ومن المعروف أن هذه العادات عربية قديمة لما تزل لها مثيلاتها في هذه المنطقة أو تلك من مناطق المشرق العربي، والمسيحية نفسها ديانة عربية أرامية، كما اليهودية .. ولعل المدقق والمتفحص لعادات الشعوب القديمة في جبل الأطلس وجبال لبنان وعسير وردفان يجد تشابها كبيرا، لنأخذ مثلا نظرة القداسة للماء، بل أن هذه النظرة تشبه نظرة تقديس الماء عند الهنود ...
لقد دافع الزواوة عن دينهم، ولعلهم كانوا أكثر دقة في تحديده فالزواوي العادي لا يفرق بين العربي والمسلم، فما دام ٨٠% أو أكثر من العرب هم من المسلمين أفلا يصح تسميتهم بدينهم، أو لا تتبع القلة الكثرة ويعتبر ذلك في هذا العصر من أصول الديمقراطية؟ والزواوة أبدعوا داخل هذا الفهم "العربي - الإسلامي" في مختلف مجالات العلوم، بل لا نكاد نجد لهم إبداعات حضارية ونظاما تعليميا خارج الحضارة العربية، رغم ما تحاوله بعض الأبحاث المشكوك في نزاهتها ...
ويذكر أبو يعلى في فصله المخصص للزوايا عند الزواوة عددا من العلماء الذين تخرجوا من هذه الزوايا ويذكر أهمية الزاوية كمدرسة وجامعة ومسجد ومأوى للغرباء والمسافرين وهو يفاخر بها ويعتز، خاصة وأن هذه الزوايا تقوم على نظام شعبي حضاري لم تعرفه أوروبا إلا في عصورها المتأخرة هذه.
وكم كنت أتمنى لو أن مؤرخنا أفاض بالحديث عن هذه النقطة، ولعل عذره هو أنه يكتب في ظروف جد صعبة فالاستعمار الاستيطاني الفرنسبي قد ظهر في أعقاب الحرب العالمية في أكثر صوره شراسة ضد الشعب الجزائري وخصوصا الزواوة وزواياهم فقد دمر حتى ذلك الوقت آلاف القرى والمداشر
стр. 72
ومئات الزوايا.
فالزاوية لم تكن قلعة علم ودين فقط بل هي أيضا قلعة نضال ومقاومة ضد الاستعمار الفرنسي، وإن كان لكل قاعدة استثناء.
وحدة العقل
يذكرنا أبو يعلي الزواوي في كتابه هذا وعلى طريقته بأن العقل البربري كالعقل العربي هو عقل شرقي وأن البربر يجدوا مكانتهم القيادية في الفكر الشرقي العربي، ويحققوا نبوغا فيه حيث يخبر أن بعضا من البربر الزواوة نبغوا في المشرق العربي في القديم والحديث فيقول في صفحة ٤٧ (وبهذه الزوايا كثر علماء الزواوة قديما وتخرج منها فطاحل إذا ذكروا يفتخر الزواوي ويرفع رأسه شرفا وتيها وكذلك بطبيعة الحال يقتضي أن يكثر علماء الزواوة لموقعهم الجغرافي فإن إحدى عواصمهم "بيجاية" كانت حاضرة وميناء من موانئ الحرب للأساطيل الأندلسية وكانت قرى الزواوة إذ ذاك لا تعد ولا تحصى). إلى أن يقول (وفي كتب التاريخ والرحلات والتراجم ألوف من علماء الزواوة وفيهم من تولى القضاء والتدريس في مصر والشام) ويركز على المنكلاتي صاحب شرح صحيح مسلم والقاضي في مصر والشام ويقول أن قبيلة آيت منكلات قبيلة من العرب وهي من الأذواء الحميرية، ثم يذكر ابن معطي الزواوي من قبيلة أمشدالن .. ويتحدث أبو يعلى الزواوي عن الزواوة الذين نبغوا منذ أواسط القرن التاسع عشر في بلاد الشام فيقول في صفحة ٣٧ (وقد نبغ في هذا العهد الأخير من رجال الزواوة بالشام وبغيرها من مدن سورية
стр. 73
عدد غير قليل) ويذكر عددا كبيرا منهم.
ويقر المشارفة من الدمشقيين وغيرهم هذا النبوغ فيقول كتاب تاريخ علماء دمشق في القرن الرابع عشر الهجري (وقد سعدت دمشق بهجرة المغاربة إليها كما سعدت من قبل بهجرة بني قدامة المقادسة، وكان على رأس المغاربة الشيخ الأمير عبد القادر الجزائري الذي اهتم بالعلم والعلماء والتصوف والمتصوفة، وصحبه علماء كانوا معه ولحق به آخرون في هجرة ثانية، فإذا بالمدينة المباركة يسري فيها دم جديد، وتشتد فيها اشتعال جذوة الفكر .. لم يكونوا جسما غريبا يرفضه الجسم، بل صاروا عضوا منه لا يمكن له الاستغناء عنه، صاروا دمشقيين لهم ما لأهل دشق وعليهم ما عليهم) ص ١٨. وقد تحدثت عن ذلك في كتابي المطبوع في الجزائر "الإشماع المغربي في المشرق العربي - دور الجزائريين في الشام"، فتأثيرهم في الحياة الثقافية في المشرق العربي لا ينكره إلا أحمق. وليس في المشرق العربي كتاب في سيرة المثقفين والمؤلفين صدر منذ أوائل هذا القرن لا يحتوي على ذكرهم منها:
- روض البشر.
- ذيل روض البشر.
- أعلام دمشق.
- تاريخ علماء دمشق.
- أعيان دمشق.
- جال في أمة.
- سيرة جيل.
стр. 74
- الموسوعة الفلسطينية.
- الثورة السورية الكبرى.
- جهاد الأمير سعيد.
- منتخب التواريخ لدمشق.
- الأعلام الشرقية.
- شهداء الثورة العربية.
كما أن هناك بعض الكتب التي كتبها صحافيون أو باحثون فرنسيون زاروا المنطقة، بالإضافة إلى جميع الصحف التي صدرت في سوريا ولبنان منذ منتصف القرن التاسع عشر، كما ليس هناك كتاب يتحدث عن تاريخ بلاد الشام من مطلع القرن العشرين حتى الآن ولا يذكر الزواوة ونضالهم ومقاومتهم للاستعمار الفرنسي والبريطاني والصهيوني، إذ تذكرهم كتب مثل: يقظة العرب، الثورة العربية الكبرى، ثورة في الصحواء، تاريخ سورية، وعشرات الكتب الأخرى بالعربية الفرنسية والإنجليزية والألمانية. أما دورهم في القرن التاسع عشر فأكثر من مشهور، فكل كتاب تناول تاريخ الشام في النصف الثاني من القرن التاسع عشر سواء سياسيا أو ثقافيا كان للزواوة فيه الذكر الأكبر والأوسع.
والملاحظ في كل ذلك أن الزواوة نبغوا في بلادهم ونبغوا في المشرق العربي بذات الثقافة وقادوا الثقافة والسياسة، ولم يشعروا بأنهم خارج وطنهم .. فهل من ذلك شيء من نبوغ الزواوة في أوروبا .. لقد نبغ كتاب الزواوة باللغة الفرنسية من أمثال كاتب ياسين ومولود معمري وغيرهم كثير، فهل تعدهم
стр. 75
فرنسا نوابغ فرنسيين كما يعد المشارقة النوابع الزواوية بل ودون أن ينكروا عليهم زواويتهم أو أمازيغيتهم أو بربريتهم، إن الشيخ طاهر الجزائري كان كثيرا ما يوقع بالزواوي وكان يعتز بذلك ويفخر .. وقد أوردنا نصا عن سعادة دمشق بهم وبعلمهم، وطاهر الجزائري بنظر بعض المشارقة هو مؤسس النهضة العربية الحديثة وهو أحد أعمدة الفكر القومي العربي الحديث.
إذن فإن الزواوة نبغوا وينبغون داخل الحضارة العربية، ويقودونها دون أن يقول لهم أحد أنتم "أنديجين" أعتقد أن للزواوة كل الحق في تطوير الحضارة العربية، المتخلفة اليوم تقنيا تخلفا واضحا، وسيفعلون ذلك من ذات الموقع، موقع الأصالة لا الغربة، وموقع الابن الشرعي لا المتبنى .. وسيطورونها بالطريقة التي يرونها، فإن رأوا أن الحضارة العربية لابد لها أن تغير مسارها فسيتغير أما أن يقوموا بتحطيمها بدعوى أنهم بربر، فهذا غير معقول، لأنهم بذلك إنما يحطمون أنفسهم وعقلهم .. فحتى اللغة العربية (سواء كانت لغة الجنة أم لغة الجحيم) تطورت وتقننت على يد البربر ولا أعتقد أن فلاسفة أوشعراء مثل أبوليوس، وابن رشد، وابن زيدون، ومفدي زكريا وآلاف النوابغ قديما وحديثا "سيبول" عليهم الزواوي لأنهم نبغوا في حضارة لا يحبها المستعمر الفرنسي وأذنابه، فقد اتحد نبوغ البربر بالنبوغ العربي مغربا ومشرقا كما اتحدت التربية والوطن والعادات والأخلاق والجفرافية والتاريخ، وليشرب الاستعمار البحر المتوسط كله!!
