خاتمة القضاء والقدر
قال أبو الوفاء محمد درويش رئيس جماعة أنصار السنة المحمدية: قال ﵀: يقول الله تعالى في كتابه الكريم مخاطبا رسوله الأمين ﷺ : ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (سورة النحل). ويقول أيضا: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (سورة النساء). ويقول جل شأنه: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ (سورة الشورى). إذا الكتاب الحكيم يقضي على كل خلاف، ويحكم الحكم الفصل في كل نزاع فلنلتمس بين نصوصه الحكم في هذه القضية التي شغلت الأذهان في كل زمان ومكان.
وإذا رجعنا إلى حكم الله تعالى نجونا من شر الخلاف الذي نهى عنه أحكم الحاكمين في كثير من آيات كتابه الحكيم، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ (سورة الانعام). قال ﵊: "اقرأوا القرآن ما اجتمعت عليه قلوبكم، فإذا اختلفتم فقوموا عنه". (١)
اقتضت حكمة الله تعالى أن يوجد هذا العالم كما أراد على أتم نظام، وأبدع إحكام، وأن يدبره بعلمه وحكمته خير تدبير، وأن يضع له نواميس دقيقة محكمة، وقوانين ثابتة وسننا لا تتحول ولا تتبدل ترتبط فيها الأسباب بالمسببات وتعتمد النتائج على المقدمات، هذا النظام المحكم وهذا التدبير العجيب بأسبابه ومسبباته، ونتائجه ومقدماته، ونواميسه وقوانينه وسننه وأحكامه هو القدر ...
стр. 212
قال تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ (سورة القمر).
﴿وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ (سورة الحجر). ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ (سورة الشورى). ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ * وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ (سورة القمر). ﴿فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى﴾ (سورة طه). ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ (سورة الاحزاب). إذا فالقدر هو القانون الحكيم الذي وضعه أحكم الحاكمين بعلمه وإرادته وحكمته ليسير على أحكامه كل شيء في هذا الوجود من السماء وما فيها إلى الأرض وما عليها، وما بين ذلك ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾
الأقدار:
قدر الله سبحانه أن تدور الأرض حول محورها أمام الشمس مرة كل أربع وعشرين ساعة، وقدر أن تدور حول الشمس مرة في كل خمسة وستين وثلاثمائة يوم وربع يوم، وقدر أن الجسم إذا قذف في الفضاء عاد إلى الأرض، إذا تلاشت القوة الدافعة، وغلبت القوة الجاذبية، وقدر أن الضوء إذا سقط على جسم انعكس عنه، وكانت زاوية الإنعكاس مساوية لزاوية السقوط، وقدر أن الماء إذا اشتدت حرارته استحال بخارا، وإذا اشتدت برودته استحال جليدا، وقدر أن النار إذا حيل بينها وبين أكسجين الهواء خبت، وقدر الفلزات تتمدد بالحرارة وتنكمش بالبرودة، وقدر أن الجسم المنغمس في الماء يزيغ منه بقدر حجمه، وأن الجسم الطافي عليه يزيع منه بقدر وزنه، وقدر أن الجهازين الكهربائيين إذا توافقت مفاتيحيهما، وكان أحدهما مرسلا والآخر مستقبلا، تم الإتصال بينهما مهما بعد أحدهما عن الآخر. وقدر أن الحبة الصالحة إذا ألقيت في التربة الطيبة، وأجري عليها الماء نبت منها نبات، وقدر أن نواة التمر نبتت منها نخلة ولا يمكن أن تنبت غير النخلة، فلا يمكن أن تنبت منها زيتونة مثلا، وقدر أنه إذا اتصل الذكر بالأنثى من الإنسان والحيوان والطير مع سلامة الأعضاء وموافقة الزمن والإستعداد تكون نسلا من جنسها وقدر أن يولد الإنسان طفلا، ثم يصير صبيا فمراهقا فمدركا فشابا، فكهلا،
стр. 213
فشيخا، فهرما، وإذا قدر له أن يرد الى أرذل العمر، وقدر أن يمنحه قدرة وإرادة يزاول بهما- بإذن ربه- مصالحه، ويسعى في كسب رزقه وجلب ما ينفعه ودفع ما يضره.
وقدر أن يمنحه أنواعا من الهدايات يميز بها النافع من الضار والخير من الشر، والهدى من الضلال، وقدر أن يرسل إليه رسله يرشدونه الى ما فيه خيره وصلاحه، وأناط بأتباعهم وطاعتهم سعادته، وبمعصيتهم والمخالفة عن أمرهم شقاوته، وقدر أن يكلفه أنواعا من التكاليف كلها، فإن نهض بها أثابه وإن لم يفعل عاقبه، وقدر أن يجعله مختارا فيما يأتي ويدع، وأن يجعل هذا الإختيار أساسا للتكاليف الشرعية، حتى إذا ذهب الإختيار سقط التكليف ولا يتسع الوقت لإيراد جميع المقادير الإلهية التي سماها ذو الجلال والإكرام بكلماته، والتي قال في شأنها في سورة لقمان: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ وقال في سورة الكهف: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾.
هذه القوانين الإلهية، والنواميس الربانية، والسنن الكونية أزلية أبدية سرمدية خالدة، وضعها رب العزة قبل أن يخلق السماوات والأرض، فكانت هذه النواميس قائمة، ولم يكن في الدنيا شيء من الموجودات، بل لم تكن الدنيا قد تمخض عنها الوجود، وهذه القوانين الأزلية الأبدية لا تتغير، ولا تتبدل، ولا تتحول بشهادة القرآن الكريم كما قال تعالى في سورة فاطر: ﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ ..
ذلكم هو القدر، أي القانون الأزلي الأبدي السرمدي الذي لا يعتريه تبدل ولا تغير ولا تحول، والذي لو اجتمعت كل قوى العالم السماوية والأرضية على أن تغير منه مثقال ذرة ما وجدت الى ذلك سبيلا، ولو كان بعضها لبعض ظهيرا.
ذلكم هو القدر فما القضاء؟
стр. 214
القضاء:
إبراز هذا القانون في الخارج أي إيجاد الكائنات وتسييرها على حسب ما قدر الله لها في الأزل.
فهو كما قال ابن الأثير: كالبناء، والقدر كالأساس ولأضرب مثلا يزيد الأمر وضوحا، آلة ميكانيكية قبل أن تبرز الى الوجود، كان لها في ذهن المهندس الذي أخترعها صورة واضحة الخطوط والمعالم، ولكنها لا وجود لها في الخارج، ثم صنعت، فبرزت الى الوجود فوجود صورة الآلة في ذهن المهندس يشبه القدر وصنعها وإبرازها في الخارج يشبه القضاء. ولله المثل الأعلى ليس كمثله شيء ..
وإنما ضربت هذا المثل لأقرب الأمر الى الأذهان فقط وأما الحقيقة العليا، فهي وراء المدارك والأفهام ..
ذكرت للقدر أمثلة كثيرة، فلا أطيل بذكر أمثلة أخرى للقضاء، وحسبنا أن نرجع الى الأمثلة السابقة لنعلم أن إيجادها في الخارج، وإبرازها في الوجود هو القضاء ..
فإيجاد الكائنات وتسييرها على حسب ما قدر لها قضاء، وشروق الشمس وغروبها على هذا النظام المقدر لها قضاء، ونزول المطر من السحاب قضاء، ونمو النبات والشجر على حسب سنة الوجود قضاء، وتفتح الأزهار وذبولها وسقوطها قضاء، ومرض من يمرض إذا تعرض لأسباب المرض قضاء، وموت من يموت إذا جاء أجله المسمى المرتبط بالأسباب المقدرة قضاء، وشفاء من يشفى إذا تعاطى أسباب الشفاء قضاء، والأمثال معروفة للخاصة والعامة ...
قدر الله سبحانه في الأزل أن يخلق السماوات والأرض فلما جاء الأجل المحدود أبرزها إلى الوجود، فكان إبرازها قضاء قال تعالى في سورة فصلت: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ * فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا
стр. 215
بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾، وقدر سبحانه في الأزل أن يخلق غلاما تحمله فتاة لم يمسها بشر ليكون هو وأمه آية للناس، فلما جاء الوعد المحدود قضي ما قدر قال تعالى في سورة مريم: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا * فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا * قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا * قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا * قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا * قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾ ..
