← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 115131

سهام الإسلام

عبد اللطيف سلطاني

Полный текст (208 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

عبد اللطيف بن علي السلطاني سهام الإسلام

стр. 2

عبد اللطيف بن علي السلطاني سهام الإسلام حقوق الطبع محفوظة للمؤلف طبع بمطابع الشركة الوطنية للنشر والتوزيع ٣ شارع زيروت يوسف - الجزائر بمطبعة أحمد زبانة

стр. 3

صدرت الطبعة الأولى في: صفر الخير ١٤٠٠هـ / يناير ١٩٨٠م وصدرت للطبعة الثانية في: رجب الفرد ١٤٠٠هـ / جوان ١٩٨٠م

стр. 4

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ﴾ صدق الله العظيم سورة الرعد. آيتا ١٩ و ٢٠. عَنْ حُذَيْفَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "الْإِسْلَامُ ثَمَانِيَةُ أَسْهُمٍ الْإِسْلَامُ سَهْمٌ، وَالصَّلَاةُ سَهْمٌ، وَالزَّكَاةُ سَهْمٌ، وَحَجُّ الْبَيْتِ سَهْمٌ، وَالصِّيَامُ سَهْمٌ، وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ سَهْمٌ، وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ سَهْمٌ، وَالْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ سَهْمٌ، وَقَدْ خَابَ مَنْ لَا سَهْمَ لَهُ". أخرجه البزار في مسنده "البحر الزخار".

стр. 5

الإهداء إلى شباب الإسلام الذين آمنوا بدينهم، وامتلأت بالإيمان وحب الخير قلوبهم، وانقادت للإسلام أفكارهم وجوارحهم، إلى كل من يرى أن الصيحة التي أيقظت النائم، وأرشدت الحائر، ونبهت الغافل، وأرجعت صواب التائه، إنما هي صيحة الإسلام، صيحة رسول الإسلام محمد ﷺ . إليهم أهدي كتابي هذا ـ[سهام الإسلام]ـ كي يساهموا في إعادة بناء صرحه الشامخ المتين. المؤلف

стр. 6

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تقديم الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، والنجاح للعاملين، والنجاة من الأهوال للفائزين، والسعادة الدائمة للمخلصين، والسلامة من التبعات للسباقين، والعقبى للطائعين، الممتثلين لما جاءت به شرائع خالق الأولين والآخرين، ففي ذلك الفوز والنجاة، وفي سواه الردى والهلاك. والصلاة والسلام على سيدنا محمد إمام المرسلين، وخاتم رسل الله أجمعين، وقائد الغر المحجلين، ورضوان الله عن آل بيته المكرمين، وأصحابه الميامين، وعلى من سلك سبيلهم واهتدى بهديهم إلى يوم الدين. أما بعد فيقول أحوج الناس إلى عفو خالقه ورضاه، وأفقر العبيد إلى سيده ومولاه / عبد اللطيف بن علي بن أحمد السلطاني القنطري: هذه خواطر جمعتها، كانت تتوارد وتمر على خاطري المرة بعد المرة، في كل وقت وحين، وعندما تمر بخاطري الواحدة منها،

стр. 7

كنت أسجلها في ذاكرتي المكدودة، إلى أن توفر عندي منها ما لا يليق أن يبقى محجوزا غير طليق، فعزمت على إخراجها من حيز ذلك المضيق، ونشرتها عسى أن تجد مكانها في قلوب ذوي العقيدة الإسلامية، من خيار هذه الأمة المحمدية، وأرجو أن أكون من الذين قدموا لإخوانهم عملا مفيدا، قد يفيدهم في دينهم ودنياهم، وفي هذا لفت نظرهم إلى ما هم مطالبون به من الأعمال، التي تحفظ على الإسلام رونقه وبهاءه، وتصون جوهره من تزييف المزيفين، وسلامته من الغش والتدليس، وتبليغه إلى أولي النهى، وذوي العقول والأحجا، الكمل الموفقين، فقد تقاعس الكثير منا في هذه الأعصر الأخيرة عن العمل لخير وسلامة العقيدة من الزيغ والانجراف إلى سوء العقائد، والانحراف عن نهج الأسلاف الأماجد، كل ذلك من أجل إصلاح المجتمع الإسلامي، إصلاحا يتمشى مع أخلاقنا الإسلامية، وعقيدتنا الدينية، إذ اشتغل معظم المفكرين من هذه الأمة بما لا يفيد الإسلام والعقيدة إلا بالنزر اليسير، ولربما كان هذا قليلا أيضا على قلة أهله، فاجتمع لدي منها ما قد يسمى "كتابا" فاستخرجتها من ذاكرتي وكتبتها، وسودت بها صحائف قد تكون مفيدة، شاركت بها من تقدمني لخدمة هذا الدين الذي نعتز بالانتساب إليه، ونحمد الله على أن جعلنا من أهله الفائزين الرابحين، إن شاء الله رب العالمين، ولم يجعلنا من خصومه أو المفرطين فيه، حتى لا نكون من الهالكين والخاسرين. وأسميته ـ[سهام الإسلام]ـ أخذا من حديث روي عن الرسول ﷺ ، كما سيمر بالقارئ الكريم، وتفاؤلا بمشاركتي للعاملين والمساهمين في إعلاء منزلة الإسلام بين الأنام، ورفعة شأنه، وإعلاء كلمته (لا إله إلا الله، محمد رسول الله) وإعزازها، ونشر دينه الذي هو رحمة للعالمين، ولا نجاة للبشرية ولا سعادة لها ما دامت بعيدة عن الأخذ بشريعته، والاهتداء بهديه والتحاكم إلى

стр. 8

قوانينه ونبذ القوانين الوضعية التي لم تغن شيئا في كل ميادين الحياة، بل ما زادتها إلا توغلا في الغواية والضلال، وانصرافا عن المنهج القويم في استقرار الأوضاع وحماية حقوق الإنسان، التي داستها سنابك خيل الطغيان وجبروت الظلم والعدوان. وعسى الله أن ينفعنا جميعا بما نعلم على قلته، ويمن علينا بالخلاص من قيود أنفسنا المحيطة بنا، كما ندعوه أن يمن علينا بالدعوة إلى الإسلام قولا وعملا، وعقيدة وغاية ومقصدا، إنه السميع العليم المجيب، ولا حول لنا ولا قوة الا بالله العلي العظيم، وهو حسبنا ونعم الوكيل، وهو مولانا، فنعم المولى ونعم النصير. ***