ويجب أن أنوه هنا أن هذا النبوغ لأهل المغرب العربي في المشرق العربي، وهذه المشاركة في صياغة العقل العربي ليست وليدة هذا الزمان بل هي كانت
стр. 76
منذ أن كان الزمان، مكان أبوليوس ابن مداوروش كاهنا من كهان آلهة المصريين القدامى، إن الجزائريين والبربر منهم على وجه الخصوص عبدوا آلهة الفينيقيين وطوروا في الديانات الفينيقة حسب مقتضيات أحوالهم وعبدها الفينيقيون أنفسهم مطورة ومنها الآلهة "أوروبا" التي سميت القارة الأوروبية باسمها. أما في العصر الإسلامي فإن علماء المغرب العربي من أندلسيين وغير أندلسيين هم قادة الفكر في المشرق العربي وخاصة في المسائل الدينية "فإبن العربي" له في دمشق المكانة العظمى وأما سيدي بومدين في القدس فله من القداسة الشيء الكثير.
وينظر رجل الشارع المشرقي إلى "المغربي" نظرة احترام عالية فالمغاربة في نظر المشارقة هم رجال التقى والنقى، بحيث يعتقد العوام هناك أن "حرز" المغربي أكيد الأثر، كما ينظر المشارقة إلى المغاربة على أنهم رجال صناديد يأتون من البطولات ما لا يقدر عليها غيرهم، وقد زادت الثورة الجزائرية هذه النظرة تأكيدا وترسيخا، وقد عومل الزعيم الوطني حسين آيت أحمد خلالها باعتباره قائدا قوميا عربيا في المغرب والمشرق، وينظر المغاربة إلى المشارقة على أنهم أهل حضارة وإبداع وإعمال نظر، وهكذا رأينا أن كثيرا من الأقطار التي تنبت في المشرق تجد لها صدى في المغرب، والعكس صحيح أيضا، فهذا ابن خلدون وابن رشد وغيرهما من المغاربة يلاقون الاحترام في المشرق أكثر مما يلاقونه في المغرب، وهذه الدولة الفاطمية التي بنت القاهرة (التي تكاد تكون عاصمة العرب في هذا العصر) تدرس في المشرق أكثر مما تدرس في المغرب بل هاهم الكتاب الجزائريون باللغة الفرنسية من أمثال مالك حداد، كاتب
стр. 77
ياسين، محمد ديب، وغيرهم ترجموا إلى العربية وتداول الناس كتابتهم أكثر مما تداولها القراء بالفرنسية .. ولاقوا من الاحترام والتبجيل ما لم يلاقوه بفرنسا التي كتبوا بلغتها، ففرنسا تستغلهم والمشرق يحترمهم ولعل الفرق واضح بين الاستغلال والاحترام.
ويجدر بي قبل أن أضع نقطة الختام لهذا التعليق أن أشير إلى أن الدولة العبرية في البلاد العربية باعتبارها تفتقد إلى الكثير من مقومات الشرعية منذ أن بدأت تظهر في أعقاب الحرب العالمية الأولى تحاول (حتى تكتسب بعض الشرعية) أن تضرب الوحدة العربية في الأعماق فتخلق بينها كدول الكثير من المشاكل على حدودها وتخلق داخل هذه الحدود الكثير من المشكلات بين جهات وعشائر ومدن وقرى القطر الواحد .. ولا نعتقد أن هذا سيكسب أي قطر قوة، وأي دولة شرعية، فالأمة العربية واحدة في التاريخ وفي الجغرافية وفي الثقافة وفي الهموم وفي المصير أيضا وهي باقية والحكام إلى زوال!!
وبكلمة واحدة مختصرة أقول أن البربر كما أثبت التاريخ هم شركاء أصليون ومؤسسون في الحضارة العربية (وليس أية حضارة أخرى) وهم مسؤلون بنفس الدرجة من المسؤولية على ازدهارها السابق وتخلفها الحالي وتجددها المتوقع والمطلوب وليس هذا موقعهم أو موقفهم في الحضارة الأوروبية قديما وحديثا ومستقبلا.
سهيل الخالدي
стр. 78
صورة ١
стр. 79
صورة ٢
стр. 80
صورة ٣
стр. 81
هدية الكتاب
إلى صاحب الشرف الممجد، ذي السيادة القعساء الصحيحة السند، ابن علي الشريف السيد أحمد، الهاشمي العلوي الفاطمي الزواوي.
مولاي كان لتاريخ الزواوة شأن عظيم، وأنتم من الأعاظم، وكان لهم نسب كريم، وأنتم من الأكارم، أما وقد كان أو كاد ينسى، فاقبل مني أن أجدده لعلنا نتأسى، كما قال الأول:
(فتأسوا بمن مضى إذا ظلمتم ... فالتأسي للنفس فيه عزاء)
فأهديه إلى سيادتكم العظمى، ولكم فيه الكلمة العليا.
السعيد بن محمد شريف
أبو يعلى الزواوي
стр. 82
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وصلى الله على سيدنا محمد وآله
تاريخ الزواوة
نحمدك اللهم أنت المبدئ المعيد، بيدك القديم والجديد، تحيي من تشاء وتميت من تريد، سبحانك أنت الإله القدير وأنت الولي الحميد، ونصلي ونسلم على النبي العربي، وعلى آله وصحبه العاملين بالقدر المادي والأدبي. وبعد فقد جرى ذكر التاريخ وما فائدته، فظنه قوم أنه خبر يروى تخشى آفته، وقال آخرون أنه أسطورة الأباطيل تحظر عقيدته، وقال رجل أنه خير العبر، إذ هو ديوان المبتدأ والخبر فظهر لي أن أعزز هذا القول الثالث آخذا من الآية: ﴿إذ أرسلنا إليهم اثنتي فعززنا بثالث﴾ أجل لما فيه من العبرة، وأخذا الحديث «قاضيان في النار وقاض في الجنة» والله نزل أحسن الحديث هذا ولما جعلني الله شريف النسب، من بني هاشم وبني عبد المطلب، وكان مولدي بالزواوة، ومنشأي ومرباي في تلك القرى ذوات الزوايا، وكادت شهرة تلك القبائل الصنهاجية تكون طامسة لأعلام مجهولة، الأسباب كثيرة، وقضايا منها ما هي مقبولة، ومنها ما هي مزورة ومردودة تحرك لي الساكن، واستنجدني (١) الظاعن والقاطن (٢) فأردت أن أضع كتابا صغير الحجم، كثبر العلم، كنموذج من تاريخ الزواوة مقتصرا على تبيين نسبهم، وذكر شيء من فضائلهم، وما قيل
стр. 83
فيهم، ومحا كان لأوائلهم، ليكون النشء الجديد على بصيرة من سلفهم ليعلموا ما كان من أمرهم، وليقتدوا بكل فعل مجيد، وينبذوا كل ما هو غير سديد، لعلهم يأخذون ببعض القديم وبعض الجديد، وألتزم الأحماض فيه لتنشيط قارئيه، لأنفخ فيهم روحا قوية، وأبعث منهم ذوي همم عليه، وأهدي إليهم هذا الكتاب المستطاب فإن فعلوا فذاك الصواب، وإلا فما علي من حساب وإنما أنا كما قيل:
تذكرت قومي خاليا فبجهم ... بشجو مثلي بالبكاء جدير
فعزيت نفسي وهي نفس إذا جرى ... لها ذكر قومي لها أنة وزفير
لعل زمانا جرى يوما عليهم ... لهم بالذي تهوى النفوس يدور
فيفرح محزون وينعم بائس ... ويطلق من ضيق الوثاق أسير
رويدك إن اليوم يتبعه الغد ... وإن حروف الدائرات تدور (١)
وجعلته على فصول سبعة عدد قل في الرفود ذوي الشأن العظيم، أصحاب الكهف والرقيم، الفصل الأول في فضل التاريخ. الفصل الثاني في نسب الزواوة، الفصل الثالث في محامدهم وخصائصهم. الفصل الرابع في زواياهم وعلماتمهم وخدمتهم العربية. الفصل الخامس في بعض عاداتهم. الفصل السادس في الإصلاح المطلوب. الفصل السابع في لائحة نظام التعليم المقترح وبيان طرائق التعليم.
