← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 115131

سهام الإسلام

عبد اللطيف سلطاني

Полный текст (208 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

ببيانه كتب السنة النبوية المستمدة من شرح وبيان الرسول ﷺ ، كما هو مبسوط في كتب الفقه المأخوذة من كتب السنة النبوية الشريفة. ذلك أن الصلاة والزكاة المفروضتين من الله على عباده المسلمين جاء ذكرهما في القرآن مجملا من غير بيان ولا تفصيل، حيث أمر الله بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة فقط من غير تعيين لأسماء الصلوات، ولا لأوقاتها، ولا لعدد ركعاتها، ولا لكونها سرية أو جهرية الخ كما لم يتعرض القرآن لأصناف ما يزكى من الأموال وما لا يزكى ولا للمبلغ الذي تدفع منه ولا للمقدار الذي يؤخذ على الأموال الخ، فقد قال الله تعالى في كثير من الآيات القرآنية ذات الصلة بالصلاة والزكاة: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ والذي بين الصلوات بأسمائها وأوقاتها وأفعالها، وحدد مقدار الزكاة والأموال التي تؤخذ منها إنما هو الرسول ﷺ بوحي من الله - غير القرآن - ذلك أن الله قال له: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (١) وقال هو لأصحابه: "صلوا كما رأيتموني أصلي" وقال كذلك: "لتأخذوا عني مناسككم" فقد أمرهم بالاقتداء والاتباع له ولأفعاله، حيث أمرهم بأن يأخذوا عنه هيئة صلاتهم وأفعال حجهم ليوافقوا ما أمرهم الله به من حسن أدائهما، وكالصلاة والحج

стр. 72

الزكاة المفروضة، فالقرآن لم يوضح لنا ما هو نوع المال الذي تؤخذ منه، ولا المقدار المأخوذ، ولا، ولا، إنما وكل هذا إلى صاحب الشريعة المرسل بها من الله، وقد قال ﷺ : "لقد أوتيت القرآن ومثله معه" يشير إلى أن الوحي الذي أنزل عليه منه ما هو قرآن يتلى، ومنه ما هو شرح وبيان للقرآن، فهو الذي بلغ وبين وشرح للمسلمين دينهم. مسألة خطيرة وبمناسبة الكلام على الصلاة والزكاة، وخاصة هذه الآية الكريمة ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ ننبه إخوان التوحيد والإسلام إلى شائعات خطيرة تشاع وتذاع، فتسربت إلى عقول وأفكار بعض المتنطعين ممن ينتسبون إلى الإسلام والعلم الناقص، تلقفوها من أفواه أعداء الإسلام من ملاحدة ومستشرقين وغيرهم من الذين يبثون دعايتهم الدنسة وأفكارهم المسمومة في أوساط الشباب المنسوب إلى الإسلام، ذلك الشباب الناقص التفقه في الدين ومعرفة أسرار شريعتهم وأهدافها. بث المستشرقون والملاحدة في أوساط شباب المسلمين - شبهة - أولئك الشبان الذين دخلوا مدارسهم وتخرجوا منها بشهاداتهم العلمية، وبالطبع فإن التعليم الديني الإسلامي غير موجود فيها البتة، بل فيها تعليم إلحادي يحارب الدين ويعاديه، هذه الشبهة التي قد تخفى عليهم معرفتها هي قولهم: إننا نعلم أن أحكام الدين الإسلامي مستمدة من القرآن، فهو كتاب الفرائض الدينية الواجبة على المسلمين، لكننا لا نجد فيه

стр. 73

أحكام بعض المسائل الدينية، سواء منها الواجبة أو المحرمة، مثل الصلاة والخمر - مثلا - فالقرآن لم ترد فيه آية تحدد صلاة واحدة وتبين صورة أدائها وكيفية فعلها، كما لم يذكر فيه آية تنص على تحريم شرب الخمر وكل ما يتصل بالخمر من بيع وشراء وعمل الخ فيكون فيها حروف تنص على تحريحها "حرم" فمن أين جاء هذا التحريم؟ وكأنواع الصلوات الخمس فلم يرد فيه ذكر أسمائها ولا أوقاتها ولا صفاتها. هكذا يفتنون شبابنا - بهذه الفتنة - ليصدوهم عن دينهم ويشككوهم فيه وفى تشريعه، وفعلا كان لكلامهم هذا تأثير على البعض من الشباب، فزهدوا في واجبات دينهم، وتعاطوا بعض ما حرمه الله. ولكشف شبهتهم هذه، ونقض كلامهم الباطل ورد دعايتهم المسمومة نقول: إنه لا يخفى على ذوي الألباب النيرة والادراك المبني على الحجة والدليل أن أحكام الشريعة الإسلامية مستمدة من أصول التشريع الخمسة وهي/ الكتاب والسنة، والقياس، والاجماع - اجماع العلماء المجتهدين - والمصالح المرسلة، عند بعض العلماء في هذا الأخير. فالكتاب - القرآن - كتاب الله، والسنة النبوية هي أقوال الرسول ﷺ وأفعاله، وإقراره، وسكوته. أما القياس فهو عند عدم النص من هذين الأصلين - الكتاب والسنة - فيقاس عليهما، أما الاجماع فهو اجماح العلماء المجتهدين على حكم فيما إذا حدث أمر ولم يكن فيه نص، مما ذكر، فهو متفرع عن الكتاب والسنة.

стр. 74

فالسنة شارحة ومبنية للقرآن، ففي تحريم الخمر - مثلا - نستطيع أخذ حكم التحريم لها من القرآن - زيادة عن النصوص الكثيرة والأحاديث الواردة من صاحب الرسالة ﷺ نفسه، من غير احتياج إلى حروف - حرم - لأن الله تعالى قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (١) فقوله تعالى ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ هذا أمر، والأمر إذا أطلق في اللفط ولم يقيد بشيء أفاد الوجوب، كما هي القاعدة الأصولية، أفلا يفهم هؤلاء المتنطعون من هذا الأمر التحريم؟ فالقرآن نزل باللسان العربي، فمن أراد أن يفهمه فعليه بتعلم العربية والا فليمسك لسانه عن الخوض فيه، فمعنى الآية/ أيها المؤمنون يجب عليكم اجتناب وترك هذه المذكورات هنا وهي: الخمر، والميسر - القمار - والأنصاب - وهي الأوثان التي كانت العرب تعبدها، والأزلام - عملية القرعة على أمور معروفة عند العرب، كل هذه المذكورات في هذه الآية رجس وقذر من وساوس الشيطان وتزيينه لها في أعين الجاهلين لعواقبها السيئة، فظهر من أعمال بعض المستشرقين والملاحدة أنهم تطوعوا من تلقاء أنفسهم، واكتشفوا ما لم يكتشفه علماء المسلمين منذ أربعة عشر قرنا واكتشافهم هذا باطل ولا أصل له، اللهم الا اعانتهم للشيطان في خدماته المعروفة، وهي فتنته وإفتانه للمؤمنين، فشاركوا إبليس

стр. 75

فى أعماله، والا فما هو الحامل والدافع لهم على هذا التشكيك الذي حاولوا نشره في مجتمعات وملتقيات الشباب الإسلامي غير الواعي لدينه وشريعته، فهؤلاء القوم دائمو البحث والتنقيب عن شبهات يبثونها في مجتمعات الشباب الجاهل لدينه، ولكن هيهات لما يريدون هيهات، فديننا قوي متين في حجته وفى تشريعه. ان المسلم الصادق في إسلامه لا يفرق بين ما شرعه القرآن وبين ما شرعه الرسول ﷺ ، لايمانه بهما معا، فقد قال الله تعالى في القرآن: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (١) وكأن الرسول ﷺ توقع أنه سيحدث في وقت - ما - من يفتن المسلمين ويصدهم عن دينهم بما يذيعه وينشره بينهم من شبهات، فيقول قائلهم: لا نعمل إلا بما هو مذكور في القرآن، كما صرح بهذا في المدة الأخيرة أحد الحمقى من زعماء التجديد ممن له سلطة في حكومة لشعب مسلم ذاق ألوانا من الاستعمار الفشيستي، ولما تحرر منه تسلط عليه هذا الطائش فراح يصرح ويتهم علماء الحديث الصحيح ويشكك الناس في دينهم وسنة نبيهم، بناء على جهله وطيشه وخفته، والا فمن أين له أن يصل إلى مرتبة العلماء ذوي الرأي الصائب والفكر الثاقب فقد فضح نفسه، وجعل من كان يحترمه بالأمس يسخط عليه لوقاحته وسوء أدبه مع نصوص الشرع الإسلامي الحنيف وسار في خط الملاحدة والمستشرقين الذين

