ومن أولئك المفسرين/ الإمام ابن جرير الطبري، والزمخشري، والقرطبي، والخطيب الشربيني، والألو سي وغيرهم، وأخذوها من آيات القرآن الكريم، وقالوا فيها انها مذكورة في هذه الآيات الكريمة من كلام ربنا .
ففي سورة التوبة عشرة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْالخ﴾ وفى سورة الأحزاب عشرة في قوله تعا لى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِالخ﴾ والعشرة الباقية موزعة بين سورتي/ قد أفلخ المؤمنون، وسأل سائل كما سنبينه بتوفيق الله.
قال أولئك المفسرون لكلام الله تعالى: ان السهام العشرة الواردة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْالخ﴾ تبتدئي من قو له تعالى: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الخ﴾، فبعد عدي لها وجدتها تسعة فقط فرجعت أفكر في الآية فاهتديت إلى أنا السهم العاشر هو قوله تعالى: ﴿يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وبهذا تتم العشرة لأن القتال هنا هو الجهاد المصرح به في الحديث الذي رواه حذيفة ﵁ كما تقدم في حديثه - وعند هذا انتظم الإحصاء فكانت السهام في هذه الآية عشرة، أردت بهذا التنبيه فقط، لأن المفسرين ﵏ أشاروا إليها فقط ولم يحصوها.
فنعود إلى تلك الآية - آية التوبة - لنستخرج منها السهام العشرة، قال الله تعالى في الآيتين: "١١١ - ١١٢" ﴿إِنَّ اللَّهَ
стр. 37
اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ إلى قوله ﴿وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ
١ - يقاتلون في سبيل الله (١) الجهاد في سبيل الله.
٢ - التائبون (٢) التوبة من الذنوب.
٣ - العابدون (٣) العبادة لله وحده.
٤ - الحامدون (٤) حمد الله تعالى على نعمه الوافرة.
٥ - السائحون (٥) السياحة في الارض لنشر الدين وعقيدة التوحيد.
٦ - الراكعون (٦) الركوع لله وحده.
٧ - الساجدون (٧) السجود لله الواحد القهار لا لغيره.
٨ - الآمرون بالمعروف (٨) الأمر بالمعروف وهو كل ما فيه الخير والصلاح للمسلم في دينه ودنياه.
٩ - والناهون عن المنكر (٩) النهي عن ارتكاب كل فعل ذميم مكروه من العقلاء.
١٠ - والحافظون لحدود الله (١٠) المحافظة على ما حدده الله لعباده المؤمنين لتستقيم أمورهم، وعدم مجاوزته امتثالا لأمر الله.
وبعض المفسرين جعل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سهما واحدا، وعلى هذا لا يستقيم الاحصاء. أما العشرة التي في سورة الأحزاب فهي في قوله تعالى:
стр. 38
١ - إن المسلمين والمسلمات (١) الإسلام وذلك بتوحيد الله توحيدا تاما.
٢ - والمؤمنين والمؤمنات (٢) الإيمان بكل ما جاء من عند الله بواسطة رسله الكرام.
٣ - والقانتين والقانتات (٣) القنوت والطاعة لله تعالى وكثرة الدعاء.
٤ - والصادقين والصادقات (٤) الصدق في الحديث وفى غيره كالمعاملات وجميع المواقف.
٥ - والصابرين والصابرات (٥) الصبر المحمود في كل شيء مثل الطاعات والمعاصي.
٦ - والخاشعين والخاشعات (٦) الخشوع والتذلل لله الواحد القهار.
٧ - والمتصدقين والمتصدقات (٧) بذل الصدقات للمحتاجين إليها كيفما كان نوعها.
٨ - والصائمين والصائمات (٨) الصيام بجميع أنواعه.
٩ - والحافظين فروجهم والحافظات (٩) العفة والتنزه عن الخنا والفاحشة بجميع ألوانها وأنواعها.
١٠ - والذاكرين الله كثيرا والذاكرات أعد الله لهم تمغفرة وأجرا عظيما. (١٠) الاكثار من ذكر الله في كل حين من غير سهو عنه ولا تقصير.
والملاحظ أن ما جاء في هذه الآية (٣٥) من سورة الأحزاب قد ذكرت كلا من الصنفين المخاطبين بالإسلام - الذكر والأنثى - فكل واحد منهما مطالب بالإتيان بهذه السهام وغيرها.
стр. 39
وعشرة سهام موزعة ما بين سورتي (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ، وسَأَلَ سَائِلٌ)، ففي سورة قد أفلح ستة، وفى سورة سأل سائل أربعة، وما ورد في هاتين السورتين مما قد يكون مكررا مع غيره فهو في وجه آخر من أوجه تنوع دلالة القرآن الكريم على ما يدعو إليه، من الترغيب والتشويق لتبادر النفس المؤمنة إلى الامتثال والاتباع.
فلنأخذ هذه العشرة الباقية من السورتين الكريمتين المشار إليهما آنفا:
١ - قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون (١) الخشوع في الصلاة.
٢ - والذين هم عن اللغو معرضون (٢) الاعراض والترك لكل ما لا يليق بكرامة المسلم.
٣ - والذين هم للزكاة فاعلون (٣) أداء الزكاة المفروضة وإعطاؤها لمن يستحقها.
٤ - والذين هم يفروجهم حافظون إلا على أزواجهم الخ. (٤) ترك الزنى والخنا والأقذار والمباح هو ما بعد الاستثناء
٥ - والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون. (٥) المحافظة والوفاء بالعهود والأمانات.
٦ - والذين هم على صلواتهم يحافطون. (٦) المحافظة على الصلوات بشروطها وفرائضها واركانها.
وإقامتها والمبادرة إلى فعلها في أوائل أوقاتها، وإتمام ركوعها وسجودها الخ.
стр. 40
والتي هي في سورة (سَأَلَ سَائِلٌ) جاءت في قوله تعالى بعد الاستثناء:
٧ - إلا المصلين الذين هم على صلاتهم دائمون الآية ٢٣ منها. (٧) المداومة على فعل الصلاة، فلا يتركونها ولا يؤخرونها عن وقتها.
٨ - والذين يصدقون بيوم الدين الآية ٢٦. (٨) الايمان بيوم القيامة والبعث والحساب الخ.
٩ - والذين هم من عذاب ربهم مشفقون الآية ٢٧. (٩) الخوف من عذاب الله وتجنب ما يوجبه ويوصل إليه.
١٠ - والذين هم بشهادتهم قائمون الآية ٣٣. (١٠) أداء الشهادات على وجهها من غير كتمانها وترك شهادة الزور.
هذه هي سهام الإسلام الثلاثون على ما روى عكرمة عن ابن عباس ﵄، وهي مستمدة من الآيات القرآنية، ولم يكن منها سهم خارجا عما أمر به رب العالمين أو نهى عنه أحكم الحاكمين، (وقد خاب من لا سهم له) وقد خسر حياتهم أولئك الذين لم يشاركوا في هذه الشركة الرابحة، بأن لم يكن لهم فيها أي سهم، أو أولئك الذين اشتركوا وشاركوا في المؤسسات والهيآت التي زاحمت شركة الإسلام محاولين بذلك إفلاس الإسلام والقضاء عليه، فكانت الدائرة عليهم، والنصر والبقاء للإسلام لأنه دين الله وشرعه الذي أنقذ به البشرية من الضلالات.