стр. 84
فضل علم التاريخ
إن فضل علم التاريخ لا ينكر وفوائده تذكر فتشكر، وقد نوه به جمع المؤرخين في كتبهم، ولم أرد استيعاب ذلك لشهرته، وعلي أن قصدي الاختصار، والإتيان بكلام جديد، لعلي بذلك أفيد وإلا فشيخ التاريخ ابن خلدون ﵀ قد أتى في خطبته في الموضوع بما هو كفاية لمن يريد أن يكتفي، وإنما رأيت كلامه وكلام غيره من السادة المؤرخين قد لا يفي بمقصودنا بسبب الحوادث التي لم تحدث لهم وذلك معنى قول عمر بن عبد العزيز ﵀ تحدثون ويحدث لكم. وكذلك قول من قالوا بلزوم الاجتهاد في كل عصر وفي كل قطر. وعلى هذا فالذي حدث لنا والذي نجتهد فيه رد أقوال جمهور من أهل وطننا هذا ممن يظن منهم أنهم من أهل المعرفة فقهاء وطلبة العلم بأن علم التاريخ غير مطلوب وأنه قصص وأساطير الأولين كما قد أشرنا في الخطبة وأنه سهل ليس بأن يدرس إلى غير ذلك مما قالوا ولقد قالوا مثل ما قيل الأولون ما ذكر في القرآن وكفى هذا ردا عليهم ولكن لابد من زيادة بيان للاقتناع والارتداع فنقول:
المرأة تلد الرجل طفلا والتاريخ يجعله رجلا أن فضل علم التاريخ لا يحصر فيحد، ومنافعه لا تستقرأ فتعد، وإنما هي بالإجمال تميز الفضيلة من الرذيلة، والمحمدة من المذمة، والشجاعة من الجبانة، والشهامة من السفاهة، والنجابة من الدناءة، والكرامة من اللأمة، والرفعة من الحطة، والنباهة من البلاهة، والعبرة من العظمة، بل الحياة من الممات، إلى غير ذلك من المحاسن
стр. 85
والأضداد، مما عليه تقام القصور وتشاد، ونقدم طوائف وتؤخر أخرى وتذاد، إذ به تحي الأجناس أو تموت الماس، إذ هو للعقلاء معيار وقياس، وللسخفاء ممات وإفلاس، ومع أنه علم طبيعي في الخليفة والأجيال، تتشبث به السوقة والأقيال ذلك بأنهم ذوو المقاصد والآمال، والرغبة والرهبة فيما هنالك من الأعمال، والتشوق إلى ذكر غريزي المنوال، عزيز النوال، ليستفيد العارف ويفيد، ويقتدي بكل فعل حميد، وينبذ كل شائن حصيد، ويتخذ المنقى بين قديم وجديد، وأيد هذا كله الكتاب والسنة، وقال جل شأنه في غير ما آية: ﴿لقد كان في قصصهم عبرة﴾ وقال: ﴿نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين﴾ وقال: ﴿وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك وجاءك في هذه الحق وموعظة وذكرى للمؤمنين﴾ وقال إمام المفسرين ابن جرير الطبري في تفسير الآية: ﴿نحن نقص عليك﴾ أن أصحاب رسول الله ﷺ ملوا ملة فقالوا يا رسول الله حدثنا فأنزل الله أحسن الحديث ثم ملوا ملة أخرى فقالوا يا رسول الله حدثنا فوق الحديث ودون القرآن يعنون القصص فانزل الله: ﴿الر * تلك آيات الكتاب المبين﴾. قلت وهذا صريح في أن علم التاريخ علم جليل القدر والفائدة، عظيم النفع والعائدة، وهو مطلوب، ويفيد هذا النقل أن ليس علم فوقه سوى القرآن وعلى أن القرآن نفسه تاريخ وعبر، وديوان المبدأ والخبر، ليتذكر أولو الألباب وقال تعالى: ﴿لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب﴾. ﴿ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون﴾.
стр. 86
وأن مواعظ القرآن وعبره لا تعادلها مواعظ أخرى وعبرها فلذا قال صاحب بانت سعاد يخاطب النبي ﷺ :
مهلا هداك الذي أعطاك نافلة الـ ... قرآن فيها مواعيظ وتفصيل
وبالجملة إن نكراننا علم التاريخ لإحدى الكبر في هذا العصر، نذيرا للبشر، لمن شاء أن يتقدم أو يتأخر، إذ من الفطرة السليمة التشوق وحب الإطلاع إلى بدء الخليقة وإلى انتهائها، وفي ذلك يقول أصدق القائلين: ﴿قل سيروا في الأرض وانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ النشأة الآخرة أن الله على كل شيء قدير يعذب من يشاء ويرحم من يشاء وإليه تقلبون﴾ وقال جل شأنه: ﴿وهو الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء﴾ وفي الحديث «كان الله ولا شيء غيره» وقال الطبري في تفسير هذه الآية: (حدثتا خلاد بن أسلم قال أخرنا النظر بن شميل قال أخبرنا المسعودي قال أخبرنا جامع بن شداد عن صفوان بن محرز عن ابن حصين وكان من أصحاب رسول الله ﷺ ثم خرجوا من عنده وجاء قوم آخرون فدخلوا عليه فقالوا جئنا نسلم على رسول الله ونتفقه في الدين ونسأله عن بدء هذا الأمر قال فاقبلوا البشرى إذ لم يقبلها أولئك الذين خرجوا قالوا قبلنا فقال رسول الله ﷺ : «كان الله ولا شيء غيره وكان عرشه على الماء» وكتب في "الذكر قبل كل شيء ثم خلق سبع سماوات ثم أتاني آت فقال تلك ناقتك قد ذهبت فخرجت ينتقطع دونها السراب فوددت أني تركتها له".
стр. 87
إن علم التاريخ يزيد في العقل والإيمان ويزيد في العلم والعمل ويورث الشهامة والشجاعة إذ تنير قضايا ثائرة الحماس في الغيورين، ويحرك ما سكن في الخاملين ويحمل ذوى الهمم العالية على المطالبة بمجد الأولين والحاضرين، ويثبت الأقدام عند الدفاع ويعير ما كان للأسلاف مما شاع وذاع، ويستجد المجدد ذا الشرف في الأمم، ويوقظ النائمين وينبه الغافلين، ذلك بأنهم إذا ذكروا بشرهم وكرمهم تنافوا فيه، وإذا عبر أحدهم بمذمة نعروا عليه، وقد اعتبره المتأخرون حياة الأمم أو موتها مثل اللغة يقولون لا حياة لأمة ماتت لغتها وكذلك لا حياة لأمة مات تاريخها ومن منافع علم التاريخ من لوازم علم الحديث ومعياره لمعرفة رجاله الأثبات والثقات لكيلا يدخل الحديث الزور والتوليج ومعرفة الناسخ والمنسوخ وهذا ركن مهم في الأصول وتأسيس الأحكام الشرعية وكذلك معرفة الأنساب للحديث (تعلموا من أنسابكم ما تصلوا به أرحامكم) وكذلك معرفة الوقايع والأيام وإن جهل النسب خسارة كبرى، وجهل الوقائع مذمة عظمى، وبالأخص نسب الشرفاء وسببهم الذي لا ينقطع فكيف والحالة هذه لا يعتني بالتاريخ؟ وهو إذا تعالت الفنون كان أعلى من المريخ، .. وقد عرف فضل التاريخ الإفرنج ودرسوا ما فيه، واستخرجوا كنوزه ومعانيه، ودونوا محامده ومساويه، وبينوا أصوله وقواعده، وحققوا فروعه ومذاهبه، وقسموه إلى أقسام، منه خاص وعام، ومعروف ومجهول، ومنبوذ ومعقول، فمنه طبعي ومنه جغرافي إلى غير ذلك مما تدبروا وتبصروا منه فأفادهم إرشادا وأدبا، وصار عندهم فرضا لا ندابا، ونجد أعلم علمائنا إذا تناظر مع أي علم من علماء أوروبا في شؤون التاريخ
стр. 88
والعمران وبدء الخليقة أو طبيعة الحيوان والبلدان إما يخبط خبط عشواء أو لا يدري ما يقول فيضحي أحصر من بأقل، أمام سحبان وائل، هذا ما يقال للذي يزدري علم التاريخ إن كانت له غيرة وحمية وإن الذي لا يبالي بما قيل فيه، فهو إما جهول أو سفيه، وسيان عنده، الحياتان الطيبة والخبيثة، وفي مثل هذا يقال ليس بحي فيرجى، ولا بميت فيرثى، إذ التاريخ كرامة ولا يأبى الكرامة إلا لئيم، ولا يغفل عن أصله إلا زنيم، ولقد أحيا التاريخ عدة أمم من أوروبا في هذه الحرب وقبلها فأحيا بولونيا وبولاندة وأوكرانيا وغيليسيا والسرب قبل واليونان والبلغار وكانت هذه كلها تحت الدولة التركية أكثر من مئة سنة وأحيا أرمينية وأحيا الحجاز المقدس وسورية والعراق ومصر المباركة وأزيدك
أن بسبب مجد أمة صغيرة وتاريخها قامت هذه الحرب على ساق وهي أمة السرب قام شاب من شبانها انفعل لها فصوب مسدسا له نحو أمير من أمراء النمسا وزوجته فقتلهما انتقاما لجنسه واسم هذا الشاب الذي جر هذه الحرب العظمى التي لم يشهد التاريخ مثلها "جافر يو اير بنسيب" وأنه لجدير أن يضرب به المثل في الشئوم فيقال: "أشأم من جافر يو" كما قيل أشأم من البسوس في المثل العربي. ترى قائدا من قواد الحرب أو شاعرا أو شريف قوم في إلقاء خطبة وجيزة يذكر مجد القوم وتاريخهم أو واقعة من وقائعهم الشهيرة فيحرك فيهم ما سكن فتأخذهم النخوة والمعرة فيستميتون بحماس فيندفعون إلى ساحة الوغى بلا أدنى مبالاة بالممات، أو يجعل قيمة الحياة، ذكر المؤرخين أن نحوا من ثمانين عظيما من عظماء بني أمية بمد سقوط دولتهم كانوا في مجلس أبي العباس السفاح أول خليفة من بني العباس فكان قد ثم
стр. 89
الصلح فقدم الشاعر مولى أبي العباس المسمى سيف فاستأذن فأذن له ودخل متلثما فشال اللثام وأنشأ يقول:
أصبح الملك ثابت الأساس ... بالبها ليل من بني العباس
بالصدور القدمين قديما ... والرؤس القماقم الرؤاس
إلى آخر القصيدة التي منها:
واذكرن مصرع الحسن وزيد ... وقتيلا بجانب المهراس
فلما انتهى تغير لون الخليفة أبى العباس وامتقع فتذكر الوقائع التي أشار إليها الشاعر وذكره فيها وهي موت بل قتل الحسين وزيد وحمزة من بني هاشم ﵃ فأمر الخليفة بقتل أولئك العظماء الحاضرين من بني أمية شر قتلة وأكلوا طعاما وشربوا ماء عليهم هنيئا مريئا وربما سمعوا أنين من بقي منه رمق الحياة ولم يشفقوا بل قالوا ما أكلنا طعاما أهنأ ولا أمرأ من هذا، وأمثال ذلك كثيرة في عبر التاريخ وبالجملة ليس من شأن العقلاء العارفين ولا من شأن ذوي الهمم الغيورين كيف لا يعتبر المسلم التاريخ إذ كان أوائله غير مسلمين وكانوا وثنيين أو مجوسين لا شريعة يعملون بها ولا حكمة يهتدون بنورها وكانوا على شفا حفرة من النار فأنقذهم الله منها بإرسال رسول الله فهداهم على يده وأحدث انقلابا عظيما في العالم عموما وفي العرب خصوصا وأسس شريعة غراء في جبهة الدهر، وتاريخا يعد قمرا منيرا بين النجوم الزاهرة، ثم كيف يغفل المسلم عن درس التاريخ وفيه سيرة نبي خاتم الأنبياء ﷺ . كيف كان وأصحابه الذين فتحوا العالم في مدة ربع قرن
стр. 90
ألا تكون لنا عبرة في استعراض تلك الوقائع والحوادث التي نحلى بها جيد الزمان والتي ارتفعت بها أمم وسقطت أمم على توالي الحدثان ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر﴾.
