← Сира

Сира · id 115132

في سبيل العقيدة الإسلامية

عبد اللطيف سلطاني

Полный текст (253 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

أسرع الإسلام وتشريعه الرباني إلى فك رقبته من قيود العبودية، من أجل هذا شرع الإسلام تحرير الرقبة في الكفارات وفى غيرها من سبل البر والخير، والإحسان إلى الناس، وخاصة الضعفاء منهم والحرية مطلب مهم في التشريع الإسلامي وقد ذكرت هذه الآية وجها من ذلك، في قوله تعالى: ((قلا اقتحم العقبة وما أدراك ما العقبة فك رقبة أو إطعام في يوم ذي مسبغة يتيما ذا مقربة أو مسكينا ذا متربة ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة أولئك أصحاب الميمنة)) (١) لذلك قال رسول الله ﷺ لسلمان: (كاتب يا سلمان عن نفسك). فالقرآن يحض المسلمين ويحثهم على ما فيه الخير لبني الإنسان كلهم في هذه الآيات الثمانية، على فك الرقبة - تحريرها - من قيد العبودية، إلى ميدان الحرية، أو إطعام البطون الجائعة في أيام المجاعة المهلكة - وهي المسغبة - لليتامى والمساكين، ويزيد على ما ذكر إيمان وتصديق بالله وبرسوله وبكل ما جاء من لدن رب العالين، مع رحمة وعطف على النفس وعلى عباد الله أجمعين، ملأت القلب وصيرته زينة للنفس، إذ بدونها لا يساوي قلامة ظفر. فبهذه المذكورات هنا وبغيرها من خصال الخير من كل ما جاء في الشرع الإسلامي، يمكن اقتحام عقبة يوم

стр. 212

القيامة، ولا عقبة هنا، وإنما المراد بها الشدائد يوم القيامة والحساب الذي سيحاسبه العباد، وهو أمر شديد يشبه صعود العقبة الصعبة الصعود، وهي عقبة شديدة الاقتحام لا يعرف الإنسان حقيقتها، ويكفيه دلالة على شدة يوم القيامة وما يقع فيه من الأهوال أن الله عبر عنه هنا باقتحام العقبة لما فيمه من الشدائد والأهوال على ضعفاء الإيمان أو عادميه، فقد ذكر أهوال يوم القيامة الشديد بلفظ العقبة، لأن صعود العقبة شاق ومتعب لا يستطيعه إلا أقوياء الأبدان - وهو هنا الإيمان - الأشداء فيه، فكذلك الحساب يوم القيامة وهو آت لا ريب فيه، سواء آمن به بعض البشر أو جحدوه، وهو يوم الوقوف بين يدي الرب الواحد القهار المعبود بحق، في ذلك اليوم المشهود، وتلك العقبة الكؤود الشاقة والصعبة الصعود، فلا يستطيع تخطي هذه العقبة إلا الصالحون والصادقون. نعود إلى سرد قصة صاحب رسول الله ﷺ ((سلمان)) الفارسي حيث استقر به المقام بالمدينة المنورة بعد أن حظي بمراده، وبلغ مناه، بعد تلك الرحلة الطويلة التي قطع فيها ((سلمان)) مئات الأميال لينال ما جاء من أجله، وهو جائزة سنية للحياة الحقة، وذلك في اعتناقه للإسلام ومشاهدته وصحبته لرسول الله ﷺ ، وأي مكسب خير من هذين المكسبين العظيمين، غير أن حظه هذا لم يكن سهلا ميسورا، فقد كلفه ذلك ما كلفه من أتعاب وأوصاب،

стр. 213

فقد فقد - زيادة عما ذكر - حريته الشخصية من أجل ذلك، إلى أن أعادها إليه الإسلام، ولم يخف الله فيه من صحبه من وطنه ذلك إلى أرض العرب، فاسترقه واستعبده، وهو حر ابن أحرار على ما كان سائدا في ذلك الزمان المظلم بظلام الجاهلية الأولى، وباعه من التجأ إليه في مسيرته تلك لليهود أعداء الله والحرية وعباد المادة والمال، وهم أشرار خلق الله، وتاريخ الإنسانية عامر بمآسيهم المحزنة، ومآمراتهم الخسيسة، وفسادهم في الأرض، قلنا أن رسول الله ﷺ أمر سلمان بتحرير رقبته - بالمكاتبة - ونزع قيد الذل والعبودية عنه، فقال له الحبيب محب الحرية والتحرر كما أخبر سلمان نفسه، قال ناداني رسول الله ﷺ وقال لي: (كاتب يا سلمان عن نفسك). قال سلمان: فلم أزل بصاحبي - يعني مالكه اليهودي - أسأله وأطلب منه المكاتبة، حتى كاتبني على أن أغرس له ثلاثمائة وقيل خمسمائة (ودية) - صغار النخل - - فسيلة - وهي الجبارة أو الزمرة كما يسميها عندنا في الجزائر أهل غراسة النخيل لا زراعة النخيل فالنخيل تغرس ولا تزرع، مضافا إلى الثلاثمائة ((ودية)) أربعين أوقية من الذهب، على هذا المبلغ من الذهب والغراسة المذكورة تم الاتفاق بين سلمان ومالكه اليهودي، وهو مبلغ باهظ يطلب من رجل فقير لا مال عنده، وغريب عن هذه الديار ولا أهل له يعينونه على أداء ما أبرم بينه وبين اليهودي وهو من جنس الذين

стр. 214

لا يرحمون سواهم، ولكنه ثمن ((الحرية)) والحرية يبذل فيها كل ما يمكن بذله من جهد ومال وأنفس ثلاثمائة - فسيلة - وأربعون أوقية ذهبا، ثمن كثير وأخبر سلمان رسول الله ﷺ بما تم الاتفاق عليه مع اليهودي الجشع، قال سلمان: فقال رسول الله ﷺ لأصحابه رضوان الله عنهم أجمعين (أعينوا أخاكم) قال سلمان: فأعانوني بالخمس والعشر نخلات صغيرة، حتى اجتمع عدد الثلاثمائة بفضل هذا التعاون من الصحابة وبفضل أمر رسول الله ﷺ لهم بمديد المعونة لأخيهم سلمان على فك رقبته وقيده من ذل العبودية قال سلمان: فقال لي الرسول ﷺ : (اذهب يا سلمان ففقر - احفر - لها، ولا تضع منها شيئا حتى أضعه أنا بيدي) فقال سلمان: ففعلت ما أمرني به رسول الله ﷺ ، فأعانني أصحابي على الحفر حتى فرغت، فأتيته، فكنت آتيه بالنخلة فيضعها ويسوي عليها ترابا، فانصرف - والذي بعثه بالحق - فما ماتت منها واحدة، وبقي الذهب، فبينما هو قاعد إذ أتاه رجل من أصحابه بمثل بيضة الدجاجة من ذهب أصابه من بعض المعادن، وقيل من بعض الغزوات فقال (دع لي سلمان المسكين الفارسي المكاتب، فلما جئته قال: أد هذه) فقات: يا رسول الله وأين تقع هذه مما علي، قال (خذها فإن الله سيؤدي بها عنك).

