهم مثل شكسبير الإنجليزي الذي احتقر اليهود وروديارد كيلنغ الذي احتقر الهنود، مثلهم مثل اليهودي في التوراة الذي احتقر كل شعوب الأرض .. إنما هؤلاء جميعا يحتقرون أنفسهم ويضللون شعوبهم وينقلون الاعتزاز الوطني والقومي إلى الانغلاق عبر الاستهلاك وصولا إلى الأنانية والفناء.
وهكذا فإن شيخنا كان متحصنا بثقافته العربية الإسلامية التي لا تقبل الميز بين الشعوب، فذكر محامد الزواوة كجزء من محامد العرب، وذكر محامد العرب كجزء من محامد الزواوة، وذكر الجميع بأن للروم وللأعاجم محامدهم، وهذه صفة الإنسان "الأممي" بالمعنى الواسع والحقيقي .. فمهما اختلفنا اليوم في النظرة إلى الإسلام كفلسفة أو دين فإن الحقيقة تظل هي الحقيقة فالإسلام هو أول دين أممي يعلن صراحة عن أمميته وأن لا فرق بين البشر أبيضهم وأسودهم عربهم وعجمهم .. فهذه هي الحقيقة حتى وإن لم يطبقها المسلمون، سواء كان الإسلام دينا "اخترعه" محمد أو "أنزل" من السماء .. وسواء كان "تقدميا" أو "رجعيا" فالحقيقة تظل هي الحقيقة، والإنسان الأممي والدين الأممي لا يمكن أن يكون إرهابيا.
والواقع أن الاستعمار وسيلته الأولى هي احتقار الشعوب وإقناعها بأنها أقل شأنا منه، وإذا كان الاستعمار الفرنسي يضم كل عمل عربي بالرداءة خدمة عرب فإن المستعبدين الأتراك كانوا يقولون: (إن حافر حصان التركي أفضل من أي بني عربي) ولا زال الإنجليزي حتى اليوم يعتبر الهندي بقرة .. ،
стр. 51
والاستعمار يحتقر الشعوب ويسعى لأن يقتنع هي بحضارتها ثم يعمد في نفس الوقت إلى أن تحتقر فئات الشعب الواحد بعضها بعضا ويشجع على ذلك فيقوم رجاله من العساكر والإداريين والمبشرين بنشر هذه الأفكار الخبيثة، فيقولون للقبائل أنكم أفضل من الشاوية وأكثر تمدنا وأن الشاوي بغل همجي، ويقولون للشاوية أن القبائل عنصريين يأكلون الخنزير ولا يغارون على شرفهم .. ثم يعمدون إلى تحريض هؤلاء ضد العرب والعرب ضد بعضهم وضد هؤلاء.
وليس الاستعمار الفرنسي وحده الذي يفعل ذلك بل الاستعمار الإنجليزي أيضا، ففي الخليج العربي والعراق مثلا حرض السنة ضد الشيعة والأكراد ضد العرب .. بل وصل الأمر في بلاد الشام إلى تحريض أهل المدن على أهل الريف كما في مصر بحري ضد الصعيد .. بل وفي منطقة الزواوة موضوع هذا الكتاب نجد الاستعمار قد دق الأسافين بين زواوة بجاية وزواوة تيزي وزو يعد قبائلي ومرابط.
وللأسف الشديد فإن مثل هذه السخافات التي تخطتها الشعوب جميعا .. وهي تصنع مجد الإنسان على وجه هذه المعمورة، تجد لها عند بعض أدعياء الثقافة والتقدمية والعصرنة من الجزائريين أذانا صاغية، فهناك بعض منهم ينضم إلى الأكاديمية البربرية في باريس وهو يعلم أهدافها الخبيثة وبعض منهم ينضم إلى معهد العالم العربي فيها وهو يعلم أهدافه الخبيثة بل هناك نفر ينضم إلى المؤسستين في نفس الوقت وينتج إنتاجا أقل ما يمكن وصفه به أنه إنتاج يخدم أفكارا تجاوزتها البشرية فلم تعد عصرانية ولم تعد تقدمية ولم تعد
стр. 52
ثقافية، فالذي يسعى لأن يقتتل الجزائريون تحت يافطة عرب - بربر كالذي يسعى لاقتتالهم تحت يافطة مسلمون - نصارى أو يافطة عصرانيون - أصوليون، فقد اقتتل اللبنانيون مدة ١٥ سنة تحت هذه اليافطات وكانت النتيجة تدمير لبنان بكل فئاته.
وهذا بالضبط ما يراد بالجزائر، وبالطبع لن يشرف البربر أو العرب في الجزائر أن يتقاتلوا تحت أي عنوان كان فضلا عن هذا العنوان العنصري البغيض. والحقيقة أن ما يراد بالجزائر هو ما يراد بالوطن العربي كله، فالحضارة الأوروبية التي بدأت تدخل مرحلة التدهور بعد أن وصلت قمة الهرم، أخذت تخشى نمو الحضارة العربية من جديد سواء بثوب عصراني حداثي علماني أو بثوب إسلامي سلفي أو متجدد. فمن الواضح أن العرب استجابوا للتحدي وتحررت أوطانهم، وقد سجل لهم التاريخ أنهم أكثر شعوب الأرض مقاومة للظاهرة الاستعمارية .. وكانت الجزائر على رأس هذه الاستجابة للتحدي .. لذلك فالحضارة الأوروبية وبدوافع شتى لا تخلوا من صليبية أيضا تسعى لأن تمنع نمو العرب، فبعد أن فتتهم إلى أكثر من ٢٣ دولة واقتطعت أجزاء منهم ومن أراضيهم أعطتها لتركيا وإيران وإثيوبيا وتنزانيا وحتى أسبانيا وأقامت إسرائيل فإنها تسعى لتفتيتهم إلى قوميات متناحرة متقاتلة فالشاوية في قتال مع القبائل وهؤلاء مع الشلوح وفي مصر الصعايدة مع النوبيين والمسلمين مع الأقباط، والعرب في لبنان مع الفينيقيين وهكذا دوايك. إذ أن الاستعمار يخلق ثقافات متضادة المزاج تمهيدا للحروب الأهلية.