نسب الزواوة
اختلف المؤرخون في نسب الزواوة، والزواوة قبائل كثيرة مشهورة، ومواطنهم ومساكنهم بشمال إفريقية يجعلهم البحر الأبيض المتوسط الممتد من خليج مدينة الجزائر إلى بجاية إحدى عواصمهم وإلى جيجل نصف دائرة فهؤلاء هم المعروفون والمشهورون بالزواوة، وهذا الخلاف في نسبهم هو الذي لفتتا إلى الاعتبار والبحث والتنقيب هل هم عرب أو بربر؟ فأدانا البحث الطويل الذي استغرق بضعة عشر عاما، والعمل ليالي وأياما، إلى نتائج مرضية، تعرضها على العلماء وأولى الأبصار، لا ليقال بل للاعتبار، وليس الغرض من ذلك إلا بيان الحقائق للأنام، ودفع الخرافات والأوهام، التي استولى كثيرها على عقول الجهال والعوام، إلا فكما قال تعالى: ﴿يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله اتقاكم إن الله عليم خبير﴾ وعليه فنقول: من المسلم أن المؤرخين المسلمين فريقان أهل المشرق وأهل المغرب فالمشهورون والمعروفون من الفريقين هم الطبري والمسعودي وابن إسحاق وابن الكلبي والواقدي وابن الأثير وابن كثير وابن عبد البر وابن الخطيب والمقري صاحب نفح الطيب وابن هشام وابن عبد ربه وابن خلدون وغيرهم ممن طالعت كتبهم ممن تقدموا على ابن خلدون أو تأخروا مثل المسالك والممالك وهذا أشهر ومن المتقدمين
стр. 91
والمعرب عن سيرة ملوك المغرب والقرطاس وزهرة الشيارخ والممتع ونزهة المشتاق والجمان في أخبار الزمان والروض المعطر والاستقصا لأخبار المغرب الأقصى وغيرهم، والمعتبرون في الأنساب من هؤلاء أشار إليهم ابن خلدون فقال: والذين ذهبوا بفضل الشهرة والأمانة المعتبرة واستفرغوا دواوين من قبلهم في صحفهم المتأخرة هم قليلون لا يكادون يتجاوزون عدد الأوائل ولا حركات العوامل، مثل ابن إسحاق والطبري وابن الكلبي ومحمد ابن عمر الواقدي وسيف ابن عمر الأسدي والمسعودي أقول بسبب قصدي الاختصار والإفادة، لا الإطناب والخصام واللجاجة، وكان شيخ التاريخ عموما وتاريخ المغرب والبربر خصوصا الداركة النقاد النسابة ابن خلدون من المتأخرين بالنسبة إلى المؤرخين والنسابين الذين ذكروا الزواوة وبسب أنه ﵀ مغربي أندلسي الأصل بل يمني حضرمي ثم أندلسي وولد بتونس ونشأ فيها وكان في بجاية عاصمة الزواوة وتلمسان وفاس وبالخصوص أنه كان حاجبا للسلطان أبي عنان في أواسط القرن الثامن ومعنى هذه الخطة مثل (سكرتير جنرال) اليوم أي كاتم أسرار وصاحب الإمضاء وتولى ذات مرة رياسة بعثة من السلطان إلى شيخ الزواوة لمسائل سياسية وكان أحد كبار شيوخه الذين أخذ عنهم زواويا فقال في ذلك ما لفظه: ومنهم - يعني شيوخه - الشيخ أبو العباس أحمد الزواوي إمام المغرب قرأت عليه القرآن العظيم بالجمع الكبير بين القراءات السبع عن طريق أبي عمرو الداني أهـ وبهذه الأسباب كلها اعتمده في نسب الزواوة أكثر من غيره وأنه أعرف بهم وأحق بالشهادة عليهم مع أدلة أخرى وبراهين قاطعة والله أعلم.