стр. 215

قال سلمان فأخذتها فوزنت لهم منها - والذي نفس سلمان بيده - أربعين أوقية، فأوفيتهم حقهم منها. وبهذا التعاون الإسلامي تم عتق رقبة سلمان الفارسي، وخرج للدنيا حرا طليقا حرا مثل عباد الله الأحرار، وكما رأينا، فقد شارك في تحرير سلمان ثلة من الصحابة بالتعاون، وأمامهم إمامهم الرسول العظيم ﷺ ، فقد بذل لسلمان ما أعانه على الوفاء بما التزم به لمالكه اليهودي، أعانه بعرق جبينه الشريف، حيث كان يغرس له بيده الطاهرة كل (ودية جبارة) فصلحت كلها، ولم تيبس منها واحدة هكذا كان ويكون التعاون بين المسلمين، لا فرق بينهم في المعاملة الحسنة، كلهم يتعاونون على فعل الخير وليس هناك مثال - وكم له من أمثال - أدل على هذا التعاون من مشاركة خير الخلق أجمعين في عمل شاق فيه تحرير رقبة ((عبد)) من فارس، ذلك أن الإسلام يعتبر المسلمين كلهم إخوة، بلا فرق في العرق والجنس، ليت المسلمين رجعوا إلى تشريع شريعتهم وألغوا ما استوردوه من فضلة قوانين وضعية وضعها الكفرة بالله، زرعت بينهم الحسد عن التعاون والبغضاء والأنانية وحب الذات، وهذه كلها أمراض تصيب المجتمع فتعوقه وتقتل فيه روح التعاون، ليتهم يفعلون هذا فيسعدوا وينفعوا بحياتهم هذه، فقد كفاهم ما هم فيه من التفرق والتدابر والتناحر والتخاذل الشنيع وهذه الأمراض الاجتماعية نتيجة لتلك الأمراض،

стр. 216

ولكنهم ابتعدوا - كثيرا - عما هم طالبون به، والله الموفق للخير والهداية، فعتق سلمان بهذا التعاون وخرج من الرق حرا يتمتع بحياته، كما يتمتع بها الأحرار، يعبد ربه كما يشاء ويريد، ويتبع رسول الله كما يحب أن يتبعه من غير أن يمنعه مانع، ويزوره كما يشاء بلا خوف ولا اختفاء عن أعين الرقباء، هذه هي الحرية التي دعا إليها الإسلام، وطبقها في أيام حكم القرآن، لا حرية الكفر والفجور والفسوق والعصيان والإلحاد، التي يتبجح ويفتخر بها بعض الحكام الذين ابتليت بهم الشعوب الإسلامية، فقد قهروا المسلمين بظلمهم وطغيانهم باسم الحرية، وفتحوا الباب على مصراعيه لمن لا دين له ولا ذمة يرعى حقوقها، فعاثوا في الأرض فسادا، وزرعوا في شعوبهم بذور الشرور والتفرقة والبغضاء بين أبناء الوطن الواحد، ومنعوا حرية الرأي والقول والتعبير، فلا يسمح لأحد أن يتكلم أو يكتب أو ينشر على الناس إلا ما وافق أغراضهم وأهواءهم وما فيه مصالحهم الخاصة بهم ولو كان في ذلك هلاك الوطن والأمة معا، في حين تركوا الملحدين وذوي الأخلاق السيئة يقولون ما يريدون أن يقولوه، وينشرون على الناس ما ظهر لهم أن ينشروه، والويل لمن كتب في الإسلام، أو تعرض لفضائله وأحكامه، هذا ما رأيناه منتشرا في غالب الأوطان الإسلامية، بالقول وبالفعل، وهذه إحدى النكبات التي أصابت الشعوب الإسلامية بعد تحررها من الاستعمار الكافر بفضل الإسلام

стр. 217

فانقلب بعض حكامهم على الإسلام وصاروا له خصوما والبعض منهم تحول - بعد فوات الأوان - إلى مسلم شديد التمسك بالإسلام يدعو إليه ويعترف بفضله عن غيره من أنواع الحكم، بعد أن وصفه بـ ((البالي)) وسمى القائمين بالإسلام والداعين إليه والمدافعين عنه بالرجعيين! ولولا الإسلام لما وصل هؤلاء إلى ما وصلوا! فصار حالنا شبيها بحال من كان يعيش في القرون الوسطى المظلمة بظلام الجور والذل والقهر، وقد أغلقوا أبواب مقر حكمهم الحديدية في وجوه الظلومين، وبذلك أثبتوا أنهم لا يصلحون للحكم بين الناس، ونسوا موقفهم يوم القيامة - وهو آت لابد منه - بين يدي أحكم الحاكمين وسيحاسبهم على أعمالهم وهو أسرع الحاسبين، وصاروا لا يقبلون النصيحة من أي أحد كان، وإذا ضاعت الحقوق في الدنيا فإنها لا تضيع يوم القيامة، وتكملة روح التعاون التي كانت بين المسلمين أقول: قد روى أبو الطفيل عن سلمان الفارسي قال: أعانني رسول الله ﷺ ببيضة من ذهب، فلو وزنت بأحد - الجبل - لكانت أثقل منه. من هو المكاتب وما هي الكتابة ؟؟ الكتابة عقد يبرم ويتم بين السيد المالك وعبده المملوك له، فهي عقدة بيع وشراء واتفاق بينهما على

стр. 218

مبلغ من المال يدفعه العبد لسيده، فإذا دفعه له خرج من عنده حرا فلا تكون له سلطة عليه، وهذا نوع من أنواع العتق، فالعبد المملوك يشتري رقبته من سيده ومالكه، ليزيل عن نفسه عناء العبودية وذلها وشقاءها، يمنح السيد عبده فرصة للعمل خارج نطاق ملك سيده، فيعمل العبد بالأجرة ويأتيه بالقدر الذي يحصله منها ويدفعه له فإذا تم دفع المبلغ المتفق عليه بينهما حرر العبد نفسه بنفسه، كما فعل سلمان مع مالكه اليهودي، بإشارة من رسول الله ﷺ ، هكذا كان العمل جاريا في السابق من الزمان أيام كانت العبودية والعبيد، ومن تتبع التاريخ القديم أدرك مدى الغاية التي يرمي إليها الإسلام في تشريعه لهذه الأحكام، التي ترمي إلى الحرية والتحرر، سواء كان هذا بالمكتابة، أو بتحرير الرقاب، كما في الكفارات، أو بالعتق لله وفي سبيل الله، والكتابة المذكورة باب من أبواب الفقه الإسلامي. وقد رغب القرآن الكريم في الكتابة هذه وحث المسلمين عليها وطلب من المالكين تسهيلها وتيسيرها على عبيدهم، إذا علموا فيهم خيرا، كصلاح في الأقوال والأعمال، أو قدرة على كسب المال، أو ليتفرغوا لشؤونهم الخاصة، كزواج، وجهاد، وتعلم حرفة، إلى غير هذا مما يزيد في قوة المسلمين، فإذا طلبها العبيد من مالكيهم أعطوها لهم ومكنوهم منها، كما فعل مالك سلمان - اليهودي - وغيره من السادة

стр. 219

المالكين للعبيد، وهذا كان شائعا في العصور القديمة، وقد دعا إليها الله ﷻ ورغب فيما، فقال: ((والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا وآتوهم من مال الله الذي آتاكم)). سورة النور من الآية ٣٣. فالآية فيها ترغيب للمسلمين على منح الكتابة لعبيدهم وتسهيل ذلك عليهم، بل ما هو أكبر من ذلك، فقد أمر بإعانتهم بالمال على ذلك، سواء كان المال من مال السيد الخاص به، أو من مال الجماعة الإسلامية كمال الزكاة مثلا، وهذا حق لهم مقرر من الله وموجود في مصارف الزكاة الثمانية، إذ هذه الإعانة على التحرر إحدى الأوجه الثمانية، وهي في قوله تعالى: ((وفي الرقاب)) فتلخص من هذا أن العبد المملوك يشتري نفسه من سيده بمال يؤديه له حسب الاتفاق الذي يتم بينهما، ويكون بدفع ذلك المال حرا وسيدا لنفسه ولا سلطة لأحد من الناس عليه، وهذه هي الكتابة شرعا. هذا ما أراده الرسول ﷺ لصاحبه ((سلمان الفارسي)) حين طلب منه أن يكاتب مالكه اليهودي، وعلى هذا أعانه بالمال - الذهب - وغرس النخيل حتى فك رقبته من سيده اليهودي الذي اشتراه هو بالمال أيضا كما تقدم وهذا باب معتبر من أبواب الخير والإعانة عليه، كما هو باب من أبواب الفقه الإسلامي، له شروطه وأحكامه المقررة له.

