سمع كل الناس ما أنزل من القرآن في حق منع المشركين من الحج، ومما قاله لهم: "لا يحجن بعد عامنا هذا مشرك، ولا يطوفن بالبيت عريان".
وهكذا تطهرت بيت الله وحرمه من كل ما لا يرضي الله ورسوله من أفعال المشركين التي لا تتفق مع أحكام الشريعة الإسلامية التي تأمر بالحياء والأخلاق الطيبة. وكان العرب في جاهليتهم لا يطوفون بالبيت في ثيابهم التي كانوا يتعاطون فيها أعمالهم، فإذا أراد الواحد منهم أن يطوف بالبيت اتخذ ثوبا جديدا، وإذا لم يكن عنده ثوب جديد استعار ثوبا من أحد القرشيين الذين يسمون أنفسهم - الحمس - فإذا لم يسعف الطائف به طاف بالبيت عريانا، وحتى النساء كن يطفن بالبيت عاريات، إذا لم يجدن أثوابا جديدة، فمنع الله المشركين - المناجيس - بعد مجيء إلإسلام من الطواف بالبيت عراة، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ (١).
والحمس جمع أحمس هم أهل مكة/ قريش، وكنانة، وخزاعة ومن دان بدينهم، وهم سكان الحرم، - والأحمسي المتشدد في دينه والشجاع في القتال، فإذا حج - الصرورة - والصرورة/ هو الرجل أو المرأة اللذين لم يتقدم لهما حج، لا يسمح له أن يطوف بالبيت ألا وهو عريان، ولا يطوف بالبيت في ثيابه التي جاء بها، إلا أن يطوف في ثوب أحمسي، إما إعارة وإما إجارة،
стр. 107
فإذا جاء من يريد أن يطوف - صرورة - فإن وجد من يعيره ثوبا يطوف فيه أو يكريه إياه طاف في ثوب ذلك "الأحمسي" وإلا ألقى ثيابه من خارج ثم يدخل إلى الطواف وهو عريان وكانت المرأة تطوف بالبيت وهي عريانة إذا لم تجد من يعيرها أو يكريها ثوبا تطوف فيه، وهي تقول - حياء - كما جاء في كتب التاريخ والسير، بعد أن تستر عورتها بيديها وهي تقول:
الْيَوْمَ يَبْدُو بَعْضُهُ أَوْ كُلُّهُ ... وَمَا بَدَا مِنْهُ فَلَا أُحِلُّهُ
وهذا من تزيين الشيطان لهم أعمالهم التي بدلوا بها وحرفوا وغيروا شرائع الله التي جاءهم بها الأنبياء والمرسلون وعملوا بما زينه لهم الشيطان، فقد غيروا الشريعة الحنيفية، شريعة أبيهم إبراهيم الخليل وأبيهم اسماعيل ﵉، وحافظوا على شريعة الشيطان الذي لا يأمرهم إلا بما فيه هلاكهم ولا يدلهم إلا على الفواحش والمناكر وقبيح الأعمال.
إن في فريضة الحج من الفوائد والمعاني السامية ما يزيد في الإيمان ويقويه، كما فيه ما يعجز اللسان والقلم عن وصفه، ذلك لأنها كثيرة وذات أهداف سامية، فهي زيادة عما فيها منه طاعة الله فيما أمر به وحث عليه من الطواف بالبيت العتيق والسعي بين الصفا والمروة والوقوف بعرفة، إلى آخر أقوال الحج وأعماله، تلك الأقوال والأعمال التي تجسد للحاج وتريه ما في تلك الأماكن من حقائق تاريخية لا يجدها إلا هناك، فهي تعطيه كذلك ضوءا يستنير به في بقية حياته - لمن فقه سر ما يفعل - من زيارته لتلك الأماكن والمشاهد، التي تترك أثرها الطيب في نفوس الحجاج.
стр. 108
والمهم - زيادة عما ذكر - هو مغزى هذا اللقاء العام والكبير بين أبناء الملة الإسلامية من مشارق الأرض ومغاربها وشمالها وجنوبها، عربها وعجمها حاضرها وباديها، فقيرها وغنيها، حاكمها ومحكومها إلى آخر ما في الأمة من طبقات وأصناف جمعت بين كل هؤلاء غاية واحدة وروح واحدة هي استجابة الدعوة وتلبية النداء.
فالحج - بحق - مؤتمر إسلامي من الطراز الأول في الملتقيات والمؤتمرات الدولية والشعوبية التي نسمع بها تعقد بين رجال السياسة والاقتصاد والمشاكل الدولية، وحتى أهل الأديان من غير المسلمين في شتى بقاع العالم، وما ذلك الا من أجل تأثير دعوة الداعي - وهو الله الخالق الحكيم - في نفوس المسلمين الصادقين.
إن المسلمين - في وقتنا الحاضر - لم يفكروا في حكمة هذا المؤتمر التفكير الجدي المفيد، لتستفيد منه عامتهم أينما كانوا، ونعني بالمسلمين من بيدهم تصريف أمورهم وهم ولاتهم وزعماؤهم وقادتهم، فالإلحاد والشيوعية ودعاة إبليس كلها تعمل بجد ونشاط متواصلين لتخريب العقائد الدينية والأخلاق المرضية، كل هذه القوى وغيرها تعمل بنشاط وحزم في أوساط العمال والشباب الإسلامي لكي تصرف المسلمين عن دينهم، وكان من بين هؤلاء العمال والشباب من هم دعاة لهذه القوى المخربة، وفى نفس الوقت تزين لهم أنواع المعاصي والفجور والإلحاد، وما يتبعها من إغراء ووسوسة لا تقل عن وسوسة إبليس، وأعانها على ذيوعها وانتشار مبادئها ما تلقاه من السكوت الذي ضرب خيمته
стр. 109
على العلماء - إلا القليل منهم - حيث اشتغلوا بما يخصهم في غالب الأوقات، وتخلوا عن مهمتهم المكلفين بها.
ومن جهة أخرى تشجيع بعض الحكام المخربين للمفسدين، وذلك بغض الطرف عن أعمالهم وأقوالهم المناهضة للإسلام وعقيدته.
إنه لم تظهر أعمال كافية وناجعة ممن يفكرون في الاستفادة من هذا اللقاء السنوي العظيم، وإذا وجد من يفكر فيه فإنه لم يعمل من أجله ما يناسبه، من وضع أسس له وبرامج تدرس فيه أو قبله، ثم تعرض على مفكري المسلمين وقادتهم، وخاصة اجتماعهم لحجهم، يوم يتفرغون من أعمالهم التي حضروا من أجلها، ويدعى إلى هذا الاجتماع كل ذوي الرأي الصائب ممن لهم الخبرة العامة والدراية التامة بأحكام الشريعة الإسلامية وما ترمي إليه من توحيد الصف وجمع كلمة المسلمين وبحث مشاكلهم ومستقبلهم، سواء كانت هذه المشاكل مما له صلة بالحج وأعماله أو كانت تحدث بينهم في أوطانهم، مع بعضهم البعض أو حكوماتهم وزعمائهم، ولكن هل يتركهم أعداؤهم ينفذون هذه الرغبة؟ والكثير من حكام المسلمين ينقادون بطواعية إلى أعدائهم، وفى الكثير من الأوقات ينفذون لهم رغباتهم وإن أضرت بدينهم وعقيدتهم.
والكثير من حكام المسلمين أنانيون انتفاعيون، لهم خطط يعملون على تنفيذها، ولا يهمهم أمر المسلمين، ومنهم من يقول: إننا مستقلون لا نريد من أي كان أن يتدخل في شؤوننا وشؤون بلادنا، ومن أجل هذا ضعف صوت الحق ولم يستطع الدخول
стр. 110
الى قلوب أولئك الحكام، وقوى نداء الباطل وتمكن من الاستحواذ على تفكير بعض القادة والزعماء والمسيرين لشؤون المسلمين، هذا والحجاج المساكين مهملون يرثى لحالهم، ليس هناك من يفكر لا في حالهم ولا في مآلهم، ونشطت حركة الاستغلال الشخصي والثراء غير المشروع وانتهاز الفرص لكسب المال من ضيوف الرحمن كما يوصف بهذا الحجاج، من غير مراقبة ممن بيدهم مقاليد الأمور، فترتفع الأسعار للمواد الضرورية اللازمة لراحة الحجاج وأمنهم، مع العلم بأن النظم الحالية لا تسمح بإخراج المال إلا بمقدار قليل.
