← Сира

Сира · id 115132

في سبيل العقيدة الإسلامية

عبد اللطيف سلطاني

Полный текст (253 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

- وله غدائر (١) - فدخل المسجد وهو يقول (ويلكم أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم) فلهوا عن رسول الله ﷺ وأقبلوا على أبى بكر، قالت أسماء ﵂ فرجع إلينا أبو بكر فجعل لا يمس شيئا من غدائره إلا جاء معه وهو يقول (تباركت يا ذا الجلال والإكرام). هذا نزر يسير مما أصاب الرسول ﷺ وصاحبه أبا بكر ﵁ من القوم المشركين ولا ننس أن الله حماهما من بطش مشركي قريش - كما تقدم - بحماية العم والقبيلة - تيم - ومع هذا فقد ذاقا من العذاب ما قرى عزمهما فلم يضعفا ولم يهنا كل هذا ليكون درسا عمليا للدعاة إلى الإسلام فلا يضعفوا أمام التهجمات على الإسلام والعقيدة من الجاهلين لهما، وقد عرفنا مبلغ تخوف المشركين على نسائهم وأبنائهم من سماع آيات القرآن تتلى وهم يسمعون، خشية أن يصل نوره إلى قلوب النساء والأبناء والعبيد. ويذكرني موقف كفار قريش في العهد الجاهلي بموقف آو وقوف البعض من المشرفين (أو المسرفين) على تقديم برامج الإذاعة الجزائرية الصباحية، فإذا حان وقت إذاعة القرآن الكريم - على قلة وقت الحصة - بعد إذاعة موجز الأنباء في الساعة السادسة صباحا - طبعا - فإن المكلف يضع الصحن أو الشريط المسجل

стр. 107

عليه نصيب من القرآن فإذا شرع القارئ في التلاوة توجهت إليه القلوب والأفكار تتبع تلاوته وتتأمل بخشوع فيما تسمع وفجأة - وفي بعض الأيام يوقف المشرف على الإذاعة تلاوة القرآن، ويقول - من عنده - صدق الله العظيم، والمدة التي يسمح بها لإذاعة القرآن ربما لا تتجاوز الربع ساعة وأحيانا لا تصل العشر دقائق يفعل هذا ليفسح المجال للغناء السمج بعد الحديث الديني لوزارة الشؤون الدينية، فهل هذا المشرف أو المسرف من بقية، وهل هذا التصرف من ابتكاراته، أو هو مأمور به وما عليه إلا التنقيذ لا غير؟؟؟ أمر عجيب والله، ذلك ما يؤلم المؤمنين الذين يحبون الاستماع إلى القرآن كلام ربهم، وعلى كل حال وكيفما كان الأمر، فإنها - حقيقة - خيبة أو صدمة يتلقاها المؤمنون في الصباح الباكر من أيد لا يشعر حاملوها بتأثير كلام الله في نفوس سامعيه. فعسى أن ينفعنا الله بما نسمع من كلام الله، أما كلام غيره من البشر فإن له بعض الآدمين وأشباههم تهفو قلوبهم وأسماعهم إليه وتهواه. واعلموا أيها الناس ..... أنكم في شعب مسلم أكثريته تؤمن بالقرآن وتحب سماعه، فلا تحرموها من سماعه، ولله في خلقه شؤون.

стр. 108

- ٣ - أصحاب الأخدود في القرآن بلاؤهم وصبرهم وهم يطرحون في النار: ــ الأخدود هو الشق الكبير المستطيل في الأرض أو هو الحفرة في الأرض مثل الخندق، ويجمع على أخاديد. وأصحاب الأخدود الذين خددوها وقعدوا قريبا منها وأمروا أعوانهم بإلقاء المؤمنين بالله في النار التي أوقدوها لهم، فإن العلماء ذكروا أنهم كانوا بـ (نجران) - البلد المعروف في اليمن مما يلي مكة - فهم من النصارى المؤمنين الموحدين لله، أما زمانهم فإنهم كانوا في الفترة التي سبقت مبعث الرسول محمد ﷺ ، وهم الذين قص الله علينا قصتهم في القرآن حيث قال في سورة البروج (والسماء ذات البروج واليوم الموعود وشاهد ومشهود قتل أصحاب الأخدود النار ذات الوقود إذ هم عليها قعود وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد) الخ، وتنتهي قصتهم عند قوله تعالى: (فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق).

стр. 109

فأصحاب الأخدود كما ذكر القرآن جماعتان كلاهما تعنيه القصة، جماعة كافرة ظالمة حاكمة في بلدها وهي المعذبة للمؤمنين، وجماعة مؤمنة بربها موحدة له لا تقبل الشرك ولا ترضى به، وهي الجماعة المعذبة من طرف الحكام الظالمين، فهذه الجماعة المؤمنة، آمنت بالله الخالق وحده، لا إله غيره، وعقدت العزم على الاستمرار في التمسك بدينها وعلى الإقرار بأنه إله واحد لا شريك له، ولا إله غيره في الوجود يستحق العبادة والطاعة، وهذا هو الحق والصواب والواقع، فهي قد تمسكت بالحق وما تدعو إليه الفطرة السليمة. أما الجماعة الأخرى فهي الجماعة الكافرة المنكرة لربها وخالقها، رئيسها ملك ظالم تعينه حاشية مثله في الظلم والكفر والجحود لخالق كل شيء، إذ هو من نوع الملوك الذين ادعوا الألوهية، مثل سابقيه المغرورين (النمروذ وفرعون) فعقيدتا الجماعتين مختلفة متناقضة من أجل هذا التباين بينهما حاولت الجماعة الجاحدة لربها صد المؤمنين عن عقيدتهم التي التزموا بها وأعطوا العهد على الإيمان بها، والوفاء لها وتحمل كل ما يعترضهم من عقبات وألم في سبيلها. جاء عن ابن عباس ﵄ أنه قال: كلمة قتل الواردة في القرآن معناها طرد أي لعن وأبعد عن رحمة الله هؤلاء القوم، وهم أصحاب الأخدود الكافرون الجبارون الذين يحاولون أن يجبروا عباد الله المؤمنين

стр. 110

على الشرك بالله، بجعل ملكهم إلها يطاع ويعبد من دون الله الخلاق العليم، ولما لم يستجب لهم المؤمنون الموحدون شقوا أخدودا وأخاديد ليلقوا فيها المؤمنين بالله وحده، بعد أن ملؤوها حطبا وأوقدوا فيه النار، لذلك الغرض الذي يدل على الحقد والبغضاء لكل من آمن بالله ربه هذه هي أعمالهم المزرية بكرامة الإنسان المهذب فشقوا الأخاديد وحفروا الحفر الطويلة وجمعوا فيها الحطب الكثير وأوقدوا فيها النار وألقوا فيها المؤمنين بالله وحده. فعلوا هذا بالجماعة المؤمنة بالله ولا ذنب لها إلا أنها قالت ربي الله فآمنت بالله وحد، وعقدت العزم على الإقرار به، بأنه إله واحد، لا شريك له في ملكه، ولا إله في الوجود غيره يستحق العبادة والطاعة. من أجل هذه العقيدة الصحيحة الموافقة للواقع حاول المشركون صدهم عن عقيدتهم هذه التي أعطوا العهد لله على الإيمان بها والثبات عليها والوفاء لها، وتحملها وتحمل كل ما ينالهم في سبيلها ومن أجلها، والعقلاء يعرفون أن العذاب له أسباب معقولة، مثل ارتكاب المجرمين للجرائم التي تفسد المجتمع، وتشيع فيه الفساد وسوء الأخلاق وغير هذا، ولماذا فعل أصحاب الأخدود - وهم موقدو النار - بهؤلاء المؤمنين الضعفاء هذا الفعل الشنيع؟ ما هو ذنبهم؟ ما فعلوا حتى يستحقوا كل هذا العذاب؟ وما الداعي لهذه المعاملة القاسية؟

