← Сира

Сира · id 115132

في سبيل العقيدة الإسلامية

عبد اللطيف سلطاني

Полный текст (253 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

بلال وهو في هذا البلاء العظيم أحد أحد، وقيل يقول له: لا تزال هكذا أو تفارق دين محمد. هذا هو إيمان هذه الشخصية العظيمة في عقيدتها، والصلبة في دينها، وبهذه العقيدة الفذة تغلب على كل الصعاب والعقبات التي اعترضت سبيله، في كل مراحل حياته الإسلامية. فهل يوجد في المسلمين - اليوم - من له شيء من إيمان هذا الرجل العظيم؟ من غير اعتبار اللون والوطن. رواة الحديث عنه: روى الحديث عن بلال وأخذ عنه كبار الصحابة ﵃ أجمعين منهم أبو بكر الصديق وعمر الفاروق، وعلي بن أبي طالب، وعالما الصحابة عبد الله ابن مسعود، وعبد الله بن عمر، وغيرهم، كما روى عنه جماعة من كبار التابعين بالمدينة والشام والكوفة وقال علي بن عمر: روى عن بلال جماعة من الصحابة وهم: أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وأسامة ابن زيد، وعبد الله بن عمر، وكعب بن عجرة والبراء بن عازب، وغيرهم. ومن فضائله ﵁: روى ابن وهب وابن القاسم عن الإمام مالك قال: بلغني أن رسول الله ﷺ قال لبلال (يا بلال إني دخلت الجنة، فسمعت فيها خشفا - والخشف

стр. 142

الوطء بالإقدام والحس - أمامي قال: فقلت: من هذا قال: بلال، قال: فكان بلال إذا ذكر ذلك بكى). وجاء أنه كان إذا أذن بعد وفاة الرسول ﷺ ذكر الصحابة بعهد الرسول ﵊ فبكوا لذلك، وروى الإمام الذهبي في كتابه ((سير أعلام النبلاء)) عن زيد بن أسلم عن أبيه قال قدمنا الشام مع عمر بن الخطاب، فأذن بلال فذكر الناس النبي ﷺ ، فلم أر يوما أكثر باكيا منه. وقال الذهبي أيضا: قال أبو حيان التيمي عن أبي زرعة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ لبلال عند صلاة الصبح (حدثذي بأرجى عمل عملته في الإسلام، فإني سمعت الليلة خشفة - حركة - نعليك بين يدي في الجنة، قال: ما عملت عملا أرجى من أني لم أطهر طهورا تاما في ساعة من ليل أو نهارا إلا صليت لربي ما كتب لي أن أصلي). ومن المعلوم أن الذي سمعه الرسول ﷺ من بلال إنما هو روحه لا جسده، فإن جسده لا زال لم يدخل الجنة، وفيه أيضا أنه دعا بلالا فقال له: (بم سبقتني إلى الجنة؟ ما دخلت الجنة قط إلا وسمعت خشخشتك - الخشخشة حركة لها صوت كصوت السلاح - أمامي وأنت على قصر من ذهب، فقال بلال: ما أذنت قط إلا صليت ركعتين، وما أصابني حدث إلا توضأت، ورأيت أن لله علي ركعتين أركعهما، فقال: بهما).

стр. 143

وتوفي بلال ﵁ بدمشق، وقيل مات في ((داريا)) وحمل فأقبر في الباب الصغير، وقيل دفن بباب كيسان، أما داريا فهي قرية كبيرة من قرى دمشق بالغوطة مشهورة، وكانت وفاته سنة عشرين من الهجرة، وقيل سنة إحدى وعشرين، ودفن بدمشق عند الباب الصغير في مقبرة دمشق، على الخلاف كما مر، وهو ابن ثلاث وستين سنة، وقيل ابن سبعين سنة ويقال أنه كان ترب أبى بكر ﵄، وقد شهد بلال بدرا، وأحدا، والخندق، والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ . ولما حضرته الوفاة قال: (غدا نلقى الأحبه، محمدا وحزبه) ولما سمع امرأته تندبه وتقول: وا ويلاه - على عادة النساء عند مشاهدة موت ذويهن - فقال هو وافرحتاه، ﵀ ورضي عن هذا الرجل العظيم الذي كان من السابقين الأولين الذين واكبوا الدعوة الإسلامية من أولها.

стр. 144

- ٥ - عمار بن ياسر وأسرته من أول من أظهروا الإسلام: ــ هو أبو اليقظان عمار بن ياسر، وأمه سمية البرة التقية المؤمنة الصالحة، أول شهيد في الإسلام، وأبوه ياسر وأخوه عبد الله، وهذه الأسرة الطيبة الكريمة على الله من المستضعفين، ومن السابقين إلى اعتناق الإسلام وعقيدة التوحيد ونبذ الشرك وعبادة غير الله تعالى من معبودات الجاهلية، وكان إسلام عمار بعد بضعة وثلاثين ممن أسلموا، وهو وأمه ممن عذبوا في الله العذاب الشديد. وأسلم عمار ورسول الله ﷺ في دار الأرقم بن أبي الأرقم، أين كان يجتمع بالمسلمين خفية لتعليمهم قواعد الدين ليكونوا ثابتين على عقيدتهم فلا يفتنهم المشركون، والوقت ذاك وقت فتنة، أسلم هو وصهيب بن سنان الرومي في وقت واحد. قال عمار: لقيت صهيب بن سنان على باب ((دار الأرقم)) ورسول الله ﷺ فيها فقلت له: ما تريد؟ فقال لي: وما تريد أنت؟ فقلت: أريد

стр. 145

أن أدخل على محمد فأسمع كلامه، فقال لي: وأنا أريد ذلك، فدخلنا عليه، فعرض علينا الإسلام فأسلمنا، ثم مكثنا يوما على ذلك حتى أمسينا ثم خرجنا، ونحن مستخفون، وكان إسلام عمار وصهيب بعد بضع وثلاثين رجلا كما سلف. وكان عمار بن ياسر من مستضعفي الصحابة الذين كانوا يعذبون في مكة من مشركيها ليرجعوا عن دينهم ولكنهم كانوا يأبون هذا الذي يأمرهم به المشركون. والمستضعفون قوم لا عشائر لهم في مكة تحميهم من طغاة أقوياء المشركين فكان العذاب ينزل عليهم بلا شفقة ولا حنان ولا خوف من أحد، إذ ليس لهم منعة ولا قوة غير قوة الله الواحد القهار، فكانت قريش تعذبهم بالرمضاء في وسط النهار، ليرجعوا عن دينهم، وكان عمار وصهيب يعذبان العذاب الشديد حتى ما يدرى أحدهما ما يقول، فبمواقف هؤلاء المؤمنين وبصبرهم على ما أصابهم من شديد العذاب ظهر الحق وانتصر على الباطل وأعوانه وأنصاره، وانتشرت عقيدة التوحيد، وهي العقيدة الصحيحة. ذكر ابن سعد في طبقاته الكبرى نسب عمار بن ياسر ونسب أمه سمية فقال: هو عمار بن ياسر بن عامر ابن مالك بن كنانة ... الخ، ثم قال: كان قدم ياسر ابن عامر وأخواه الحارث ومالك من اليمن إلى مكة يطلبون أخا لهم، فرجع الحارث ومالك إلى اليمن، وبقي