فقد رأيت الكثير من الحجاج مهملين ومشردين في الطرقات، يجرون وراء رغباتهم ومشاكلهم، فهذا مع المطوف الذي ساقه حظه إليه، والذي اتخذ من مهمته وسيلة ثراء وغناء على حساب الحجاج الوافدين عليه - ضيوف الرحمن - حيث صاروا كالملوك في كل شيء، لا من يراقبهم لكي يوقفهم عن إفراطهم وتفريطهم وجشعهم الذي لا حد له، كما رأيت من يبحث عن رفيق له ضل عن الطريق - وبالأخص النساء - وهذا سرقت منه نقوده وبقي هائما على وجهه يستجدي أو يستقرض، وهذا، وهذا إلى آخر ما يشاهده الحاج في أيام مكة وعرفات ومنى مما يشوه وجه الإسلام، وجمال الحج، وتلك الأماكن المطهرة من الاستغلال وكسب الأموال، ولو كان في القلوب إيمان بالله وخوف من سطوته وانتقامه للمظلومين لما حدث شيء من هذا، كارتفاع الأسعار مثلا، في حين أن ما يأتي به الحجاج من الأموال هو قدر ضئيل سمحت به لهم أنظمة بلادهم وحكوماتهم.
стр. 111
أرجو لو يفكر قادة الشعوب الإسلامية، وخاصة منهم العلماء في الاستفادة من هذا الجمع والمجمع الهائل العظيم، فيضعوا برامج وتدرس بدقة وإمعان، وتحدد تحديدا يلائم روح العصر من غير أن تخرج عن إطارها الإسلامي، ثم تعرض على النخبة المختارة من المجتمعين والمؤتمرين وتناقش بكل حرية من ذوي الرأي منهم وتؤخذ بعين الاعتبار ما أفصحت عنه آراؤهم بعد التصفية، وتذاع في الحجاج أينما كانوا وتجمعوا، كما فعل رسول الله ﷺ حين بعث علي بن أبي طالب ﵁ ليقرأ على الناس ما نزل من القرآن في شأن منع كل مشرك من حج بيت الله الحرام بعد ذلك العام، وفعلا منعوا منه لأنهم مشركون، ويطلب منهم بإلحاح العمل بما يقرره هذا المؤتمر بعد رجوعهم إلى أوطانهم، وهذا أمر ممكن إذا وجد من ذوي الرأي من له استعداد للعمل بمعونة الحكام الذين يهمهم أمر الإسلام وحالة المسلمين.
إن وسائل التنقل والسفر العصري المتعددة قد جعلت الحج ميسورا على كل أحد، غير أنه حج مبتور لا روح فيه، فقد يرجع الحاج إلى وطنه فارغا من كل معنى عميق للحج في شعوره وإدراكه لمعناه، إن بعض الحجاج يأتون إلى الحج وهم جاهلون لما هم مطالبون به من أعمال الحج التي لا يصح إلا بها، كالاحرام والطواف وغيرهما، ولا يهمهم إلا أن يذهبوا إلى مكة ويقضوا مآربهم ويعودوا بلقب الحاج، ولا يدري هل كان حجه صحيحا مبرورا أو لا، والحج المبرور هو الذي يظهر أثره على الحاج
стр. 112
فى استقامته على نهج الشرع العزيز، بعد عودته إلى بلده، من الاستقامة وحسن السلوك والتمسك بأحكام الدين وعرى الإسلام، بعد أن شاهد موطن الإسلام الأول والثاني، أعني مكة والمدينة، وعلم ما أصاب المسلمين الأولين في سبيل عقيدة التوحيد وإعلان كلمة الإسلام عالية مدوية من تلك الجبال والسهول والرمال، إلى أن وصلت إلى حيث شاء الله لها أن تصل، إلى آخر تلك المشاهد التي من المناسب أن ينبه إليها الحجاج الغافلون والجاهلون، ومسؤولية هذا التقصير ترجع إلى حكوماتهم.
إن من عجائب الزمان أن تكون حكومات الشعوب الإسلامية - وهي على ما هي عليه - هي التي تتحكم في التوجيه الديني، تبعث من يمثلها في تلك المواطن، وأمام الجموع الحاشدة من شتى بقاع المعمورة، وأن المسؤولين عن البقاع المقدسة والمسيرين لشؤونها لا يستقبلون إلا أعضاء الوفود الرسمية - كما يقولون - وهؤلاء بالطبع لا يصرحون إلا بما يرضي عنهم حكوماتهم إذا رجعوا إليها، ولعلهم ينعم عليهم بكلمات يتخذونها مثل الوسام يعلقونه على صدورهم، لأن هذه الحكومات لا يتسع صدرها للنقد والتوجيه والاعتراض، وترى في مثل هذا تشهيرا بأعمالها غير اللائقة أمام الملأ العظيم، وقد رأيت وسمعت في يوم عرفات من بعض من حضر ذلك الموقف من يدعو بصوت عال بعد صلاة العصر لرئيس حكومة بلاده الظالم الملحد أمام أهل بلده الذين يعرفون أحوال بلادهم وتصرفات رجالهم، ولا حول ولا قوة إلا بالله، فيبقى المسلمون لا يعرفون
стр. 113
ما هو واقع بإخوانهم المسلمين في جزء - ما - من أجزاء الوطن الإسلامي، وإذا وجد في الحجاج من كشف الغطاء عما يقع في بلده من أمراض شتى فإنه يحاسب بعد عودته إلى بلده حسابا عسيرا - وهذا من ضيق صدور الحكام - وربما لا يسمح له في المستقبل بالعودة إلى معقل الإسلام، والوقت كما قلت وقت علاج أمراض المسلمين من أي بلد جاءت وفي أي بلد كانت.
إن البعض من الهيئات الإسلامية في الأراضي المقدسة عملت وتعمل على أن لا يذهب هذا المؤتمر سدى فتنظم ملتقيات على قدر ما تسمح به حالتها، فتهيىء العلماء لإلقاء محاضرات ودروس في مكة وعرفات ومنى - جزاها الله خيرا وأجرا عظيما - غير أن هذا لا يكفي، لا في الزمان ولا في المكان، بالنظر لكثرة الحجاج من جهة وبالنظر لما تتطلبه مشاكل المسلمين، ومن أهمها زهد الحجاج في الاستفادة من هذه الملتقيات التي لا تخلو من الفوائد العظيمة يتزود بها الحجاج ليسعدوا بها في الدنيا الآخرة، فكما يرجع الحاج إلى بلده بوافر الأجر والمغفرة إن قبل حجه فكذلك يرجع مزودا بالنصائح وما استفاده من تلك المحاضرات المتنوعة المقاصد والمواضيع.
ومن جهة أخرى فإن أولئك العلماء لا يشتغلون بالتوجيه لما يستقبل من الزمن، والبعض الآخر منهم غير مطلع على ما يجري في موطن - ما - من مواطن الإسلام، إذ ليس هناك من يقدم تقريرا مفصلا عما يجري في وطنه لإخوانه المسلمين، وقد شاهدت هذا بنفسي في موسم الحج من سنة ١٣٩٧ أيام مكة وعرفات
стр. 114
ومنى، هناك دروس من غير تنسيق وترتيب، وأكثرها - فيما سمعت - منصبة على مقاومة البدع المستحدثة والدعوة إلى التمسك بالسنة المحمدية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، وهذا إنما يفيد في ناحية واحدة من حياة المسلم، ولكن هناك نواح ونواح لم تطرق ويكشف عنها الستار، لأن هذه الدروس تلقى من شيوخ وأساتذة هم الذين اختاروا بأنفسهم ما يلقون، ولم تكن هناك - فيما علمت - هيئة هي التي هيأت - بعد دراسة تلك المواضيع - لهم ما يلقون.
فلو تولى هذا - الاعداد - عالم مطلع خبير نصوح من كل وطن إسلامي أو هيئة لكان أنفع وأفيد للحجاج، وهذا من باب التواصي بالحق والتواصي بالصبر عليه، فيكون من مادة النصيحة لعامة المسلمين وخاصتهم، والتوفيق من الله وحده.