стр. 111

وهذا العذاب الشديد؟ هل ارتكبوا جرما وذنبا استوجب لهم هذا الجزاء الشديد والعذاب الأليم، والواقع يقول لا هذا ولا ذاك وقع منهم، إنما العتو الإنساني، والغرور بالنفس، وحب الاستعلاء على خلق الله هو الذي ساقهم إلى هذا، إنما ذنبهم الوحيد - في نظرهم - إن كان الإيمان بالله ذنبا - هو الإيمان بالله وحده، الذي لا شريك له في ألوهيته، ولا نظير له في ربوبيته فهو الخالق وحده، والرب القادر على كل شيء، فلا طاعة ولا عبادة إلا له وحده، الذي لا شريك له فهو القوي العزيز الحميد الذي لا يضام من التجأ إليه وتمسك بحبله المتين، ولا يهان من احتمى بحماه المنيع، وما وقع لهؤلاء المؤمنين من العذاب والتحريق بالنار لأجل عقيدتهم التوحيدية، كان امتحانا لهم ودليلا على قوة عقيدتهم وصبرهم على ما يصيبهم من أجلها، وهذا يزيدهم رفعة في الدنيا وعزا وكرامة في الآخرة، حيث أنهم ضربوا المثل الأعلى في الصبر على ما لحقهم من الجبارين الطغاة، ويبقى موقفهم الثابت يدل على عقيدتهم موقف يدل على قوة إيمانهم بخالقهم، كما تبقى حادثتهم هذه تتلى في المحافل عبر التاريخ الطويل والمجتمعات الأممية، ليكون ما نالهم من أجل عقيدتهم درسا عظيما يلقنونه لكل الأجيال القادمة ليستفيدوا منه قوة العقيدة وفائدة التمسك بها، فلولا هذا الموقف الوحيد في التضحية لما طرقت أسماعنا هذه الوقائع والأحداث، التي ترشد إلى الطريق المستقيم لكل من

стр. 112

أراد سلوكه ممن يأتي من الأجيال المقبلة فقد هلكت بعدهم أجيال وقرون طويلة نسيهم فيها الناس، ولم يذكروهم، أما هم - أصحاب الأخدود - فإن حادثتهم سجلها القرآن، فبقيت محفوظة فيه وفي العقول والصدور، فكانت سراجا منيرا في طريق العقيد ة الحقة وهذا ذكر حسن لهم، وشرف وأي شرف هو؟ أما جزاؤهم من ربهم الذي ثبتوا على الإيمان به ولم يجحدوه وينكروه كما فعل غيرهم، فالمنازل العالية والدرجات الرفيعة والحياة الكريمة في دار العزة والكرامة، التي لا يزول نعيمها ولا تنقضي الحياة فيها أبد الآبدين، والويل والعذاب والغضب من رب الأرباب لأولئك المعذبين والطغاة الظالمين، كل هذا لهم جزاء ظلمهم وتعذيبهم لعباد الله على اعترافهم بالحق الواجب على كل مخلوق، وقد فاز به المؤمنون، فهنيئا لهم. ترى من يكون هؤلاء الكافرون الجبارون قساة القلوب أصحاب الأخدود الذين أحرقوا المؤمنين بالنار على إيمانهم بالله؟ ومن هم أولئك المؤمنون المحرقون بالنار؟ هذه مأساة رقت لها قلوب وتحجرت لها أفئدة، خلاف وقع بين المفسرين لكلام الله وأولى الرأي من علماء الإسلام في شأنهم، لأنهم هم الذين يهمهم أمر العقيدة والدين أكثر من غيرهم من البشر. فالمفسرون لكلام الله لم يتفقوا على قول واحد يقف عنده من يريد أن يحصر الواقعة في جهة معينة بتحديد

стр. 113

زمانها ومكانها، والقرآن ذكرها بلا تحديد للمكان ولا توقيت للزمان، وما ذكره القرآن هو حق وواقع لا ريب فيه، فمن لم يصدق بما جاء في القرآن من أخبار وأحكام فهو جاحد له كافر بأحكامه منكر لأخباره. والقرآن لم يحدد في أخباره وقصصه ووقائعه في الكثير منها الزمان والمكان، وهي كثيرة، لأن القرآن كتاب أحكام ومواعظ وعبر وتربية، يربي النفوس على الحق والصدق، ويعظها ويخوفها بذكر أخبار السابقين من الأمم الماضية، المؤمنة منها والكافرة، حتى لا يقع للأمم المتأخرة في الزمان ما وقع للأمم السابقة، وهذا ما يهم المؤمن في حياته الدينية، وعلماء التفسير لا يجرؤون على القول في القرآن بمحض الرأي الخالص، من غير أن يكون مدعما بحجة ودليل جاء من طريق الوحي والرسالة، ولم يكن علماء التفسير عندنا كعلماء اليهود الذين مسخوا التوراة بأقوالهم وآرائهم الشخصية من غير اعتماد على وحي إلهي، فسلبوا عنها قداسة الكتب السماوية وتركوها لا تخرج عن إطار الكتب الوضعية البشرية، فوجب على المسلمين لهذا الاعتبار الإيمان والتصديق بكل ما جاء في القرآن، خصوصا وأن الله ﷻ تولى بنفسه حفظ كلامه من التحريف والتغيير لا بالزيادة ولا بالنقصان، فهذا هو عين الحق والصواب، وهو ما يجب على المؤمنين الإيمان به فهو كما جاء من عند الله نحن نقرؤه اليوم بعد تلك القرون الأربعة عشر

стр. 114

الماضية من زمان نزوله على الرسول محمد ﷺ ، فهذا هو القول الحق، والعقيدة الصحيحة. فالقرآن لم يكن كتاب تاريخ حتى يخبرنا بزمان ما حدث ولا هو كتاب جغرافية حتى يحدد لنا مكان ما حدث بالضبط، وهذا هو سر القرآن والخلاف في تحديد الزمان والمكان للوقائع الواردة في القرآن لا يترتب عليه حكم يخشى توقيفه أو تضييعه، فذلك هو الوعظ البليغ للناس والتعريف الزاجر للنفوس الجامعة، حتى لا يكفر الناس بالله خالقهم ومد بر أمورهم، وحتى لا يقع لهم ما وقع لمن سبقهم من الأمم. وقد تعددت آراء المفسرين للقرآن، واختلفت أقوالهم في أصحاب هذه القصة من هم؟ فمن قائل أنهم من أهل فارس، حين أراد ملكهم تحليل الزواج بالمحارم، فيتزوج الرجل ابنته، أو أخته أو خالته أو عمته - مثلا - فلم يقبل له هذا علماؤهم ورجال الدين فيهم، فعمد إلى حفر أخدود وألقى فيه من أنكر عليه هذا الرأي ولم يرض به لأنه مخالف للشرائع السماوية وللفطرة الإنسانية السليمة (ونقل هذا القول عن علي ﵁ فعصى الملك العلماء ونفذ ما أراده، وبقي في الفرس هذا العمل جاريا إلى أن من الله عليهم بالإسلام الذي يحرم الزواج بالمحارم، فأبطلوه بينهم، والحمد لله على نعمة الإسلام الطاهرة المطهرة للمجتمعات.