стр. 76

يشككون المسلمين في أصول دينهم، فقد أقدم بتصريحاته على القدح في أمانة رجال الحديث كالإمام البخاري ﵀، وهو الذي كرس حياته وأفناها في تخليص حديث الرسول ﷺ من دسائس المزورين والمدلسين وجمع الصحيح فقط من حديث الرسول ﷺ ، فخدم بعمله هذا الدين الإسلامي خدمة تذكر له بالاعجاب والتقدير والاحترام، فيجيء في آخر الزمان رجل يستهين بهذا العمل الجليل، فيشكك الناس في الحديث ويدعي أن واحدا لا يستطيع أين يجزم بما في صحيح البخاري على أنه من كلام محمد ﷺ ، من أمثال هذا جاء تحذير رسول الله ﷺ أمته، فقد جاء في كتب الحديث الشريف قوله ﵊: "لا ألفين أحدكم متكئا على أريكته يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به أو نهيت عنه، فيقول: لا أدري، ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه" أخرجه الأئمة/ أحمد في مسنده، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجة في سننهم، وكذا ابن حبان والحاكم في المستدرك، كلهم عن أبي رافع، وقد رواه الحاكم في المستدرك بألفاظ وطرق متعددة، كلها عن أبي رافع، وجاء في آخر بعضها: فيقول ما ندري هذا هو كتاب الله وليس هذا فيه وجاء في آخر البعض منها، فيقول: ما وجدنا في كتاب الله عملنا به وإلا فلا، كما جاء في بعضها قوله: "بيني وبينكم كتاب الله، فما وجدنا فيه حلالا استحللناه، وما وجدنا فيه حراما حرمناه" فقال رسول

стр. 77

الله ﷺ رادا عليهم أقوالهم: "وإن ما حرم رسول الله كما حرم الله". وقد تكرر حدوث هذا الشك في السنوات الأخيرة، حتى من بعض من ينتسبون للعلم والدين، ممن كانوا تلقوا تعلمهم في المدارس غير الإسلامية، فتأثرت عقولهم بكلام المستشرقين والملاحدة، وبالفعل وقعت بيني وبين بعضهم محاورة في هذا الأمر مما دل على أنهم أخذوا بآراء أعداء الإسلام، وان نزغاتهم قد تأثرت بها عقولهم، فقلت لمحدثي: - وهو شيخ طاعن في السن - يا شيخ أعيذك بالله من هذه الآراء الضارة بالدين والعقيدة، فإنها مدسوسة بين المسلمين لافساد دينهم عليهم، وتشكيكهم في أحد مصادر دينهم المعتبرة، بعد القرآن كلام الله، وتلوت عليه الحديث المتقدم (لا ألفين أحدكم الخ) وقد بلغني عنه أنه كان ينطق بلفظ الإمام البخاري بتفخيم الخاء، على أنه مأخوذ من البخار لأن كلامه ورأيه يتبخر في الفضاء، وهو منطق منه عجيب، هدانا الله وإياه وجميع المسلمين لاحتيام ديننا وعلمائنا. وما وقع لي مع هذا الشيخ العالم وقع لغيري من هذا الصنف في قديم الزمان وحاضره، ولا زال يقع إلى يومنا هذا مع من لم يشرب من معين الإسلام الصافي، ولم يتذوق طعمه الحلو المرىء، ومن القديم ما أخرجه الحاكم في المستدرك - في كتاب العلم منه - بسنده إلى الحسن - يعني البصري - قال: (بينما عمران بن حصين يحدث سنة نبينا ﷺ ، اذ قال له رجل: يا أبا نجيد حدثنا بالقرآن، فقال له عمران: أنت

стр. 78

وأصحابك تقرأون القرآن، أكنت محدثي عن الصلاة وما فيها وما حدودها؟؟؟ أكنت محدثي عن الزكاة في الذهب، والابل، والبقر، وأصناف المال؟؟؟ ولكن قد شهدت وغبت أنت، ثم قال: قد فرض علينا رسول الله ﷺ في الزكاة كذا وكذا، فقال الرجل: أحييتني أحياك الله، (١) قال الحسن: فما مات ذلك الرجل حتى صار من فقهاء المسلمين، وقد أقر الذهبي هذا الأثر ولم يعترض عليه لثقة رواته. من أجل هذا التلاحم بين ما شرع بواسطة القرآن كلام الله وبين ما شرع من طريق رسول الله ﷺ قال العلماء: ان من لم يصدق بما جاء في السنة النبوية عن صاحب الشريعة ﵊ فقد كفر بالله وبرسوله وبشريعته والعياذ بالله، نسأل الله السلامة من هذا، والتوفيق إلى طيب الأقوال والأعمال. ان الزكاة المفروضة على المسلمين في أموالهم من رب العالمين سهم مهم من أسهم الإسلام، له بال في الشريعة الإسلامية، وأثر بالغ الأهمية في المجتمع الإسلامي لا يخفى على أحد ممن لهم عناية واهتمام بالمجتمع. أما المعرض عنها والمانع لها فيا ويله يوم الحساب من أليم العذاب، كما أوضح القرآن ذلك، قال عز من قائل: "وَلَا يَحْسَبَنَّ

стр. 79

الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (١). فالمال كله ملك لله، وما العبد الا نائب ووكيل عنه، وخليفة للمالك الحقيقي، ورب المال هو الذي أمر هذا الخليفة بالانفاق منه، فلماذا لا يعمل هذا الخليفة بما أمره به صاحب المال ومالكه؟ والله يقول وهو بما أمر عليم، اذ هو رب المال وصاحبه، وهو قادر على انتزاعه من خليفته: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ (٢) فالمال مال الله، "والخلق كلهم عيال الله، فأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله" (٣). ان الدين الإسلامي ربط بين أتباعه برباط الاخوة والمحبة حتى لا يبتعد المسلمون بعضهم عن بعض، فتبقى هذه الصلة قائمة بينهم في كل الأوقات والأزمنة، وأن الايمان يبعث في النفوس الاهتمام والرعاية لهذه الأخوة والنسب الديني في كل الظروف، في الرخاء والشدة، واليسر والعسر، ووصايا الإسلام لا زالت شاهدة على هذا، وان أهملها أتباعه، وكشاهد

стр. 80

على هذا، الحديث الذي رواه البزار والطبراني عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "ما آمن بي من بات شيعان، وجاره جائع إلى جنبه وهو يعلم به" أي إيماين هذا؟ إذا كان المسلم لا يهمه ولا يهتم إلا بما هو فيه من نعمة وترف، ولا يتألم مما فيه أخوه وجاره الجائع، فلا يطعمه مما أعطاه الله، إذا كان يعلم بحاله وحاجته، ولا يمد له يد المعونة والاحسان، فمن كان هذا حاله مع إخوانه فقد ظهر منه أنه لم يستكمل الايمان، ولم يكن في مستوى المؤمنين. فدفع الزكاة للفقراء والمساكين دليل على أن مخرجها شاكر لنعمة الله عليه، غير كافر بها، ولهذا يبسط الله خالقه له في الرزق والمال، ويزيده من فضله، وذلك مصداق قوله تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ (١) فرب المال - وهو الله تعالى - أخبر عباده بما وعدهم به من الزيادة في مال الشاكرين لنعمه عليهم. وإخراج الزكاة - أيضا - دليل على ما في قلب مخرجها من الرحمة والعطف على البؤساء والمحاويج. ووجوب الزكاة على المسلمين في أموالهم أمر معلوم من الدين بالضرورة، لكثرة الأدلة على هذا من آيات القرآن الحكيم وأحاديث الرسول ووصاياه ﷺ ، فهي مسألة إنسانية ودينية، فمن لم يعترف بوجوبها فهو كافر بالله، ومن