стр. 92
قال ﵀ عند كلامه على البربر: وأما شعوب هذا الجبل - يعني البربر - فإن علماء النسب متفقون على أنهم يجمعهم جذمان عظيمان وهما برنس ومادغس ويلقب مادغس الأبتر فلذلك يقال لشعوبه البتر ويقال لشعوب برنس البرانس وهما معا إبنا (بر) وبين النسابين خلاف هل هما لأب واحد فذكر ابن حزم عن أيوب ابن أبي يزيد صاحب الحمار أنهما لأب واحد على ما حدثه عنه يوسف الوراق إلى أن ذكر - أعني ابن خلدون - القبيلتين العظيمتين " كتامة وصنهاجة" هل هما من البربر أو لا فقال ما نصه: إن كتامة وصنهاجة ليسوا من البربر وأنهما من شعوب اليمن تركهما أفريفش بن صيفي بإفريقية مع من أنزل بها من الحامية لهذه جماع مذاهب أهل التحقيق في شأنهم انتهى كلامه قلت سيأتي من كلامه أن الزواوة من بطون كتامة كما تقدم قريبا أنهم من شعوب اليمن وشعوب اليمن من العرب العرباء القحطانيين الحميريين وأولاد يعرب من قحطان من المحقق أن العرب قسمان العرب والعرباء والعرب المستعربة والعرب المستعربة هم أولاد عدنان الذين صاهرهم إسماعيل بن إبراهيم ﵉ فعدنان الذي هو آخر من يجب معرفتهم من نسب النبي ﷺ وهو عدنان - حفيد إسماعيل ﵇ ومن أولاده معد ونزار ومضر ومنهم فهر الذي لقب بقريش وعلى هذا الحكم الصحيح يبنى أن كل مستعربي عربي وعلى أن القحطانيين أعرق في العربية من العدنانيين وأن فضل العدنانيين بالنبوة وبولايتهم الكعبة البيت الحرام ولكن ولاية الكعبة كانت قبل للقحطانيين إذ كان القحطانيون في شمال جزيرة العرب ولهم دولة هناك قبل العدنانيين ثمانمائة سنة قل ميلاد عيسى عليه السلام
стр. 93
ومن المؤرخين وأصحاب السير من جعلوا العرب كلهم من ولد إسماعيل ﵇ وفي الروض الأنف للعلامة السهيلي: أما قحطان فاسمه مهزم فيما ذكر ابن ماكولا وكانوا أربعة إخوة فيما روي عن ابن منبه قحطان وقحط ومقحط وفلغ. وقحطان أول من قيل فيه أبيت اللعن وأول من قيل فيه عم صباحا واختلف فيه فقيل هو ابن عابر أبي شالح وقيل هو ابن عبد الله أخو هود وقيل هو هود نفسه فهو على هذا القول من إرم بن سام، ومن جعل العرب كلهم من إسماعيل قالوا فيه هو ابن تيمن بن قيذر بن إسماعيل ويقال هو ابن الهميسع بن يمن ويمن هذا سميت به اليمن في قول وقيل بل سميت بذلك لأنها عن يمين الكعبة، وتفيسر الهميسع الصراع وقال بن هشام يمن هو يعرب بن قحطان سمي بذلك لأن هودا ﵇ قال له أنت أيمن أولادي نقيبة في خبر ذكره قال وهو أول من قال القريض والرجز وهو الذي أجلى بني حام إلى بلاد المغرب بعد أن كانوا يأخذون الجزية من ولد قوط بن يافث قال وهي أول جزية وخراج أخذه في بني آدم وقد احتجز لذا القول أعني أن قحطان من ولد إسماعيل ﵇ بقول النبي ﷺ : «ارموا يا بني إسماعيل فإن أباكم كان راميا» قال هذا القول لقوم من أسلم بن أقصى وأسلم من خزاعة وهو بنو حارثة بن شلبة بن عمر بن عامر وهم من سبأ بن شحب ابن يعرب بن قحطان اهـ كلام السهيلي ثم قال ابن خلدون في الزواوة من لفظه "الإلمام ذكر الزواوة من بطون كتامة هذا البطن من أكبر بطون البربر ومواطنهم كما ترى مختلفة من بجاية إلى تدلس (كذا) في جبال شاهقة وأوعار متسنمة ولهم بطون وشعوب كثيرة ومواطنهم متصلة بمواطن كتامة
стр. 94
هؤلاء وأكثر الناس جاهلون بنسبهم وعامة بسابة البربر على أنهم من بني سمكان بن يحيى بن ضريس وأنهم إخوة زواغة والمحققون من النسابة مثل ابن حزم وأنظاره إنما يعدونهم من بطون كتامة وهو الأصوب والموطن أوضح، ثم قال ﵀ عن كتامة ما نصه: "الخبر عن كتامة وبطون البرانس وما كان لهم من العز والظهور على القبائل وكيف تناولوا الملك من أيدي الأغالبة ودعوة الشيعة هذا القبيل من قبائل البربر بالمغرب وأشدهم بأسا وقوة وأطولهم باعا في الملك وهم عند نسابة البربر من ولد كتام بن يونس ويقال كتم ونسابة العرب يهولون أنهم من حمير وذكر ذلك ابن الكلبي والطبري وأن أقريقش بن صيفي من ملوك التابعة وهو الذي افتتح إفريقية وبه سميت وقتل ملكها وسمي البربر بهذا الاسم كما ذكرناه فقال: وقام في البربر من حمير صنهاجة وكتامة فهم فيهم إلى اليوم انتهى يعني كلام ابن الكلبي والطبري وتشعبوا في الغرب وانبثوا في نواحيه إلا أن جمهورهم كانوا لأول الملة بعد هيج الردة وطبخة تلك الفتن موطنين بأرياف قسطينة إلى تخوم بجاية غربا إلى جبل أوراس من ناحية القبلة وكانت تلك المواطن وبلاد مذكورة أكثرها لهم وبين ديارهم ومجالات تقلبهم مقل "ايكجان وسطيف وباغاية ونقاوس وبلزمة وتيكست وميلة وقسنطينة وسكيكدة والقل وجيجل من حدود جبل أوراس إلى سيف البحر ما بين بجاية وبونة" وهنا ذكر ابن خلدون بطونا كثيرة من كتامة فقال إنها ملأت ما بين المغرب الأقصى وطرابلس الغرب إلى غير ذلك قلت وكذا قال الأستاذ المرحوم الشيخ طاهر الجزائري الدمشقي وهو واسع الإطلاع له في الفن طول الباع بحاثة كبير محقق ولما قال لي ذلك فات يوم ونحن بمصر سنة
стр. 95
١٩١٥ للميلاد أن الزواوة هم ما بين طرابلس الغرب وقصر وكتامة بالمغرب الأقصى فعارضته في ذلك بناء على ما لدينا من القبائل المشهورة بالزواوة فأجاب أن لا وإنما العرب لما احتلوا إفريقية اختلطوا بهم والحال أنهم عرب الأصل من اليمن عن شعوب حمير ولغة حمير غير لغة مضر.
ثم قال ابن خلدون: وعد ابن حزم منهم - يعني البربر - الذين من كتامة الزواوة بجميع بطونهم وهو الحق على ما تقدم وكان من هذه البطون بالمغرب الأقصى كثير منتبذون عن مواطنهم وهم بها إلى اليوم ولم يزالوا بهذه المواطن على هذه الحالة من لدن ظهور الملة وملك المغرب إلى دولة الأغالبة ولم تكن الدولة تسومهم بهضيمة ولا تنالهم بعسف لاعتزازهم عليها بكثرة جموعهم إلى أن قل: ولما صار لهم - يعني كتامة وصنهاجة الملك بالمغرب زحفوا إلى الشرق فملكوا الإسكندرية ومصر والشام واختطوا للقاهرة أعظم الأمصار بمصر وارتحل المعز رابع حلفائهم فنزلها وارتحل معه كتامة على قبائلهم واستفحلت الدولة هنالك إلى أن قال: وكانت لهم - يعني الزواوة - في الدولة صنهاجة مقامات مذكورة في السلم والحرب وقال في موضع آخر من تاريخه ما حاصله أنه إذا تنازعت قوتان بالمغرب أمرا من الأمور فالأغلية والفوز لجانب الزواوة والنصر حليفهم والإقدام دينهم والثبات شأنهم اهـ ما أردنا من كلام ابن خلدون خلاصة كلام المؤرخين في الزواوة فالقول تعليقا عليه: مما يثبت أن الزواوة من قبائل حمير اليمانية أشياء كثيرة منها بعض الأسماء والأعلام اليمانية القديمة باقية إلى الآن مستعملة عند الزواوة فمن ذلك ما وقفت عليه في كتب الرحلة الحجازية وهو أمر عجيب جدا إذ أعطى حقه
стр. 96
من التأمل وهو قضية غريبة لا يدركها إلا الذي يتكلم لغة الزواوة وإليك ذلك بالحرف وهذا السد هو ما يسمونه بسد العرم وأول من بناه "آيث عمرو" (١) ملك سبأ اهـ فإن لفظة آيث عمرو قد أدهشتني عند الوقوف عليها وعلى أن المؤلف المصري العربي تقلها علميا فقط وأن سبأ هي آخر حمير كما يأتي، ومن ذلك ما يقرب من هذا مما وقفت عليه في تفسير الفخر الرازي عند قوله تعالى: ﴿إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر﴾ فاستطرد المؤلف إلى الجغرافيا ليصف خليج فارس فقال ما لفظه "خليج بحر أرض فارس ويسمى الخليج الفارسي وهو بحر البصرة وفارس الذي على شرقيه "تيزي أومقران" ومعنى لفظتي تزي أومقران" يفهمها من يحسن الزواوة وغيره يظنهما علما مزجيا أو مركبا فقط ومعنى تزي بكسر المثناة فوق هضبة أو أكمة ومعنى أمقران الكبير وتعريها "الهضبة الكبيرة" والشيء الذي يعتبر ويؤيد هذا أيضا أن الحميريين من اليمانيين احتلوا تلك الجهة من الخليج الفارسي كذا في الرحلة الحجازية التي صاحبها مطلع ومحقق عن محققي المتأخرين وكذا ابن هشام صاحب السيرة النبوية ذكر أن الحميريين غزوا البحرين ونزلوا بالخليج الفارس ثم انظر هل هذا قبل سيل العرم أو بعده أما نزوحهم إلى مغربنا هذا فكما تقدم أنهم قدموا مع أفريقش بن صيفي وأنهم مشهورون أولو قوة وألو بأس شديد وذكر صاحب الرحلة الحجازية استخبار عمرانهم وقوتهم ومصانعهم وبالأخص السد الذي بنوه وبلغ طوله ثمانمائة ذراع وعرضه مائة وخمسون ذراعا لا محالة وقد أشار إلى ذلك
стр. 97
القرآن وبه كفاية وقال تعالى: ﴿لقد كان لسبأ في مساكنهم آية جنتان عن يمين وشمال كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتى أكل خمط وأثل وشيء من سدر قليل ذلك جزيناهم بما كفروا وهل يجازى إلا الكفور وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركا فيها قرى ظاهرة وقدرنا فيها السير سيروا فيها ليالي وأياما آمنين فقالوا ربما باعد بين أسفارنا وظلموا أنفسهم فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق﴾ صدق الله العظيم.