стр. 115

ومن قائل أنه وقع هذا في اليمن، وفي ((صنعاء)) عاصمة البلاد، اقتتل مؤمنوهم ومشركوهم - وكانوا قوة - ففعل المشركون بالمؤمنين ما قصه علينا القرآن. ويميل البعض من رواة التاريخ إلى القول بأن القصة وقعت في بلاد اليمن، وكانت اليمن تحت حكم ملك يهودي يدعى ((ذو نواس)) وكان ظالما وطاغية، حاول بفعلته هذه فرض اليهودية على النصارى - نصارى نجران - وإرغامهم على ترك النصرانية التي اعتنقوها، لأنها دين جديد مالت نفوسهم إليها، وهناك قول بأنهم من الحبشة، وأيا ما كان مكانها وزمانها فالقصة ذات عبرة بليغة، وموعظة عظيمة، يستفيد منها المؤمنون الصادقون المتمسكون بعقيدتهم مهما كانت العقبات أو العقوبات التي تصيبهم وتعترضهم في سبيل التمسك بعقيدتهم. وقد روى أصحاب الحديث قصتهم هذه بروايات متعددة، وأخرجوها بطرق مختلفة، ترجع إلى زمانها ومكانها وأهلها، فتكتفي هنا بما أخرجه الإمام مسلم في صحيحه وبسنده عن صهيب الرومي ﵁ كما أخرجها أيضا الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي وغيرهم. قال الإمام مسلم في صحيحه حدثنا هداب بن خالد، حدثنا حماد بن سلمة، حدثنا ثابت عن عبد الرحمن ابن أبي ليلى، عن صهيب أن رسول الله صلى الله عليه

стр. 116

وسلم قال: (كان ملك فيمن كان قبلكم، وكان له ساحر، فلما كبر قال للملك: إني قد كبرت فابعث إلي غلاما أعلمه السحر، فبعث إليه غلاما يعلمه، فكان في طريقه - إذا سلك - راهب، فقعد إليه وسمع كلامه فأعجبه، فكان إذا أتى الساحر مرة بالراهب وقعد إليه، فإذا أتى الساحر ضربه، فشكى ذلك إلى الراهب فقال: إذا خشيت الساحر فقل: حبسني أهلي، وإذا خشيت أهلك فقل حبسني الساحر، فبينما هو كذلك، إذ أتى على دابة عظيمة قد حبست الناس، فقال: اليوم أعلم الساحر أفضل أم الراهب أفضل؟ فأخذ حجرا فقل: اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك من أمر الساحر فاقتل هذه الدابة، حتى يمضي الناس، فرماها فقتلها، ومضى الناس، فأتى الراهب فأخبره، فقال له الراهب: أي بني أنت اليوم أفضل مني، وقد بلغ من أمرك ما أرى وأنك ستبتلى، فإن ابتليت فلا تدل علي، وكان الغلام يبرئ الأكمه والأبرص ويدوي الناس، من سائر الأدواء، فسمع جليس للملك كان قد عمي، فأتاه بهدايا كثيرة، فقال: ما ها هنا لك أجمع إن أنت شفيتني، فقال: إني لا أشفي أحدا إنما يشفي الله، فإن أنت آمنت بالله دعوت الله فشفاك، فآمن بالله فشفاه الله، فأتى الملك فجلس إليه كما كان يجلس، فقال له الملك: من رد عليك بصرك؟ قال: ربي، قال: ولك رب غيري؟ قال: ربي وربك الله، فأخذه لفم يزل يعذبه حتى دل على الغلام، فجيء بالغلام، فقال له الملك: أي بني قد بلغ من سحرك

стр. 117

ما تبرئ الأكمه والأبرص، وتفعل وتفعل؟؟، فقال: إني لا أشقى أحدا، إنما يشفي الله، فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دل على الراهب، فجيء بالراهب فقيل له: ارجع عن دينك فأبى، فدعا بالمئشار - المنشار - فوضع المئشار في مفرق رأس فشقه حتى وقع شقاه، ثم جيء بالغلام فقيل له: ارجع عن دينك فأبى، فدفعه إلى نفر من أصحابه، فقال: اذهبوا به إلى جبل كذا وكذا فاصعدوا به الجبل فإذا بلغتم ذروته - أعلاه - فإن رجع عن دينه وإلا فاطرحوه - دحرجوه - فذهبوا به فصعدوا به الجبل فقال: اللهم اكفنيهم بما شئت، فرجف بهم الجبل - اضطرب وتحرك حركة قوية - فسقطوا، وجاء يمشي إلى الملك، فقال له الملك: ما فعل أصحابك؟ قال كفانيهم الله، فدفعه إلى نفر من أصحابه، فقال: اذهبوا به فاحملوه في قرقور- سفينة صغيرة - فتوسطوا به البحر، فإن رجع عن دينه وإلا فاقذفوه، فذهبوا به، فقال: اللهم اكفنيهم بما شئت، فانكفأت - انقلبت - بهم السفينة فغرقوا، وجاء يمشي إلى الملك، فقال له الملك: ما فعل أصحابك؟ قال: كفانيهم الله، فقال للملك: إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به، قال: وما هو؟ قال: تجمع الناس في صعيد واحد وتصلبني على جذع، ثم خذ سهما من كنانتي - جعبة تجعل فيها السهام - ثم ضع السهم في كبد القوس ثم قل: بسم الله رب الغلام ثم ارمني، فإنك إذا فعلت ذلك قتلتني، فجمع الناس

стр. 118

في صعيد واحد وصلبه على جذع، ثم أخذ سهما من كنانته، ثم وضع السهم في كبد القوس، ثم قال: باسم الله رب الغلام، ثم رماه فوقع السهم في صدغه، فوضع يده في في موضع السهم فمات، فقال الناس:.آمنا برب الغلام، آمنا برب الغلام، آمنا برب الغلام، فأتى الملك فقيل له: أرأيت ما كنت تحذر؟ قد والله نزل بك حذرك، قد آمن الناس، فأمر بالأخدود في أفواه السكك فخدت، وأضرم النيران، وقال: من لم يرجع عن دينه فأحموه فيها، أو قيل له: اقتحم، ففعلوا حتى جاءت امرأة ومعها صبي - رضيع - لها فتقاعست - تأخرت ولم تتقدم - أن تقع فيها، فقال لها الغلام: يا أمه فاصبري فإنك على الحق) من صحيح الإمام مسلم، ج ١٨. انتهت القصة، وهي كما جاءت في صحيح الإمام مسلم، فالمحرقون في النار هم من مؤمني نصارى نجران فهم مؤمنون موحدون اضطهدهم وعذبهم ملك اليمن، المسمى ((ذو نواس)) اليهودي الحميري، كما جاء مصرحا به في بعض روايات قصص التاريخ القديم. وقالوا، إن هذا الملك عمل ما استطاع عمله لتكون اليهودية دينا يشمل كل أرجاء اليمن، وأمر بتحكيم التوراة في كل نازلة أمرا لابد منه، وبهذا يضمن لدينه الانتشار، ولكتابه الدوام والبقاء والاستمرار في الحياة، ومن أجل هذه الأمنية يجب أن يزول من طريق ذلك الدين كل دين آخر قد ينافسه ويقاسمه

стр. 119

الحكم والسيطرة، فلا عقيدة إلا عقيدة اليهودية، وهذا رأيه، ومن أجل تنفيذ رأيه هذا ارتكب ذلك الجرم الفظيع. رأينا أن قصة أصحاب ((الأخداود)) هذه تألفت من عنصرين وطائفتين، عنصر الأساس الذي وضعت عليه، وهو الملك والساحر، في جهة، والراهب والغلام في جهة أخرى، وعنصر آخر فيه الشعب المؤمن الموحد المتدين الذي لم يرض بترك دينه وعقيدته استجابة لتهديد الملك وأعوانه وأنصاره، أما الطائفتان فطائفة كافرة جاحدة لربها وخالقها، وطائفة مؤمنة بالله ربها وخالقها، غير أن هذه الطائفة المؤمنة ضعيفة ضعفا ماديا، والطائفة الأخرى قوية بقوة الملك وجنده وأعوانه الظلمة، إذ هي كافرة مشركة بالله، وهي قوية بيدها الأمر والنهي والحكم، فهي بقوتها تسلطت على الطائفة الضعيفة، ففتنتها في دينها بشتى أنواع الفتن لتردها عنه وعن عقيدتها التوحيدية في الله، ولكنها وجدتها صلبة قوية فيها، فلم تستجب لها، ولم ترهبها عندما أرادت منها خلاف عقيدتها، فاصطدمت فيها بصخرة العقيدة الصلبة القوية، وفشلت في محاولاتها تلك، كما فشلت محاولات مشركي قريش مع الضعفاء من أصحاب رسول الله محمد ﷺ ، هذا هو عمل العقيدة إذا تجردت من الدواعي الخارجة عنها، فكلهم صبر على ما قام به الطغاة الظالمون نحوهم، حتى نصرهم الله على أعدائهم، وهذه هي عاقبة الثبات على