стр. 9

الإسلام دين الفطرة تمهيد قال الله ﵎ في محكم التنزيل: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ آية ٣٠ من سورة الروم. وقال الرسول ﷺ فيما رواه أبو هريرة ﵁ كما في الصحيحين: (ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء؟ حتى تكونوا أنتم تجدعونها) ثم قرأ أبو هريرة ﵁ قول الله تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾. وروى الإمام أحمد ﵀ في مسنده عن عياض بن حمار المجاشعي قال: أن رسول الله ﷺ خطب ذات يوم فقال في خطبته: (إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما

стр. 10

علمني في يومي هذا: كل ما نحلته عبادي حلال، وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فأضلتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا) الخ الحديث وهو طويل، كما رواه الإمام مسلم في صحيحه على ما سيأتي قريبا، قال ابن كثير في تفسيره لآية الروم السابقة ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾ الخ: انفرد بإخراجه مسلم فرواه من طرق عن قتادة به. وقوله أتتهم الشياطين فأضلتهم الخ - وفي رواية مسلم فاجتالتهم - أي حولتهم عن فطرة الله فأهلكتهم، ومعنى هذا أن المولود بعد الولادة لو تركته شياطين الإنس والجن كما خلقه الله على الفطرة والجبلة - فطرة الله تعالى - لما اختار غير ما فطره الله عليه، من التوحيد والطاعة لله تعالى، وهي الفطرة التي فطره عليها كما نراه الآن في سكان البوادي الذين لم يخالطوا المدن التي تكثر فيها الطوائف المختلفة وتتنوع فيها المجتمعات التي تتأثر بما تسمع فيها من مختلف الأفكار والعقائد البشرية، وقد نقل عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ أنه كان يقول: "اللهم ارزقني إيمانا كإيمان العجائز" ذلك لأن البدوي متهيء لقبول الحق والتوحيد طبعا وطوعا لفراغ فكره من المؤثرات الخارجية والبعيدة عن فكره وعقله، وفي صحيح مسلم: (ما من مولود إلا وهو على الملة) وفيه أيضا (ليس من مولود إلا على هذه الفطرة، حتى يعرب عنه لسانه) ذلك أن الله تعالى خلقه وفطر خلقه على معرفته وتوحيده، وأنه لا إله إلا هو، كما تشهد بهذا آية سورة الأعراف، وهي قوله تعالى:

стр. 11

﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ الآية ١٧٢ من سورة الأعراف. أما حديث مسلم فهو عن عياض بن حمار أن رسول الله ﷺ قال ذات يوم في خطبته: (ألا إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني يومي هذا: كل مال نحلته عبدا حلال، وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا الخ) والحديث طويل كما قلت ومن أراده فعليه به في الجزء ١٧ منه في باب (الصفات التي يعرف بها في الدنيا أهل الجنة وأهل النار) فنفهم من قوله تعالى: ﴿أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾ أن من معاني هذه الإقامة أن تجعل الدين - دائما - إمامك وقدوتك في حياتك، وتسير أنت وراءه وفي خطه واتجاهه باتباعك له، وإياك أن توليه ظهرك وقفاك. فبناء على ما تقدم تفصيله يظهر منه استعداد المولود حين ولادته لتلقي الدين الحق - دين الفطرة - وشرع الله (الإسلام) لو لم يصرفه صارف خارج عن أصل خلقته، جاءه من أبويه اللذين ظلا قائمين عليه بالتربية والتدريب على ما هما عليه من الدين والعقيدة التي ورثاها - هما أيضا - عن أبويهما، فيوجهانه الوجهة التي وجهاهما إليها.

стр. 12

وقد ضرب الرسول ﷺ لهذا التوجيه الأبوي مثلا، وهو البهيمة الحيوانية التي تولد كاملة الخلقة لا ينقص منها شيء، حتى تمتد إليها يد الإنسان، فتشق أذنها - مثلا - أو تقطع منها قطعة، دفعها إلى هذا القطع أو الشق لها عقيدة كامنة في نفس صاحبها، ورثها ممن قبله، مثل البحيرة والسائبة، أو يفعل بها ذلك ليميزها - بما فعل - عن غيرها من بقية نظيراتها، حتى لا تشتبه بغيرها، وهو مثل صادق تماما على أصل خلقة الإنسان. وكلمة "الفطرة" مأخوذة من أصل فطر، بمعنى خلق وشق. فمن ورود الفطر بمعنى الخلق والإيجاد قوله تعالى: ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (١) أي خلقني وحده لا شريك له، وقوله: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (٢) أي خالقهما ومبدعهما، وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ * وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (٣) أي لا أعبد الأوثان التي تعبدونها، وإنما أعبد الله الذي خلقني وحده، فلا أشرك في عبادته أحدا، فجعل كلمة التوحيد باقية مستمرة في عقبه وذريته إلى يوم القيامة.

стр. 13

والفطرة - بالكسر - الخلقة، والفطرة أيضا ما فطر الله عليه الخلق من معرفته والاهتداء بها إلى أنه خالقهم ولا خالق لهم سواه، وفطر الله الشيء بمعنى: أنشأه وابتدأه وابتدعه، ومن هذا قوله تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ وفي الحديث المتقدم (ما من مولود إلا يولد على الفطرة). ومن ورود الفطرة المأخوذة من فطر بمعنى شق قوله تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾ بمعنى انشقت، وقو له: ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ﴾ أي شقوق، وفي حديث قيام الليل (قام رسول الله ﷺ حتى تفطرت قدماه) أي انشقت قدماه، وروي عن ابن عباس ﵄ أنه كان يقول: كنت لا أدري ما فاطر السماوات والأرض حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر، فقال أحدهما لصاحبه: أنا فطرتها، أي بدأتها وابتدعتها. فالفطرة من معانيها الخلقة، كقوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. أي خالقهما ومبدعهما، ومنها فطرة الله التي فطر الناس عليها، وهذا ما ذكره الله في شأن خليله إبراهيم ﵇ حين اهتدى بفطرته - من صغره - إلى أن ما عليه قومه من عبادة غير الله أمر باطل وعمل خارج عن أصل الخلقة ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ (١).