стр. 146

ياسر بمكة، وحالف أبا حذيفة بن المغيرة بن عبد الله ابن عمر بن مخزوم، وزوجه حذيفة أمة له يقال لها ((سمية بنت خباط)) (١) فولدت له عمارا، فأعتقه - عمارا - أبو حذيفة، ولم يزل ياسر وعمار مع أبي حذيفة إلى أن مات، وجاء الله بالإسلام فأسلم ياسر، وسمية وعمار وأخوه عبد الله بن ياسر وكان عمار يكنى أبا اليقظان. قال مجاهد: أول من أظهر الإسلام سبعة: رسول الله ﷺ وأبو بكر، وبلال، وخباب وصهيب، وعمار، وأمه سمية. دار الأرقم: ودار الأرقم بن أبي الأرقم كانت أول مركز - تجمع فيه المسلمون - وخلية من مراكز وخلايا انبثاق نور الإسلام، إذ كان المسلمون لا يجرؤون على الجهر بالإسلام وإقامة شعائره أمام الناس، كالصلاة، فلا يستطيعون إظهارها، وكانوا يجتمعون سرا في هذه الدار، إلى أن أظهر الله الدين بإسلام عمر بن الخطاب ﵁، فخرج بهم إلى الحرم وأدوا الصلاة فيه، - والمشركون ينظرون ويسمعون - فلم يمنعهم أحد، ودار الأرقم مقرها بجوار ((باب الصفا)) في مكة المكرمة ولهذه الدار وصاحبها الشجاع فضل ومزية في نشر الإسلام ودعوته

стр. 147

محنته وفتنته مع معذبيه: قال الكثيرون ممن كتبوا في سيرة الصحابة ﵃: ان المشركين عذبوا من أسلم وأظهر إسلامه شديد العذاب ليرتدوا عن دينهم ويكفروا بالله الواحد الأحد وبمحمد رسول الله ﷺ ، وكانوا يطلبون منهم النطق بكلمة الشرك ليكفوا عن تعذيبهم، وإلا استمر تعذيبهم ما داموا على الإسلام، فمن أولئك المعذبين من أبى أن يعطيهم شيئا مما طلبوه كبلال ﵁ كما تقدم - عند بيان موقفه الصلب وعقيدته في الله وفي رسوله وفى الإسلام ومنهم من أعطاهم ذلك - ظاهرا - ليخففوا عنه العذاب، وثبت على عقيدة التوحيد والاعتراف برسالة محمد ﷺ في باطن نفسه، كعمار بن ياسر، فقد ذكر جل المفسرين للقرآن الكريم أن هذه الآية وهي قوله تعالى: ((من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم)) (١) نزلت في عمار ابن ياسر ومن عذب من المستضعفين، حين عذبهم المشركون، وشددوا عليهم في العذاب، وقالوا له - عمار - لا نكف عن عذابك حتى تكفر بمحمد فوافقهم على ما طلبوه منه - مكرها - وجاء معتذرا إلى

стр. 148

رسول الله ﷺ عن ذلك، وشكا له ما أصابه من ذلك العذاب، فقال له النبي ﷺ : (كيف تجد قلبك)؟ قال مطمئنا بالإيمان، فقال له النبي ﷺ : (إن عادوا فعد، وجاء في بعض الروايات عند البيهقي وغيره أنه سب النبي ﷺ تحت الضغط عليه بل وذكر آلهتهم بخير وشكا ذلك إلى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله، ما تركت حتى سببتك، وذكرت آلهتهم بخير، فقال له: (كيف تجد قلبك؟) قال مطمئنا بالإيمان فقال له: (إن عادوا فعد) وفي هذا أنزل الله تعالى قوله ((إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان)). ولهذا اتفق العلماء على أن المكره على الكفر يجوز له - ظاهرا لا باطنا - أن يقبل ويفعل ما طلب منه فعله إبقاء على حياته، كما فعل عمار بن ياسر وله أن يمتنع عن إجابتهم لما طلب منه كما فعل بلال ﵁، فإنه أبى أن يعطي شيئا للمشركين، وهم يعذبونه ويفعلون به الأفاعيل، حتى أنهم ليضعون الصخرة العظيمة على صدره في ساعة اشتداد الحر، ويأمرونه بقول كلمة فيها ما يرضيهم، فيأبى عليهم هذا، ويقول لهم: أحد أحد، بل ويقول لهم: والله لو أعلم كلمة هي أغيظ لكم لقلتها لكم زيادة في غيظكم وغضبكم. وبناء على ما سلف بيانه من موقف عمار بن ياسر مع معذبيه، قال المفسرون لكتاب الله: أن الآية السابقة: ((من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن

стр. 149

بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم)) إن هذه الآية تشمل نوعين ممن كفر بالله وأشرك معه غيره، أو جحده بتاتا. النوع الأول: من كفر وجحد وجود الله، أو وحدانيته وهو في كفره مختار وكفر عن رضى منه، وانشرح صدره له، فهذا حكمه في الإسلام أنه كافر، قولا ونية وقصدا، وعملا، لانشراح صدره بالكفر، فهو ممن غضب الله عليه، لقوله تعالى ((فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم)) وذلك لأنه استحب الحياة الدنيا على الآخرة، وآثرها عليها وأولاها كل عنايته واهتمامه في حياته، ولم يستجب لدعوة الله له إلى التوحيد، فإن كان كفره عن وراثة من أهله، فإنه يدخل في عامة الكفار، وحكمهم بين في الإسلام، وأما من كفر بالله - مختارا - بعد الإيمان به والإقرار له بالألوهية والتوحيد، وهو ما أشارت إليه الآية وصرحت به فإنه يعتبر فيه الارتداد عن الإيمان إلى الكفر، فإنه يسمى مرتدا - راجعا وعائدا من الإيمان إلى الكفر - وحكمه أن النبي ﷺ قال فيه: (من بدل دينه فاقتلوه) أخرجه أئمة الحديث، كالبخاري وأحمد وأصحاب السنن، عن ابن عباس ﵁، فهو قد انتقل من صف المؤمنين بالله، إلى صف الكافرين الجاحدين له، وهذا منه تلاعب واستهزاء بدين الله، فكانت تلك عاقبته وعقوبته، فهو قد ارتد عن دينه

стр. 150

مختارا، لهذا جازاه الله وعاتبه على ذلك بالعذاب العظيم، في الدنيا والآخرة. أما النوع الثاني: وهو من أظهر خلاف ما أبطن كما فعل عمار بن ياسر مع معذبيه، فأظهر لهم خلاف ما أبطن، وقال ما قال اتقاء لشرهم وتعذيبهم له، وذلك ليخففوا عنه العذاب، فهذا لا حرج عليه في سلوكه مع معذبيه أعداء الله هذا المسلك، إذا أظهر لهم أنه موافقهم على ما طلبوه منه - ظاهرا فقط - فقد طلبوا منه الكفر بالله وبالدين وبالرسول ﷺ ، ليكفوا عن تعذيبه، فأجابهم إلى ما طلبوه منه واتبع رأيهم في الظاهر، فهذا لا شيء عليه كما تقدم ولا يخاف عذاب الله على كفره به - ظاهرا - لأنه اتقى به فقط عذاب معذبيه، والله ﷻ قال: ((إلا أن تتقوا منهم تقاة)) سورة آل عمران، والرسول ﷺ قال: (إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه). رواه ابن ماجه من أبي ذر ﵁، وفي رواية أخرى عند ابن ماجه عن ابن عباس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)، وفي كلا سند الحديتين للعلماء مقال. ولبيان كل ما تقدم يظهر هذا في قوله تعال: ((ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم

стр. 151

عذاب عظيم)) فانشراح الصدر في الآية كناية عن القبول الاختياري والرضى بالأمر الذي مالت إليه النفس ورضيت به واختارته عقيدة وعملا، فمن وسع صدره وقلبه وعقله لقبول الكفر بالله والردة بعد الإيمان، من غير أن تنازعه نفسه في هذا الرضى والقبول، فهذا كان مختارا من غير اضطرار، فانشرح صدره ورضي قلبه بقبول الكفر والجحود، غير مكره عليه ولا كاره له، فهذا ملعون ومغضوب عليه من الله، الإله الواحد لجميع المخلوقات فهذا ظلم وقع من ظالم لذا وجبت معاقبته، وهذا العذاب العظيم جزاء كفره وجحوده، وهو عذاب جهنم الذي أعده الله لمن كفر به وجحده. فالذي نطق بكلمة الكفر مكرها عليها بالتهديد بالقتل كعمار بن ياسر ﵁، كان الإكراه في حقه عذرا مقبولا، فإن نطقه بها يطبق عليه قوله تعالى: ((إلا أن تتقوا منهم تقاة)) سورة آل عمران، ذلك أن العلماء قالوا: أن من أكره على الكفر حتى خشي على نفسه القتل فإنه لا إثم عليه إن كفر بلسانه، وقلبه مطمئن بالإيمان راض به، ولا تبين منه زوجته - أي تطلق عليه - ولا يحكم عليه بالردة والكفر بعد الإيمان، ذلك أنه يدخل في باب ((التقية)) المرخص فيها شرعا، لتكون ملجأ للنجاة من ظلم الظالمين.

стр. 152

بعض ما كان المشركون يعذبون به المؤمنين: ذكر ابن الأثير في كتابه ((أسد الغابة)) نقلا عن محمد بن سيرين فقال: (مر رسول الله ﷺ بعمار بن ياسر وهو يبكي يدلك عينيه، فقال له رسول الله ﷺ : مالك؟ أخذك الكفار فغطوك في الماء - وفي رواية في النار - فقلت كذا وكذا، فإن عادوا لك فقل كما قلت؟) وهو يقصد من هذا أن الكفار ألزموه بسب الرسول وشتمه، والنطق بكلمات الشرك، إذ لا حرج على من أكره على ذلك. وقال ابن الأثير أيضا عن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس ﵃: أكان المشركون يبلغون من المسلمين في العذاب ما يعذرون به في ترك دينهم؟؟ فقال: نعم، والله إن كانوا ليضربون أحدهم ويجيعونه ويعطشونه حتى ما يقدر على أن يستوي جالسا من شدة الضر الذي به، حتى أنه ليعطيهم ما سألوه من الفتنة، وحتى يقولوا له، اللات والعزى إلهك من دون الله، فيقول: نعم، وحتى أن ((الجعل)) - نوع من الخنافس- ليمر بهم فيقولون له: هذا إلهك من دون الله؟ فيقول نعم، افتداء منهم لما يبلغون من جهد. هذا هو الصحابي الجليل عمار بن ياسر وبعض ما أصابه من مشركي قريش وهو مخزومي من بني مخزوم، وقد هاجر إلى الحبشة فيمن هاجر من الصحابة حين اشتد عليهم المشركون في التعذيب، وشهد بيعة

стр. 153

الرضوان وبدرا والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ ، وأبلى ببدر البلاء الحسن، كما شهد ((اليمامة)) فأبلى فيها أيضا، وفيها قطعت أذنه ﵁. وأرض اليمامة معروفة، وهي جزء من بلاد العرب، معدودة من تراب ((نجد)) وكان في اليمامة إذ ذاك ((مسيلمة)) الكذاب الذي ادعى النبوة في زمن الرسول ﷺ ، وحرب اليمامة وقعت في السنة الثانية عشرة من الهجرة فقد ارتد من ارتد من بعض القبائل العربية بعد وفاة الرسول ﷺ ومنعوا الزكاة فلم يدفعوها إلى بيت المال كما كان العمل جاريا في زمنه، ومن تلك القبائل قبيلة بني حنيفة باليمامة بزعامة كذابها مسيلمة النبي الكذاب، فجهز لهم الخليفة الأول أبو بكر الصديق ﵁ ثلاثة جيوش فكان ثالثها وآخرها - وهو جيش النصر - القاضي عليها بقيادة سيف الله المسلول على الكافرين ((خالد بن الوليد)) ﵁، على ما ورد في كتب التاريخ، كما مر، ودارت الحرب بين حنيفة وجيش الإسلام بشدة، وقتل فيها زعيمها مسيلمة الكذاب، كما قتل فيها من الصحابة رضوان الله عنهم عدد وافر وخاصة حفظة القرآن الكريم وهذا ما جعل عمر بن الخطاب يفكر في جمع القرآن مخافة دروسه وذهابه بذهاب حفظته، فأشار على أبي بكر بذلك، فامتنع الخليفة الأول أولا ثم شرح

стр. 154

الله صدره له فيما بعد، حيث توقف في الجمع والنسخ، لأنه عمل لم يعمله رسول الله ﷺ وبعد قتل زعيم أهل الردة ((مسيلمة)) وانتصار جيش الإسلام وانهزام حنيفة جرى الصلح بينهم وبين القائد البطل خالد ﵁ وعن جميع الصحابة حماة الإسلام والعقيدة، وانتهت حروب الردة. وعمار بن ياسر عن السابقين إلى الإسلام كما تقدم، وقد شارك في بناء مسجد الرسول ﷺ في المدينة، اقتداء بصاحب الرسالة ﷺ وذلك حين كان يعمل مع أصحابه في بنائه ليرغبهم في العمل، وكان عمار يحمل اللبن - الطوب - وقد أثقله إخوانه به، إذ كانوا يحملون لبنة لبنة ويحملونه هو لبنتين اثنتين، فشكا لرسول الله ما يلاقيه من إخوانه الصحابة، قال: يا رسول الله قتلوني، - وهو يمزح - يحملون علي ما لا يحملون هم، وقد ذكرت أم سلمة ﵂ أنها رأت رسول الله ﷺ ينفض وفرته - الوفرة ما نزل من الشعر على الأذنين - بيده الشريفة، وكان عمار رجلا جعد الشعر، وهو ﷺ يقول: (ويح ابن سمية، ليسوا بالذين يقتلونك، إنما تقتلك الفئة الباغية). قال أصحاب السير: أن أول من بنى مسجدا هو عمار بن ياسر، يعنون بهذا مسجد ((قباء)) ذلك أن

стр. 155

عمارا هو الذي أشار على النبي ﷺ ببنائه وقال: ما لرسول الله ﷺ بد من أن نجعل له مكانا إذا استظل من قائلة أن يستظل قيه، ويصلي فيه، فجمع حجارة وبنى مسجد ((قباء)) فهو أول مسجد بني على ما قيل، إذ هو الذي جمع الحجارة له فلما أسسه رسول الله ﷺ استتم بنيانه عمار. وعندما آخى رسول الله ﷺ بين المهاجرين والأنصار كانت مؤاخاة عمار بن ياسر مع حذيفة بن اليمان ﵄.