فالمراد بالقدر التقدير، وبالقضاء الخلق، فالقضاء والقدر أمران متلازمان لا ينفك أحدهما عن الاخر، فأخدهما بمنزلة الأساس وهو القدر، والآخر بمنزلة البناء وهو القضاء، فمن فصل بينهما فقد رام هدم البناء ونقضه ..
стр. 216
الإنسان والأقدار
الأقدار المحيطة بالإنسان على ثلاثة أنواع:
النوع الاول: لا يستطيع الإنسان دفعه مهما يكن له من القوة والبطش، ولابد أن ينفذ، وأنف الإنسان راغم.
النوع الثاني: لا يمكن للإنسان أن يقاومه كل المقاومة، ولكن يمكنه تخفيف حدته، وتلطيف شدته.
النوع الثالث: نوع جعل الله في وسع الإنسان أن يدفعه بل أوجب عليه أن يدفعه، وأن يبذل في سبيل ذلك كل ما يملك من قوة وجهد. وهذا إجمال يحتاج الى تفصيل: ..
النوع الأول:
أما القدر الذي هو وراء قدرة الإنسان، ولا تناله قوته، ولا يستطيع دفعه مهما يكن له من قوة وسلطان فهو القدر المتصل بنواميس الكون، وقوانين الوجود وهو االقدر الغالب إبتداء وإنتهاء، فليس في وسع الإنسان أن يوقف دورة الفلك، أو يأتي بالربيع مكان الخريف، أو بالشتاء مكان الصيف، أو يعطل جاذبية الأرض.
ومن ذلك سنن الوجود: أن يولد الإنسان دون غيره، ومن فلانة دون غيرها، وأن يكون أبيض اللون أو أسمره، طويل القامة أو قصيرها، ذكيا أو غبيا، الى غير ذلك من الأقدار التي ليس للإنسان يد في إحداثها ولا قدرة له على، تغييرها ...
ومن أجل ذلك لم يكلف الله الناس شيئا بهذا لأنه لم يكن في وسع أحد أن ينهض به، ويلحق بهذا النوع. المصادفات البحتة التي لابد للإنسان في إحداثها، والتي لم يأت الخير فيها بجده، ولا الشر بسعيه، كأن علق شخص آماله على إنسان فمات، أو وضع ماله في حرز أمين فاحترق أو وافته صفقه تجارية ما كان ينتظرها فربح منها مالا كثيرا، أو غير ذلك
стр. 217
من الأسباب التي لابد فيها للإنسان، وبهذه الأمور تهدى فطرة الإنسان الى أن هناك قوة فوق قوى البشر تسيطر على الإنسان وتخضعه لتصرفاتها فتأتيه بالخير من حيث لا يحتسب لحكمة لا يعلمها وترميه بالنوائب من حيث لا يقدر لسر يجهله ...
تلك قدرة الله الغالب على أمره، القائم على كل نفس بما كسبت الذي له الخلق والأمر، وهو أحكم الحاكمين، ذلكم هو القدر الذي ينبغي أن يتلقى الإنسان أحكامه بالرضا والتسليم والإمتثال، وإن رآها شرا، وبالحمد والشكر، وإن رآها خيرا، ذلكم هو القدر الذي يشير إليه الله سبحانه: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ (سورة الحديد). ويقول تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (سورة التغابن). فلو تدبرنا هذه الايات حق تدبرها لوجدناها تنطق بالحق، وتشهد بالصدق، وتعلن في صراحة وجلاء أنه سبحانه يدبر الكون بعلمه وحكمته وقدرته ومشيئته فلا يقع فيه شيء إلا بإذنه لوجدنا فيها عزاء للذين تعتريهم الكوارث، وتمسهم النكبات إذ تنزل السكينة في قلوبهم وترد إليهم عازب الصبر، أو تلهمهم الرضا والتسليم .....
ولوجدنا فيها كذلك كبحا لجماح النفوس السادرة في غلوائها المدلة بما حولها ربها من الخير والنعمة التي يستهويها شيطان الغرور فينسيها شكر النعم وحمد المتفضل.
امتحان:
يمتحن الله سبحانه عباده، وهو أعلم بهم لتنهض حجته عليهم وتنقطع أعذارهم، وتدحض حجتهم ولستوحي الصابر جزاء صبره، ويستحق الشاكر ثواب شكره قال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ (سورة الأنبياء). وقال تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ
стр. 218
يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ (سورة العنكبوت).
النوع الثاني:
أما القدر الذي لا يستطيع الإنسان أن يقاومه كل المقاومة ولكن في إمكانه تخفيف حدته وتلطيف شدته فهو ما يتصل بالغرائز والبيئة والوراثة، وما الى ذلك، فهو غالب إبتداء، ولكنه مخير انتهاء.
توضيح ذلك: إن الله تعالى قدر على الإنسان غريزة حفظ الذات.
وهذه الغريزة جامحة طاغية عنيفة لو ألقى حبلها على غار بها لاقتحمت بالإنسان مخاطر ومهالك، ودفعته الى أن يظفر بكل ما تمكنه قوته من الظفر به غير مبال ولا حافل بسواه.
لم يفرض الله على الإنسان أن ينتزع هذه الغريزة من جذورها، أو يقتلعها من أصولها لأنها قدر غالب لا سبيل الى دفعه، ولكنه أمره أن يكبح جماحها ويردها عن طغيانها، وعلمه كيف يخفف من حدة هذا القدر، وكيف يلطف من جموحها قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ (سورة النساء)، ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ (سورة النساء)، قال أيضا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ (سورة البقرة)، ومن هذه النصوص الحكيمة ترون أن الله حضر على الإنسان أن يعتدي على حق غيره، وأن يأكل ما لم يكسبه من طريق طيب مباح، وبذلك يخفف من حدة هذه الغريزة، ويحد من طغيانها.
وهنا يشعر الإنسان بأنه حر مخير بين أن يستجيب لداعي الغريزة الجموح، وأن يستجيب لأمر الله الحكيم الذي لم يكلفه إلا ما له به طاقة.
стр. 219
وقدر عليه سبحانه غريزة حفظ النوع، وهي كذلك جامحة شرود طاغية، فلو أرخى لها العنان لأصاب الرجل كل امرأة تروقه، واستسلمت المرأة لكل رجل يحظى بإعجابها ...
وكذلك لم يكلف الله الإنسان أن يجتث هذه الغريزة من عروقها، لأن ذلك قدر غالب لا قبل للإنسان بمقاومته والخروج على أحكامه، ولكنه تعالى كلفه المستطاع وهو الحد من طغيان هذه الغريزة، وكبح جماحها، وتدبير أمرها، فحرم الزنا، وحرم أنواعا من النساء تحريما مؤبدا وحرم أنواعا منهن تحريما مؤقتا وأباح سائرهن بشرط الإيجاب والقبول، والمهر والشهود، وإذن الولي وقد نصح الرسول ﷺ ، بما يكسر من حدة هذه الغريزة إذا طغت فقال: "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء" ونهى عن مخالطة الأشرار للتخلص من شرور البيئة فقال تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ (سورة النساء)، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ (سورة الانعام)، وقال ﷺ : "مثل الجليس الصالح، وجليس السوء: كبائع المسك، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد منه ريحا زكية" (١)، فنشأة الإنسان في بيئة خبيثة من القدر الغالب الذي لا سلطان له عليه، وأما محاولة التخلص من شرها ففي وسعه، ومن أجل ذلك كلفه الله تعالى إياها.
стр. 220
ولكي يقاوم سلطان الوراثة غالب الناس يحرصون على اتباع ما وجدوا عليه آباءهم فقال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ (سورة البقرة)، وقال في الأثر: "إياكم وخضراء الدمن قالوا وما خضراء الدمن قال المرأة الحسناء في منبت السوء" (١)، فنرى من هذا أن أقدار الغرائز والبيئات والوراثات غالبة لا سلطان للإنسان عليها، ولكنه يستطيع أن يصد طغيانها ويحد من سيء آثارها وأن يلجمها بلجام الحكمة فتكون كلها خيرا نافعا.
النوع الثالث:
أما النوع الثالث- وهي الأقدار التي أوجب الله تعالى على الإنسان أن يدفعها- فهي الأقدار المتصلة بالأعمال الإختيارية، ومنها التكليف الشرعي، وهذه الأقدار الخيرة ابتداء وغاية.