стр. 41
فاحرص أيها المسلم الكامل - على المساهمة في شركة الإسلام الرابحة، بكل ما تستطيع من السهام، سواء كانت تلك السهام ثلاثة، أو ثمانية، أو ثلاثين، حتى لا تفوتك هذه الفائدة العظمى، فائدة الدنيا والاخرة، فتكون - إن لم تفعل - في يوم من الأيام من النادمين الخاسرين، بعد أن يفوتك زمن التدارك واللحوق بصف الرابحين الناجحين، وتبقى مع الخاسرين الهالكين، فلا يغرنك الغرار، فيلحق بك المذلة والهوان والعار، ولله در من قال:
عَلَى نَفْسِهِ فَلْيَبْكِ مَنْ ضَاعَ عُمْرُهُ ... وَلَيْسَ لَهُ مِنْهَا نَصِيبٌ وَلَا سَهْمُ
وسنشرع بحول الله - في بيان سهام الإسلام الثمانية التي جاءت في حديث حذيفة ﵁، فهي التي اعتمدتها وبنيت عليها هذا الكتاب، وأسميته ـ[سهام الإسلام]ـ فخذ بها أيها المسلم وطبقها في نفسك، وادع لها - ما استطعت - كيفما كان اعتبارك لهذه السهام، سواء اعتبرتها حظوظا وأنصباء - بحسب مدلول لفظ السهم - فخذ بحظك ونصيبك من الإسلام ولا تهمله وتضيعه فتضيع أنت.
أو اعتبرتها نبالا - حسب ذلك المدلول اللغوي أيضا - فأقمها وسددها واعمل بها تكن قد وجهتها لصدور أعداء
стр. 42
الإسلام، ورميت بها في نحورهم، فإنك بكل اعتبار من العاملين الفائزين، ان شاء الله.
ومن الله نطلب التوفيق والإعانة والحفط من الخطأ، والخطل والزلل، فهو المرجو والمسؤول والستار العليم.
***
стр. 43
السهم الأول:
الإسلام
الشهادة
تطلق كلمة الإسلام ويراد بها "الشهادة" أي أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله، إذ هي الأساس الذي بني عليه صرح الإسلام، فبدونها لا تقبل جميع أعمال الإسلام، وبعدها تأتي بقية أركانه، لأنها أول ما يطلبه الدين الإسلامي من أتباعه، اذ لا تتحقق بقية أركانه، ولا تقبل من فاعلها الا إذا أتى بها عقيدة، ونطق بها لسانه، فلا تقبل صلاته ولا صيامه الخ أركانه الا بالنطق بكلمة التوحيد المعبرة بصدق عما يكنه الناطق بها في قلبه، فلو كانت منبعثة من اللسان فقط بلا اعتقاد يصدقها في القلب لم تكن لها قيمة في الشرع، ويكون الناطق بها منافقا كاذبا في نطقه بها، اذن لا بد من المطابقة والموافقة بين ما في القلب وما ينطق به اللسان، لأن الإسلام دين التوحيد، أي وحدانية الله الخالق لكل موجود، والإسلام يرى أن الشرك بالله ظلم وعدوان على مقام جلالته وعظمته وقدرته، فالإسلام من أول أهدافه محاربة الشرك والمشركين، لأن الشرك مناف لفطرة الإنسان التي فطر عليها، كما قال الله في محكم كتابه:
стр. 44
﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ فمن كان مؤمنا بالله موحدا لربه وخالقه فقد ساهم بنفسه في نشر وإذاعة التوحيد الذي هو الحق، ودين التوحيد هو الذي لا يقبل من أحد من خلق الله أي عمل من أعمال الطاعات والقربات إلا إذا كان العامل له موحدا لربه وخالقه مخلصا له في فعله وطاعته، فكل دين يدان الله به لابد أن يكون مما شرعه الله لعباده وأمرهم باتباعه كي يعبدوه به لا بسواه من سائر الأديان والشرائع التي لا توافق ما جاء من عند الله ، كما قال في محكم التنزيل: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨) إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (١) وقال: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٢).
فشهادة أن لا اله الا الله، وأن محمدا رسول الله، عليها قام دين الإسلام الذي هو دين جميع الانبياء والمرسلين الذين أرسلهم الله إلى البشر لينقذوهم من ضلال الضالين، ووسوسة الشياطين، وليس لله دين يرضى به سواه، ولا يقبل من أحد غيره، هذه هي الدعوة التي دعا إليها جميع الرسل الكرام، ونادوا بها في قومهم وأتباعهم، وقد نادى بها ودعا إليها رسولنا محمد ﷺ ، أسوة بمن سبقه من أمثاله
стр. 45
المرسلين، كما أمره الله بها وأن يدعو الناس عموما إليها، فقال تعالى آمرا رسوله بالجهر بها: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ (١).
هذه الدعوة الموجهة من محمد رسول الله ﷺ بأمر ربه إلى أهل الكتاب - اليهود والنصارى - لا زالت قائمة إلى اليوم والمطالب بالقيام بها هم المسلمون الصادقون أنصار الإسلام ودعاة التوحيد وحب الخير إلى جميع عباد الله، لأنه دعاهم ليعبدوا الله وحده ولا يشركوا به شيئا كيفما كان أصله ونوعه، فالمسلمون كلهم فيها سواء متساوون لا يفضل أحد على أحد الا بطاعة الله واتباع شرعه الذي شرعه لعباده.
روى ابن جرير الطبرى ﵀ عند تفسيره لهذه الآية ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (٢) بسنده إلى قتادة ﵁ قال: "والإسلام شهادة أن لا اله إلا الله، والاقرار بما جاء به - يعني رسول الله - من عند الله، وهو دين الله الذي شرع لنفسه وبعث به رسله، ودل عليه أولياءه، لا يقبل غيره ولا يجزى الا به" وعلق على هذا الأستاذ أحمد شاكر فقال: قوله "بما جاء به" الضمير إلى رسول الله ﷺ ،
стр. 46
كأنه قال "شهادة أن لا اله الا الله، وأن محمدا رسول الله" ولا تتم شهادة الا به، وهكذا ذكره السيوطي ﵀ في الدر المنثور ج ٢ ص ١٢ ونسبه إلى عبد بن حميد أيضا بهذا اللفظ.
وقال الإمام ابن القيم ﵀ في تفسيره - القيم - لهذه الآية ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾: والإسلام هو توحيده سبحانه.
وقال ابن عباس ﵄: افتخر المشركون بآبائهم، فقال كل فريق: لا دين الا دين آبائنا وما كانوا عليه، فأكذبهم الله تعالى فقال: ﴿إن الدين عند الله الإسلام﴾ يعني الذي جاء به محمد، وهو دين الأنبياء من أولهم إلى آخرهم، وليس لله دين سواه، كما قال: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ التفسير القيم لابن القيم.
ويتضح لنا من كل هذا أن هذا الدين - الإسلام - هو الدين الذي أرسل به رسله الأكرمين من أول رسول منهم إلى آخرهم، وكلهم جاءوا بتوحيد الله وطاعته في كل ما أمر به ونهى عنه - ومن شذ عن هذا شذ في النار - فدين التوحيد - الإسلام - هو دين رسل الله وأتباعهم، وأنه لم يكن لله - قط - دين غيره.
فتوحيد الله واجب على كل أحد، ولا يكون هذا الا بالإسلام والطاعة لله وحده في كل شيء والانقياد والخضوع لأحكام شرع الله المدبر الحكيم، فلا طاعة ولا عبادة
стр. 47
ولا خضوح ولا انقياد الا لله رب العالمين، وبهذا يتحقق في المسلم التوحيد، ويحققه في كل شيء من أعماله وتصرفاته ومعاملاته.
فالإسلام - وحده - هو دين أهل السموات والأرض من أهل التوحيد، ولا يقبل من أحد دينا غيره. فاليهودية والنصرانية جاءتا بما جاء به الإسلام صافيتين، من غير شرك ولا وثنية ولا طاعة فيهما الا لله الواحد القهار، ثم حرفتا من أتباعهما فأخرجتا من دائرة التوحيد إلى الوثنية أو ما يشبهها.