стр. 156

- ٦ - سمية أما أمه ((سمية)) ﵂ أول شهيد في الإسلام - فهي أيضا لم تنج من تعذيب المشركين، ولم يكف فيها التعذيب وحده، بل وصل بهم الأمر إلى قتلها، فقد قتلها عدو الله، أبو جهل عمرو بن هشام حيث وجأها - ضربها - بحربة من حديد في قبلها - وقيل في قلبها - والأول أشهر فماتت، فهي أول شهيد في الإسلام فكان هذا الشهيد امرأة، وهكذا ينال المسلمين ما ينالهم من أعدائهم بلا فرق وبلا تمييز بين الرجال والنساء فهم فيه سواء، كما حدث أيام ثورة التحرير الجزائرية، من الجيش الفرنسي الاستعماري. وشهد عمار بن ياسر قتال المرتدين - في حرب اليمامة - التي قتل فيها مسليمة النبي الكذاب، كما تقدم فقد روى نافع عن ابن عمر قال: رأيت عمارا

стр. 157

يوم اليمامة على صخرة، وقد أشرف يصيح: يا معشر المسلمين، أمن الجنة تفرون؟؟ أنا عمار بن ياسر هلموا إلي، قال: وأنا أنظر إلى أذنه قد قطعت، فهي تذبذب - تتحرك - وهو يقاتل أشد القتال. وصحب عمار عليا ﵄ وشهد معه الجمل وصفين، فأبلى فيهما، قال أبو عبد الرحمن السلمي شهدنا ((صفين مع علي فرأيت عمار ابن ياسر لا يأخذ في ناحية ولا واد من أودية ((صفين)) إلا رأيت أصحاب رسول الله ﷺ يتبعونه كأنه علم لهم، قال: وسمعته يومئذ يقول لهاشم ابن عتبة بن أبي وقاص: يا هاشم تفر من الجنة؟ الجنة تحت البارقة - السيوف - اليوم ألقى الأحبة، محمدا وحزبه، والله لو قاتلونا حتى يبلغوا بنا شعاب هجر لعلمت أننا على حق وأنهم على الباطل، وقال أبو البختري: قال عمار بن ياسر يوم ((صفين)) إيتوني بشربة، فأتى بشربة لبن، فقال: إن رسول الله ﷺ قال لى: (آخر شربة تشربها من الدنيا شربة لبن) فشربها، ثم قاتل حتى قتل، ﵀ ورضي عنه، وكان عمره أربعا وتسعين سنة، وقيل ثلاثا وتسعين، وقيل إحدى وتسعين. وفي المعذبين من ضعفاء الصحابة رضوان الله عنهم نزل قوله تعالى على ما قاله المفسرون: ((والذين هاجروا في سبيل الله من بعد ما ظلموا لنبوئنهم في الدنيا حسنة

стр. 158

ولأجر الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون)) (١) وقوله ((ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم)) (٢). وقال بعض المفسرين، أنها نزلت في عمار بن ياسر خاصة، والمعذبون من الصحابة ﵃ هم عمار بن ياسر، وأمه سمية، وأبوه ياسر وبلال، وصهيب، وخباب. قال ابن إسحاق وكانت ينو مخزوم يخرجون بعمار وأبيه ياسر، وبأمه سمية، وكانوا أهل بيت إسلام إذا حميت الظهيرة يعذبونهم برمضاء مكة، وهي شدة حرارة الشمس، فكان رسول الله ﷺ يمر بأسرة عمار بن ياسر وهي تعذب فيقول لهم (صبرا آل ياسر، موعدكم الجنة). وعن محمد بن كعب القرظي قال: أخبرني من رآى عمار بن ياسر متجردا في سراويل - سروال - قال فنظرت إلى ظهره فيه حبط كثير - أثر الضرب بالسياط - فقلت له، ما هذا؟ قال: هذا ما كانت تعذبني به قريش في رمضاء - حر - مكة، كما عذبوه بالإحراق بالنار.

стр. 159

بعض فضائل عمار بن ياسر ووفاته: قال بعض كتاب السير: أنه لم يسلم أبوا أحد من السابقين المهاجرين غير أبي بكر وعمار. وجاء في ((أسد الغابة)) لابن الأثير عن حذيفة ابن اليمان قال: قال رسول الله ﷺ : (اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر، واهتدوا بهدي عمار، وما حدثكم ابن مسعود فاقبلوه). وأخرجه أبو يعلى في مسنده، وأخرج الترمذي وغيره أنه ﵊ قال: (اقتدوا باللذين من بعدي من أصحابي، أبي بكر وعمر، واهتدوا بهدي عمار، وتمسكوا بعهد ابن مسعود) كما أخرجه ابن عدي عن أنس، وأخرج الترمذي والحاكم عن عائشة ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (ما خير عمار بين أمرين إلا اختار أرشدهما)، وقال له: (أبشر عمار تقتلك الفئة الباغية). وجاء عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ((أمن هو قانت آناء الليل)) قال: نزلت في عمار ابن ياسر. والذي أجمع عليه رواة الأخبار في موته، أنه قتل في معركة ((صفين)) في حرب علي بن أبى طالب مع معاوية بن أبى سفيان، في صفر سنة سبع وثلاثين، وهو ابن ثلاث وتسعين سنة وقيل في هذا كما مر.

стр. 160

ودفن هناك في ((صفين)) ﵀ ورضي عنه، وروي عن النبي ﷺ أنه قال فيه: (تقتله الفئة الباغية) كما قال فيه أيضا (إن قاتله وسالبه في النار) وروى هذا الأثر الأخير عن عبد الله ابن عمرو بن العاص حين أخبر بقتله معاوية يوم الوقعة المذكورة، فكأن عمرو بن العاص حين أخبر معاوية بقتل عمار يشير إلى أنه هو المقصود بهذا الأثر، غير أن معاوية المشهور بحيله ودهائه رد على عمرو يقوله: (لسنا نحن الذين قتلناه حتى تكون من البغاة بل قتله من جاء به إلى المعركة حتى يموت فيها). وهذا من معاوية تأويل بعيد كما يقول الفقهاء، وعلى كل حال فهذا من قدر الله، وعنده يجتمع الخصوم، وهو الحاكم بين الخصوم يوم القيامة، وهناك لا يظلم أحد، ولا تضيع الحقوق في ذلك اليوم كما ضاعت في الدنيا، وقد نهينا عن الخوض فيما حدث بين الصحابة، نظرا لمنزلتهم عند الله وعند رسوله، لما قدموه من تضحيات جسام لا يستطيعها سواهم، وجاء في فضله ومنزلته عن رسول الله ﷺ ما جاء من ذلك، كما في سنن ابن ماجه عن علي بن أبي طالب ﵁ وكرم وجهه قول علي: كنت جالسا عند النبي ﷺ فاستأذن عمار بن ياسر فقال النبي ﷺ (ائذنوا له، مرحبا بالطيب المطيب). وفيها أيضا عن هانئ بن هانئ قال: دخل عمار على علي فقال: مرحبا بالطيب المطيب، سمعت رسول الله