إن المطلوب - دينا - من العلماء الناصحين هو التفكير الجدي في حالة المسلمين وعلاقتهم بدينهم والعمل على تدعيم الرابطة التي تربط بعضهم ببعض، وتقوية الروح الدينية فيهم، والعمل النافع لإنقاذ الإسلام من الأخطار الكثيرة المحدقة به، سواء التي مصدرها من أبنائه الأدعياء - لأن إسلامهم وراثي - أو من خصومه الأعداء، خصوصا وأن الكثير من حكومات الشعوب الإسلامية ليس لها من الحماس والشجاعة والانتصار والعمل لفائدة الإسلام، حيث مسخت وجه الإسلام النقي بما سنته من دساتير وما شرعته من قوانين وما نفذته من أحكام كلها عملت على إبعاد شريعة الإسلام وجذب شريعة الشيطان إلى شعوبهم (وسمت
стр. 115
هذا تطورا أو تقدما يقبله الإسلام)، وبقي الإسلام حيا بما فيه من طاقات حية ويعيش على رصيد قديم تركه له أبناؤه المخلصون الأولون، هذا إن لم نقل أن الكثيرين من هؤالاء الحكام هم ضد الإسلام ويعملون - جاهدين - لعرقلة الإسلام عن التقدم إلى الأمام بأبناء عقيدته وشريعته، فهم يعملون على نصرة الشيطان وحزبه الخاسر على الإسلام وحزبه الرابح وأنصاره المخلصين، ثم التشهير في تلك المجامع - إن أمكن - بمن بقي مصرا على سلوكه المنحرف ضد الإسلام وإعلان هذا على الملأ من سمع العالم وبصره - ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيي عن بينة - كما ينبغي أن يكون ذلك العمل من المؤتمر - بعد دراسة شاملة لما هو واقع في أي وطن من أوطان الإسلام، وبعد الدراسة لتلك المشاكل - بشجاعة - يكون البحث عن إيجاد الحلول المفيدة والمناسبة لتلك المشاكل التي يعاني منها المسلمون الصادقون من العذاب ألوانا، كل ذلك حسب الاستطاعة والقدرة، ومن أبى ولم يمتثل لما قرره المؤتمر هذا - من غير نظر إلى بلده وشخصيته - يشهر به في كل بلد إسلامي ليكون له درسا ولغيره عبرة ومعروفا بأعماله ضد الإسلام، ويترك الانتقام منه لله الواحد القهار مهلك الظالمين ومبيد الطغاة الجبارين.
إذا لم يقم العلماء بهذا العمل اويتولوا هم الدفاع عن الإسلام وعقيدته فمن يا ترى يقوم مقامهم ويتولى مهمتهم؟ هل يتولى الدفاع عن الإسلام وحمايته حكام وضعوا أنفسهم مواضع الآلهة، يجب أن يطاعوا في كل أمر ولو خالف أمر الملك الديان
стр. 116
وشريعة الله، همهم الوحيد التمتع بالملاذ النفسية، ومنها حب السلطة وقهر العباد، لا ينازعهم فيها منازع ولو كان هو صاحبها، ومن نازهم فيها قصموا ظهره وأخذوا أنفاسه.
إن العلماء قدموا "قرابين" من أنفسهم في القديم الماضي من التاريخ وفى الحديث الذي لا زال في العقول محفوظا، وإن الكثير من الحكام المنسوبين إلى الإسلام قد أصدروا أوامرهم بمنع العلماء من مواعظهم في مساجد بلادهم التي بناها المسلمون بأموالهم لتكون منارات تضيء سبيل الله للمهتدين، فتصرفوا فيها هم - بمنع العلماء منها - تصرف الجبابرة الطغاة، فأخلوها من عمارها إلا لمن يرضون عنه لأنه باع ذمته منهم، فصار محل ثقتهم، ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا﴾ فالآية تصرح بأن أكثر الظلم وأشده ما جاء ممن منع الناس من ذكر الله ودراسة دينه وتعليمه في المساجد - بيوت الله - ممن عمل واجتهد في فراغها من عمارها، وهذا هو خرابها، ونعوذ بالله منهما معا.
ربما يقال: ان علماء الإسلام ليس لهم قوة أو سلطة على حكامهم في أوطانهم، نعم إن هذا صحيح، فإن البعض من الحكام قد ركب رأسه، وحسب نفسه فوق كل الناس، وأنه ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ - وقد قالها أخيرا بعض العلماء ... في رئيس دولته ... وهذه الصفة في التصرف لا تقال إلا للخالق والمالك
стр. 117
لكل شيء، ويرى بعض هؤلاء الحكام أنه لا يرد عليه ولا يعترض سبيله ... ، وليس هو بالمعصوم من الخطإ، وقد نقل عن الإمام مالك ﵁ أنه كان يقول في درسه وهو مقابل لقبر الرسول ﷺ ومشيرا بيده إلى قبره: "كلكم راد ومردود عليه إلا صاحب هذا القبر" تلك هي تربية الإسلام التي لا تبريء المرء من الخطإ مهما كانت درجته في العلم وحصافة الرأي، يقول بعض الحكام هذا ولا يحب أن يعترض سبيله لأن وراءه الجيش بمعداته، وقد استولى على الحكم والسلطة بواسطته، وليست الأمة هي التي بوأته تلك المنزلة وأولته إياها ورفعته إلى كرسي الحكم وقد يكون هذا، ولكن تجب معرفته على حقيقته وواقعه.
ومن الحكام قلة قليلة عملت وتعمل لصالح الإسلام والمسلمين، غير أنها لا تظهر أمام هذه الكثرة ممن يعملون على عرقلة الإسلام بل ومحوه من الوجود، وخاصة تلقاء تشريعه وظهوره أمام الملأ من الناس، والله على كل شيء قدير.
وإنني أخشى أن تقول تلك الحكومات للعلماء: لقد أفسدتم علينا ما بيننا وبين الحكومة الفلانية من علاقات ديبلوماسية وغيرها من العلاقات الأخرى، لأن العلاقات التي تتعامل بها حكومات العصر الحاضر إنما هي العلاقات السياسية والاقتصادية والمصالح المتبادلة بين الدول، لا العلاقات الروحية الدينية التي يجب أن تسود جميع العلاقات القائمة بين الدول الإسلامية وغيرها، فبعض الدول الإسلامية ترغب في تمتين علاقاتها مع الدول الغربية،
стр. 118
وأخرى تحاول تقوية علاقاتها مع الدول الشرقية الملحدة، وها هنا ذهبت علاقات الاخوة الدينية وعصفت بها الرياح.
والحج واجب على كل مسلم بالغ مستطيع توفرت فيه شروطه المفصلة في كتب الفقه، وهو فرض على الذكر والأنثى سواء، الا أن المرأة بالنظر إلى ضعفها في كل شيء فقد حدد الله لها ما يوفر لها حجها كاملا غير منقوص، كالمحرم لها، فلا تسافر - خصوصا إذا كانت المسافة بعيدة - إلا بصحبة زوجها أو مع أحد محارمها، أو مع رفقة مأمونة دينيا وأخلاقيا.
وجاء في صحيح البخاري عن ابن عباس ﵄ أنه سمع النبي ﷺ يقول: "لا يخلون رجل بامرأة، ولا تسافرن امرأة الا ومعها محرم" فقام رجل فقال: يا رسول الله اكتتبت في غزوة كذا وكذا وخرجت امرأتي حاجة، قال له: "اذهب فاحجج مع امرأتك" فقد صرفه عن الجهاد في سبيل الله إلى أن يكون رفيق امرأته في حجها، محافظة على صيانتها وكرامتها.
وحج بيت الله الحرام أوجبه الله على المسلمين مرة واحدة في العمر، وهذا ظاهر من تيسير الله على عباده في أمر القيام بفروض شريعتهم من غير إرهاق لهم ولا تكليف بما قد يعجزون عنه، إلا أن الله رغب عباده المؤمنين في أن لا يقطعوا صلتهم بتلك البقاع الطاهرة، ومواطن ينبوع الرحمة، ومصدر النور الالهي الذي
стр. 119
أضاء به سبل هذه الحياة، وطمس به معالم الشرك ومراكز الضلال، فقد حبب إلى المسلمين زيارة هذه الأمكنة للاعتبار بها وزيادة في تقوية إيمانهم ليزدادوا قوة ونشاطا ومحبة في دينهم، فاستحب منهم أن يتعهدوها - بعد أداء الفريضة - المرة بعد المرة، وهذا للقادر على ذلك - بدنيا وماليا - حتى لا ينسوها ولا تلهيهم أشغال هذه الحياة الدنيا عن مواطن الكرامة الإنسانية، ومنبت دين التوحيد - فقد أخرج أبو يعلى في مسنده، وابن حبان بسند صحيح عن أبي سعيد الخدري ﵁، عن النبي ﷺ أن الله تعالى قال: "إن عبدا أصححت له جسمه، ووسعت عليه في معيشته، تمضي عليه خمسة أعوام لا يفد إلي لمحروم".
***
стр. 120
السهم السادس:
الأمر بالمعروف
قال الله ﵎ وهو أصدق القائلين: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (١).
