الحوار كما جاء في صحيح الإمام البخاري من كتاب صلاة العيدين، قال أبو سعيد الخدري، فلم يزل الناس على ذلك، - يريد الصلاة قبل الخطبة، كما كان يفعل النبي ﷺ وخلفاؤه من بعده - حتى خرجت مع مروان، وهو أمير المدينة في أضحى أو فطر، فلما أتينا المصلى إذا منبر بناه كثير بن الصلت، فإذا مروان يريد أن يرتقيه قبل أن يصلي فجبذته بثوبه فجبذني، فارتفع فخطب قبل الصلاة، فقلت له، غيرتم والله، فقال: أبا سعيد قد ذهب ما تعلم، فقلت: ما أعلم والله خير مما لا أعلم، فقال: إن الناس لم يكونوا يجلسون لنا بعد الصلاة، فجعلتها قبل الصلاة اهـ - وكان هذا الحوار بينهما فقط - فكان هذا العمل من مروان خلاف السنة التي كان عليها النبي ﷺ وخلفاؤه الأربعة الراشدون من بعد وفاة الرسول ﷺ ، فلما صعد المنبر الوالي المذكور صاح به أحد الحاضرين للصلاة فقال له بصوت عال على رؤوس الناس: الصلاة قبل الخطبة، - يعني أنك خالفت السنة - فما كان من الوالي إلا أن رد عليه بقوله: قد ترك ما هنا لك، فالظاهر من صيحة هذا المصلي في وجه الوالي أنه كان يظن أن الوالي نسي أو أخطأ من غير عمد لتقديمه، الصلاة على الخطبة، لهذا صاح به لما ذكر، والسهو والغفلة قد تحدث للإمام كما تحدث لغيره، غير أنه تبين له من رد مروان عليه أنه متعمد مخالفة السنة النبوية فيما فعل، وغرضه الذي يرمي إليه من هذه المخالفة أن الناس سيبقون إلى الصلاة ولا ينصرفون عنه، لهذا قدم الخطبة وأخر الصلاة.
стр. 142
وكان حاضرا في المصلى - كما مر - الصحابي / أبو سعيد الخدري ﵁ فلما سمع إنكار المنكر على الوالي ولم يرهبه ويخف منه لهذه الصيحة، عند هذا فال أبو سعيد الخدري: أما هذا فقد قضى ما عليه، ثم ذكر الحديث المتقدم فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من رآى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الايمان" فدل قوله: أضعف الايمان، على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من خصال الايمان وذكرا في القرآن متلازمين، في الغالب من الآيات التي دعت إليهما ورغبت في القيام بهما، وروى الترمذي عن حذيفة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابا منه، ثم تدعونه فلا يستجيب لكم".
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيهما نوع من الجهاد كما جاء في الحديث الذي رواه ابن ماجة وغيره عن أبي السعيد الخدري ﵁ وهو قوله ﵊: " أفضل الجهاد كلمة حق - وفى رواية عدل - عند سلطان جائر".
وقد روى معنى حديث أبي سعيد الخدري من وجه آخر، فخرجه مسلم من حديث ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: "ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره
стр. 143
ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف، يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل". فهذا الحديث أعم وأشمل من ذلك.
إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أولى وأجل وأفضل ما يقدمه المسلم الخالص لدينه وأمته، ذلك المسلم الذي يسره الله عليه وأكرمه به وبصره بما يكون بعد القيام بهما من الخير والصلاح لهذه الأمة، وفى تركهما من الشر والفساد - وحتى الكفر - في هذه الأمة، فإنها لا تستقيم أحوالها ولا يستقيم أمرها إلا بالعودة والرجوع إلى ما كان عليه سلفها الصالح، وهذه نصيحة إمام دار الهجرة مالك بن أنس ﵁، وكلمته التي بقيت بعده مضرب الأمثال، ومرجع الآمال، في كل وقت وحال، ويتسابق إليها الوعاظ الناصحون في مواعظم، وتلك الكلمة هي قوله: "لا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها".
وقد ينال من قام بهذين الفرضين، أو السهمين الإسلاميين - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - ما تكرهه النفوس الضعيفة من أذى وضرر ومكروه في سبيل القيام بهما غير أن الواجب على القائم بهذا هو الصبر والتحمل لكل ما يصيبه في سبيلهما من مكروه، وأين نحن مما أصاب رسل الله في سبيل تبليغ الرسالات إلى من أرسلوا إليهم منهم، وأخبار ذلك مفصلة
стр. 144
ومجملة في القرآن، فقد اتهم الرسل عليهم الصلاة والسلام بالجنون وهم أكبر الناس عقولا إلى آخر ما هو معلوم وكان من قبلنا يفتنون ويعذبون بأنواع شتى من العذاب كي يتركوا دينهم ولكنهم حافظوا على التمسك به، وأبوا أن يستجيبوا للظالمين فيما دعوهم إليه، فنشروا بالمناشير، وخدت لهم الأخاديد وأضرمت لهم فيها النيران وألقوا فيها فما صدهم كل ذلك عن دينهم، ولا اتبعوا سبيل الظالمين، فهذا هو الايمان بالله صدقا وهذا هو التصديق بوعد الله حقا، وهذا هو اليقين الذي ينجي صاحبه من عذاب الله.
فقد ذكر الله في القرآن ما أوصى به لقمان الحكيم لولده، فقد أوصاه بالصبر وتحمل الأذى في سبيل القيام بهذين الواجبين الخطيرين اللذين لا يستطيع أن يتحمل المكروه في سبيل أدائهما والقيام بهما إلا المخلصون المحبون للخير والفضيلة أولي العزم والصدق في اللقاء والعمل لله وحده، فقال: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (١).
حقا إنها درجة عالية لا يهبها الله إلا لذوي النفوس الصبورة على ما يصيبها من أجل القيام بذلك، وأي شيء هذا الذي ينوه به خالق الخلق؟ وما هي فائدة هذا الذي يضعه الخالق في قلوب طاهرة ونفوس قوية الايمان، لا ترضى لهذا المجتمع أو ذاك إلا
стр. 145
ما يرضاه لها ربها وخالقها؟ كل ذلك من أجل المحافظة على سلامة العقيدة والدين والمجتمع، حتى لا يصيبه ما أصاب المجتمعات التي سبقتنا، حيث أهمل فيها هذا الركن العظيم من بين أفراد المجتمع وحكوماته المتتالية، فحل بالجميع الهلاك والدمار، وبقيت أخبارهم تتلى في المجتمعات تتناقلها كتب التاريخ، حقا ان في ذلك لعبرة لأولي الألباب.
إن هذه المناكر الطارئة والطاغية على حياة المجتمع أكثر ما تكون من الغنى بعد الفقر، والوجد بعد الحرمان كما قال رب العالمين: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ إن وقوع هذه المناكر في المجتمعات التي لم تكن معروفة فيها من قبل تشبه إلى حد بعيد تلك الأمراض الوافدة من خارج الوطن، والتي تفد مع من يفد إلى مجتمع - ما - لأغراض متعددة كالتعاون في وقتنا الحاضر، ومن خاصتها أنها سريعة الانتشار والعدوى، لأن أهل الوطن ينظرون إلى كل ما جاءهم من الخارج أنه حسن لائق بهم، ولهذا رأيناهم يتسابقون إلى فعله ليصبحوا من أهله.
