مقام المراقبة
مقام المراقبة وهو مقام شريف قال الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ هذا المقام أصله علم وحال ثم يثمر حالين: أما العلم: فهو معرفة العبد أن الله مطلع عليه، ناظر إليه يرى جميع أعماله. ويعلم كل ما يخطر على باله. وأما الحال فهو ملازمة هذا العلم للقلب بحيث يغلب عليه، ولا يغفل عنه، ولا يكفي العلم دون هذا الحال، فإذا حصل العلم والحال كانت ثمرتهما عند أصحاب اليمين: الحياء من الله، وهو يوجب بالضرورة ترك المهاصي، والجد في الطاعات، وكانت ثمرتها عند المقربين: الشهادة التي توجب التعظيم والإجلال لذى الجلال، إلى هاتين الثمرتين أشار رسول الله ﵌ بقوله: "الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك" (١) فقوله أن تعبد الله كأنك تراه إشارة إلى الثمرة الثانية، وهي المراقبة الموجبة للتعظيم. كمن يشاهد ملكا عظيما فإنه يعظمه بالضرورة، وقوله فإن لم تكن تراه فإنه يراك إشارة إلى الثمرة الأولى، ومعناه إن لم تكن من أهل التقوى والعفاف بحيث تراقب الله في كل عمل هو لك، فاعلم أنه يراك، فكن من أهل الحياء الذي هو مقام أصحاب اليمين، فلما فسر الإحسان أول مرة بالمقام الأعلى: رأى أن كثيرا من الناس قد يعجزوان عليه، فنزل إلى المقام الآخر، واعلم أن المراقبة لا تستقيم حتى تتحقق فيها المشارطة والمرابطة، وتتأخر عنها المحاسبة والمعاقبة، فأما المشارطة فهي اشتراط العبد على نفسه بالتزام الطاعة وترك المعاصي، وأما المرابطة، فهي معاهدة العبد لربه على ذلك، ثم بعد المشارطة والمرابطة، أول الأمر تكون المراقبة إلى آخره، وبعد ذلك يحاسب العبد لنفسه على ما اشترطه وعاهد عليه، فإن وجد نفسه قد أوفى بما عاهد عليه الله حمد الله، وأن وجد نفسه قد حل عقد المشارطة، ونقض عهد المرابطة عاقب النفس عقابا يزجرها عن العودة إلى
стр. 247
مثل ذلك، ثم عاد إلى المشارطة والمرابطة، وحافظ على المراقبة، ثم اختبر بالمحاسبة، فهكذا يكون حتى يلقى الله تعالى ...
التوكل: هو الاعتماد على الله. قال تعالى: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ التوكل على الله في تحصيل المنافع أو حفظها بعد حصولها، وفي دفع المضرات ورفعها بعد وقوعها، وهو من أعلى المقامات لوجهين: أحدهما قوله إن الله يحب المتوكلين، والآخر الضمان الذي في قوله: ومن يتوكل على الله فهو حسبه، وقد يكون واجبا لقوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ فجعله شرطا في الإيمان، والظاهر قوله ﷻ ، وعلى الله فليتوكل المؤمنون، فإن الأمر محمول على الوجوب.
واعلم أن الناس في التوكل على ثلاث مراتب: الأولى أن يعتمد العبد على ربه، كاعتماد الإنسان على وكيله المأمون عنده الذي لا يشك في نصيحته له، وقيامه بمصالحه، والثانية: أن يكون العبد مع ربه كالطفل مع أمه، فإنه لا يعرف سواها، ولا يلجأ إلا إليها، والثالثة: أن يكون مع ربه، كالميت بين يدي الغاسل قد أسلم نفسه إليه بالكلية. فصاحب الدرجة الأولى له حظ من النظر لنفسه بخلاف صاحب الثانية، وصاحب الثانية له حظ من المراد والاختبار بخلاف صاحب الثالثة، وهذه الدرجات مبنية على التوحيد الخالص الذي في قوله : ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ الواحد له ثلاثة معان كلها صحيحة في حق الله تعالى: أحدها أنه لا ثاني له، فهو نفي للعدد، والآخر أنه لا شريك له، والثالث أنه لا يتبعض، ولا ينقسم، وقد فسر المراد به هنا في قوله: لا إله إلا هو ...