جاء رسول الله ﷺ قومه بالهدى ودين الحق فكذبوه ورموه بما رموه به، وحالوا دون نشر دعوته، وإعلان كلمة الحق، ولا جرم أن ذلك كله من قدر الله، فماذا كان من أمره ﵊؟ أتظنون أنه خضع لأحكام هذا القدر، واستسلم لسلطانه ووقف أمام أعدائه مكتوف اليدين؟ أتظنون أنه ترك حبل الدعوة على غاربها، وقبع في كسر بيته انتظارا لما تأتي به الأقدار؟ كلا بل قاوم، وناضل وجاهد، وقاتل وبذل كل ما في وسعه، وأنفق جهد طاقته لينحي أعداء الحق من طريقه، حتى أيده الله بنصره، وذلك من قدر الله أيضا فها نحن أولا قد رأينا رسول الله ﷺ قد دفع قدرا بقدر، ونحن في كل حين ندافع أقدارا بأقدار ...
فالجوع مثلا من القدر ونحن ندفعه بقدر الطعام، والعطش من القدر، ونحن ندفعه بقدر الشراب، والمرض من القدر، ونحن ندفعه بالدواء وهو من القدر أيضا ولو أن امرأ استلسم لقدر الجوع أو الظمأ مثلا وهو قادر على دفعه، ثم مات مات عاصيا لله تعالى الذي نهاه عن أن
стр. 221
يلقي بنفسه الى التهلكة قال تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (سورة البقرة)، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ (سورة النساء).
وقد أفصح رسول الله ﷺ عن هذا كل الإفصاح، وأوضحه كل الإيضاح حين قيل له: "يا رسول الله أرأيت أدوية نتداوى بها، ورقى نستقي بها، وتقى نتقي بها أترد من قدر الله شيئا؟ فقال ﵊ هي من قدر الله" (١). فانظر الى هذا الجواب الحكيم الذي يحفز الهمم الى العمل النافع ويهيب بالناس الى إتخاذ الأسباب والإمعان في الحذر. قال تعالى في الثناء على المؤمنين: ﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ﴾ (سورة الرعد)، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ (سورة فصلت)، فقد أخبرنا في الآية الأولى عن المؤمنين بأنهم يدرءون بالحسنة السيئة، والسيئة من قدر الله، والحسنة التي يدفعونها بها من قدر الله أيضا فهم يدفعون قدرا بقدر كما رأيتم، وفي الآية الثانية يأمر الله سبحانه بالدفع بالتي هي أحسن. والتي هي أحسن هي الحالة أو الصفة الحسنة تدفع بها الحالة أو الصفة السيئة وكلتاهما من قدر الله سبحانه، فهو يأمر أن تدفع القدر بالقدر ....
وقال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ (سورة الانفال). فقد أمر الله تعالى بإعداد المستطاع من العدة ارهابا للعدو والمستطاع هو ما يدخل في قدرة الإنسان وإختياره وكل هذا من باب دفع الاقدار بالأقدار وهو في وسع الإنسان وفي صميم إمكانه
стр. 222
قال تعالى: ﴿وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ (سورة النساء)، فلولا أن اتخاذ الحذر مستطاع، وفي الإمكان وفي مقدار الإنسان ما أمر الله العليم الحكيم به لأن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها كما قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (سورة البقرة).
стр. 223
لا تتم مصالح إلا بمدافعة الأقدار
ومدافعة الاقدار على ضربين: أولهما مدافعة أقدار قد أنعقدت أسبابها، ولا تقع بأقدار تدفعها وتحول دون وقوعها، كمدافعة عدو مغير بالإعداد له. ثانيها: مدافعة أقدار قد وقعت بأقدار تدفعها أما القعود عن مدافعة الأقدار مع القدرة عليها فهي من العجز الآثم الذي نهينا عنه والذي كان الرسول ﷺ يستعيذ بالله منه، وكان يكثر أن يقول: "اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل" (١) ولقد صح أنه ﷺ قال: "المؤمن القوي خير وأحب الى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير" (٢) "إحرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل لو إني فعلت كذا وكذا لكان كذا وكذا، ولكن قل قدر الله، وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان" ومعنى هذا الحديث أن المؤمن القوي الذي يأخذ أموره بقوة وعزم وتبصر، أحب الى الله من المؤمن العاجز المتواكل. أما الخير الذي يشتركان فيه، فهو الإيمان، ولكن المؤمن القوي ممتاز عند الله لأنه نافع لنفسه ووطنه وأمته.
ثم يحض الرسول ﷺ على النافع من الأمور مع الإستعانة بالله جل شأنه، والتوجه إليه، والإستعداد من فيض رحمته وفضله، فإن الإنسان لا يستغني عن قوة الله مهما بلغ من القوة والمعرفة، ولا عن توفيقه، وينهى الرسول ﷺ عن العجز، وهو القعود عن العمل مع القدرة عليه كسلا وتهاونا، فإذا خرج الأمر من يده أصبح في يد الأقدار التي لا يمكن دفعها فالحرص على ما ينفع هو مدافعة الأقدار بالأقدار، لا ينبغي أن يحول الإيمان بالقدر بيننا وبين إتخاذ الحيطة والنظر في أعقاب الأمور بالحزم والحرص على الخير والعمل على الظفر به، والفرار من الشر، والعمل على النجاة منه وقد علم الله ضعف الإنسان أمام قوة الغرائز، أو أثر البيئة، أو الوراثة وعلم سبحانه أنها قد تطغى عليه فتورطه في الإثم أو
стр. 224
تعرضه لألوان من الفتون، فاقتضت رحمته أن يمحو بالتوبة النصوح أثر هذا الطغيان، وأمر بالتوبة ليمحو بها قدر المعصية التي دفع إليها قدر الغريزة، أو البيئة أو الوراثة ...
فمن دفع قدر التوبة قدر المعصية- كما يدفع قدر الدواء قدر المرض- فقد استمسك بالعروة الوثقى، ومن لج في عتوه ونفوره، فعلى نفسه جنى وإياها أوبق، وما ربك بظلام للعبيد ..
قدر الله سبحانه أن الجد سبب الظفر في الدنيا، وأن عمل الصالحات سبب الفوز بالنعيم في الآخرة، فإن قصرنا في العمل حاق بنا سوء تقصيرنا وكنا خلقاء باللوم والتثريب أحرياء بما أعد الله للمقصرين من الخيبة في الدنيا والعذاب الأليم في الآخرة، لا ينبغي أن يحتج بالقدر إذا قصرنا في عمل كان في وسعنا أن نعمله فلم نعمله، فحاق بنا ما يستوجبه التقصير، لأننا مأمورون أن نأخذ الحذر، وأن نحتاط للأمر ما استطعنا الى ذلك سبيلا ...
كل امرئ يدرك ادراكا تاما الفرق بين ما يأتيه أو ما يدعه طوعا واختيارا، وما يصيبه وليس له فيه إختيار ومن أنكر ذلك فقد سفه نفسه، وأنكر عقله، إننا نرى أن الإنسان إذا أخفق في الحصول على مطلب عاد باللأئمة على نفسه ثم عاود الطلب بعد إحكام وسائله واتخاذ الأسباب التي يعتقد أنها كفيلة بأن تحقق أمله حتى يظفر بحاجته، وإن راى سبب إخفاقه منافسة خصم اشتد غضبه عليه، وإن اعتدى عليه معتد بالقول أو بالفعل لم يقف أمامه مكتوف اليدين متى كان قادرا على الإنتقام، ومن العجيب أن القدر لا يخطر بباله في كل هذه الأمور، ولا يخطر بباله إلا اذا اقترف سيئة ليحمل الأقدار تبعة ما جنى وجريرة ما اقترف.
ضلت أفهام المسلمين ولاسيما الصوفية، فصاروا جبرية لا يفكرون في جلب خير ولا دفع ضر كأنهم بين أيدي الأقدار كالريشة في مهب الرياح، فإذا وجهت إليهم عتابا أو ملاما أو نصحت لهم بأن يرجعوا الى الإسلام ويعملوا بالأسباب وأن يسلكوا سبل الخير احتجوا بالقدر، وحملوا الأقدار
стр. 225
تبعة ما جنوا من أوزار ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾ وهذا أقبح ما انتهى إليه جهل الجاهل وغفلة الغافل، وحمق الأحمق وغباء الغبي.
إذا أغرى الشيطان الإنسان بالنكر أو زين في قلبه القعود عن صالح العمل، ولوح له بالقدر يتخده تكأة يتكئ عليها، وعذرا يعتذر به، فعليه أن يدفعه بذكر الأمر والنهي، وأن يقول له في حزم وتبصر، إن الشريعة المطهرة ما أنزلها الله إلا ليسلح بها المكلفين ليدافعوا الأقدار، وليعلمهم كيف يدفعونها بأقدار مثلها، فمن شق أمواج الأقدار بسفينة الأمر والنهي وصل الى ساحل النجاة، وسلم من المعاطب ونجا من الأخطار ...