стр. 220

ونلاحظ هنا: أن الرق - والعبودية بالمعنى القديم - قد زال من العالم الحاضر، لانعدام الجهاد الشرعي فقد خلفه رق من أنواع أخرى، وهو أخطر وأفظع وأشد على النفس البشرية من الرق القديم، والمعروف أن ذلك هو رق الأفكار والعقول والمشاعر، فقد استولى عليها رق الإلحاد الذي نشر سلطانه على ضعفاء العقيدة ووجد الوسائل الكفيلة ببلوغه إلى مراده ومنه اسرقاق الحكومات القوية - كأمريكا وروسيا - لبعض الشعوب وحكوماتها الضعيفة فجعلتها تابعة ومسخرة لها تسير في فلكها لا تملك لنفسها أمرا، ويضاف إلى ذلك نوع آخر كرق حب المال والشهوات، ومن المعروف أن الرق أو العبودية لا يوجم إلا في أوساط الضعفاء، فيتسلط عليهم بقوته، غير أن الضمير الإسلامي لازال يقظا - والحمد لله - فالإلحاد مثله مثل السارق الذي ينتهز فرصة غفلة رب البضاعة أو المتاع ليستحوذ عليها، ومن سوء طالعه التعيس أن تيقظ له هذا الضمير، فانتبه لما يريده٠ هذا اللص الخبيث، فصاح به مستعملا كلمة كنا نسمعها من بعض الصبيان وقت اللعب في صغرهم مع بعضهم البعض أو عن بعض الرجال من محترفي - السياسة - في أيام مجدهم السياسي وارتفاع صيتهم في غفلة من الزمان، فإذا أرادوا الرجوع إلى كسب ما فقدوه من مناصب كانوا عبثوا فيها وداسوا بها الكرامة والمبادئ، صاح بهم أبناء الشعب الذي سخروا منه أولا مرددين هذه الكلمة،

стр. 221

وهي قولهم لهم (فاقوا بكم) - ومعناها انتبه الناس لما تريدون - هذا ما يقوله المسلم - اليوم - لدعاة الإلحاد، والشهوات، وعبيد المال. إذن فليعن بعضنا البعض على التحرر من عبودية الشهوات، وعقائد الزيغ والضلال والإلحاد، إذ عبودية الرقاب قد انتهى زمنها، وذهب غير مأسوف عليه وخلفته عبودية الشهوات ورق المال اللذين صيرا الأحرار عبيدا. إن سلمان الفارسي قد شارك المسلمين في حياة النضال والجهاد من أجل العقيدة الصحيحة بعد أن نال حريته بكتابته، فقد اندمج في حياة الصحابة مع رسول الله ﷺ ، وشارك في كل الغزوات معهم بعد التحرر، ولم يفته من تلك الغزوات إلا غزوتا بدر وأحد وبعض المناوشات لأنه كان عبدا رقيقا مملوكا لسيده والمملوك لا جهاد عليه، وأول غزوة شارك فيها هي غزوة (الخندق) لأنه تحرر من الرق، ولم يتخلف عن مشهد من المشاهد بعدها، وسميت بغزوة الخندق لأن سلمان الفارسي هو الذي أشار على الرسول ﷺ بحفره إذ العرب كانت لا تعرفه فهو من تنظيمات الدول الحربية.

стр. 222

روايته للحديث روى سلمان عدة أحاديث عن الرسول ﷺ ، منها قوله ﵊، (لا يغتسل الرجل يوم الجمعة ويتطهر ما استطاع من طهر، ويدهن من دهنه، أو يمس من طيب بيته، ثم يخرج فلا يفرق بين اثنين، ثم يصلي ما كتب له، ثم ينصت إذا تكلم الإمام، إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى)، أخرجه الإمامان أحمد والبخاري، وروى عن سلمان ﵁ أنه قال: قال لي رسول الله ملى الله عليه وسلم: (هل تدري ما يوم الجمعة؟ قال: قلت الله ورسوله أعلم، قال: هو اليوم الذي جمع الله فيه أباكم أو أباك آدم ﵇، ما من عبد يتطهر يوم الجمعة، ولا يتكلم حتى يقضي الإمام صلاته إلا كان كفارة لما قبلها). وقد أحب الرسول ﷺ صاحبه سلمان، وشاهد ذلك الحب قوله ﵊ فيه: (سلمان منا أهل البيت)، فهذا وحد كاف في منزلته عنده، وروى أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الجنة لتشتاق إلى ثلاثة: علي، وعمار، وسلمان) وفي رواية أربعة بزيادة المقداد، أخرج الأول الترمذي والحاكم، وأخرج الثاني الطبراني، وأبو نعيم في الحلية.

стр. 223

وكان سلمان ﵁ من خيار الصحابة وزهادهم وفضلائهم ومن ذوى القرب من رسول الله ﷺ ، قالت عائشة ﵂، كان لسلمان مجلس من رسول الله ﷺ بالليل حتى كان يغلبنا على رسول الله، وسئل علي ﵁ عن سلمان فقال: (علم العلم الأول والعلم الآخر، وهو بحر لا ينزف، وهو منا أهل البيت). وقال الذهبي في (سير أعلام النبلاء): سئل علي عن سلمان فقال: (من لكم بمثل لقمان الحكيم؟ وقال فيه أيضا، أدرك العلم الأول والعلم الآخر، بحر لا يدرك قعره، وهو منا أهل البيت). مكانة سامية، ودرجة عالية في أسرة الرسول ﷺ يصل إليها سلمان، فهو رجل من الفرس غريب عن العرب، يلحقه الرسول العربي بأسرته وعشيرته (سلمان منا أهل البيت) ما ذاك إلا رابطة الدين التي تمحو فوارق العرق والوطن واللون وتثبت رابطة العقيدة التي قوت هذه الصلة الروحية التي شرعها الرسول الكريم بنفسه لأمته، وهذا لم يكن في غير الإسلام إلى يومنا هذا، ولن يكون أبدا وإلى أبد الآبدين - إن شاء الله - وهذا من فضل الله على الإنسانية كلها، والحمد لله رب العالمين، وقد أهملت هذه الرابطة الحكومات الإسلامية في وقتنا الحاضر، وجعلت مكانها التجنس بجنسية الدولة، لمن

стр. 224

أراد أن يكون مواطنا في تلك الدولة المسلمة، له حق الإقامة والعمل فيها، سبحان الله، ما هذا؟ فقد ألغيت جنسية العقيدة والشريعة الواحدة التي تجمع بين أبناء الملة الواحدة فوطتهم واحد أينما كانوا ووجدوا فوطنهم العقيدة الواحدة، وعوضت بقوانين من وضع البشر الحقير، وشتان بين ما شرعه الله وما شرعه البشر لأنفسهم من القوانين الوضعية، وهي أخوة العقيدة. أخوة الإسلام: ما بين سلمان الفارسي، وأبي الدرداء العربي: كان رسول الله ﷺ يؤاخي بين المهاجرين والأنصار، ومن بين من آخى بينهم سلمان الفارسي وأبو الدرداء العربي كما آخى بين المهاجرين والأنصار، سكن أبو الدرداء الشام، وسكن سلمان العراق، فكتب أبو الدرداء من الشام إلى أخيه سلمان المستقر بالعراق يقول له: أخي سلمان سلام عليك، أما بعد فإن الله رزقني بعدك مالا وولدا ونزلت الأرض المقدسة، فكتب إليه سلمان من العراق،> يقول: أخي أبا الدرداء سلام عليكم، أما بعد فإنك كتبت إلي أن الله رزقك مالا وولدا، فاعلم أن الخير ليس بكثرة المال والولد، ولكن الخير أن يكثر حلمك، وأن ينفعك علمك وكتبت إلي تقول: إنك نزلت الأرض المقدسة، وأن الأرض لا تعمل لأحد، فاعمل لكأنك ترى، واعدد نفسك من الموتى.

