Полный текст (253 стр.). Показаны 246–253 · переход к 251.
стр. 246
وطنها وتعلي رأسه بين الأوطان، والعكس بالعكس أما أراذل النفوس فإنهم يبعدون عن الحكم والسياسة والرئاسة، لما في نفوسهم من النقص والخسة والرذيلة، وهذا مجرب صحيح كما يقول أهل الطب، وقديما قال الشاعر العربي:
لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم...ولا سراة إذا جهالهم سادوا
وقال آخر:
إذا كان الغراب دليل قوم ... يمر بهم على جيف الكلاب
وللمناصب والولايات في الشريعة الإسلامية موازين ومقاييس، وقد أوصى رسول الله ﷺ أمته العاملة بشرع الله أن ترعاها وتطبقها إذا أرادت الخير والمنفعة للدين والوطن، ومنها قوله ﷺ : (من استعمل رجلا من عصابة، وفيهم من هو أرضى لله منه، فقد خان الله ورسوله والمؤمنين). أخرجه الإمام أحمد والحاكم، وقال ﵊: م (من ولي أمر المسلمين شيئا فأمر عليهم أحدا محاباة، فعليه لعنة الله، لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا) واختلف في معنى الصرف والعدل، فقيل الصرف التطوع، والعدل الفرض، وقيل الصرف التوبة، والعدل الفدية، وقيل غير هذا، وعلى كل حال فهو تهديد لمن لا يعدل في ولايته أو توليته لموظفي مصالح المسلمين، وقال أيضا عليه الصلاة والسلام
стр. 247
(إذا أراد الله بالأمير خيرا جعل له وزير صدق إن نسي ذكر، وإن ذكر أعانه، وإذا أراد به غير ذلك جعل له وزير سوء إن نسي لم يذكره وإن ذكر لم يعنه). أخرجه أبو داود والبيهقي في شعب الإيمان عن عائشة ﵂، ولما أهمل هذا الاعتبار الإسلامي في اختيار الموظفين للمناصب ساء الحال، وتدهورت الأوضاع و ((ظهر الفساد في البر والبحر بما كسب أيدي الناس)).
نعود إلى موضوعنا السابق في حق أولئك الضعفاء من الصحابة، وهم: صهيب، وخباب، وبلال، وعمار، وسلمان وفضائلهم، كثيرة، وغيرهم من الصحابة أيضا، وقد عاتب الله نبيه فيهم في آيات من القرآن كقوله: ((وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع لعلهم يتقون)) إلى قوله تعالى: ((والله أعلم بالظالمين)) الآيات من ٥١ إلى ٥٨ من سورة الأنعام، وقد سبق بعضها.
وذكر ابن عبد البر في كتابه ((الاستيعاب) في ترجمة صهيب قال: إن أبا سفيان مر على سلمان وصهيب، وبلال، وغيرهم من ضعفاء الصحابة - وكانوا قعودا - فقالوا ما أخذت السيوف من عنق عدو الله - كان هذا قبل أن يسلم - مأخذها، فقال لهم أبو بكر أتقولون هذا لشيخ قريش وسيدها؟ ثم أتى النبي ﷺ وأخبره بالذي قالوا، فقال له النبي
стр. 248
صلى الله عليه وسلم: (يا أبا بكر لعلك أغضبتهم؟ والذي نفسي بيده لئن كنت أغضبتهم؛ لقد أغضبت ربك). فرجع إليهم أبو بكر فقال لهم: يا إخوتي لعلي أغضبتكم؟ فقالوا له: يا أبا بكر يغفر الله لك.