وأعلم أن توحيد الخلق لله تعالى على ثلاث درجات: الأولى توحيد عامة المسلمين، وهو الذي يعصم النفس من الهلاك في الدنيا، وينجي من الخلود في النار في الآخرة، وهو نفي الشركاء، والأنداد، والصاحبة والأولاد، والأشباه والأضداد، الدرجة الثانية توحيد الخاصة، وهو أن يرى الأفعال كلها صادرة من الله وحده، ويعلم يقينا أن الكون قائم بعلمه سائر بمشيئته واقع تحت رحمته ... وإنما مقام الخاص في التوحيد يغني القلب بعلم ضروري لا يحتاج إلى دليل، وثمرة هذا العلم الإنقطاع الى الله والتوكل
стр. 248
عليه وحده، وإطراح جميع الخلق في قبضة القهر، ليس بيدهم شيء من الأمر، الدرجة الثالثة، ألا يرى في الوجود إلا الله وحده، فيغيب النظر عن المخلوقات حتى كأنها عنده معدومة، وهذه الذي تسميه الصوفية مقام الغناء بمعنى الغيبة عن الخلق، حتى أنه قد يغني عن نفسه، وعن توحيده: أي يغيب عن ذلك باستغراقه في مشاهدة الله، وهذه درجة مرفوضة لأنه لا يوجد- ولا يمكن أن يوجد- من هو أكثر توحيدا وأعمق إيمانا وأشد إخلاصا لله من محمد ﷺ ومع ذلك لم يغب ولم يستغرق! فإن قيل هل يشترط في التوكل ترك الأسباب أم لا؟
فالجواب: أن الأسباب على ثلاثة أقسام: أحدها: سبب معلوم قطعا قد أجراه الله تعالى، فهذا لا يجوز تركه كالأكل لدفع الجوع، واللباس لدفع البرد. والثاني سبب مظنون كالتجارة وطلب المعاش وشبه ذلك، فهذا لا يقدم فعله في التوكل، لأن التوكل من أعمال القلب لا من أعمال البدن ويجوز تركه لمن قوى عليه. والثالث سبب موهوم بعيد، فهذا يقدم فعله في التوكل ثم ان فوق التوكل التفويض وهو الاستسلام لأمر الله تعالى بالكلية، فإن التوكل له مراد واختيار، وهو يطلب مراده باعتماده على ربه، وأما المفوض فليس له مراد ولا اختيار، بل أسند المراد والاختيار إلى الله تعالى، فهو أكمل أدبا مع الله تعالى ...
التوبة: قال تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا﴾ التوبة واجبة على كل مؤمن مكلف بدليل الكتاب والسنة وإجماع الأمة، وفرائضها ثلاثة: الندم على الذنب من حيث عصي به ذا الجلال، والإقلاع عن الذنب في أول أوقات الإمكان من غير تأخير ولا توان، والعزم ألا يعود إليها أبدا، ومهما قضى عليه بالعودة أحدث عزما مجددا. وآدابها ثلاثة: الإعتراف بالذنب مقرونا بالإنكسار، والإكثار من التضرع والإستغفار، والإكثار من الحسنات لمحو ما تقدم من السيئات، ومراتبها سبع: فتوبة الكفار من الكفر، وتوبة المخلطين من الذنوب الكبائر، وتوبة العدول من الصغائر، وتوبة العابدين من الفترات، وتوبة السالكين من علل القلوب والآفات،
стр. 249
وتوبة أهل الورع من الشبهات، وتوبة أهل المراقبة (١) عن الغفلات، والبواعث على التوبة سبعة: خوف العقاب، ورجاء الثواب، والخجل من الحساب، ومحبة المحبوب، ومراقبة الرقيب القريب، وتعظيم بالمقام، وشكر الأنعام ...