стр. 53
وفي اعتقادي أن الزواوي في حديثه عن الصفات البيولوجية والعادات الاجتماعية للزواوة ومقارنتها مع صفات وعادات العرب وضع يده على نقطة مهمة وهي وحدة المزاج البربري - العربي، وهي وحدة لا نكاد نجدها مع الشعوب المسلمة الأخرى فالمزاج الفارسي مثلا يختلف اختلافا بينا عن المزاج العرب حتى أن الدول الإسلامية التي قامت في المنطقة وكانت ذات مزاج فارسي لم تعمر طويلا سواء في المغرب أو في المشرق فالدولة الفاطمية مثلا أقصر عمرا من الدولة الأموية والدولة العباسية بينما عمرت الدولة الأموية وهي أكثر الدول الإسلامية عروبة عمرت في المغرب العربي أكثر من ٧٠٠ عام، وينطبق الأمر نفسه على الأتراك الذين لم تعمر دولتهم في الشرق أكثر من خمسمائة عام لنكتشف بعد ذلك أن التركي والعربي رغم أن الإسلام -السني- يجمع بينهما إلا أنهما لا يملكان نفس المزاج، وينطبق هذا على الأكراد أيضا.
وبهذه الملاحظة الذكية يكون أو يعلى قد فسر لنا -ربما من حيث لا يقصد - لماذا كان البربر والعرب يملكان تاريخا واحدا.
وحدة العشيرة
كثيرا ما تتشابه أسماء العشائر والعائلات والأماكن ما بين المشرق والمغرب، وهو تشابه ليس من الممكن أن يكون من صنع (الاستعمار العربي الهلالي) كما يورد هؤلاء الذين لا يضمرون للجزائر سوى الشر والذين يرغبون في إعادة احتلالها، وهم الذين ظلوا يعيدون احتلالها طوال ١٣٠ سنة تقريبا! لأننا في هذه الحالة لابد أن نقول أن الأسماء البربرية في المشرق العربي هي نتيجة
стр. 54
(استعمار بربري) وهو أمر لا يقول به أحد ولن يصدقه أحد، لأنه أيا من كتب التاريخ (على اختلاف مدارسها) لم تذكر مثل هذا الاستعمار البربري للمشرق، إذن فإن الأمر المنطقي هو العلاقة "القديمة جدا والمتواصلة والمتساوية" بعن الجهتين المشرق والمغرب، إذ أننا نجد بعد تشابه الأماكن تشابها في العشائر في علاقة تاريخية ثقافية قديمة متطابقة.
وهذه العلاقة وحدها التي يمكن أن تفسر لنا لماذا كان أبوليوس يعبد آلهة المصريين ولماذا عبد البربر آلهة الفينقيين، ولماذا كان البربر ضمن فراعنة مصر والذين كانت تتبعهم الشام والجزيرة العربية، ولماذا جوهر الصقلي البربري هو الذي بنى القاهرة المصرية ولماذا طارق بن زياد هو قائد الجيش العربي الذي فتح إسبانيا ... وهي التي تفسر لنا لماذا لم تنتشر المسيحية انتشارا واسعا بين البربر رغم طول القرون بينما اعتنقوا بشكل شامل الإسلام العربي في أقل من أربعين سنة .. إنه لولا تلك العلاقات القديمة والمتواصلة والمتساوية لما أمكن للعرب إقناع البربر بالإسلام، في الوقت الذي عجزت فيه أوروبا عن إقناعهم بالمسيحية وهذه العلاقة القديمة المتواصلة والمتساوية والتشابه العشائري يفسرها النظام الاجتماعي العشائري القبلي بين البربر والعرب ويقول في ذلك آخر بحث صدر في الموضوع وهو بحث الدكتور سعد الدين إبراهيم، الذي سبقت الإشارة إليه، يقول في صفحة ٨٧ (والتنظيم الاجتماعي للبربر لم يختلف كثيرا عن مثيله بين العرب حيث يتمحور حول القبيلة والعشيرة، ومن البربر من استوطن واحترف الزراعة منذ قديم الأزل. ومن قبائلهم من احترف الرعي وعاش حياة البداوة ... وقد حاولت فرنسا في أثناء احتلالها
стр. 55
لأقطار المغرب، أن تحدث الفرقة بين العرب والبربر ولكن الجماعتين قاومتا تلك المحاولة معا بشدة وحسم. كما اشترك العرب والبربر بالتساوي في النضال ضد الاستعمار الفرنسي في كل بلاد المغرب).
ولعلنا نلاحظ هنا أن فرنسا حاولت "تأبيد النظام الاجتماعي العشائري في منطقة القبائل بقصد منع تطور المنطقة، وحصدت غير ما كانت تتوخى، إذ أنها بذلك "حافظت" دون أن ترغب، على التشابه بين هذا النظام البربري مع شقيقه العربي سواء في الجزائر أو المغرب العربي أو في الوطن العربي عموما. كما نلاحظ هنا أن الوطنية ومفهوم الوطن عند البربر مر بنفس المراحل التي مر بها عند العرب من قبلية وعشيرة تتنقل في عالم البداوة إلى أن تتوطن في عالم الزراعة وتبدأ رحلة الحضارة والدخول في التاريخ.
كما نلاحظ أن بعض الكتب الصادرة بالفرنسية أعقاب ١٩٨٨ وهي تسعى لتشويه المفهوم الوطني لدى الجزائريين بتشويه تاريخ الثورة الجزائرية والحركة الوطنية الجزائرية قبلها تحاول أن تدق أسافين بين الجزائريين عربا وبربرا، فيقول بعضها أن البربر هم صانعوا حركة النضال الجزائري ضد الاستعمار، وأخرى تقول أن العرب هم الذين فعلوا ذلك .. وحقيقة الحال أن الجزائريين كل الجزائريين عربهم وبربرهم قاموا معا ضد الغزوات الاستعمارية كائنا ما كان مصدرها. وذلك انطلاقا من وحدة المزاج ووحدة الوطن ووحدة النظام الاجتماعي العشائري الذي يشبه شقيقه في المشرق العربي عبر كل مراحل تطوره.