فالوحدانية واجبة في حق الله تعالى، وحدانية في العبادة، بمعنى الطاعة والخضوع والانقياد والرضى بشرع الله، فلا طاعة ولا خضوع ولا انقياد الا له الواحد الأحد، الفرد الصمد في ألوهيته، فمن خضع وانقاد لغيره فقد زاغ عن سبيل العقل والادراك، ومن أطاع غير الله فيما تجب فيه طاعته لله فقد ضل وخرج عن سبيل الحق والصواب، واتبع سبيل الشياطين الذين أضلوا كثيرا من عباد الله.
والوحدانية كذلك واجبة في حق ربوبيته تعالى، فلا خالق غيره، ولا مدبر لشؤون جميع المخلوقات سواه، فقد انكشف لأهل الايمان به أن التصرف في هذا الكون بالايجاد والاعدام والاعطاء والمنع وغير ذلك مما اختص به سبحانه الواحد القهار، لا يشاركه في هذا أحد، فما شاءه وأراده كان بأمره وارادته، وما لم يشأه لم يكن كذلك بمشيئته وإرادته.
стр. 48
فالمسلم إذا قال: أشهد أن لا اله الا الله وأشهد أن محمدا رسول الله، فقد أقر واعترف - بكلمة التوحيد - أنه لا اله يعبد بالحق غير الله الخالق لكل شيء وهو المسير - بإرادته - لكل ما في هذا الكون الذي نشاهده ونشاهد فيه آثار القدرة الباهرة ظاهرة لا تخفي على ذوي البصائر والعقول الصافية.
ذكر الألوسي ﵀ في تفسيره - روح المعاني - عند تعرضه لتفسير هذه الآية ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ قال: وروى علي بن ابراهيم عن أمير المؤمنين كرم الله وجهه أنه قال في خطبة له: لأنسبن الإسلام نسبة لم ينسبه أحد قبلي: "الإسلام هو التسليم، والتسليم هو اليقين، واليقين هو التصديق، والتصديق هو الاقرار، والاقرار هو الأداء، والأداء هو العمل، ثم قال: ان المؤمن أخذ دينه عن ربه، ولم يأخذه عن رأيه، ان الؤمن يعرف إيمانه في عمله، وان الكافر يعرف كفره بانكاره، أيها الناس دينكم دينكم، فان السيئة فيه خير من الحسنة في غيره، ان السيئة فيه تغفر، وأن الحسنة في غيره لا تقبل.
فأول ما يطلبه الإسلام ممن يرغب في الدخول فيه واتباع شريعته وأحكامه، والعمل بما فيه وفى تشريعه هو الاعتراف والاقرار بوحدانية الله، وأنه لا اله غيره، هو الواحد الفرد في ألوهيته وربوبيته، وهو الخالق لكل شيء منه وحده الايجاد والاعدام، والعطاء والمنع "أشهد أن لا إله الا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله" فهو المبلغ لهذا الدين إلى بني الإنسان،
стр. 49
وهو المرسل من عند الله الواحد القهار بالرسالة الخالدة الباقية ما بقيت لحظة من هذه الحياة، فإذا لم ينطق بها الراغب في الإسلام، واذا لم تكن خارجة وصادرة من قلب مؤمن ومصدق بما يقول لسانه فليس هو بالمؤمن ولم تنله أحكام الإسلام، ولو فعل كل ما دعا اليه الإسلام في شريعته.
فإذا نطق المسلم بكلمة التوحيد "أشهد أن لا إله الا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله" وأدرك معناها كما هو مطلوب منه، فان كل قوة مهما عظمت في هذا العالم الا وتضعف وتحتقر وتهان وتتضاءل في عقيدة المسلم أمام قوة الواحد القهار، وهذا هو عين الحقيقة، فمن مفاهيم كلمة التوحيد الشعور بقدرة الله على كل شيء، ولا يقع في هذا العالم الا ما أراده خالقه وقدره وشاءه، فلا طاعة الا له، ولا خوف الا منه، ولا رجاء الا فيه، ولا رضى الا له، فان لم يكن هذا هو شعور المسلم في نطقه بكلمة الشهادة فان نطقه بها مجردة عن هذا المعنى لا يبعث في نفسه الخوف من عقابه إذا هو عصاه وخالف شرعه واتبع هواه، أو الأمن والنجاة من عذابه إذا هو أطاعه واتبع شرعه وعمل على رضاه، وهذا ما نشاهده في الكثيرين من مسلمي هذا الزمان، فعندما غاب هذا الادراك لمعنى كلمة التوحيد عن عقولهم استهانوا بأحكام دينهم، فأعرضوا عن أداء فرائضه المفروضة عليهم، وأقبلوا على المحرمات والمعاصي المنهي عنها يرتكبونها ويأتونها بلا خجل ولا حياء ولا وازع، ولاخوف من عقابه إذا رجعوا اليه ووقفوا بين يديه في يوم الحساب،
стр. 50
بل أن البعض منهم أنكر وجحد هذا الرجوع وذلك الحساب، لما أذاعه فيهم أعداؤهم وأعداء ربهم ودينهم، فاتبعوهم في باطلهم، وأعرضوا عن الحق الوضاح.
ان الكثيرين من العصاة إذا ما لا مهم لائم على ما يرتكبونه من المعاصي، أو على تهاونهم بفروض دينهم أجابوه - جواب الجاهل المغرور - بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وغفلوا عما بعده، من ذكر العقاب الأليم، ذلك قوله في نفس الآية: ﴿نبئ نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ الآيتان ٤٩ - ٥٠ من سورة الحجر، ذلك ان الله يقرن في كثير من الآيات القرآنية المغفرة بالعقاب حتى لا يتجرأ العباد على فعل المنهيات وترك المأمورات اتكالا على سعة رحمة الله، وتشويقا لتلك الرحمة التي لا ينالها الا الطائعون، وحتى لا يطمع أحد من عباده في نيل تلك المغفرة بلا عمل للطاعات، وكي لا ييأس عامل لها من فضله ورحمته، فالمغفرة إنما ينالها الطائعون، والعقاب انما هو من نصيب العصاة والمذنبين، وهذا هو عين العدل الرباني، اما مغفرة بلا طاعة، أو عقاب بلا ذنب فذلك لا يكون من الحكيم العادل العليم، وهو القائل: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ الآيتان ٣٥ - ٣٦ من سورة القلم.
فتوحيد الله - كما قلنا - هو دعوة كل رسول بعثه الله إلى عباده من حين ظهور الشرك وعبادة الأوثان فيهم، بدل
стр. 51
عبادة الرحمن، وهذا من زمن رسوله نوح ﵇، وهو الزمن الذي ظهر فيه الشرك بالله، إلى آخر الرسل الكرام، وهو محمد عليهم جميعا الصلاة والسلام، ويتجلى هذا في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ سورة النحل الآية ٣٦ - وقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا يُوحَي إِلَيْهِ- أو نُوحِي - أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ سورة الأنبياء آية ٢٥، ويفصح عن هذا ما روي عن النبي صلى الله عليه لوسلم أنه قال: " نحن معاشر الأنبياء أولاد علات، ديننا واحد". فكل الرسل جاءوا بتوحيد الله، وان اختلفت شرائعهم فدينهم واحد، وهو عبادة الله وحده، وهذا هو معنى أولاد علات، وأولاد العلات هم الأولاد الذين يولدون من أب واحد وأمهات شتى، وهم الأخوة للأب كما يسمون في باب الفرائض.