стр. 14

ففطرته لم تبدل ولم تغير، لهذا توصل بها إلى توحيد الله وأنكر ما كان عليه قومه من صغره، كما قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ﴾. الآية ٨٣ من سورة الأنعام. هذه هي الفطرة التي فطر الخالق الخلق عليها، خلقهم ليكونوا مؤمنين به، بأنه إله واحد لا شريك له، وكل خلقه محتاجون إليه وهو غني عنهم، فإذا لم يقروا له بالوحدانية، وإذا لم يتبعوا شرعه الذي جاءهم من عند خالقهم بواسطة رسله إليهم، إذا لم يكن منهم هذا فقد نقضوا عهدهم الذي أخذه منهم خالقهم وهم كالدر في أصلاب آبائهم، واتبعوا الشياطين التي أضلتهم واجتالتهم عن دينهم الحق، وهذا ما تشير إليه الآية السابقة - آية سورة الأعراف - وهي قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ (١). فقد ذكر الله فيها ما أخذه من العهد والميثاق على ذرية آدم وهم في أصلاب آبائهم، وقد بينت كتب السنة كيف تم أخذ هذا العهد والميثاق من ذرية آدم، على أن يكونوا مؤمنين به موحدين له لا يشركون به شيئا يعبدونه، فلا يعبدون غيره، فإذا أشركوا معه غيره، وعبدوا سواه وأطاعوا الشياطين وعصوا ربهم وخالقهم فقد هلكوا وضلوا.

стр. 15

وقد ذكر المفسرون لهذه الآية أحاديث مروية عن الرسول ﷺ في تفسيرها، فالمجال هنا ليس للعقل يجري فيه كما يشاء ويريد، بل القول هنا لصاحب الرسالة ﷺ ، والروايات عنه متعددة، وكلها تحوم حول كيفية أخذ هذا العهد من بني آدم، ونقتصر منها على واحدة رواها الإمام مالك في الموطأ بسنده إلى مسلم بن يسار الجهني أن عمر بن الخطاب سئل عن هذه الآية ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ (١) قال عمر بن الخطاب سمعت رسول الله ﷺ يسأل عنها، فقال رسول الله ﷺ : (إن الله خلق آدم ثم مسح ظهرة بيمينه، فاستخرج منه ذرية، فقال: خلقت هؤلاء للجنة، وبعمل أهل الجنة يعملون، ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية، فقال: خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون، فقال رجل: يا رسول الله ففيم العمل؟ قال فقال رسول الله ﷺ : إن الله إذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة، فيدخله الجنة، وإذا خلق العبد للنار استعمله بعمل أهل النار، حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار فيدخله النار) كما أخرجه الترمذي في سننه، وأخرجه أحمد في مسنده وأبو داود والحاكم في المستدرك وقال الترمذي هذا

стр. 16

حديث حسن، ولاحظ على سنده بأن مسلم بن يسار لم يسمع من عمر، وقد ذكر بعضهم في هذا الإسناد بين مسلم بن يسار وبين عمر رجلا مجهولا، وقال بعض رجال الحديث أن هذا الرجل المجهول هو نعيم بن ربيعة الأزدي، والمعروف عن الإمام مالك ﵀ أنه يتحرى في نقله للأحاديث، وإذا رأى واحدا مجهول الحال فإنه يهمله من السند. والحديث روي من طرق متعددة ومختلفة، وكلها تؤيد وتفسر ما جاء في الآية الكريمة، ومنها حديث ابن عباس ﵄ الذي أخرجه الإمام أحمد والنسائي والحاكم، وهو (إن الله أخذ الميثاق من ظهر آدم بنعمان يوم عرفة، وأخرج من صلبه كل ذرية ذرأها فنثرهم بين يديه كالذر ثم كلمهم قبلا قال: ألست بربكم؟ قالوا: بلى) أي أنت ربنا. فندرك من كل ما تقدم أن الدين الحق هو دين التوحيد، وهو ما وافق خلقة الإنسان وجبلته وطبيعته التي خلقه الله عليها، ولهذا كان ديننا "الإسلام" الحنيف دين الفطرة والخلقة الأولى للإنسان، ليس فيه وثنية ولا أحكام إلا يقبلها العقل السليم من المؤثرات الخارجة عن أصل الخلقة، والتي لا تستسيغها الطبائع البشرية السليمة، كما نرى ذلك في غيره من الأديان الغابرة والحاضرة من أعمال وتشريعات تخالف تماما العقل النير الصافي، ذلك لما طرأ عليها من تحريف أتباعها. وتظهر الفطرة السليمة في الإنسان البدوي البعيد عن الحضارة البشرية، وهو الذي لم يتلق العلم في المدرسة، ولم يكن ممن

стр. 17

نشأ في المجتمعات المتحضرة، فقد سئل بعض الأعراب: ما الدليل على وجود الرب تعالى؟ فأجاب: يا سبحان الله. (إن البعرة لتدل على البعير، وإن أثر الأقدام ليدل على المسير، فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، وبحار ذات أمواج، ألا يدل ذلك على اللطيف الخبير؟) فقد اهتدى هذا الأعرابي البدوي بفطرته السليمة البسيطة على وجود الصانع لهذا العالم، في حين لم يهتد إلى هذا فلاسفة هذا العصر المادي وكبار العلماء من مخترعي الذرة والصواريخ الدافعة للمركبات الفضائية، والصواريخ الجهنمية المحطمة لما بنته وشيدته يد وعقل الإنسان، فقالوا فيما قالوا: (لا إله والحياة مادة) .. اهتدى بآثار صنع الله في هذا الكون. فجاء الإسلام بما يوافق ما تتطلبه الفطرة السليمة، التي لا زالت على سلامتها وبساطتها، لم تدنس بدنس الإيحاء الشيطاني، فيأمر الإسلام بالاعتراف بوجود الإله الواحد القهار القادر العليم الحكيم، الخالق لكل مخلوق الموجود لكل موجود، سبحانه (لا إله إلا الله) فهي أساس كل دين سماوي جاء من خالق الأكوان، وهو رب العالمين كلهم. ***

стр. 18

السهام السهام جمع سهم، ويجمع السهم أيضا على أسهم وسهمان، والسهم في اللغة العربية له دلالة على مسميات عدة. ١ - السهم بمعنى الحظ والنصيب - القسمة - وهو مستعمل كثيرا في لغتنا إلى اليوم، فيقول القائل: سهمي في كذا، كذا، أو أسهمني معك، بمعنى اجعل لي قسمة ونصيبا معك. فمن ورود السهم بمعنى الحظ والنصيب: سهام الفرائض في قسمة التركات، ومنه - أيضا - ما ورد في كتب الطب والرقى من كتب السنة النبوية، فقد ذكرت أن رهطا - جماعة - من أصحاب رسول الله ﷺ انطلقوا في سفرة سافروها، فنزلوا بحي من أحياء العرب، فاستضافوهم فلم يضيفوهم، فاتفق أن لدغ سيد ذلك الحي فسعوا له بكل شيء ممكن لشفائه، فلم ينفعه شيء، فذهبوا إلى رهط الصحابة يسألونهم، هل لديهم علاج يعالجون به سيد الحي؟ فقالوا لهم نعم، على شرط أن تجعلوا لنا جعلا - أجرا - فاتفقوا على قطيع من الغنم - قيل ثلاثين - فرقاه أحد الصحابة بسورة الفاتحة،