الخوف من الله والرجاء: جمع الله الخوف والطمع ليكون العبد خائفا راجيا كما قال تعالى: ﴿يَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ فإن موجب الخوف معرفة سطوة الله، وشدة عقابه، وموجب الرجاء معرفة رحمة الله، وعظيم ثوابه قال تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ ومن عرف فضل الله رجاه، ومن عرف عذابه خافه، ولذلك جاء في الحديث: "لو وزن خوف المؤمن ورجاؤه لاعتدلا" (٢) إلا أنه يستحب أن يكون العبد طول عمره يغلب عليه الخوف ليقوده إلى فعل الطاعات، وترك السيئات، وأن يغلب عليه الرجاء عند حضور الموت لقوله ﵌: "لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله تعالى (٣) " واعلم أن الخوف على ثلاث درجات: الأولى أن يكون ضعيفا يخطر على القلب ولا يؤثر في الباطن، ولا في الظاهر، فوجود هذا الخوف كالعدم، والثانية أن يكون قويا: فيوقظ العبد من الغفلة ويحمله على الاستقامة، الثالثة أن يشتد حتى يبلغ الى القنوط واليأس، وهذا لا يجوز، وخير الأمور أوسطها، والناس في الخوف على ثلاث درجات: فخوف العامة من الذنوب، وخوف الخاصة من الخاتمة، وخوف خاصة الخاصة من السابقة، فإن الخاتمة مبنية عليها، والرجاء على ثلاث مقامات: الأولى رجاء رحمة
стр. 250
الله مع التسبب فيها بفعل طاعة أو ترك معصية، فهذا هو الرجاء المحمود، والثانية الرجاء مع التفريط والعصيان فهذا غرور .. والثالثة أن يقوى الرجاء حتى يبلغ الأمن، فهذا حرام، والناس في الرجاء على ثلاث مقامات: فمقام العامة رجاء ثواب الله، ومقام الخاصة رجاء رضوان الله، ومقام خاصة الخاصة رجاء لقاء الله حبا فيه وشوقا إليه ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾.
стр. 251
ذكر الله واطمئنان القلوب به
﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ قرآن كريم.
الذكر هو ما اشتمل على تلاوة القرآن- وهو أفضلها- وذكر اسم الجلالة، وتسبيح وتقديس واستغفار، ودعاء وصلاة على الني ﷺ ، ذكر الله هو تذكره في استحضار جلاله، وعظمته، وقدرته وكل ما له - سبحانه من صفات الجلال والكمال ... فإذا ذكر الإنسان ربه واستحضر جلاله وعظمته كان من هذا الذكر في ظل ظليل من جلال الله وعظمته، وفي حماه ورعايته، وفي عصمته: ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (سورة آل عمران ١٠١).
فالذي يذكر الله وهو موقن به طامع في رحمته معتصم بجلاله محتم بحماه لائذ بفضله عائذ به من هموم الدنيا، ومن ظلم الظالمين وبغي الباغين يكون قريبا منه سامعا دعاءه مستجيبا له قال تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ وقال: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ وقال جل شأنه: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ (سورة البقرة ١٨٦). وليس ذكر الله الذي تطمئن به القلوب، هذا الذكر الذي تردده الألسنة ترديدا آليا، دون أن يكون نابعا من القلب، ذافئا بحرارة الإيمان، منطلقا بقوة اليقين، فمثل هذا الذكر لا يعدو أن يكون أصواتا مرددة، أشبه بالجثث الهامدة، لا روح فيه، ولا معقول له ومن هنا تكون آفته فلا يطمئن به قلب، ولا ينشرح له صدر ...
أما الذكر الذي يقول فيه : ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ﴾ ثم يؤكد بقوله: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ فهو الذكر الذي ينبع عن إيمان، فتهز له المشاعر تثلج به الصدور ولهذا قدم الله الإيمان على الذكر حتى يكون للذكر أصل يرجع إليه، ومنطلق ينطلق منه وهو الإيمان، ولا يكون الذكر لله
стр. 252
إلا إذا كان مشتملا على صفات الكمال والجلال لله ، فذلك هو الذي يفيض على القلب خشية، وهو الذي يستنير مشاعر الولاء لله، والاخبات له، فتقشعر الجلود وتدمع العيون، وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ (سورة الأنفال آية ٢).