стр. 81

اعترف بوجوبها ولم يذعن لدفعها من المسلمين ويعطيها لمستحقيها أخذت منه بالقوة - وان بقتال - كما فعل الخليفة الأول لرسول الله ﷺ الخليفة الراشد: أبو بكر الصديق ﵁، مع مانعي الزكاة في أول خلافته، فإنه وقف منهم موقفا دل على حزمه وشدة حرصه على صيانة هذا الدين وحفظه من نقصه، وانتقاص فروضه وذهابها الواحد، بعد الآخر، مثلما نراه في هذا الزمان من ذهابها في كثير من الأوطان التي تدير الإسلام، ولا من يغار عليها ويعمل على بقائها ودوامها وحفظها، فإن الخليفة الراشد أبا بكر اعتبر مانعي الزكاة مرتدين فحاربهم على منعها وسميت حربه لهم في التاريخ الإسلامي بحرب أهل الردة، لأنهم في رأيه مرتدون عن الإسلام، لامتناعهم عن دفعها وقال قولته المشهورة في التاريخ الإسلامي: "والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عقالا - وفى رواية عناقا - كانوا يؤدونه لرسول الله ﷺ لقاتلتهم عليه" وتسمى هذه الوقعة (بحرب الردة) كما مر قريبا، لأنه اعتبرهم مرتدين عن الإسلام الذي تركه لهم الرسول محمد ﷺ كاملا لا نقص فيه، وأمانة في أعناق المسلمين، يجب عليهم أن يحافظوا عليه كما تركه لهم، سواء منهم الحاكم أو المحكوم، بعد أن آمنوا به وأعطوا العهد على العمل بكل ما جاء فيه، فالواجب عليهم المحافظة عليه سالما كاملا كما تركه لهم صاحب الرسالة ﵊، وقد رأى في هذه القضية بعض الصحابة رأيا

стр. 82

غير الذي رآه أبو بكر، فلم يوافقوه في أول الأمر على حرب مانعي الزكاة، منهم عمر بن الخطاب فقال لأبي بكر: كيف تقاتل قوما يقولون لا اله الا الله محمد رسول الله؟ فإن من قالها فقد عصم بها دمه وماله، فأجابه أبو بكر بكلمته المتقدمة: "والله لو منعوني الخ" الدالة على يقظته وحزمه على المحافظة على الإسلام سالما من كل نقص كما تركه لهم رسول الله ﷺ ، تلك الكلمة الكبيرة في معناها "والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاه الخ" فقال أبو بكر لعمر المشهور بالشدة والتصلب في أمر الله، يا عمر "أجبار في الجاهلية وخوار في الإسلام؟ " ثم اقتنع عمر وبقية الصحابة رضوان الله عليهم بما ذهب اليه أبو بكر وارتضوه، وخاصة عمر، فقد شرح الله صدره وقبل ما اختاره أبو بكر من محاربة أهل الردة مانعي زكاة أموالهم عن الفقراء والمساكين، واتفق الجميع على رأي واحد لصيانة قواعد الإسلام من عبث العابثين، حتى لا يتجرأ أحد على نقض عرى الإسلام وقواعده وفرائضه، كما هو واقع الآن في الأوطان الإسلامية، بينما ملوك المسلمين أصحاب الجلالة، ورؤساؤهم أصحاب الفخامة والعظمة وأولياء أمورهم منهمكون وغرقى - إلى أذقانهم - في بحور شهوات نفوسهم، وصيانة قصورهم وكراسيهم بشدة الحراسة وكثرة الجند والسلاح، والإسلام ينتقص منه ويهان - وهم الرعاة والمسؤولون عن رعيتهم - وينقص هيكله شيئا فشيئا، ولا نعلم مآله،

стр. 83

والأمر لله السميع البصير ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ (١). فى كثير من الآيات القرآنية يحث الله تعالى فيها على إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، لأن الدين الحق الذي أمر به الله ﷻ يتجلى ويظهر من خلال هدين الفرضين المهمين، قال الله تعالى: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ وأحاديث الرسول ﷺ كثيرة في هذا المعنى، وهي متنوعة المقاصد، في الترغيب والحث على دفعها لمستحقيها، والنهي والوعيد لمانعيها، فقد أخرج الإمام البخاري في صحيحه عن عبد الله ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن: "إنك ستأتي قوما أهل كتاب فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخد من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوا لك بذلك فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينه وبين الله حجاب" أورد هذا الحديث بهذه الألفاظ في باب "أخذ الصدقة من الأغنياء وترد على الفقراء ".

стр. 84

فى هذا الحديث يحس المسلم ويشعر من خلاله بالرحمة والشفقة تتجلى للعيان من خلال كلماته، كما يدرك طريقة التشريع الإسلامي في التدرج بالمسلم من درجة إلى أخرى حتى تطمئن نفسه إلى فرائض الإسلام، فمن توحيد الله تعالى والاقرار بوحدانيته إلى الاعتراف برسالة رسوله محمد ﷺ ، ثم إلى طاعة الله بالصلاة الواجبة عليه، إلى إجابة ربه فيما أمره به من إخراج زكاته، فتؤخذ من الأغنياء لتعود فائدتها على الفقراء لا على خزينة الدولة التي لها موارد أخرى، ثم يوصي العامل على جمعها بأن يكون رفيقا بالناس الذين يدفعونها، ويحذره من الشطط في ذلك، فلا يأخذ كرائمها وخيارها منه، فإن هذا قد ينفر دافعها ويوغر صدره على الدولة، بل يأخذ من أموال الناس الوسط، وهو ما بين الكبيرة والصغيرة، والسمينة والعجفاء، ثم يحذره مرة ثانية من ظلم الناس، بأن يأخذ فوق الواجب عليهم، ويقول له: "واتق دعوة المظلوم" ذلك أن المظلوم إذا دعا ربه يستنصره عليه - الظالم - فإن الله يستجيب له ويعاقب الظالم على ظلمه، وباب الله ليس عليها حاجب ولا بواب يمنع من وصولها إلى مالك الملوك، كما هو الحال في أبواب الملوك والرؤساء من البشر، وفى هذا التحذير إيماء إلى منع أخذ الرشوة من أرباب المصالح والأموال، وفى قصة عبد الله بن اللتبية ما فيها من الموعظة للولاة، حين قدم بالزكاة التي سيره الرسول ﷺ لقبضها ممن وجبت عليهم، فلما جاء بها قال: هذا لكم وهذا أهدي الي، (والحال أن له نصيبا وسهما في الزكاة

стр. 85

التي جمعها يأخذه جزاء على عمله في جمعها، إذ هو أحد الأصناف الثمانية الذين تصرف لهم الزكاة). فغضب من قوله هذا الرسول ﷺ وجمع الناس وخطب فيهم خطبته المشهورة الناهية عن أخذ الرشوة من الناس فيما يعود إلى عمل الموظفين الذين لهم أجرة من خزينة الدولة، كما هو الحال في وقتنا هذا، مما هو معلوم لدى الخاص والعام. أورد الإمامان/ البخاري ومسلم في صحيحهما أن النبي ﷺ استعمل رجلا من الازد يقال له عبد الله بن اللتبية على الصدقة، فلما قدم قال: هذا لكم وهذا أهدى إلي، فقام رسول الله ﷺ على المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: "أما بعد فإني أستعمل الرجل منكم على العمل مما ولاني الله فيأتي فيقول: هذا لكم وهذا هدية أهديت لي، أفلا جلس في بيت أبيه أو أمه حتى تأتيه هديته ان كان صادقا، والله لا يأخذ أحد منكم شيئا بغير حقيه إلا لقي الله تعالى يحمله يوم القيامة، فلا أعرفن أحدا منكم لقي الله يحمل بعيرا له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة تيعر" متفق عليه، هذا في الهدية على عمل الموظف الذي له أجر عمله، فما بالك بمن يختلسون أموال خزينة الدولة بشتى الحيل، فإن سلموا من العقاب في الدنيا بالوسائط والشفاعات الخ فإنهم لا يسلمون أمام من لا تخفى عليه خافية يوم القيامة، والحقيقة أن الأموال التي اختلسوها هي أموال الشعب، وفيه الفقير والعاجز واليتيم.