ومن المعروف من أقدم الأزمنة إلى يومنا الحاضر/ أن المسؤولين عن تدبير أمور البلد - الولاة - إذا أحسوا بحدوث أي مرض خطير - كالطاعون مثلا - فإنهم يسارعون لدفع خطره عن الوطن بالعلاج النافع الذي يقي الأمة شره وخطره كالتطعيم وغيره، فإذا تركوه من غير عناية به وأهملوا شأنه فإنه يلحق بالأمة أشد أنواع الأمراض وأخطرها ولربما يؤدي إلى هلاكها
стр. 146
وفنائها، والتساهل في مقاومته يودي بخلاصة الأمة وزهرتها، وبعد هذا تندم على تفريطها، ولات ساعة مندم. فترك المعروف من الدين يسمى إهمالا أو تهاونا، وفعل المنكرات يسمى استخفافا وعدم مبالاة بها، والسكوت عنها ممن هم أهل للتصدي لها يؤدي حتما إلى غضب الله وسخطه، وفى غضب الله وسخطه العقاب السريع في الدنيا والعذاب الأليم في الآخرة، فالعذاب والعقاب إذا نزل بأمة فإنه يصيب الجميع الفاعل للمنكر والتارك للمعروف والساكت عن الزجر والتقريع والتغيير.
قال رسول الله ﷺ في سكوت أمته عن مقاومة الظلم: (إذا رأيت أمتي تهاب الظالم أن تقول له: إنك ظالم فقد تودع منهم) أخرجه الأئمة أحمد والحاكم والطبراني وغيرهم عن عبد الله بن عمرو.
وخرج الإمام أحمد ﵀ من حديث عدي بن عمير قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الله لا يعذب العامة بعمل الخاصة، حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم وهم قادرون على أن ينكروه فلا ينكروه، فإذا فعلوا ذلك عذب الله العامة والخاصة" وفى سنن أبي داود العرس بن عميرة الكندي عن النبي ﷺ قال: "إذا عملت الخطيئة في الأرض، كان من شهدها فكرهها كمن غاب عنها، ومن غاب عنها فرضيها كان كمن شهدها" فالحديث يدل بصراحة على أن
стр. 147
المنكر للخطيئة والمعصية التي وقعت يعامله الله معاملة الغائب عنها فكأنه لم يشهدها ولم يسمع بها حتى يطالب بإنكارها، فهو لا إثم عليه لأنه غير مطالب بشيء حيث لم ير ولم يسمع، أما إذا رضي بها وبوقوعها ولو كان غائبا عنها ولم يشهدها كان عليه الإثم كإثم فاعلها.
إن الرضا بالخطايا من أقبح المحرمات، ومن أجل هذا شهر القرآن بسكوت أولي الأمر عن فاعلي المنكرات فلم ينهوا عنها، فقد لعن الله الساكتين عن تغيير المنكرات، إذ يراهم كأنهم راضون بفعلها، كما قص علينا ربنا في القرآن قصة بني إسرائيل في هذا المعنى فقال: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ (١).
فما أقبح هذا الذم وما أشنعه، فليس في العقوبات نوع أشنع من اللعن، إذ معناه أن الملعون مغضوب عليه من رب العالمين، ومطرود من ساحة رحمة الرحمن الرحيم، فإلى أين يتجه هذا الملعون؟ ليس له إلا اتجاه واحد هو عقاب الله الشديد وعذابه الأليم في نار جهنم التي أعدت للعصاة والكافرين.
واللعن جاء في القرآن على لسان الرسول ﷺ لأناس خالفوا المنهج الإسلامي وغيروا وزوروا ودلسوا الحقائق
стр. 148
ليخفوا ما وراءها، ولما كثر فعل ما لا يليق بالمسلمين فعله من الزور والتزوير حذر منه نبينا ﵊، من هذا ما ورد منه في صحيح الأخبار والآثار من النهي الشديد وأقبح الوعيد في حق طائفة من الذين لا تعنيهم حقائق الأشياء إلا إذا غيروها وبدلوها وزوروا فيها. من ذلك عملية الواصلة والمستوصلة الخ، فقد ورد في صحيح الإمام مسلم والبخاري وغيرهما أن النبي ﷺ لعن الواشمة الخ فقد ورد في صحيح مسلم عن أسماء بنت أبي بكر قالت جاءت امرأة إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله إن لي ابنة عريسا أصابتها حصبة فتمرق شعرها أفأصله؟ فقال: "لعن الله الواصلة والمستوصلة" والواصلة هي المرأة التي تصل وتربط شعرا بشعر لتزيد في طوله، والمستوصلة هي المرأة التي تطلب ذلك، ومعنى تمرق وفى رواية أخرى تمرط بمعنى تساقط، وهذا من أثر مرضها بالحصبة، والمرأة من الأنصار، فزجرها عن فعله لما فيه من التغرير بالرجل والتزوير والكذب وطمس الحقائق، هذا ما كان في القديم أما الآن فقد يقصر الشعر الطويل، وفي مسلم زيادة عمن ذكره جاء لعن الواشمة والمستوشمة الخ. فقد جاء فيه عن عبد الله - بن مسعود ﵁ قال: "لعق الله الواشمات والمستوشمات والنامصات والمتنمصات، والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله" قال فبلغ ذلك امرأة من بني أسد يقال لها "أم يعقوب"
стр. 149
وكانت تقرأ القرآن فأتته فقالت: ما حديث بلغني عنك أنك لعنت (الواشمات والمستوشمات، والنامصات والمتنمصات، والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله). فقال عبد الله: وما لي لا ألعن من لعن رسول الله ﷺ ؟ وهو في كتاب الله، فقالت المرأة: لقد قرأت ما بين لوحي المصحف فما وجدته، فقال: لئن كنت قرأتيه لقد وجدتيه، قال الله : ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾. فقالت المرأة: فإني أرى شيئا من هذا على امرأتك الآن، فقال: اذهبي فانظري، قال فدخلت على امرأة عبد الله فلم تر شيئا فجاءت إليه فقالت: ما رأيت شيئا، فقال: أما لو كان ذلك لم نجامعها، أي لم نجتمع معا يريد أنه طلقها لو فعلت ما ذكر، وفى رواية عن ابن عمر ﵄ (لعن رسول الله ﷺ الواصلة والمستوصلة والواشمة والمستوشمة). وهؤلاء الملعونات على لسان رسول الله ﷺ هن:
١ - الواصلة هي التي تصل شعر المرأة بشعر آخر فتضم شعرا غريبا عن شعر المرأة إلى شعر امرأة أخرى.
٢ - المستوصلة هي التي تطلب فعل هذا الوصل، أي وصل شعر آخر بشعرها.
٣ - والواشمة هي فاعلة الوشم، وهي المرأة التي تغرز إبرة أو نحوها في الجلد حتى يخرج منه الدم، فتحشو ذلك الموضع
стр. 150
بكحل أو حبر أو غيرهما، فإذا جف الدم بقي مكان غرز الإبرة على لون الكحل أو غيره، وهو حرام على الفاعلة والمفعول بها إذا كانت طلبته ورضيت به وكانت عاقلة مدركة وإن كانت صغيرة فالإثم على من فعله لها.
٤ - والمستوشمة هي التي تطلب بأن يفعل لها هذا، والموضع الذي وشم يصير نجسا، فإن أمكن إزالته بالعلاج وجبت إزالته.
٥ - والنامصة هي التي تزيل الشعر من الوجه، أو من الحواجب بقصد ترقيقهما للتزين.
٦ - والمتنمصة هي التي تطلب فعل ذلك بها، ويقال للمنقاش الذي ينتف به الشعر "منماص".
٧ - والمتفلجات وهو من الفلج، وهو فرجة تكون بين الأسنان الثنايا أو الرباعيات، والتفليج أن تبرد بالمبرد ما بين هذه الأسنان حتى تجعل منه الفلج، وذلك يعتبر من الحسن والزينة للمرأة، وتفعله المرأة العجوز لتظهر وكأنها صغيرة، لأن الفلج كثيرا ما يكون في البنات، فهو من تغيير خلق الله.
وهذه المنهيات هي من المحرمات والمعاصي الكبائر، وهي من وحي الشيطان وأمره، كما حكى القرآن عنه أنه توعد بني آدم وقال: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ والوشم كان في القديم في النساء فقط فصار الآن فيهن وفي الرجال.