стр. 56
والقضاء البدوى أو العرف الذي تعمل فيه العشائر في كل مكان من الأردن والعراق وسورية والجزيرة العربية ومصر لا يختلف كثيرا أو قليلا عن القضاء المعمول به في جبال جرجرة سواء تيزي وزو أو بجاية أو حتى التوارق، فنظام "الجماعة" هو ذاته في المشرق والمغرب وهو على كل حال يستحق الدراسة المفصلة، ولعل التشابه ليس فقط في أسلوبه، بل وفي هدفه، ذلك أنه يهدف في جرجرة وعسير وردفان إلى إيجاد نوع من التناغم بين القوانين التي كانت سائدة قبل الإسلام والشريعة الإسلامية نفسها دون إحداث خلل كبير في البنية الاجتماعية وهذا يدل على عبقرية المجتمع العربي في كل مكان من المشرق والمغرب، فالإسلام كما هو معروف أكد في تشريعه القرآني كثيرا من القوانين والعادات التي كانت قبله وطور بعضها وألغى البعض الآخر وحاول أن يطور النظام القبلي برمته، فمن جهة يقر العشائرية والقبلية ﴿وجعلناكم شعوبا وقبائل يعارفوا﴾ ومن جهة يقيم الدولة على أسس إيديولوجية وهي الدين، أي أن هناك محاولة واضحة للعبور بالمجتمع من مرحلة العشائرية إلى القومية إلى الأممية عبورا سلسا وهادئا دون صراع قبلي أو عرقي.
وهكذا نجد أن مهمة القضاء البدوي في المشرق والمغرب هي نزع فتيل هذه الصراعات وتطويع القوانين القديمة مع الشريعة الجديدة، ونلاحظ هنا أن القوانين القديمة متشابة فالبربر يتشددون كما يشير أبو يعلى الزواوي في قضايا الجنس وكذلك البدو في الجزيرة والشام .. وأي دارس لمسألة تطور مفهوم الجنس عند العرب -وهناك كتب هامة تناولت هذا الموضوع ومنها كتاب الزواج عند العرب- يجد أن المجتمع في جرجرة وصحراء الجزائر
стр. 57
والمشرق العربي يحمل نفس المفاهيم زمر بنفس التطورات، وهذا لا يمكن أن يتأتى من علاقة استعمارية أو علاقة عداوة، فإن اختلاف ابن الأطلس عن ابن ردفان هو لا يعدو اختلاف بطنك عن ظهرك فكلاهما أنت!!
وفي اعتقادي أن هذه العلاقة ناجمة عن أن الإنسان هو نفسه في الطرفين، فالعشائر القديمة كما العشائر الحديثة هي ذاتها .. وقد أورد محمد علي مادون في كتابه جدولا بأسماء هذه العشائر والقبائل في المشرق والمغرب، وأعتقد أن كل مؤرخي أوروبا كائنا من كانوا لا يستطيعون المزايدة على العرب (في المشرق أو في المغرب) بموضوعة الأنساب، فعلم الأنساب هو علم عربي مائة بالمائة، لم تهتم به أمة كما اهتموا ..
ولعلي أود هنا الإدلاء بملاحظة تتعلق بقول البعض أن في داخل التنظيم العشائري لبربر عادات لا تتفق مع الإسلام وهي أقرب إلى المسيحية أو الوثنية. وهذه العادات التي يركز عليها مؤرخو الاستعمار تؤكد في نظري القاعدة ولا تنفيها، كما يرغبون! فحتى اللحظة التي نعيشها في هذا القرن، هناك عادات لدى القبائل والعشائر العربية في نجد وعسير وحضرموت وعمان والعراق والشام لا تتفق مع الإسلام، لكنها لم تعني لنفس الباحثين أن تلك القبائل الشامية أو اليمانية أو العراقية أنها قبائل غير عربية؟! ومن هذه العادات وشم النساء وأشكال الوشم، فهي تتم لدى نساء المشرق والمغرب بنفس الطريقة وبنفس الأشكال.
ويرجع بقاء هذه العادات (وبالتالي عدم فهمها أو محاولة تزييفها من قبل المدرسة الاستعمارية في كتابة التاريخ) إلى أن الإسلام أدخل النظام
стр. 58
الاجتماعي العشائري نفسه في صلب عملية "الأسلمة" وهذا النظام هو الذي تولى مهمة تنحية الشوائب، فإن كانت القبيلة مثلا تعبد الشجرة فإن الإسلام رفض ألوهية الشجرة .. لكنه أعطاها شيئا من القداسة والاحترام .. "كالقسم بالتين والزيتون" وتولى النظام الاجتماعي نفسه عملية التفريق بين الألوهية والقداسة وهكذا هبوطا إلى أبسط الحالات الاجتماعية اليومية وأعقدها .. فكم هو الطلاق سهل في الإسلام والعشيرة شكلا وكم هو معقد صعب مضمونا وتنفيذا .. إن ذلك كله نظام اجتماعي عربي لا يملكه أي تشكيل قومي في أوروبا سكسونيا أو غير ساكسوني، وهو متشابه في جبل ردفان وجبل جرجرة.
ولعل ما يفسر كل ذلك أيضا هو أن الحضارة العربية، والبربر جزء مؤسس فيها تبدي اهتماما واسعا بالإنسان ونظام المجتمع العشائري .. وهناك مئات الكتب .. لكنها لا تبدي اهتماما بالطوائف والإثنيات .. فليس في الحضارة العربية سوى عدد ضئيل جدا من الكتب التي تهتم بالإثنيات ولعل في طليعتها كتاب "الملل والنحل" فالفكر الإسلامي باعتباره نتاج تفاعلات فكر قومي قديم تطور من مفهوم العشائرية إلى الوطنية فالقومية إلى الأممية، لم يكن ينفي أو يلغي وجود الطوائف والإثنيات داخل التشكيل القومي للأمة العربية لكنه يركز على تطويرها نحو فكرته الأممية عبر تماسكها الأصلي "كأرومة واحدة" ونعتقد أنه نجح في ذلك نجاحا يستحق الدراسة .. فقد أرجع معظم العرب مشرقا ومغربا إلى جد واحد من جهة واعتنق معظمهم دينا واحدا على مذهب واحد تقريبا فمعظم العرب ومنهم البربر مسلمون سنة،
стр. 59
فحوالي ٨٠% من العرب كانوا عام ١٩٩٠ يدينون بالإسلام على المذهب السني. ويدخل البربر في هذه الأغلبية سواء لجهة الدين أو المذهب، فمعظم البربر هم مسلمون سنة والملاحظ أن نسبة الشيعة القليلة لدى المسلمين العرب هي مرتفعة لدى المسلمين غير العرب.