стр. 161

صلى الله عليه وسلم يقول: (ملئ عمار إيمانا إلى مشاشه) - رؤوس العظام كالمرفقين والكتفين والركبتين -. وفي سننن ابن ماجه أيضا عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : (عمار ما عرض عليه أمران إلا اختار الأرشد منهما). ومن أعمال أبي جهل بالمسلمين الذين يسلمون ويتبعون الرسول ﷺ ، أنه كان إذا سمع برجل أسلم واتبع رسول الله ﷺ ، ينظر إليه على حسب قوته وهيبته ومكانه في قومه، فإن كان له شرف وحسب ومنعة في قومه لامه على إسلامه وأنبه وخزاه، من غير أن ينال منه بمكروه، ويكتفي بالقول له: تركت دين أبيك وهو خير منك لنسفهن حلمك، ولنفيلن (١) رأيك ولنضعن شرفك، وإن كان تاجرا قال له: والله لنكسدن تجارتك ولنهلكن مالك، أما إن كان ضعيفا لا منعة له، ولا قبيلة تحميه وتدافع عنه ضربه وأغرى به ونال منه بما شاء، من أنواع التعذيب والعذاب والأذى، هذا شأنه مع المسلمين الأقوياء منهم والضعفاء، من أجل نصرة معبوداته وأصنامه وآلهته المعبودة بالباطل، ينتصر لها بما يستطيع، وهذا دأب الضالين والظالمين في كل زمان ومكان، ولكن العاقبة والنهاية للمحقين والمتقين

стр. 162

- ٧ - صهيب بن سنان الرومي: هو من السابقين إلى الإسلام، ومن المستضعفين ومن أولئك السابقين الذين نالهم من مشركي قريش أذى كثير، وفتنة عمياء وبلاء عظيم لا يتحمله إلا أصحاب العقيدة الصحيحة المؤمنين بها، من أجل عقيدتهم، ومن الثابتين على الحق بالرغم من كل ذلك. فهو ((صيب)) بن سنان بن مالك بن عبد عمرو، وهو من بني ((النمر بن قاسط)) وأمه سلمى بنت قعيد بن مهيص، وكنيته ((أبو يحيى)) كناه بها رسول الله ﷺ ، فهو عربي الأصل، إذ هو من ((الجزيرة)) ومن أرض الشام، وقال من كتبوا عنه، وإنما قيل له الرومي، لأن الروم سبوه (اختطفوه) وهو صغير، فقد سبي من قرية ((نينوى)) من أعمال الموصل، وكان أبوه أو عمه عاملا لكسرى على ((الأبلة)) قال يا قوت الحموي في معجم البلدان (الأبلة بلد على شاطئ دجلة البصرة العظمى، وفي زاوية الخليج الذي يدخل إلى البصرة)، وبلدة الأبلة أقدم من البصرة - إذ البصرة بناها عتبة بن غزوان الصحابي المعروف - في خلافة عمر بن الخطاب رضي

стр. 163

الله عنهما - وكانت منازل آل صهيب على نهر دجلة من جهة الموصل، وقيل كانت مغازلهم بأرض الموصل في قرية على شط الفرات مما يلي الجزيرة والموصل وقيل كانوا على الفرات من أرض الجزيرة، فأغارت الروم عليها فأخذت صهيبا وهو طفل صغير، فنشأ بالروم، فصار ألكن، فباعته الروم إلى رجل من قبيلة ((كلب)) ثم قدم يه من اشتراه إلى مكة فاشتراه منه ((عبد الله بن جدعان)) القرسي التيمي وأعتقه، وأقام معه إلى أن هلك عبد الله بن جدعان، وبعث النبي ﷺ ، فأراد الله له الكرامة، فمن عليه بنعمة الإسلام فأسلم. وقال صهيب وولده: بل إنه هرب عن عند الروم لما كبر وعقل، فقدم مكة وحالف عبد الله بن جدعان وأقام معه إلى أن هلك - مات - ابن جدعان. ولما بعث النبي ﷺ بالرسالة أسلم وكان من كبار السابقين والبدريين، وروى عنه أنه قال: (صحبت النبي ﷺ قبل أن يوحى إليه) وكان صهيب يعذب حتى لا يدري ما يقول. إسلامه: قال الواقدي: كان إسلام صهيب وعمار بن ياسر في يوم واحد - كما مر - وكان إسلامهما بعد بضعة وثلاثين رجلا، وكان من المستضعفين في مكة، الذين عذبوا من أجل عقيدتهم واتباعهم رسول الله صلى الله

стр. 164

عليه وسلم، وقيل كان اسمه قبل أن يسبى (عميرة) فسماه الروم ((صهيبا)) لأنه كان شديد الصهوبة، تشوبها حمرة. قال عمار بن ياسر - كما تقدم عنه - لقيت صهيب ابن سنان على باب دار الأرقم، ورسول الله ﷺ فيها، فقلت له: ما تريد؟ فقال لي: وما تريد أنت؟ فقلت: أردت الدخول إلى محمد ﷺ فأسمع كلامه، فقال: فأنا أريد ذلك، فدخلنا عليه، فعرض علينا الإسلام فأسلمنا، ثم مكثنا يومنا حتى أمسينا، ثم خرجنا مستخفين. وقال ابن الأثير في كتابه (أسد الغابة في تمييز الصحابة) عند ترجمته لصهيب ﵁ مسندا ما ذكره إلى أبي زكرياء يزيد بن إياس ما يلي: وكان اشتراه - يقصد صهيبا - عبد الله بن جدعان من رجل من كلب (قبيلة) بمكة، وكانت كلب اشترته من الروم - وقيل بل هو فر من الروم - وأعتقه، وأسلم صهيب ورسول الله ﷺ في دار ((الأرقم))، بعد بضعة وثلاثين رجلا، وكان من المستضعفين بمكة المعذبين في الله ، وأسلم هو وعمار في يوم واحد، كما مر في كلمة عمار. صهيب يشتري هجرته ونفسه بكل ما يكسبه: حين عزم صهيب على الهجرة من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة أسوة برسول الله صلى الله عليه وسلم

стр. 165

وبمن هاجر من إخوانه صحابة رسول الله وكان هذا في منتصف شهر ربيع الأول، وكان هو وعلي بن أبي طالب من آخر من هاجر ورسول الله ﷺ ، ما زال مقيما بقباء لم يرم - يفارق ويبرح - بعد. وذكرت كتب السيرة: أن صهيبا لما خرج من مكة مهاجرا لحقه مشركو قريش وقالوا له: يا صهيب أتيتنا صعلوكا (١) حقيرا فكثر مالك عندنا، وبلغت ما بلغت، ثم تريد أن تخرج بمالك ونفسك، والله لا يكون ذلك، فقال لهم صهيب، أرأيتم إن جعلت لكم مالي أتخلون سبيلي؟ قالوا: نعم قال: فإني جعلت لكم مالي، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: (ربح صهيب ربح صهيب) وفي مال صهيب الكثير، قال مصعب الزبيري: هرب صهيب من الروم ومعه مال كثير، فنزل مكة فعاقد عبد الله بن جدعان وحالفه وانتمى إليه. وجاء في رواية أخرى فيها شيء من زيادة البيان والتوضيح عن موقف المشركين مع صهيب في قصة خروجه من مكة بنية الهجرة واللحاق بمن سبقه، جاء فيها، أن صهيبا حين خرج مهاجرا إلى المدينة تبعه نفر من المشركين، ولما رآهم مقبلين نحوه يريدونه وقف لهم ونتل كنانته (٢) - استخرج نبالها ونثرها أمامه -

стр. 166

وقال لهم: يا معشر قريش تعلمون أني من أرماكم، والله لا تصلون إلي حتى أرميكم بكل سهم معي، ثم أضربكم بسيفي ما بقي بيدي منه شيء فإذا كنتم تريدون مالي دللتكم عليه، قالوا: فدلنا على مالك، ونخلي عنك، فتعاهدوا على ذلك، فدلهم عليه وتركوه، فلحق برسول الله صلى ألله عليه وسلم، فقال له الرسول ﷺ (ربح البيع أبا يحيى) فأنزل الله في هذا قوله: ((ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله والله رؤوف بالعباد)) (١). وروى أصحاب السنن عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (السباق أربعة أنا سابق العرب، وصهيب سابق الروم، وسلمان سابق الفرس، وبلال سابق الحبشة). وقد تقدم عن مجاهد أنه قال: أول من أظهر إسلامه سبعة: النبي ﷺ وأبو بكر، وبلال، وصهيب، وخباب، وعمار بن ياسر، وأمه سمية، ﵃ اجمعين، فأما النبي ﷺ فمنعه الله من عذابهم بعمه أبى طالب، وأما أبو بكر الصديق فمنعه الله يقومه، لمكانتهم عند العرب، وأما الآخرون فأخذوا وألبسوا أدراع الحديد ثم صهروا في الشمس.