стр. 120

عقيدة الحق تتجدد في كل أوان وحين، وهكذا يتحقق وعد الله الذي وعد به أولياءه وأنصار دينه كما قال (ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز) وصدق الله في وعده. وبالتأمل والتدقيق في أمر تينك الطائفتين المذكورتين يتبين لنا ما يلي: أ - ملك جبار قاهر للضعفاء، غشوم في تصرفاته وتسيره لأمر الرعية، ادعى الألوهية، يحيط به أعوان ظلمة أعانوه على ظلمه، يرهبونه فيستجيبون له في كل ما يأمرهم به، فهم مسخرون بين يديه، يعملون له ما يشاؤه ويريده بكل طاعة وانقياد، لا من يعارضه منهم فيما يطلبه ويبتغيه، ولا من يكفه ويحول بينه وبين الفتك بالضعفاء من عباد الله الذين ليس لهم ناصر إلا هو. ب - وطائفة من رعيته أبت أن تقر له بدعواه ((الألوهية)) الباطلة، فآمنت بالله وحده ربها ورب العالمين، فأفردته بالطاعة والعبادة والعقيدة الصحيحة، وكانت عقيدتها في ربها ثابتة راسخة رسوخ الجبال، وليس من السهل الميسور تحويلها عنها إلى غيرها، وخصوصا إذا كانت هذه العقيدة التي حاول هذا الطاغية صرفهم إليها عقيدة باطلة، لا يستسيغها العقل البشري النير بنور الإيمان السليم من كل أوساخ الشهوات والأطماع، فصاحب هذه العقيدة لا يستجيب إلا لنداء

стр. 121

الحق ودعاء الخير والفضيلة والضمير الحي، فهي قد قبلت عذاب الدنيا ورضيت به في سبيل عقيدتها لتلقى ربها يوم القيامة طاهرة من رجس الشرك والمعاصي ظاهرة فوق المشركين. فتعرضت هذه الجماعة المؤمنة إلى أقسى أنواع التعذيب، إذ هو امتحان بالغ القساوة والشدة، فإنه لا أقسى ولا أشد من العذاب بالنار، إذ لا يعذب بها إلا الخلاق العليم من جحده وكفر به، وهو - وحده لا غير - ولي النعم، ومنزل النقم، له السلطة الكاملة على عباده كلهم، وإذا عصاه بعض عباده وكفر به عاقبهم بما يشاء لأن الخلق كلهم خلقه، فهو مولاهم ومالكهم، يتصرف فيهم بما تتطلبه حكمته، ويقتضيه تدميره وسلطانه، وقد روى عنه ﷺ أنه قال: (لا يعذب - أو لا يحرق - بالنار إلا رب النار) أو كما قال، وكان في تلك الجماعة المؤمنة الموحدة أم مع طفلها الرضيع، وراهب - عابك - يعلم الناس الدين والتوحيد وطاعة الله، ورجال آخرون تمكنت عقيدة التوحيد من قلوبهم، فصعب عليهم تركها والتخلي عنها، أو انتزاعها منهم، فرضوا بالموت تحريقا بالنار في سبيلها، وكان فيهم غلام، يا له من غلام أراده الملك أن يكون ساحر القصر الملكي، غير أنه ترك ما انتدبه الملك إليه وأعرض عنه وتردد على مقر الراهب وتعلم منه الدين، فكان - الغلام - بما أخذه عن الراهب داعية إلى الله وإلى توحيده، فنفعه الله بعلمه، فنفعه في نفسه وبث به

стр. 122

التوحيد في أمته، فأنقذ به خلقا كثيرين من عذاب الله، وهذه خطة من تعلموا العلم لله، فنفعوا أنفسهم ونفعوا غيرهم، فأقبل على علم الدين وأعرض عن تعلم السحر - والسحر حرام في كل شريعة سماوية - فساقه الله إلى ذلك الراهب، حيث تعلم منه الحق، وترك السحر والساحر - ولا يفلح الساحر حيث آتى - وأعرض عن الساحر وكذبه وتعليمه له فنون السحر والشعوذة والغطرسة، وكان في تلك الجماعة غير هؤلاء المؤمنين المذكورين، من المؤمنين الموحدين لله ولسلطانه ممن شاهدوا قتل - بطل هذه القصة - وهو الغلام المؤمن الموحد حين رماه الملك بالسهم الذي أخرجه من كنانة الغلام المؤمن، وذكر الله عند رميه كما دله الغلام على هذا، فانقلب الجمع الغفير الحاضر لهذه الواقعة إلى مؤمنين صادقين بما شاهدوه وعاينوه، والجمع كثير العدد، فشاهد هذه العملية الإجرامية التي فعلها هذا الطاغية بجماعة آمنت بالله الواحد الأحد وتلك حيلة تنبه إليها الغلام المؤمن، وخفيت على الملك البليد، وهذا ما أراده الغلام المؤمن وقصده، وفي هذا الدعوة إلى دين التوحيد، بواسطة أعمال الملك الظالم، فكانت بتضحية هذا الغلام بروحه في سبيل الدعوة إلى عبادة الله وحده، وترك عبادة الأشخاص المغرورين، كما في جمع الناس في صعيد واحد لمشاهدة عجز الإنسان المغرور، وقدرة الله الواحد القهار دعوة أيضا إلى عقيدة التوحيد، وهي كما قلت حيلة لم يفطن إليها الملك الجبار

стр. 123

فخسر بها هذه المعركة التي دارت ها الإيمان والكفر وبين التوحيد والشرك، فعادت على الملك بالوبال والخسران في الدنيا، وما سيلقاه يوم القيامة من شديد العذاب والهوان أعظم، مما لا طاقة له بتحمله - فهو لا يطاق - فيعامل الله الخالق العظيم هؤلاء الجبارين الطواغي في الدنيا الضعفاء في الآخرة، يعاملهم بأقصى ما عاملوا به عباده المؤمنين - جزاء وفاقا - كما قال هنا في نهاية هذه القصة؟ (إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات - ثم لم يتوبوا - فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق). ولما عجز الملك - بقوته - على قتل الغلام المؤمن بالله، سواء حين أرسله مع أعوانه لإلقائه من رأس الجبل وأعلاه، أو مع أصحاب ((القرقور)) الخ، قال الغلام للملك، إنك لا تقتلني إلا بما أشير به عليك فقال له الملك: وما ذاك؟ فقال له خذ سهما من كنانتي الخ، ما مر، واجمع الناس في مكان واحد، وهنا جاءت الحيلة التي أرادها الغلام واللعبة الرابحة وهي إظهار قدرة الله لمن لم يؤمن بها، وتأثير عقيدة التوحيد في النفوس المؤمنة، أمام الجمهور العظيم لتؤثر فيهم فيؤمنوا، وذلك هو المراد، ففعل الملك بما أشار به عليه الغلام فأخذ السهم من الكنانة ووضعه في كبد القوس وقال باسم الله رب الغلام ورمى به الغلام فلما فعل ما قاله الغلام أصاب هدفه ونفذ السهم إلى صدغ الغلام فقتله، والناس في ذلك الجمع

стр. 124

الكبير يشاهدون هذه العملية، وهكذا ضحك الغلام على الملك، وأظهر للناس أن الملك ليس ربا بل هناك رب آخر غيره، وهو واحد وهو للناس أجمعين، وهو الفاعل المختار، ومنه تكون الموت والحياة، وقد رآى المشاهدون لهذه العملية تأثير الدعوة إلى الله في نفوس المؤمنين، كما تحقق المشاهدون - بالمعاينة - أن الملك ليس بإله، وأن هناك إلها آخر غيره، وهو رب العالمين كلهم، ملوكهم وعامتهم، فما وسع الحاضرين والمشاهدين لتلك العملية إلا الرضوخ والإيمان بالله وحده والكفر بالملك، وهذا ما أراده الغلام بالملك، فانقلب الموقف لصالح الغلام وعقيدة التوحيد، وخسر الشرك والملك وكل المؤيدين له. هكذا تكون التضحية في سبيل العقيدة والدعوة إليها، وهكذا يكون الجود والبذل بالأنفس والأرواح في سبيل الدين والعقيدة، وهذا هو الجهاد في الإسلام، وهو كما قال الشاعر الحكيم حين قال: الجود بالمال جود فيه مكرمة...والجود بالنفس أقصى غاية الجود وقال الله تعالى: ((إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات - ثم لم يتوبوا - فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق)). هكذا أتبع الله ما ذكره في هذه القصة من أعمال الفئة الباغية، وما سلطته على الفئة الموحدة، أتبعه بنوع الجزاء الذي سيناله الظالمون، حيث اعتدوا على