وقوله سبحانه: ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ * الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ (سورة الحج ٣٤ - ٣٥)، وقوله جل شأنه: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (سورة الزمر آية ٢٣).
فإذا ذكر المؤمن ربه واستولت عليه تلك المشاعر قرب من الله ودنا من مواقع رحمته، وأحس ببرد السكينة يغمر قلبه، ووجد ريح الأمن والطمأنينة تهب عليه معطرة الأنفاس زاكية الأرواح.
فإذا ذكر الإنسان ربه هذا الذكر الذي يدنيه من ربه، الذي يشهد منه ما يشهده من جلاله وعظمته وقدرته ارتفع عن هذا العالم الترابي واصتصغر كل شيء فيه، فلا يأسى على فائت، ولا يطير فرحا، ولا يأشر بطرا، بما يقع ليديه من حطام هذه الدنيا، وهذا هو الإطمئنان الذي يسكن به القلب وتقر العين حيث لا حزن ولا جزع ولا خوف!!!.
إن الداء الذي يغتال أمن الناس، ويقض مضاجعهم هو ما يدخل عليهم من هموم الدنيا، وما يشغلهم من توقعات الأمور فيها ...
وانه لا دواء لهذا الداء إلا باللجوء إلى الله والفزع إليه، وذلك بذكره وذكر سلطانه المبسوط على هذا الوجود، وأمره القائم على كل موجود ألا له الخلق والأمر .... تبارك الله رب العالمين.
وفي قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ﴾.
وفي التعبير عن الإيمان بالفعل الماضي (آمنوا) وعن الإطمئنان بفعل
стр. 253
المستقبل (تطمئن) في هذا إشارة الى أن الإيمان حال لا يحول عنها المؤمن وانه لا يوصف بالإيمان إلا إذا كان مؤمنا، بخلاف الإطمئنان فإنه غير ملازم للمؤمن في كل حال، وإنما الإطمئنان عند ذكر الله.
وكلما ذكر المؤمن ربه يطمئن قلبه إذا كان حاضر القلب.
يحسن للذاكر أو الداعي أن يذكر اسم الله للحالة التي يناسبها ذلك الاسم. مثلا: إن كان الإنسان في مواجهة مرض في نفسه، أو نفس من يحب ذكر الله الرحمن الرحيم، وذكر قدرته على كشف هذا الضر. وإذا كان في يد سلطان جائر، أو عدو متسلط قاهر ذكر الله القوي القاهر الجبار المنتقم فرآه ذلك مآل هذا السلطان، وصغر شأن هذا العدو.
وهكذا يذكر الذاكر ربه فيشعر في قلبه بقوة الله وقدرته على حمايته من كل بلاء فيطمئن قلبه وتسكن جوارحه. وهذا ما يشير اليه قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ (سورة الأعراف ١٨٠).
فالاسم الذي تدعو الله به تجد له في نفسك أثرا يبعد عنك هما أو حزنا أو خوفا أو ضعفا أو انكسارا فتشملك الطمائينة الكاملة فلا ترى الناس من حولك إلا سائلين فضله ورضوانه.
قال الله : ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ (سورة البقرة ١٥٢)، فالله سبحانه لا ينسى حتى يذكر فيذكر، بل هو يذكرنا دائما ذكرناه أو لم نذكره.
ولكن المراد بذكره لنا هنا إذا ذكرناه وجدناه حاضرا في قلوبنا وعقولنا ولكن هذا الحضور لا نحس به ولا نتأثر له. فإذا ذكر المؤمن ربه وجده تجاهه ذكر ربه وأشرف عليه بنوره السني البهي.
وفي الحديث الشريف القدسي: "من تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا ومن تقرب إلي ذراعا تقربت إليه باعا ومن أتاني يمشي أتيته هرولة" (١).