стр. 151
وبصور وأنواع مختلفة، وعلى جميع أعضاء الجسد، من صدر وساعد وغيرهما، زيادة عن الوجه، وفيه نوع منه يوضع على الجبهة في مكان السجود في الصلاة، ويسمى "الذبابة أو الذبانة " وهو يمثل صليبا واضحا، ولعله من علامة عباد الصليب جعلوه علامة على التعارف بينهم، وإن لم يشعر فاعله به، والكل حرام، وهو من المعاصي الكبائر، كما نبه عليه الإمام ابن حجر في كتابه "الزواجر عن ارتكاب الكبائر" لأن من أمارات المعصية الكبيرة (اللعن).
ومن هذا القبيل ما ورد في صحيح الإمام مسلم وغيره عن عبد الرحمن بن عوف أنه سمع معاوية بن أبي سفيان عام حج وهو على منبر المدينة وتناول قصة من شعر كانت في يد حرسي (شرطي) يقول - معاوية -: "يا أهل المدينة أين علماؤكم؟ سمعت رسول الله ﷺ ينهى عن مثل هذه ويقول: إنما هلكت بنو اسرائيل حين اتخذ هذه نساؤهم" ووردت رواية أخرى فيه عن سعيد بن المسيب قال: قدم معاوية المدينة فخطبنا وأخرج كبة من شعر فقال: "ما كنت أرى أن أحدا يفعله إلا اليهود"، إن رسول الله ﷺ بلغه فسماه الزور، ولاشك أن ما قاله معاوية قد رآه في نساء المدينة المنورة من وصل الشعر بالشعر كما تقدم، وفى حديث معاوية هذا اعتناء الخلفاء وسائر ولاة أمور المسلمين بإنكار المنكر وإشاعة إزالته، بل فيه توبيخ شديد لمن أهمل إنكار المنكرات من العلماء الذين يتوجه إليهم
стр. 152
ذلك التوبيخ، وقد حذر الرسول ﷺ الأمة من السكوت عن إنكار المنكر وخاصة علماء الدين، فقد روى أصحاب السنن عن الرسول ﷺ هذا التحذير بل وفيه الوعيد، أخرج الإمام الترمذي في جامعه عن حذيفة بن اليمان هذا الحديث وقال في آخره "حديث حسن" وهو قوله: عن حذيفة بن اليمان عن النبي ﷺ قال: "والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابا منه فتدعونه فلا يستجيب لكم".
والمقصود من كل ما تقدم سواء من حديث الرسول ﷺ أو من قول معاوية: يا أهل المدينة أين علماؤكم، المقصود من هذا ظاهر وواضح وهو توجيه اللوم والعتاب إلى أولي الأمر منا وخاصة علماء الدين الذين يسكتون عن إنكار ما يحدث ويتجدد في وسط المجتمع الإسلامي من المنكرات، على مرآى ومسمع منهم، سواء وقعت المخالفة للدين من الرجال أم من النساء، إذ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر نوع من أنواع الجهاد في سبيل الله وقد قال رسول الله ﷺ ؟: "أفضل الجهاد كلمة عدل - وفى رواية حق - عند سلطان جائر" كما تقدم.
فسكوت علماء الإسلام عن النهي والانكار يطور المخالفات الصادرة من بعض الناس إلى الزيادة في فعل تلك المخالفات - كما هو مشاهد بالأبصار ومعلوم بالروايات عن الثقات - حتى
стр. 153
يستفحل الأمر ولا ينفع بعد ذلك فيها العلاج، فيصعب تركها والاقلاع عنها، بل ويصورها الواقع كأنها مباحة لسكوت علماء الدين عن إنكارها والنهي عن تلك المخالفات للشريعة الإسلامية لأن النفوس ألفتها وتعودتها مع طول المدة.
فاللهم لا تجعلنا من الذين يرون الباطل ظاهرا - وماثلا - أمام أبصارهم ولا ينكرونه، واجعلنا ممن يرفعون أصواتهم - دائما - بإنكار المنكر من غير أن يتأثروا بمراعاة جانب فلان أو فلتان، فإن الباطل عند السكوت عنه يرفع رأسه وصوته عاليا ليراه الناس ويسمعوه، لأنه لم يجد في طريقه من يصده ويقاومه.
إن عصرنا هذا الذي نعيش فيه، أو هذه الفترة التي تمر بها أمتنا الإسلامية فترة صعبة وقاسية على الدين من أجل ما يلاقيه الدعاة إلى الله من الشدة عليهم والعنف معهم، وبالأخص تلك الأوطان التي اشتهرت بمواقفها الحاسمة في أيام تاريخها القديم، فنكوصها على أعقابها أمر لا يليق بماضيها المجيد، فإن الكثير من هذه الأوطان قد انكمش على نفسه، ولا نقول أنه تخلى عن تلك الدعوة والمواقف بتاتا، إنما أصابته فترة فتور، وهذا يرجع إلى أمرين اثنين فيما أعتقد وهما:
الأمر الأول طغيان حكامهم الذين تجاوزوا حدود وظائفهم، كرعاة ناصحين ومسؤولين مخلصين لأمتهم رعاة حقا لمصالح الإسلام والمسلمين أولا، وقبل مراعاة مصالحهم الخاصة،
стр. 154
فقد خيل إليهم أنهم وحدهم أصحاب الكلمة والحق في توجيه المسلمين، ولو كان ذلك التوجيه إلى غير الوجهة التي يحبها الله ويرضاها للمسلمين، ولم يستسيغوا مواقف العلماء من هذا الأمر - توجيه المسلمين إلى غير ما دعا إليه الإسلام - ولم يدركوا أن مسؤولية العلماء في ذلك ربما كانت فوق مسؤولياتهم، إذ لهم المحافظة على سلامة الأوطان وما يتبع ذلك، وللعلماء مسؤولية الدفاع عن سلامة الدين والعقيدة والأخلاق الفاضلة من كل طاريء ودخيل، فقد رأيناهم ولمسناهم في مواقفهم وتصرفاتهم أنهم كلما تكلم عالم نصوح لأمته في أي موضوع ديني أو اجتماعي إلا وتخوفوا منه، واعتقدوا أن هذا منه تهديد لسلامتهم وراحتهم (وأمن الدولة) وأمنهم هم، فناصبوه العداء وراقبوا أعماله وتنقلاته كأنه مثير فتنة، أو يريد الاستيلاء على السلطة كما توهموا هذا، فحاربوه ما وسعهم ذلك بالتضييق عليه في أعماله وأقواله والحد من نشاطه الديني، بل وسد الأبواب في وجهه.
والقرآن يصور لنا أن مثل هذا لا يصدر إلا عن المنافقين، كما قال تعالى في حق المنافقين الذين حاربوا الإسلام في أيامه الأولى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ (١).
стр. 155
والأمر الثاني يرجع إلى مواقف العلماء من أولئك الحكام، فمنهم الرعديد الجبان، الذي حمل أمانة العلم لتكون حجة عليه لا له يوم القيامة، ومنهم المداهن المتملق المسالم لضعفه لقول من قال: (سلم تسلم) ومنهم الذين أشربوا في قلوبهم حب المال والكسب والمغنم على حساب الدين، ولا عليه بعد هذا أانتصر الدين والعقيدة على المهاجمين أم انهزما أو وقفا في مكانهما؟. وقد كان العالم الورع الشيخ عبد الله بن المبارك كثيرا ما يتمثل بهذه الأبيات ويقول:
رَأَيْتُ الذُّنُوبَ تُمِيتُ الْقُلُوبَ ... وَقَدْ يُورِثُ الذُّلَّ إِدْمَانُهَا
وَتَرْكُ الذُّنُوبِ حَيَاةُ الْقُلُوبِ ... وَخَيْرٌ لِنَفْسِكَ عِصْيَانُهَا
وَهَلْ أَفْسَدَ الدِّينَ إِلَّا الْمُلُوكُ ... وَأَحْبَارُ سُوءٍ وَرُهْبَانُهَا
وفى كلا الأمرين يوجد رجال آمنوا بوعد ربهم وبمبدئهم وبمسؤوليتهم، ولم يثنهم عن عزمهم قوة أولئك، ولا ضعف هؤلاء، فأدوا ما عليهم من واجبات، قد تكون ثقيلة في بعض الأوقات، وقاموا بمسؤولياتهم خير قيام يقتضيه عامل الزمان والمكان، فكانوا - إن شاء الله من الناجين - ولم تخل الأرض من داع يدعو إلى الله ومن قائم بأمر الله، والحمد لله.