стр. 225

زهده في الدنيا: جاء في الأخبار أن حذيفة قال لسلمان: ألا نبني لك بيتا؟ قال له سلمان: لم؟ لتجعلني ملكا وتجعل لي دارا مثل بيتك الذي بالمدائن؟ قال: لا، ولكن نبني لك بيتا من قصب، ونسقفه بالبردى، إذا قمت كاد أن يصيب رأسك، وإذا نمت كاد أن يصيب طرفيك، قال: فكأنك كنت في نفسي. وكان عطاء سلمان - وهو ما يأخذه من بيت المال - خمسة آلاف، فإذا خرج عطاؤه فرقه في الفقراء والمساكين، وأكل من كسب يده، وكان يسف الخوص - أي ينسجه - ليجعل منه المكاتل وغيرها. وهو الذي أشار على الرسول ﷺ بحفر الخندق، حول المدينة المنورة حين تحزبت عليه الأحزاب وهم (كفار قريش، والمنافقون، واليهود) الذين أتوا لغزو المدينة سنة أر بع من الهجرة، وعمل فيه الرسول ﷺ بنفسه، بعد أن عمل بإشارة سلمان عليه بحفره، وقد شارك أصحابه في العمل، كما هو مذكور في محله، فكان الخندق واقيا للمدينة من زحف الأحزاب عليها، وبه سلمت من هجوم الأحزاب عليها بقواتهم الوافرة، وعددهم الضخم إذا قيس بقوة النبي ﷺ وأصحابه، وهي مكيدة حربية غير معروفة عند العرب في ذلك الزمان، فإلى سلمان يرجع فضل سلامة المدينة من فساد

стр. 226

اليهود والمنافقين والمشركين، فلم تقع حرب فيها، كما قال الله تعالى في سورة الأحزاب: ((وكفى الله المؤمنين القتال)) حيث رجع الأحزاب على أعقابهم خاسرين وخاسئين، إذ سلط الله عليهم ريحا قوية وشديدة أسقطت قدورهم من فوق أثافيها المنصوبة عليها، كما اقتلعت وأسقطت عليهم قوائم خيامهم التي كانت تحملها، وألقت الرمال والأتربة عليهم، وقد أفزعهم ما رأوه واقعا ونازلا بهم في لحظة قليلة، فأسرعوا بالعودة من حيث أتوا هاربين فارين، وهذا من نصر الله لرسوله ﷺ الداعي إلى الله وحده، فلا حرب فيها ولا قتال، وكان اتباع الرسول ﷺ لما أشار به سلمان عليه يحفر الخندق نجاحا له لم يكن متوقعا على الأحزاب وانتصارا باهرا لرسوله الكريم، فقد جاؤوا بنية الغزو والفساد للبلاد والعباد فكانت الخيبة والهزيمة من نصيبهم الذي غنموه وعادوا به إلى ديارهم، وهذا من صنع الله، لحماية دينه ووقاية رسوله من شر الغزاة المفسدين، ولما عمل رسول الله بإشارة سلمان (في حفر الخندق) ولما رآى فيها من أنها وسيلة من وسائل الحماية والوقاية للمسلمين، ادعى كل من الأنصار والمهاجرين نسبة سلمان إليهم، فقال الهاجرون: سلمان منا، وقال الأنصار: سلمان منا، فقال الرسول ﷺ : ((سلمان منا أهل البيت))، أخرجه الحاكم والطبراني عن عمرو ابن عوف.

стр. 227

رواة الحديث عنه: روى عنه الحديث كثير من الصحابة، منهم عبد الله ابن عباس، وأنس، وعقبة بن عامر، وأبو سعيد وغيرهم ﵃ أجمعين، عن سلمان قال: قال لي رسول الله ﷺ : (يا سلمان لا تبغضني فتفارق دينك، قال: قلت يا رسول الله وكيف أبغضك وبك هدانا الله؟ قال: تبغض العرب فتبغضني) أخرجه الإمام أحمد، والترمذي، والحاكم عن سلمان. فإلى بعض الجهال ممن يدعون الإسلام نسوق هذا الحديث. ثناء الرسول ﷺ عليه: فضل الله البعض من عباده على غيرهم بفضائل ظهرت في أعمالهم وسلوكهم، ومما سلف علمنا فضل سلمان الفارسي، الذي دفعه حبه للدين الصحيح والعقيدة السليمة وبحثه عن الحق إلى المخاطرة بحياته، وإلى المغامرات التي خاضها من أجل البلوغ إلى غايته التي قطع في سبيلها الفيافى والقفار، ولم يشأ أن ينعم بنعيم الحياة الدنيا مع أبيه الذي كان يحبه حبا عظيما وبين أهله وعشيرته التي كانت تجله وتقدره لما يقوم به من أعمال دين قومه وعقيدتهم ونارهم المعبودة، من دون الله رب العالمين، وهذا توفيق من الله لهذا الرجل الصالح

стр. 228

وتلك الغاية التي هام بها ومن أجلها، هي الوصول إلى الشرب من معين الدين الحق الذي دله عليه الراهب النصراني المسيحي، الذي لازمه مدة لأخذ الدين عنه، فاستجاب سلمان لنداء ضميره وما تصبو نفسه إليه، لذا - وحده - فارق أسرته التي نشأ بين أحضانها، وترك ذلك العطف والمحبة والحنان الذي كان يحبوه به أبوه، كما أخبر به هو نفسه، فارق ذلك كله بحثا عن الحقيقة، وقد ساقه الله إلى قوم فيهم المحسن والمسيء، حتى بيع على أنه عبد مملوك، والواقع أنه حر، إلى أن بلغ مراده، واستقر في - يثرب - مدينة الرسول قبل أن يهاجر إليها، فسبقه سلمان، وهذا من علامات السعادة التي أنعم الخالق بها على هذا المسلم والمؤمن الصادق الذي تعلق قلبه الرسول ﷺ حسبما وصفه له آخر من صحبه من رهبان النصارى، وعاش صحبة الرسول الكريم، وقد أحبه وقربه إليه وحباه من فضله وبره، وقديما قيل (لا يعرف الفضل إلا ذووه) وقيل أيضا في القديم: فألقت عصاها واستقر بها النوى...كما قر عينا بالإياب المسافر ومما جاء في الثناء عليه ما أخرجه الإمام الترمذي في جامعه عن أبي هريرة ﵁ قال: تلا رسول الله ﷺ هذه الآية يوما: ((وإن تتولوا

стр. 229

يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم سورة محمد ﷺ ، الآية ٣٨ قالوا: ومن يستبدل بنا؟ قال فضرب رسول الله ﷺ على منكب سلمان ثم قال: (هذا وقومه) قال الإمام الترمذي بعد أن ساق هذا الحديث: هذا حديث غريب، وفي إسناده مقال، وفي رواية فضرب على فخذ سلمان وقال: (هذا وأصحابه). وجاء في صحيح الإمام البخاري من كتاب التفسير عند الكلام على سورة الجمعة عن أبي هريرة ﵁ قال: كنا جلوسا عند النبي ﷺ فأنزلت عليه سورة الجمعة، وفيها قوله تعالى: ((وآخرين منهم لما يلحقوا بهم وهو العزيز الرحيم)). قال قلت من هم؟ يا رسول الله: فلم يراجعه حتى قالها ثلاثا، وفينا سلمان الفارسي، فوضع يده على سلمان ثم قال (لو كان الإيمان عند الثريا لناله رجال أو رجل من هؤلاء). وجاء في صحيح الإمام مسلم - ج ١٦ بشرح النووي - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (لو كان الدين عند الثريا لذهب إليه رجل من فارس، أو قال: من أبناء فارس حتى يتناوله) ومن طريق أخرى (كما تقدم عن الترمذي في جامعه) عند مسلم أيضا وفي نفس الجزء عن أبي هريرة أيضا قال: كنا جلوسا عند النبي صلى

стр. 230

الله عليه وسلم، إذ نزلت عليه سورة الجمعة، فلما قرأ ((وآخرين منهم لما يلحقوا بهم)). قال رجل من هؤلاء يا رسول الله؟ فلم يراجعه النبي ﷺ حتى سأل مرتين أو ثلاثا، قال: وفينا سلمان الفارسي، قال فوضع النبي ﷺ يده على سلمان ثم قال: (لو كان الإيمان عند الثريا لناله رجال من هؤلاء). بينت هذه الأحاديث الشريفة فضل سلمان الفارسي وفضل الشعب الذي ينتسب إليه، إنه شعب يحب الدين والإيمان، ويكثر من البحث والاستقصام للحقائق، ولا يكتفي بالقشور الفارغة دون اللب العامر بالفوائد والخيرات. قد عرفنا السبيل الذي سلكه سلمان الفارسي، وهو سبيل شاق وطويل، للوصول إلى حقيقة الدين الصحيح، والمصاعب التي كابدها واعترضت سبيله في رحلته الطويلة، فقد تنقل في حياته الدينية بين المجوسية - دين آبائه - والمسيحية التي فضلها أولا على المجوسية والتي عاشها سنوات بحثه عن الدين الحق، وتنقل من أجلها فيما بين الشام والعراق، إلى أن وصل إلى الغاية من تلك الرحلة الشاقة والطويلة في الزمان والمكان، وليس هذا بالأمر السهل على كل أحد، لو لم يكن له الصدق في الطلب، والعزم في السعي، والهمة العالية،