وبالجملة ففضائل الصحابة كثيرة، فلهم فضل السبق إلى إجابة دعوة رسول الله ﷺ ، فبذلوا دماءهم وأموالهم في سبيل الله، وفي محاربة الباطل الذي تجسم في الشرك والإلحاد، في حين أعرض عنه وعنها ذوو القوة والبطش من صناديد قريش وأعيانها، وهذه حقيقة قديمة، فالضعفاء هم أنصار الرسل والدين في كل زمان ومكان، والقرآن ذكر لنا ما قاله قوم نوح - مثلا - لنوح ﵇، فقد أرادوا أن يعيبوا عليه دعوته وينقصوا من قيمتها - في نظرهم - ويحتقروها بقياسهم قيمتها بقيمة أتباعها والمؤمنين بها والمعتنقين لها، حين قالوا له: (وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي)) أما المدركون للحقائق التاريخية والمتتبعون لما جرى من الأحداث في الزمن الماضي، فإنهم عرفوا أن بعض الضعفاء هم أنصار الحق - دائما - كما عرفوا صدق رسالة محمد ﵊، بأتباعه، من مثال ((ورقة)) بن نوفل وهرقل ملك الروم، والنجاشي ملك الحبشة وغيرهم، فقد ذكر التاريخ أن ((هرقل) اغتنم فرصة وجود ركب تجاري في الشام من العرب، فيهم أبو سفيان بن حرب، جاؤوا للتجارة، فبعث إليهم واستدعاهم إليه، وسألهم عن
стр. 249
الرسول الجديد الذي ظهر فيهم، ذلك حيث سأل هرقل كبير قريش أبا سفيان بن حرب عن أتباع محمد ﷺ ليدرك من خلال هذا حقيقة هذا الرسول وهل هو صادق في دعواه أو هو كاذب، فأجابه أبو سفيان - وهو يدس في جوابه انتقاصا - في زعمه - في حق الرسول ﷺ فقال هرقل لأبي سفيان: فأشراف الناس يتبعونه أم ضعناؤهم؟ فقال بل ضعفاؤهم، ففهم هرقل الحقيقة من جوابه فقال لأبي سفيان: هم أتباع الرسل، فظهرت الحقيقة من فيه من غير أن يشعر، ذلك لأن رسول الله ﷺ كان غالب من اتبعه في أول بعثته من ضعفاء الناس من الرجال والنساء والعبيد والإماء والفقراء، ولم يتبعه من الأشراف إلا القليل، مثل أبي بكر ﵃ أجمعين، فهذه حقيقة تاريخية قديمة بقدم الزمان والرسالات، لا تتغير، وهذا مبني على أن ذوي العقائد الصحيحة المبنية على الإيمان الصحيح تلفيهم لا يترفعون عن الحق حيث يعرفون أنه حق، ويذعنون إليه بدون مكابرة ولا عناد، لأن نفوسهم مستعدة إلى تصديقه واتباعه والعمل به، وبما جاء به والانقياد إلى ما يأمرهم به، وبهم انتصر الحق على الباطل في كل زمان ومكان، ويصعب عليهم التحول عما آمنوا به، وما سبق من مواقف ضعفاء الصحابة شاهد على هذا، فهم بالرغم من العذاب الشديد والأهوال المضنية ومحاولات كفار قريش لهم على تركهم عقيدتهم ودينهم،
стр. 250
كل ذلك لم يزحزحهم عنها، وبهم انتشر الإسلام وعم نوره الآفاق، فكل الوسائل التي اتخذها كفار قريش ضدهم رجعوا بها خاسرين، فلم يغرهم مال، ولم يصدهم عن دينهم وعقيدتهم تهديد، ولم تشرئب أعناقهم إلى بريق المناصب والوظائف، ولا إلى غرض آخر من الأغراض، ولا إلى أي حظ من حظوظ النفس الرخيصة، بل همهم الوحيد نشر الدين وحماية العقيدة عن أعدائها الكثيرين، ﵏ ورضي عنهم ورزقنا القدوة بهم، لنكون مؤمنين حقا كما يجب علينا أن نكون.