وسؤالي الآن إلى كل محاولي زراعة الفرقة وإشاعة العنصرية والبغضاء ألا يعني هذا التطابق العشائري والديني والمذهبي بين العرب والبربر في المغرب العربي -والجزائر خصوصا- من جهة وبين هؤلاء والعرب في المشرق من جهة أخرى شيئا آخر غير الغزو الهلالي -ولماذا لم يحدث مثل هذا التطابق مع الغزو الفرنسي وهو الذي يملك إمكانيات وأدوات لسحق ثقافة الشعوب، لم يكن يملكها الهلاليون - أعتقد أن على مثقفي الاستعمار من أوروبيين وجزائريين وعرب أن يثبتوا لنا بأنهم ليسوا من خريجي مستشفيات المجانين؟! أو أن يعترفوا بأنهم لا تجمعهم مع شعبنا "وحدة العشيرة" التي جمعت بين حسين آيت أحد ومحمد بوضياف وأحمد بن بلة وكريم بلقاسم ومحمد خيضر ورابح بيطاط في مرحلة من أصعب مراحل مجتمعنا ووحدة العشرة هذه هي التي جعلت المصريين والشوام والعرب عموما يحتضنون الثورة الجزائرية وخصوصا قياديها من الأمازيغ، ويعتبرون الثورة ثورتهم والقيادة قيادتهم .. وهو أمر لم تفعله ألمإنيا ولا أمريكا ولا الاتحاد السوفياتي ولا الهند سواء شعوبها أو حكوماتها فلم يكن التلاميذ السوفيات أو الأمريكان أو الهنود يحيون كل صباح علم بلادهم بنشيد قسما .. لقد فصل ذلك الأطفال العرب وحدهم دون أطفال العالم وقد فعلوه في كثير من الأحيان بعيدا جدا عن رأي حكامهم،
стр. 60
فهل لدى الذين يدعون أن شعبنا لا يمت بوحدة الدم مع العرب أن يفسروا لماذا ندفع العرب في النضال من أجل الجزائر ولماذا اندفع الجزائريون وخاصة البربر في النضال من أجل فلسطين!!
الوحدة التربوية
ويتحدث أبو يعلى الزواوي عن الزوايا في بلاد الزواوة ومحافظتها على الثقافة والتربية والأخلاق لدى العامة وموقفهم منها، ويقول: (إذ لا فرق بين هذه الزوايا ومؤسسات الجمعيات والشركات العلمية الخيرية المقامة بأوروبا وأمريكا بأموال أولي البر من الوصايا والأوقاف ونحو ذلك فزوايا الزواوة كذلك دخلها من أولي البر والصلاح الملتزمين بعطايا من أرزاقهم وكسبهم للمؤسس الصالح المرجو بركته) ص ٤٦. ثم هو يربط بإحكام بين تأثير هذه الزوايا في نفسية الناس العميقة رغم ما اعتراها من ضعف في المظهر نتيجة الضغط على الأصول التربوية التي تعرض لها بعض الناس والطبقات في الزواوة. (ومن عجيب أطوار أفراد من هذه الطبقة أن ترى الواحد منهم يصلي ولا يصوم والصلاة والصوم من أركان الإسلام الخمسة كما لا يخفى لكنك تراه كبير النفس قوي العزيمة ثابت الجأش كثير الأدب لا يكذب ولا يغش ولا يداهن ولا يتملق ولا يخضع ولا يشكو ولا يطمع وهو شديد الغيرة على الإسلام يجتهد في خدمته عامل على رفع شأنه بكل قوته وإذا سمع طعنا فيه أو افتراء عيه قامت قيامته ..) ص ٧٩.
стр. 61
وأعتقد أن هذا النوع من التربية التي بثتها الزوايا والذي يستقر في أعماق النفس، هو ما عجز الاستعمار عن اكتشافه وهو موجود في المشرق فكثير لا يصومون ولا يصلون لكنهم لا يقبلون في الإسلام قدحا من أحد خاصة من الأوروبيين.
عمل الاستعمار الفرنسي المعروف بين الدول الاستعمارية بعنجهيته المتزايدة، وسوء الخلق، وادعاء حمل رسالة المسيح والحضارة، على هدم الزوايا والمساجد في منطقة القبائل وشن حملة تنصير واسعة حيث اختطف الأطفال وخاصة بعد المجاعات التي تسبب فيها الجيش الاستعماري حين حرق الزرع والضرع، ومن المعروف أن الجزائر وخاصة منطقة القبائل لم تشهد في تاريخها أية مجاعة، إلا بعد الدخول الفرنسي، فقايض المبشر "لافيجري" وجماعته من المبشرين الدين بالرغيف، وكان يرسل الكثير فيهم إلى فرنسا لتنصيرهم وتقول الباحثة الجزائرية خديجة بقطاش: (ومن تبقى من هؤلاء الأيتام وعددهم حوالي ٣٧٨ صبيا و٣٤٢ بنتا شغلوا بال لافيجري ولاسيما مستقبلهم، وحنى لا تضيع جهوده التنصيرية سدى، وسط المحيط الذي يعيشون فيه، قرر لافيجري عزلهم عنه، وذلك بإنشاء قرى عربية مسيحية تكون في نظره بمثابة النواة الأولى للأسرة العربية المسيحية) ص ١٢٦ - الحركة التبشيرية الفرنسية في الجزائر ١٨٣٠ - ١٨٧١. وهكذا فإن محاولات هدم الزوايا وعدم تجديدها وحرفها عن رسالتها سواء في منطقة القبائل أو غيرها من مناطق الجزائر ومحاولات تنصير القبائل لم تتوقف حتى هذا اليوم. بل لعل حملة التنصير اشتدت في أعقاب الحرب العالمية الأولى
стр. 62
جنبا إلى جنب مع اشتداد حملة التفتيت حيث شعر الاستعمار بقوتهم وضعف العرب في المشرق والمغرب على حد سواء فسعى في تمزيقهم دينيا بالدعوة إلى النصرانية، وسلاليا بالدعوة إلى البربرية وركز حملته الدينية والعرقية على البربر، وساعده في ذلك بعض المارقين في المغرب العربي ويقول شكيب أرسلان في كتابه "لماذا تأخر المسلمون ولماذا تقدم غيرهم؟: (ليس واحد من هؤلاء ولا من في ظلهم في المغرب إلا وهو مطلع على نيات فرنسا وعلى مراميها من جهة هذا النظام الجديد لأمة البربر، وليس فيهم إلا من هو عارف بوجود جيش من القسوس والرهبان والراهبات يجوس خلال بلاد البربر ويبني الكنائس ويصيد اللقطاء والأيتام والفقراء وضعفاء الإيمان. إلى أن يقول عن هؤلاء الخونة: .. أخزى الله الذين منهم في المشرق والذين منهم في المغرب ممن يوقعون على اقتراحات الأجانب المضرة بالدين والوطن) ص ٩٢ - ٩٣.