стр. 19

فشفاه الله في الحين، وقام كأنما نشط من عقال، فلما أخذاوا منهم الجعل - الأجر - توقفوا في أكله مع شدة حاجتهم إليه، وقال الذي رقى - وهو أبو سعيد الخدري كما جاء مصرحا به في إحدى الروايات -: لا تفعلوا حتى نأتي رسول الله ﷺ ونسأله، هل ما أخذناه على الرقية حلال لنا أو حرام علينا؟ فلما قدموا على رسول الله ﷺ وذكروا له ما وقع، قال للسائل: (وما يدريك أنها رقية؟ أصبتم اقسموا واضربوا لي معكم بسهم) أي اجعلوا لي معكم سهما ونصيبا فيما أخذتموه، قال لهم هذا تطمينا لقلوبهم وتطييبا لخاطرهم وتشريعا لأمته حتى لا يبقى لهم أي شك في حلية ما أخذوه عن رقيتهم للديغ، والقصة مبسوطة في كتب الحديث بطرق مختلفة، لأنه قال: (إن أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله). أخرجه الإمام البخاري في كتاب الطب من صحيحه، كما أخرجه غيره. ٢ - ويطلق السهم - أيضا - على واحد السهام التي كان العرب في الجاهلية يقترعون بها فيما بينهم، ويستقسمون بها وهي - الأزلام - واحدها زلم - فقد كانوا يقترعون بها على ما يريدون، ويلعبون بها القمار، وتسمى - أيضا - القداح، واحدها قدح بكسر القاف، فكانوا إذا اختلفوا في شيء كتبوا أسماءهم على السهام فمن خرج سهمه غلب غيره، فالسهام والأزلام والأقداح معناها واحد.

стр. 20

ومن ورود الاستهام في الاقتراع ما جاء في القرآن الكريم، في قصة السيدة مريم بنت عمران ﵍، حين اقترع عليها أهلها فيمن يتولى كفالتها وحفظها إلى أن تكبر، ومن بين المقترعين "زكرياء" ﵇، وكانت خالتها تحته، فطلبها منهم ليكفلها، فأبوا أن يسلموها له إلا بالقرعة فيما بينهم، ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ (١) ذلك حين اقترعوا عليها بأقلامهم. وفي قصة رسول الله (يونس بن متى) ﵇ حين اقترع بالسهام مع من كانوا معه في السفينه، فخسر القرعة، وذلك في قوله تعالى ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ * فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (٢)﴾ بمعنى قارع فكان من المغلوبين. ومن مجىء الاستهام في الاقتراع ما جاء في كتب السنة النبوية، وذلك في قوله ﵊ مبينا فضل الأذان والصف الأول في الصلاة: (لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول، ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا) أي لاقترعوا عليهما أيهم يؤذن للصلاة، أو أيهم يجد مكانا في الصف الأول لمزيد الثواب والأجر فيهما، رواه الإمام البخاري وغيره عن أبي هريرة ﵁، كما رواه الإمام مالك في الموطأ في باب

стр. 21

النداء من كتاب الصلاة، فالاستهام هنا بمعنى الاقتراع في أشهر الأقوال. ٣ - أو يطلق السهم - أيضا - على واحد النبل -، - والنبل جمع لا واحد له من لفظه - وقيل واحده "نبلة " والسهم بمعنى واحد النبل عود من خشب، يسوى وتزال منه العيدان التي في أطرافه، ويركب في طرفه نصل - حديدة - يرمي به الرماة عن القوس، وهذا السهم يستعمل في الصيد وفي الحروب قبل اختراع الأسلحة الحربية القديمة والحديثة، ويطلق عليه اسم (النشاب). ***

стр. 22

سهام الإسلام سهام الإسلام هي وظائفه وشرائعه وأحكامه، وحدوده وجميع ما شرعه الله لعباده في شريعة الإسلام، وهي ما طلب - شرعا - من المكلف فعله أو تركه، لأن الخالق جل وعلا طلب من عباده أن يمتثلوا شرعه ودينه الذي أرسل به رسله الأكرمين إلى عباده أجمعين، وهو الغني عن الاحتياج إلى شيء من ذلك، فلا تنفعه طاعة المطيع كما لا تضره معصية العاصي، إنما المقصود من الشرائع المرسلة إلى العباد هو الامتثال والطاعة للآمر أو الناهي فيما أمر به أو نهى عنه، كما قال تعالى في ذبائح الحج: - النسك - ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ الآية ٣٧ من سورة الحج، وكما قال: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ سورة والذاريات. والمراد منها أيضا إصلاح حال العباد في معائشهم ومعاملاتهم فيما بينهم، لتستقيم لهم هذه الحياة، وبدون شرائع الله تعالى التي شرعها لعباده تكون حياتهم مشابهة لحياة الحيوانات التي

стр. 23

لا إدراك لها ولا تمييز عندها بين الحسن والقبيح، والأدلة على هذا متوفرة في هذا الوقت - بالخصوص - وقت التقدم الإنساني في جميع الميادين، سواء كانت علمية أو اقتصادية أو حظارية، ذلك التقدم الذي لم تشاهد مثله الدنيا فيما مضى من أزمانها. وأرى أن "الإسلام" مثل شركة المساهمة، وهي الشركة المكونة من شركاء مساهمين فيها، فمهما كثرت أسهمها والمساهمون فيها إلا وازدادت أرباحها وسمعتها، وعمت وانتشرت في الآفاق، وزاد ربح المساهمين فيها وعظم نفعها على حسب أسهمهم فيها وأنصبائهم منها، ورأيت أن أشبه "الإسلام" بشركة المساهمة، أخذا من الحديث الآتي الذي رواه الصحابي الجليل حذيفة ﵁، ومنه أخذت عنوان الكتاب. فمهما ألقيت ببصرك وسمعك إلى ما حولك من بلدان العالم ودوله، هذا العالم الذي نعيش فيه الا ووجدت كثرة الشركات فيه ذوات الأسهم المتعددة، وبالطبع تجد المساهمين فيها ذوي ثراء ومال عظيمين، مع ما يتمتعون به من جاه واسع، وطويل عريض، كل الناس يرغبون في الدخول فيها والانتساب إليها لينالوا نصيبا من أسهمها وحظوظها وفوائدها. هذه هي الحقيقة عن واقع الحياة كما نشاهدها بأبصارنا، ونفهمها بعقولنا، ولا نعبأ بالأقوال الجوفاء التي يلوكها أدعياء السياسة المزيفة، لأنها ميتة وخالية من روح الحقيقة والواقع.