стр. 86

هذا وقد قال بعض العلماء: ان ما جاء في حديث معاذ بن جبل ﵁ من قول الرسول ﷺ فيه: "تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم"فى هذا الحديث دليل على أن نقل الزكاة من بلد الوجوب إلى بلد آخر لا يجوز، مع وجود من يستحقها في بلد المزكي، فقال: صدقة كل ناحية هي لمستحقيها من تلك الناحية، واستدلوا بما فعله عمر بن عبد العزيز ﵁، حيث رد صدقة حملت من خراسان إلى الشام، فردها إلى مكانها من خراسان، وهذه المسألة محل خلاف بين العلماء، فقد كره أكرهم نقلها، غير أنهم قالوا ومع الكراهة فإن الفرض يسقط عن صاحبها. وعيد مانعي الزكاة: من هذا الوعيد قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ سورة التوبة الآية ٣٤، قال عبد الله بن عمر مبينا ما هو الكنز: "كل مال تؤدي منه الزكاة فليس بكنز، وإن كان مدفونا، وكل مال لا تؤدي منة الزكاة فه كنز، وإن لم يكن مدفونا" أخرجه مالك في الموطأ والشافعي في المسند، وأخرج الإمام البخاري ﵀ في صحيحه عن أبي ذر ﵁ قال: انتهيت إلى رسول الله ﷺ قال: "والذي نفسي بيده، أو والذي لا إله غيره، أو كما حلف، ما من رجل تكون له إبل، أو بقر، أو غنم، لا

стр. 87

يؤدي حقها إلا أتي بها يوم القيامة أعظم ما تكون وأسمنه تطؤه بأخفافها، وتنطحه بقرونها كلما جازت أخراها ردت عليه أولاها حتى يقضى بين الناس" وأخرخ البخاري - أيضا - في صحيحه عن أبى هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " من آتاه الله مالا فلم يؤد زكاته مثل له يوم القيامة شجاعا أقرع له زبيبتان يطوفه يوم القيامة، ثم يأخذ بلهزمتيه - يعني شدقيه - ثم يقول، أنا مالك، أنا كنزك، ثم تلى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ الآية - ١٨٠ - من سورة آل عمران". ان عقاب الله تعالى الذي توعد به مانعي الزكاة عن مستحقيها في يوم القيامة - يوم الحساب - عقاب شديد لا يتحمله بشر في الدنيا، فكيف به يوم القيامة ويطول هذا العذاب حتى ينتهي الخالق من حساب عباده، فإن كان المال الذي لم تخرج منه الزكاة ذهبا أو فضة فإنه يصير في ذلك اليوم صفائح ثم تحمى في نار جهنم ثم تكوى بها جبهته وجنبه وظهره كما نصت عليه آية التوبة ﴿يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾ الخ وان كانت إبلا فإنها تطؤه بأخفافها، وإن كانت بقرا أو غنما فإنها تنطحه بقرونها وهكذا، فأي امرئي منع زكاة ماله في الدنيا، فإن عذابه يوم القيامة محقق لا شك فيه، فليحذر هذا الذين يتهاونون في أداء ما أوجبه الله عليهم في أموالهم.

стр. 88

السهم الرابع: الصيام الفرض أو السهم الرابع من سهام الإسلام هو صيام شهر رمضان، وهو فرض وركن عظيم من أركان الإسلام الخمسة التي بني عليها، وقد فرضه الله على هذه الأمة المحمدية - كما فرضه على الأمم المتقدمة عليها في الوجود - فرضه في شهر شعبان من السنة الثانية من الهجرة النبوية الشريفة، على صاحبها الصلاة والسلام، والصوم محك تمتحن به النفوس، فتظهر على حقيقتها ووإقعها، قوية الايمان بربها مطيعة لأحكامه، أو ضعيفة خوارة، فالأولى تستجيب لنداء خالقها، والآخرة تعرض عنه وتنسحب من ميدان السباق إلى الفضائل وما يزكي النفوس، إلى ساحة الشهوات والرذائل (مهزومة) فالنفوس المؤمنة تستجيب لأمر الخالق العليم، فتؤديه برغبة صادقة مؤمنة بوعد خالقها، تهون عليها الدنيا كلها بملذاتها، فلا رغبة لها فيها ولا يرضيها الا الاستجابة لأمر الله العلي العظيم في قوله: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (١) هذا الأمر الذي لا يعصيه الا جاحد أو

стр. 89

منافق خبيث سيئى الطوية، منكر للجميل، معرض عن أوامر خالقه ورازقه ومولاه. إن الصوم عبادة لله، ورياضة للنفوس، وامتحان للعزائم والإرادات، كان يقوم به كل من يرغب في طاعة ربه ومعبوده الحق، وتقربه إليه، وهو مما تعود الناس أن يقوموا به لكسر شهوات ورغبات النفوس الجامحة، كان هذا في الأمم الغابرة، كما ذكره من كتبوا عن عبادات الأمم السابقة عنا، قبل أمتنا، وقد صرح القرآن بهذا في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (١). والصوم الذي شرعه الله وأمر عباده به هو ترك الأكل والشرب وكل الشهوات النفسية من ملاذ الحياة الدنيا مدة شهر قمري يبتدئي العمل به من طلوع الفجر إلى غروب الشمس من كل يوم طيلة هذا الشهر الكريم الذي أنزل الله فيه القرآن على أشرف خلقه وأكمل رسله محمد ﵊. ففي هذا الشهر المفضل يشتد تعلق المسلم بدينه الحق الذي ليس لديه في حياته ما هو أحق بالعناية والاهتمام منه، فيظل يومه صائما ممسكا عن كل ما يفسد عنه صومه وطاعته لله مولاه، ويعرض إعراضا كاملا عن كل ما يخل به أو ينقصه عن الكمال،

стр. 90

تتهذب به نفسه وتترفع عن النقائص التي تقدح في كرامة المسلم، وتتحلى بحلية الأخلاق الإسلامية والإنسانية العالية، فيكف لسانه وجوارحه عن خسيس الأقوال وسيئ الأعمال، فلا رفث ولا لغو ولا فحش ولا بذاءة، لا ينطق الا بطيب القول وحميد الكلام، ولا يفعل الا ما يرضي الله ورسوله وصالح المؤمنين، بين ذكر لله تعالى، وتلاوة لكتابه العزيز، إلى المحافظة على الصلوات في أوقاتها، وخاصة قيام الليل الذي يتمثل في صلاة التراويح في المساجد التي يسرع إليها عمارها في كل ليلة منه يستمعون إلى كلام الله، ويتعظون ويتزودون من كلام خالق الأكوان ومدبر شؤون هذا العالم الواسع الارجاء، والذي يدل على قدرة الصانع العليم الخبير، ومهيئى هذه الفرصة لعباده المؤمنين، ليقوموا بشكره وطاعته المتمثلة في العمل بما في شرع الله القويم، وهديه وصراطه المستقيم وليهظروا للناس بأنهم أشبه بملائكته المكرمين العابدين له الطائعين لأوامره الراكعين الساجدين له في كل وقت وحين ليس لهم ما يشغلهم عن ذلك، وهنا يظهر المسلم أنه مثل الملك النوراني في غنى عن الأكل والشرب زكت روحه وتطهرت بصيامه لله، وإمساكه عن كل ما يفسد عنه تشبهه بملائكة الرحمن. ان الصوم نعم المربي للمسلم، يربي فيه العزيمة والارادة والصبر والصدق، وبهذه الصفات يستطيع التغلب على جميع الصعاب التي قد تصادفه في مسيرة حياته، كما يرفع الإنسان إلى درجات القادة ذوي العزائم الفولاذية غير جبان ولا خوار ولا