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مطلوب كل مسلم مؤمن بربه حتى الجالس في قارعة الطريق، حيث نهى رسول الله ﷺ عن الجلوس في طرقات الناس، فقال الصحابة له ما لنا منها بد يا رسول الله، فقال: (فإن أبيتم إلا المجالس
стр. 156
فأعطوا الطريق حقه)، قالوا وما حقه؟ قال: (غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر). وفي هذا الإرشاد فائدة الجميع والحمد لله.
صرخة إلى علماء الإسلام .
إلى من اصطفاهم الله ليكونوا ورثة أنبيائه ورسله، في تحمل شرائعه والذب عنها، وحملهم أمانة العلم والدين ها أنتم تبصرون بأعينكم وتسمعون بآذانكم وتدركون بعقولكم ما نال الدين والعقيدة الإسلامية من مهانة وما استقر في قلوب المسلمين من ضعف في الايمان، ونكران لفضل الإسلام على البشرية، قد رفع بعض ضعاف الايمان رؤوسهم وأصواتهم عالية، منادين بإبعاد الإسلام عن ساحة المسلمين، مرددين كلمات ألقيت إليهم من خصوم الإسلام فتلقفوها بلهفة تلقف الجائع للقمة الحقيرة، وابتلعوها - من غير مضغ - على ما فيها من سموم قاتلة، تاركين وراءهم عيشة الإسلام الهنيئة المريئة الطاهرة المرضية.
أين أنتم يا علماء الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها؟ أين أنتم من خطة أسلافكم؟ والإسلام يهان ويضطهد، أما علمتم ما لحق به وبأهله؟ أما رأيتم ما أصابه وأصابهم؟ أما سمعتم ما نزل بأرضه؟ أرضيتم له كل هذا وأنتم من جنوده وأنصاره؟ تناهشته السباع العادية تريد تمزيقه وتقطيع أوصاله، لتقضي عليه فيما تزعم، كلا!!! والله ما تستطيع ذلك، إنما هي محاولات
стр. 157
يائسة، ومساع خائبة، لأن الإسلام - دين الله - لا يموت، وهو حي باق إلى يوم البعث والنشور.
الإسلام في حاجة إلى مواقفكم الشجاعة، مواقف تشبه مواقف الرعيل الأول، حين صارعهم الباطل فصرعوه، وهزموا جنده وأذلوه - إلا أن جند الله هم الغالبون - وسدوا عليه مسالكه إلى صفوف المسلمين، فعاد أدراجه مهزوما ومخذولا.
ما هذا السكوت - إلا من القليل النادر - بعدما شاهدتم ما هو جار في أوطانكم؟ ﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾.
قد رأيتم جحافل الالحاد والتشويه تجوس خلال الديار، تعثو في الأرض فسادا، ان شرف العلم عظيم، ودرجته أعلى وأرفع، وهذا بالطبع لا يكون إلا للعاملين بعلمهم، ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ إن مسؤولية العلم وخطره أعلى وأعظم، رفعة وانحطاطا، وقديما قال الحكماء: "فِي زَلَّةِ عَالِمٍ زَلَّةُ عَالَمٍ".
ساءت أخلاق المسلمين، فقال الناس: هذا من سكوت العلماء!!
انتهكت الحرمات، وفعلت المحرمات، فصاح الناس هذا من سكوت العلماء!!
стр. 158
تركت الفروض والواجبات الدينية، فقالت العامة هذا من غفلة العلماء!!
طغى حكامهم وصاروا لا يبالون بالحرام والانحراف فقالت العامة هذا نتيجة لجبن العلماء!!
قل الوفاء وكثر الغدر، وضاعت الأمانة من أوساط المسلمين، فقال النقاد هذا من طمع العلماء!!
كثر التملق والتزلف والتمسح بأعتاب الحكام والتقرب منهم وتحسين أعمالهم المنافية لأسس الدين، فقال الناس هذا من رغبة العلماء في وظائفهم وأموالهم!!
ما هو دوركم في هذه الأوساط التي تشاهدونها؟ هل هو دور المرشد النصوح أو هو دور المبهوت المفضوح؟
أصحاب الضلال والباطل والفتن يعملون بحزم ونشاط، وأصحاب الهدى والحق والرشد سامدون صامتون، يراقبون الزحف على الحق والخير والدين من بعيد!! ما سبب هذا الفتور والحيرة؟ هل لم تستبينوا واقع الإسلام والمسلمين؟
أو لم تدركوا المصير؟ هل تذكرون بهذا وأنتم المذكرون؟
أعيذكم بالله أن تكونوا من الذين لا يهمهم أمر الإسلام والمسلمين في شيء، إن كنتم من الذين لا يعنيهم هذا فإن
стр. 159
خصوم الإسلام - وما أكثرهم - يهمهم شأنهم وشأن باطلهم، فهم في غيهم مجدون، وإلى تنفيذ ما يأمرهم به باطلهم مسرعون، يدعوهم فيستجيبون، ويأمرهم فينفذون، ونحن كما قال القائل:
لَقَدْ طُفْتُ فِي تِلْكَ الْمَعَاهِدِ كُلِّهَا ... وَسَرَّحْتُ طَرْفِي بَيْنَ تِلْكَ الْمَعَالِمِ
فَلَمْ أَرَ إِلَّا وَاضِعًا كَفَّ حَائِرٍ ... عَلَى ذَقَنٍ أَوْ قَارِعًا سِنَّ نَادِمِ
والسلام على من اتبع الهدى ورحمة الله وبركاته.
***
стр. 160
السهم الثامن:
الجهاد في سبيل الله
هذا السهم من أسهم الإسلام شرعه الله لحماية الدعوة إلى الله، والدعوة إلى دين الله المحاربة من قوى الكفر والالحاد، لأن هذه القوى من أول يوم ظهر فيه هذا الدين - دين التوحيد - وهي لم تدخر وسعا وطاقة للكيد له ولأهله بشتى أنواع المكايد والحيل، لتصد الناس عن الدخول فيه والاهتداء بهديه القويم، ذلك أن هذه القوى تعلم أن هذه الدعوة الإسلامية هي دعوة من الله حقا، وما كانت عليه هذه القوى مخالف للحق والصواب، فقد حرفت شرائع الله وأحكام دين الله، وشرعت لأتباعها شرائع هي من وحي الشيطان لا من وحي الرحمن ولم يثبت في التاريخ القديم أن أي دين من الأديان وجد من خصومه ما وجده الإسلام من أعدائه، من الاعراض والصدود عنه إلى محاربته بشتى أنواع الحروب، حتى بالتجويع والحصار والقهر والتعذيب والاغتيال والمكائد وغير هذا، ولا زال هذا الوضع إلى الآن، حتى من بعض حكومات الشعوب الإسلامية، لهذا شرع الله الجهاد في سبيل الله.
стр. 161
وكلمة الجهاد في اللغة مشتقة ومأخوذة من الجهد، والجيم فيها تفتح وتضم ولكل معنى، فإن كانت كلمة الجهاد مشتقة من الجهد بفتح الجيم فهذه المادة تدل على المشقة والتعب، فمعنى الجهاد عليها المبالغة في اتعاب النفس في ذات الله وإعلاء كلمته ورفع منار شريعته وإشاعة دينه وعقيدة الحق بين عباده، لأن هذا كله جعله الله سبيلا وطريقا إلى رضوانه ودخول جنته.