стр. 24

لهذه الاعتبارات فإن المساهمين في تلك الشركات التجارية أو الصناعية أو غيرهما نراهم في رغد من العيش، وسعة من المال والجاه في هذه الحياة، بل وفي كثير من الأوطان يسيرون دفة حكومتهم وحكومات غيرهم من بعيد حسب ما يريدون ويرغبون، كما في الشركات المتعددة الجنسيات التي اتسع نفوذها وكاد يعم العالم، فكل واحد من المساهمين فيها يحرص كل الحرص على تقوية شركته وجعلها ذات أرباح وفوائد تعود على المساهمين فيها بالربح الوافر والعز والجاه الواسع، والهيبة في أعين الناس، في الدنيا كلها، وتراهم جادين في رفع مستواها وإعلاء شأنها، متجنبين كل نقص أو تقصير قد يؤدي إلى إفلاسها وموتها وزوالها من الوجود بل بالعكس من هذا كله فتراهم عاملين على نشرها وانتشارها وتوسعة نشاطها ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا، لأن في موتها خسارة - لا تعوض - على المساهمين والمنتفعين منها كلهم، وفي بقائها النفع والربح الكثير للجميع. هذا ما هو جار ومعمول به في الأوطان التي تتمتع بالنظم الحرة غير المقيدة بقيود الاشتراكية والشيوعية التي تحتكر حكومتها التجارة والصناعة وحتى الفلاحة، وتمنع أو تضيق من انتشار الشركات الحرة على عموم المواطنين، وترى أنها خطر على نظامها المفروض على الأمم فرضا، لأنه لا يقبله - بالاختيار - ذو عقل نقي صحيح، فهي ترى أن تترك الشعوب التي تحتها لا تكثر من تأسيس الشركات حتى لا تنال

стр. 25

بها المال الوافر والغنى الكبير، فتضيق عليها الخناق ولا تزودها بما هي في حاجة إليه إلا بمقدار ضئيل ومحدود مما هي في حاجة إليه لتسيير مؤسساتها، ليبقى المجال لها يوحدها، لتستعمل فيه عملاءها وخدامها وأذنابها، كي يحافظوا على بقائها ودوامها ممسكة بأزمة الأمور، فتكون هي الشركات وتضفي عليها اسم "الوطنية" والواقع أنها ملك للدولة، فكأن الشركات التي يمتلكها المواطنون غير وطنية، والذين يمتلكونها ويسيرونها كأنهم أجانب عن الوطن، وهذا اصطلاح في النطق والإطلاق يثير الضحك والسخرية. وبهذه المعاملة الشاذة ينتج الحد من نشاط النبهاء العاملين. إن الله تعالى وتقدس الخالق لكل شيء، ومن مخلوقاته هذا الإنسان الذي سخر له كل شيء يمكنه الاستفادة منه، لم يترك هذا الإنسان يشقى في حياته فاعتنى به عناية عظمى ترفع من شأنه ومنزلته، فأرسل الرسل بالشرائع ليهديه بها إلى السبيل السوي الأقوم، حتى لا يضل ولا يشقى، فيخسر الحياة الكريمة وما تجلبه له من الراحة والسعادة، فهو قد وهبه عقلا يفكر به، ويدبر شؤونه بفكره وعقله، فيفعل ما يراه حسنا نافعا له في حياته كلها، لائقا بكرامته، ككائن حي خلق ليحيى ويسعد، فيجتنب ما يعلم أن فيه مضرته وشقاوته ما وسعه ذلك. إن الدين الإسلامي النقي من كل أدناس العقائد والأعمال المدنسة لروحه، قد وجه المسلمين إلى ما يرفع من درجاتهم

стр. 26

بين أمم العالم إذا عملوا بما حواه من مأمورات، واجتنبوا ما نهاهم عنه من منهيات ومنكرات، فإذا حموه ودافعوا عنه وأذاعوه في الناس - فالخير أرادوا - فقد فازوا فوزا عظيما، ونجحوا في حياتهم هذه نجاحا كبيرا، وكان في ذلك كله قوة لهم، لا يستغنون عنها أبدا، وتاريخ السلف الصالح في صدر الإسلام الحجة الواضحة واللسان الصادق الذي لا تخفى على ذوي الألباب آثاره. لذا قلت - فيما رأيت - أن الإسلام يشبه الشركة - التجارية أو الصناعية - ذات الأسهم المالية في عصرنا هذا، فإذا قام المساهمون فيها قيام رجل واحد، بعزم وصدق وإخلاص، وغذاوها بأموالهم وأعمالهم ونشاطهم واجتهداوا في إنجاحها، وأتعبوا أنفسهم من أجلها - ليعم خيرها ونفعها - أصابوا منها خيرا كبيرا، وربحا عظيما - لهم ولمن انتفع منها - ودرت عليهم بالفوائد الجمة والأموال الغزيرة وعاشوا عيشة السعداء، فهكذا الإسلام تماما، فبقيام المسلمين بالعمل به والدعواة له ونشره بين العباد يعظم لهم الأجر والثواب والربح في الدنيا والآخر ولجميع بني الإنسان، وإن تركوا - الشركاء - شر كتهم مهملة، فلم يمدوها بما يملكون من طاقات مالية وجهود فكرية وبدنية، لو كان من بين المساهمين فيها من يعمل لفائدة غيرها، أو يسعى - بجهله - لتعطيلها أو إضعافها، فإن هذه الشركة تخسر ولا تنجح أسهمها، وتضعف عن مقاومة تيارات الشركات الأخرى المنافسة والمزاحمة لها ولفوائدها وللمساهمين فيها.

стр. 27

وهذا ما نراه اليوم ماثلا أماما أعيننا في الشركات العالمية المجدة في عملها، الدائبة على تحسين صنعتها ومنتوجاتها، كي تستولي بها على أسواق العالم، لترويج إنتاجها المتقن والجيد في آن واحد، فأين هم المساهمون في إنتاج الإسلام؟. فالإسلام بناء على هذا شركة مساهمة بين جميع المسلمين، فبالعمل به وله يسعدون وينتشر ويقوى، والعكس بالعكس. فقد رأينا خصوم الإسلام توجهوا لمحاربته بكل طاقاتهم - في الهيآت - بكل الوسائل، لذا يتحتم ويتأكد على النخبة الصالحة من أبناء الإسلام العاملين له، ولو كانوا حديثي عهد به - لا الأدعياء الدخلاء فيه بالإرث فقط عليهم أن يلتفوا حوله ويبعدوا عنه هذه البضاغة الرخيصة الحقيرة التي جاءت لتزاحم بضاعة الإسلام الممتازة المختارة من بين منتوجات العالم ومصانعه، فدخلت هذه البضاعة سوق المعروضات الرخيصة التي غزت أسواق العالم بتفاهتها وحقارتها وقذارتها كي تصد الناس عن الإسلام وبضاعته الجيدة والممتازة، في حين أنها لا تستطيع أن تثبت أمام إتقان المعروضات الإسلامية ومتانتها وصلاحيتها وحسن منظرها ومخبرها واستعمالها والتجمل بها، بل حتى والفخر بها والاعتزاز بجودتها، لو وجدت من يقوم بحسن عرضها على الأنظار والدعاية لها. وأعني ببضاعة الإسلام المختارة والممتازة شريعته بعقائدها وعباداتها وأحكامها وأخلاقها.