стр. 125

عباده المؤمنين به، فهو يعاملهم بنوع ما عذبوا به عباده المؤمنين، فكما أحرقوهم بالنار فسينتقم للضعفاء المؤمنين من أولئك بالنار، ولكن أين عذاب نار جهنم من عذاب نار الدنيا؟ وما نار الدنيا إلا جزء من سبعين جزءا من نار جهنم، كما جاء في الحديث الصحيح فهناك فرق كبير - جدا - بين النارين فنار الدنيا - مع ضعفها - تصيب من سلطت عليه لحظة قصيرة، ثم تريح من كان فيها، أما بالموت وإما بالخروج منها والبعد عنها وعن حرها، أما نار جهنم فإنها دائمة وباقية وأبدية، لا تنطفئ ولا تطفأ ولا تخمد أبدا، كما قال الله فيها ((إن الذين كفروا بآياتنا سوف نصليهم نارا كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها، ليذوقوا العذاب إن الله كان عزيزا حكيما)). سورة النساء الآية ٥٦ ومثل هذه الآية وكم لها في القرآن من مثيلاتها - قوله تعالى ((والذين كفروا لهم نار جهنم لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها كذلك نجزي كل كفور)) سورة فاطر الآية ٣٦. أما أولئك الضعفاء المؤمنون بالله المحرقون بالنار فى الدنيا فإن الله سيعوضهم عما أصابهم من الظالمين بسكنى الجنان والمنازل الكريمة الدائمة جزاء صبرهم على تعذيبهم في ذات الله، ومن أجل إيمانهم به قال بعد ذكره لعذاب الظالمين الطاغين، ((إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات تجري من تحتها الأنهار

стр. 126

ذلك الفوز الكبير إن بطش ربك لشديد إنه هو يبدئ ويعيد وهو الغفور الودود ذو العرش المجيد فعال لما يريد)) وفي أول القصة جاءت كلمة (قتل أصحاب الأخدود) والمعنى بكلمة ((أصحاب)) هو الملك ومن معه من أعوانه الظلمة، ويكفي فيهم كلمة ((قتل)) فمعناها لعن وطرد وأبعد - كما قال عبد الله ابن عباس ﵄ فهي دليل على غضب الله ومقته لهؤلاء الظلمة، وإبعادهم عن ساحة الرحمة الإلهية الواسعة، لأنهم لا يستحقونها بما ارتكبوه من فظيع الإجرام، مع عباد الله، وشناعة هذه الفعلة القبيحة التي تشعر بقساوة قلوبهم وانعدام الشفقة منها وأنهم تجاوزوا الحدود فيما أتوا به، فاستوجبوا لذلك أن تحل بهم نقمة الله ولعنته وغضبه، فجلسوا بعيدا - كما فعل النمرود مع إبراهيم - عن الأخدود يراقبون وينظرون أعمال أعوانهم وهم يعرضون المؤمنين على النار، فمن ارتد منهم عن دينه وكفر بالله - استجابة لهم - رضوا عنه وأحلوا سبيله وتركوه ومن رفض ما أرادوه واستمسك بعقيدته ودينه رموه في النار وأقحموه فيها، كما أخبر الله تعالى الرحمن الرحيم عنهم ((إذ هم عليها قعود وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد الذي له ملك السموات والأرض والله على كل شيء شهيد)).

стр. 127

وفي النهاية أعلمنا الله القوي العزيز - كي نثبت على ديننا وعقيدتنا - بأن الصراع والنزاع موجود من قديم الزمان، وهو قائم بين التوحيد والشرك، وبين الكفر والإيمان، وبين المؤمنين والكافرين على أنواع وأشكال وأساليب مختلفة، ولا يزال مستمرا بأنواعه وأشكاله إلى يومنا هذا، بل وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين. ذلك امتحان يمتحن الله به عباده، ليظهروا للناس على حقيقتهم، وينكشف ما في ضمائرهم وسرائرهم فيعرفوا بما هو مستور في باطنهم، حتى لا يصدق الناس بالأقوال وحدها مجردة من الأعمال، وكم علم الناس وتعلموا من هذا الامتحان حقائق كانت مجهولة لديهم، وبالامتحان بان كل مخبوء وانكشف كل مستور، وذلك ما أراده الله العالم بما في السرائر، وبمن هو أهل للإيمان الكامل الذي يثبت عليه ولو يلقى في النار، ومن اتخذ الإيمان (دثارا لا شعارا) غير أن الله عود أهل التوحيد والإيمان النصر على خصومهم أعداء الله وأعدائهم، فتكون العاقبة لهم في كل موقف وقفوه تجاه أعدائهم، ذلك ما وقع في كل موقف وحال مضى، والعقوبة على أعدائهم مهما امتد الزمن وطال كما قال (وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم) سورة آل عمران الآية ١٢٦، وصدق الله العظيم.

стр. 128

فرئيس أصحاب الأخدود الملك ((الحميري)) ذو نواس اليهودي قد أحرق في الأخدود كل من تتصر من أهل نجران لأن أهل نجران - باليمن - دانوا بالنصرانية، قبل ظهور الإسلام، وهكذا شأن الظالمين مع المؤمنين، وقد قدم منهم وفد على رسول الله ﷺ وأسلموا اختيارا منهم، بلا تحريق ولا تعذيب، لسماحة صدر الإسلام، وقد بعث إليهم الرسول من علمهم من الصحابة، وقصتهم مذكورة في الوفود.

стр. 129

- ٤ - بلال بن رباح أحد المستضعفين المعذبين من الصحابة مثال من أمثلة أبطال العقيدة الإسلامية ــ هو بلال ين رباح مولى أبى بكر الصديق وعتيقه ﵄، ويكنى أبا عبد الله وقيل أبا الحكم، وقيل أبا عبد الرحمن وهو من مولدي مكة المكرمة وقيل مولدى السراة، واسم أمه ((حمامة)) وكانت لبعض بني ((جمح)) وهو حبشي الأصل، قال فيه رسول الله ﷺ (بلال سابق الحبشة) - يعني إلى الإسلام - وكان بلال من مستضعفي الصحابة ومؤمنيهم الأولين، وكان يعذب العذاب الشديد من أجل عقيدته التوحيدية - فيصبر على العذاب - وهذا حين أسلم وأبى أن يرجع عن دينه وعقيدته، فما أعطى معذبيه - قط - كلمة ترضيهم وتسخط عليه ربه، مما يريدونه منه، حيث طلبوا منه أن يرجع عن دينه ((الإسلام)) الذي هداه الله إليه، إذ كان من السابقين إليه، وقد ألح عليه معذبوه - كثيرا - وهو تحت العذاب والسياط، أن يكفر بالله