ويورد رشيد رضا في الصفحة ٦٦ من كتاب شكيب أرسلان المذكور هامشا تحت رقم ١٣ يقول فيه:
(وقد منعوا الوعاظ في شهر رمضان من الذهاب إلى بلاد البربر وكانوا يحبسون من يخالف هذا الأمر وقد أقفلوا مئات من الكتاتيب القرآنية في المغرب ومئات من مثلها في الجزائر وأغلقوا دار الحديث في تلمسان واحتجت على ذلك علماء المسلمين في الجزائر فما سمعوا لها كلاما "أصر بعض رجال الدين الإسلامي في الجزائر على تعليم القرآن للأحداث فحاكموهم وحكموا عليهم بالسجن أربعة أشهر بحجة أنهم خالفوا الأوامر
стр. 63
الصادرة. وهلم جرا).
وطبعا فإنني هنا لا أفاضل بين دين ودين .. لكن التبشير الفرنسي الديني والذي ازداد نشاطه في العقد الأخير من القرن العشرين حين اضطرب المن في الجزائر وساءت أحوال الناس الاقتصادية، كان ولا يزال ككل تبشير استعماري، هو التفتيت للوحدة الفكرية للعرب والبربر خصوصا .. ذلك أن البربر ولنحدد هنا الزواوة هم على وحدة فكرية واحدة، فهم مسلمون سنة وهم بذلك يلتقون تماما مع الوحدة الفكرية للأمة العربية حيث أن ٨٠% من العرب هم مسلمون سنة "الذهب الشيعي ينشر معظمه خارج الوطن العربي". وهذا التوحيد مع العرب له أسبابه، فكما ارتبطت النصرانية والتنصير في هذا العصر بالاستعمار الفرنسي ارتبطت في القرون الميلادية الأولى بالاستعمار الروماني بيزنطيا وغير بيزنطي، كما أن عدم الالتقاء السلالي مع الأوربيين نفر البربر منهم ويقول د. سعد الدين إبراهيم وهو باحث أمريكي من أصل مصري لم يعرف عنه الدفاع عن العروبة والإسلام، يقول في كتابه "تأملات في مسألة الأقليات" ص ٨٦.
(والبربر هم جماعة إثنية أصلية في شمال أفريقيا، وكانوا يمثلون أغلبية السكان الأصليين حينما وفدت إليهم جيوش العرب المسلمين في القرن السابع الميلادي، ولأنهم سلاليا ينتمون إلى الأسرة الحامية - السامية أو الحر متوسطية التي ينتمي إليها العرب، ولأن معظم النظريات عن أصولهم ترجع لهم إلى الجزيرة العربية أو الفينيقيين، فقد سهل ذلك في عمليات التفاعل والمصاهرة والتعريب والأسلمة).
стр. 64
وهكذا فإننا إذا اعتبرنا أن البربر قومية أخرى غير القومية العربية، فإنهم يرتبطون مع العرب بالوحدة الفكرية، فضلا عن الاتصال الجغرافي، وهذا ما أقلق ويقلق الاستعمار، لذلك كان ولا يزال يسعى لخلق قومية بربرية مسيحية، وهذا يعني أن القومية البربرية نفسها لن تكون موحدة بل على الأرجح أنها ستندثر لأن عملية تمسيحها إذا أخذنا بالاعتبار عدد الزواوة الذين تمسحوا خلال قرن ونصف القرن - لن تقم قبل ٤٠ قرنا قادمة، وهذا يعني أن البربري سيفقد وحدته الدينية والتربوية حتى مع نفسه فتقوم الحروب بين كل دشرة وأختها وتهجم تيزي وزو على بجاية وعزازقة على أزفون فيندثر البربر في سنوات قليلة.
فالأمير عبد القادر هو ابن الزاوية القادرية في غربي الجزائر وكان الشيخ محمد المهدي السكلاوي رئيس الزاوية الطريقة الرحمانية في منطقة الزواوة ومساعد الشيخ محمد المبارك وأحمد بن سالم هم السند القوي للأمير في الكفاح الذي عم قطرنا الجزائري، ويكفي أن الأمير عبد القادر تمكن من زيارة منطقة القبائل عام ١٨٣٧ ونظم أمور المقاومة فيها ولم يشر به ذلك الجنرال الأخرق "بيجو" الذي هدم مئات القرى الزواوية وزواياها.
إن دور الزاوية في الكفاح دور لا يجحد، بل أن الزواية في الجزائر وفي المشرق العربي منبع الحركة القومية العربية وليس كما يدعي مؤرخو الغرب.
ولتوضيح هذه النقطة كنت أود لو أن شيخنا الزواوي قد تطرق لدور الزواوة في إعادة فتح الزوايا في دمشق التي أغلقها الترك وقبلهم المماليك،
стр. 65
ولعلي أذكر هنا أن الزاوية الصمادية في دمشق كانت قد أغلقت وحولها الأتراك إلى إسطبل فأعاد فتحها الشيخ محمد بن يلس إثر هجرته من تلمسان ويمكن الرجوع في ذلك إلى جريدة المقتبس الدمشقية، أما الزاوية الخيضرية فيها، فقد فتحها الشيخ محمد المهدي السكلاوي، أما دار الحديث فقد سمح الأتراك بتحويلها إلى خمارة فاشتراها الأمير عبد القادر وأرجعها إلى سابق عهدها دار علم ويمكن الرجوع في ذلك إلى كتاب "حلية البشر في تاريخ القرن الثالث عشر" للشيخ عبد الرزاق البيطار، أما المدرسة الجقمقية فقد تولى الأمير نفسه التدريس فيها وتلميذه فيها الشيخ طاهر الجزائري، ولما تزال قائمة قرب قصر صلاح الدين الأيوبي، فهي الآن متحف للخط العربي.
ومن المعروف أن الاستعمار الغربي قبله الاستعباد التركي حاول في كل من المغرب والمشرق تدمير وإغلاق هذه الزوايا، وفي أقل الأحوال صرفها عن أداء دورها العلمي والقومي فتحولت إلى ما يعرف في الجزائر بالطرقية وفي المشرق بالدروشة، وصار الطرقيون والدراويش، بعد أن حرفوا التصوف إلى مجرد طقوس، عونا للاستعمار وكما شن ابن باديس الصنهاجي حملته ضد الطرقية ونشر التعليم وناضل من أجل العربية والعروبة في الجزائر، فعل الشيء نفسه في المشرق العربي الشيخ طاهر الجزائري وشن حربه على الدراويش وعصرن التعليم وأعاد للعربية رونقها ووقف ضد سياسة التتريك .. وهو مؤسس جمعية النهضة العربية التي انبثقت عنها الأحزاب القومية في المشرق العربي وشيخنا أبو يعلى الزواوي نفسه من مؤسسي جمعية العلماء المسلمين في الجزائر التي حاربت الطرقية
стр. 66
والدراويش وانحرافاتهم.