فالجهاد هو محاربة الأعداء الذين يحاربون الإسلام وعقيدته، وهو فرض كفاية - إذا قام به البعض سقط عن الباقين - إذ هو لنصرة الإسلام وإعلاء كلمة التوحيد، وهي (لا إله إلا الله محمد رسول الله) ويتعين في حالة دخول الأعداء إلى بلاد المسلمين، - بمعنى يصير فرض عين - على كل من هو قادر عليه بأي شيء من أنواع القدرة، بالنفس، أو بالمال، أو بالجاه أو غير ما ذكر، من كل ما هو من شرع دين الله، ويطلق الجهاد أيضا على مجاهدة النفس والهوى والشيطان وكل ما يصد عن العمل بدين الله، وهذا من أعظم وأشد أنواعه.
فالجهاد إذن هو المبالغة في استفراغ الطاقة والقوة والوسع، سواء بالحرب أو باللسان أو بأية وسيلة تكون لتثبيت العقيدة ونشر الدين ومحاربة الصادين الناس عن دين الله بكل ما يطيق الإنسان من نفس أو مال أو علم، أو غير هذا من كل ما فيه توجيه صالح لعباد الله.
ومن العلماء من يرى أنه مشتق من الجهد - بضم الجيم - بمعنى الطاقة والقدرة والوسع، والكل صحيح، وأكثر
стр. 162
العلماء يميلون إلى أنه مأخوذ من الجهد - بفتح الجيم - نظرا للمشقة والتعب التي تلحق المجاهد في سبيل الله، من مكابدة الموت أو الجراح أو غير هذا، فتقول - مثلا - فلان أصابه جهد وهو ما جهد الإنسان وأتعبه، من مرض أو أمر شاق، كما تقول هو مجهود.
ومشروعية الجهاد كما تقدم كانت لحماية الدين من عدوان المعتدين، وكل شيء في هذه الحياة يحتاج إلى حماية وصيانة من أهله وأولي شأنه يدفعون بها الراغبين والطامعين في أخذ ما يريدون أو إتلافه، مما هو خاص بأهله وأولي شأنه، إذ الواجب على الإنسان أن يصون عرضه ومتاعه وما يملكه ممن يطمعون فيه وفى الاستيلاء عليه.
وقد شرع الجهاد في سبيل الله بعد هجرة النبي ﷺ من مكة إلى المدينة، مثلما كان القتال مشروعا في الأديان السابقة قبل الإسلام، وبه صلحت الشرائع واستمرت أعمالها لهداية الناس، ولولاه لتغلب الكفر وأهله على الدين وأهله، وهذا ما أشار إليه القرآن وصرح به كما في قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (١) فإذا ضعف مفعول الدين في المجتمع الإنساني ولم يستطع المقاومة تغلب الكفر والإلحاد على
стр. 163
الدين وأهله، إلى أن يأتي زمان يشتد فيه ساعد الدين والعقيدة فتكون الغلبة له، وهكذا الحال في كل زمان ومكان.
وقد رغب الإسلام فيه، وحبب إلى أتباعه القيام بهذا الفرض الكفائي الذي لا يستقيم أمر المسلمين ولا تستقر لهم الحياة الهنية إلا به وفى ظله، لحمايته وحماية الدعوة إليه وبقائهما قائمين، من غير أن يظن ظان أنه يهدف إلى التوسع في امتلاك الأراضي، لأن التاريخ شاهد عدل يشهد بأن المسلمين في جهادهم وحروبهم مع الكفار لم تكن لهم نية في الاستيلاء على أراضي المحاربين وقهر أهلها واستعبادهم لأغراض تتنافى مع الإنسانية ومساعدتها على النهوض بنفسها من كبوتها بمرور سنوات التعسف والظلم التي ناءت بأثقالها قرونا طوالا، فجاء الإسلام لنشر العدل والرحمة والأخوة الحقيقية لا الزائفة، والتاريخ شاهد أيضا بأن الدعاة إلى الإسلام والفاتحين منهم لم يقهروا سكان الأوطان التي حلوا بها ولم ينتزعوا منهم أراضيهم ليعطوها إلى إخوانهم وأبناء عمومتهم مثل ما فعله المستعمرون في الأراضي التي استولوا عليها بالقهر والقوة من المسلمين، فلم يفعل المسلمون مثل هذا إلا إذا وجدوا من يقف أمامهم في طريق تبليغ الدعوة ويعارض ويقاوم دعوتهم، فإذا استولوا على الأراضي فإنما أخذوها لأن أهلها حاربوا دعوة الله إلى توحيده وقاوموا ناشري شريعة الإسلام.
стр. 164
إن الجهاد في الإسلام إنما هو إنقاذ للبشر من عبادة غير الله الواحد القهار، فمن قبل الدعوة الإسلامية ولم يحاربها فإن ماله يبقى له بكامله، وكذلك نساؤه وكل ما يملك، كما يشهد التاريخ بأن المسلمين الأعفاء لم يعتدوا على عفاف أية امرأة ممن يحاربونهم، ولم يدعوها إلى الخنا لا بالقوة والترهيب ولا بغيرهما من أنواع الاحتيال والترغيب مثلما فعله المتمدنون - كما يزعمون - من الأوروبيين الذين حاربوا المسلمين في أوطانهم، للاستيلاء عليها وعلى أراضيهم وأموالهم وحتى نسائهم - اللائي لم يحاربن - وحليهن، وكان الفرنسيون في حربهم العدوانية في سبيل استيلائهم على الجزائر سنة ١٨٣٠ يقطعون أعضاء الجزائريات بحليهن ويباع هذا في الأسواق العامة أو يرسل لذويهم كهدايا كما ذكره الفرنسيون أنفسهم، ويكفي شهادة عالم منصف من مؤرخيهم النزهاء عن الكذب والتدليس، ذلكم هو (قوستاف لوبون) قال في كتابه (حضارة العرب): (لم يعرف التاريخ فاتحا أعدل ولا أرحم من العرب) يقصد المسلمين، لتهذيب الإسلام لهم ونهيهم عن الباطل والظلم.
ونسأل: هل سمعتم أن أحد الصحابة المجاهدين في سبيل الله أرغم امرأة على الخنا والفجور - حاشاهم ﵃ من قوم أعفة - لم نسمع بهذا أبدا، بل كانت تصدر الأوامر من مركز القيادة إلى المجاهدين باحترام أهل الدين والشيوخ والعاجزين والصبيان والنساء - ما لم يحملوا السلاح ويحاربوا - فإن الإسلام أمر بصون الجميع وعدم التعرض لهم بأذى، إلا من
стр. 165
أخذ منهم في حالة الحرب مع المسلمين، فإنهم يؤخذون عبيدا وإماء، وحكمهم في الشريعة الإسلامية مقرر ومعروف.
أقام الرسول ﷺ في بلده مكة ثلات عشرة سنة - بعد أن أتته الرسالة من ربه وأمر بالتبليغ من ربه - يدعو الناس إلى الله في المجتمعات العامة وفي أيام الحج وفى الأسواق، يدعو الناس إلى عبادة الله وحده، فرادى وجماعات إلى أن اشتدت عليه وطأة عداوة قومه له، وبعد موت عمه أبي طالب وزوجه خديجة ﵂، وقد كانت درعه الواقية له من أذاهم كعمه، فأمره الله بالهجرة والانتقال من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة، وهذا بعد أن ساق الله له جماعة من أهلها آمنوا برسالته وبدعوته إلى الإسلام، وصدقوه في كل ما جاء به من عند الله، وتعهدوا له بالحماية والدفاع عنه هو وأصحابه وعدم تعرض أي كان إلى دعوته إذا هو انتقل إليهم، وكان هذا التعهد في موسم الحج الأكبر، فوعدهم وبقي ينتظر الإذن من الله حتى جاءه الإذن فهاجر إليها واستقر فيها. هاجر إليها في ليلة تآمر فيها على قتله أعداء الدعوة إلى الله كفار قريش، واتخذ المدينة دار إقامة واستيطان، وقد سبقه إليها أو لحق به من آمن به وبدعوته وكان مستطيعا على الهجرة ولم يطق أن يصبر على أذى المشركين عباد الاحجار، فماذا وجد الرسول ﷺ في دار هجرته - المدينة أو يثرب كما كانت تسمى قبل الهجرة؟ وجد فيها طوائف مختلفة متفرقة، وبين البعض منها عداوات وخصومات وحروب وقهر واستعلاء استمرت سنين
стр. 166
طوالا، فقوم منهم آمنوا به وبدعوته ورسالته، فكانوا من أنصاره السابقين السباقين للخير والهدى والصلاح، بالاسراع إلى إجابة دعوة الله، فشدوا أزر الرسول ﷺ ، وتقوى بهم الإسلام وبمساندتهم له بأنفسهم وبأموالهم، وهذا شيء مبسوط في محله من كتب التاريخ.