وفى النطق بلفظ الشهادة المذكورة الصادرة من قلب آمن بما قال تطهير له من كل اعتقاد في غير الله، بأنه ينفع ويضر ويعبد ويطاع الخ، لأن اعتقاد الألوهية في غير الله مخالف للفطرة التي فطر الله عليها الناس، وهي فطرة توحيد الله ، اذ "التخلية قبل التحلية" كما هو معروف، يخلي قلبه من كل ما سوى الله، ثم يحلي ويزين نفسه بالحلية التي أمر بها الإسلام، وهي التوحيد، كمن يرغب في التحلي والتجمل باللباس النقي الجميل، فان عليه أن ينظف بدنه بغسله من جميع الأوساخ
стр. 52
التي كانت فيه ثم يلبس اللباس النظيف الطاهر الجميل، ويتطيب بما شاء وأراد من أنواع الطيب والعطورات ليظهر للناس في حالته الحسنة التي تدعو اليها الفطرة السليمة والأخلاق الكريمة، فالله منزه عن كل صفات البشر، بهذا أمر الإسلام أتباعه.
طلب العرب المشركون من رسول الله ﷺ أن يصف لهم هذا الرب الذي دعاهم للايمان به والعمل بدينه، فنزلت عليه من ربه "سورة الاخلاص" والتوحيد، وفيها الكفاية، وفيها الجواب الكافي عن سؤالهم عما يريدون منه، ان كانوا صادقين في سؤالهم، وسألوا ليعلموا ويعملوا، فقال الله لرسوله محمد ﷺ وأمره أن يخبر هؤلاء المشركين عن الاله الذي دعوا للايمان به: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾.
وصدق الله العظيم فيما قال وأخبر عن ذاته، فهو كما قال وأخبر، وسبحان الله الواحد الأحد عما يقوله فيه الكافرون والمشركون.
***
стр. 53
السهم الثاني:
الصلاة
فرضها ومدلولها:
الصلاة إحدى قواعد الإسلام الخمس التي بني عليها، وهي دعامة هامة في بناء هيكله، ومظهر حيوي من مظاهره، كما جاء في الأثر الذي رواه البيهقي في شعب الايمان عن عمر ﵁ "الصلاة عماد الدين" ونقل عن عمر أنه قال: "من ترك الصلاة فلا دين له". وجاء في سنن النسائي وغيره عن بريدة عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : "العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر" قال العلماء هذا توبيخ لتارك الصلاة وتحذير له من الكفر.
والصلاة بما فيها من قراءة القرآن والتكبير والتحميد والتسبيح لله من أجل وأعظم القربات إلى الله تعالى وهي مؤقتة بأوقاتها، لا يسع المسلم تركها أو تأخيرها عن وقتها بغير عذر، أو التهاون في أدائها، فلا يستقيم للمسلم إسلامه الا بها، وهي الفارق بين الايمان والكفر، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ
стр. 54
كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ (١) ولم يشترط الإسلام في أي ركن من أركانه ما اشترطه في أداء الصلاة، كالطهارة - مثلا - في بدن المصلي ولباسه ومكان الصلاة، فلا تقبل ولا تبرأ ذمته منها الا إذا كان طاهرا من كل الخبائث والنجاسات، متوجها وقت أدائها إلى القبلة التي وحدت بين جميع المسلمين في التوجه اليها عند كل صلاة، ولها مزية زائدة على كل فرائض الإسلام، لأنها شرعت وفرضت على الرسول ﷺ وعلى أمته من فوق سبع سموات في ليلة الاسراء والمعراج برسول الله ﷺ .
وقد كثر ذكرها في القرآن وتكرر، ولم يرد هذا في سائر فرائض الإسلام وشعائر هذا الدين، وهذا للعناية بها والاهتمام بشأنها، وهي أول ما يحاسب عليه العبد من أعماله في الدنيا يوم الحساب، فإذا صلحت صلح عمله، وإذا ساءت ساء عمله كله، وهي من آخر ما أوصى به الرسول ﷺ قبيل وفاته لينبه أمته كي لا تتهاون بها ولا تقصر في فعلها فقال: "الصلاة وما ملكت أيمانكم، الصلاة وما ملكت أيمانكم" فقد أوصى بالمحافظة على الصلاة والرفق والاحسان بالمملوك الضعيف.
واسمها مشتق قيل من الصلة لأنها تصل بين العبد وربه، ولأنها تقرب من حافظ عليها من مولاه وتصله به، ليحوز رضاه، ومن معانيها في اللغة الرحمة، والدعاء، لأنها تشتمل عليهما
стр. 55
كقوله - المصلي - في قراءة الفاتحة ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ ومن معانيها في اللغة الاستغفار وطلب الرحمة من الله بحسب من تصدر منه، كقوله تعالى لرسوله: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾. لدافعي الزكاة له، وكقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.
ومن استعمالها في الدعاء دعاء الملائكة للمؤمنين بالرحمة والمغفرة، كقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾. ومن استعمالها في الرحمة قولنا في الدعاء له صلى الله عليه يوسملم: (اللهم صل علي محمد) بمعنى ارحمه وعظمه وأكرمه، ومن استعمالها في الصلة - صلة العبد بربه - قوله ﵊: "إن المصلي يناجي ربه". أخرجه الإمام مالك في الموطأ في باب (العمل في القراءة).
أما معناها في الشرع فهي العبادة المعروفة المشتملة على أفعال وأقوال مخصوصة، من القراءة والتكبير والركوع والسجود والتسليم الخ، فهي كما جاء تعريفها في الشرع: (مفتاحها الطهور وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم) فعند افتتاح الصلاة والشروع في أدائها لابد أن يكون المصلي على طهارة تامة من كل النجاسات، في بدنه وفى ثيابه وفي مكان صلاته، قال الإمام ابن القيم ﵀ في كتابه (مدارج السالكين) عند كلامه على قوله تعالى ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾: (إذ به - التطهير - تمام إصلاح
стр. 56
الأعمال والأخلاق، لأن نجاسة الظاهر تورث نجاسة الباطن، ولذلك أمر القائم بين يدي الله بإزالتها والبعد عنها) (١).
المحافظة والمداومة عليها:
المحافظة على أدائها والمداومة على فعلها في أوقاتها من صفات المؤمنين، قال الله تعالى في سورة المؤمنون: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ وقال في سورة المعارج: ﴿إِلَّا الْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ فقد أثنى الله ﷻ على المحافظين على صلواتهم والمداومين لفعلها.
جاء في حديث جابر بن عبد الله عند ابن ماجة قوله: قال رسول الله ﷺ : "بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة" وقال عمر ﵁: "لا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة".
فالمحافظة على الصلاة غير المداومة عليها، ذلك أن المداومة على الصلاة هي استمراره - المصلي - على فعلها وأدائها في أوقاتها، من غير إخلال بأي شيء منها، ولا يشغله عنها أي شاغل، كأن يؤديها على كل حال، ولا يخرجها عن وقتها في وقت الصحة وفى وقت المرض، على حسب ما يتيسر له كما هو مبسوط في كتب الفقه، من قيام أو جلوس أو استناد، ولو
стр. 57
فى اللحظات الأخيرة من حياته، بل حتى في أوقات الحرب ومواجهة العدو، فإنه يصليها ولو كان وسط المعمعة والمعركة والقتال، فإن القرآن بين لنا كيف يؤدي المقاتلون صلاتهم في وقتها ولا ينتظرون نهاية المعركة، فإن المحاربين يجمعون بين طاعتهم لله مولاهم والواجب عليهم نحوه، وبين الدفاع عن الدين والوطن إذا كانوا في حرب مع خصومهم وأعدائهم.
قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾ الخ الآية (١٠٢) من سورة النساء.