حفاظا على سلامة الأمة المسلمة من كل ما يفسد عنها دينها وأخلاقها وطبائعها، أمر الله ﷻ عباده المسلمين بأن يكونوا دعاة للخير والصلاح والفضيلة، لتستقيم لهم الحياة، كما أمرهم أن يحاربوا الرذيلة والشر والفساد، ذلك لأن الإسلام - بتوجيهاته للمسلمين - قد قوم معوجهم وأصلح خللهم، ودلهم على طريق العزة والكرامة وحب الخير، وطاعة ربهم واتباع سنة نبيهم محمد ﷺ .
ولما كان الاختلاط بغير المسلمين أمرا متوقعا، نظرا لاحتكاك سكان المعمورة بعضهم ببعض، وفيهم المسلم والكافر، والعالم
стр. 121
والجاهل والمحسن والمسيء، أمرت الشريعة الإسلامية المسلمين بالمحافظة على عقيدتهم ودينهم وأخلاقهم حتى لا تتأثر جماعتهم بما تراه وتسمعه من أقوال وأعمال من لم يكن على ملتهم وأخلاقهم.
وهذا أمر له مغزاه في بقاء الأمة المسلمة سالمة من كل ما يفسد عليها دينها وعقيدتها وأخلاقها، كما هو مشاهد في هذا الوقت الذي قل فيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حيث فرضت الحكومات عليه قيودا أبعدت بها من هم أهل للقيام به خير قيام، وأوكلته إلى غير أهله إذ ليس لهم منه نصيب، لكل هذا وغيره جاء الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ليبقى جوهر الإسلام نقيا سالما من التأثر بما لم يكن ملائما له في شكله ومضمونه بل وجوهره أيضا.
فقد رأينا في هذا العصر الذي نعيش فيه كيف تبدلت أخلاق الكثيرين من المسلمين بسبب اتصالهم بغير المسلمين، ومساكنتهم إياهم في المنازل والبيوت والمتاجر وفى الأسواق والمجتمعات، وحتى في المعاهد التعليمية والجامعات، مما هو مشاهد ومعروف، فقد تأثر المسلمون بما عاينوه في غيرهم، وما لمسوه فيهم، فتغيرت - تبعا لهذا - عوائدهم الفاضلة، وأخلاقهم الإسلامية العالية، حتى صار البعض من المسلمين المجاورين للمسيحيين يحتفلون بليلة الخامس والعشرين من شهر ديسمبر أعني ليلة ذكرى ميلاد المسيح ﵇، فيتخذون في منازلهم شجرة الميلاد، ويزينونها كما يزينها المسيحيون بأنواع الزينة
стр. 122
من حلويات وغيرها، ويهدون لأطفالهم هدايا عيد الميلاد كما يربي المسيحيون أطفالهم على تقبل تلك الهدايا التي يقدمونها لأولادهم بدعوى أنها هدية من أبيهم المسيح الخ، كي يشبوا على حب المسيح ﵇، وحتى بعض النساء المسلمات - وخاصة العجائز غير المثقفات - كن يقدمن الشموع - وقد رأيت ذلك بعيني - لبعض الكنائس المحترمة عند المسيحيبن، فكيف يقف العالم المشاهد لأمثال هذه المهازل ساكتا أمام هذه العقائد الضالة والمضللة؟ وكيف لا يجد العون والتشجيع من لدن حكومته التي كتبت في دستورها "الإسلام دين الدولة" وهل يقر الإسلام هذا؟ اللهم لا، فإذا لم يفسح المجال للعلماء كي يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر فإن عاقبتنا غير مرضية.
ذلك ما حدث سواء في أوساط الشباب المسلم بالوراثة أو غيرهم من الرجال والنساء، فانتشر في الرجال ترك الصلاة وأكل رمضان وشرب الخمور وغير ذلك كاختلاط الرجال بالنساء في المجتمعات من غير حرج، وخاصة فقد نزعت من الكثير منهم الغيرة على حرماتهم اقتداء بمقلديهم، وكثر في المسلمات السفور والتبرج وانعدام الحياء وغير ذلك، مما أضر بهم في دينهم وعقيدتهم، فشربت الخمور المحرمة شرعا في المجتمعات العامة والخاصة وفى الأفراح وحتى في المنازل، وتركت الصلوات وانتهك المسلم حرمة شهر رمضان، فأكل جهارا في نهار رمضان، وانتهكت الحرمات، كل هذا من الدخلاء الذين جيء بهم إلى الأوطان الإسلامية ليعينوهم على النهوض ببلادهم بعد إخراج
стр. 123
المستعمرات منها، كما جاء هذا من مهاجرة المسلمين إلى الاوطان غير الإسلامية للعمل أو الدراسة، وجاوز هذا إلى الزواج بغير المسلمات والمسلمين، وكل هذا على مرآى ومسمع من الحكومات الإسلامية الدستور، فهي إذا لم تشجعه عمليا فقد شجعته بالسكوت عنه فلم تتأثر مما هو جار في وطنها المسؤولة عنه، ولم تقف حائلا دون تسربه إلى المجتمع الإسلامي النقي، ذلك أنه لا يعنيها أمر الدين وضياع الأخلاق الإسلامية وانتهاك الحرمات وفساد الأمة المحمدية، وهذا ما يشكو منه عقلاؤنا وينحسرون على وقوعه بيننا، ورضي به ذوو النفوس المريضة من الإسلام وعقيدته، وسموا ما هم فيه من فساد في الأخلاق وذبذبة في الأعمال - تقدما ونجاحا، حينما يرون البنت المسلمة - أو حتى المرأة - تتبرج في زي يبعث على السخرية والانحطاط الخلقي، كلباس "السراويل" الضيقة والمحددة، وما يتبعها من مخازي العصر الحاضر الذي أطلقوا عليه عصر التقدم والمدنية والرقي، ولست أدري هذا الرقي إلى أين؟ أإلي أعلى أم إلى أسفل؟.
وبهذه المخازي وأمثالها فقدنا الروح الوطنية الطيبة، وألفنا حياة المجون والفجور، وحياة الكسل والتسكع في الطرقات من الرجال والنساء، ونبذنا الأخلاق الكريمة والعزة النفسية والكرامة الإنسانية، وحتى الشهامة العربية والعزة القومية، فقدناها وفى فقدانها خسارة علينا لا يعوضها لنا ما ندعي أننا اكتسبناه.
стр. 124
وللقيام بهذا السهم العظيم من سهام الإسلام يجب أن نعرف أن القيام بالأمر بالمعروف له شروط مدروسة ومعروفة، منها الأهلية والقدرة على ذلك، وحرية الكلام وإفساح المجال له، كالمساجد والمجتمعات العامة، فإذا نظرنا بعين الواقع - اليوم - إلى الأوطان الإسلامية تكشف - لنا واقع هذه الأمة وشعوبها، فمن بيده من حكامهم الحل والعقد، والاباحة والمنع هم رجال السلطة القائمة في البلاد، وهذه السلطة بيد أناس تعلمهم كان في غير مدارس المسلمين، ومعلموهم من غير المسلمين طبعا، ومن هنا جاء الخطر على الإسلام، لهذا فهم لا يهتمون بشؤون الإسلام، ومن لا يهتم بشؤون الإسلام والمسلمين فليس منهم، وسواء عليهم أتقدم الإسلام أم تأخر؟ فلم يفسحوا المجال للقائمين بالأمر بالمعرواف والنهي عن النكر، بل ضيقوا عليهم مجاله الواسع، إذ لا يهمهم أمر هذا الدين حيي أو مات. فكيف يستطيع المسلم أن يقوم بهذا الفرض الكفائي أو العيني - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - وهو مكمم الفم، مكسر القلم، معطل التفكير، وقد حيل بينه وبين قيامه بهذا الواجب الديني العظيم الحاث على الاستقامة على صراط الله المستقيم، في حين أفسح المجال لأعوان إبليس ودعاة الضلالة والفجور يقولون ما يشاؤون ويفعلون ما يريدون؟ وحالهم حال من قال:
أَلْقَاهُ فِي الْيَمِّ مَكْتُوفًا وَقَالَ لَهُ ... إِيَّاكَ إِيَّاكَ أَنْ تَبْتَلَّ بِالْمَاءِ.
من أجل هذه الطوارئ الدخيلة علينا، والتي تنتاب المجتمع الإسلامي بين الحين والآخر، منها القوى التأثير، ومنها ضعيفه،
стр. 125
من أجل هذه وأمثالها أمر الإسلام المسلمين بالمحافظة على كيانهم ووحدتهم المتميزة عن غيرها، حتى لا يتزعزع أو يتصدع بنيانها، ولا يذهب رواؤها وبهاؤها، فأوجب على كل طوائف الأمة أن تكون يقظة حذرة من كل دخيل مفسد، ففرض الله على هذه الأمة المسلمة لذلك أن تقوم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى تسلم ذاتها من كل مرض خطير قد يجرها إلى العاقبة التي لا يرضاها رب العباد لها.