стр. 130

وبرسوله محمد ﷺ ، فيأبى أن يجيبهم إلى شيء مما يريدونه، بل يصارحهم - ليغضبهم - ويقول لهم في رفض وإباء لما أرادوه منه - أحد أحد - ويقول: لو كنت أعرف كلمة أحفظ - أغيظ - لكم منها لقلتها لكم، وكان الذي يتولى تعذيبه المشرك الجبار (أمية بن خلف) وهو إذ ذاك عبد مملوك للمشركين. وكان إذا اشتد عليه المشركون في التعذيب والتنكيل به يقول: أحد أحد، فيستريح قلبه بذكر الله، وينسى العذاب الذي هو فيه، فيقول له المشركون قل كما نقول نحن فيقول لهم بلسان المؤمن الثابت في إيمانه، القوي في عقيدته: أن لساني لا يحسنه: يعني كلمة الكفر بالله وبرسوله محمد ﷺ ، وذلك ما طلبوه منه ليقلعوا عن تعذيبه. من أنواع التعذيب له: ذكر ابن سعد - وغيره - في الطبقات الكبرى: أن بلالا أخذه أهله - أي مالكوه - فمطوه - أي مدوه - وألقوا عليه من البطحاء - أي الزبل - وجلد بقرة، فجعلوا يقولون: ربك اللات والعزى، وهو يقول أحد أحد، فهم يحاولون أن يردوه عن دينه دين التوحيد، ليشرك مع الله الأوثان والأصنام، فكان لا يجيبهم إلا بكلمة التوحيد، وهي (لا إله إلا الله محمد رسول الله) قال فأتى عليه أبو بكر الصديق

стр. 131

رضي الله عنه، فقال لمعذبيه: علام تعذبون هذا الإنسان؟ وطلب منهم أن يبيعوه له فقبلوا - بعد محاولات - فاشتراه منهم بسبع أواق وقيل بتسع وقيل بخمس، فأعتقه لله وفى سبيل الله، فذكر هذا للنبي ﷺ ، فقال له: الشركة يا أبا بكر، فقال: قد أعتقته، فتم عتقه على يد أبي بكر وأزال عنه قيد العبودية لغير الله الخالق الحكيم، وكان بلال لأبى بكر خازنا ورسول الله مؤذنا. وروى عن جابر بن عبد الله أن عمر بن الخطاب ﵃ كان يقول: أبو بكر سيدنا واعتق سيدنا (يعنى بلالا) وجاء في بعض الأخبار التي تعرضت لمحنة بلال أن أبا بكر مر ببلال ومم يصنعون به ما يصنعون من ألوان التعذيب والتنكيل، فقال لمعذبه (أمية بن خلف) ألا تتقي الله في هذا المسكين؟ حتى متى؟ فقال له أمية: أنت أفسدته فأتقذه مما ترى، فقال أبو بكر: أفعل، عندي غلام أسود أجلد منه وأقوى وهو على دينك أعطيكه به قال: قبلت، قال: هو لك، فأعطاه أبو بكر غلامه ذاك وأخذ بلالا منه فأعتقه، هذه إحدى روايات عتق بلال، ثم أعتق معه سبعة على الإسلام - قبل أن يهاجر من مكة - ست رقاب وبلال سابعهم. قال ابن اسحق: وكان بلال مولى أبى بكر ﵄ لبعض بني جمح، مولدا عن مولديهم، وكان صادق الإسلام طاهر القلب، وكان أمية بن خلف

стр. 132

ابن وهب بن حذافة بن جمح يخرج بلالا إذا حميت الظهيرة، فيطرحه على ظهره في بطحاء مكة، ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره، ثم يقول له (لا والله) لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد وتعبد اللات والعزى، فيجيبه وهو في ذلك البلاء الشديد، أحد أحد، ولو أعلم كلمة أحفظ - أكثر غيظا - لكم منها لقلتها لكم زيادة في غضبكم عني. وقال ابن اسحق: وحدثني هشام بن عروة عن أبيه قال: كان ورقة بن نوفل يمر به - بلال - وهو يعذب بذلك العذاب وهو يقول أحد أحد فيقول له ورقة أحد أحد والله يا بلال، ثم يقبل على أمية بن خلف وعلى من يصنع ذلك به من بني جمح فيقول أحلف بالله لئن قتلتموه على هذا لاتخذنه حنانا، (أي لأجعلن قبره موضع حنان وزيارة) أي عطف ورحمة فأزوره كما تزار قبور الصالحين والشهداء للعبرة والذكرى والقدوة الحسنة، هذه رواية ابن إسحاق في السيرة. ملاحظة على هذه الرواية: قال ابن كثير في السيرة النبوية بعد أن ذكر ما قاله ابن إسحاق عن هشام بن عروة عن أبيه من مرور ورقة ابن نوفل على بلال وهو في العذاب، الخ قال ابن كثير: قلت وقد استشكل بعضهم هذا، من جهة أن ورقة بن نوفل توفي بعد البعث في فترة الوحي

стр. 133

وإسلام من أسلم إنما كان بعد نزول (يا أيها المدثر) فكيف يمر ورقة ببلال وهو يعذب؟ وفيه نظر، فابن كثير لم يرض بما قاله ابن إسحاق ولم يطمئن قلبه إليه لما ذكره من اختلاف الزمان. وقد نال تآخي رسول الله بين الصحابة رضوان الله عنهم بلالا، فقد آخى بينه وبين عبيدة بن الحارث ابن عبد المطلب، وقيل بل كانت هذه المؤاخاة بينه وبين أبي رويحة الخثعمي، وقيل بينه وبين أبي عبيدة ابن الجراح. من هم أول من أظهروا الإسلام ؟ ذكر ابن سعد في طبقاته الكبرى عند كلامه على ترجمة بلال ﵁ قال: أخبرنا جرير ابن عبد الحميد عن منصور بن مجاهد قال أول من أظهر الإسلام سبعة، رسول الله ﷺ وأبو بكر، وبلال، وخباب، وصهيب، وعمار بن ياسر وأمه سمية، قال: فأما رسول الله ﷺ فمنعه الله بعمه، وأما أبو بكر فمنعه الله بقومه وقبيلته وأخذ الآخرون فألبسوهم أدراع الحديد ثم صهروهم في الشمس حتى بلغ الجهد منهم كل مبلغ، فأجابوهم - في بعض الأوقات - إلى ما طلبوه منهم، من كلمات ترضيهم، فيها نوع من الكفر بالله - ظاهرا - أما قلوبهم فهي عامرة بالإيمان بالله وحده، مثل ما فعل

стр. 134

عمار بن ياسر ﵁، فتد أجابهم إلى بعض ما أرادوه منه، ونطق ببعض كلمات الشرك كما يأتي في ترجمته إن شاء الله، إلا بلالا ﵁، فإنه لم يعطهم أي شيء مما طلبوه منه، فقد هانت عليه نفسه وذاته في الله وفي دين الله، ولم يقبل أن يرضي المشركين بشيء ما طلبوه منه، بل كان يفوه بكل كلمة تغضبهم كما مر سابقا، حتى ملوه وملوا الحديث معه، من أجل ما يسمعهم من إظهار وحدانية الله في كلمة صريحة مدوية - لا غموض فيها ولا تورية - تصم آذانهم وتؤذي مشاعرهم نحو آلهتهم المعظمة في قلوبهم، ولما أعياهم أمره جعلوا في عنقه حبلا من ليف وسلموه إلى صبيانهم، ثم أمروهم أن يشتدوا عليه في التعذيب، ويسرعوا به بين أحشبي - جبلي - مكة، فهو في أيديهم، وهم يفعلون به ما أمروا أن يفعلوه به، وهو يقول أحد أحد، أي لا شريك مع الله في ألوهيته، وهذا هو الثبات على العقيدة وأيم الله، حتى في الأموال والشدائد. قال الشعبي: سألت ابن عباس ﵄ من أول الناس إسلاما؟ فقال: أبو بكر، أوما سمعت قول حسان: إذا تذكرت شجوا من أخي ثقة... فاذكر أخاك أبا بكر بما فعلا خير البرية أتقاها وأعدلها... بعد النبي وأوفاها بما حملا