وقد صاروا أحاديث وبالأخص عند المؤرخين وقد كثر كلامهم عنهم وفيهم قال جل ذكره: ﴿وقوم تبع كل كذب الرسل فحق وعيد﴾، قلت وقد ورد الثناء على حمير وسبأ وتبع وفي تيسير الوصول إلى معرفة حديث الرسول ما روي عن أبي هريرة ﵁ قال: (إن رجلا من قيس قال يا رسول الله ألعن حميرا فأعرض عنه فأعاد عليه فقال ﷺ : «رحم الله حميرا أفواههم سلام وأيديهم طعام وهم أهل أمن وإيمان» أخرجه الترميذي وأما تبع فقيل أنه نبي وفي الروض الأنف للسهيلى روى عن رسول الله ﷺ أنه قال: «لا تسبوا تبعا فإنه كان مؤمنا» وقيل التبابعة هم ملوك حمير ومأرب اسم ملك سبأ وأن أفريقش الذي نزل إفريقية وسميت باسمه وكان قدومه افريقية بكتامة وصنهاجة وهو أحد ملوك حمير ثم أن مما يؤيد أن البربر من حمير مشابهة الخطين الحميري والبربري مشابهة كبيرة ورأيت في المجلة الآسيوية منذ أعوام أن علماء الأثر اكتشفوا أي وجدوا الخط الحميري في قرية من قرى افريقية منقوشا على حجر. ومنها ما ذكر ابن عبد ربه في أنساب
стр. 98
اليمن فقال قحطان ابن عابر وعابر هو هود النبي ﵇ بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح ﵇ فالقحطانيون إذن أبناء هود والعدنانيون أبناء إسماعيل ﵉ فولد يعرب ابن قحطان يشحب وولد يشحب سبأ وولد سبأ حميرا وكهلان فإن القبائل قد تفرفت منهما وولد حمير كثيرا فمن أولاده ملك والهميسع وزيد واوسا وعرين ووائل ودرمى وكهلان وعمير كرب ومشروح ومرة رهط معد يكرب بن النعمان القيل (الملك) الذي كان بحضرموت وقال - أعني ابن عبد ربه - عن التبابعة تبع الأصغر أسعد أبو كرب واسمه تبان بن ملكيكرب وهو تبع الأكبر ابن قيس بن بن زيد بن عمر ذي الأذعار بن أبرهة ذي المنار وتبع بن الراكش بن قيس بن صيفي وملكيكرب تبع الأكبر يكني أبا مالك وله يقول الأعشى:
وخان الزمان أبا مالك ... وأي امرئ لم يخنه الزمان
ومن الشواهد أيضا أن الحميريين قدموا المغرب ما عثرت عليه من شعر أحد أبناء ملكيكرب يذكر المنازل وتفرق قومه فقال:
وقد فارقت منا ملوك بلادها ... فساروا بأرض ذات مبدى ومحضر
وقد نزلت منا خزاعة منزلا ... كريما لدي البيت العتيق المستر
وفي يثرب منا قبائل إن دعوا ... أتوا سربا من دارعين وحمير
هم طردوا عنها اليهود فأصبحوا ... على معزل منها بساحة خيبر
وغسان حي عزهم في سيوفهم ... كرام المساعي قد حووا أرض قيصر
وقد نزلت منا قضاعة منزلا ... بعيدا فأمست في بلاد السنوبر
стр. 99
وكلب لها ما بين رمله عالج ... إلى الحرة الرجلا من أرض تدمر
ولخم فكانت بالعراق ملوكها ... وقد طرحت عدنان في كل مطحر
وحلت جذام حيث حلت وشاركت ... هنالك لخما في العلى والتجبر
وأزد لها البحران والسيف كله ... وأرض عمان بعد أرض المشقر
ومنا بأرض المغرب جند تعلقوا ... إلى بربر حتى أتوا أرض بربر
ومن ذلك أيضا أن كلمة (ذو) التي هي من مستعملات ملوك بطون الحميرية المسماة الذوون فيقولون ذو وانكلاع الذي هو يزيد بن النعمان وذو الكلاع الأكبر حتى عرفوا بالأذواء موجودة. ومثل هذه الكلمة والقاعدة في قبائل الزواوة "أيث" بمعنى ذوي فيقولون للجذم أو للسلطان أو القبيلة آيث يحي، آيث ياني، آيث وسيف، آيث ذار، آيث يثورغ، آيث صدقاء، آيث يراتن، آيث فرواسن، آيث خليلي، آيث بوشعايب، آيث يجر، آيث جناد، آيث غبري، آيث فليق، آيث وجنون، آيث عمر، آيث وغيس، آيث يعلى، آيث مليكش، بوعكاش، آيث منصور، آيث منجلات وهلم جرا.
وقال ابن عبد ربه ومن بني صيفي بن سبأ بلقيس وهي بلقمة ابنة آل فرخ بن ذي جدن لحرث بن قيس بن سبأ الأصغر ومنهم حمير التبابعة وهم تسعة وفي الروض الأنف: روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: «لا تسبوا تبعا فإنه كان مؤمنا» ثم قال أعني صاحب الروض الأنف السهيلي لا ندري أي التبابعة أراد في حديث معمر عن همام بن منبه عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «لا تسبوا أسعد الحميري فإنه أول من كسى الكعبة» وهذا أصح من الأول هو قال الطبري عند قوله تعالى
стр. 100
﴿كذبت قبلهم قوم نوح وأصحاب الرس وثمود وعاد وفرعون وإخوان لوط وأصحاب الأيكة وقوم تبع﴾ عن ابن عباس أنه سأل عبد الله بن سلام عن تبع ما كان فقال أن تبعا كان رجلا من العرب وأنه ظهر على الناس فاختار فتية من الأحبار فاستبطنهم واستدخلهم حتى أخذ منهم وبايعهم وأن قومه استكبروا ذلك وقالوا قد ترك دينكم وبايع الفتية فلما فشا ذلك قال للفتيه فقال الفتية بيننا وبينهم النار تحرق الكاذب وينجو منها الصادق ففعلوا فعلق الفتية مصاحفهم في أعناقهم ثم غدوا إلى النار فلما ذهبوا إلى أن يدخلوها سفعت النار في وجوهم فنكصوا عنها فقال لهم تبع لتدخلونها فلما دخلوها أفرجت عنهم حتى قطعوها وأنه قال لقومه ادخلوها فلما ذهبوا يدخلونها سفعت النار وجوههم فنكصوا عنها قال لهم تبع لتدخلنها فلما دخلوها أفرجت عنهم حتى إذا توسطوا أحاطت بهم وأحرقتهم فأسلم تبع وكان تبع رجلا صالحا اهـ وذكر أيضا في الطبري أن رجلا سأل عبد الله بن عمرو بن العاص: هل صحيح ما تزعم حمير أن تبعا منهم قال نعم والذي نفسي بيده إنه في العرب كالأنف بين العينين وقد كان منهم سبعون ملك (١) اهـ وفي قبائل الزواوة وفي القاموس صنهاجة قوم بالمغرب من ولد صنهاجة الحميري وحاصل الأمر أن غالب الأقوال المتقدمة تثبت أن كتامة وصنهاجة من حمير وحمير ابن سبأ لأول بن يشجب بن يعرب بن قحطان وأن حميرا كثيرة الولد والنسل وفي السند الفريد: فولد حمير بن سبأ مالكا والهميسع وزيدا وأوسا وعرينا ووائلا ودرمى وكهلان وعميكرب ومسروحا ومرة رهط معد يكرب بن
стр. 101
النعمان القبلي - الملك - الذي كان بحضرموت وثبت أن الزواوة من كتامة وصنهاجة كما تقدم بإجماع المؤرخين تقريبا ثم إذا أضفنا إلى ذلك حكم الاستعراب الذي لا ينخرم ولا ينهدم لما ثبت أن العدنانيين مستعربون لأنهم من ولد إسماعيل فعرب فالنبي ﷺ إذن من العرب المستعربة لأنه من ولد إسماعيل بن إبراهيم وبه تم الشرف للعدنانيين والقحطانيون أعرق في العربية من العدنانيين وهم بنوا هود ﵇ كما تقدم وأن حكم الاستعراب ينسحب على المتدين بالإسلام والمتخذ للقرآن وللعربية لسانا وسميا في معاملاته ومكاتباته ودراسته فالزواوة إذن عرب مستعربة وعرب عاربة بأصلهم المتقدم ثم إن كثيرا من الأخلاق والعادات والطباع في البربر متماثلة ومتمازجة بطبائع العرب كاتخاذ البيوت من الشعر والوبر والطين والحجر والظعن والإقامة، وكسب الشاء، وحلق الرأس، والشجاعة، والكرم، والقرى، والانتجاع والارتياد، وركوب الخيل، وكسب النعم، الإبل والبقر، والغنم، إلى غير ذلك مما لا يكاد يستقرأ وكلها أحكام الاستعراب والله يحكم لا معقب لحكمه وهو جل شأنه سريع الحساب.