فالأمر بالمعروف من الفروض المؤكدة على من كانت فيه أهلية القيام به، سواء أكانت هذه الأهلية بسلطان الدولة أم بسلطان العلم والجاه، وكلا السلطانين مسؤول أمام الله عما هو واجب عليه، ولا تبرأ ذمته إلا بأداء ما هو فرض عليه، وخاصة من كان بيده قوة الزجر والردع، للكلمة المشهورة والمنقولة عن الخليفة الثالث عثمان بن عفان ﵁ وهي: (إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن).
والمعروف ما عرفه الشرع الإسلامي وحبذه ودعا إليه ورغب فيه، من فعل الواجبات والسنن وجميع الطاعات لحماية البيئة وأخلاقها الطيبة، وللمحافظة على سلامة الأمة في دينها وأخلاقها وطاعتها لربها، فالأمر بالمعروف فرض كفاية على الذكر والأنثى سواء.
فالآمر بالمعروف داع يدعو الناس إلى فضيلة وخير وصلاح، وهذا واجب على كل المسلمين كما تقدم، لا ينجو منه أحد دون
стр. 126
أحد، إلا إذا وجد من يقوم به - وهذا هو فرض الكفاية - ويصلح الخلل الذي يطرأ على الفرد والمجتمع، وهو كما قلت فرض كفاية على جميع المسلمين، فإذا قام به قائم منهم سقط فرضه عن غيره، وإذا لم يقم به أحد من المسلمين تعلق الفرض والعقاب بالجميع، شأنه في هذا شأن سائر فروض الكفاية، كغسل الميت وتكفينه والصلاة عليه ودفنه.
ومن المعلوم - شرعا - أن الفرض فرضان، فرض عين وهو على كل أحد، وفرض كفاية، إذا فعله البعض فإنه يكفي عن جميع المسلمين، ففرض العين واجب على كل واحد بعينه، كصيام شهر رمضان والصلاة والشهادة وسائر أركان الإسلام الخمسة.
أما فرض الكفاية فإنه فرض في الجملة على المسلمين، فالمطلوب به وبفعله هي الأمة والجماعة، فإذا فعلته طائفة أو واحد منها فإن بقية الجماعة غير مسؤولة عنه ولا مطالبة بفعله، وقد سقط عنها التكليف به والفعل له، لأن واحدا من الجماعة قد فعله وقام به. وفرض العين أهم وأعظم من فرض الكفاية في الطلب والاعتبار.
ويرى جماعة من العلماء المحققين أن فرض الكفاية أهم من فرض العين، والاشتغال به أفضل من الاشتغلال بأداء فرض العين، وعللوا رأيهم هذا بأن القيام بفرض الكفاية - الواجب على العموم - يسقط الطلب عن جميع المسلمين المطالبين به، بخلاف فرض العين فإنه لو ترك ولم يفعل فإن الطالب به إنما
стр. 127
هو المطلوب به فقط والاثم يقع عليه وحده إذا لم يفعله، أما فرض الكفاية فإن لم يفعل وترك طولب به جميع المسلمين والاثم عليهم كلهم، ولو فعل وان من واحد سقط الحرج والطلب والاثم عن جميع المسلمين، فالقائم بفرض الكفاية عامل على صيانة وحفظ الأمة كلها من الاثم والعقاب، ولا شك في رجحان من عمل وحل محل المسلمين كلهم في القيام بأمر مهم من مهمات الدين.
فقد قال الإمام النووي ﵀: للقائم بفرض الكفاية مزية على القائم بفرض العين، من حيث أنه أسقط الحرج عن نفسه وعن كل المسلمين، كما قاله - أيضا - إمام الحرمين وأبوه الشيخ الجويني رحمهما الله (١).
والقرآن - كلام الله - الخالق العليم - نوه بشأن الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، واعتبر أمة محمد ﷺ أفضل أمة عمرت هذا الكون من بين من سبقها في الوجود من الأمم الهالكة، وهذا التفضيل من أجل قيامها بهذا الركن العظيم، الذي له آثاره الثابتة والقائمة في تحسين حالة الأمة وإصلاح شأنها، ذلك أن الفرد أو الجماعة قد يطغى هو أو تطغى هي بالمال أو الجاه أو السلطان - وهذا ما هو مشاهد حتى في وقتنا هذا - قلت قد يطغى الفرد أو الجماعة بسبب ما ذكر، فيتجالوز حدوده التي هي من اختصاصه فيمد يده إلى غير ما هو له، غير ناظر إلى ما يخوله له حقه في هذه الحياة، فيفعل ما لا
стр. 128
يليق به كفرد وسط أمة لها حقوق عليه وعلى غيره، فالواجب عليه أن يحترم نفسه، فلا يقول ولا يفعل ما ليس له فيه حق، فإذا تطاول هذا الطاغي بالمال - مثلا - كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ أو ذاك بالجاه - مثلا - وجد في الأمة من يوفقه عند حده المحدود له وخطه المرسوم له بحكم درجته أو مركزه في مجتمع أمته، وذلك بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
فإذا لم تقم هذه الأمة بهذا السهم العظيم من سهام الإسلام في إصلاح أحوال مجتمعها سلبت منها هذه الأفضلية وصارت مثل الأمم المتقدمة عليها زمنيا.
لهذه المعاني وردت آية القرآن الكريمة مصرحة بما لهذه الأمة من المزية أو المزايا على غيرها من الأمم السابقة عليها لأنها - هذه الأمة - تعمل على ردع كل متجاوز لحدوده، بخلاف ما كانت عليه الأمم السابقة، كالأمة الاسرائيلية في أيامها من سكوتها - ولو كانت غير راضية - على مخالفي أحكام الشرائع الإلهية، فيما فعلوه أو تركوه، وأماتوه من أحكام شريعتهم التي كان عليها أسلافهم، والتي جاء بها من عند الله رسلهم وأنبياؤهم، قال تعالى في حق أمتنا المحمدية: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (١).
стр. 129
والإسلام - كما قال العلماء - حياته وبقاؤه ودوامه وانتشاره متوقف على قيام أتباعه بهذا الركن العظيم، وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فبهما انتشر وعم الأقطار، وبهما - إذا تركا - يضعف ويموت - لا قدر الله هذا - وتموت أمته بموته، وإن كانت حية حياة الحيوانات والبهائم، التي لا يحسب لها أي حساب، ولا يعتير لها وجود إلا بقدر ما تستغل حياتها البهيمية لصالح غيرها.
والأمر بالمعروف من أوكد الواجبات على من فيهم قابلية للقيام به، ولا بد للآمر بالمعروف أن يكون هو مطبقا وممتثلا في نفسه وفي كل أعماله وأقواله وفى كل تصرفاته لما يأمر به من المعروف، وكان عمر بن الخطاب ﵁ إذا أراد أن يأمر بشيء بدأ بأهله، ويتوعد كل من يخالف منهم عما يأمر به، فإذا لم يطبق على نفسه ما يأمر به، فهو من الخاسرين الهالكين، فهذا سيدنا شعيب ﵇ أعطانا مثلا من نفسه، كما ذكر الله في القرآن، فقال تعالى في حقه ﵇: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ (١) وقال تعالى في حق من يخالف فعله قوله: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ (٢).
стр. 130
ومثل ما ورد في القرآن ما جاء في السنة النبوية من أحوال من يأمر بالمعروف ولا يأتمر هو، فلا يطبق على نفسه ما يدعو الناس إليه، وما أكثر هذا الصنف في الدعاة في وقتنا هذا، بل وما أخطره على الإسلام ودعوته، من حيث أنهم يصدون الناس عن الاهتداء بهدى الله، يصدونهم عن هذا بتصرفاتهم المخالفة لروح الشريعة التي نصبوا أنفسهم دعاة لها يصدونهم ويبعدونهم عن ساحة الإسلام الطاهرة والنقية من أمثال هؤلاء الدعاة الأدعياء في الإسلام، خصوصا إذا لم يكن الواحد منهم متمكنا من معرفة الشريعة، فإن عامة المسلمين - غير العالمين - ينظرون إلى الشخص الماثل أمامهم رافعا صوته بالدعوة إلى الدين، ويرون كذلك أنه العالم بالدين العامل به والمطبق لأحكامه، وما بدر منه هو الحق وهو الإسلام، ويجب الاقتداء به، وقد لفت الإسلام النظر إلى أعمال هذا الصنف من الناس، كأنه يقول لا تغتروا بالمظاهر وبما يظهر لكم من تصرفات وأعمال هؤلاء الآمرين بالمعروف، حتى تزنوا أعمالهم وتقابلوها بأقوالهم، وفى مثل هؤلاء ورد الحديث عن الرسول الأكرم ﷺ ، فقد أخرج الشيخان عن أسامة بن زيد ﵄ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يؤتى بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أقتاب بطنه، فيدور بها كما يدور الحمار في الرحى، فيجتمع إليه أهل النار فيقولون: يا فلان ما لك؟ ألم تكن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ فيقول: بلى!! قد كنت آمر بالمعروف ولا آتيه وأنهى عن المنكر وآتيه".