وكنت أتمنى لو تحدث شيخنا أبو يعلى الزواوي عن المؤلفات العلمية في الطب والفلك وما إلى ذلك من علوم التي أنجزها رجال الزواوة من أبناء هذه الزوايا من أمثال إبراهيم بن جابر الزواوي، إبراهيم بن قائد، إبراهيم بن بهلول، أحمد بن صالح الزواوي، أحمد بن الطيب الزواوي، أحمد أبو العباس الزواوي، بلقاسم بن محمد الزواوي، عبد الرحمان بن عبد الله الغماري الزواوي، عبد السلام بن سيد الناس الزواوي، عبد الله بن عبد الله المحفوف الزواوي، وغيرهم خلق كثير ممن أبدعوا وألفوا في العلوم البحتة والعلوم الدينية والعلوم اللغوية ويمكن للمهتم بهذا الموضوع من الدارسين أن يرجع إلى المراجع التالية:
١ - تحفة الزائر في مآثر الأمير عبد القادر.
٢ - تراث العرب العلمي/ قدري حافظ طوقان.
٣ - تنوير البصائر بسيرة الشيخ طاهر.
٤ - حاضر العالم الإسلامي.
٥ - خزائن الكتب العربية في الخافقين.
٦ - دائرة المعارف (للبستاني)
٧ - دائرة المعارف الإسلامية.
٨ - دليل مؤرخ المغرب.
٩ - سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر.
١٠ - حلية البشر في تاريخ القرن الثالث عشر.
стр. 67
١١ - كشف الظنون في أسامي الكتب والفنون.
١٢ - الأعلام (للزركلي).
١٣ - معجم المؤلفين (فروخ).
١٤ - أعلام الجزائر.
١٥ - علماء بجاية.
١٦ - تذكرة الورتلاني.
١٧ - شجرة النور الزكية.
١٨ - تعريف الخلف.
١٩ - التبصرة في القرآن.
ولعل كتاب ابن خلدون هو دليل آخر وهام على أهمية علماء الزواوة فأشياخ ابن خلدون منهم، وخاصة شيخه أحمد إدريس الزواوي .. وقد علمت خلال كتابة هذا التعليق أن ثمة كتاب لباحث جزائري يسمى "أعلام من الزواوة" قيد الطبع والباحث هو الأستاذ أحمد ساحي .. وقد صدر فعلا قبل طبع هذا الكتاب، وهناك مراجع كثيرة أخرى تدل في نهاية التحليل على أن الجهد الحضاري للبربر كان في إطار الحضارة العربية .. وهذه الحضارة تضعهم موضع الصدارة منها فهم مؤسسون فيها .. فلماذا يراد لهم اليوم
التخلي عن جهدهم الحضاري هذا (وإلحاقهم بأوروبا التي من المؤكد أنها لن تقبلهم، كما فعلت بالأتراك قبلهم) فمادام البربر قد استعربوا (حتى وإن لم يكونوا عربا) وصنعوا حضارة عربية، وبإمكانهم اليوم تجديدها وقيادتها فما هو الداعي لزرع الفتنة بينهم وبين العرب!!
стр. 68
إن موقع الإنتاج الثقافي الحضاري "الزوايا" في بلاد المغرب والمشرق كان دائما مستهدفا من الأجنبي سواء كان مملوكيا أو تركيا أو أوروبيا ومر بنفس المعاناة تقريبا، ونفس النظام حيث الطالب فيه يمكنه أن يظل "طالبا" طوال عمره والشعب يكفيه مؤونته، وهو مطالب في كل الأحوال بالإنتاج العلمي سواء كان شفويا أو خطيا .. وهذا التفرغ للعلم لم تعرفه أوروبا وعرفته زوايانا في المغرب والمشرق وقد شجع ابن جبير في كتابه المعروف "رحلة ابن جبير" طلبة العلم من أهل المغرب على طلب العلم في زوايا المشرق ويخص منها تلك التي في دمشق حيث يشير أنها تكفي طالب العلم مؤونته إذ يقول في ص ٢٥٨ طبعة الجزائر (فمن شاء الفلاح من نشأة مغربنا فليرحل إلى هذه البلاد ويتغرب في طلب العلم فيجد الأمور المعينات كثيرة، فأولها فراغ البال من أمر المعيشة وهو أكبر الأعوان وأهمها) ومن المعروف أن ابن جبير ولد عام ١١٤٥م في الأندلس وتوفي بالإسكندرية عام ١٢١٧م.
وهكذا فإن نظام الزوايا الموحد مشرقا ومغربا نظام حضاري عربي إسلامي موجود في تيزي وزو قبل أن توجد باريس نفسها!! ومع ذلك يقولون عنا أننا بربر ويقصدون أننا همج، فورب جرجرة لم تعرف البشرية همجية أكثر من همجية المستوطنين والمستعمرين الذين هدموا هذه الزوايا سواء في المشرق أو في المغرب وصرفوها عن رسالتها العلمية.
ويمكن القول أن الباحث الجزائري خصوصا والعربي عموما مقصر في مسألة البحث في دور الزوايا والكتاتيب، العلمي والديني والسياسي والاجتماعي وهو تقصير له بعض الأسباب العلمية والعملية، مثل عدم توافر بعض شروط
стр. 69
البحث وهي أسباب يمكن تداركها، غير أن هناك من الأسباب ما يدخل في محاولة طمس التاريخ مثل الاعتقاد بأن هذه البحوث تؤدي خدمة للفكر غير العلمي، أو أنها تثبت عروبة البربر، أو أنها لا ترضي فرنسا، أو أنها تشجع الطرقية والدروشة، وما إلى ذلك من أسباب أقل ما يقال فيها أنها خدمة للمستعمر .. ذلك أن النظام التربوي في زواوة أو ردفان لم يدرس بعد، وها هي المدرسة الجزائرية والمدرسة في عموم الوطن العربي، تعاني من مشكلات حقيقية، لأن نظامنا التربوي الحالي مغربا ومشرقا هو نظام غير مرتبط بالجذور، بل هو مستورد أصلا، وبالتالي فإنه غير ناتج عن تراكم .. وسنظل نعاني من هذه المشكلة ما لم تعقد دراسات علمية جدية حول "النظام التربوي العربي" أعتقد أنها مهمة مركز دراسات الوحدة العربية .. فمن المعروف لدينا أن هناك مؤتمرات تنعقد لوزراء الداخلية العرب ولوزراء الإعلام، أولائك يقمعون وهؤلاء يكذبون .. أما وزراء التربية فقلما يجتمعون .. أليس ذلك بملفت للنظر؟!