стр. 231

والرغبة الصادقة، لما بلغ مراده، ﵁ ورزقتا همة كهمته وعزما كعزمه، وإيمانا مثل إيمانه، إنه السميع المجيب، ولله در من قال (وهو علي بن أحمد النعيمي) في القديم من الزمان. إذا أظمأتك أكف اللئام ... كفتك القناعة شعبا وريا فكن رجلا رجله في الثرى ... وهامة همته في الثريا فإن إراقة ماء الحيا ... ة دون إراقة ماء المحيا فقد حفظ التاريخ بض الرجال من الشعب الفارس خصائص قل أن وجدت في غرهم عن قديم الزمان سواء في ميدان العلوم أو الحضارة، وهو الشعب الذي لا يقل عن بقية الشعوب الإسلامية تمسكا بدينه وعقيدته بل ربما فاق البعض منها في بعض المواقف، وألاحظ هنا: (بأنني عربي مسلم، ولست شعوبيا، فلا يظنن ظان غير هذا فيهلك مع الهالكين) وفي هذا التاريخ المحفوظ أسماء لامعة لبعض العلماء العظماء، سواء في اللغة العربية، أو في التفسير وعلوم القرآن، أو في علوم الحديث، أو في العلوم العقلية، وقد شاركوا بمجهوداتهم الفكرية في الثقافة الإسلامية، فلا ينكر فضلهم إلا الحسود والجهول، ومن هنا تظهر خصائص الدين الإسلامي الحنيف، البعيد عن سوس السياسة المتحيزة ووسواسها الخناس وشيطانها المريد، إذ لا طائفية ولا عنصرية في الإسلام، فكل المسلمين إخوة، أبناء دين واحد وعقيدة واحدة، ولا عبرة فيه لتباين

стр. 232

لغاتهم ولهجاتهم، وهذه هي الأخوة الإسلامية التي تقاوم نزعات شياطين الإنس والجن، فتدفعها بعيدا عن الساحة الإسلامية الطاهرة حتى لا تفسدها، فيجب على المسلمين الصادقين أن يرعوا هذه الأخوة - دائما - وليحذروا تسرب تلك النزغات والنزعات الشيطانية إلى صفوف البعض ممن يدعون الإسلام، فإنها تفسد ما بين الإخوة، وتفرق الجماعة المجتمعة، وتوهن القوى، ومن أجل هذه الآثار السيئة التي تتركها تلك العصبية الجاهلية في الجماعة الإسلامية حاربها الإسلام ونبيه كما هو معلوم لمن درسه بتجرد عنها، من ذلك ما قاله الرسول ﷺ (في غزوة المريسيع) عند ما سمع الأنصاري يستنجد بالأنصار، والمهاجر يستغيث بالمهاجرين قال: (ما بال دعوى الجاهلية؟ دعوها فإنها منتنة)، فالاستنصار بالعصبية القبلية والطائفية خبيثة العنصر والمادة، تؤول بالجماعة الواحدة إلى الفرقة والعداوة، فرائحتها خبيثة، وما تتركه في الأمة شر كبير، لا يميل إليها، ولا يرضى بها إلا الأشرار والمفسدون، الذين سيؤول أمرهم إلى تفريق الجماعة، إذا عملوا بها واستجابوا لشيطانها لأنها من دعوى الجاهلية التي نهى عنها المسلمون بعد أن دخلوا في الإسلام، وقد وجد فيها أعداء الإسلام وسيلة فعالة لتفريق الأمة الإسلامية بطوائفها المتعددة، فالمغرور والجاهل بالعواقب من استجاب لهم وعمل بقولهم، ذلك أن عواقبها تؤدي إلى الفرقة والتشتت، ثم إلى الضعف

стр. 233

والوهن - وهذا ما يريده أعداء الإسلام - كما جاء في حديث ((الحارث الأشعري)) ﵁ الذي أخرجه الإمام أحمد في مسنده والترمذي في جامعه عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الله أمر يحيى بن زكرياء بخمس كلمات إلى آخر ما جاء في نصفه الأول، وجاء في نصفه الأخير قوله ﵊؛ وأنا آمركم بخمس الله أمرني بهن: السمع، والطاعة، والجهاد، والهجرة، والجماعة، فإنه من فارق الجماعة قيد شبر، فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه إلا أن يرجع، ومن ادعى دعوى الجاهلية فإنه من جثا جهنم، فقال رجل يا رسول الله: وإن صلى وصام؟ قال: وإن صلى وصام - وزعم أنه مسلم - فادعوا بدعوى الله الذي سماكم المسلمين المؤمنين، عباد الله). (صحيح الترمذي ج ١٠)، وقال الترمذي، هذا حديث حسن صحيح غريب. وذكر الإمام ابن قيم الجوزية في كتابه ((الوابل الصيب)) بعد أن ساق الحديث بطوله قال: فذكر ﷺ في هذا الحديث العظيم الشأن - الذي ينبغي لكل مسلم حفظه وتعقله - ما ينجي من الشيطان وما يحصل للعبد به الفوز والنجاة في دنياه وأخراه) انتهى كلام ابن القيم. إن الهدف الذي يرمي إليه الإسلام ويدعو المسلمين إليه - وهو المعتبر في حياة الأفراد والجماعات - إنما هو العقيدة، والتدين والصلاح والاستقامة، ونقاوة السريرة، من غير نظر واعتبار إلى النسب علا وارتفع،

стр. 234

أو نزل وتدلى، ومن هذا المنطلق والاعتبار ما ذكره الإمام الذهبي في (سير أعلام النبلاء) عن معمر عن قتادة قال: كان بين سعد بن أبي وقاص وبين سلمان شيء، فقال له سعد: انتسب يا سلمان (يريد اذكر نسبك) - وفي طلب سعد هذا لمزة - فقال سلمان ما أعرف لي أبا في الإسلام، ولكن (سلمان ابن الإسلام) فلله در سلمان في هذا الجواب، فقد قال المسلم القديم قبله مفتخرا بإسلامه، تاركا لمن يفخر بالعظام البالية النخرة وإلى من يجري وراءها في ميدانهم ما أرادوه أبي الإسلام لا أب لي سواه ... إذا افتخروا بقيس أو تميم فبلغ ما قاله سعد لأخيه سلمان إلى أمير المؤمنين عمر ابن الخطاب، فلقي عمر سعدا ذات يوم، فقال له عمر انتسب يا سعد، فقال سعد لعمر، أنشدك بالله يا أمير المؤمنين (قال وكأنه عرف ما أراده عمر من انتسابه) فأبى عمر أن يدعه، حتى انتسب، تم قال له عمر، لقد علمت قريش أن الخطاب كان أعزهم في الجاهلية، وأنا عمر ابن الإسلام، أخو سلمان ابن الإسلام، ثم قال له عمر، أما والله لولا شيء لعاقبتك. فما أعدل الإسلام وما أطيبه، وما أعدل عمر في حرصه على سلامة الإسلام واطمئنان الغرباء عن العرق العربي إلى نسبتهم إليه فلا عيب عليهم، ولا حيف ولا ظلم يلحقهم إذا كانوا خارجين عن النسب العربي، فهم والعرب سواء