стр. 131
هذا هو جزاء وعقاب الذين يقولون ما لا يفعلون، فقد شرح لنا رسول الله ﷺ وبين لنا ما ينتظرهم يوم الجزاء على الأعمال والأقوال المخالفة لشرع الله، وعقابهم هذا - زيادة عن كونهم في نار جهنم - عقاب شديد، حيث أن الواحد منهم يلقى ويرمى في نار جهنم إلقاء شديدا يؤدي به إلى خروج أمعائه من بطنه - وهو معنى تندلق - والأقتاب واحدها - قتب بالفتح - وهي الأمعاء أو المعي.
اللهم إننا نسألك يا رحيم بعباده الضعفاء أن توفقنا إلى صالح الأقوال والأعمال، واحفظنا من أفعال من تخالف أفعالهم أقوالهم يا رحيم يا رحمن، آمين.
***
стр. 132
السهم السابع:
النهي عن المنكر
من حظوظ وسهام الإسلام مقاومة الشرور والمخازي والفساد بجميع أنواعها وأشكالها، وهو المعروف في الشريعة الإسلامية باسم النهي عن المنكر، وهو كل فعل قبيح أو قول شنيع لا تستسيغه الفطر السليمة الصافية من الدغل والخبث، وهو - السهم - الذي جعله الله علامة ودليلا على يقظة المسلمين واهتمامهم بأمر دينهم ومجتمعهم، ليبقى سليما لهم من كل طارىء يطرأ على جوهره النقي، فيبدله أو يحرفه عن خطه الذي رسمه له رب العالمين.
والمنكر عرفه العلماء وبينوه بأنه كل أمر فظيع يستحي فاعله - إذا كان من ذوي المروءات - من فعله أو قوله جهارا وأمام الملأ من الناس، أو سرا حيث لا يراه أحد إلا خالقه المطلع عليه في كل حالاته.
والمنكر هو ما أنكره الشرع ونهى عنه لما فيه من المفاسد والأضرار التي يعود ضررها على الفرد أو المجتمع، وذلك لقبحه
стр. 133
أيضا، ومن المشاهد أن الناس في درجات الايمان بخالقهم وتحليهم بحلية الايمان والحياء من الله ومن الناس متباينون ومختلفون، فمن الناس من يتغلب على طبعه الايمان والحياء، فيعز عليه أن يهان أو يسخر منه العباد، أو يتأثر - في نفسه - بما فعله من مخالفة لشرع الله، فيما نهى الله عنه، ذلك النهي الشديد المؤدي بفاعله إلى الوعيد والعذاب الشديد، فهو يترك المنكرات المنهي عنها لهذا المعنى.
والمنكرات التي تفسد على المسلم إسلامه قد تصدر ممن لا يخافون الله فيما يأتون، ولهذا يجب على الأمة جمعاء أن تكون يقظة منتبهة إلى ما يحدث في وسطها من كل ما لا يليق بالمسلم فعله إن كان قبيحا، أو تركه إن كان واجبا عليه فعله، وهذا من باب النصيحة لخاصة المسلمين وعامتهم، وقد بين العلماء من هم أهل الإنكار على فاعلي المناكر واشترطوا في القائم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن يكون عالما بما يأمر به أو ينهى عنه، ليخرج الجاهل منه، لأنه ليس أهلا له، وقد يكون أمره أو نهيه سببا يؤدي إلى الضرر والفساد في وسط المجتمع، فينتج عنه خلاف المقصود، وهو الضرر لا النفع، أو الفساد لا الصلاح، كما يشترط فيه أيضا الإسلام، فلا يتولى هذا المنصب الكافر، لأنه أولى بنفسه من غيره أن يتولى إصلاحها، فهو في حاجة إلى من يأمره هو بالمعروف - الإسلام - وينهاه عن المنكر - وهو الكفر - المتلبس به لأن هذا من خصال الإيمان، إذ المؤمن يدفعه إيمانه إلى القيام بهذا الواجب الكبير، وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
стр. 134
وللقيام بهذا الواجب العظيم - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - يتحتم على المسلم القادر عليه أن يفعل ما هو مطالب به دينا من غير حاجة إلى إذن خاص من الحاكم، ولا يتوقف هذا عن التصريح - أو التسريح - له بذلك، لمن أراد أين يتولى هذا، بل عليه أن يقوم بما فرضه الله عليه حسب القدرة والطاقة والتحمل لمسؤولية ما اعتزم القيام به، إنما عليه أن يتجنب ما قد يحدث عن فعله، إذ قد يحدث منه ردود فعل قد تكون أقبح وأسوأ من فعله، إذ ربما يجلب الضرر عليه أو على غيره، وبهذا يسقط عنه القيام به.
والقيام بهذا الواجب العظيم على كل واحد من أهله، سواء كانوا من علماء الدين أو كانوا من حكام المسلمين صار في وقتنا هذا مقيدا غير مطلق، ذلك أن رؤساء وملوك المسلمين الحاليين تركوا القيام بهذا الركن العظيم، إما لعدم معرفتهم به حيث لم يكونوا من أهله، وإما لأن تعلمهم كان في مدارس غير إسلامية، فتغذوا بلبانها، فامتزج بها دمهم ولحمهم، ومن المعروف المسلم به أن هذه المدارس والمعاهد لا تعلم الدين ولا تدعو له ولا تشجع عليه، بل تحاربه، ولربما تسخر منه وترميه بالنقص، هذا هو الغالب عليهم، ومن القليل جدا من خرج عن هذا الإطار - لأمور خارجة عن تعلمه، كتربيته في صغره وسط أسرة محافظة على دينها وعقيدتها فعملت للدين وتقويته ونشره - وقليل ما هم - فاهتدى هذا القليل بهديهم، واقتدى بأسلافه أهل الدين والتقوى.
стр. 135
للسبب المذكور وغيره طغى الباطل على الحق، وانتشر الفساد في جميع الطبقات، وعم وطم وغطى كل فضيلة كانت في المسلمين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
هذا من جانب الحكام الذين تخلوا عما هم مطالبون به أمام الله يوم القيامة، وأمام التاريخ الذي سجل عليهم تخليهم عن أداء واجباتهم وتقصيرهم في مهماتهم، فتسرب بذلك الشيطان وأتباعه بالفساد إلى هيكل الأمة، تسرب إليها بوسواسه الذي نخر عظامها، فسقط هيكلها مهشما لا حراك له.