стр. 91

ضعيف الارادة، لأنه بصيامه قد تغلب على أكبر عدو له، وهو نفسه التي قد تسوقه إلى ما فيه هلاكه عندما تحل به إحدى مآسي هذه الحياة ومشاكلها، فقد رأينا غير المسلمين من هذه الأمم التي نساكنها في هذه الحياة، عندما تضيق بالواحد منهم سبل حياته، أو تصادفه في طريق حياته إحدى العقبات، سواء كان منشؤها من نفسه هو أو من أسرته، أو من حكومته، أو من مجتمعه، فإنه يضعف عن مقاومة تلك الشدائد والمآسي، وهنا لا يخطر بباله ولا يرى أمامه الا أن يتخلص منها بالانتحار وقتل نفسه والقضاء على حياته ليستريح مما هو فيه من عناء وأزمات وصدمات، لأنه لم يقو على التغلب عليها، وليس له إيمان بربه مبدل الأحوال من حال إلى حال، وتسأل لم أقدم على هذا؟ الجواب واضح لأنه لم يتعود الصبر وتحمل تقلبات الزمان، ولهذا تجد جريمة الانتحار التي شاعت بين الأمم في الزمان الأخير، قليلة ونادرة في الأوطان الإسلامية، لما ذكرنا من تأثير فعل الصيام في المسلمين، لأنه عودهم الصبر وتحمل ما يشق على النفوس، والقرآن ينهى عن قتل النفس والانتحار ويقول: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا * وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ (١). وأيضا فإن غير المسلم لا يؤمن بأن له ربا ومالكا هو وحده بيده تصريف الأمور، من سعادة إلى شقاوة وبالعكس من

стр. 92

أجل فقدان هذا الايمان الذي يبعث على الاطمئنان ويقضي على اليأس والقنوط يعمد إلى الانتحار، إما بإلقاء نفس المريد له نفسه من شاهق، أو أمام قطار سريع، في وقت سيره، أو بشرب سم قاتل أو بشنق نفسه أو بطلق رصاصة على رأسه الخ، فيزهق روحه، وهذا كله أصابه من عدم إيمانه بخالقه ونكرانه له وجهله بنفسه وبعاقبة أمره ومآله، وهنا نرى أن البعض ممن ينتسبون إلى الإسلام قد سلكوا هذا السلوك المخالف لطبيعة الإسلام وماضي المسلمين، فاقتدوا بالكافرين الذين لا يرجون من الله ما يرجوه المؤمنون، فكثر فيهم الانتحار في هذا العصر الذي كادت تغيب فيه شمس الإسلام في بعض الأوطان، وغشيتها سحابة سوداء دخل فيها هذا النوع من الناس الفاقدين ليقين الايمان وطمأنينة القلوب بذلك الايمان وعاقبة الصبر الجميل الذي ألفوه من درس الصيام. أما المسلم الصائم لله فإنه تعود على التصرف في نفسه، يتصرف فيها ولا تتصرف فيه هي، تصارعه ويصارعها فيغلبها ويقهرها، فهو دائما معها في صراع، وهي عدوه اللدود، لا يسمح لها بأن تعلو عليه، فتسوقه إلى الخاطر بله إلى الحتوف والمهالك، فهو يفضل امتثال أمر مولاه على امتثال أمرها، ويؤثر حكم الله على حكمها، يرضي الله ويغضبها، فهو يكون دائما في راحة مما يعانيه غيره، قانع بما في يده من حطام الدنيا، مجد في عمله المفيد، سواء مما يعود عليه نفعه في حياته الدنيا أو في حياته الأخرى.

стр. 93

وهذا ناتج من نور الايمان الذي ملأ قلبه، فهو قد أبصر النور الذي بصره به خالقه الذي قال: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾، وفاض على حواسه، فأدرك الغاية من هذه الحياة، وأنها مطية يركبها - ولا تركبه هي - لتصل به سالما إلى الحياة الأخرى دار الإقامة يؤمن بالقرآن كلام الله، وبما جاء فيه من رب العالمين، وقد ورد فيه قوله: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ إذ هو الذي أنزل القرآن على رسوله الأمين ليكون للعالمين نذيرا. الحكمة من فرض الصيام: قد ذكر بعض العلماء الحكم والفوائد التي يحصل عليها القائم بأداء هذا الركن من أركان الإسلام، والمنافع التي حواها هذا السهم من سهام الإسلام، التي اجتمعت فيه، فكل عالم ذكر ما وصل إليه علمه في هذا الشأن من أخذ الحكم والمنافع من مشروعية الصوم، أهمها وأجلها طاعة الله فيما أمر به عباده، وهي غاية ما يطلبه المؤمن بربه، أما ما يستفيده الصائم من صومه غير هذا فذاك أمر حصل من أداء هذا الفرض الجليل، مثل التشبه بالملائكة الكرام، ومثل تربية الارادة والعزيمة في الصائم، والاحساس بألم الجوع وما ينشأ عنه ليتذكر به أخاه الفقير البائس، وخلو المعدة - بيت الداء - طوال أيام هذا الشهر المبارك لتستعيد بهذا نشاطها وعملها بعده، فهذا أمر ظهرت نتائجه وبانت لدى أطباء الأجساد، فصاروا يحذرون

стр. 94

مرضاهم من الاسراف في تناول الطعام فوق ما هو لازم لحياة الجسد، ويرغبونهم في عدم الاكثار منه إلا في أوقات قليلة ومحددة، والحكم متعددة ومتوفرة في الصوم وأعلاها اعتبارا كما قلت هي طاعة الله، لأنه الآمر به وكفى، وشكره على ما أولانا وحبانا من النعم التي لا تعد ولا تحصى، أفلا يليق بالنعم عليه لأن يشكر المنعم على تلك النعم؟ وإذا لم يشكره عليها بطاعته له فكيف يشكره؟ وبأي وسيلة يكون ذلك الشكر؟ حقا - كما قيل - إذا شبع ابن آدم كفر. فضل الصيام: أحاديث نبوية شريفة وردت في فضل صوم شهر رمضان المعظم وداعية ومرغبة في صومه، ومنبهة على فضله والقيام بحقه، في تطهير النفوس المؤمنة، وتنقية عمل المرء من كل ما يعوقه عن التزكية والتحلي بالفضائل الخلقية المرضية، منها ما رواه اأبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قوله: ل"إذا دخل شهر رمضان فتحت أبواب الجنة - وفى رواية السماء - وغلقت أبواب جهنم - وفي رواية النار - وسلسلت الشياطين - وفى رواية ضفدت - " أخرجه الإمام البخاري وغيره. ثواب من صام رمضان: وروى البخاري وغيره بسنده إلى أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "من صام رمضان إيمانا

стр. 95

واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه" متفق على صحته. باب الريان: وأخرج الإمام البخاري في صحيحه عن سهل بن سعد ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إن في الجنة بابا يقال له الريان يدخل منه الصائمون يوم القيامة، لا يدخل منه أحد غيرهم، يقال: أين الصائمون؟ فيقومون لا يدخل منه أحد غيرهم، فإذا دخلوا أغلق فلم يدخل منه أحد" فالصائمون هنا هم المكثرون منه لا لمن يفعل ذلك مرة فقط كل عام، كمن يقتصر على الفرض فحسب، والمكثرون هم المعتادون الصيام حتى كان لهم عادة. جزاء الصائم لله تعالى: ندرك الفيض الرباني الذي أفاضه على الصائمين المخلصين من الأحاديث المروية عن صاحب الرسالة ﷺ ، وفيها الوعد الحق من الملك الديان بما فيه الكفاية للراغبين في حياة السعادة والراحة والكرامة، فقد من الله على أمة محمد ﷺ بما يثبت لها التعظيم والتبجيل على السابقين من عباد الله، ومن إكرام الله لهذه الأمة ذلك الجزاء الوافر الذي وعد الله به على أداء هذا الفرض العظيم الذي يكشف حقيقة