стр. 135

الثاني التالي المحمود مشهده...وأول الناس منهم صدق الرسلا وقد أصاب أبا بكر أذى كثير من الشركين من أجل إسلامه، وهم الذين حاربوا الدعوة الإسلامية في أول بزوغ شمسها لأنه كان أول رجل آمن وصدق رسول الله ﷺ في دعوته قال ابن إسحاق: وحدثني بعض آل أم كلثوم بنت أبي بكر قالت: لقد رجع أبو بكر يومئذ وقد صدعوا مفرق رأسه، مما جبذزه بلحيته، وكان رجلا كثير الشعر. بلال أول مؤذن في الإسلام: شرع الله الآذان في الإسلام لحضور المسلمين الصلاة المفروضة عليهم وهي الصلوات الخمس والآذان هو الإعلام بدخول وقت الصلاة وفيه دعوة المسلمين ونداؤهم لأداء هذا الفرض العظيم في الإسلام وهو الصلاة، وسواء أكان الأداء لها في المساجد أو في أي مكان كان. هذا وقد شرع الله الأذان للصلاة في السنة الثانية من الهجرة، حين كان المسلمون يجتمعون إليها بلا نداء ولما ازداد عددهم بانتشار الإسلام، وتفرق في البلاد وأطرافها للقيام بأعمالهم المعاشية، كانوا في حاجة ماسة إلى دعوتهم لأداء الصلاة، وتنبيههم إلى حضور وقتها حتى لا يتأخروا بها عن وقتها، وكانت دعوة اليهود إلى صلواتهم بالبوق، أو الصور، ودعوة

стр. 136

النصارى بالجرس أو الناقوس، فتأكدت الحاجة إلى دعوة المسلمين بشيء ينبههم لها، فشرع الله لهم الآذان لذلك، كي يقبلوا إلى المساجد لأداء الفرض الواجب عليهم وهو الصلاة، فكان بلال أول من أذن في الإسلام، واستمر على هذا مدة حياة الرسول ﷺ ، فهو مؤذنه حضرا وسفرا وكان إذا فرغ من الآذان وأراد أن يخبر النبي ﷺ أنه أذن، وقف على باب حجرة الرسول ﷺ وقال حي على الصلاة حي على الفلاح يا رسول الله، فإذا خرج رسول الله ﷺ من بيته ورآه بلال ابتدأ الإقامة. وكان للرسول ﷺ ثلاثة مؤذنين هم بلال، وأبو محذورة، وعمرو بن أم مكتوم الضرير، فإذا غاب بلال أذن أبو محذورة، وإذا غابا أذن عمرو بن أم مكتوم. ولما فتح رسول الله ﷺ مكة المكرمة سنة ثمان من الهجرة، أمر بلالا أن يؤذن على ظهر الكعبة المشرفة - لانعدام المئذنة يومئذ - فصعد بلال فوقها وأذن، وقد أزعج المشركين وأقلقهم صوت هذا الحبشي وهو يؤذن من فوق ظهرها إذ لم يكونوا يسمحون لأحد غيرهم بالصعود فوقها، إذ الإسلام محا جميع الفوارق العرقية والبشرية، فكل المسلمين سواء، ويسعى بذمتهم أدناهم

стр. 137

بلال حامل العنزة: مما أكرم الله به بلالا ﵁ زيادة على أن إسلامه كان في أول المسلمين، وبلاؤه البلاء المر والبلاء الشديد، وصبره على كل ما أصابه في سبيل الله، فقد أكرمه الله بكرامة أخرى، حيث اختاره الرسول ﷺ ليكون حامل عنزته، فقد جاء عن ابن عمر رضي عنهما قال: كانت العنزة تحمل بين يدي رسول الله ﷺ يوم العيد يحملها بلال المؤذن، وكان يركزها بين يديه، والمصلى يومئذ فضام لتقوم مقام ((السترة)) التي توضع أمام المصلي، فإذا أراد أحد المارة أن يمر أمام المصلي مر من ورائها، فتكون السترة حائلا بين المار وقت مروره وبين المصلي وقت صالته، والسترة من سنن الصلاة إذا كان المصلي يصلي وأمامه فضاء يمر منه الناس وذلك حتى لا يقطع المارة على المصلي صلاته، ولا يشغلوه عنها وقت مرورهم، وقد زهد في فعلها المسلمون في الوقت الحاضر، فهي من السنن النبوية التي تنوسيت، وكاد المصلون أن لا يعرفوها إلا القليل منهم، فبلال هو الذي كان يحملها ويمشي بها أمام رسول الله ﷺ ، وهذا شرف آخر حازه بلال بفضل إيمانه ويقينه الذي لم يزعزعه أو يضعفه التهديد والوعيد بل حتى والعذاب الشديد, والعنزة: هي عود من خشب

стр. 138

أطول من العصا وأقصر من الرمح، في أسفلها وطرفها الذي يمس الأرض زج كزجر الرمح، - الزج حديدة - يتوكأ عليها الشيخ الكبير ومن تقدمت به السن، وذلك لعجزه عن السير بدونها، وهي شبه العكاز التي نعرفها الآن عندنا. وقد ذكر ابن سعد في طبقاته الكبرى بسنده عن حفص بن عمر بن سعد عن أجداده وغيرهم أنهم أخبروه أن النجاشي الحبشي بعث إلى رسول الله ﷺ ثلاث عنزات، فأمسك واحدة لنفسه، وأعطى علي بن أبي طالب واحدة، وأعطى عمر بن الخطاب واحدة، فكان بلال يمشي بتلك العنزة التي أمسكها رسول الله ﷺ لنفسه بين يديه في يومي العيد - الفطر والأضحى - حتى يأتي المصلى فيركزها بين يديه فيصلي إليها ثم كان يمشي بها بين يدي أبي بكر بعد رسول الله ﷺ كذلك، ثم كان سعد القرظ يمشي بها بين يدي عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان في العيدين، فيركزها بين أيديهما فيصليان إليها، قال عبد الرحمن بن سعد، وهي هذه العنزة التي يمشى بها اليوم بين يدي الولاءة. وقال ابن سعد: أخبرنا محمد بن عمر بن محمد ابن إبراهيم بن الحرث التيمي عن أبيه قال: لما توفي رسول الله ﷺ أذن بلال ورسول الله ﷺ لم يقبر، فكان إذا قال: أشهد أن

стр. 139

محمدا رسول الله انتحب الناس في المسجد - يعني بكوا بالصوت وذلك هو النحيب - فلما دفن رسول الله ﷺ قال له أبو بكر: أذن، فقال إن كنت إنما أعتقتني لأكون معك فسبيل ذلك - وفي رواية فاحبسني - وإن كنت اعتقتني لله فخلني ومن اعتقتني له، فقال، ما اعتقتك إلا لله، قال فإني لا أؤذن لأحد بعد رسول الله ﷺ ، قال: فدلك إليك، قال فأقام حتى خرجت بعوث الشام فسار معهم حتى انتهى إليها. وأخرج ابن سعد عن سعيد بن المسيب أن أبا بكر لما قعد على المنبر يوم الجمعة قال له بلال: يا أبا بكر، قال: لبيك، قال اعتقتني لله أو لنفسك؟ قال: لله، قال: فأذن لي حتى أغزو في سبيل الله، قال: فأذن له فذهب إلى الشام فمات ثم. بلال لا ينكر أصله: فقد جاء عن قتادة أن بلالا تزوج امرأة عربية من بني زهرة، وجاء في طبقات ابن سعد قال: خطب بلال وأخوه، إلى أهل بيت من اليمن فقال: أنا بلال وهذا أخي، عبدان من الحبشة كنا ضالين فهدانا الله، وكنا عبدين فأعتقنا الله، إن تنكحونا فالحمد لله، وإن تمنعونا فالله أكبر، وجاء بنو أبي الكبير إلى رسول الله ﷺ ، فقالوا: زوج أختنا فلانا فقال لهم: أين أنتم عن بلال؟ وللمرة الثالثة وهم