لولا أن الإنسان يشعر كل الشعور بأنه مختار فيما يأتي وما يدع، ولولا أن الطاعات في وسعه وفي قدرته ما نزلت الشرائع، ولا جاءت الأوامر والنواهي، ولا أرسل الله الرسل، ولا أنزل الكتب، ولا أنذر، ولا بشر ولا رغب، ولا حذر، ولا جعل جنة ونعيما ولا نارا وجحيها، لو كان الإنسان مجبرا على أعماله الإختيارية لبطل الثواب والعقاب، والتأديب والتهذيب، والنصح والإرشاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة الى الخير والصد عن الشر ..
ومما لاشك فيه أن الإنسان يشعر بأنه تام الإختيار في فعل ما يفعل، وترك ما يترك، وكثيرا ما يتردد بين عملين، فيفكر ويتروى، ويوازن بين نتائجهما حتى إذا تبين له فضل أحدهما على الآخر آثره ومضى فيه.
وقد اتفق المختلفون على أن هذه الأعمال تسمى أعمال الإنسان الإختيارية أي الصادرة عنه بمحض اختياره، ولا يماري في ذلك منهم أحد.
ولو نظرنا الى القرآن الكريم لوجدناه دالا كله على أن للإنسان اختيارا لا يكاد القارئ ينشر المصحف على أية صفحة من صفحاته حتى يجد الآيات تنطق بأن للإنسان عملا أو فعلا أو كسبا، أو سعيا وأنه مسؤول عن عمله
стр. 226
ويجزى به، والشاهد والحس والبديهة كفيلة ببيان أن للإنسان عملا صادرا عن ذاته ...
فترى الطفل لأول عهده بالكتابة يحرك يده بالقلم فلا يكاد يقيم حرفا، وكلما ازداد تدريبا جاد خطه ووضحت كتابته، والصانع المبتدئ كثير الأخطاء وكلما مضى في الصناعة قلت أخطاؤه ...
والمبتدئ في تعلم الخطابة لا يكاد يقيم لسانه، فإذا أشتد إستقام لسانه بعض الشيء، فإذا حذق الفن جاد بيانه وأنطلق لسانه، ونرى من أنفسنا الخطأ والنسيان والضلال، والخضوع لوسوسة الشيطان، واقتراف الفحشاء والمنكر، والبغي والظلم والعدوان وغير ذلك من المعاصي والآثام. ثم التوبة والإستغفار والندم مما لا تصح نسبته الى الله حقيقة ولا مجازا، ولا يجوز عقلا ولا شرعا ولا أدبا، ولا ذوقا أن بنسب إلا الى فاعله المسؤول عنه المحاسب عليه المجزي به ..
قال الله عزوجل: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (سورة النساء)، هذه الآية أسند الله فيها الى العبد عمل السوء وظلم النفس والإستغفار، وأسند الى نفسه المغفرة والرحمة فأسند الى الله ما أسند الى نفسه، ولنسند الى العبد ما أسند الله إليه وليس علينا في ذلك جناح ولو تدبرنا القرآن كله لوجدناه على هذه الشاكلة: فلم يقولون يخلق العبد أفعال نفسه، ثم يختلفون؟ أما إنهم لو قالوا كما قال الله تعالى: (يفعل أو يعمل أو يكسب أو يقترف ما اختلفوا، وإذا كانوا جميعا متفقين على أن أعمال العباد اختيارية قدرها الله أن تكون لهم فما بالهم يحاولون نسبتها الى الله تعالى.
أمر الله:
رجل تنكب طريق الحق، وحاد عن الرشد، وضل عن قصد السبيل، فما يكون جوابه إلا أن يقول- هذا أمر الله- وهذا كذب على الله، وافتراء عليه والله تعالى يقول: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ
стр. 227
كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ (سورة الزمر)، أجل كذب على الله وافتراء عليه، وقد رد الله على أمثال هذا المفتري بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (سورة الاعراف)، صدق الله العظيم، فمرتكب الخطيئة لا يرتكبها بأمر الله ولكن بأمر الشيطان الذي يعد بالفقر ويأمر بالفحشاء كما قال الله: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (سورة البقرة) ...
إرادة الله:
قد يلوم أحدكم بعض من يقترفون المنكر فيدفع عن نفسه بقوله: هذه إرادة الله .... أجل هذه إرادة الله، ولكن الله يكره من عباده أن يعملوا الشر، وإن وقع بإرادته، إذ لا يقع في ملكه إلا ما يشاء، وليس معنى المشيئة أنه يحب ذلك الشر بل معناه: أن الشر لا يقع على الرغم منه- وحاشا له وإرادة الله تعالى لا ترغم العبد على فعل الشر، ولو أن العبد فعل الخير بدل الشر لكان فعل الخير بإرادته سبحانه- أيضا.
فالله سبحانه بعد أن أنزل الكتب، وأرسل الرسل، وبين الحلال والحرام، وأخبر بما أعد للمطيعين، وما أعد للعصاة المارقين، ترك العباد لاختيارهم كما قال تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا * إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا * أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾ (سورة الكهف).
стр. 228
ترك الله العباد لاختيارهم، وان كان يحب منهم أن يأتوا الطاعات، ويكره أن يأتوا المعاصي. فالطاعة والمعاصي تقع من العبد بإرادة الله ومشيئته أي بغير أن يكون مكرها على وقوعها كما أن مشيئته تعالى لم تكره العبد على المعصية التي تقع منه.
стр. 229
دفع اعتراض
فإذا سأل سائل عن قوله : ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ والحس والمشاهدة قاضيان بأن المسلمين هم الذين قتلوا كفار قريش يوم بدر، وبأن النبي ﷺ هو الذي رمى قبضة التراب التي أصابت أعين المشركين وكانت سببا في هزيمتهم، ولكن الآية تسند القتل والرمي الى الله، أفليس في هذا الدليل على أن العبد لا عمل له، وأن العمل لله وحده وهذه هي الحيرة دفع هذا الإعراض وهذه الآية الكريمة وردت في سورة الأنفال في معرض نهي المسلمين عن التولي يوم الزحف، فقد جاء قبلها قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ * وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾.
فكأن الله يقول للمؤمنين: ما الذي يحملكم على الفرار أو يدفعكم الى تولية الأدبار، والله قد كفل تأييدكم ونصركم، فاذكروا يوم بدر، وقد كنتم قلة لا تقومون لكثرة المشركين، ولكن الله أمكنكم منهم حتى قتلتم سبعين رجلا وإن قوتكم الطبيعية لا تتيح لكم هذا النصر، ولا تمكنكم من هذا القتل، فالله ربط على قلوبكم، وثبت أقدامكم حتى أظفركم بهم، وأظهركم عليهم، فلم تقتلوهم بقوتم ولكن الله قتلهم بما خولكم من أسباب النصر والغلب التي لم تكن لتتاح لكم، ثم يلتفت إلى خطاب رسول الله ﷺ فيقول له، وحين ألقيت كفا من التراب في وجوه المشركين فأصاب التراب أعينهم جميعا لم تكن لتدرك ذلك بقوتك الطبيعية، ولكن الله تعالى هو الذي كثر ذلك التراب بمحض قدرته، وأوصله الى أعينهم حتى ثقلوا بها عن الإلتفات لمن يقاتلهم.
فإن كان النبي ﷺ قد رمى التراب فإنه لم يكن بوسعه أن يوصله إلى أعينهم جميعا، فذلك من فضل الله وحده، كما ألقى موسى ﵇ العصى فكانت حية تسعى، فإلقاء العصى عمل موسى ولكن قلبها حية عمل
стр. 230
الله تعالى وحده، وكذلك إلقاء التراب عمل النبي، ولكن توصيله الى أعين المشركين على الرغم من بعدهم عن مكان الرمي، وكثرتهم، واختلاف اتجاههم هو عمل الله تعالى، ولذلك صح أن يسند الرمي الى النبي وينفي عنه أثره، ويسند الى رب العزة.
هذا هو نظام القرآن الكريم، وهذه بلاغته، وهي كما ترون فوق النزعات والأهواء الجدلية، ووراء الفرق والمذاهب ...