стр. 96

الايمان الحق من الايمان المزيف الذي لم تخالط بشاشته النفوس الا ظاهرا، روى ابن ماجة عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله صلي الله عليه يوسلم "كل عمل ابن آدم يضاعف، الحسنة بعشر أمثالها، إلى سبعمائة ضعف إلى ما شاء الله، يقول الله: الا الصوم، فإنه لي، وأنا أجزي به، يدع شهوته وطعامه من أجلي. للصائم فرحتان فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه. ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك" وفى رواية: (الصوم جنة الصوم جنة) ان الصوم يهذب النفس - إذا كان على وجهه الشرعي - ويصون اللسان عن فاحش الكلام، ويكفه عن البذاءة وردىء القول ومنكرالأخلاق، هذا إذا كان صوما شرعيا، وهو ما شرعه الله لعباده المؤمنين فيه، ولم يكن مما شرعه الشيطان لأوليائه وأتباعه العاملين بوساوسه وهمزاته. أوصى الرسول ﷺ أمته بأن يحافظ الصائم على ما عرف به المسلم في سلوكه مع عامة الناس، من حفط لسانه عن النطق بما يخل بأدب الصائم، فلا ينطق بالفحش ولا يفعل أفعال الجاهلين، فإن ابتلي بمن لا خلاق له فلا يجاريه في سفاهته وطيشه، حتى لا يظهر بمظهر الطائشين، وليعتصم بالسكوت والصبر على ما أصابه، فهو أليق وأفضل من مجاراته للسفيه الطائش، ان الصوم جنة وساتر يستر صاحبه من نار جهنم ومن أفعال السفهاء غير العقلاء، هذه المعاني جاءت في حديث

стр. 97

الرسول ﷺ يوصي فيه أمته بالمحافظة على أدب الصائم وأخلاقه، فقد أخرج الإمام البخاري في صحيحه وبسنده إلى أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "الصيام جنة فإذا كان أحدكم صائما، فلا يرفث ولا يجهل، وإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل: إني صائم مرتين، والذي نفسي بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي، الصيام لي وأنا أجزي به، والحسنة بعشر أمثالها" ففي هذا الحديث وصية جليلة وتربية عظيمة للمسلم، كي يزكي نفسه ويطهرها من أعمال السفهاء والطائشين، ويرتفع بها إلى مصاف الأزكياء والأطهار، ومن الله نرجو التوفيق والصلاح. ***

стр. 98

السهم الخامس: حج بيت الله من أسهم الإسلام الثمانية حج بيت الله الحرام، وهو الخامس منها، وهو قصد بيت الله الحرام في بلدة مكة المكرمة من أرض الحجاز، واستعمال كلمة الحج في لغة العرب يدل على القصد والتوجه، فإذا قلنا حج بيت الله الحرام معناه قصد بيت الله والتوجه إليه، والحج المذكور كان مشروعا ومقررا لدى العرب من القديم، من زمن إبراهيم الخليل ﵇، أي قبل الإسلام، فقد كان العرب يحجون إلى مكة لزيادة بيت الله العتيق الذي بناه أبو العرب اسماعيل وأبوه خليل الرحمن ابراهيم ﵉، وقد حكى الله هذا في قوله: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (١). والعرب المشركون في زمن جاهليتهم كانوا يعتقدون أنهم متمسكون بملة ابراهيم واسماعيل ﵉ ويقولون هذا،

стр. 99

لهذا كانوا يترددون على البيت الحرام وخاصة في زمن الحج، ويقولون إنهم على دين إبراهيم، والواقع يكذبهم، لأن إبراهيم الخليل كما حكى الله عنه كان حنيفا مسلما ولم يكن من المشركين جاء هذا في قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (١) فحرفوا وبدلوا دين التوحيد الذي كان عليه أبواهم - إبراهيم واسماعيل ﵉، وأشركوا مع الله غيره من آلهة عبدوها وسووها برب العالمين ونذروا لها النذور، وأعطوها حقوق الاله، من عبادة وطاعة وخضوع وطلب قضاء حوائجهم منها، وحموها ودافعوا عنها، فدافعوا الحق وحاربوه من أجلها، وأخرجوا الرسول من بينهم لما أظهرها على حقيقتها من عجزها وفساد عبادتها. فلما جاء الإسلام بالتوحيد الخالص والطاعة لله وحده لا شريك له في ذلك كفروا به، والإسلام هو دين جميع أنبياء الله ورسله من لدن آدم إلى آخر رسول من رسل الله قبل مبعث محمد ﷺ ، وهو عيسى ﵇. ان الدين الحق الذي رضيه رب العباد للعباد إنما هو الإسلام، دين جميع الرسل الكرام الذي جاء به إبراهيم وغيره، فكل من العرب المشركين واليهود والنصارى كانوا يزعمون ويدعون أنهم على دين إبراهيم وملته، وهم المحرفون والمغيرون لها،

стр. 100

فأكذبهم الله في قولهم هذا بقوله: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. فشأن العرب في هذا الحج شأن الأمم السابقة، فإن التاريخ يحكي لنا أن الأمم المتقدمة في التاريخ القديم، كأمة اليونان كانت تحج إلى هياكل مقدسة عندها، وكان اليهود يحجون إلى الموضع الذي فيه تابوت العهد القديم، وكان المسيحيون يحجون إلى بيت المقدس والى بيت لحم مقر ولادة المسيح ﵇ ولا زالوا إلى يومنا هذا - ويسمون هذا حجا، ومثلهم الصينيون واليابانيون وغيرهم من الأمم، قال الله تعالى مشيرا إلى هذا: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ﴾ (١) وفسر النسك بمكان الذبح وبالشريعة. فكان للأمم الموغلة في القدم أماكن يعظمونها ويحجون إليها، ويجتمعون فيها لعبادة معبوداتهم، ويذبحون عندها الذبائح والقرابين، ويرون أن هذا الحج إليها يقربهم منها ويرضيها عنهم، وبهذا تدفع عنهم المصائب وتعينهم على قضاء مصالحهم الدنيوية، وبقطع النظر عن فساد هذا الاعتقاد، فإنه لا زال سائدا لدى بعض الشعوب الوثنية إلى وقتنا هذا، كما هو معروف وجار لدى الأمة الهندوكية وغيرها.

стр. 101

فلما بعث الله محمدا الرسول العربي بالإسلام الشريعة الطاهرة المطهرة للأفكار والعقول من بقايا الشرك والوثنية توجه إلى أصنام العرب يعيبها ويبين عجزها وغباوة عابديها، ويدعو المشركين إلى هجرها والابتعاد عنها لأنها مخلوقة عاجزة، وعبادتها ضلال وخسران وانحطاط عقلي وسخافة لا يليق بالعاقل أن يتخذها آلهة دون الله الخالق لكل شيء الواحد في ملكه لا شريك له، لا في الربوبية - الخلق والتكوين - ولا في الألوهية - العبادة والطاعة - لأنها عاجزة، وعجزها ظاهر غير خفي على أحد. تصدى لأصنام العرب فقضى عليها وعلى عبادتها المخلة بكرامة ابن ادم، وكانت له مواقف مع عابديها - المشركين - وحطمها في مناسبات عدة، إلى أن قضى على آخر معاقلها يوم فتح مكة المكرمة سنة ثمان من الهجرة وبعيدها وأزالها إلى الأبد - إن شاء الله - وتبين للعرب المشركين أنهم كانوا خاطئين مخطئين، وعلى ضلال مبين، حين كانوا يعبدونها ويسوونها برب العالمين، كما حكى الله عما سيقع بين الأصنام وعابديها من الخصام يوم القيامة عند ساعة الحساب بين يدي رب الأرباب، وهو قوله تعالى: ﴿قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ * تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ﴾ (١) هذه المخاصمة التي ستقع بين عبدة الاصنام والاصنام دليل على