ويوجد طوائف من المشركين والمنافقين بهرتهم سرعة الاستجابة لهذا الدين وتغلغله في أوساط سكان يثرب بل وانتشر إلى ما وراءها من الديار، فبهتوا منه ولم يطيقوا صده ولا حربه، فبقوا يناوشونه من وراء بالصد عنه والكيد له، وإن آمنوا به - ظاهرا وهم المنافقون - وأمر المنافقين معروف، فقد أنزل الله فيهم سورة كاملة من القرآن تكشف عن خباياهم، وتحذر من دسائسهم وأكاذيبهم، فإنهم كانوا يعرقلون مسيرة الايمان بالدين وبمن جاء به إلى أن قوي ساعده، عند هذا غلبوا على ما كانوا يذيعونه ورجعوا على أعقابهم خاسرين، وهذا شأن الباطل وصراعه للحق من القديم.
كما وجد طائفة أخرى ممن كانوا يسكنون "يثرب" وأحوازها، وهذه الطائفة أعظم خطرا على الإسلام من المنافقين، وهم اليهود، فلما استقر الرسول ﷺ في "يثرب" وخشوا منه عاهدوه على أن لا يتعرضوا له ولا لدعوته، ولا يتعرض هو لهم في القيام بدينهم، بحيث لا يتدخلون في أمره وأمر الإسلام
стр. 167
والدعوة إليه، ولكن هل لليهود عهد يلتزمون به ويقفون عند حده، أو ميثاق يوفون به؟ الجواب عن هذا السؤال عند التاريخ، وهذا واضح في قوله تعالى فيهم وفي أمثالهم من الناس: ﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ﴾ (١).
فقد نقضوا العهد وغدروا بالوعد، كما هو طبعهم في كل وقت حتى مع خالقهم وأنبيائهم ومع كل من يعاملهم على شيء، ودفع بهم هذا الغدر إلى التحالف مع المشركين - عباد الأوثان - على محاربة الرسول ﷺ ودعوته، مثلما وقع في غزوة "الأحزاب" بعد أن فثسلوا في مقاومتهم له وحدهم، وهذا في سبيل القضاء على دعوة الرسول ﷺ ، ففضلوا الشرك بالله وعبادة الأحجار على الايمان بالله وحده وهو الواحد القهار، وهذا في قولهم للمشركين حين سألوهم عما هو أفضل، هل ما هم عليه - أعني المشركين - أو ما هو عليه محمد ﷺ ؟ فقال اليهود للمشركين: دينكم وما أنتم عليه أفضل وأحسن من دين محمد وما هو عليه، وهذا جاء في قوله تعالى في سياق هذا السؤال، للتعجيب من أمرهم وخداعهم: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ
стр. 168
فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾ (١) والذي دفعهم إلى تفضيل الشرك بالله على الايمان به وحده، ومعنى هذا تفضيل المشركين على المؤمنين، إنما دفعهم إلى هذا الحسد لا غير، إذ هم يعرفون حق المعرفة أنهم في هذا التفضيل كاذبون، كما جاء في الآية بعد هذه، وهي قوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ والناس هنا المقصود به هو محمد ﷺ كما قاله المفسرون لكتاب الله.
ومواقفهم من الرسول ﷺ ودعوته مشهورة، ومن أهمها محاولة قتله والقضاء عليه في عدة مناسبات، منها أنهم هموا باغتياله، بواسطة إلقاء صخرة - حجر رحا - عظيمة عليه من أعلى دار كان جالسا بجنب حائطها، ذلك أنه خرج إلى "بني النضير" - وهم فرقة من يهود المدينة - ليستعين بهم على أداء دية رجلين - لما بينه وبينهم من العهد - فاغتنموها فرصة مواتية للقضاء عليه والتخلص منه، فتآمروا فيما بينهم أيهم يصعد إلى السطح ويلقي عليه هذه الصخرة العظيمة لتكون القاضية على حياته إلى الأبد؟ فإذا قام أصحابه يطالبون بدمه قلنا لهم أنها سقطت عليه من تلقاء نفسها، فالتزم بهذا رجل منهم، وبينما هو يتهيأ لفعلته الغادرة نزل عليه الوحي من ربه يأمره بالابتعاد عن المكان الذي كان جالسا فيه، وأخبره بتدبير المكيدة له، فرجع إلى المدينة مسرعا، وخرج من وسط هؤلاء القوم الغادرين.
стр. 169
وجاء في حوادث غزوة خيبر أن امرأة من يهود "خيبر" تسمى زينب بنت الحارث امرأة سلام بن مشكم قد أهدت له شاة مصلية - مشوية - وجعلت فيها "سما" فلما جلس هو وبعض أصحابه ليأكلوا منها، تناول ﵇ منها الذراع - على عادته - فلاك منها مضغة، فلم يسغها ولفظها من فمه وقال لمن معه: ارفعوا أيديكم إن هذا العظم ليخبرني أنه مسموم، ثم دعا بها فاعترفت بما فعلت، ولما سألها عما حملهما على هذا، أجابت بأنها تريد أن تختبره بما فعلت فإن كان نبيا حقا فإنه يعلم به، وإن كان كاذبا فإنه يموت فنستريح منه.
وفي قصة لبيد بن الأعصم الساحر للرسول ﷺ ما يدل على كيد اليهود له، فقد روى الإمام البخاري في صحيحه عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال لها في قصة سحره: يا عائشة: أشعرت أن الله أفتاني فيما استفتيته فيه؟ أتاني رجلان - ملكان - فقعد أحدهما عند رأسي، والآخر عند رجلي، فقال أحدهما لصاحبه: ما وجع الرجل؟ فقال مطبوب - مسحور -، فقال: من طبه؟ قال لبيد بن الأعصم، قال: في أي شيء؟ قال في مشط ومشاطة، وجف طلع نخلة ذكر، قال: أين هو؟ قال: في بئر ذروان إلى آخر الحديث" وفى أول الحديث قالت السيدة عائشة: سحر رسول الله ﷺ رجل من بني زريق يقال له لبيد بن الأعصم حتى كان رسول الله
стр. 170
صلى الله عليه وسلم يخيل إليه أنه كان يفعل الشيء وما فعله، ولبيد بن الأعصم هذا الذي سحر النبي ﷺ قيل أنه يهودي وقيل بل هو منافق من بني زريق قبيلة من الأنصار وكان حليفا لليهود، وهم الذين طلبوا منه أن يسحر رسول الله ﷺ ففعل، روايتان ذكرهما الإمام البخاري في صحيحه.
هذا من مواقف اليهود من الإسلام ورسوله ودعوته.
بعد هذا التحالف والاتفاق الذي تم بين هذه العناصر الثلاثة المحاربة للإسلام/ المشركين، والمنافقين، واليهود وبسعي من اليهود على محاربة الإسلام ودعوته، نزل من الله الأمر بالقتال والجهاد في سبيل الله حماية للدعوة من كل من يعترض طريقها ليصد الناس عن الدعوة إلى الله كيفما كانت قوته وجيوشه، من ذلك قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ سورة التوبة آية ٣٠.