стр. 235

في النسبة إليه، لأن الإسلام دين الله إلى كل البشر، لا إلى العرب وحدهم، وكذلك محمد ﷺ بعثه الله إلى الناس كافة بشيرا ونذيرا، فلا يفتخروا بهما - الإسلام ومحمد - عن غيرهم، فهما لمن اتبعهما وعمل بما جاءا به، وقد غرس عمر حب الإسلام في القلوب الحية، ثم أوضح لسعد ما يفيده بأن الافتخار بالأجداد المشركين لا يكسب المسلم العز والفخر، بل الهوان والمذلة، ثم قال له: أوما علمت أن رجلا انتمى إلى تسعة آباء في الجاهلية فكان عاشرهم في النار؟ فعمر ﵁ يشير بقوله هذا إلى الحديث الذي أخرجه الإمام أحمد في مسنده - وانفرد به - عن أبي ريحانة، أن رسول الله ﷺ قال: (من انتسب إلى تسعة آباء كفار يريد بهم عزا وكرما فهو عاشرهم في النار)). أو كان - عاشرهم في النار - كما جاء في بعض طرق الحديث. بهذه الروح الإسلامية النقية التي لا تحب الفخر بالآباء المشركين، ظهرت الأخوة الإسلامية بأجلى مظاهرها ولا ترضى بذلك الانتساب المشين، والافتخار المهين - أن يتسرب ويتنلغل في صفوف أبناء الدين الواحد والأمة الواحدة، إذ ما يرمي إليه عمر هو ما دعا إليه الإسلام، وحث عليه الرسول ﷺ فأمير المؤمنين عمر أراد للمسلمين أن يتحلوا بحلية الأخوة الإسلامية البعيدة عن الفخر والإعجاب بالأنساب

стр. 236

الجاهلية، فهم إخوة في الإسلام متساوون في كل شيء لا فرق بين عربي وعجمي إلا بقدر طاعة الله , والعمل بالإسلام وللإسلام، ومن غير اللائق بهم أن يتطاول منهم أحد على أخيه، بنسبه أو بعرقه، لأن هذا من شأن الجاهلية المشركة الأولى ومن أعمالها، فهو موقف صلب هذا الذي وقفه عمر مع قائد من قواد المسلمين - وهو من الصحابة أيضا - المشهورين بالشدة في الحروب، (سعد بن أبي وقاص) من غير أن يجامله - كما نفعل نحن - على حساب الدين والمبادئ، أو بغض الطرف عنه لأنه من حزبه، أو كان تحت إمرته وقيادته، فما أحسنك يا تربية الإسلام. فسعد بن أبي وقاص أراد أن يفتخر بنسبه العربي الجاهلي على سلمان الفارسي، فرده عمر إلى الصواب، وإلى ما يجب أن يكون عليه مع رجل هو آخوه في الدين والعقيدة جاء من وطن بعيد في رحلة طويلة وشاقة، استغرقت مدة من الزمن وقطع فيها آلاف الأميال يطلب الهداية والنور والحقيقة، فلا يليق بصاحب الأخلاق الإسلامية أن يهينه أو يحتقره، وهو الذي كان أبناء شعبه الفرس يحترمونه لأنه كان سادن معبودهم - النار - وخادمها القائم عليها حتى لا تخبو ولا تطفأ قال فيه الذهبي في (سير أعلام النبلاء) وكان لبيبا حازما، من عقلاء الرجال وعبادهم ونبلائهم، وقد رأينا كلمة عمر في تركه للافتخار بأصله الجاهلي، وافتخر بالإسلام

стр. 237

تطمينا لخاطر سلمان وردا على ما طلبه سعد من سلمان، وتلك هي الحقيقة التي جنح إليها عمر، فقال عمر (وأنا عمر ابن الإسلام). وللعلاقة الأخوية التي كانت بين سلمان وأبي الدرداء ﵄، وهي الأخوة التي جعلها بينهم رسول الله ﷺ كما تقدم، ذكر أهل السير عن يحيى بن سعيد أن أبا الدرداء نزل في الشام - كما تقدم ذكرم - وكتب إلى سلمان النازل بالكوفة - كما مر - يقول له: أن هلم إلى الأرض المقدسة، فكتب إليه سلمان، أن الأرض لا تقدس أحدا، وإنما يقدس المرء عمله، وقد بلغني أنك جعلت طبيبا - يشير سلمان إلى منصب القضاء الذي كان يشغله أبو الدرداء بين الناس - فإن كنت تبرئ فنعما لك، وإن كنت متطببا - دعيا - فاحذر أن تقتل إنسانا فتدخل النار، فكان أبو الدرداء إذا حكم بين اثنين ثم أدبرا عنه نظر إليهما وقال (متطبب والله إرجعا أعيدا علي قضيتكما) أو قصتكما. وفاته: قال أهل العلم: عاش سلمان ثلاثمائة وخمسين سنة، وقيل مائتين وخمسين سنة على خلاف في مدة حياته وقال أبو نعيم: كان سلمان من المعمرين. وتوفي سلمان ﵀ ورضي عنه سنة خمس وثلاثين للهجرة، في آخر خلافة عثمان ﵁، وقيل أول سنة ست

стр. 238

وثلاثين، وقيل غير هذين، وقال الواقدي: مات سلمان في خلافة عثمان بالمدائن، سنة ثلاث وثلاثين، وقيل ست وثلاثين، ولم يحضر وقعتي الجمل وصفين، ﵀ ورضي عنه، ورزقنا حبه والقدوة الحسنة لسلفنا الصالح، أنصار العقيدة الإسلامية، وعمدة الدين

стр. 239

كلمة ختامية - فيها عبرة وذكرى لكل عبد منيب: بأمثال هؤلاء المؤمنين المستضعفين الصابرين على البلاء والعذاب ظهر الحق وزهق الباطل وانتصر العدل على الجور والطغيان، واندحر الظلم والباطل والفساد، فاستنارت البصائر المظلمة، وأشرقت على عالم الإنسان شمس اليقين، وفي هذا السعادة كل السعادة، والطمأنينة كل الطمأنينة، فبعثت أرواح بني آدم بعثا جديدا، فحلت في أجسامها بعد أن سكنتها أرواح مردة شياطين الوثنية، وطهرت من خبث الطوية. وبمثل هؤلاء الأخيار الطيبين أمكن رفع لواء التوحيد عاليا وخفاقا، وجد السير به سيرا حثيثا ومتواصلا أشواطا تتبعها أشواط، إلى أن أشرقت شمس المسيرة الإسلامية على أحياء الأحرار، ومحبي معاشرة الأحرار الأخيار فأنارتها بنور اليقين بعد ظلام دامس في أيام الشرك ولياليه، تلك التي امتدت عبر أزمان غابرة، قطعتها الإنسانية في جهالة جهلاء، فلما حان موعد الحياة الحقيقية الصالحة بالإنسان، قال الله الخالق المدبر الحكيم لرسوله محمد العظيم: ((إنا أرسلناك

стр. 240

بالحق بشيرا ونذيرا)) (١) وقال له: ((لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم فهم غافلون)) (٢) وقال له: ((ولكن رحمة من ربك لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك لعلهم يتذكرون)) (٣). وقال له: ((لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك لعلهم يهتدون)) (٤). فبمثل هذه النفوس الخيرة التي كونها وصانها الإسلام، والتي مر بنا شيء يسير من مواقفها الصلبة، في صف الحق واليقين، ضد الباطل والفساد، تحول اتجاه الإنسانية، وبمثلهم تطهرت الأرض من رجس الوثنية، وأقدار الباطل والضلال، لا بأولئك المتكبرين والمذبذبين الخوارين ضعاف الإيمان، أصحاب الوجوه المتلونة كـ - الحرباء - التي تعطي للشمس لونا وللظل لونا آخر غير لون الشمس. أولئك المذبذبون الذين مرجت نفوسهم، وضعفت عقائدهم، فتراهم واقفين تارة إلى جانب الحق ساعة ظهوره وقوته، وتارة أخرى تنقلهم الريح - إذا هبت - إلى جانب الباطل، حين يقوى - مؤقتا - فيكونون لسانه وسمعه وبصره، إذا لزم الأمر ولاحت المصلحة الذاتية من بعيد، فطائفة من البشر مثل هؤلاء، لا تحسب لا في