تفسير قوله :
﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ وقوله: ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ ذلك أن المنافقين والكافرين الذين كانوا بالمدينة بعد أن هاجر النبي ﷺ إليها كانوا إذا أصابتهم حسنة: من نزول غيث، ونماء زرع، وجودة حاصل قالوا: هذه من عند الله زاعين أن الله تعالى ما أنعم عليهم إلا لكرامتهم عليه ومنزلتهم عنده. وإذا أصابتهم شدة من احتباس المطر، أو جفاف زرع قالوا هذه من عندك يا محمد، أي إنهم كانوا يتشاءمون بقدومه، ويتطيرون بدعوته، فرد الله عليهم مقالتهم الخاطئة الآثمة، وقال تعالى مخاطبا نبيه الكريم: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ أي: أن كلا من الحسنة والسيئة من عند الله لوقوعها في ملكه على حسب ما وضع من النواميس والسنن، ومن الأسباب وارتباطها بمسبباتها، وإن هؤلاء القوم ما أتوا إلا من سوء فهمهم وقلة فقههم لما يقولون وما يسمعون: ولو أنهم كانوا على شيء من الفهم والفقه لردوا كل شيء الى سببه القريب أي الى واضع السنن ومسبب الأسباب ولعلموا أن السيئة لم تقع بشؤم، ولا بتأثير دعوة ولا بظهور دين.
وبعد أن بين سبحانه حقيقة الأمر في الحسنة والسيئة بالنسبة الى موضعهما وقوانين الوجود، وسنن الله تعالى فيهما، وأوضع تعالى أن كل شيء مما يحسن وقعه عند الناس أو يسوؤهم بهذا الإعتبار يضاف الى رب العزة، لأنه مسبب الأسباب، وواضع النواميس والسنن أراد سبحانه أن يبين حقيقة الأمر فيها من وجه آخر فقال: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ
стр. 231
اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ ومعنى هذا: أن كل حسنة تصيب العبد من صحة وعافية ورزق، واعتدال زمان، وخصب أرض، ونزول غيث وغير ذلك مما يحسن عنده وقعه، فهي من فضل الله عليه، فهو الذي سخر له المنافع التي بها حياته، وحياة ما ينتفع به من حيوان ونبات وهو الذي أرشده بما وهبه من أنواع الهدايات، بما أنزل عليه من الشرائع والآيات البينات الى سبيل الإنتفاع بهذه الموجودات. وقد مكن الله الإنسان من ناصية الوجود، ووهبه العقل والقوى ما يكفيه من توفير أسباب السعادة، والبعد عن مزالق الشقاء، وهذه النعم مصدرها المواهب الإلهية فهي من الله تعالى.
وكل سيئة تصيب العبد فهي من نفسه لأنه أوتي قدرة على العمل، واختيارا في التقدير الباعث عليه، من دفع المضار، وجلب المنافع.
فإذا أساء العبد التصرف في عمله، وأهمل العقل وانصراف عن سر ما أودع الله في سننه، واتبع الهوى ومال مع الشهوات جلب الشر على نفسه لأن ربه وهبه هبات ليصرفها فيما ينفعه، فوجهها بسوء اختياره الى ما يضره، فحق أن ينسب اليه ما جنى على نفسه، ويقال له: ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ ..
وهنا حقيقتان متفقتان ينبغي تدبرهما وفقهما:
الأولى: أن كل شيء من عند الله بمعنى أنه خالق الأشياء، وواضع النظام والسنن، ومسبب الأسباب في جلب المنافع ودفع المضار- وهذا كله بسعي الإنسان واختياره لأنه مظهر الحكمة الالهي ...
الثانية: أن الإنسان لا يقع في شيء يسؤه إلا بتقصيره في استبانة الأسباب وتعرف السبب والأحكام فإذا قصر الإنسان في العلم وأساء الإختيار في استعمال قواه في غير ما يقتضيه نظام الفطرة وقع فيما يسؤه وكان على نفسه جانيا ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ أفلا يدل على أن الهدى والضلال بيد الله تعالى، وليس للعبد فيما كسب ولا عمل؟ ينبغي للإنسان أن يعلم أن الله تعالى حكيم، والحكيم يضع
стр. 232
الأشياء في مواضعها، ولا يشاء إلا ما تقتضيه الحكمة قال تعالى: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى * فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ (سورة الليل). فدل سبحانه بهذا القول الحكيم على أن أعمال العباد مختلفة وعلى أنها مقدمات تفضي الى نتائجها، وأسباب تؤدي الى مسبباتها فمن أعطى واتقى وصدق بالحسنى سييسره الله الحسنى: وذلك هو الذي يشاء الله أن يهديه، ومن بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسييسره الله للعسرى، وذلك هو الله الذي يشاء أن يضله وهذا اختيار من جانب العبد، واتجاه وعمل، ومن فضل الله ورحمته أن الذي يختار الخير ويتجه إليه يعينه الله عليه، وييسره له كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ (سورة محمد)، وكما قال أيضا: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَرَدًّا﴾ (سورة مريم) ..
وأما الذين يختارون الشر، ويتجهون إليه، فإن الله تعالى يوليهم ما تولوا، ويتركهم وما اختاروا لأنفسهم كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (سورة النساء)، وهذا معنى إضلالهم فمن حيث أن الله سبحانه دعاهم الى الطريق الخير وسبيل الهداية على لسان رسله، وفي كتبه المنزلة بعد أن منحهم من أنواع الهدايات ما فيه بلاغ فأبوا أن يستجيبوا لداعي الحق، واستكبروا أن يسلكوا سبل الرشد، فلا جرم أن الله يتركهم وما اختاروا لأنفسهم فلا يأتي إضلالهم إلا من بعد أن اتجهوا الى الشر وإعراضهم عن الخير قال تعالى: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ * الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ (سورة البقرة)، إن الذين وقع عليهم الإضلال هم الموصوفون بما ذكر، فالإضلال قد وقع على الفاسقين الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه، ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل،
стр. 233
ويفسدون في الأرض، فهو نتيجة مترتبة على مقدمات أتوا بها، ومسبب عن أسباب وهو ليس إلا تركهم يسيرون في الطريق الذي اختاروا سلوكه، ولو وقع الضلال على الصالحين يصلون ما أمر به أن يوصل، ويصلحون في الأرض لقلنا أن الله أرغمهم على الضلال وحاشا الله ...
قال تعالى في كتابه الكريم: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا * وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ (سورة الاسراء).
وقال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ (سورة الشورى)، وقال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ * أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ * لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ * إِنَّا لَمُغْرَمُونَ * بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ في هذه النصوص الحكيمة أكبر العبرة لمن شاء أن يعتبر، فقد بين أنه يعطي العبد ما يسعى للحصول عليه والظفر به، فمن سعى الى الدنيا أعطاه منها، ومن سعى الى الآخرة شكر الله سعيه.
وقد أسند رب العزة الى العبد إرادة وسعيا كما أسند إليه الحرث وأسند الى نفسه الزرع، فالحرث ما يقوم به العباد من حرث الأرض وتهيئتها وإعدادها، وبذر الحب، وإفاضة الماء، وتعهد النبات بالعزق والتسميد وما الى ذلك.
والزرع: إخراج النبات من الحب، وهو الأمر الذي لا يدخل في طوق البشر، ولا يسطيعون إليه سبيلا، ولا يقدرعليه إلا رب العالمين سبحانه.
وعلى ذكر الحرث والزرع، أرأيتم إنسانا بذر برا فنبت له شعيرا، أو غرس نخلا فنبت له دوما، أو بذر حنظلا فنبت له موزا.
وكذلك الشأن في المعنويات، فمن أتجه الى الخير وأخذ بأسبابه هيأه
стр. 234
الله له، ومن اتجه الى الشر وتعلق بوسائله: ولاه الله ما تولى، وتركه وما أختار كما أن من حرث التبن زرع الله له التبن، ومن حرث الشوك زرع الله له الشوك، وكل يجني ما غرست يداه، ولا يظلم ربك أحدا.
التوفيق والخذلان:
جاء في القرآن الكريم قوله تعالى حكاية عن شعيب ﵇: ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ (سورة هود)، ونسمع يدعون لبعضهم بعضا وفقك الله، أو كتب لك التوفيق، أو أدام الله توفيقك، وأمثال هذه الدعوات. فما معنى هذا التوفيق؟ إن العبد مهما يؤت من العلم والفطنة والذكاء والمعرفة ومهما تواته التجارب والإختبارات فإن وراء علمه علما لا حد له ولا غاية، ذلك هو علم الله الذي إذا قيست جميع علوم البشر ومعارفهم وتجاربهم إليه كانت هباء، بل لم تكن شيئا مذكورا قال تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (سورة الاسراء)، وقال أيضا: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ (سورة البقرة)، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ (سورة آل عمران). إذا علم الإنسان قاصر منقوص مهما يتسع أفقه، ولقصور علمه يتمنى أمرا تكون فية أمنيته، وقد ينفر من شيء يكون له فيه كل الخير ...