وحتى لا يتوهم القارئ، أقول بأني لم أدرس في زاوية ولم أدخلها إلا كما يدخلها الزائر، ولكنها تراث شعبي الذي في بجاية وعزازقة والقدس ودمشق واليمن، فليس صحيحا أن لا أحاول فهم هذا التراث وهذا النظام التربوي الذي قاوم الفرنسة مغربا والتتريك مشرقا وكان أبطاله في الحالين زواوة أمازيغ!! لابد أن فيه من الثراء ما يصلح في هذا الزمان ويثريه ويطوره، كما فيه ما لم يعد صالحا لا لهذا الزمن ولا للزمن السابق، وإني أعتقد أن هذا الأسلوب الصحيح لتطوير المنظومة التربوية (المدرسة) في الجزائر والوطن
стр. 70
العربي عموما .. يبدأ من نقطة الدراسة العميقة للنظام التربوي القديم المعمول به منذ عشرات القرون، دراسته بعمق عند أبي حامد الغزالي، والكسائي، وابن خلدون .. في المدرسة المستنصرية في بغداد وفي مدرسة النجف ومدرسة القيروان وبجاية وتلمسان وفاس وربطها بهذا العصر ومستجداته إذ أن ذلك النظام التربوي هو الذي أنتج علماء ما نسميه الحضارة العربية الإسلامية. بينما المنظومة التربوية ومناهجها التي رسمها الإنجليز في مصر والفرسيون في الجزائر لا تبدو ناجحة هذه الأيام ولا تبدو كمدرسة متنورة بينما تبدو المدرسة أو المنظومة التربوية التي وضع أسسها الشيخ طاهر الجزائري ثم جودت الهاشمي الينيوي في بلاد الشام تحمل نجاحا نسبيا في التنور أفضل منهما وهي ملاحظة تستحق الدرس من قبل المهتمين بالمنظومة التربوية، إذا كانوا يقصدون توحيد المجتمع الجزائري مع تراثه ومع العصر لا تمزيقه وتفتيته، فالمدرسة التي لا توحد الشعب لا يمكن أن تستمر .. ولعل هذا يفسر استمرار الزواي رغم ما حل بها من تحريف وانحراف وتخريب وكلها أشياء تحدث عنها أبو يعلى الزواوي في فصله هذا تصريحا أو تلميحا .. لقد حافظت "الزوايا" رغم جمودها على الوحدة التربوية للبربر مربوطة بالوحدة التبروية للعرب، كما تظهر ذلك الكتب المقررة التي تحدث عنها المؤلف وهذه
الوحدة .. وهذا الربط ألا يستحقان الدراسة؟!!
والطريف أن بعض "أذكياء" الاستعمار يظهرون غباء خارقا للعادة حيث يقول بعضهم أن للبربر عادات قديمة مسيحية الأصل.
стр. 71
ومن المعروف أن هذه العادات عربية قديمة لما تزل لها مثيلاتها في هذه المنطقة أو تلك من مناطق المشرق العربي، والمسيحية نفسها ديانة عربية أرامية، كما اليهودية .. ولعل المدقق والمتفحص لعادات الشعوب القديمة في جبل الأطلس وجبال لبنان وعسير وردفان يجد تشابها كبيرا، لنأخذ مثلا نظرة القداسة للماء، بل أن هذه النظرة تشبه نظرة تقديس الماء عند الهنود ...
لقد دافع الزواوة عن دينهم، ولعلهم كانوا أكثر دقة في تحديده فالزواوي العادي لا يفرق بين العربي والمسلم، فما دام ٨٠% أو أكثر من العرب هم من المسلمين أفلا يصح تسميتهم بدينهم، أو لا تتبع القلة الكثرة ويعتبر ذلك في هذا العصر من أصول الديمقراطية؟ والزواوة أبدعوا داخل هذا الفهم "العربي - الإسلامي" في مختلف مجالات العلوم، بل لا نكاد نجد لهم إبداعات حضارية ونظاما تعليميا خارج الحضارة العربية، رغم ما تحاوله بعض الأبحاث المشكوك في نزاهتها ...
ويذكر أبو يعلى في فصله المخصص للزوايا عند الزواوة عددا من العلماء الذين تخرجوا من هذه الزوايا ويذكر أهمية الزاوية كمدرسة وجامعة ومسجد ومأوى للغرباء والمسافرين وهو يفاخر بها ويعتز، خاصة وأن هذه الزوايا تقوم على نظام شعبي حضاري لم تعرفه أوروبا إلا في عصورها المتأخرة هذه.
وكم كنت أتمنى لو أن مؤرخنا أفاض بالحديث عن هذه النقطة، ولعل عذره هو أنه يكتب في ظروف جد صعبة فالاستعمار الاستيطاني الفرنسبي قد ظهر في أعقاب الحرب العالمية في أكثر صوره شراسة ضد الشعب الجزائري وخصوصا الزواوة وزواياهم فقد دمر حتى ذلك الوقت آلاف القرى والمداشر
стр. 72
ومئات الزوايا.
فالزاوية لم تكن قلعة علم ودين فقط بل هي أيضا قلعة نضال ومقاومة ضد الاستعمار الفرنسي، وإن كان لكل قاعدة استثناء.