стр. 241

العير ولا في النفير، فوجودهم وعدهم سواء، فلا يوثق بهم ولا يعتمد عليهم، أما أصل العقيدة وما تتطلبه من الوقوف إلى جانبها إذا حاربها خصومها، وما يقتضيه ذلك الموقف فهذا شيء آخر بحسب الظروف والملابسات، فهم مع الحق في زمن ظهوره، ومع الباطل في ساعة عتوه وجبروته، والفضل يرجع - دائما لأهل الصدق والوفاء، فهم أنصار الدين المتمسكون بعقيدتهم الإسلامية. ورسولنا محمد ﷺ كان لا يميل إلى الجبابرة والطغاة الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون بل كان يحب الفقراء ويميل إليهم، فهم في الغالب يصبرون على ما ينالهم، ولا يخافون على أموالهم أن تضيع أو تنقص، ولا على مناصبهم أن تنزع منهم، بل كان يجالسهم ويعطف عليهم، وقد ضرب المثل الأعلى في هذا وكان يقول (اللهم أحيني مسكينا وتوفني مسكينا واحشرني في زمرة المساكين). أما الطغاة والجبابرة الذين يأنسون من أنفسهم نوعا - ما - من القوة، فإنهم يترفعون - جهلا وغرورا - عن إخوانهم الضعفاء، فكم وكم من نصيحة قدمها، وكم من توجيه وجههم به رسول الله ﷺ ، وقائد المسلمين فلم يعبأوا به، فأصابهم ما يصيب المعرضين عن نصائح الرسل الكرام، ففكر قليلا - أيها المسلم - في قوله ﵊، فيما أخرجه

стр. 242

البخاري عنه ﷺ حين قال: (وهل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم)، والضعفاء إذا دعوا الله لينصر المسلمين استجاب لهم - إذا أخلصوا - وإذا استرزقوه رزقهم، ولا كذلك المتكبرون والمتجبرون فإنهم لا يتواضعون لله، ولهم أعمال تخالف وصايا الشرائع السماوية، وهذا شأن الكثير منهم، وقليل فيهم الصلاح والتقوى. والرسول محمد ﷺ وجهه ربه هذا التوجيه، وأدبه هذا التأديب البعيد عن تأديب الخلق ليكون مثالا صالحا للأخذ عنه والاقتداء به، وخسر حياته من لم يأخذ حظه من أخلاقه وسجاياه الحميدة ومع هذا التوجيه والتأديب فقد حاول جبابرة قريش أن يخرجوه من صف المساكين ساعة من الزمن ليخلو بهم وحدهم دون مشاركة الضعفاء لهم، غير أن الله عصمه وحفظه مما أرادوه منه، وأمره بمجالسة الفقراء، ومن أراد من الأغنياء أن يجالس الرسول مع الفقراء فله ما أراد بلا تخصيص ولا امتياز، إذ ليس في الإسلام تفضيل طبقة من الناس على طبقة أخرى إلا بتقوى الله كما قال: ((إن أكرمكم عند الله أتقاكم))، فشريعة الإسلام شريعة العدالة والمساواة، وبهذا تمتاز عن غيرها من الشرائع. جاء في سنن ابن ماجه عن خباب بن الأرت في سبب نزول قوله تعالى: ((ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة

стр. 243

والعشي يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم فتكون من الظالمين))، سورة الأنعام الآية ٥٢ قال: جاء بعض كفار قريش (منهم الأقرع بن حابس التميمي، وعيينة ابن حصن الفزاري، قبل أن يسلما) إلى رسول الله ﷺ ، يريدون الجلوس معه، فلما رأوه جالسا مع الفقراء الضعفاء، أمثال خباب بن الأرث وبلال، وعمار بن ياسر، وصهيب الرومي، وسلمان الفارسي، الخ نفروا منهم، ولم يرغبوا في الجلوس إليه في مجلس واحد مع هؤلاء الضعفاء، واحتقروهم لضعفهم وفقرهم، فأتوه واختلوا به وقالوا له: نحن نريد أن تجعل لنا منك مجلسا تعرف لنا به العرب فضلنا، فإن وفود العرب تأتيك فنستحي أن ترانا العرب مع هؤلاء الأاعبد، فإذا جئناك فأقمهم عنك، فإذا نحن في غنا فاقعد معهم إن شئت، قال: نعم، قالوا: فاكتب لنا عليك كتابا، قال: فدعا بصحيفة ودعا عليا ليكتب ونحن قعود في ناحية، فزل جبريل من قبل رب العالمين، على رسوله الأمين، بهذه الآية ((ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ما عليك من جسابهم من شيء زما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم فتكون من الظالمين)) فكف وترك ما عزم على كتبه إجابة لرغبة عظماء قريش، يا لها من تربية ربانية لرسوله الحبيب إليه، فنسبه ربه إلى الظلم إن هو أبعد الفقراء عن مجالسته لحظة من الزمن ليتفرغ فيها

стр. 244

الى عظماء المشركين المتجبرين، الذين يأنفون من مجالسة الفقراء، ثم أشار إلى ما رغب فيه الأقرع بن حابس وعيينة بن حصن (قبل أن يسلما) فقال الله بعد تلك الآية: ((وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين)) ثم قال تعالى في هذا السياق التربوي الإسلامي ((وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة))، سورة الأنعام الآيتان ٥٣ - .٥٤ وبعد هذه التربية الربانية لرسوله الكريم الحريص على نشر الإسلام قال خباب بن الأرت: فدنونا منه حتى وضعنا ركبنا على ركبته، وكان رسول الله ﷺ يجلس معنا، فإذا أراد أن يقوم قام وتركنا، فلما أنزل الله عليه الآية ٢٨ من سورة الكهف وهي قوله تعالى ((واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا (أي لا تجالس الأشراف الكفرة) ثم قال: ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا - عيينة والأقرع - واتبع هواه وكان أمره فرطا)) أي هلاكا، قال خباب فكنا نقعد مع النبي ﷺ ، فإذا بلغنا الساعة التي يقوم فيها قمنا وتركناه حتى يقوم. هذه حياته ﷺ في مكة المكرمة قبل الهجرة، أما بعدها فقد تحول الحال وتبدلت العلاقات، وأسلم الأقرع بن حابس، وعيينة بن حصن، وصار

стр. 245

الأشراف والفقراء والأغنياء طبقة واحدة، بفضل الروح الإسلامية التي بثت فيهم الحب لبعضهم والأخوة فيما بينهم، وسارت في نفوسهم تقضي على كل فوارق الجاهلية. فقضية التمييز بين الناس بحسب مراتبهم أو طبقات الأشراف والأراذل قضية قديمة بقدم الإنسان، لكن الإسلام أبطل التعامل على حسب تلك الفوارق المجحفة، التي جعلها الإنسان لنفسه وليعلو بها على أخيه وأثبت - الإسلام - أن الفرق بينهما يكون بما لا إجحاف فيه، فهو يرى أن عمل الإنسان هو الذي يرفعه أو يضعه وإلى هذا يشير القرآن حيث قال: ((وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنين)) وقال: ((وأن ليس للإنسان إلا ما سعى)) إن الإسلام ينظر إلى النفوس والأعمال لا إلى الذوات والأنساب، فإن أشراف الناس هم أشراف النفوس والهمم، ولو كانوا فقراء، وأن أراذل الناس وأنزلهم قيمة هم أراذل النفوس والهمم، ولو كانوا أغنياء بنسبهم وأموالهم، ولم يخل زمان ولا مكان منهما، فالأشراف لا يظلمون الناس لشرفهم، فهم سراة القوم وأعيانهم، لهذا كانوا يختارون للحكم بين الناس وللمناصب العالية، فالأمة التي تختار من بين أفرادها النخبة الصالحة من أبنائها للسياسة والرئاسة تسعد وتنال ما تتمنى من الحياة العزيزة الكريمة وكذلك الحكومة المختارة من بين أفراد الأمة الذين جمعوا بين النفس الشريفة والخلق الكريم، فإنها تشرف