أما المحافظة عليها فهذا يرجع إلى هيأتها، وذلك بالقيام بشروطها المقررة لها وأركانها الواجبة لها، كالطهارة واستقبال القبلة وقت أدائها والقراءة الواجبة فيها وترك كل ما تخدش فيها وفي سلامتها من كل نقص يخل بها ويجعلها ناقصة عن الكمال، أو فاسدة وباطلة ويجعلها غير مقبولة، لأن الصلاة في الشريعة الإسلامية كالعمود الذي يرفع الفسطاط - الخيمة - فإذا كان العمود قائما ارتفعت الخيمة وظهرت من بعيد وإنتفع بها صاحبها، وإذا سقط العمود سقط الفسطاط.
نرى هذا التشبيه ورد في حديث الرسول ﷺ مع معاذ بن جبل ﵁، قال: قلت يا رسول الله أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني عن النار، قال: لقد سألت عن عظيم، وإنه ليسير على من يسره الله تعالى عليه، إلى آخر
стр. 58
ما ورد في لفظ الحديث، وفى أثنائه قال له: (ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه؟ قلت بلى يا رسول الله، قال: رأس الأمر - يعني الدين - الإسلام - أي الشهادة - وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد). أخرجه الترمذي وغيره، والإسلام لا يتصور في المسلم بدون الصلاة الواجبة والقاعدة المهمة فيه وفى ظهوره وبروزه إلى الواقع المشاهد، لذا قال عمر بن الخطاب ﵁: (لا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة).
النهي الشديد عن تركها:
الصلاة كما تقدم إحدى قواعد الإسلام الخمس الواجبة على كل مسلم ومسلمة يؤمن بالله ورسوله، ويؤمن بأن الإسلام دين جاء من الله إلى عامة الناس بواسطة رسول الله محمد ﷺ ، وهي فرض على كل مسلم ومسلمة بالغيين عاقلين بشروطها المذكورة في كتب الفقه، ولا يسع المسلم تركها أو التهاون فيها، إذ هي الفارق والمميز بين الإسلام والايمان به وبما جاء به، وبين الكفر والجحود بالله وبما شرعه لعباده، كما جاء مصرحا به في جملة من الأحاديث، منها حديث جابر بن عبد الله ﵁ عند الترمذي، ان رسول الله ﷺ قال: (بين الايمان والكفر ترك الصلاة) وفى رواية عنه (بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاه). عند مسلم والترمذي وأبي داود وابن ماجة، ويرى بعض العلماء - كابن حبيب عند
стр. 59
المالكية - أن تارك الصلاة كافر جاحد لا يصلى عليه إذا مات ولا يدفن في مقابر المسلمين - اعتمادا على هذا الحديث وغيره - ذلك لأن الوعيد من الله شديد على تارك الصلاة، ويظهر هذا - أيضا - من جواب الكافرين يوم القيامة عندما يسألهم أهل الجنة عن الموجب الذي أدخلهم إلى سقر - جهنم - ذلك في قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ * إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ * فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ الْمُجْرِمِينَ * مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ * حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾ (١).
هذه آيات بينات من كلام رب العالين، الخالق العليم، العادل الرحيم، تضطرب لها فرائص ذوي الألباب، وتخشى مدلولها القلوب الحية الحساسة، وتقشعر منها جلود الذين يخشون ربهم، وتتزلزل من وقعها الأقدام، وتتجاهلها القلوب الميتة، المظلمة بظلام الكفر والمعاصي، ﴿سَقَرَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ * لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ * لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ (٢) هناك في يوم القيامة، لا وسيط ولا شفيع يتوسط بينهم وبين الحاكم العادل بل ما هناك الا الجزاء على الأعمال التي وقعت في الحياة الدنيا، قال الله بعد ذلك: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ * فَمَا لَهُمْ عَنِ
стр. 60
التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ (١) ومعنى كل ذلك يقول أهل سقر لأهل الجنة ردا عن سؤالهم/ لم نكن في حياتنا الدنيا نعبد الله ربنا، ولم نكن نسعف ونعين الفقراء المحتاجين من خلقه بأموالنا، الخ أعمالهم وأقوالهم.
بل جاء التهديد والوعيد الشديد في حق الساهي عن صلاته المتهاون في أدائها، وفي نسيانها أيضا، كل هذا لمكانتها ومنزلتها في الإسلام، حتى لا يتهاون بها متهاون، وذلك قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ والسهو عنها كيفما كان يدل على عدم الاهتمام بها.
ولا شك بين المسلمين في أنها فرض عين، وواجب على كل فرد من أفراد المسلمين وأعيانهم المكلفين بالشرائع وإقامتها، فهي فرض على كل مسلم ذكر وأنثى، يفعلها في كل حالاته من صحة ومرض، وإقامة وسفر، في حالة سلم وحرب، يترك جميع أشغاله لأدائها إذا حان وقتها، ويعاقب إذا أخرها عن وقتها بلا عذر مقبول شرعا، ففرضها ووجوبها على كل مسلم معروف من الدين بالضرورة كما يقول الفقهاء، فلا يحتاج إلى جدال ومناقشة في فرضها، فمنكر فرضها كافر جاحد يعامل معاملة الكافرين بالله الجاحدين لربهم وخالقهم، المنكرين لشرائعه التي كلف المرسلين بتبليغها إلى عباده ليعبدوه بها وحده لا شريك له،
стр. 61
بشرائعه المذكورة، فمنكرها ليس من المسلمين، وليس له ما لهم وعليه ما عليهم.
الحكمة من أدائها في أوقاتها، وفى عدد ركعاتها:
جميع المسلمين المتمسكين بإسلامهم، يعرفون أن الصلاة المفراوضة عليهم في اليوم والليلة خمس صلوات هي الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، والصبح. فالصبح ركعتان، والظهر أربع ركعات، والعصر أربع كذلك، أما المغرب فثلاث ركعات، والعشاء أربع ركعات، فمجموع الركعات الواجبة على المسلم والسلمة في اليوم والليلة (سبع عشرة ركعة).
ويرى بعض العلماء أن الحكمة في تخصيص فرض هذه السبع عشرة ركعة بين اليوم والليلة على المسلم والمسلمة ترجع إلى توزيعها على سائر ساعات العمل واليقظة في الغالب بين اليوم والليلة، فمجموع ساعات اليوم والليلة أربع وعشرون ساعة، تكون في الغالب الأعم موزعة بين ساعات النوم للراحة والسكون وبين ساعات اليقظة للعمل والحركة، كما قال ربنا في سورة النبأ: ﴿وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا * وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا * وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا﴾ فللنوم سبع ساعات، وللعمل واليقظة سبع عشرة ساعة، فساعات النهار اثنتا عشرة ساعة، ونحو ثلاث من الغروب إلى وقت النوم، ونحو ساعتين من قبيل الفجر إلى طلوع الشمس، هذا هو الغالب في حياة المسلم الذي ينظم حياته اليومية تنظيما إسلاميا بين العمل للكسب
стр. 62
وبين النوم للراحة، ففي ساعات النوم السبع يكون المسلم نائما، والنائم غير مكلف بشيء، أما في ساعات اليقظة والعمل السبع عشرة فلربما يقصر في شيء من أمر دينه، أو يفعل ما لا يليق بالمسلم فعله، فتكون كل ركعة من الركعات السبع عشرة المفروضة عليه في اليوم والليلة تقابل كل ساعة من ساعات اليقظة والعمل، لتجبر ما كان قد حدث فيها من التقصير.
هذا رأي واستنباط بعض الفقهاء في حكمة عدد ركعات الصلاة المفروضة على المسلمين في اليوم والليلة.