وحدة العقل
يذكرنا أبو يعلي الزواوي في كتابه هذا وعلى طريقته بأن العقل البربري كالعقل العربي هو عقل شرقي وأن البربر يجدوا مكانتهم القيادية في الفكر الشرقي العربي، ويحققوا نبوغا فيه حيث يخبر أن بعضا من البربر الزواوة نبغوا في المشرق العربي في القديم والحديث فيقول في صفحة ٤٧ (وبهذه الزوايا كثر علماء الزواوة قديما وتخرج منها فطاحل إذا ذكروا يفتخر الزواوي ويرفع رأسه شرفا وتيها وكذلك بطبيعة الحال يقتضي أن يكثر علماء الزواوة لموقعهم الجغرافي فإن إحدى عواصمهم "بيجاية" كانت حاضرة وميناء من موانئ الحرب للأساطيل الأندلسية وكانت قرى الزواوة إذ ذاك لا تعد ولا تحصى). إلى أن يقول (وفي كتب التاريخ والرحلات والتراجم ألوف من علماء الزواوة وفيهم من تولى القضاء والتدريس في مصر والشام) ويركز على المنكلاتي صاحب شرح صحيح مسلم والقاضي في مصر والشام ويقول أن قبيلة آيت منكلات قبيلة من العرب وهي من الأذواء الحميرية، ثم يذكر ابن معطي الزواوي من قبيلة أمشدالن .. ويتحدث أبو يعلى الزواوي عن الزواوة الذين نبغوا منذ أواسط القرن التاسع عشر في بلاد الشام فيقول في صفحة ٣٧ (وقد نبغ في هذا العهد الأخير من رجال الزواوة بالشام وبغيرها من مدن سورية
стр. 73
عدد غير قليل) ويذكر عددا كبيرا منهم.
ويقر المشارفة من الدمشقيين وغيرهم هذا النبوغ فيقول كتاب تاريخ علماء دمشق في القرن الرابع عشر الهجري (وقد سعدت دمشق بهجرة المغاربة إليها كما سعدت من قبل بهجرة بني قدامة المقادسة، وكان على رأس المغاربة الشيخ الأمير عبد القادر الجزائري الذي اهتم بالعلم والعلماء والتصوف والمتصوفة، وصحبه علماء كانوا معه ولحق به آخرون في هجرة ثانية، فإذا بالمدينة المباركة يسري فيها دم جديد، وتشتد فيها اشتعال جذوة الفكر .. لم يكونوا جسما غريبا يرفضه الجسم، بل صاروا عضوا منه لا يمكن له الاستغناء عنه، صاروا دمشقيين لهم ما لأهل دشق وعليهم ما عليهم) ص ١٨. وقد تحدثت عن ذلك في كتابي المطبوع في الجزائر "الإشماع المغربي في المشرق العربي - دور الجزائريين في الشام"، فتأثيرهم في الحياة الثقافية في المشرق العربي لا ينكره إلا أحمق. وليس في المشرق العربي كتاب في سيرة المثقفين والمؤلفين صدر منذ أوائل هذا القرن لا يحتوي على ذكرهم منها:
- روض البشر.
- ذيل روض البشر.
- أعلام دمشق.
- تاريخ علماء دمشق.
- أعيان دمشق.
- جال في أمة.
- سيرة جيل.
стр. 74
- الموسوعة الفلسطينية.
- الثورة السورية الكبرى.
- جهاد الأمير سعيد.
- منتخب التواريخ لدمشق.
- الأعلام الشرقية.
- شهداء الثورة العربية.
كما أن هناك بعض الكتب التي كتبها صحافيون أو باحثون فرنسيون زاروا المنطقة، بالإضافة إلى جميع الصحف التي صدرت في سوريا ولبنان منذ منتصف القرن التاسع عشر، كما ليس هناك كتاب يتحدث عن تاريخ بلاد الشام من مطلع القرن العشرين حتى الآن ولا يذكر الزواوة ونضالهم ومقاومتهم للاستعمار الفرنسي والبريطاني والصهيوني، إذ تذكرهم كتب مثل: يقظة العرب، الثورة العربية الكبرى، ثورة في الصحواء، تاريخ سورية، وعشرات الكتب الأخرى بالعربية الفرنسية والإنجليزية والألمانية. أما دورهم في القرن التاسع عشر فأكثر من مشهور، فكل كتاب تناول تاريخ الشام في النصف الثاني من القرن التاسع عشر سواء سياسيا أو ثقافيا كان للزواوة فيه الذكر الأكبر والأوسع.
والملاحظ في كل ذلك أن الزواوة نبغوا في بلادهم ونبغوا في المشرق العربي بذات الثقافة وقادوا الثقافة والسياسة، ولم يشعروا بأنهم خارج وطنهم .. فهل من ذلك شيء من نبوغ الزواوة في أوروبا .. لقد نبغ كتاب الزواوة باللغة الفرنسية من أمثال كاتب ياسين ومولود معمري وغيرهم كثير، فهل تعدهم
стр. 75
فرنسا نوابغ فرنسيين كما يعد المشارقة النوابع الزواوية بل ودون أن ينكروا عليهم زواويتهم أو أمازيغيتهم أو بربريتهم، إن الشيخ طاهر الجزائري كان كثيرا ما يوقع بالزواوي وكان يعتز بذلك ويفخر .. وقد أوردنا نصا عن سعادة دمشق بهم وبعلمهم، وطاهر الجزائري بنظر بعض المشارقة هو مؤسس النهضة العربية الحديثة وهو أحد أعمدة الفكر القومي العربي الحديث.
إذن فإن الزواوة نبغوا وينبغون داخل الحضارة العربية، ويقودونها دون أن يقول لهم أحد أنتم "أنديجين" أعتقد أن للزواوة كل الحق في تطوير الحضارة العربية، المتخلفة اليوم تقنيا تخلفا واضحا، وسيفعلون ذلك من ذات الموقع، موقع الأصالة لا الغربة، وموقع الابن الشرعي لا المتبنى .. وسيطورونها بالطريقة التي يرونها، فإن رأوا أن الحضارة العربية لابد لها أن تغير مسارها فسيتغير أما أن يقوموا بتحطيمها بدعوى أنهم بربر، فهذا غير معقول، لأنهم بذلك إنما يحطمون أنفسهم وعقلهم .. فحتى اللغة العربية (سواء كانت لغة الجنة أم لغة الجحيم) تطورت وتقننت على يد البربر ولا أعتقد أن فلاسفة أوشعراء مثل أبوليوس، وابن رشد، وابن زيدون، ومفدي زكريا وآلاف النوابغ قديما وحديثا "سيبول" عليهم الزواوي لأنهم نبغوا في حضارة لا يحبها المستعمر الفرنسي وأذنابه، فقد اتحد نبوغ البربر بالنبوغ العربي مغربا ومشرقا كما اتحدت التربية والوطن والعادات والأخلاق والجفرافية والتاريخ، وليشرب الاستعمار البحر المتوسط كله!!
ويجب أن أنوه هنا أن هذا النبوغ لأهل المغرب العربي في المشرق العربي، وهذه المشاركة في صياغة العقل العربي ليست وليدة هذا الزمان بل هي كانت
следующие страницы →