стр. 102

ما يصيب عبدة الأوثان من الحسرة والندم، حيث لا واسطة ولا شفيع ولا منقذ لهم مما لحقهم من العذاب بسبب عبادتهم وطاعتهم لغير الله، ومثل ما قيل في حق الأصنام وعابديها يقال في حق الذين يستجيبون لأوامر الحكام الظالمين في الدنيا فيطيعونهم ويعصون الله تعالى، حيث فضلوا طاعة الحاكم الظالم على طاعة الله الخلاق العليم، في يوم الحساب يقول أتباع الظلمة وهم في حسرة وندامة من غير أن ينفعهم شيء: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا * رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا﴾ (١) فجزاء الذين يطيعون أوامر الظالمين ويعصون أوامر الله نار جهنم وهو ما قصه الله في القرآن، حتى يعلم كل أحد مصيره من الآن. ان العرب أسرفوا في عبادة الأصنام بإيحاء وتزيين لهم من الشيطان، فعبدوها وحجوا اليها وذبحوا عندها ورجوا منفعتها وغير هذا، كل ذلك كون فيهم سوء الاعتقاد، مما دل على جهلهم وسوء فهمهم للواقع، فقد نصبوها داخل الكعبة المشرفة - البيت الذي بناه أبو الموحدين إبر اهيم - وخارجها، وعلى الصفا والمروة، وفى كل حي من أحياء العرب إله معبود - من دون الله - لأهل الحي وغيرهم.

стр. 103

فلما من الله على الإنسانية بإخراجها من هذا الضلال المبين، وجاء الإسلام دين التوحيد، أبطل عبادة المخلوق للمخلوق، وخصها - وهذا هو الحق - بالخالق الواحد، لا معبود بحق غيره "لا اله الا الله محمد رسول الله" سعدت الإنسانية وزال عن وجهها ظلام الكفر والجهالة، والحمد لله رب العالمين. والحج إلى بيت الله الحرام فرض فرضه الله على من توفرت فيه الشروط من المسلمين القادرين، كما جاء في قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ * فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ (١) وقال: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (٢) وقال ﵊: "بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان" رواه البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر. وكان فرضه من الله على هذه الأمة في السنة السادسة من الهجرة، مرة واحدة في العمر، فمن أبي هريرة ﵁ قال خطبنا رسول الله ﷺ فقال: " أيها الناس قد فرض الله عليكم الحج فحجوا، فقال رجل: أكل عام، يا رسول الله؟

стр. 104

فسكت حتى قالها ثلاثا، ثم قال ﷺ : لو قلت نعم لوجبت، ولما استطعتم". وكانت مكة إبان فرض الحج إلى بيت الله الحرام لا زالت بلد شرك ووثنية، إلى أن تم فتحها سنة ثمان من الهجرة فحج رسول الله صلى الله عليه بالمسلمين سنة عشر، فكانت حجته لتعليم المسلمين مناسك وأفعال الحج، وقال لهم: "خذوا عني مناسككم" وبين للمسلمين ما يفعلونه في أيام حجهم. وكان قبل حجته ﷺ بعث صاحبه أبا بكر الصديق ﵁ ليحج بالناس، وكان هذا سنة تسع من الهجرة وبعث بعده علي ابن أبي طالب ﵁ في مهمة خاصة وهي إبلاغ المشركين أن الله تعالى أنزل في حقهم آيات من سورة "براءة" ينهاهم الله فيها عن الحج إلى بيت الله بعد هذا العام، وأمر عليا أن يقرأها على الناس في هذا الموسم العظيم، وأن لا يحج مشرك بعد هذا العام، وأن لا يطوف بالبيت عريان، وكان المشركون يطوفون بالبيت عراة. وهذا بعد ما أنزل عليه أول سورة "براءة" بعد رجوعه من غزوة "تبوك " وقد هم بالحج وعزم عليه، لكنه ذكر أن المشركين سيحجون ويحضرون هذا الموسم على عادتهم في ذلك، لأن المنع من حج المشركين إلى البيت لا زال لم يبلغهم، وأنهم يطوفون بالبيت عراة كسالف عهدهم، ولم يرغب رسول الله ﷺ في رؤيتهم على ما ألفوه جاهليتهم، وقبل فتح مكة، وقد

стр. 105

فتح مكة سنة ثمان وحطم الأوثان التي كانت في الكعبة وما حولها، وفى غيرها من الأماكن التي كانت فيها، وهذا نوع مهم من التطهير، لأن تطهير العقول من سوء الاعتقاد له تأثير كبير في تلقي ما يقدم لها من إرشاد وتوجيه، وهذا ما نراه في تبديل الحكومات في وقتنا هذا، فإن نجاح الحكومة الجديدة يتوقف إلى حد بعيد على نباهة رئيسها في إلغاء ما تركته الحكومة السالفة عليه، وإزالة بقاياها من الرجال والقوانين التي سنتها ولربما تكون جائرة، فإذا قام الرئيس الجديد بهذا فإنه يجلب إلى صفه كل من اضطهد في عهد الحكومة السالفة، وهذا سر نجاح الحكومة الجديدة وألا تفعل هذا فإن الأمة لا تميل إليها وتراها نسخة طبق الأصل، من أجل هذا التطهير تأخر حج الرسول ﷺ في هذا العام - العام التاسع من الهجرة - وبعث أبا بكر الصديق ﵁ مكانه أميرا على الحج ليقيم للناس مناسكهم، فلما خرج أبو بكر متوجها إلى مكة المكرمة بمن معه من الحجاج نزلت آيات سورة براءة فبعث في أثره علي ابن أبي طالب ﵁ مبلغا عن رسول الله ﷺ في أيام الحج، وأن ينادي في الناس ويخبرهم بما نزل من القرآن، من أول هذه السورة - براءة - وذلك ثلاثون آية وقيل أربعون آية من آياتها الأولى، وفيها ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ إلى آخر الآيات المذكورة، فقرأها علي على الناس كما أمره بذلك الرسول ﷺ ، قرأها عليهم في أماكنهم التي تعودوا النزول فيها، وفى أماكن بيعهم وشرائهم وفى عرفة ومنى، حتى

стр. 106

سمع كل الناس ما أنزل من القرآن في حق منع المشركين من الحج، ومما قاله لهم: "لا يحجن بعد عامنا هذا مشرك، ولا يطوفن بالبيت عريان". وهكذا تطهرت بيت الله وحرمه من كل ما لا يرضي الله ورسوله من أفعال المشركين التي لا تتفق مع أحكام الشريعة الإسلامية التي تأمر بالحياء والأخلاق الطيبة. وكان العرب في جاهليتهم لا يطوفون بالبيت في ثيابهم التي كانوا يتعاطون فيها أعمالهم، فإذا أراد الواحد منهم أن يطوف بالبيت اتخذ ثوبا جديدا، وإذا لم يكن عنده ثوب جديد استعار ثوبا من أحد القرشيين الذين يسمون أنفسهم - الحمس - فإذا لم يسعف الطائف به طاف بالبيت عريانا، وحتى النساء كن يطفن بالبيت عاريات، إذا لم يجدن أثوابا جديدة، فمنع الله المشركين - المناجيس - بعد مجيء إلإسلام من الطواف بالبيت عراة، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ (١). والحمس جمع أحمس هم أهل مكة/ قريش، وكنانة، وخزاعة ومن دان بدينهم، وهم سكان الحرم، - والأحمسي المتشدد في دينه والشجاع في القتال، فإذا حج - الصرورة - والصرورة/ هو الرجل أو المرأة اللذين لم يتقدم لهما حج، لا يسمح له أن يطوف بالبيت ألا وهو عريان، ولا يطوف بالبيت في ثيابه التي جاء بها، إلا أن يطوف في ثوب أحمسي، إما إعارة وإما إجارة،