أما اختصاص الصلوات الخمس بأوقاتها التي تؤدى فيها، كما هو معروف، والمحددة لها شرعا من غير تأخير عنها فوقت صلاة الظهر يبتديء من زوال الشمس عن كبد السماء، وصلاة العصر يدخل وقتها عندما يكون ظل كل شيء - قائم - مثله، وصلاة المغرب بعد غروب الشمس مباشرة، وصلاة العشاء وقتها بعد مغيب الشفق الأحمر المعروف، أما صلاة الصبح فوقتها يبتديء من طلوع الفجر الصادق.
فأما أداء وفعل الصلوات المفروضة في هذه الأوقات المعينة والمحددة لها شرعا فهو أمر - تعبدي - عند كثير من العلماء، بمعنى أن الله أمرنا بأن نفعل ونؤدي الصلوات الخمس في هذه الأوقات والأزمنة المحددة لها شرعا، من غير أن نسأل ونبحث لماذا كانت صلاة كذا في وقت كذا؟ ولم تكن في وقت كذا، ولماذا لم تكن صلاة كذا في وقت كذا؟ إلى آخر الصلوات المفروضة. ولماذا كان عدد الركعات محصورا في كذا الخ؟
стр. 63
إن تعيين هذه الأوقات للصلوات الخمس قد جاء من طريق السنة النبوية، حسبما ورد في كتب السنة النبوية، فقد جاء فيها أن الملك جبريل ﵇ نزل على رسول الله ﷺ غداة ليلة الاسراء والمعراج وفرض الصلاة، ليعلمه أوقات أدائها بإمامة جبريل له ﵊، فصلى به جبريل ﵇، وصلى النبي ﷺ بالناس، من غير أن يرى الناس جبريل، فجاءه في اليوم الأول، أي صبيحة الليلة التي فرضت فيها الصلاة - وهي ليلة الاسراء والمعراج - وعين له أول وقت صلاة الظهر - وهي الأوقات التي صلاها النبي ﷺ والمسلمون، ولهذا تسمى الصلاة الأولى، فعين له وقت صلاة الظهر - وهو الزوال - ثم جاءه وقت صلاة العصر، وهو إذا كان ظل كل شيء قائم مثله، وهكذا وقت صلاة المغرب بعد غروب الشمس، ثم صلاة العشاء بعد مغيب الشفق الأحمر، ثم أتاه من غد وقت الفجر لصلاة الصبح، وأتاه من الغد بعد هذه الأوقات في آخر وقت كل صلاة، وصلى به الصلوات المذكورة آنفا، وبين له أن ما بين أول وقت الصلاة في المرة الأولى وبين وقت الصلاة في المرة الآخرة هو الوقت المحدد من الله لتفعل وتؤدى فيه الصلوات المفروضة.
وقد رآى بعض العلماء في تخصيص هذه الأوقات للصلوات المفروضة رأيا وأخذ منه الحكمة لكل صلاة في وقتها المحدد لها على حسب ما تقدم بيانه، ومن أحسن ما قيل في هذا هو:
стр. 64
تذكر الإنسان بها نشأته الأولى وبداية خلقه، إذ ولادته كطلوع الشمس، ونشوؤه كارتفاعها، وشبابه كوقوفها عند الاستواء، وكهولته كميلها للزوال، وشيخوخته كقربها للغروب، وموته كغروبها، وفناء جسمه كانمحاق أثرها وهو الشفق الأحمر، فوجبت حينئذ صلاة العشاء، تذكيرا له بذلك، كما أن كمال خلقته في بطن أمه وتهيئته للخروج كطلوع الفجر، الذي هو مقدمة لطلوع الشمس المشبهة بالولادة، فوجبت صلاة الصبح حينئذ تذكيرا بذلك أيضا.
وكأن حكمة كون صلاة الصبح ركعتين تكمن في بقاء كسل النوم لهذا خففت، أما كون صلاة الظهر أربعا والعصر أربعا فلتوفر النشاط عند وقتهما، لأن وقتهما وقت أعمال وتعاطي أسباب اكتساب المعيشة، وكان حكمة جعلهما أربعا أربعا فلما في جسم الإنسان من الأخلاط الأربعة وهي / الصفراء، والسوداء، والدم، والبلغم، فجعل لكل من ذلك في حال النشاط ركعة لتصلحه وتعدله، وكانت المغرب ثلاثا لأنها وتر النهار، كما جاء في الحديث "المغرب وتر النهار فأوتروا صلاة الليل" (١) فتعود بركة الوترية على المصلي، "إن الله تعالى وتر يحب الوتر، فأوتروا يا أهل القرآن" (٢) وألحقت العشاء بالعصرين - في كونها أربعا - لينجبر نقص الليل عن النهار، اذ فيه فرضان فقط، وفى النهار ثلاثة فروض، لكون النفس في النهار أقوى على الحركة
стр. 65
والعمل من الليل، والله وحده العالم بالأسرار والحكم، إنما هذا افتراض وفهم للحكمة الربانية فقط. والعلم عند الله.
كثرة ثوابها، وتكفيرها لذنوب المحافظ عليها:
فى إقامة الصلاة وأدائها كما أمر الله، والمحافظة عليها أجر كبير وثواب عظيم يناله من يؤديها كاملة غير منقوصة، ففي إسباغ الوضوء لها أجر، وفى المشي إلى المسجد والاقامة فيه بنية الصلاة ثواب، وفي صلاتها في جماعة وبإمام لها مزية على غيرها وجزاء أوفر، وكون المصلي يدع أشغاله لأدائها زيادة في الأجر والثواب، وغير هذا مما له صلة بها كالخشوع فيها وغيره.
لهذا حرض عليها الرسول الكريم ﷺ ، كثيرا وكرر الحث والتحريض على فعلها لمكانتها في الشريعة الإسلامية، وضرب لها الأمثال ليعتبر بذلك المسلمون، ويتعظوا حتى لا يزهدوا فيها وفى فضلها، أو يتهاونوا في شأنها.
من ذلك ما أخرجه الإمام البخاري في صحيحه وبسنده إلى أبي هريرة ﵁، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول مخاطبا أصحابه رضوان الله عليهم، ومبينا لهم فضل الصلاة: "أرأيتم لو أن نهرا بباب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمسا، ما تقول في ذلك؟ يبقي من درنه؟ قالوا لا يبقي من درنه شيئا، قال فذلك مثل الصلوات الخمس، يمحو الله بها الخطايا" كما رواه مسلم وغيره بألفاظ متقاربة، والأحاديث في فضلها كثيرة.