стр. 140

يطلبون منه أن يزوج أختهم من فلان، فقال لهم: أين أنتم عن بلال؟ أين أنتم عن بلال رجل عن رجال الجنة؟ قال: فأنكحوه. وقال أصحاب السير: كان الناس يأتون بلالا فيذكرون فضله، وما قسم الله له من الخير، فكان يقول لهم إنما أنا عبد حبشي كنت بالأمس عبدا. وكان المشرك (أمية بن خلف) الجمحي ممن يعذبون بلالا، بل كان هو أكبر معذبيه، فكان يوالى عليه العذاب والإهانة والمكروه، فكان من قضاء الله وقدره أن مكن الله بلالا من عدو الله وعدوه أمية بن خلف يوم غزوة بدر فقتله، حسبما ورد هذا في كتب السيرة، فقد جاء فيها أن بلالا لما أبصر عدو الله أمية بن خلف صاح وقال: أمية بن خلف عدو الله، لا نجوت إن نجا، وأجهز عليه فقتله، وأخذ ثأره وحقه منه، لما كان يفعله به من أنواع التعذيب والتنكيل والإهانة، فقال فيه أبو بكر ﵁. هنيئا زادك الرحمن خيرا ... فقد أدركت ثأرك يا بلال ذلك أن أمية بن خلف - معذب بلال - كان يخرجه إذا حميت شمس الظهيرة، فيطرحه على ظهره في بطحاء مكة - كما مر - ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره، ثم يقول له: (لا والله) لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد وتعبد اللات والعزى، فيجيبه

стр. 141

بلال وهو في هذا البلاء العظيم أحد أحد، وقيل يقول له: لا تزال هكذا أو تفارق دين محمد. هذا هو إيمان هذه الشخصية العظيمة في عقيدتها، والصلبة في دينها، وبهذه العقيدة الفذة تغلب على كل الصعاب والعقبات التي اعترضت سبيله، في كل مراحل حياته الإسلامية. فهل يوجد في المسلمين - اليوم - من له شيء من إيمان هذا الرجل العظيم؟ من غير اعتبار اللون والوطن. رواة الحديث عنه: روى الحديث عن بلال وأخذ عنه كبار الصحابة ﵃ أجمعين منهم أبو بكر الصديق وعمر الفاروق، وعلي بن أبي طالب، وعالما الصحابة عبد الله ابن مسعود، وعبد الله بن عمر، وغيرهم، كما روى عنه جماعة من كبار التابعين بالمدينة والشام والكوفة وقال علي بن عمر: روى عن بلال جماعة من الصحابة وهم: أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وأسامة ابن زيد، وعبد الله بن عمر، وكعب بن عجرة والبراء بن عازب، وغيرهم. ومن فضائله ﵁: روى ابن وهب وابن القاسم عن الإمام مالك قال: بلغني أن رسول الله ﷺ قال لبلال (يا بلال إني دخلت الجنة، فسمعت فيها خشفا - والخشف

стр. 142

الوطء بالإقدام والحس - أمامي قال: فقلت: من هذا قال: بلال، قال: فكان بلال إذا ذكر ذلك بكى). وجاء أنه كان إذا أذن بعد وفاة الرسول ﷺ ذكر الصحابة بعهد الرسول ﵊ فبكوا لذلك، وروى الإمام الذهبي في كتابه ((سير أعلام النبلاء)) عن زيد بن أسلم عن أبيه قال قدمنا الشام مع عمر بن الخطاب، فأذن بلال فذكر الناس النبي ﷺ ، فلم أر يوما أكثر باكيا منه. وقال الذهبي أيضا: قال أبو حيان التيمي عن أبي زرعة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ لبلال عند صلاة الصبح (حدثذي بأرجى عمل عملته في الإسلام، فإني سمعت الليلة خشفة - حركة - نعليك بين يدي في الجنة، قال: ما عملت عملا أرجى من أني لم أطهر طهورا تاما في ساعة من ليل أو نهارا إلا صليت لربي ما كتب لي أن أصلي). ومن المعلوم أن الذي سمعه الرسول ﷺ من بلال إنما هو روحه لا جسده، فإن جسده لا زال لم يدخل الجنة، وفيه أيضا أنه دعا بلالا فقال له: (بم سبقتني إلى الجنة؟ ما دخلت الجنة قط إلا وسمعت خشخشتك - الخشخشة حركة لها صوت كصوت السلاح - أمامي وأنت على قصر من ذهب، فقال بلال: ما أذنت قط إلا صليت ركعتين، وما أصابني حدث إلا توضأت، ورأيت أن لله علي ركعتين أركعهما، فقال: بهما).

стр. 143

وتوفي بلال ﵁ بدمشق، وقيل مات في ((داريا)) وحمل فأقبر في الباب الصغير، وقيل دفن بباب كيسان، أما داريا فهي قرية كبيرة من قرى دمشق بالغوطة مشهورة، وكانت وفاته سنة عشرين من الهجرة، وقيل سنة إحدى وعشرين، ودفن بدمشق عند الباب الصغير في مقبرة دمشق، على الخلاف كما مر، وهو ابن ثلاث وستين سنة، وقيل ابن سبعين سنة ويقال أنه كان ترب أبى بكر ﵄، وقد شهد بلال بدرا، وأحدا، والخندق، والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ . ولما حضرته الوفاة قال: (غدا نلقى الأحبه، محمدا وحزبه) ولما سمع امرأته تندبه وتقول: وا ويلاه - على عادة النساء عند مشاهدة موت ذويهن - فقال هو وافرحتاه، ﵀ ورضي عن هذا الرجل العظيم الذي كان من السابقين الأولين الذين واكبوا الدعوة الإسلامية من أولها.

стр. 144

- ٥ - عمار بن ياسر وأسرته من أول من أظهروا الإسلام: ــ هو أبو اليقظان عمار بن ياسر، وأمه سمية البرة التقية المؤمنة الصالحة، أول شهيد في الإسلام، وأبوه ياسر وأخوه عبد الله، وهذه الأسرة الطيبة الكريمة على الله من المستضعفين، ومن السابقين إلى اعتناق الإسلام وعقيدة التوحيد ونبذ الشرك وعبادة غير الله تعالى من معبودات الجاهلية، وكان إسلام عمار بعد بضعة وثلاثين ممن أسلموا، وهو وأمه ممن عذبوا في الله العذاب الشديد. وأسلم عمار ورسول الله ﷺ في دار الأرقم بن أبي الأرقم، أين كان يجتمع بالمسلمين خفية لتعليمهم قواعد الدين ليكونوا ثابتين على عقيدتهم فلا يفتنهم المشركون، والوقت ذاك وقت فتنة، أسلم هو وصهيب بن سنان الرومي في وقت واحد. قال عمار: لقيت صهيب بن سنان على باب ((دار الأرقم)) ورسول الله ﷺ فيها فقلت له: ما تريد؟ فقال لي: وما تريد أنت؟ فقلت: أريد

стр. 145

أن أدخل على محمد فأسمع كلامه، فقال لي: وأنا أريد ذلك، فدخلنا عليه، فعرض علينا الإسلام فأسلمنا، ثم مكثنا يوما على ذلك حتى أمسينا ثم خرجنا، ونحن مستخفون، وكان إسلام عمار وصهيب بعد بضع وثلاثين رجلا كما سلف. وكان عمار بن ياسر من مستضعفي الصحابة الذين كانوا يعذبون في مكة من مشركيها ليرجعوا عن دينهم ولكنهم كانوا يأبون هذا الذي يأمرهم به المشركون. والمستضعفون قوم لا عشائر لهم في مكة تحميهم من طغاة أقوياء المشركين فكان العذاب ينزل عليهم بلا شفقة ولا حنان ولا خوف من أحد، إذ ليس لهم منعة ولا قوة غير قوة الله الواحد القهار، فكانت قريش تعذبهم بالرمضاء في وسط النهار، ليرجعوا عن دينهم، وكان عمار وصهيب يعذبان العذاب الشديد حتى ما يدرى أحدهما ما يقول، فبمواقف هؤلاء المؤمنين وبصبرهم على ما أصابهم من شديد العذاب ظهر الحق وانتصر على الباطل وأعوانه وأنصاره، وانتشرت عقيدة التوحيد، وهي العقيدة الصحيحة. ذكر ابن سعد في طبقاته الكبرى نسب عمار بن ياسر ونسب أمه سمية فقال: هو عمار بن ياسر بن عامر ابن مالك بن كنانة ... الخ، ثم قال: كان قدم ياسر ابن عامر وأخواه الحارث ومالك من اليمن إلى مكة يطلبون أخا لهم، فرجع الحارث ومالك إلى اليمن، وبقي
следующие страницы →