محامد الزواوة وخصائصهم
وأعني بالزواوة في هذا الباب المشهورين الآن بمذا الاسم قبائل الزواوة لا جملة قبائل كتامة وصنهاجة على طريقة الأصل الجغرافي كما تقدم أنهم منبثون من طرابلس الغرب شمالا وجنوبا إلى المغرب الأقصى الذين منهم الشاوية والزناتة والملثمون وقبائل الحضرة فأقول: محامد الزواوة جمعهم أشتات محاسن العرب والعجم والبربر فتجدهم عربا في الشجاعة والكرم وشدة الأنفة والغيرة
стр. 102
وإباية الضيم وحماية الجار والذمار والمحافظة على الأعراض والنزوع إلى الحرية إلى غير ذلك مما يلزم الفخر العربي كما ورد في الحديث «إذا سألتم الحوائج فاسألوا العرب فإنها تعطي ثلاث خصال كرم أحسابها واستحياء بعضها من بعض والمواساة لله» مع الأوصاف والعادات المتقدمة في آخر الفصل الذي قيل هذا. ونجدهم مثل العجم في الشؤون الاجتماعية والمدنية من الصنائع والحرف وسائر الأعمال كالزراعة والتجارة والكد والجد من أعمال اليد وبالأخص النظام والثبات في القتال صفا فهم في ذلك كله كما يصدق عليهم الحديث الوارد في العجم روي في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ (تلى رسول الله ﷺ سورة الجمعة فلما بلغ ﴿وآخرين منهم لما يلحقوا بهم﴾ قال له رجل يا رسول الله من هؤلاء الذين لما يلحقوا بنا فوضع رسول الله ﷺ يده على سلمان ﵁ فقال «والذي نفسي بيده لو كان الإيمان بالثريا لتناوله رجال من هؤلاء» وفي أخرى «فارس» وعنه أيضا - أبي هريرة ﵁ قال ذكرت الأعاجم عند رسول الله ﷺ فقال ﷺ «لأنا بهم أو ببعضهم أوثق مني بكم أو ببعضكم» رواه الترمذي وعن المستورد القرشي ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول «تقوم الساعة والروم أكثر الناس» قال عمرو بن العاص أبصر ما تقول قال أقول (سمعت من رسول الله ﷺ قال «إن قلت ذلك أن فيهم لخصالا أربعة إنهم لأحكم الناس عند فتنة وأسرعهم إفاقة عند مصيبة وأوشكهم كرة بعد فرة وأجبرهم لمسكين ويتيم وضعيف وخامسة حسنة جميلة وأمنعهم من ظلم الملوك» رواه مسلم.
стр. 103
قلت أود أن يعلم هذا الحديث ناس من العرب عرفتهم هنا بالجزائر وطننا هذا وفي الشام وفي مصر كثيروا الاستخفاف بالعجم من الروم والإفرنج وفارس والبربر ولا يرون لهم فضلا فأصمهم الله وأعمى أبصارهم الجهل والتعصب ولكم خاصمتهم وجادلتهم وجدلتهم فتمادوا في العناد والمماراة واحتججت عليهم بما لابن خلدون فأذوه وهو ميت فدافعت لهم لو كان ابن خلدون حيا ما تجاسرتم على مناظرته وما أحسن ما حكي عن ابن مالك صاحب الألفية فإنه لما قال أن ألفيته أفضل من ألفية ابن معطى الزواوي فقال: "فائقة منها بألف بيت" توقف في هذا المصراع ولم يفتح عليه فرأى رجلا في المنام توسم منه العلم فقال له أنه أخذ في نظم ألفيته في النحو خير ألفية ابن معطى إلا أنه توقف في المصراع الأول من رجزه ذلك فسأله الرجل كيف توقفت فقال قلت: "فائقة منها بألف بيت" فقال له الرجل افتح عليك وقل "والحي قد يغلب ألف ميت" (١) أقول هذا ما أقول لجموع المغرورين وأمر بهم مر الكرام باللغو فإنهم لا قيمة لهم للجدال ولا للهجو ومن يضلل الله فلا هادي له ونذرهم في طغيانهم يعمهون وإنما يغيظنا أنهم يضلون الأمة العربية بإيهامهم أنهم غيورون على العرب يدافعون عنهم فينفعونهم وهم يضرونهم ذلك بأن طمس الحقائق من أكبر الغرور وأضره وفي مثل ذلك قال القائل:
هل تطمسون من الماء نجومها ... بأكفكم أو تسترون هلالها
أو تبعدون مقالة عن ربكم ... جبريل بلغها النبي فقالها
شهدت من الأنفال آخر آية ... بتراثكم فأردتم إبطالها
стр. 104
وتجدهم مثل البربر في شدة الحياء والمحافظة على العرض والصبر على الشدائد واحتمال المكاره والكد والجد في سبيل الأسرة (العائلة) والحياة الأهلية والجماعية والعصبية وذلك أن للبربر خصائل تذكر فتشكر فشيخ التاريخ العلامة ابن خلدون أبصر بهم لأنه تقلب في مواطنهم وتولى وظائف دولهم ونقب في بلادهم وضرب في عرضها وطولها كما تقدم فقال محامدهم: وأما تخلفهم بفضائل الإنسانية وتنافسهم في الخلال الحميدة وما جبلوا عليه مرفاة الشرف والرفعة بين الأمم ومدعاة المدح والثناء من الخلق من عز الجوار وحماية النزيل ورعي الذمة والوسائل والوفاء بالقول والعهد والصبر على المكاره والثبات في الشدائد وحسن الملكة والإغضاء عن العيون والتجافي عن الانتقام ورحمة المسكين وبر الكبير وتوقير الدين وحمل الكل وكسب المعدوم وقرى الضيف والإعانة على النواب وعلو الهمة وإباية للضيم ومشاقة الدول ومقارعة الخطوب وغلاب الملوك وبيع النفوس من الله في نصر دينه فلهم في ذلك آثار ينقلها الخلف عن السلف لو كانت مسطورة لحفظ منها ما يكون أسوة لمتبعيه من الأمم أو حسبك ما اكتسبوا من حميدها واتصفوا به من شريفها أن قادتهم إلى مراقي العز وأوفت بهم على ثنايا الملك حق علت على الأيدي أيديهم ومضت في الخلق بالبسط والقبض أحكامهم وكان مشاهيرهم بذلك من أهل الطبقة الأولى بلكين بن زيري الصنهاجي عامل افريقية للعبيديين ومحمد بن خزر والخير ابنه وعروبة بن يوسف الكتامي القائم بدعوة عبيد الله الشيعي ويوسف بن تاشفين ملك لمتونة بالمغرب وعبد المؤمن بن علي شيخ الموحدين وصاحب الإمام المهدي إلى آخر ما عبر وخبر ﵀.
стр. 105
ومن محامد الزواوة الإذعان للشرائع المنزلة والقوانين الوضعية والامتثال لأوامر الله من الأحكام الفقهية والانقياد إلى التحاكم إذا قال أحدهم لأحد تعال إلى النبي يعني إلى شريعة النبي ينقاد حالا ولا يتخلف ولا يستخف وإنما ولاتهم في العهد الأخير أضلوهم وأفسدوا آدابهم وملكاتهم وأساءوا التصرف فيهم فتبعة ذلك عليهم وذلك بأن من محاسنهم أيضا الانقياد للعلماء والشرفاء والمرابطين والصلحاء ويحترمونهم ويخدمونهم خدمة خالصة ويلتزمون لهم بالعطايا من أرزاقهم وأموالهم عن طيب نفس رجاء رضائهم وبركاتهم وإن الزوايا الكثيرة في بلادهم قيامها وقوامها منهم يخدم ملتهم وتخصيصات من أموالهم ولولا فساد التصرف وسوء الإدارة من أولياء الأمور لأنتج ذلك رجالا في كل فن ولكن مصيبة سوء الإدارة وفساد التربية والتعليم التي أصابت العالم الإسلامي لم تخطئهم ..
قف وتأمل وإن غالب الدول الني قامت دعواتها بأفريقية لم تك لتفوز لولا تعضيد الزواوة لها كما تقدم. وأما خدمتهم للشرفاء وآل البيت فحدث ولا حرج قال العلامة ابن خلدون بايع البربر إدريس الأصغر حملا بم رضيعا ثم فصيلا إلى أن شب فبايعوه بمدية (وليلى) وفي الاستقصا لأخبار المغرب الأقصى أن إدريس وفدت عليه قبائل الزواوة والزواغة لينصروه اهـ قلت أن دولة الفاطميين التي قام بدعوتها من تقدم ذكرهم فاندفعت بجحافلها لم تقف دون الإسكندرية ومصر والشام بل وصلوا الموصل وتعدوا إلى اليمن أصلهم الأول، فكان ذلك بالقبيلتين العظيمتين كتامة وصنهاجة خدمة للفاطميين أولاد
стр. 106
فاطمة ﵄ ابنة محمد ﷺ ففي ذلك السبيل اندفعوا سكارى وما هم بسكارى.
وأن الفتح الأول لأندلس كان بأحد عشر ألف من البربر بقيادة طارق بن زياد وموسى بن نصير ولقد أنقذوا عرب الأندلس مرارا فاحتلوه بأميرهم أمير المسلمين يوسف بن تاشفين الذي أجمع المؤرخون على فضله والإعجاب به حتى أن الإمام الغزالي تمنى الاجتماع به وجهز للسفر إليه. ومن أدلة شجاعتهم وخصائصهم في ذلك ما حكي المؤرخون بإسهاب وإطناب ثم أن الواقعة الأخيرة المشومة الملقبة بواقعة العقبان لم ينج منها بربري واحد شهدها وهلك معهم من إخوانهم عرب افريقية جمع كثير وكانت تلك المصيبة بخيانة عرب الأندلس ونذالتهم بسبب الحضارة الفاسدة وقد قال المؤرخون في تلك الواقعة ما إذا ذكر سكب الدمع وانهمر وعلى أن عدد من استشهدوا بلغ ستمائه ألف أو يزيدون ففد وقع أجرهم على الله بسب الخيانة وأن الله لا يهدي كيد الخائنين.