стр. 66
السهم الثالث:
- الزكاة -
السهم الثالث من أسهم الإسلام - كما ورد في حديث حذيفة - هو الزكاة، وهي في اللغة العربية يعطي مدلولها معنى النمو والزيادة في الشيء والتطهير، فالمال الذي تخرج منه الزكاة ينمو ويزيد، وهذا بالشاهدة والتجريب. وتطهر المزكي من مرض الشح وهي قاعدة معتبرة في الشريعة الإسلامية الرحيمة بالأمة المحمدية الكريمة، فقد فرضها الخالق الحكيم على ذوي الثراء والمال ليقاوم بها طغيانه وجبروته على الضعفاء والعجزة والمحاويج من عباد الله، كما يقاوم بها الفقر الذي كاد أن يكون كفرا، بمعنى أحد أسباب الكفر، لأنه يدخل القنوط واليأس من الرزق ومن الله الرازق على قلوب الفقراء وليجعل للفقراء حظوظا وسهاما وقسمة في أموال الأغنياء، حتى لا يبقى الفقير محروما من وسائل العيش الشريف، في حين يرى الغني متمتعا في حياته الدنيوية، وأيضا حتى لا تستولي الأحقاد والضغائن والحسد على قلوب الفقراء، فيقاوموا الأغنياء على غناهم وما هم فيه من رغد العيش والبذخ، فيناصبوهم العداء
стр. 67
والكراهية، وما ينشأ عن هذا الا الشرور والمفاسد، من السرقات والاعتداءات، وليصفو الجو بين كل أبناء الشريعة الإسلامية، وتتحسن العلاقات ويسود بينهم جو الأخوة الدينية الحقيقية التي جعلها الله بين المسلمين، وكي لا تكون الخصومات والعداوات، من أجل حطام الدنيا الفانية، فأوجب الله على الغني أن يشرك معه الفقير فيما أعطاه الله من رزق ومال، من غير من عليه، ولا ظلم له ولا احتقار، فقد أشركه معه بنصيب من ماله لا يجحف به ولا يضر بمصلحته، بل ولا يشعر بثقله عليه، في الوقت الذي ينتفع به الفقير والعاجز عن الكسب والعمل على تحصيل مال ينفقه على ضرورياته المعيشية، وليمحو الله به آثار الفقر وذل السؤال من وسط المجتمع الإسلامي، فكل المسلمين تسود بينهم روح المودة والأخوة والصفاء والعطف على بعضهم بعضا، فإذا أدى المسلمون الزكاة المفروضة عليهم فقد سدوا منفذا عظيما كان ينفذ منه الشيطان لافساد ذات بينهم بوساوسه لاشعال نار الفتنة بينهم، حتى لا يتربص فقيرهم بغنيهم الدوائر، كما شاهدنا هذا في الأوقات التي عطل فيها بعض المسلمين أحكام الله تعالى، فمنعوا الفقراء والمساكين من حقهم الذي منحهم إياه الخالق الحكيم كما قال: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ (١).
هذا هو التشريع الحق - وأيم الله - الذي لا يتنافى والفطرة الإنسانية التي فطر الله عليها عباده، تشريع حكيم إذا طبق على
стр. 68
حقيقته فإن ينابيع الرحمة تنبع وتتفجر منه كذلك عيون العطف، فتسقي القلوب العطشى التي هي في حاجة إلى من يسقيها بماء الرحمة والحياة، لا ذلك الاضطهاد والقهر الذي جاءت به الاشتراكية الماركسية وزرعته في بعض الأوطان الإسلامية التي اختارته وفضلته على التشريع الرباني فأفسدت به القلوب وتركتها متنافرة متباغضة، فسلبت الناس أموالهم لتثرى بها (أذنابها) وتبني بها القصور - كما هو مشاهد - وتعيش بها عيشة البذخ والترف، في حين يعيش فيه أرباب تلك الأموال عيشة التعاسة والحرمان، فما أعدل التشريع الإسلامي وما أحكمه، فإنه لم يظلم أحدا، ولم يمتهن فقيرا، ولا أغضب غنيا، ولم يعط أحدا ما لا يستحقه ولا يقدر عليه.
فلو فعل كل ذوي الثراء والمال من المسلمين ما فرضه الله عليهم، فأخرجوا زكوات أموالهم وجمعت - كما هو المطلوب منهم - سواء في بيت مال المسلمين - إذا كانت الدولة إسلامية - عملا وتطبيقا - أو في مؤسسة خاصة بها، وتولاها أناس مسلمون - حقيقة - أمناء عليها يوزعونها بين الفقراء والمساكين في جميع أوقات الحاجة إليها - لما رأينا سائلا يسأل المارة في الطرقات، وأمام أعين غير المسلمين، وفى هذا خدش لكرامة الإنسان، ومهانة لسكان الوطن الإسلامي، فهذا أليق من أن يتولاها ويتولى توزيعها من وجبت عليه مباشرة منه إلى الفقير، فمهما يكن حريصا على إخراجها وأدائها الا أنه قد لا يصادف بها من يستحقها ومن هو في أشد الحاجة اليها، فيتلقفها منه من ليس هو من أهلها، دفعه إلى أخذها
стр. 69
منه الاحتيال والشعوذة، وتظاهره بالفقر والمسكنة، لأن حاله خافية عن المزكي، فتضيع الحكمة من إخراجها، وفى هذه الحالة تنعدم الفائدة منها، وهي سد حاجة الفقير وستر حاله أمام أعين الناس حتى لا ينكشف أمره فيظهر فقره، والمطلوب أن يكون ممن قال الله فيهم: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ (١).
وحكمة فرضها على المسلمين في القمة من مزايا وحسنات شريعتنا الإسلامية التي سوت بين الناس، وفرض الزكاة وإخراجها يعبر عن الرحمة والتعاطف والمواساة لكل أبناء الملة الإسلامية، والى هذا الوقت - وقت التقدم العلمي والاقتصادي والحضارة الإنسانية - لم تشرع فيه أية دولة - من دوله - مهما بلغت ما بلغت من الحضارة والازدهار والرقي المادي ووفرة المال والمشاريع والشركات ما شرعته الشريعة الإسلامية في باب مقاومة الفقر والتسول والاحتياج للمسلمين - لو فعلوا ما شرعته لهم شريعتهم - وقد أعجب بهذا التشريع الحكيم بعض من لا يدينون بدين الإسلام، واعتبروه من أفضل ما دعت اليه شريعتنا، فهو وسيلة من وسائل تخفيف آلام الفقر والحرمان، كما هو في ذات الوقت نعم العون على مقاومة الشرور والمفاسد كالسرقة وغيرها، هذه هي الشريعة العادلة، زادها الله حبا في قلوب المسلمين وعملا على
стр. 70
نشرها وتعميمها وتطبيقها في بلدانهم على بني الإنسانية كلهم، فإنها لم تلق في أوساط المسلمين من يدعو لها ويحببها إلى الناس الا قليلا من بعض الأفراد والهيآت الإسلامية في بعض الأوطان، التي تتزعم حركة الدعوة اليها، ولكنها غير كافية ولا وافية بالغرض منها، مع اتساع رقعة الأوطان التي يسكنها المسلمون.
والعمل - هنا - يكون بوسائله المفيدة والنافعة، ومن أفضلها تطبيقها والعمل بها فعلا - لا ادعاء - في نفس تلك الأوطان، وتطبيقها نصا وروحا، حتى يكون للدعوة صداها وتأثيرها العميق في قلوب المدعوين إلى تطبيقها والعمل بها، وحتى لا يقال لهم ما قيل لغير العاملين بأقوالهم، كما قص الله علينا في القرآن حين قال وقوله الحق: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ (١).
أما تاريخ فرضها على المسلمين من رب العالمين فقد كان في السنة الثانية من هجرة النبي ﷺ من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة، وقد وجد فيها الفقراء بعض ما سد خلتهم وأنقذهم من ضيق الفقر والحاجة إلى غيرهم.
وأما من هم المستحقون لها؟ وما هو النصاب - المقدار - الذي ان وجد عند الغني وملكه وجبت عليه فيه الزكاة؟ وما هو القدر المدفوع من ذلك المال للفقراء والمساكين؟ فكل هذا قد تكفلت
стр. 71
ببيانه كتب السنة النبوية المستمدة من شرح وبيان الرسول ﷺ ، كما هو مبسوط في كتب الفقه المأخوذة من كتب السنة النبوية الشريفة.