стр. 254
فذكر الله وامتلاء القلب به يفيض على الذاكر نورا من جلال الله وبهائه فإذا هو في حمى عزيز لا ينام، وفي ضمان وثيق من أن يهون أو يذل لغير الله الواحد القهار.
وأسمى الذكر هو ذكر العارفين بالله معرفة يطلعون منها على ما يملأ قلوبهم جلالا وخشية لله حيث يشهدون من كمالات الله ما لا يشهده إلا المقربون الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه، كما يقول : ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾.
وهذا الود إنما يناله أولئك الذين يذكرون الله، فيذكرهم الله، ويعرفونه فيعرفهم: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾، فهذا الذكر هو الذي يضيء الطريق للسالك إلى ربه فيرى على جانبيه نور الخالق وجلاله وعظمته، فيخشع قلبه وتسكن وساوسه.
الرجاء الذي يقوم على غير إيمان، ويستند إلى غير طاعة، فهو مكر الله وخداع للنفس، وعدوان على سنن الحياة التي أقام الله عباده عليها فجعل لكل عامل عمله ولكل غارس ثمرة غرسه.
وينبغي أن يحسن العبد الظن بربه، بل وأن يبالغ ما شاء في هذا الظن ولكن يشترط أن يكون ذلك الظن نابعا من الإيمان بالله.
وتأمل كيف قال الله تعالى في آية الذكر: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً﴾ وفي آية الدعاء ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾.
فذكر التضرع فيهما معا، وهو التذلل والتمسكن والانكسار، وهو روح الذكر والدعاء، وخص الذكر بالخيفة لحاجة الذاكر إلى الخوف، فإن الذكر يستلزم المحبة، فمن أكثر من ذكر الله أثمر له ذلك محبته والمحبة ما لم تقترن بالخوف، فإنها لا تنفع صاحبها، بل تضره لأنها توجب الإدلال والانبساط. وربما آلت بكثير من الجهال المغرورين إلى أنهم استغنوا بها عن الواجبات ...
стр. 255
والمقصود من العبادات إنما هو عبادة القلب، وإقباله على الله ومحبته له وتأليهه له، فإذا حصل المقصود، فالاشتغال بالوسيلة باطل ....
وبعد فإن ذكر الله بالقلب واللسان هو خير زاد يتزود به الإنسان في رحلة الحياة وخير رفيق يؤنسه في طريقه الوحش، والله يقول: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ صدق الله مولانا العظيم.
стр. 256
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قال رسول الله ﷺ :
" اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات وألف بين قلوبهم وأصلح ذات بينهم وانصرهم على عدوك وعدوهم واهدهم سبل السلام، وأخرجهم من الظلمات إلى النور، وجنبهم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وبارك لهم في أسماعهم وأبصارهم ما أبقيتهم، اللهم أجعلهم شاكرين لنعمتك مثنين بها عليك قابليها وأتممها عليهم يا رب العالين.
اللهم انصر كتابك ودينك وعبادك المؤمنين وأظهر الهدى ودين الحق الذي بعثت به نبينا محمدا ﷺ على الدين كله، اللهم عذب الكفار والمنافقين الذين يصدون عن سبيلك ويبدلون دينك ويعادون المؤمنين، اللهم خالف كلمتهم، وشتت بين قلوبهم، واجعل تدميرهم في تدبيرهم وأدر عليهم دائرة السوء وانزل بهم بأسك الذي لا يرد على القوم المجرمين اللهم مجري السحاب ومنزل الكتاب وهازم الأحزاب اهزمهم وزلزلهم وانصرنا عليهم، ربنا أعنا ولا تعن علينا وانصرنا ولا تنصر علينا وامكر لنا ولا تمكر علينا واهدنا ويسر الهدى لنا وانصرنا على من بغى علينا ربنا اجعلنا لك شاكرين مطاعين مخبتين أواهين منيبين ربنا تقبل توبتنا واغسل حوبتنا وثبت حجتنا واهدي قلوبنا وسدد ألسنتنا واسلل سخائم صدورنا" صدق رسول الله رواه الترمذي.