стр. 246

وطنها وتعلي رأسه بين الأوطان، والعكس بالعكس أما أراذل النفوس فإنهم يبعدون عن الحكم والسياسة والرئاسة، لما في نفوسهم من النقص والخسة والرذيلة، وهذا مجرب صحيح كما يقول أهل الطب، وقديما قال الشاعر العربي: لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم...ولا سراة إذا جهالهم سادوا وقال آخر: إذا كان الغراب دليل قوم ... يمر بهم على جيف الكلاب وللمناصب والولايات في الشريعة الإسلامية موازين ومقاييس، وقد أوصى رسول الله ﷺ أمته العاملة بشرع الله أن ترعاها وتطبقها إذا أرادت الخير والمنفعة للدين والوطن، ومنها قوله ﷺ : (من استعمل رجلا من عصابة، وفيهم من هو أرضى لله منه، فقد خان الله ورسوله والمؤمنين). أخرجه الإمام أحمد والحاكم، وقال ﵊: م (من ولي أمر المسلمين شيئا فأمر عليهم أحدا محاباة، فعليه لعنة الله، لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا) واختلف في معنى الصرف والعدل، فقيل الصرف التطوع، والعدل الفرض، وقيل الصرف التوبة، والعدل الفدية، وقيل غير هذا، وعلى كل حال فهو تهديد لمن لا يعدل في ولايته أو توليته لموظفي مصالح المسلمين، وقال أيضا عليه الصلاة والسلام

стр. 247

(إذا أراد الله بالأمير خيرا جعل له وزير صدق إن نسي ذكر، وإن ذكر أعانه، وإذا أراد به غير ذلك جعل له وزير سوء إن نسي لم يذكره وإن ذكر لم يعنه). أخرجه أبو داود والبيهقي في شعب الإيمان عن عائشة ﵂، ولما أهمل هذا الاعتبار الإسلامي في اختيار الموظفين للمناصب ساء الحال، وتدهورت الأوضاع و ((ظهر الفساد في البر والبحر بما كسب أيدي الناس)). نعود إلى موضوعنا السابق في حق أولئك الضعفاء من الصحابة، وهم: صهيب، وخباب، وبلال، وعمار، وسلمان وفضائلهم، كثيرة، وغيرهم من الصحابة أيضا، وقد عاتب الله نبيه فيهم في آيات من القرآن كقوله: ((وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع لعلهم يتقون)) إلى قوله تعالى: ((والله أعلم بالظالمين)) الآيات من ٥١ إلى ٥٨ من سورة الأنعام، وقد سبق بعضها. وذكر ابن عبد البر في كتابه ((الاستيعاب) في ترجمة صهيب قال: إن أبا سفيان مر على سلمان وصهيب، وبلال، وغيرهم من ضعفاء الصحابة - وكانوا قعودا - فقالوا ما أخذت السيوف من عنق عدو الله - كان هذا قبل أن يسلم - مأخذها، فقال لهم أبو بكر أتقولون هذا لشيخ قريش وسيدها؟ ثم أتى النبي ﷺ وأخبره بالذي قالوا، فقال له النبي

стр. 248

صلى الله عليه وسلم: (يا أبا بكر لعلك أغضبتهم؟ والذي نفسي بيده لئن كنت أغضبتهم؛ لقد أغضبت ربك). فرجع إليهم أبو بكر فقال لهم: يا إخوتي لعلي أغضبتكم؟ فقالوا له: يا أبا بكر يغفر الله لك. وبالجملة ففضائل الصحابة كثيرة، فلهم فضل السبق إلى إجابة دعوة رسول الله ﷺ ، فبذلوا دماءهم وأموالهم في سبيل الله، وفي محاربة الباطل الذي تجسم في الشرك والإلحاد، في حين أعرض عنه وعنها ذوو القوة والبطش من صناديد قريش وأعيانها، وهذه حقيقة قديمة، فالضعفاء هم أنصار الرسل والدين في كل زمان ومكان، والقرآن ذكر لنا ما قاله قوم نوح - مثلا - لنوح ﵇، فقد أرادوا أن يعيبوا عليه دعوته وينقصوا من قيمتها - في نظرهم - ويحتقروها بقياسهم قيمتها بقيمة أتباعها والمؤمنين بها والمعتنقين لها، حين قالوا له: (وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي)) أما المدركون للحقائق التاريخية والمتتبعون لما جرى من الأحداث في الزمن الماضي، فإنهم عرفوا أن بعض الضعفاء هم أنصار الحق - دائما - كما عرفوا صدق رسالة محمد ﵊، بأتباعه، من مثال ((ورقة)) بن نوفل وهرقل ملك الروم، والنجاشي ملك الحبشة وغيرهم، فقد ذكر التاريخ أن ((هرقل) اغتنم فرصة وجود ركب تجاري في الشام من العرب، فيهم أبو سفيان بن حرب، جاؤوا للتجارة، فبعث إليهم واستدعاهم إليه، وسألهم عن

стр. 249

الرسول الجديد الذي ظهر فيهم، ذلك حيث سأل هرقل كبير قريش أبا سفيان بن حرب عن أتباع محمد ﷺ ليدرك من خلال هذا حقيقة هذا الرسول وهل هو صادق في دعواه أو هو كاذب، فأجابه أبو سفيان - وهو يدس في جوابه انتقاصا - في زعمه - في حق الرسول ﷺ فقال هرقل لأبي سفيان: فأشراف الناس يتبعونه أم ضعناؤهم؟ فقال بل ضعفاؤهم، ففهم هرقل الحقيقة من جوابه فقال لأبي سفيان: هم أتباع الرسل، فظهرت الحقيقة من فيه من غير أن يشعر، ذلك لأن رسول الله ﷺ كان غالب من اتبعه في أول بعثته من ضعفاء الناس من الرجال والنساء والعبيد والإماء والفقراء، ولم يتبعه من الأشراف إلا القليل، مثل أبي بكر ﵃ أجمعين، فهذه حقيقة تاريخية قديمة بقدم الزمان والرسالات، لا تتغير، وهذا مبني على أن ذوي العقائد الصحيحة المبنية على الإيمان الصحيح تلفيهم لا يترفعون عن الحق حيث يعرفون أنه حق، ويذعنون إليه بدون مكابرة ولا عناد، لأن نفوسهم مستعدة إلى تصديقه واتباعه والعمل به، وبما جاء به والانقياد إلى ما يأمرهم به، وبهم انتصر الحق على الباطل في كل زمان ومكان، ويصعب عليهم التحول عما آمنوا به، وما سبق من مواقف ضعفاء الصحابة شاهد على هذا، فهم بالرغم من العذاب الشديد والأهوال المضنية ومحاولات كفار قريش لهم على تركهم عقيدتهم ودينهم،

стр. 250

كل ذلك لم يزحزحهم عنها، وبهم انتشر الإسلام وعم نوره الآفاق، فكل الوسائل التي اتخذها كفار قريش ضدهم رجعوا بها خاسرين، فلم يغرهم مال، ولم يصدهم عن دينهم وعقيدتهم تهديد، ولم تشرئب أعناقهم إلى بريق المناصب والوظائف، ولا إلى غرض آخر من الأغراض، ولا إلى أي حظ من حظوظ النفس الرخيصة، بل همهم الوحيد نشر الدين وحماية العقيدة عن أعدائها الكثيرين، ﵏ ورضي عنهم ورزقنا القدوة بهم، لنكون مؤمنين حقا كما يجب علينا أن نكون. إلى هنا أقف عن السير في خط هذه الفصول التي حررتها لتكون لنا ولإخواننا - وبالأخص - ولشبابنا ذلك الشباب الناهض الواعي لواجباته الدينية والوطنية مثالا صالحا للسير على نهجه القويم لا لذلك الشباب المذبذب الذي لم يعرف في سلوكه واجباته فراح يتحول من مبدأ إلى مبدأ، كالكورة بين أرجل اللاعبين بها أقدمها للشباب الصالح لحمل المسؤولية ولتكون له مثالا يصلح للسير على هداه، فتنبههم إلى مواقف ثابتة صلبة، وقفها سلفهم في وجه المشركين والظالمين والطغاة، فلم يلينوا فيها ولم يهنوا في مقاومة الشرك ولم يضعفوا فأعلنوها كلمة صريحة مدوية، إنهم أتباع الحق وأنصار التوحيد، وإن كانوا تألموا في أبشارهم من عذاب المشركين وهمجيتهم، فإنهم لم يتألموا في ضمائرهم ونفوسهم وقد قال لهم خالقهم: (إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون وكان
следующие страницы →