стр. 107

فإذا جاء من يريد أن يطوف - صرورة - فإن وجد من يعيره ثوبا يطوف فيه أو يكريه إياه طاف في ثوب ذلك "الأحمسي" وإلا ألقى ثيابه من خارج ثم يدخل إلى الطواف وهو عريان وكانت المرأة تطوف بالبيت وهي عريانة إذا لم تجد من يعيرها أو يكريها ثوبا تطوف فيه، وهي تقول - حياء - كما جاء في كتب التاريخ والسير، بعد أن تستر عورتها بيديها وهي تقول: الْيَوْمَ يَبْدُو بَعْضُهُ أَوْ كُلُّهُ ... وَمَا بَدَا مِنْهُ فَلَا أُحِلُّهُ وهذا من تزيين الشيطان لهم أعمالهم التي بدلوا بها وحرفوا وغيروا شرائع الله التي جاءهم بها الأنبياء والمرسلون وعملوا بما زينه لهم الشيطان، فقد غيروا الشريعة الحنيفية، شريعة أبيهم إبراهيم الخليل وأبيهم اسماعيل ﵉، وحافظوا على شريعة الشيطان الذي لا يأمرهم إلا بما فيه هلاكهم ولا يدلهم إلا على الفواحش والمناكر وقبيح الأعمال. إن في فريضة الحج من الفوائد والمعاني السامية ما يزيد في الإيمان ويقويه، كما فيه ما يعجز اللسان والقلم عن وصفه، ذلك لأنها كثيرة وذات أهداف سامية، فهي زيادة عما فيها منه طاعة الله فيما أمر به وحث عليه من الطواف بالبيت العتيق والسعي بين الصفا والمروة والوقوف بعرفة، إلى آخر أقوال الحج وأعماله، تلك الأقوال والأعمال التي تجسد للحاج وتريه ما في تلك الأماكن من حقائق تاريخية لا يجدها إلا هناك، فهي تعطيه كذلك ضوءا يستنير به في بقية حياته - لمن فقه سر ما يفعل - من زيارته لتلك الأماكن والمشاهد، التي تترك أثرها الطيب في نفوس الحجاج.

стр. 108

والمهم - زيادة عما ذكر - هو مغزى هذا اللقاء العام والكبير بين أبناء الملة الإسلامية من مشارق الأرض ومغاربها وشمالها وجنوبها، عربها وعجمها حاضرها وباديها، فقيرها وغنيها، حاكمها ومحكومها إلى آخر ما في الأمة من طبقات وأصناف جمعت بين كل هؤلاء غاية واحدة وروح واحدة هي استجابة الدعوة وتلبية النداء. فالحج - بحق - مؤتمر إسلامي من الطراز الأول في الملتقيات والمؤتمرات الدولية والشعوبية التي نسمع بها تعقد بين رجال السياسة والاقتصاد والمشاكل الدولية، وحتى أهل الأديان من غير المسلمين في شتى بقاع العالم، وما ذلك الا من أجل تأثير دعوة الداعي - وهو الله الخالق الحكيم - في نفوس المسلمين الصادقين. إن المسلمين - في وقتنا الحاضر - لم يفكروا في حكمة هذا المؤتمر التفكير الجدي المفيد، لتستفيد منه عامتهم أينما كانوا، ونعني بالمسلمين من بيدهم تصريف أمورهم وهم ولاتهم وزعماؤهم وقادتهم، فالإلحاد والشيوعية ودعاة إبليس كلها تعمل بجد ونشاط متواصلين لتخريب العقائد الدينية والأخلاق المرضية، كل هذه القوى وغيرها تعمل بنشاط وحزم في أوساط العمال والشباب الإسلامي لكي تصرف المسلمين عن دينهم، وكان من بين هؤلاء العمال والشباب من هم دعاة لهذه القوى المخربة، وفى نفس الوقت تزين لهم أنواع المعاصي والفجور والإلحاد، وما يتبعها من إغراء ووسوسة لا تقل عن وسوسة إبليس، وأعانها على ذيوعها وانتشار مبادئها ما تلقاه من السكوت الذي ضرب خيمته

стр. 109

على العلماء - إلا القليل منهم - حيث اشتغلوا بما يخصهم في غالب الأوقات، وتخلوا عن مهمتهم المكلفين بها. ومن جهة أخرى تشجيع بعض الحكام المخربين للمفسدين، وذلك بغض الطرف عن أعمالهم وأقوالهم المناهضة للإسلام وعقيدته. إنه لم تظهر أعمال كافية وناجعة ممن يفكرون في الاستفادة من هذا اللقاء السنوي العظيم، وإذا وجد من يفكر فيه فإنه لم يعمل من أجله ما يناسبه، من وضع أسس له وبرامج تدرس فيه أو قبله، ثم تعرض على مفكري المسلمين وقادتهم، وخاصة اجتماعهم لحجهم، يوم يتفرغون من أعمالهم التي حضروا من أجلها، ويدعى إلى هذا الاجتماع كل ذوي الرأي الصائب ممن لهم الخبرة العامة والدراية التامة بأحكام الشريعة الإسلامية وما ترمي إليه من توحيد الصف وجمع كلمة المسلمين وبحث مشاكلهم ومستقبلهم، سواء كانت هذه المشاكل مما له صلة بالحج وأعماله أو كانت تحدث بينهم في أوطانهم، مع بعضهم البعض أو حكوماتهم وزعمائهم، ولكن هل يتركهم أعداؤهم ينفذون هذه الرغبة؟ والكثير من حكام المسلمين ينقادون بطواعية إلى أعدائهم، وفى الكثير من الأوقات ينفذون لهم رغباتهم وإن أضرت بدينهم وعقيدتهم. والكثير من حكام المسلمين أنانيون انتفاعيون، لهم خطط يعملون على تنفيذها، ولا يهمهم أمر المسلمين، ومنهم من يقول: إننا مستقلون لا نريد من أي كان أن يتدخل في شؤوننا وشؤون بلادنا، ومن أجل هذا ضعف صوت الحق ولم يستطع الدخول

стр. 110

الى قلوب أولئك الحكام، وقوى نداء الباطل وتمكن من الاستحواذ على تفكير بعض القادة والزعماء والمسيرين لشؤون المسلمين، هذا والحجاج المساكين مهملون يرثى لحالهم، ليس هناك من يفكر لا في حالهم ولا في مآلهم، ونشطت حركة الاستغلال الشخصي والثراء غير المشروع وانتهاز الفرص لكسب المال من ضيوف الرحمن كما يوصف بهذا الحجاج، من غير مراقبة ممن بيدهم مقاليد الأمور، فترتفع الأسعار للمواد الضرورية اللازمة لراحة الحجاج وأمنهم، مع العلم بأن النظم الحالية لا تسمح بإخراج المال إلا بمقدار قليل. فقد رأيت الكثير من الحجاج مهملين ومشردين في الطرقات، يجرون وراء رغباتهم ومشاكلهم، فهذا مع المطوف الذي ساقه حظه إليه، والذي اتخذ من مهمته وسيلة ثراء وغناء على حساب الحجاج الوافدين عليه - ضيوف الرحمن - حيث صاروا كالملوك في كل شيء، لا من يراقبهم لكي يوقفهم عن إفراطهم وتفريطهم وجشعهم الذي لا حد له، كما رأيت من يبحث عن رفيق له ضل عن الطريق - وبالأخص النساء - وهذا سرقت منه نقوده وبقي هائما على وجهه يستجدي أو يستقرض، وهذا، وهذا إلى آخر ما يشاهده الحاج في أيام مكة وعرفات ومنى مما يشوه وجه الإسلام، وجمال الحج، وتلك الأماكن المطهرة من الاستغلال وكسب الأموال، ولو كان في القلوب إيمان بالله وخوف من سطوته وانتقامه للمظلومين لما حدث شيء من هذا، كارتفاع الأسعار مثلا، في حين أن ما يأتي به الحجاج من الأموال هو قدر ضئيل سمحت به لهم أنظمة بلادهم وحكوماتهم.
следующие страницы →