أقدم هذا الكتاب إلى القراء الأفاضل راجين من الله أن يكون نافعا للمسلمين، وإني لا أدعي الكمال، وإنما الكمال لا يكون إلا لله، فالمرء ضعيف بنفسه قوي بإخوانه، فمن وصل بيده هذا الكتاب وقرأه ووجد فيه خطأ أو نقصا أو ملاحظة فليقيدها وليبعت بها إلي إن شاء الله نجعلها في الطبعة الثانية وإني لا أنسى الطلبة الذين أعانوني على تصحيح هذا الكتاب وإخراج آياته وترقيمها وضربه على الراقنة واخراج أحاديثه وانسابها إلى مصادرها فأشكرهم على ذلك شكرا جزيلا.
стр. 257
المصادر
- تفسير القرآن العظيم ......................................................... عماد الدين أبو الفداء اسماعيل بن كثير
- تفسير القيم .................................................................. لابن القيم الجوزية
- تفسير الطبري ............................................................... لابن جرير الطبري
- التفسير القرآني للقرآن ........................................................ عبد الكريم الخطيب
- تفسير كتاب التسهيل لعلوم التنزيل ........................................... للإمام الحافظ أبي القاسم محمد بن أحمد لابن جزى الكلبي الغرناطي.
- أحكام المرتد في الشريعة الإسلامية ........................................... لنعمان عبد الرزاق الساماراني
- تفسير المنار ................................................................ للشيخ محمد رشيد رضا
- الفتاوي الكبرى ............................................................... لابن تيمية، شيخ الإسلام بن أبي العباس تقي الدين أحمد بن عبد الحليم.
- التاج الجامع للأصول في أحاديث الرسول ﷺ .......... للشيخ منصور علي ناصف
- النبي محمد انسان الإنسانية ونبي الأنبباء .................................... عبد الكريم الخطيب.
- الله ذاتا وموضوعا ........................................................... عبد الكريم الخطيب
- العقيدة الطحاوية ............................................................ للإمام الطحاوي
- البحوث الإسلامية للمؤتمر الرابع (مصر) .................................... المؤتمر الرابع
- الزواجر على اقتراف الكبائر ................................................. ابن العباس أحمد بن محمد علي ابن حجر المكي الهيثم
- الجانب الإلهي من التفكير الإسلامي ......................................... د/ محمد البهي
- العقائد الإسلامية ............................................................ سيد سابق
- الكواشف الحلية من معاني الواسطية ......................................... عبد العزيز محمد السلمان
- حاشية الشيخ إبراهيم البيجوري .............................................. المسماة بتحفة المريد على جوهرة التوحيد.
- الدستور القرآني في شؤون الحياة ............................................ محمد عزة دروزة
- القضاء والقدر .............................................................. أبو الوفاء محمد درويش
- رسالة التوحيد .............................................................. الشيخ محمد عبده
стр. 258
الفهرست
العنوان ....................................................................... الصفحة
دعاء الاستفتاح ............................................................... ٦
نصائح اقدمها الى الشباب المسلم .............................................. ٨
المقدمة ....................................................................... ١٤
التعريف بالتوحيد .............................................................. ١٥
اعراض المسلمين عن القرآن ................................................... ١٧
التكاليف الشرعية العامة: منها العينية والكفائية .................................. ٢٩
بماذا يكون إيمان المكلف؟ وما هي الوسائل التي يستعملها ليكون مؤمنا .......... ٣٦
لا تكليف الا بشرط العقل ...................................................... ٤٠
من ثمرة العقل معرفة الله الضرورية والمكتسبة ................................... ٤٥
البحث عن معرفة الله ........................................... ٥٠
أقسام التوحيد .................................................................. ٥٩
مفهوم الألوهية في الشريعة الإسلامية ........................................... ٦٣
التوحيد نوعان: ................................................................ ٧١
باب فضل التوحيد وما يكفر من الذنوب ........................................ ٧٢
الدعوة الى شهادة أن لا اله الا الله .............................................. ٧٥
تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله الله ............................................. ٧٦
من الشرك ليس الحلقة والخيط ونحوهما ......................................... ٧٩
الذبائح لغير الله ................................................................ ٨٠
من الشرك النذر لغير الله ....................................................... ٨١
الاستعاذة بغير الله شرك ........................................................ ٨٣