قال تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (سورة البقرة)، وقال أيضا: ﴿فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ (سورة النساء)، وإذا تقرر هذا قلت إن التوفيق عناية خاصة يتولاها رب العزة لبعض عباده فضلا منه ونعمة فيجعل أعمال هذا العبد ومساعيه موافقه لأسباب ظفره بالخير الذي يجهل طرقه ..
فإذا تفضل العليم الحكيم سبحانه على عبده بهذه العناية فإنه يهيء له وسائل النجاح وإصابة الخير، ما لا يبلغه بعلمه، ولا بإرادته، ولا بقدرته،
стр. 235
ولا بكسبه ولا بتجاربه أي أنه تعالى يمنحه قوة ما في مقدوره ما يكون سببا في بلوغه الى الخير ..
قال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (٧) فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (سورة الحجرات)، والله عليم بمن يصلح لهذا الفضل، ومن لا يصلح له ...
أما الخذلان فهو أن يترك العبد لاجتهاده وما منحه من المواهب العامة، فلا يمنحه شيئا من العناية التي يمنحها ممن كتب لهم التوفيق، والله سبحانه لا يظلم العبد بذلك شيئا.
هذا والتقوى والصدق والتوكل على الله تعالى مع إتخاذ الأسباب، والتعرض لنفحات الله تعالى من أعظم أسباب التوفيق قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ (سورة الطلاق).
كلمة جامعة:
أجاب سيدنا علي كرم الله وجهه حين سئل: أكان مسيرنا الى الشام بقضاء من الله وقدر؟ فقال للسائل: "ويحك، لعلك ظننت قضاء لازما وقدرا حاتما، ولو كان كذلك لبطلا الثواب والعقاب وسقط الوعد والوعيد .. إن الله سبحانه أمر عباده تخييرا ونهاهم تحذيرا وكلف يسيرا، ولم يكلف عسيرا، وأعطى على القليل كثيرا، ولم يعصى مغلوبا، ولم يطيع مكرها، ولم يرسل الأنبياء لعبا، ولم ينزل الكتاب للناس عبثا، ولا خلق السماوات والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار".
стр. 236
إصلاح المجتمعات الإسلامية الحالية من الإنحراف والفساد عن طريق الدين
من أمعن النظر في حياة المسلمين وجدها بحاجة ماسة إلى إصلاح جذري يشمل حياتهم كلها الفردية والجماعية الحكومة والدستور، والمناهج والبرامج، بل في كل شأن من شؤونهم، ويتغلغل في صميم أمورهم عن طريق الدين والأخلاق، لأنهم انحرفوا انحرافا شنيعا عن الإسلام والأخلاق الفاضلة قل من تراه متمسكا بهما ...
فشباب المسلمين غالبهم في الحانات والمواخر مع الفتيات يتعاطون الفحش والعهر علانية، وعلى مسمع ومرأى من الحكومة، والآباء لا يحركون ساكنا، بل الحكومة هي التي تنظم السياحة في القرى والأرياف للذكور والإنات يبيت بعضهم مع بعض، وهي التي تأمر باختلاط الجنسين مع المراهقين في التعليم وغيره كالمستشفيات والعامل ومكاتب الموظفين يرتكبون الموبقات والجرائم، ويتركون واجباتههم العملية، والويل لمن أنكر عليهم يتهم بالرجعية وعدم الذوق، فأصبحت نساء المسلمين خارجات عن آداب الإسلام، وعن الحياء الشرعي، مستخفات بأوامره، فيا له من منكر عظيم وشر مستطير أصاب المسلمين، بناتهم وأبنائهم يتعرضون للفتنة والفساد الكبير، وقد استوى في هذه الحالة الأمير والمأمور، والملك والوزير، والغني والفقير، والكبير والصغير، فلا الصغير يخاف من الكبير، ولا الكبير يستحي من الصغير ففحش وجور وظلم وقمار ولهو، وخمر وفسوق، وتهور وسفور وتبرج منكر، وخيانة وزور، وجهل وغرور، ونعم تصرف في المعاصي والفجور ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ﴾ فلا يخافون من الله ولا من الناس يستخفون، ولا من أنفسهم ينصفون تالله إنهم لمسرفون، وعن الحق يعزفون، وعن الصراط لناكبون، وفي طريق الضلالة يتيهون، فالله المستعان على ما يصفون، ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ (سورة الاعراف).
стр. 237
المسلمون اليوم عن الحق معرضون، وفي الباطل يخوضون، ولصرح الاسلام ينقضون، وفي طريق الفساد يركضون وبالملاهي يفرحون.
أين الصالح من الفاسد في هذه المجتمعات والعابد من الفاسق، والطامع من الزاهد، أين المساجد من الملاهي ودور السينما، أين المعابد من بيوت الدعارة والحانات أين الصائم القائم المجاهد من الطامع الكاسي الراقد.
لهذا يجب إصلاح المجتمع الإسلامي عن طريق الدين الحنيف والأخلاق الإسلامية لأنها هي العنصر الفعال في إصلاح الشعوب والأمم في جميع الإتجاهات، وهي الزاد والمجد للوصول الى الغاية المنشودة، وفقدانها يجر حتما إلى الفشل والإندحار، ويدفع الأفراد والجماعات الى الهلاك والدمار، وضغف المسلمين الحالي سببه الإنحطاط الملقى عليهم الأخلاق الإسلامية تدعوا الى التعاون والتراحم، والتواصي بالحق والتواصي بالصبر.
المؤمن يتحلى بكل فضيلة، وينفر من كل رذيلة، وتأباها له همة عالية، وآداب سامية، وآمال أعمال صالحة متوالية يحبها الله منه ويرضاها، المؤمن تمنعه ديانته عن إرتكاب الذنوب والمعاصي، وتحجزه مروءته عن العيوب. وليس من الدين أن توحدوا الله- أيها المسلمون- بألسنتكم وأنتم بدينه متساهلون، ولأحكامه مهملون، وعن الوعد والوعيد ذاهلون تحللون وتحرمون ما تشاؤون، وليس من الإيمان أن تتظاهروا بالخير فيما تقولون، وأنتم تنشرون الشر فيما تفعلون.
لو أصلح المسلمون ما بأنفسهم، واعتصموا بحبل الله جميعا كما أمروا وأصلحوا ذات بينهم لعادوا الى ما كانوا عليه من المجد والعظمة أيام تمسكهم بتعاليم دينهم، ولو أنهم احتكموا في خصوماتهم الى كتاب الله وسنة رسوله، وما استنبط العلماء للمسلمين في مهمات الحوادث لما اختلفوا، ولو أنهم نشروا العلم الديني، والإصلاح الحقيقي في أوطانهم لما اختلفوا، قال الله : ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أيها المؤمنون أين ما وعدكم الله به من العزة؟؟
أتشكون في وعد الله؟ والله لا يخلف الميعاد، المسلم يعبد ربه بظاهره
стр. 238
وباطنه وقلبه، يجاهد في سبيل الله بسيفه، وقلمه، ولسانه، لإعلاء كلمة الله، وينفق في الخير ماله ابتغاء وجه ربه الأعلى أن يعمل لله، أو يتكلم بالحق وإن أضر نفسه فعال منفاق مصداق ..
المسلمون في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم مثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر، كلمتهم واحدة، ومهمتهم واحدة، وجهادهم لله وقتالهم في سبيل الله، من افتقر أعانوه، ومن حضر عدوه، ومن غاب افتقدوه، ومن مات شيعوه، ومن مرض عادوه، وبالدين الصحيح تكون سعادة المسلمين، وحين تفرقوا شيعا وأحزابا، واختلفوا مذاهب ونحلا، وتبينوا أهواء وسبلا، وملأوا المجالس جدلا ذهب سلطانهم، وضعف كيانهم، وصغر شأنهم، وتداعت عليهم الأمم، وكذلك العذاب، ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون ...
اليوم الذي تخلى فيه العالم الإسلامي عن الدين والأخلاق تخلت عنه السعادة، وتاهت به الحياة في مجال القلق ومتاهات الحيرة، ومجالات الشك والإضطراب.