لم يحك التاريخ - فيما حكى - أن حكام المسلمين السابقين منعوا علماء المسلمين من أداء ما هو - فرض عليهم إلا ما صدر من بعض الحكام لأغراض ودوافع سياسية أو شخصية بعيدة عن عداوتها للدين والعقيدة - إلا ما فعله حكام المسلمين في وقتنا الحاضر، ذلك أنهم منعوا العلماء من إلقاء دروسهم الوعظية الدينية في مساجد المسلمين المشيدة بأموال المسلمين لا بأموالهم هم، فتجاوزوا سلطتهم المحدودة إلى ما ليس لهم فيه أي حق، فارتكبوا بهذا خطأ كبيرا وشنيعا لا ينجيهم منه أمام الله أي عذر أو اعتذار، فتركوا أمتهم المحكومة بقوانين غير إسلامية على أيديهم، تركوها تتخبط في ظلمات جاهلية جهلاء، مع فساد الزمان، وفساد الزمان إنما يكون بفساد أهله، مع قلة علماء الدين الذين هم أهل للقيام بهذا الفرض الكبير، هذا ما هو واقع الآن في كل بلد ووطن إسلامي - فيما أعلم - فقد منعوا علماء الإسلام من أداء ما فرضه الله عليهم ليصيروا مثلهم، فهم
стр. 136
قد أهملوا هذا الواجب فكيف لا يمنع منه العلماء ليتساووا معهم، إذ منعوا العلماء من تعليم الدين في بيوت الله ومساجد المسلمين، وقالوا لهم لا يسمح لكم بالتعليم في المساجد إلا بالاستظهار برخصة من الوزارة المكلفة بالشؤون الدينية تسمح لكم بالقيام بما تريدون، (وهذا ما كان ساءدا في زمن الاستعمار، ويكفي أنه استعمار غربي ضد الدين) فإذا طلب العلماء هذه الرخصة فإنها لا تمنح لهم، لأنهم لم يكونوا من الموالين للحكومة الحاكمة في البلاد، أو لأنهم يسيرون في اتجاه معاكس لاتجاهها أي في خط مناقض لخطها غير الإسلامي، وهذه كلها أسباب واهية اتخذت وسيلة للمنع لا غير، وفى المساجد أئمة لم تكن لهم الكفاءة للقيام بهذا الفرض العظيم، إما لعجزهم وضعفهم وأكثريتهم من هذا النوع، وإما لموافقتهم على خطة حكومتهم رضوا بها لأنها ... والأمر كله لله من قبل ومن بعد، وهنا نسأل: هل يسمى عالما إسلاميا من يقر ويرضى بغير الإسلام دينا للمسلمين؟؟
هناك صنف آخر من الناس كانوا يتسمون بالعلم في فترة قريبة خلت، ويسمون علماء المسلمين، رأيناهم قد تخلوا عن هذا اللقب الشريف، وانكمشوا وانزووا على أنفسهم، وتركوا ما كانوا يلهثولن وراءه يوم كان الأمر بيد جمعية العلماء، فما بالهم اليوم سكتوا؟ وأين ذهبت صيحاتهم وانفعالاتهم وحماسهم والإسلام يهان ويبعد عن معاقله؟؟
стр. 137
أخزى الله هذه الدنيا وقبحها فقد أضلت كثيرا من الناس وأخرجتهم من خطهم إلى خطوط أخرى لم تكن لهم ولم يكونوا لها، ونشكرها من جهة ثانية على ما فعلته مع هذا الصنف من العلماء، فقد كشفتهم للعامة على حقيقتهم حتى لا يغتر بهم وبأمثالهم أحد.
كنت في ربيع سنة (١٣٩٧) التقيت بأحد العلماء الأفذاذ الذين خدموا الدين الإسلامي وخلصوا السنة من التزييف وأزالوا الغطاء عنها بتبيين أحاديثها الصحيحة من الضعيفة والباطلة، وسألته يا فضيلة الشيخ هل لكم دروس تؤدونها للسملمين فيها التوجيه والنصح والارشاد؟؟ فأجابني بأن وزارة الدين في بلدهم منعته من التدريس في بيوت الله إلا أن يستظهر برخصة من وزارة الشؤون الدينية تسمح له بما يرغب فيه، قال ولما قدمت الطلب للتحصيل على تلك الرخصة جاء الرد من الوزارة بالرفض والمنع منها، قلت له هذا ما هو معمول به في عامة بلدان الدول العربية، أما غير العربية فلا علم لي بها، فقلت له وبعد هذا فما هو العمل؟، قال تراني عدت إلى التأليف ونشر وطبع الكتب، وفى هذا خدمة للدين الحنيف نرجو من الله التوفيق والقبول.
ذلكم هو فضيلة الشيخ محمد ناصر الدين الألباني حفظه الله.
أما في الأوطان التي لا تدين بالإسلام فإن حكوماتها تسهل - ما أمكن - على المسلمين المستوطنين فيها كل أمر تراه يعينهم على تأدية شعائر دينهم، وفعلا فقد رأينا وسمعنا من هذا الشيء الكثير، فالمساجد منتشرة في مدينة باريس وبلجيكا وألمانيا
стр. 138
الغربية وهولندة ولندرة وغيرها، والمجال واسع وفسيح للدعاة إلى الدين بينما الأمر على العكس من هذا في البلدان التي كتبت في دستورها عبارة "الإسلام دين الدولة" وهذا تناقض مفضوح وقد قال لي أحد العمال الجزائريين المستوطنين في فرنسا هذه الكلمة: "ما فهمت الإسلام إلا بعد أن جئت إلى فرنسا" فهمته من الدروس التي نتلقاها عن العلماء في المساجد!! أليس في هذا عبرة للمعتبرين، ينتشر الإسلام في أرض الكفر ويوسع على تدريسه وتعليمه بينما يضيق عليه في بلاده، أمر مؤسف والله!!؟
نفكر كثيرا في هذا السلوك الذي سلكه حكام المسلمين إزاء الإسلام والدعوة إليه وتبليغه فنرى أنهم اختاروا هذه الخطة ليؤمنوا مراكزهم وكراسيهم المضعضعة لأنهم يخافون غضبة الأمة المسلمة وانتفاضتها في يوم - ما - إذا هي فقهت دينها وأرادت أن لا تحيد عن نهجه وخطه، وإنني لأفكر من الآن - إن دام هذا الحال - في أنه ربما يأتينا يوما لا نصلي فروضه إلا برخصة من الحكومة - كما في الحج الآن - أما صوم رمضان فإنه قد فرغ منه، إذ صار يعين أول يوم منه مقدما بسنة أو ما يقرب منها، عند طبع وإحراج اليومية للسنة الجديدة، والعتاب الشديد واللوم القاسي والتوبيخ اللاذع إنما يتوجه إلى من يسمون أنفسهم بالعلماء لسكوتهم وجبنهم، أو رضاهم بالأمر الواقع حسب الاصطلاحات السياسية، والأمر واضح لو أرادوا أن يقفوا إلى جانب الدين، لأنه لا دخل للحكومات في أمر ديني
стр. 139
بحت، يعود النظر فيه من قديم الزمان إلى العلماء لا إلى الحكومات، لأنه يندرج في اختصاصاتهم، فنحن مقبلون على ما تذمر منه العربي في القديم من الزمن حين قال:
إِنْ دَامَ هَذَا الْحَالُ يَا مَسْعُودُ ... فَلَا جَمَلُ يَبْقَى وَلَا قُعُودُ
نعود إلى الموضوع، حيث أننا نعلم أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر درجات ثلاث، حسبما يحدث في المجتمع الإسلامي ففيهما الواجب المتأكد - وهي الدرجة الأولى - ويكون باليد أي بالقوة على المعتدي على حدود الله، وهذا ما يطلب من سلطة الحكومة الإسلامية، وقد ألغى هذا ولم تعد سلطة الحكومة تمارسه، وإذا لم يمكن هذا، فليكن باللسان والكلام، أي بالأمر أو النهي لمن ترك الواجب أو فعل المحرم، وهذا من واجب العلماء على من بقي منهم مواليا لدينه وعقيدته، وهي الدرجة الثانية، والدرجة الأخيرة الضعيفة كما جاء في نص الحديث، هي فيما إذا عجز المطالب عن الدرجتين المتقدمتين فإنه ينكر إهمال الواجب أو فعل المحرم بقلبه ولا يرضى بالمنكر يقع أو بالواجب يترك من أي كان، وهذه درجة عامة المسلمين، لا يختص بها واحد دون آخر.
فالدرجة الأولى الإنكار باليد. - أي بالقوة - فمن لم يستطع أن يقوم بها انتقل إلى الدرجة الثانية، أي باللسان، فإن خشي الضرر له أو لغيره، فلا أقل من أن ينكر ذلك بقلبه، وهو عدم الرضا بالمنكر والمنكرات، وهذا أقل ما يستطيع فعله، لأن الإنكار بالقلب لا يخشى منه شيء، إذ لا سلطان على القلوب إلا للخالق علام الغيوب ..
стр. 140
وولاة المسلمين في زمننا هذا أكثر الناس جرأة - إلا من قل - على ترك الواجبات وفعل المنهيات، فكيف يرجى منهم الأمر والنهي؟ ودليل ما تقدم حديث مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ : "من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الايمان".