الاستعاذة بالله من شر ما خلق .................................................. ٨٦
من الشرك أن يستغيث المكلف بغير الله أو يدعو غيره ........................... ٩٠
العقيدة الإسلامية ............................................................... ٩٣
بعض معالم التوحيد في العقيدة ................................................. ٩٨
علاقة الله بالانسان ............................................................ ٩٩
стр. 259
التعريف باسم الجلالة .............................................. ١٠٣
ارتباط الخلق بالاسماء الثلاثة ...................................... ١٠٤
تنزيه الله ﷻ ............................................... ١٠٦
الايمان بالغيب .................................................... ١١٠
الايمان بالرسل أجمعين ............................................ ١١٣
النبوة رحمة ........................................................ ١١٦
الرسالة المحمدية ................................................... ١١٩
البعثة المحمدية على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى التسليم .......... ١٢٤
محبة النبي ﷺ .............................. ١٣٥
التعريف بالإيمان .................................................. ١٣٩
الصبر من الايمان ................................................ ١٤٣
الطريق إلى الله هو العلم .......................................... ١٤٦
المؤمن يتصف بالعزة ............................................. ١٥٠
الإيمان بالملائكة ................................................. ١٥٦
الإيمان بكتب الله المنزلة ......................................... ١٦٠
الرسالة الإسلامية ................................................ ١٦٢
دعوة نوح ﵇ .......................................... ١٦٥
دعوة هود ﵇ .......................................... ١٦٦
دعوة صالح ﵇ ........................................ ١٦٧
دعوة شعيب ﵇ ........................................ ١٦٨
دعوة إبراهيم ﵇ ........................................ ١٧٠
دعوة موسى ﵇ ........................................ ١٧١
أسلوب القرآن في الدعوة الى الله .................................. ١٧٥
الايمان باليوم الآخر .............................................. ١٨٠
البعث ............................................................ ١٨٣
النفحات الثلاث ................................................... ١٨٤
كل شيء هالك إلا وجهه .......................................... ١٨٦
اختلاف الناس عند البعث ........................................ ١٨٧
стр. 260
الحساب الحق ......................................................... ١٨٩
الصراط ............................................................... ١٩٢
العرش والكرسي ....................................................... ١٩٢
الحوض .............................................................. ١٩٢
الشفاعة .............................................................. ١٩٤
رأي الاستاذ محمد عبده في الشفاعة ................................... ١٩٥
الركن السادس (الإيمان بالقدر) ........................................ ١٩٨
مشيئة الله ............................................................ ٢٠٠
خلاصة في القدر والمشيئة ............................................ ٢٠٣
حكمة الإيمان بالقدر .................................................. ٢٠٣
حرية الانسان ......................................................... ٢٠٦
تقرير الإسلام حرية الإرادة ............................................. ٢٠٧
مشيئة الرب ومشيئة العبد .............................................. ٢١٠
الهداية والاضلال ...................................................... ٢١٠
خاتمة القضاء والقدر ................................................... ٢١٢
الأقدار ................................................................. ٢١٣
القضاء ................................................................. ٢١٥
الإنسان والأقدار ......................................................... ٢١٧
لا تتم مصالح الا بمدافعة الاقدار ......................................... ٢٢٤
أمر الله .................................................................. ٢٢٧
إرادة الله .................................................................. ٢٢٨
دفع اعتراض ............................................................. ٢٣٠
التوفيق والخذلان ......................................................... ٢٣٥
إصلاح المجتمعات الحالية من الانحراف والفساد عن طريق الدين .......... ٢٣٧
بعض الأشياء من الشرك ................................................. ٢٤٤
مقام المراقبة .............................................................. ٢٤٧
ذكر الله واطمئنان القلوب اليه ............................................. ٢٥٢
الخاتمة ................................................................... ٢٥٧