الفقر الحقيقي ليس هو فقر المال ولا الأوراق، وإنما هو فقر الكرامة والأخلاق، فقر الإنسانية، فقر الصفات والشمائل والمحامد والعلم.
أزمة المسلمين ليست أزمة الإقتصاد والسياسة والمال، الأزمة في الواقع أزمة الرجال، أزمة الضمير، أزمة الخلق، أزمة الدين، أزمة الوعي والنضج والرشد، أزمة الأخلاق، أزمة العقيدة، أزمة المثل العليا، أزمة المبادي والقيم، والمعالي والمفاهيم، أزمة الأمانة والواجب والتضحية، أزمة الضمير والإيمان، فهذه الأزمات كلها ناشئة عن عدم اهتمام المسلمين بأمور الدين وجهلهم به ..
الإسلام جاء ليجمع القلب إلى القلب ويضم الصف الى الصف، جاء ليكون مجتمعا راقيا نقيا من عوامل الفرقة والضعف المعنوي والمادي، وأسباب الفشل والهزيمة حتى يصل الى المقاصد السامية، والأهداف النبيلة، التي جاءت بها رسالة سيدنا محمد ﷺ من عبادة لله، وإعلاء
стр. 239
كلمته، وإقامة الحق ونشر العدل وفعل الخير، والجهاد من أجل استقرار مبادئ الإسلام التي يعيش الناس في ظلها آمنين مطمئنين.
جاء الإسلام ليربط المسلمين برباط الأخوة التي لا تنفصم عراها، بحيث تزول أمامها جميع الفوارق من نسب ومال وجاه إلى غير ذلك مما درج عليه الناس من المميزات ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ هذا الإخاء يستلزم تبعيات وحقوقا، فليس هو إخاء عقيما لا ثمرة له ...
أوجب الإسلام على المسلمين أن يحترموا بعضهم بعضا وأن يحافظ كل فرد على كرامة أخيه من أن يعيبه أو يحط من قدره، أو يطعن في شخصيته، أو يلقبه بلقب يكرهه، فهذه السيآت تقطع الصلة، وتمزق روابط المودة، وتزرع البغضاء في القلوب، وتنشر العداوة في النفوس.
أمر الإسلام المسلمين بالتواضع وخفض الجناح ولين الجانب، فالمسلم لا يتكبر، ولا يختال، ولا يزهو بنفسه، قال تعالى في حق المتكبرين: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾ وقد جاء في الحديث الشريف "إن الله أوحى إلي ان تواضعوا حتى لا يبغي أحد على أحد، ولا يفخر أحد على أحد" (١) ...
الإسلام يهتم بتعاون المسلمين فيما بينهم حتى يتحدوا لتقوى جماعتهم، وكان رسول الله ﵌ يقول: "يا بني إذا أصبحت وأمسيت وليس في قلبك غش لاحد فافعل فإن ذلك من سنتي ومن أحيا سنتي فقد أحبني، ومن أحبني كان معي في الجنة". قال رسول الله ﵌: "من أصبح ولم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم" (٢) هذا الحديث الشريف ينبه المسلمين من
стр. 240
غفلتهم ويحثهم على أن يقوموا بواجباتهم نحو بعضهم بعضا، لأن كل واحد منا عليه واجبات وحقوق، ومسؤوليات نحو المجتمع. فإصلاح المجتمع متوقف على اصلاح الفرد، فإذا كان الفرد شاعرا بواجباته الكثيرة نحو ربه الذي خلقه وأغدق عليه من نعمه الكثيرة التي لا تعد ولا تحصى، وخافه في السر والعلن، واستحضر عظمته في ضميره، وخشيته في قلبه، فيصبح هذا الفرد لا يتعدى ما أمر الله به، ولا يتجاوز ما نهاه عنه، فيسير في طريق الصواب التي لا أعوجاج فيها، فيصير إنسانا كاملا فيؤدي رسالته التي خلق من أجلها، ألا وهي فعل الخير في هذه الدنيا، فيعمل بقول الرسول ﵌: "المسلم من سلم الناس من لسانه ويده" (١) ...
العلم هو السبيل الوحيد إلى بناء العقيدة الصحيحة، وهو السبيل الى هداية الإنسان وسعادته، ولهذا رفع الإسلام من شأنه، ونوه بمكانته، وحث الناس على اعتناقه، وقد مثله بالنور، ومثل الجهل بالظلمات قال تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
ولقد وجه الإسلام الناس إلى أخذ الأحكام عن العلماء فقال : ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ والعلم في نظر الإسلام حق مشترك بين الناس، وقد ألزم العالم أن يعلم غيره من الناس، وجعل كاتم العلم ملعونا كما قال رسول الله ﵌: "من كتم علما ألجه الله بلجام من النار يوم القيامة" (٢) وهذا مصداق لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾.
стр. 241
ليس العلم أن تعرف الطهارة والصلاة والجج والزكاة والصيام فحسب بل يجب أن تتعلم معرفة الحق من الباطل، والحسن من القبيح، والحلال من الحرام، وليس القصد من التعلم أن تحمل الشهادة من التعليم اللايكي، ولكنه ذلك، وأن تحمل أيضا شهادة الدين والأخلاق لتترك الالحاد والإباحة.
إن التهاون في القيام بالواجب سمه من لا خلاق لهم، وان الله العلي القدير حكم حكما جازما بأن التهاون فيما كلفوا به من تطبيق الإسلام مكذبون، ولهم الويل في الدنيا، والندامة والحسرة والخزي يوم يقوم الناس لرب العالمين.
فهل يليق بنا- معاشر المسلمين- أن نقطع الصلة بيننا وبين تعاليم الإسلام، أو نحصرها في طائفة معينة من الناس؟ أننتظر مرشدا غير القرآن الكريم؟ أم هاديا غير محمد ﷺ ، استولت علينا الأهواء فأنستنا ما أوجب علينا الإيمان: أم طبعت النفوس على الشر فضلت سواء السبيل، أم صار على القلوب اقفال، عجبا يأمرنا ربنا بالتعاون على البر والتقوى، ونحن نتعاون على الإثم والعدوان.
كان المجتمع الإسلامي فيما مضى تنظره شعوب الدنيا بعين الإجلال والإكبار، فما لنا ونحن لم نكن كما كنا من قبال إلا أننا غيرنا ما بأنفسنا، فتغيرت أخلاقنا، وتباعدنا عن صالح العادات وجميل السجايا. يجب على المسلمين أن يحاربوا الشهوات التي تزين لهم مخالفة الدين والعقل، ويبتعدوا عن الأرواح الخبيثة التي حذرهم منها القرآن كالنفس الأمارة بالسوء، ووساوس شياطين الإنس والجن حتى ترجع نفوسهم إلى طريق الحق والصواب، فالمسلم يجب أن يلازم الاستقامة في الأقوال والأفعال، ويأخذ نفسه بالوفاء بالعهد، وصدق العزيمة وعدم مجاراة السفهاء، لهذا كان المسلمون: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (سورة آل عمران).
فما بال المسلمين اليوم يتجهون إلى التمرد على الله وإلى قطع ما أمر الله به أن يوصل، ووصل ما أمر الله به أن يقطع، فما من شر في الأرض،
стр. 242
ولا فساد في الوجود إلا ولهم به صلة، فزين لهم الشياطين سوء أعمالهم وحسنوا لهم الكفر والمعاصي، ودعوهم إلى تكذيب الله ورسوله ومخالفة أوامرهما قال رسول الله ﵌ في حديث قدسي: "إني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وانهم قد أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا، وإن الله نظر إلى أهل الارض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب، وقال إنما بعثتك لأتليك وأبتلي بك، وأنزلت عليك كتابا لا يغسله الماء تقرؤه قائما ويقظانا".
الشياطين هي التي دعت الناس إلى تحريف الدين والخروج عن الفطرة إلى الشرك بالله، وحرمت عليهم الحلال وأحلت لهم الحرام، ولا تزال تقعد لهم بكل سبيل حتى تصدهم عن طاعة الله.
الشيطان هو الذي قام بدور رئيسي في القضاء على دعوة الاسلام في أول مشاورة له مع كفار قريش قال تعالى: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾.
رسالة الاسلام قائمة لهدفين رئيسيين:
أولهما: تصحيح العقيدة من جميع الشوائب، وذلك بالعدل مع الله الذي خلق وأنعم وسوى وهدى، ورزق فأعطى، وليس من العدل الإشراك في عبادة الله والتقصير في طاعته.