(فابكهم ما استطعت إن قليلا ... في عظيم من المصاب البكاء)
ومن محامد الزواوة الصراحة وحسن العهد إذا قالوا أو بايعوا أو عاهدوا وفوا فلا خيانة ولا غدر ولا خداع فكأن كل فرد منهم لقن:
(عروضي إذا جار الزمان ألجتها ... ولكن عرضي لا يباح وبي روح)
ولا يبالون بالقتل في سبيل ما تولوا من الأمور وترى كل واحد منهم يقول لسان حاله:
стр. 107
وإنا قوم لا نرى القتل سبة ... إذا ما رأته عامر وسلول
ومن محامد الزواوة إطعام البائس الفقير بقواعد ونظامات خاصة عجيبة بحيث لا يبيت الإنسان الأجنبي عندهم بلا شيء وعنايتهم بالأجنبي أكثر أيا كان وصرفهم في ذلك منتظم لم يكن عند أمة من الأمم وينزلون الضيوف منازلهم على طريق السنة.
ومن محامدهم التحكيم ثم لا يجدون في أنفسهم حرجا مما قضى به الحكم بل يسلمون تسليما.
ومن محامدهم حسن ترتيب الكلام عند الخصام دعوى وجوابا وإن كانوا كثيرين في القضية فلا يتكلم إلا اثنان واحد لكل فريق وليس فيهم شيء من عيب أعراب افريقية الذين يتكلمون وفي الخصام كلهم دفعة واحدة فيكثر الوغى حتى لا يكاد الحكم يفقه شيئا حسبما شهدنا ذلك في المحاكم الشرعية إذ كنا في العدالة وهناك انتهينا إلى هذه لخصلة ذلك بأن الشيء يعرف بضده.
ومن محامدهم الاجتماع والجماعة وذلك الأمر المدني العظيم الشأن سواء كان الاجتماع للصلاة أم لشؤونهم الدنيوية والحال أن من أسرار الاجتماع للصلاة قضاء مصالح أخرى اجتماعية وترى أهل القرية مجتمعين كلما عرض لهم شأن ما ولهم في ذلك قوانين وضعية شرعية وعرفية لا يتهاون بها إذ يلزم لذلك ما يلزم من الجزاء الوفاق.
ومن محامدهم بل غرائزهم الروح العسكرية والخدمة الجندية وتاريخهم في ذلك لا يستوفي وبما تقدم من الإشارة كفاية وبقي ذلك فيهم إلى اليوم
стр. 108
مع ضعفهم إلى درجة الاضمحلال وقد اعترفت لهم فرنسا بذلك الفضل مثلما اعترفت لهم جميع الدول المتقدمة ومنذ التاريخ القديم العام وقد أسمت فرانسا فريقا من جندها الشهير بالبسالة والإقدام باسم الجند الزواوي "زواف" بتحريف قليل تخليدا لهذه المنقبة ولم تغمضها وقد اشتهروا في القرن (١١ و ١٢) هجري في تونس وكان ذلك أول إشهارهم مع وقائعهم في ثورتهم الأخيرة في سنة (١٨٧١ فتم عليهم الدست).
ومن محامدهم كثرة التناسل وحب الولد والشغف بذلك والعناية به إلى درجة يقلدون المرأة التي أذكرت نوعا على الحلي خاصا بالجبهة وما هو إلا وساما قديما موروثا غير محدث ولما حدثت بهذا الأمر العلامة الشيخ طاهر الزواوي الدمشقي تعجب كثيرا وأعجب به فكان يعض الفضلاء المصريين وقد يتزوجون ويطلقون لمجرد الولد والعقب ويحزنون أشد الحزن للذي لا عقب له.
ومن محامدهم العناية التامة بصلة الرحم والقرابة والنسب والصهر وذوي الأرحام ويعتبرون الملائق النسبة والصداقة بأقل مناسة ومشابهة ويراعون الوداد وقد كانوا لا يؤذون قط من ذاقوا طعامه.
ويخشون العقاب الإلهي إن خان ذلك أو غدر والمعنى ينتظرون له ذلك وهي خصلة محمودة وأن أحدهم إذا كانت والدته من قوم يعدهم كلهم أخواله فتحترمهم ويكرمهم أيما إكرام ويدعوهم أخوالي. وبالجملة محامدهم هم لا تعد وتحصى في مختصر كهذا وإن ساعدنا الدهر ووجدنا المعين والناصر طولناه وأما خصائصهم فكثيرة أيضا فمنها عدم نجاح تكون جمع أو جنس أو مذهب ديني أو غير ديني مع جمعهم وجنسهم وليس ذلك لاضظهاد كما قد
стр. 109
يتبادر بل بطبيعة حالهم من كثرة جموعهم وغلبة محيطهم وقد خطر ببالي الآن أنهم إنما سموا الزواوة لكثرة جموعهم إذ معنى زوى الشيء جمعه فهو زاو وأزوى جاء ومعه غيره ومن أجل ذلك يندغم فيهم من يساكنهم أو يجاورهم والمحيط غلاب بطبيعته لا يظلمه ولا يتعديه المقصودة سر الله في الوجود، ولهذا لا تجد في الزواوة يهوديا ولا نصرانيا ولا مذهبا غير مذهب مالك ولا قراءة غير قراءة ورش وقد كانوا في العقيدة سلفيين ثم شيعيين ثم أشعريين ومنها عدم نجاح مدية عظيمة بقربهم وأخرى من بينهم بأن تكون تلك المدينة ذات قصور كبيرة وذلك لاستغنائهم عنها بدورهم وقراهم المتوسطة الكثيرة بلا تطاول في البنيان ومنها ظهورهم واشتهارهم في كل بلدة يحتلونها قديما وحديثا أما في القديم أعني منذ نزوحهم من اليمن كما تقدم فكانوا على جانب عظيم من القوة وكثرة الجموع ولكن الشهرة العظيمة حازوها في الإسلام وكان لهم الحظ الوافر في فتح الأندلس ووقائع ذلك الرجل العظيم يوسف بن تاشفين إذ عبر بهم مرارا إلى الأندلس وهم الذين نصروا إدريس الأكبر والأصغر وبهم قام أبو عبد الله الشيعي وبجموعهم احتل جوهر القائد الفاطمي مصر والإسكندرية وتأسست هنالك الفاطميين كما تقدم واشتهروا في العهد الأخير في تونس والشام واعتبروا في الشام بالمغاربة وأظن أن ذلك بدهاء المرحوم الأمير عبد القادر ذلك الرجل العظيم الذي يعرف كيف يؤكل الكل الكتف فجمعهم باسم المغاربة أشمل وأعم من اسم الزواوة ولو لم تكن نسبة غير الزواوة في الشام واحدا في المائة وقد اعتز بهم الأمير كما اعتز بهم قبله أبو عبد الله الشيعي والمعز لدين الله ومولاه القائد
стр. 110
جوهر فبهم دافع الأمير عيد القادر سنة ١٨٦٠ عن قناصل الدول ونصارى الشام حتى اغتر بعض الجهال والعوام من أهالي الشام وسلت لهم أنفسهم أن يقوموا بمذبحة لا محل لها ولا مسوغ سوى وساوس الشيطان فعارض في ذلك الأمير أن خشي هو نفسه على نفسه ولكن جموع الزواوة تجمهروا حوله فأطاعوه وتسلحوا إلى أن انجلت الواقعة فسلم الأمير ومن معه من قناصل الدول والمسيحيين ثم إن فرانسا التفتت إلى الأمير (١) أنظر (صحيفة ١٥٩).
فجازته خير جزاء فتحسنت حالته ماديا وأدبيا وصار ذا مال وبين وملك قصورا وقرى وأنجاله من بعده كذلك لهم العناية والجاه إلى فرانسا وإلى تركية ولا ينكر ولا يماري إن أولاد الأمير إنما كان عزهم وجاههم وقهرهم لكثير من البيوت والعصبيات بالزواوة الذين بدمشق وما حوله لأنهم اشتهروا هنالك باسم المغاربة والشجاعة والغلبة فإذا ركبوا الملاقاة من يناوئهم لا يقف أمامهم ولا يثبت ثم إن الزواوة لجهلهم السياسة ومسالكها ولكونهم مثل العرب البدو قليلي التربية والتعليم في هذا العهد الأخير لم يحصلوا على شيء يذكر فيشكر بالرغم من وجود جملة من شرفائهم وأعيانهم. مثل (الشيخ المهدي وابن عمنا الشيخ المبارك والشيخ ابن أعراب) (١) الذين تقدمت لهم الشهرة في الزواوة وكذلك في الشام بصفة الصلاح والعلم