стр. 28

أما البضاعة المزاحمة لبضاعته فهي هذا الإلحاد وسوء الأخلاق وما يتبعهما. إن البضاعة المزيفة والمغشوشة التي يدعي لابسوها ومروجوها إنها من بضاعة الإسلام وصنعه فإن الحقيقة أثبتت أنها غريبة عنه، وما هي من اتناج مصانع الإسلام، فقد كثرت وانتشرت في أسواق العالم، وكادت البضاعة الجيدة والصافية من الغش والتدليس أن تختفي من تلك الأسواق، إما لقلة عارضيها - وكثرة معارضيها - وإما لقلة المساهمين في شركتها فكان انتاجها قليلا لقلة المساهمين في شركتها أو لكون العرض جاء ناقصا عما عليه أولئك المزاحمون. ***

стр. 29

كم هي سهام الإسلام ؟ على المسلم أن يعرف ما هي سهام الإسلام؟ وما هي ماهيتها ومقاديرها وأرباحها؟؟؟ وعليه أن يعرف أيضا ما هي هذه السهام أو الأسهم؟ التي نشترك بها في شركة الإسلام الرابحة إن شاء الله، لتنمو أرباحنا وأرباحها، حتى يتقوى الإسلام وينتشر ضوؤه ويعم خيره. سهام الإسلام ورد ذكرها في بعض الآثار النبوية مختلفة الطرق والعدد - تارة بلفظ سهام وتارة بلفط أسهم -، ففي بعضها أنها ثلاثة سهام، وفي البعض الآخر أنها ثمانية أسهم، وورد في بعض أنها ثلاثون سهما، وهي موزعة في سور من القرآن ما بين مأمور به ومنهي عنه، والكل بعد عدها وإحصائها والتدبر فيها صحيح وموافق لما عرضه القرآن في آياته. ومن المعروف في شركات المساهمة أن الفائدة توزع بقدر عدد السهام بين قلتها وكثرتها، فمن كان في شركة مساهمة، وساهم فيها بحظ وافو من السهام ذات القيمة العالية، فإن نصيبه في الربح منها يكون أوفر وأكثر ممن كانت مساهمته فيها بنصيب

стр. 30

أقل منه، وهكذا في الإسلام، فمن عمل واجتهد وامتثل لما طلب منه، فقام بفرائضه، وحافظ عليها، وترك منهياته وابتعد عنها، كان من الرابحين بنصيب وافر من الأجر والثواب والعزة والكرامة، وكان ربحه دائما ومدده متواصلا غير مقطوع عنه ولا ممنوع، لأنه ناله من كسب أمره به رب العالمين. ذكرت سهام الإسلام في بعض كتب الحديث، حيث رواها رواة اختلفت درجاتهم في الضبط والتحري، كما اختلفت في عددها بحسب ما رووه من الأحاديث، وسأتعرض لها فيما يلي: أ) جاء في كتاب "الترغيب والترهيب" من الحديث الشريف للحافظ زكي الدين عبد العظيم المنذري ﵀ في ج ١ ص ٥١٧ قال: (وعن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: ثلاث أحلف عليهن: ١ - لا يجعل الله من له سهم في الإسلام كمن لا سهم له، وأسهم الإسلام ثلاثة/ الصلاة، والصوم، والزكاة. ٢ - ولا يتولى الله عبد في الدنيا فيوليه غيره يوم القيامة. ٣ - ولا يحب رجل قوما إلا جعلة معهم. والرابعة لو حلفت عليها رجوت أن لا آثم/ لا يستر الله عبدا في الدنيا الا ستره يوم القيامة) رواه أحمد بسند جيد. وأخرج هذا الحديث الحاكم في المستدرك، ج، ١، ص ١٩ من كتاب "الإيمان" قال بعد أن ذكر السند إلى قوله عن إسحاق

стр. 31

ابن عبد الله بن أبي طلحة، قال حدثني شيبة الحضرمي أنه شهد عروة بن الزبير يحدث عمر بن عبد العزيز عن عائشة أن رسول الله عليه وسلم قال: (ثلاث أحلف عليهن: ١ - لا يجعل الله من له سهم في الإسلام كمن لا سهم له، وسهام الإسلام/ الصوم والصلاة والصدقة. ٢ - ولا يتولى الله عبد في الدنيا فيوليه غيره يوم القايامة. ٣ - ولا يحب رجل قوما إلا جعله معهم. والرابعة إن حلفت عليها رجوت أن لا آثم/ ما يستر الله على عبد في الدنيا إلا ستره في الآخرة. فقال عمر بن عبد العزيز: إذا سمعتم مثل هذا الحديث يحدث به عروة عن عائشة فاحفظوه. زاد الحاكم فقال: شيبة الحضرمي قد خرجه البخاري، وقال في التاريخ، ويقال الخضري سمع عروة وعمر بن عبد العزيز وجاء في الجزء الرابع من التاريخ الكبير للإمام البخاري ترجمة (٢٦٦٩) قوله: شيبة الحضرمي، سمع عروة وعمر بن عبد العزيز - قال المعلق الخضري وهو الصواب - روى عنه إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، قال الحاكم - كعادته: وهذا الحديث صحيح الإسناد. ولم يخرجاه، وتعقبه الذهبي فقال: قلت ما خرج له سوى النسائي هذا الحديث، وفيه جهالة. وقد ذكره الحافظ نور الدين علي بن أبي بكر الهيثمي في كتابه "مجمع الزاوائد ومنبع الفوائد" بروايات متعددة، ومنها رواية عائشة المتقدمة، وقال فيها:

стр. 32

رواه أحمد ورجاله ثقات، كما رواه أبو يعلى أيضا، ذكره في باب (بيان فرائض الإسلام وسهامه). ب) وجاء في بعض كتب الحديث أن سهام الإسلام ثمانية أسهم، منها: كتاب "الترغيب والترهيب" من الحديث الشريف للحافظ عبد العظيم المنذري، من كتاب "الصدقات" الحديث رقم "٩" قال: (وعن حذيفة ﵁ عن النبي ﷺ قال: الإسلام ثمانية أسهم / الإسلام سهم، والصلاة سهم، والزكاة سهم، والصوم سهم، وحج البيت سهم، والأمر بالمعروف سهم، والنهي عن المنكر سهم، والجهاد في سبيل الله سهم، وقد خاب من لا سهم له) رواه البزار موفوعا، وفيه يزيد بن عطاء اليشكري، ورواه أبو يعلى من حديث علي مرفوعا أيضا، وروي موقوفا على حذيفة، وهو أصح، قاله الدارقطني وغيره. كما أخرجه الحافظ نور الدين علي بن أبي بكر الهيثمي في كتابه (مجمع الزوائد ومنبع الفوائد) في باب "بيان فرائض الإسلام وسهامه" قال: (عن حذيفة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "الإسلام ثمانية أسهم/ الإسلام سهم، والصلاة سهم، والزكاة سهم، وحج البيب سهم، والصيام سهم، والأمر بالمعروف سهم، والنهي عن المنكر سهم، والجهاد في سبيل الله سهم، وقد خاب من لا سهم له) قال الهيثمي: رواه البزار، وفيه يزيد بن عطاء وثقه أحمد وغيره، وضعفه جماعة، ورجاله ثقات اهـ من الجزء الأول صفحة "٣٨".

стр. 33

والحديث كما رأينا جمع ثمانية من فرائض الإسلام المعتبرة فيه، إنما المدار فيه على الراوي يزيد بن عطاء اليشكري فمن علماء الحديث من وثقه، ومنهم من ضعفه، وله طريقان في سنده، الرفع إلى رسول الله ﷺ ، والوقف عن الراوي الأخير، وهو حذيفة ﵁، قال الدارقطني وغيره: الوقف أصح. قال الحافظ شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي في كتابه "المغني في الضعفاء" يزيد بن عطاء اليشكري مولى أبي عوانة، قال أحمد: حديثه مقارب، وقال ابن سعد ضعيف، قال أبو حاتم لا يحتج به. وترجم له الإمام الذهبي - أيضا - في كتابه "ميزان الاعتدال في نقد الرجال" في الترجمة - ٩٧٣١ - : يزيد بن عطاء اليشكري الذي أعتق أبا عوانة الوضاح بن عبد الله، يكني أبا خالد الواسطي البزاز، عن منصور وعلقمة بن مرثد، ونافع مولى ابن عمر، وعنه عبد الرحمن بن مهدي، ويحيى الوضاحي وطائفة، قال أحمد مقارب الحديث، وقال ابن سعد ضعيف، وقال أبو حاتم لا يحتج به، وقال ابن عدى حسن الحديث، وقال أحمد أيضا ليس به بأس، وقال النسائي وغيره ليس بالقوي. ومما يؤيد ويقوي ما جاء في هذا الحديث على تعدد رواياته واختلاف طرق نقله وضعفها وقوتها الخ أن هذه السهام ذكرت مفرقة في كثير من الآيات القرآنية، منها هذه الآية التي جمعت

стр. 34

أربعة من تلك السهام، وهي قوله : ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ (١) قال زيد بن أسلم في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ وعند الله ثواب ما صنعوا، وهو معنى قوله ﷺ في الحديث الأول (لا يجعل الله من له سهم في الإسلام كمن لا سهم له) وقوله أيضا: (وقد خاب من لا سهم له). ج) أما ترجمان القرآن وحبر الأمة/ عبد الله بن عباس ﵄، وهو الذي دعا له الرسول ﷺ ربه بأن يعلمه التأويل، فإنه تتبع آيات القرآن الكريم، فأحصى أصول فرائض الإسلام وشرائعه، وبلغ بها الثلاثين سهما، فهو قد رآى أن سهام الإسلام التي أمر الله بها أو نهى عنها، - وبها يكتمل هذا الدين عند أتباعه المسلمين - تصل إلى ثلاثين سهما، وهذا منه ﵁ لا يصدر عنه من قبل الرأي المجرد، لو لم يكن له فيه سماع من صاحب الشرع ﷺ ، فإنه أخذها من آيات القرآن الكريم، وهو ظاهر واضح كما سنبينه حسبما نقل عنه، وذلك في قوله تعالى مادحا خليله ورسوله أبراهيم ﵇ في سورة البقرة ﴿وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن﴾. (٢) وقوله تعالى في سورة والنجم ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ (٣).

стр. 35

فقد أخرج الحاكم في المستدرك بسنده عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال: (سهام الإسلام ثلاثون سهما، لم يتممها أحد قبل ابراهيم ﵇، قال الله : ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ واستدل على ما ذهب إليه بقوله تعالى مثنيا على خليله ابراهيم ﵇ بقوله: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ وذلك من قوله تعالى: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى * وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ (١) قال الحاكم - جريا على عادته - هذا حديث صحيح الاسناد ولم يخرجاه - أي البخاري ومسلم - (٢) وذكر الحاكم في المستدرك أيضا رواية أخرى عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال: (الإسلام ثلاثون سهما، وما ابتلي بهذا الدين أحد فأقامه إلا إبراهيم ﵊، قال الله تعالى: وإبراهيم الذي وفى، فكتب له براءة من النار) قال الحاكم هذا حديث صحيح الاسناد ولم يخرجاه (٣). أما أسماء هذه السهام التي أشار اليها ابن عباس ﵄، والتي هي وظائف الإسلام وشرائعه، فهي ما بين مأمور به ومنهي عنه، وترغيب في الخير وحث على فعله، وتحذير من الشر وعواقبه، وقد أشار إليها جل المفسرين لكتاب الله عند كلامهم على قوله تعالى في سورة البقرة ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ وقوله تعالى في سورة والنجم ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾.