ذلك أن الصلاة والزكاة المفروضتين من الله على عباده المسلمين جاء ذكرهما في القرآن مجملا من غير بيان ولا تفصيل، حيث أمر الله بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة فقط من غير تعيين لأسماء الصلوات، ولا لأوقاتها، ولا لعدد ركعاتها، ولا لكونها سرية أو جهرية الخ كما لم يتعرض القرآن لأصناف ما يزكى من الأموال وما لا يزكى ولا للمبلغ الذي تدفع منه ولا للمقدار الذي يؤخذ على الأموال الخ، فقد قال الله تعالى في كثير من الآيات القرآنية ذات الصلة بالصلاة والزكاة: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ والذي بين الصلوات بأسمائها وأوقاتها وأفعالها، وحدد مقدار الزكاة والأموال التي تؤخذ منها إنما هو الرسول ﷺ بوحي من الله - غير القرآن - ذلك أن الله قال له: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (١) وقال هو لأصحابه: "صلوا كما رأيتموني أصلي" وقال كذلك: "لتأخذوا عني مناسككم" فقد أمرهم بالاقتداء والاتباع له ولأفعاله، حيث أمرهم بأن يأخذوا عنه هيئة صلاتهم وأفعال حجهم ليوافقوا ما أمرهم الله به من حسن أدائهما، وكالصلاة والحج
стр. 72
الزكاة المفروضة، فالقرآن لم يوضح لنا ما هو نوع المال الذي تؤخذ منه، ولا المقدار المأخوذ، ولا، ولا، إنما وكل هذا إلى صاحب الشريعة المرسل بها من الله، وقد قال ﷺ : "لقد أوتيت القرآن ومثله معه" يشير إلى أن الوحي الذي أنزل عليه منه ما هو قرآن يتلى، ومنه ما هو شرح وبيان للقرآن، فهو الذي بلغ وبين وشرح للمسلمين دينهم.
مسألة خطيرة
وبمناسبة الكلام على الصلاة والزكاة، وخاصة هذه الآية الكريمة ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ ننبه إخوان التوحيد والإسلام إلى شائعات خطيرة تشاع وتذاع، فتسربت إلى عقول وأفكار بعض المتنطعين ممن ينتسبون إلى الإسلام والعلم الناقص، تلقفوها من أفواه أعداء الإسلام من ملاحدة ومستشرقين وغيرهم من الذين يبثون دعايتهم الدنسة وأفكارهم المسمومة في أوساط الشباب المنسوب إلى الإسلام، ذلك الشباب الناقص التفقه في الدين ومعرفة أسرار شريعتهم وأهدافها. بث المستشرقون والملاحدة في أوساط شباب المسلمين - شبهة - أولئك الشبان الذين دخلوا مدارسهم وتخرجوا منها بشهاداتهم العلمية، وبالطبع فإن التعليم الديني الإسلامي غير موجود فيها البتة، بل فيها تعليم إلحادي يحارب الدين ويعاديه، هذه الشبهة التي قد تخفى عليهم معرفتها هي قولهم:
إننا نعلم أن أحكام الدين الإسلامي مستمدة من القرآن، فهو كتاب الفرائض الدينية الواجبة على المسلمين، لكننا لا نجد فيه
стр. 73
أحكام بعض المسائل الدينية، سواء منها الواجبة أو المحرمة، مثل الصلاة والخمر - مثلا - فالقرآن لم ترد فيه آية تحدد صلاة واحدة وتبين صورة أدائها وكيفية فعلها، كما لم يذكر فيه آية تنص على تحريم شرب الخمر وكل ما يتصل بالخمر من بيع وشراء وعمل الخ فيكون فيها حروف تنص على تحريحها "حرم" فمن أين جاء هذا التحريم؟ وكأنواع الصلوات الخمس فلم يرد فيه ذكر أسمائها ولا أوقاتها ولا صفاتها.
هكذا يفتنون شبابنا - بهذه الفتنة - ليصدوهم عن دينهم ويشككوهم فيه وفى تشريعه، وفعلا كان لكلامهم هذا تأثير على البعض من الشباب، فزهدوا في واجبات دينهم، وتعاطوا بعض ما حرمه الله.
ولكشف شبهتهم هذه، ونقض كلامهم الباطل ورد دعايتهم المسمومة نقول: إنه لا يخفى على ذوي الألباب النيرة والادراك المبني على الحجة والدليل أن أحكام الشريعة الإسلامية مستمدة من أصول التشريع الخمسة وهي/ الكتاب والسنة، والقياس، والاجماع - اجماع العلماء المجتهدين - والمصالح المرسلة، عند بعض العلماء في هذا الأخير. فالكتاب - القرآن - كتاب الله، والسنة النبوية هي أقوال الرسول ﷺ وأفعاله، وإقراره، وسكوته. أما القياس فهو عند عدم النص من هذين الأصلين - الكتاب والسنة - فيقاس عليهما، أما الاجماع فهو اجماح العلماء المجتهدين على حكم فيما إذا حدث أمر ولم يكن فيه نص، مما ذكر، فهو متفرع عن الكتاب والسنة.
стр. 74
فالسنة شارحة ومبنية للقرآن، ففي تحريم الخمر - مثلا - نستطيع أخذ حكم التحريم لها من القرآن - زيادة عن النصوص الكثيرة والأحاديث الواردة من صاحب الرسالة ﷺ نفسه، من غير احتياج إلى حروف - حرم - لأن الله تعالى قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (١) فقوله تعالى ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ هذا أمر، والأمر إذا أطلق في اللفط ولم يقيد بشيء أفاد الوجوب، كما هي القاعدة الأصولية، أفلا يفهم هؤلاء المتنطعون من هذا الأمر التحريم؟ فالقرآن نزل باللسان العربي، فمن أراد أن يفهمه فعليه بتعلم العربية والا فليمسك لسانه عن الخوض فيه، فمعنى الآية/ أيها المؤمنون يجب عليكم اجتناب وترك هذه المذكورات هنا وهي: الخمر، والميسر - القمار - والأنصاب - وهي الأوثان التي كانت العرب تعبدها، والأزلام - عملية القرعة على أمور معروفة عند العرب، كل هذه المذكورات في هذه الآية رجس وقذر من وساوس الشيطان وتزيينه لها في أعين الجاهلين لعواقبها السيئة، فظهر من أعمال بعض المستشرقين والملاحدة أنهم تطوعوا من تلقاء أنفسهم، واكتشفوا ما لم يكتشفه علماء المسلمين منذ أربعة عشر قرنا واكتشافهم هذا باطل ولا أصل له، اللهم الا اعانتهم للشيطان في خدماته المعروفة، وهي فتنته وإفتانه للمؤمنين، فشاركوا إبليس
стр. 75
فى أعماله، والا فما هو الحامل والدافع لهم على هذا التشكيك الذي حاولوا نشره في مجتمعات وملتقيات الشباب الإسلامي غير الواعي لدينه وشريعته، فهؤلاء القوم دائمو البحث والتنقيب عن شبهات يبثونها في مجتمعات الشباب الجاهل لدينه، ولكن هيهات لما يريدون هيهات، فديننا قوي متين في حجته وفى تشريعه.
ان المسلم الصادق في إسلامه لا يفرق بين ما شرعه القرآن وبين ما شرعه الرسول ﷺ ، لايمانه بهما معا، فقد قال الله تعالى في القرآن: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (١) وكأن الرسول ﷺ توقع أنه سيحدث في وقت - ما - من يفتن المسلمين ويصدهم عن دينهم بما يذيعه وينشره بينهم من شبهات، فيقول قائلهم: لا نعمل إلا بما هو مذكور في القرآن، كما صرح بهذا في المدة الأخيرة أحد الحمقى من زعماء التجديد ممن له سلطة في حكومة لشعب مسلم ذاق ألوانا من الاستعمار الفشيستي، ولما تحرر منه تسلط عليه هذا الطائش فراح يصرح ويتهم علماء الحديث الصحيح ويشكك الناس في دينهم وسنة نبيهم، بناء على جهله وطيشه وخفته، والا فمن أين له أن يصل إلى مرتبة العلماء ذوي الرأي الصائب والفكر الثاقب فقد فضح نفسه، وجعل من كان يحترمه بالأمس يسخط عليه لوقاحته وسوء أدبه مع نصوص الشرع الإسلامي الحنيف وسار في خط الملاحدة والمستشرقين الذين