ونزل في أمر الجهاد قوله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ
стр. 171
عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ سورة الحج.
قال كثير من الصحابة والسلف الصالح: هذه أول آية نزلت من القرآن في الجهاد في سبيل الله، وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ يشعر بأن الله قادر على نصر المؤمنين من غير قتال، ولكنه تعالى القادر على كل شيء أراد من عباده أن يبذلوا جهدهم وطاقتهم في سبيل الله وطاعته ونصر دينه ليعظم لهم بذلك الثواب والأجر، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾ سورة التوبة آية ١١١.
والقتال المشروع في الإسلام يكون من أجل أمور منها: الدفاع عن النفس أو المال أو العرض، دفعا لظلم الظالمين المعتدين، أو للدفاع عن العقيدة والشريعة التي آمن بها المؤمنون، فإنها كثيرا ما تتعرض لمحاولة محوها وإزالتها من لدن أعدائها، وفى مثل هذه الحالة جاءت الآية الكريمة في سورة الشورى، وهي قوله تعالى: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ * إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ الآيتان ٤١ - ٤٢ منها،
стр. 172
وقال ﷻ : ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ الآية ١٩٠ من سورة البقرة. (ولا يسمى القتال جهادا - شرعيا - إلا إذا كان لنصرة الدين والعقيدة).
والجهاد في سبيل الله ونشر دينه وتعميمه إلى بني الإنسان عبادة كبقية العبادات تحتاج إلى نية صادقة وإخلاص في العمل واجتهاد فيه، لأن النية هي التي تميز العبادة والدافع لها، ولا يقبل الله أية عبادة على ظاهرها إلا إذا كانت بنية وجه الله ونشر دينه، وقد يكون القتال للمغنم والكسب الدنيوي، وهذا لا يسمى شرعا جهادا، وإن سماه الانتهازيون للظروف والوقائع جهادا، والجهاد الشرعي - كما بينه الرسول ﷺ للسائل له عنه - أن يكون القصد منه نشر دين التوحيد ومقاومة الشرك والظلم في الارض والفساد، ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ فهو كما قلت عبادة تفتقر إلى نية القصد منه، حتى لا يسمى القتال لارتجاع التراب والشجر والحجر من أيدي الغاصبين لها جهادا، وقد صار القتال لما ذكر "جهادا" والمقاتل مجاهدا، ويعلم الله أنه لأغراض دنيوية وأطماع أخرى لا تتفق مع مشروعية الجهاد والدعوة إلى العمل بشرع الله ونصر دين الإسلام، فقد انكشف القصد منه كما لمسنا هذا في المحاربين للمستعمرين في وقتنا هذا، حيث صارت كلمة المجاهد تعطى لمن حمل السلاح
стр. 173
وقاتل المستعمرين الغاصبين للأوطان، أو لمن سجن، أو عذب لذلك الغرض، فأخرجت كلمة المجاهد من إطارها الديني الخاص بها وأعطيت لأناس هم ضد الدين، إن لم نقل إنهم من أعظم خصومه الصادين عنه، وقد اتضح أمرهم أنهم يعملون ضد الإسلام، ولمحوه وقتله ﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾.
ويكشف عن القصد منه ما رواه الإمام البخاري في صحيحه، من كتاب الجهاد عن أبي موسى - الأشعرى ﵁ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: "يا رسول الله، الرجل يقاتل للمغنم، والرجل يقاتل للذكر، والرجل يقاتل ليرى مكانه - وفى رواية يقايل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل غضبا - فمن في سبيل الله؟ قال: "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، فهو في سبيل الله" فهذا هو الجهاد في الشريعة الإسلامية، وهو الذي قصد من ورائه المجاهد رفع كلمة "لا إله الا الله محمد رسول الله" وهي كلمة الله، ومن غير هذه النية والقصد فلا يسمى المقاتل مجاهدا.
وبهذا البيان النبوي الشريف الذي قضى به ﵊ على الزيف والتزييف، ظهر أن من لم تكن عنده نية صادقة في جهاده لرفع شأن الإسلام وإعلاء كلمة الله لا يسمى قتاله جهادا ولا يكون من مات فيه على غير نية إعلاء كلمة الله، شهيدا شرعا، ولو كانت موته في وسط المعركة مع العدو، كما قضى على ما يدعيه الجاهلون من الجهاد والشهادة، لكل
стр. 174
من مات في أيام حرب التحرير الجزائرية، من أجل تحرير الوطن من قبضة المستعمرين في عصرنا الحاضر، بل رأينا البعض من هؤلاء المجاهدين - بالقول لا بالفعل - من تصدى بكليته لمحاربة هذا الدين، الذي ادعى أنه كان من المجاهدين في سبيله، فصارت كلمة المجاهد تعطى - أو تغتصب لتعطى - إلى من هو من المحاربين له، لا من أجله، ليأخذ نصيبه من الغنيمة، وعند الله يوم القيامة يتضح كل شيء، ويظهر تزويرهم وسيجدون جزاءهم بل عقابهم ينتظرهم وسيغرمون ما غنموه في الدني بالكذب والبهتان والخداع.
فالإسلام لم يأمر المسلمين بأن يحاربوا عدوهم من أجل قطعة من التراب أو من الحجر أو من الشجر وكسب الدنيا الخ فهذا أمرت به ودعت إليه الأنفة والغيرة والغضب للأوطان المحتلة من طرف الغاصبين لها، بل أمر الإسلام بالحرب من أجل العقيدة وحرية العبادة لله وحده.
لهذا لم يعترف الرسول ﷺ حسبما جاء في سؤال السائل - بمن كان يقاتل لإظهار شجاعته، أو ليتحدث الناس بشجاعته وببلائه في الحرب، أو ليعرف له الناس مكانته فيحترموه ويعظموه، كل هذا لا يجعله يتحلى بحلية "المجاهد" أو لينال ما أعده الله في الدار الآخرة للمجاهدين في سبيل رفع دينه وإعزازه وبلوغهم الدرجات العلى ونزولهم منازل الكرامة والتكريم.
стр. 175
وعندما هاجر الرسول ﷺ من مكة إلى المدينة كان الإسلام في حاجة إلى تقوية الصف الإسلامي ببذل الأنفس والأموال وفى سبيل ذلك رغب في الهجرة ودعا إليها، ولما فتحت مكة سنة ثمان من الهجرة في غزوة الفتح أوصد باب الهجرة المرغب فيها، لأن مكة صارت بلدا إسلاميا - بعد غزوة الفتح - لا قوة للشرك فيها ولا سيطرة له عليها، من أجل هذا قال ﵊ كلمته في حديثه المشهور، ليتوجه المسلمون بكليتهم إلى الجهاد لا إلى الهجرة فقال في حديث ابن عباس عند البخاري "لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا" وبهذا يتصدى المسلمون - بأنفسهم وأموالهم - لنشر الإسلام وعقيدته والقضاء على الشرك والظلم والفساد في الأرض، وفى ذلك خير وسلامة للإنسانية كلها، وقال ﵊ مرغبا في الجهاد وحاثا أمته عليه - كما جاء في حديث أنس ﵁ عند البخاري، وهو قوله ﵊: "لغدوة في سبيل الله، أو روحة خير من الدنيا وما فيها" ذلك أن كل ما يصيب المسلم المجاهد في سبيل الله سيعوضه الله عنه أجرا كبيرا وثوابا عظيما، لأن ما أصابه كان دفاعا عن العقيدة أو نشرا لها، ونلمس هذا المعنى في قول جندب بن سفيان عند البخاري حيث قال: ان رسول الله ﷺ كان في بعض المشاهد - الغزوات - وقد دميت أصبعه فقال:
стр. 176
"هل أنت إلا أصبع دميت وفى سبيل الله ما لقيت".