стр. 167

فإلى هؤلاء المسلمين الضعفاء يرجع فضل نشر الإسلام وانتشاره، فقد تحملوا من أنواع العذاب الشيء الكثير، والسؤال الموجه منهم إلينا: هل استفدتم أيها المسلمون - بعدنا - من مواقفنا الصلبة التي لم تلن في جانب الله وعقيدة التوحيد لأي أحد مهما كانت قوته؟؟ وهل أخذتم عنا ما يكون لكم مادة قوية وذخيرة حية صالحة للتربية على أن تنهجوا في حياتكم نهج الحق والصلابة فيه؟ وعدم التساهل مع من يسعى لتوهين هذه العقيدة في قلوب المسلمين، هذه العقيدة التى هي عقيدة الحق، ولا عقيدة غيرها: (فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون)؟؟. بعض الأحاديث التي رويت عنه: أخرج الإمام مسلم والترمذي عن صهيب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إذا دخل أهل الجنة الجنة يقول الله تعالى: تريدون شيئا أزيدكم؟ فيقولون: ألا تبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة؟ وتنجنا من النار؟ فيكشف الحجاب، فما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم). وجاء في رواية أخرى أوردها كل من الإمام أحمد وابن ماجه وابن خزيمة وابن حبان في صحيحه عن صهيب ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ (إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار نادى مناد: يا أهل الجنة: إن لكم عند الله موعدا

стр. 168

يريد أن ينجزكموه، فيقولون: وما هو؟ ألم يثقل موازيننا؟ ويبيض وجوهنا؟ ويدخلنا الجنة؟ وينجنا من النار؟ فيكشف الحجاب، فينظرون إليه، فوالله ما أعطاهم الله شيئا أحب إليهم من النظر إليه، ولا أقر لأعينهم) وجاء في بعض روايات الحديث المذكور أن ذلك هو (الزيادة) التي قال الله فيها: ((للذين أحسنوا الحسنى وزيادة)) سورة يونس. وروى الترمذي بسنده إلى صهيب قال: قال رسول الله ﷺ : (ما آمن بالقرآن من استحل محارمه) وقال الذهبي في كتابه ((سير أعلام النبلاء)) قال أبو زرعة: حدثنا يوسف بن عدي حدثنا يوسف ابن محمد بن يزيد بن صيفى عن أبيه عن جده عن صهيب قال: قال رسول الله ﷺ : (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحب صهيبا حب الوالدة لولدها) كما ذكره ابن عبد البر في (الاستيعاب) في ترجمة صهيب. وروى ابن عمر عن صهيب أنه قال: (مررت برسول الله ﷺ وهو يصلي فسلمت عليه فرد علي إشارة بإصبعه) ومن الأحاديث التي رواها صهيب قوله ﵊: (عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له). أخرجه الإمامان: مسلم وأحمد.

стр. 169

وله نحو الثلاثين حديثا، روى له مسلم منها ثلاثة وروى عنه من الصحابة: عبد الله بن عمر، وجابر وغيرهم، ومن التابعين: كعب الأحبار، وعبد الرحمن ابن أبي ليلى، وأسلم مولى عمر، وسعيد بن المسيب وآخرون ويعد في المدنيين، وكان يقول - فيما نقل عنه -: هلموا نحدثكم عن مغازينا: فأما أن أقول: قال رسول الله فلا، فهو بهذا يتجنب رواية الحديث. وكان فيه مع فضله وإيمانه وعلو درجته - مداعبة وحسن خلق، وروى عنه من هذا أنه حين قدم على رسول الله ﷺ في هجرته وهو بقباء قبل أن يتحول منها، ومعه أبو بكر، وعمر، وكان بين أيديهم رطب وتمر، وصهيب قد رمد، إذ أصابه الرمد وهو في طريقه إلى المدينة، كما أصابته مجاعة شديدة من قلة الزاد معه، ولما وجد الرطب والتمر أمامه وقع في الرطب يأكل أكل الجوعان، فقال عمر: يا رسول الله ألا ترى إلى صهيب يأكل الرطب وهو رمد؟ فقال رسول الله ﷺ له: (تأكل الرطب وأنت رمد؟) فقال له صهيب: إنما آكل على شق عيني الصحيحة، فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت نواجذه، وقال صهيب: يا رسول الله ما تزودت إلا مدا من دقيق عجنته بالأبواء حتى قدمت عليك

стр. 170

وكان في لسانه عجمة شديدة، وهي ناتجة عن تربيته وطول إقامته في أرض الروم، لأنهم أخذوه من وسط قومه وهو طفل صغير كما مر ذكره آنفا، وروى زيد ابن أسلم - الذي كان ملازما لعمر - عن أبيه قال: خرجت مع عمر حتى دخل على صهيب حائطا له بالعالية، فلما رآه صهيب قال: يا ناس يا ناس، فقال عمر ما له - لا أبا له - يدعو بالناس، فقلت له: إنما يدعو غلاما له اسمه ((يحنس)) وإنما قال ذلك لعقدة في لسانه، فقال له عمر: ما فيك شيء أعيبه يا صهيب إلا ثلاث خصال لولاهن ما قدمت عليك أحدا: أراك تنتسب عربيا ولسانك أعجمي، وتكتنى بأبي يحيى اسم نبي وليس لك ولد، وتبذر مالك، فقال له صهيب: أما تبذير مالي فما أنفقه إلا في حقه، وأما اكتنائي بأبي يحيى فإن رسول الله ﷺ كناني بأبي يحيى، فلن أتركها، وأما انتمائي للعرب ولساني أعجمي فإن الروم سبتني صغيرا فأخذت لسانهم، وأنا رجل من النمر بن قاسط من الموصل ولو انفلقت عن روثة - بعرة - لانتسبت إليها. وكان من حب عمر لصهيب ﵂، أن عمر كان حسن الظن في صهيب، وظهر هذا معه في عدة مناسبات، منها أنه حين طعن ﵁ أوصى أن يصلي عليه إذا مات صهيب، كما أوصى أن يصلي بجماعة المسلمين ثلاثا حي يتفق أهل الشورى على من سيخلف.