стр. 36

ومن أولئك المفسرين/ الإمام ابن جرير الطبري، والزمخشري، والقرطبي، والخطيب الشربيني، والألو سي وغيرهم، وأخذوها من آيات القرآن الكريم، وقالوا فيها انها مذكورة في هذه الآيات الكريمة من كلام ربنا . ففي سورة التوبة عشرة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْالخ﴾ وفى سورة الأحزاب عشرة في قوله تعا لى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِالخ﴾ والعشرة الباقية موزعة بين سورتي/ قد أفلخ المؤمنون، وسأل سائل كما سنبينه بتوفيق الله. قال أولئك المفسرون لكلام الله تعالى: ان السهام العشرة الواردة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْالخ﴾ تبتدئي من قو له تعالى: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الخ﴾، فبعد عدي لها وجدتها تسعة فقط فرجعت أفكر في الآية فاهتديت إلى أنا السهم العاشر هو قوله تعالى: ﴿يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وبهذا تتم العشرة لأن القتال هنا هو الجهاد المصرح به في الحديث الذي رواه حذيفة ﵁ كما تقدم في حديثه - وعند هذا انتظم الإحصاء فكانت السهام في هذه الآية عشرة، أردت بهذا التنبيه فقط، لأن المفسرين ﵏ أشاروا إليها فقط ولم يحصوها. فنعود إلى تلك الآية - آية التوبة - لنستخرج منها السهام العشرة، قال الله تعالى في الآيتين: "١١١ - ١١٢" ﴿إِنَّ اللَّهَ

стр. 37

اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ إلى قوله ﴿وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ ١ - يقاتلون في سبيل الله (١) الجهاد في سبيل الله. ٢ - التائبون (٢) التوبة من الذنوب. ٣ - العابدون (٣) العبادة لله وحده. ٤ - الحامدون (٤) حمد الله تعالى على نعمه الوافرة. ٥ - السائحون (٥) السياحة في الارض لنشر الدين وعقيدة التوحيد. ٦ - الراكعون (٦) الركوع لله وحده. ٧ - الساجدون (٧) السجود لله الواحد القهار لا لغيره. ٨ - الآمرون بالمعروف (٨) الأمر بالمعروف وهو كل ما فيه الخير والصلاح للمسلم في دينه ودنياه. ٩ - والناهون عن المنكر (٩) النهي عن ارتكاب كل فعل ذميم مكروه من العقلاء. ١٠ - والحافظون لحدود الله (١٠) المحافظة على ما حدده الله لعباده المؤمنين لتستقيم أمورهم، وعدم مجاوزته امتثالا لأمر الله. وبعض المفسرين جعل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سهما واحدا، وعلى هذا لا يستقيم الاحصاء. أما العشرة التي في سورة الأحزاب فهي في قوله تعالى:

стр. 38

١ - إن المسلمين والمسلمات (١) الإسلام وذلك بتوحيد الله توحيدا تاما. ٢ - والمؤمنين والمؤمنات (٢) الإيمان بكل ما جاء من عند الله بواسطة رسله الكرام. ٣ - والقانتين والقانتات (٣) القنوت والطاعة لله تعالى وكثرة الدعاء. ٤ - والصادقين والصادقات (٤) الصدق في الحديث وفى غيره كالمعاملات وجميع المواقف. ٥ - والصابرين والصابرات (٥) الصبر المحمود في كل شيء مثل الطاعات والمعاصي. ٦ - والخاشعين والخاشعات (٦) الخشوع والتذلل لله الواحد القهار. ٧ - والمتصدقين والمتصدقات (٧) بذل الصدقات للمحتاجين إليها كيفما كان نوعها. ٨ - والصائمين والصائمات (٨) الصيام بجميع أنواعه. ٩ - والحافظين فروجهم والحافظات (٩) العفة والتنزه عن الخنا والفاحشة بجميع ألوانها وأنواعها. ١٠ - والذاكرين الله كثيرا والذاكرات أعد الله لهم تمغفرة وأجرا عظيما. (١٠) الاكثار من ذكر الله في كل حين من غير سهو عنه ولا تقصير. والملاحظ أن ما جاء في هذه الآية (٣٥) من سورة الأحزاب قد ذكرت كلا من الصنفين المخاطبين بالإسلام - الذكر والأنثى - فكل واحد منهما مطالب بالإتيان بهذه السهام وغيرها.

стр. 39

وعشرة سهام موزعة ما بين سورتي (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ، وسَأَلَ سَائِلٌ)، ففي سورة قد أفلح ستة، وفى سورة سأل سائل أربعة، وما ورد في هاتين السورتين مما قد يكون مكررا مع غيره فهو في وجه آخر من أوجه تنوع دلالة القرآن الكريم على ما يدعو إليه، من الترغيب والتشويق لتبادر النفس المؤمنة إلى الامتثال والاتباع. فلنأخذ هذه العشرة الباقية من السورتين الكريمتين المشار إليهما آنفا: ١ - قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون (١) الخشوع في الصلاة. ٢ - والذين هم عن اللغو معرضون (٢) الاعراض والترك لكل ما لا يليق بكرامة المسلم. ٣ - والذين هم للزكاة فاعلون (٣) أداء الزكاة المفروضة وإعطاؤها لمن يستحقها. ٤ - والذين هم يفروجهم حافظون إلا على أزواجهم الخ. (٤) ترك الزنى والخنا والأقذار والمباح هو ما بعد الاستثناء ٥ - والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون. (٥) المحافظة والوفاء بالعهود والأمانات. ٦ - والذين هم على صلواتهم يحافطون. (٦) المحافظة على الصلوات بشروطها وفرائضها واركانها. وإقامتها والمبادرة إلى فعلها في أوائل أوقاتها، وإتمام ركوعها وسجودها الخ.

стр. 40

والتي هي في سورة (سَأَلَ سَائِلٌ) جاءت في قوله تعالى بعد الاستثناء: ٧ - إلا المصلين الذين هم على صلاتهم دائمون الآية ٢٣ منها. (٧) المداومة على فعل الصلاة، فلا يتركونها ولا يؤخرونها عن وقتها. ٨ - والذين يصدقون بيوم الدين الآية ٢٦. (٨) الايمان بيوم القيامة والبعث والحساب الخ. ٩ - والذين هم من عذاب ربهم مشفقون الآية ٢٧. (٩) الخوف من عذاب الله وتجنب ما يوجبه ويوصل إليه. ١٠ - والذين هم بشهادتهم قائمون الآية ٣٣. (١٠) أداء الشهادات على وجهها من غير كتمانها وترك شهادة الزور. هذه هي سهام الإسلام الثلاثون على ما روى عكرمة عن ابن عباس ﵄، وهي مستمدة من الآيات القرآنية، ولم يكن منها سهم خارجا عما أمر به رب العالمين أو نهى عنه أحكم الحاكمين، (وقد خاب من لا سهم له) وقد خسر حياتهم أولئك الذين لم يشاركوا في هذه الشركة الرابحة، بأن لم يكن لهم فيها أي سهم، أو أولئك الذين اشتركوا وشاركوا في المؤسسات والهيآت التي زاحمت شركة الإسلام محاولين بذلك إفلاس الإسلام والقضاء عليه، فكانت الدائرة عليهم، والنصر والبقاء للإسلام لأنه دين الله وشرعه الذي أنقذ به البشرية من الضلالات.
следующие страницы →