هكذا يصيب الرسول ﷺ في سبيل نشر الإسلام ما يصيب عامة البشر، ليبعث في نفوس المسلمين روح التضحية والصبر على المصاب.
إن أدعياء الجهاد كثيرون، ومنهم من لم يكن قتالهم لله وفى سبيل الله، ولم يخطر هذا لهم على بال، بل كان من أجل حطام الدنيا الفانية ومتاعها الزائل، أما من أخلص النية منهم لله في عمله، وجاهد جهادا يحبه الله ويرضاه فهذا لا يبخسه الله حقه، ولا ينقصه من ثواب أتعابه التي أصابته في سبيل إعلاء كلمة الله مقدار قلامة ظفر وهو القائل ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾ كل هذا راجع إلى نيته وإخلاصه في ذلك.
ولعمري فقد أوضح رسول الله ﷺ في الحديث الآتي كل شيء وبه ارتفع كل لبس والتباس ولم يبق عمل المقاتل مبهما يفسره الإنسان كما يحب، فلقد أعطانا ميزانا نزن به أعمال المجاهدين والمقاتلين، فلله ما أروع هذا التوضيح والبيان، فلننظر إليه بعين الاعتبار والادكار واستخلاص العبرة منه حيث كثر الأدعياء والانتهازيون للفرص في وقتنا هذا. فإذا أشكلت علينا الأمور رجعنا فيها إلى سنة نبينا ﷺ .
أخرج الإمام البخاري في صحيحه وبسنده عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال - مقسما بالله -: "والذي نفسي بيده لا يكلم أحد في سبيل الله - والله
стр. 177
أعلم بمن يكلم في سبيله - الا جاء يوم القيمة، واللون لون الدم، والريح ريح المسك".
ما أروع هذا التفسير والاستدراك منه ﷺ ، ليرد به دعوى المدعين للجهاد، في حين أنهم لم يدفعهم إليه حب نصرة الدين وإعزازه، لأن من هؤلاء الأدعياء من ظهرت عليه أمور يخجل الإنسان من ذكرها، في حين أنه يحمل لقب وورقة - مجاهد - أفعال لا يرتضيها الإسلام ولا رب الإسلام الآمر به، فإن النيات لا يعلمها الا علام الغيوب، فرسول الله ﷺ ينبهنا إلى أن لا نغتر بالأقوال على ظاهرها، فالله وحده المطلع على سرائر عباده، فليس كل من كلم وجرح زمن القتال كان جرحه لله وفى سبيل الله، بل أمرنا أن لا ننظر إلى الظاهر ولا نحكم بمقتضاه، بل الأمر يحتاج إلى إخلاص النية في العمل لله وحده، كما قال الشاعر العربي "جميل بثينة" لا تغرنكم المظاهر والأقوال، فإن الحقائق قد تكون في غيرهما، وذلك حيث قال:
فَمَا كُلُّ مَخْضُوبِ الْبَنَانِ بُثَيْنَة ٌ ... وَلَا كُلُّ مَصْقُولِ الْحَدِيدِ يَمَانِ
إن فضل المجاهد في سبيل الله على غيره كبير، فلا يعلم ذلك الآن بل سيبقى مخفيا علينا حتى نفد على الله يوم القيامة للحساب والجزاء على الأعمال، يوم تكشف فيه السرائر، ويظهر ما كان مخبوءا في الضمائر، حيث يكون الجزاء على الأعمال الخالصة لله لا على ما كان لغيره.
стр. 178
إن الشهيد - حقا - في سبيل الله، عندما معاينته للجزاء الكثير الذي ناله بسبب جهاده أعداء الدين واستشهاده في سبيله، يتمنى على الله أن يعيده إلى الدنيا ليجاهد ويستشهد المرة بعد المرة كي ينال أجره المضاعف، فقد ورد في صحيح البخاري قوله:
"باب تمني المجاهد أن يرجع إلى الدنيا"
ثم ذكر بسنده إلى أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ حديثه الذي قال فيه: " ما أحد يدخل الجنة يحب أن يرجع إلى الدنيا وله ما على الأرض من شيء إلا الشهيد، يتمنى أن يرجع إلى الدنيا فيقتل عشر مرات، لما يرى من الكرامة" وجاء في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "يغفر الله للشهيد كل شيء إلا الدين" وفي رواية له: "القتال في سبيل الله يكفر كل شيء إلا الدين" ذلك لأنه من حقوق العباد بعضهم على بعض، فهذه الحقوق أو المظالم لا تكفر إلا بالتحلل منها في الدنيا، إما بإرجاعها لأهلها، وإما بالعفو والمسامحة منهم له.
ذلك أن المجاهد الشهيد الذي مات في المعركة مع العدو على نية أن ينصر الحق على الباطل، قد أدى واجبه كمدافع مخلص لعقيدته ودينه، فكيف يكون جزاؤه مماثلا لمن لم يقدم ما قدم هو من تضحيات بالمال والنفس والوقت وكل ما يملك من راحة ومتع
стр. 179
الحياة الدنيا. وهذا مفهوم من قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ- غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ - وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا * دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ الآية ٩٥ من سورة النساء.
والملاحظ على الهيئة الإسلامية التي تتولى الاشراف والتسيير للقتال - حكومة أو غيرها - أنه من واجبها أن ترشد المحاربين في صفوفها إلى تلك المعاني الدينية والأهداف المطلوبة من المقاتلين، حتى لا تضيع مجهودات المجاهدين في سبيل الله وألا تذهب أتعابهم سدى من غير نية صالحة لعملهم، فعليها أن تعلمهم هذا كما تعلمهم الثبات وفنون الحرب والقتال من الكر والفر ومخادعة العدو في الواجهة أو في غيرها حتى تأمن على حياتهم وسلامتهم من حيل الأعداء، كالثبات في المعركة وشرفها وقوة الايمان بالله وبالنصر والجزاء على الشهادة في سبيل الله إلى آخر ما يقتضيه الموقف.
جهاد المرأة المسلمة:
روى ابن ماجة في سننه عن أم عطية الأنصارية قالت: "غزوت مع رسول الله ﷺ سبع غزوات، أخلفهم في رحالهم، وأصنع لهم الطعام، وأداوي الجرحى، وأقوم على المرضى".
стр. 180
وتحكي كتب الحديث والسيرة أن بعض النساء الصحابيات ﵅ قد رغبن في نيل هذا الأجر العظيم والثواب الجسيم اقتداء بالرجال، وزيادة في قوة المجاهدين، فتقدمن بالتماس هذا إلى القائد الأعلى - حسب تعبير العصر - الرسول ﷺ ، بأن يسمح لهن بمشاركتهن في الحروب إلى جنب الرجال، فكان جوابه لهن مثل جوابه للسيدة عائشة الصديقة ﵂، كما جاء في صحيح البخاري قالت: استأذنت النبي ﷺ في الجهاد فقال: "جهادكن الحج" وفى رواية عنها قالت سأله نساؤه عن الجهاد فقال لهن: "نعم الجهاد الحج" كما تذكر كتب السيرة أنه خرج مع النبي ﷺ بعض النساء، - وصرح باسم عائشة وأم سليم - في غزوة "أحد" أنهن كن يسقين المرضى، ويداوين الجرحى، وفى حديث البخاري عن الربيع بنت معوذ قالت كنا مع النبي ﷺ نسقي ونداوي الجرحى، ونرد القتلى إلى المدينة.
والملاحظ على ما جاء في هذا الباب أن ذلك كان قبل نزول آية الحجاب، أما بعد هذا فلم يثبت، كما لاحظ بعض العلماء - بناء على ما أباحه الإسلام وما منعه - أن العمل الذي قام به بعض النسوة الصحابيات في وقت الجهاد إنما كان مع أزواجهن ومحارمهن، ولم يكن مع عموم الناس، كما صرح بهذا الإمام النووي على مسلم قال: وما كان منها - المرأة - لغيرهم لا يكون فيه مس بشرة الا في موضع الحاجة، فكن يحملن القرب