ولرواية هذا الحديث الصحيح عن أبي سعيد الخدري ﵁ قصة معروفة وهي: أن مروان بن الحكم الأموي كان واليا على المدينة المنورة من قبل معاوية بن أبي سفيان الأموي أيضا، وحضر العيد فجاء مروان ليصلي بالناس صلاة العيد، كما هي العادة المتبعة في الإسلام من أن صلاة الجمعة والعيد يقوم بهما الولاة - فيا حسرة على ما مضى - فأول ما بدأ به أنه قدم الخطبة وأخر الصلاة، على العكس مما يأمر به الشرع من تقديم الصلاة على الخطبة، وإنما فعل هذا مروان كي لا يتفرق من حوله المصلون بعد الصلاة مباشرة من غير أن يبقوا لسماع الخطبة، لأن الناس لا يحبون أن يسمعوا خطبة واحد من بني أمية، ذلك لأن بني أمية كانت خطبهم تشتمل على شتم وسب علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، لما وقع بينه وبين معاوية من الخلاف على الخلافة ولم يبطل هذا المنكر الشنيع إلا عمر بن عبد العزيز الخليفة الأموي العادل الصالح ﵁، فتقدم الوالي مروان بن الحكم وصعد المنبر للخطبة فجذبه من ثوبه الصحابي "أبو سعيد الخدري" ﵁ ودار بينهما هذا
стр. 141
الحوار كما جاء في صحيح الإمام البخاري من كتاب صلاة العيدين، قال أبو سعيد الخدري، فلم يزل الناس على ذلك، - يريد الصلاة قبل الخطبة، كما كان يفعل النبي ﷺ وخلفاؤه من بعده - حتى خرجت مع مروان، وهو أمير المدينة في أضحى أو فطر، فلما أتينا المصلى إذا منبر بناه كثير بن الصلت، فإذا مروان يريد أن يرتقيه قبل أن يصلي فجبذته بثوبه فجبذني، فارتفع فخطب قبل الصلاة، فقلت له، غيرتم والله، فقال: أبا سعيد قد ذهب ما تعلم، فقلت: ما أعلم والله خير مما لا أعلم، فقال: إن الناس لم يكونوا يجلسون لنا بعد الصلاة، فجعلتها قبل الصلاة اهـ - وكان هذا الحوار بينهما فقط - فكان هذا العمل من مروان خلاف السنة التي كان عليها النبي ﷺ وخلفاؤه الأربعة الراشدون من بعد وفاة الرسول ﷺ ، فلما صعد المنبر الوالي المذكور صاح به أحد الحاضرين للصلاة فقال له بصوت عال على رؤوس الناس: الصلاة قبل الخطبة، - يعني أنك خالفت السنة - فما كان من الوالي إلا أن رد عليه بقوله: قد ترك ما هنا لك، فالظاهر من صيحة هذا المصلي في وجه الوالي أنه كان يظن أن الوالي نسي أو أخطأ من غير عمد لتقديمه، الصلاة على الخطبة، لهذا صاح به لما ذكر، والسهو والغفلة قد تحدث للإمام كما تحدث لغيره، غير أنه تبين له من رد مروان عليه أنه متعمد مخالفة السنة النبوية فيما فعل، وغرضه الذي يرمي إليه من هذه المخالفة أن الناس سيبقون إلى الصلاة ولا ينصرفون عنه، لهذا قدم الخطبة وأخر الصلاة.
стр. 142
وكان حاضرا في المصلى - كما مر - الصحابي / أبو سعيد الخدري ﵁ فلما سمع إنكار المنكر على الوالي ولم يرهبه ويخف منه لهذه الصيحة، عند هذا فال أبو سعيد الخدري: أما هذا فقد قضى ما عليه، ثم ذكر الحديث المتقدم فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من رآى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الايمان" فدل قوله: أضعف الايمان، على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من خصال الايمان وذكرا في القرآن متلازمين، في الغالب من الآيات التي دعت إليهما ورغبت في القيام بهما، وروى الترمذي عن حذيفة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابا منه، ثم تدعونه فلا يستجيب لكم".
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيهما نوع من الجهاد كما جاء في الحديث الذي رواه ابن ماجة وغيره عن أبي السعيد الخدري ﵁ وهو قوله ﵊: " أفضل الجهاد كلمة حق - وفى رواية عدل - عند سلطان جائر".
وقد روى معنى حديث أبي سعيد الخدري من وجه آخر، فخرجه مسلم من حديث ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: "ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره
стр. 143
ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف، يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل". فهذا الحديث أعم وأشمل من ذلك.
إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أولى وأجل وأفضل ما يقدمه المسلم الخالص لدينه وأمته، ذلك المسلم الذي يسره الله عليه وأكرمه به وبصره بما يكون بعد القيام بهما من الخير والصلاح لهذه الأمة، وفى تركهما من الشر والفساد - وحتى الكفر - في هذه الأمة، فإنها لا تستقيم أحوالها ولا يستقيم أمرها إلا بالعودة والرجوع إلى ما كان عليه سلفها الصالح، وهذه نصيحة إمام دار الهجرة مالك بن أنس ﵁، وكلمته التي بقيت بعده مضرب الأمثال، ومرجع الآمال، في كل وقت وحال، ويتسابق إليها الوعاظ الناصحون في مواعظم، وتلك الكلمة هي قوله: "لا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها".
وقد ينال من قام بهذين الفرضين، أو السهمين الإسلاميين - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - ما تكرهه النفوس الضعيفة من أذى وضرر ومكروه في سبيل القيام بهما غير أن الواجب على القائم بهذا هو الصبر والتحمل لكل ما يصيبه في سبيلهما من مكروه، وأين نحن مما أصاب رسل الله في سبيل تبليغ الرسالات إلى من أرسلوا إليهم منهم، وأخبار ذلك مفصلة
стр. 144
ومجملة في القرآن، فقد اتهم الرسل عليهم الصلاة والسلام بالجنون وهم أكبر الناس عقولا إلى آخر ما هو معلوم وكان من قبلنا يفتنون ويعذبون بأنواع شتى من العذاب كي يتركوا دينهم ولكنهم حافظوا على التمسك به، وأبوا أن يستجيبوا للظالمين فيما دعوهم إليه، فنشروا بالمناشير، وخدت لهم الأخاديد وأضرمت لهم فيها النيران وألقوا فيها فما صدهم كل ذلك عن دينهم، ولا اتبعوا سبيل الظالمين، فهذا هو الايمان بالله صدقا وهذا هو التصديق بوعد الله حقا، وهذا هو اليقين الذي ينجي صاحبه من عذاب الله.
فقد ذكر الله في القرآن ما أوصى به لقمان الحكيم لولده، فقد أوصاه بالصبر وتحمل الأذى في سبيل القيام بهذين الواجبين الخطيرين اللذين لا يستطيع أن يتحمل المكروه في سبيل أدائهما والقيام بهما إلا المخلصون المحبون للخير والفضيلة أولي العزم والصدق في اللقاء والعمل لله وحده، فقال: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (١).
حقا إنها درجة عالية لا يهبها الله إلا لذوي النفوس الصبورة على ما يصيبها من أجل القيام بذلك، وأي شيء هذا الذي ينوه به خالق الخلق؟ وما هي فائدة هذا الذي يضعه الخالق في قلوب طاهرة ونفوس قوية الايمان، لا ترضى لهذا المجتمع أو ذاك إلا
стр. 145
ما يرضاه لها ربها وخالقها؟ كل ذلك من أجل المحافظة على سلامة العقيدة والدين والمجتمع، حتى لا يصيبه ما أصاب المجتمعات التي سبقتنا، حيث أهمل فيها هذا الركن العظيم من بين أفراد المجتمع وحكوماته المتتالية، فحل بالجميع الهلاك والدمار، وبقيت أخبارهم تتلى في المجتمعات تتناقلها كتب التاريخ، حقا ان في ذلك لعبرة لأولي الألباب.
إن هذه المناكر الطارئة والطاغية على حياة المجتمع أكثر ما تكون من الغنى بعد الفقر، والوجد بعد الحرمان كما قال رب العالمين: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ إن وقوع هذه المناكر في المجتمعات التي لم تكن معروفة فيها من قبل تشبه إلى حد بعيد تلك الأمراض الوافدة من خارج الوطن، والتي تفد مع من يفد إلى مجتمع - ما - لأغراض متعددة كالتعاون في وقتنا الحاضر، ومن خاصتها أنها سريعة الانتشار والعدوى، لأن أهل الوطن ينظرون إلى كل ما جاءهم من الخارج أنه حسن لائق بهم، ولهذا رأيناهم يتسابقون إلى فعله ليصبحوا من أهله.
ومن المعروف من أقدم الأزمنة إلى يومنا الحاضر/ أن المسؤولين عن تدبير أمور البلد - الولاة - إذا أحسوا بحدوث أي مرض خطير - كالطاعون مثلا - فإنهم يسارعون لدفع خطره عن الوطن بالعلاج النافع الذي يقي الأمة شره وخطره كالتطعيم وغيره، فإذا تركوه من غير عناية به وأهملوا شأنه فإنه يلحق بالأمة أشد أنواع الأمراض وأخطرها ولربما يؤدي إلى هلاكها