إلى هنا أقف عن السير في خط هذه الفصول التي حررتها لتكون لنا ولإخواننا - وبالأخص - ولشبابنا ذلك الشباب الناهض الواعي لواجباته الدينية والوطنية مثالا صالحا للسير على نهجه القويم لا لذلك الشباب المذبذب الذي لم يعرف في سلوكه واجباته فراح يتحول من مبدأ إلى مبدأ، كالكورة بين أرجل اللاعبين بها أقدمها للشباب الصالح لحمل المسؤولية ولتكون له مثالا يصلح للسير على هداه، فتنبههم إلى مواقف ثابتة صلبة، وقفها سلفهم في وجه المشركين والظالمين والطغاة، فلم يلينوا فيها ولم يهنوا في مقاومة الشرك ولم يضعفوا فأعلنوها كلمة صريحة مدوية، إنهم أتباع الحق وأنصار التوحيد، وإن كانوا تألموا في أبشارهم من عذاب المشركين وهمجيتهم، فإنهم لم يتألموا في ضمائرهم ونفوسهم وقد قال لهم خالقهم: (إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون وكان
стр. 251
الله عليما حكيما). الآية ١٠٤ من سورة النساء، تلك الضمائر والنفوس التي سقاها الخالق العليم من ينبوع الإيمان الصافي من كل الأكدار، فأحياها بعد ما أماتها قحط الشرك والضلال، فنقلها من عالم الموتى وأصناف الجمادات، إلى عالم الكائنات الحية والمفكرة في مصيرها المنتظر، فنزل غيث الإيمان عليها فطهرها من أوساخ وأقذار طال بها الأمد عليها، وهي تعلو أجسام البشرية، فنسيت، بها هذه البشرية المصدر الحقيقي لوجودها وحياتها ودوامها، وتشبثت بخيوط الأوهام التي هي أو هي من نسيج العنكبوت، لا تغنيها عن حبل الله المتين شيئا، فذلك الذي لاح لها من قبل سراب خادع، وأمل ضائع، غير الكثيرين ممن لم يعتصموا بحبل الله المتين، إذ لابد للإنسان من البحث عن الحقيقة ليتبعها، تلك الحقيقة التي فيها نجاة الإنسان المفكر، مخافة أن يتعثر في سلوكه للدروب الجبلية الصعبة وكثيرة التعاريج المملوءة بالأشواك التي تعطل السائر فيها عن بلوغ المرام، فإن تلك الدروب كثيرا ما أضلت سالكيها وألقت بهم في الهاوية وما أدراك ما الهاوية، فقد أدرك الله بالإيمان والهداية إليه نفوسا سبق في علمه أنها مهيأة للإيمان به وبوجوده، وبأنه المصدر الوحيد لكل موجود، تجلت فيه عظمة الخالق وقدرته وإرادته فصدقت به إلها واحدا لا شريك له، فهو رب كل شيء، سبحانه ما أبدع صنعه، وما أجل وأعظم قدرته وما أوسع علمه، وحلمه وعفوه، لم يعجل بعقاب
стр. 252
الجاحدين له والمنكرين لربوبيته، فأرسل رسله لخلقه لينبهوهم إلى أنه: لا إله إلا هو، فمن صدق به فله الرضا والجزاء الأوفى، ومن أنكر وكفر فعليه الغضب والعقاب والبوار، وسوء المنقلب والمصير، فكان منقلبه إلى نار السعير، ((ولا يظلم ربك أحدا)) وأنزل على خاتم رسله وأمره بأن يقول لعباده: ((وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر)) وقال: ((ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه وهو على كل شيء وكيل لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير، قد جاءكم بصائر من ربكم فمن أبصر فلنفسه وم عمي فعليها وما أنا عليكم بحفيظ)). سورة الأنعام، الآيات ١٠٢ - ١٠٣ - ١٠٤.
وقال ﵊: (اللهم إنك لست بإله استحدثناه، ولا برب ابتدعناه، ولا كان لنا قبلك من إله نلجأ إليه ونذرك، ولا أعانك على خلقنا أحد فنشركه فيك، تباركت وتعاليت).
ومما ورد في دعائه ﵊ قوله (اللهم إني أعوذ بك من خليل ماكر، عيناه ترياني، وقلبه يرعاني، إن رآى حسنة دفنها، وإن رآى سيئة أذاعها).
اللهم عفوك نرجو ورحمتك نبتغي، فلا تخيب رجاءنا فيك، ومبتغانا إليك، اللهم اغفر لنا وارحمنا برحمتك التي وسعت كل شيء، اللهم ارحم آباءنا ومن سبقنا
стр. 253
بالإيمان، وارحم جميع المؤمنين والمؤمنات، وتب على العصاة من هذه الأمة، اللهم واهد برحمتك وعفوك الضالين، وصل اللهم وسلم وبارك على روح سيدنا محمد رسولنا وإمامنا من أنقذتنا به من نار الجحيم - إن شام الله - اللهم واجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم لقائك يا رب العالمين، وسلام على المرسلين، ورضاك عن أنصارهم إلى يوم الدين، والحمد لله رب العالمين.
وكان الفراغ من تحريره ضحوة يوم الأحد ثاني أولى الجمادين، من عام واحد وأربعمائة وألف من هجرة خير المهاجرين، وأفضل الخلق أجمعين، الموافق للثامن من شهر مارس - آذار - سنة إحدى وثمانين وتسعمائة وألف ميلادية، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.