стр. 171

وذكر ابن سعد في طبقاته أن صهيبا قال لأبي بكر: وعدتني أن نصطحب - يعنى في الهجرة - فخرجت وتركتني، وقال هذا أيضا رسول الله ﷺ : وعدتني يا رسول الله أن تصاحبني، فانطلقت وتركتني فأخذتني قريش فحبسوني، فاشتريت نفسي وأهلي بمالي، فقال له رسول الله ﷺ (ربح البيع) فأنزل الله: ((ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله والله رؤوف بالعباد)) سورة البقرة - الآية ٢٠٧. نشاطه وخدمته للإسلام وسط المجموعة الإسلامية: روى الحميدى والطبراني عن صهيب ومن طريق الستة أنه قال: لم يشهد رسول الله ﷺ مشهدا قط إلا كنت حاضره، ولم يبايع بيعة قط إلا كنت حاضرها، ولم يسير سرية إلا كنت حاضرها، ولا غزا غزاة إلا كنت فيها عن يمينه أو شماله، وما خافوا أمامهم قط إلا كنت أمامهم، ولا ما وراءهم إلا كنت وراءهم وما جعلت رسول الله ﷺ بيني وبين العدو قط حتى توفي، وكان صهيب حاضرا بدرا والمشاهد بعدها، ولم يتخلف عن رسول الله ﷺ في أي مشهد من المشاهد التي شهدها الرسول ﷺ .

стр. 172

قال ابن شهاب: وممن شهد بدرا مع رسول الله ﷺ من النمر بن قاسط صهيب بن سنان وفي كتاب البخاري عن محمد بن سيرين قال: كان صهيب من العرب من النمر بن قاسط. كلمة حول عبد الله بن جدعان: من يكون عبد الله بن جدعان هذا؟ معتق صهيب، والذي اشتراه من بعض قبيلة كلب، أو حليفه كما جاء في الرواية الأخرى. هو عبد الله بن جدعان - بضم الجيم وسكون الدال - القرشي التميمي من مشاهير أجواد العرب وكرمائهم، كان يعيش في مكة المكرمة قبل الإسلام، وهو من أثرياء قريش وأغنيائهم، وكان رجلا كريما مضيافا يطعم الطعام، وكان يلقب بـ (حاسي الذهب) لأنه كان يشرب في إناء من ذهب، وفي سبب غناه أقوال ربما لا يحتملها العقل، وكان يطعم الناس الطعام، ويفعل المعروف مع من يعرف ومن لا يعرف، على عادة الأجواد والكرماء العرب، وكان ربما حضر النبي ﷺ طعامه قبل البعثة، وروى عنه ﷺ أنه قال: (شاهدت مأدبة في دار بن جدعان). وكانت له جفنة كبيرة، بلغت من كبرها وسعتها ما لا يتصوره العقل على ما رواه الرواة فيها وفي وصفها، فقد قالوا في وصفها ونعتها: أن القائم يأكل منها واقفا، وكذلك

стр. 173

الراكب على البعير من عرض حافتها، وكثرة طعامها لعظمها وسعتها، وقالوا أيضا، أنه سقط فيها صبي فغرق ومات فيها، وكان يملأها بلباب البريلبك - يخلط - بالشهد والسمن، على عادة العرب في كرمهم. وجاء في غريب الحديث لابن قتيبة ج ١ ص ٤٠٠، وفي الفائق للزمخشري ج ٢ ص ٣٢، كما جاء في النهاية في غريب الحديث لابن الأثير ج ٣ ص ٤٣، أن رسول الله ﷺ (كان يستظل بظل جفنة عبد الله بن جدعان في الإسلام صكة عمي) وهي شدة الحر في الهاجرة، وعبد الله بن جدعان هذا ابن عم والد أبي بكر الصديق ﵁ على ما ذكره الرواة، إذ هو تيمي، ولذا قالت عائشة ﵂ من أجل تلك القرابة التي كانت بينه وبين أبيها - كما جاء في صحيح الإمام مسلم قالت: (يا رسول الله إن ابن جدعان كان يطعم الطعام، ويقري الضيف، ويفعل المعروف، فهل ينفعه ذلك يوم القيامة؟ فقال لها رسول الله ﷺ : لا، إنه لم يقل يوما: رب أغفر لي خطيئتي يوم الدين). وكان لابن جدعان مناد ينادي لقصعته: (هلم إلي الفالوذ) وكان هذا في الجاهلية، وربما حضر طعامه رسول الله صلى الله عليه وسلم

стр. 174

(نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه). هذه الجملة سيقت مساق المدح والثناء على من قيلت فيه، فقد تناقلها الناس، وبحثوا هذا الأثر من الزمن القديم، واختلفوا في قائله، فمن قائل أنه حديث نبوي شريف، ومن قائل أنه غير حديث لكثرة البحث عنه ممن لهم عناية واهتمام بالحديث، فالكثير من العلماء يرون أنه من كلام عمر بن الخطاب ﵁، وقد علمنا مما تقدم أن عمر كان يحب صهيبا، وهذا ما جعله يقدمه على غيره في عدة مواضيع قال العجلوني في كتابه (كشف الخفاء) اشتهر في كلام الأصوليين وأصحاب المعاني وأهل العربية من حديث عمر، وبعضهم يرفعه إلى النبي ﷺ ، وذكر البهاء السبكي: أنه لم يظفر به بعد البحث. وهذا الأثر يورده علماء العربية كثيرا كشاهد على عمل حرف ((لو)) الشرطية، كما يذكره علماء الأصول والمعاني، من غير تعرض لبقية استعمالاتها، إذ لاستعمال حرف ((لو)) خمسة أقسام. ١) أن تكون للعرض، نحو لو تنزل عندنا فتصيب خيرا. ٢) أن تستعمل للتقليل، كقوله ﵊ (تصدقوا ولو بتمرة، فإنها تسد من الجائع وتطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار) رواه ابن المبارك عن

стр. 175

عكرمة مرسلا والأثر الآخر: (تصدقوا ولو بظلف محرق). ٣) أن تكون للتمني، نحو لو تأتينا فتحدثنا بما يفيدنا. ٤) أن تكون مصدرية مثل أن، إلا أنها لا تنصب الفعل المضارع، نحو قوله تعالى: (ودوا لو تدهن فيدهنون) الإدهان: اللين والمجاملة للأعداء، أي تمنى المشركون منك يا محمد أن تلين لهم فتتنازل عن دينك فيقابلونك بالمثل. ٥) أن تكون شرطية مثل الواردة في الأثر السابق والمذكور أولا، وهي التي تحتاج إلى شرط وجوابه، ليتم بهما المراد من الجملة، ونحن نعلم أن ((لو)) الشرطية تحتاج إلى فعل الشرط وجوابه مثل بافي أدوات الشرط المعروفة، غير أنها لا تجزم الفعل المضارع كما تجزمه أدوات الشرط الجوازم، فاستمالها شرطية على قسمين. ١) امتناعية، وهي للتعليق في الماضي وهذا هو الكثير في استعمالها. ٢) امتناعية بمعنى ((ان)) وهي للتعليق في المستقبل وهذا قليل في استعمالها، وإلى هذا يشير ابن مالك في ألفيته حيث قال: لو حرف شرط في مضي ويقل...إيلاؤها مستقبلا لكن قبل

стр. 176

فاستعمالها في الجملة يدل على تعليق فعل على فعل فيما مضى، وهذا هو الأكثر في استعمالها فيلزم من تقدير حصول شرطها حصول جوابها، ويلزم كون شرطها محكوما بامتناعه في بعض استعمالاتها. وقد تبارى علماء اللغة العربية في إطلاق تعريف شامل لـ ((لو)) الشرطية هذه، وهذه التعاريف لم تسلم من الاعتراض عليها، لما يطرأ عليها من النقص وعدم الشمول، وأسلمها - نوعا ما - تعريف إمام اللغة العربية ((سيبويه)) حيث قال في تعريفها: (هي حرف لما كان سيقع لوقوع غيره) ولم يسلم تعريفه هذا لها من أشكال أيضا، كل هذا مبسوط في محله من كتب النحو مثل ((المغني)) لابن هشام وغيره، وبعض النحويين يعرفها بقوله: (هي حرف امتناع لامتناع) وفساد هذا التعريف ظاهر. ومما هو معلوم في مدلول الجملة التي دخلت عليها ((لو)) الشرطية أن لو الشرطية تجعل الجملة على خلاف ظاهرها، فإن كانت في سياق الإثبات دلت على أنها منفية وإن كانت في سياق النفي دلت على أنها مثبتة، أي على إثبات مدلول الجملة، ويوضح هذا قولك لولدك - مثلا - الذي لم ينجح في امتحانه: (لو اجتهدت في قراءتك لنجحت في امتحانك)، فهذه الجملة كانت في سياق الإثبات، فانقلبت بعمل ((لو)) إلى النفي، فيصير معناها لم تنجح في امتحانك لأنك لم تجتهد في قراءتك، فانتفى

стр. 177

جواب لو وهو النجاح في الامتحان لانتفاء شرطها وهو الاجتهاد في القراءة، وهكذا العمل في الجملة المنفية، فإنها تفيد الإثبات، كأن تقول لولدك ((لو لم تجتهد في قراءتك لم تنجح في امتحانك). ومعنى هذا أنك نجحت في امتحانك لأنك اجتهدت في قراءتك. ومن هذا القبيل الأثر السابق المنقول عن عمر ﵁ وهو قوله: (نعم العبد صهيب، لو لم يخف الله لم يعصه) فإن الجملة كانت في سياق النفي فتفيد الإثبات، فـ ((لو)) في هذا الأثر لتقرير الجواب، وبناء على قاعدة، ((لو)) الشرطية يكون معنى الجملة أن صهيبا (خاف الله وعصاه) وهذا غير مراد للقائل، فيلزم على هذه القاعدة في الأثر المذكور ثبوت المعصية مع ثبوت الخوف من الله، وهذا عكس المراد منه، بل المراد لعمر أن صهيبا لا يعصي الله أبدا، سواء خافه أو لم يخفه، وأولى إذا خافه، فهو لا يعصيه ولو لم يخفه، والذي صيره لا يعصي ربه هو إجلاله وتعظيمه والحياء منه، والحب له والمهابة من عظمته، فترك صهيب معصية الله إنما كان لأمر خارج، وذلك لما طبع عليه من الطاعة والحب والمهابة لجلاله والحياء منه إذا وقف بين يديه يوم القيامة للحساب، فعدم معصيته له معلل بأمر خارج عن الخوف وعدمه، وذلك كالإجلال والتعظيم لله ﷻ هذا ملخص عمل ((لو)) الشرطية، في هذا الأثر المحفوظ. ومثل هذا الأثر الذي قاله عمر في صهيب، ما قاله العلماء فيما روي عن النبي ﷺ حين

стр. 178

عرض عليه الزواج بربيبته ((درة)) بنت أبي سلمة - أخيه من الرضاع - فقد جاء في كتب الحديث ما يلي: عرضت أم حبيبة بنت أبي سفيان - زوج النبي ﷺ عليه أن يتزوج أختها فقال لها: (فإنها لا تحل لي) وهذا منه إشارة لقوله تعالى: ((وأن تجمعوا بين الأختين)). قالت أم حبيبة، فقلت له فوالله لقد أخبرت أنك تخطب بنت أبي سلمة، فقال (بنت أبي سلمة؟) قالت نعم قال: (فوالله لو لم تكن ربيبتي في حجري ما حلت لي، إنها لابنة أخي من الرضاعة، أرضعتني وأباها ثويبة, فلا تعرضن علي بناتكن ولا أخواتكن). قال رواه الحديث: متفق على صحته، وقال العلماء: أن حل بنت أبي سلمة منفي عنه صلى الله عليه ومسلم من جهتين اثنتين، أولا أنها ربيبته في حجره وهذا حرام بنص الآية، وثانيا أنها ابنة أخيه من الرضاعة، وهي عليه حرام بلفظ الحديث صراحة والقرآن ضمنا، إذ لو كان فيها مانع واحد لكفى في التحريم، فكيف إذا اجتمع فيها مانعان اثنان كما هنا مانع كونها ربيبته في حجره لقوله تعالى: ((وربائبكم اللاتي في حجوركم)) والمانع الثاني كونها ابنة أخيه من الرضاعة، لقوله ﵊ في الحديث الصحيح: (يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب). فقد أرضعت ((ثويبة)) مولاة أبي لهب وأمته الرسول ﷺ مع أبي سلمة، فكان أبو سلمة أخا للنبي ﷺ ، فلا يحل للمسلم الزواج

стр. 179

بابنة الأخ سواء من النسب أو من الرضاع، وكون أمها زوجته، فهي ربيبته تربت عنده وفي حجره، والرجل إذا تزوج امرأة حرمت عليه ابنتها من غيره، فهذا معنى اجتماع مانعين فيها وكما تقدم في الأثر السابق الوارد في صهيب، فمعصية صهيب لله تعالى منتفية من جهتي الخوف والإجلال والتعظيم لله تعالى والحياء منه. وقد سقت هذا الأثر لبيان فضل هذا الصحابي الورع، وقد كنا درسناه في أيام الدراسة، أما الآن فقد تركت الآثار والقواعد العلمية التي تفتح الفكر للنقاش والحوار لفهم اللغة العربية، كما في ذلك رياضة للفكر وتدريب له على الكلام البليغ والفصيح لفطاحل علماء اللغة العربية، لغة كلام الله وكلام رسوله محمد ﷺ . هذا وتوفي صهيب ﵁ بالمدينة سنة ثمان وثلاثين في شوال، وقيل سنة تسع وثلاثين، وهو ابن ثلاث وسبعين سنة، وقيل ابن سبعين، ودفن بالمدينة، وكان أصهب شديد الصهوبة تشوبها حمرة، لذلك سمي صهيبا، وكان ليس بالطويل ولا بالقصير وهو إلى القصر أقرب، كثير شعر الرأس، ﵀ ورضي عنه.

стр. 180

- ٨ - خباب بن الأرت كان من المؤمنين الصادقين، والمسلمين الصابرين على البلاء والامتحان والعذاب الذي نزل عليه من أعداء الله، وخصوم الشرائع السماوية، وأنصار الشرك بالله، وعباد الأوثان، فهو من المستضعفين المعذبين في الله، لما خلعوا من رقابهم قيد العبودية لغير الله، وكان من نجباء الصحابة السابقين، فهو خباب بن الأرت - بتشديد التام - بن جندبة، واختلف في نسبه، فقيل أنه تميمي وقيل هو خزاعي، والذي صححه النسابون أنه تميمي النسب، لحقه سباء - أسر - في الجاهلية، حيث كان العرب يسبي بعضهم بعضا، فاشترته امرأة تسمى ((أم أنمار)) بنت سباع (الخزاعية) من خزاعة وأعتقته، فهو من السابقين إلى الإسلام، وروي أنه كان سادس ستة، وكان قينا (حدادا)) يعمل السيوف في الجاهلية، ويكنى أبا عبد الله، وقيل أبا يحيى، وقيل أبا محمد، وكان قديم الإسلام كما مر، وكان من المستضعفين، لأنه أسلم في الأوائل وهؤلاء كانوا ضعفاء، لا قوة لهم تحميهم وتقف أمام جبروت مشركي قريش، فلا غرابة إذا أصابه ما أصاب إخوانه، السابقين
следующие страницы →