ثانيهما: أن يأخذ المسلم نفسه بالعدل في جميع تصرفاتها، ويلزمها طريق الإنصاف مع الناس فلا يأخذ من الحياة إلا ما كان عادلا، وعندما يفقد الإنسان العدل مع نفسه يفقد الطريق المستقيم للحياة الصحيحة.
دعا الإسلام إلى العدل في الأخذ والعطاء في الجور والإخاء، وأوجب العدل في الحكم والقضاء.
стр. 243
بيان جملة من أنواع الشرك
هذه الجمل تأتي على ألسنة الناس من غير أن يعلموا أنها شرك، فتحبط أعمالهم، ويخلدون في أعظم العذاب وأشد العقاب، ومعرفة ذلك واجبه، وقد قال بعض الأئمة: أن الردة تحبط الأعمال، وتبين منه زوجته، المرتد عن دينه هو الكافر بعد إسلامه، فمن أشرك بالله، أو جحد ربوبيته، أو صفة من صفاته، أو بعض كتبه، أو رسله أو سب الله إلى غير ذلك مما تذكره كتب الردة تشكل أنواعا من اعتقاد وقول وفعل واستهزاء.
فيتعين على كل مسلم أن يعرف القول أو الفعل الذي يؤدي إلى الكفر حتى يجتنبه ولا يقع فيه فيحبط عمله، ويلزمه قضاؤه، وتبين زوجته عند هؤلاء الأئمة، والشافعي ﵁ يقول إن الردة إذا لم تحبط العمل لكنها تحبط ثوابه، فلم يبق الخلاف بينه وبين غيره إلا في القضاء فقط، فمن أنواع الكفر والشرك أن يعزم الإنسان عليه في زمن بعيد أو قريب، أو يعلقه باللسان أو القلب على شيء، فيكفر حالا، أو يعتقد ما يوجبه أو يفعل أو يتلفظ بما يدل عليه، سواء أصدر عن اعتقاد أو عناد، أو استهزاء، كأن يعتقد قدم العالم ولو بالنوع، أو نفي ما هو ثابت لله تعالى بالإجماع المعلوم من الدين بالضرورة كإنكار أصل علمه أو قدرته، أو كونه يعلم الجزء أو اثبات ما هو منفي عنه، وكذلك اللون، أو أنه متصل بالعالم أو خارج عنه ...
وكل من فعل فعلا أجمع المسلمون على أنه لا يصدر إلا من كافر، وان كان مصرحا بالاسلام كالمشي إلى الكنائس مع أهلها بزيهم من الزنانير، أو يلقي ورقة فيها شيء من القرآن، أو علم شرعي، أو فيها اسم الله تعالى، بل أو اسم نبي أو ملك في نجاسة، أو قذر ظاهر كمني أو مخاط، أو بصاق أو يلطخ مسجدا بنجس، أو يشك في نبوة نبي، أو في إنزال كتاب كالتوراة، والإنجيل أو زبور داود، وصحف إبراهيم ﷺ ، أو في آية من القرآن مجمع عليها، وفي تكفير من يضلل الأمة، أو تكفير الصحابة رضوان الله عليهم، أو ينكر مكة، أو الكعبة، أو المسجد الحرام، أو ينفي صفة
стр. 244
الحج أو هيئته المعروفة، وكذلك الصلاة والصوم، أو كصلاة العيدين، أو استحل محرما كصلاة بغير وضوء، وكإيذاء مسلم، أو كافر ذمي بلا مسوغ شرعي، أو حرم حلالا كالبيع والنكاح، أو يقول عن نبينا ﵌ كان أسود اللون، أو ليس بقريشي، وكل من أنكر صفة كانت ثابتة له فقد كفر، أو قال يأتي نبي بعده فقد كفر أو قال لا أدري أهو الذي بعث بمكة ومات بالمدينة أو غيره، أو قال النبوة مكتسبة، أو يصل إليها بصفاء القلب، أو الولي أفضل من النبي، أو أنه يوحي إليه، وأن لم يدع النبوة، أو يدخل الجنة قبل موته، أو يعيب سيدنا محمد ﵌، ومثله غيره من الأنبياء وكذلك الملائكة، أو يلعنه، أو يسبه، أو يستخف أو يستهزيء به، أو بشيء من أفعاله كلحس الأصابع أو يلحق به نقصا في نفسه، أو نسبه، أو دينه، أو فعله أو يعرض به، أو يشبهه بشيء على طريق الإزدراء، أو التصغير لشأنه، أو الغض منه، أو تمني له مضرة أو نسب إليه ما لا يليق بمنصبه على طريق الذم، أو عبث في جبهته العزيزة بسخف من الكلام وهجر ومنكر من القول وزور، أو ما جرى له من البلاء والمحنة عليه، أو بعوارض البشرية الجائزة أو المعهودة لديه، فيكفر بواحدة مما ذكر إجماعا، ولا تقبل توبته عند أكثر العلماء، وقد قتل خالد بن الوليد ﵁ من قال له عند صاحبكم، وعد هذه الكلمة تنقيصا له ﵌ ...
أو يرضى بالكفر لكافر أو يقول كافر لمسلم، لقني كلمة الإسلام ويكون المسلم خطيبا فيؤخر ويقول حتى أفرغ من الخطبة، أو يقول لمسلم يا كافر بلا تأويل لأنه سمى الإسلام كفرا، أو يسخر بأمر من أوامر الله، أو نهيه، أو وعده ووعيده، كأن يقول لو أمرني بكلام لم أفعله، أو جعل القبلة ها هنا ما صليت إليها، أو لو أعطاني الجنة ما دخلتها استخفافا أو عنادا، أو لو أخذني بترك الصلاة مع ما بي من الشدة أو المرض ظلمني، أو شهد ملك أو نبي ما صدقته أو إن كان ما قاله النبي صدقا نجونا فقد كفر لأن فيه نقصا لمرتبة النبوة، أو قيل قلم أظافرك فإنه سنة قال لا أفعل، أو قال لا حول ولا قوة إلا بالله لا تغني من جوع ومثلها في ذلك سائر الأذكار، أو قال المؤذن يكذب، أو صوته كالجرس، وأراه تشبيهه لناقوس
стр. 245
النصارى، أو سمى الله على محرم كالخمر استهزاء، أو (قال) لا أخاف القيامة استهزاء، أو نسب إلى الله أو شبه العلماء والوعاظ والمعلمين على هيئة مزرية بحضور جماعة حتى يضحكوا، أو قال إن شئت توفني مسلما أو كافرا، أو نسب إلى زور في التحريم، أو قال اليهود خير من المسلمين، أو قال استخفافا شبعت من القرآن، أو الصلاة، أو الذكر أو نحو ذلك، أو قال سماع الأغاني من الدين، أو أنه يؤثر في القلب أكثر من القرآن إلى غير ذلك من الأقوال والأفعال التي تخالف الله ورسوله سواء كان عنادا أو استهزاء فإن صاحبها يخرج عن الإسلام وتسمى هذه الأقوال ردة، ومعنى الردة الرجوع عن الإسلام كما جاء في كتاب الله في (سورة البقرة): ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.
ومن أراد الاستيفاء في هذا الباب، فليرجع الى كتاب الله وسنة رسوله ﵌، وما استنبطه العلماء المجتهدون العاملون في ذلك ...
стр. 246
مقام المراقبة
مقام المراقبة وهو مقام شريف قال الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ هذا المقام أصله علم وحال ثم يثمر حالين: أما العلم: فهو معرفة العبد أن الله مطلع عليه، ناظر إليه يرى جميع أعماله. ويعلم كل ما يخطر على باله. وأما الحال فهو ملازمة هذا العلم للقلب بحيث يغلب عليه، ولا يغفل عنه، ولا يكفي العلم دون هذا الحال، فإذا حصل العلم والحال كانت ثمرتهما عند أصحاب اليمين: الحياء من الله، وهو يوجب بالضرورة ترك المهاصي، والجد في الطاعات، وكانت ثمرتها عند المقربين: الشهادة التي توجب التعظيم والإجلال لذى الجلال، إلى هاتين الثمرتين أشار رسول الله ﵌ بقوله: "الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك" (١) فقوله أن تعبد الله كأنك تراه إشارة إلى الثمرة الثانية، وهي المراقبة الموجبة للتعظيم. كمن يشاهد ملكا عظيما فإنه يعظمه بالضرورة، وقوله فإن لم تكن تراه فإنه يراك إشارة إلى الثمرة الأولى، ومعناه إن لم تكن من أهل التقوى والعفاف بحيث تراقب الله في كل عمل هو لك، فاعلم أنه يراك، فكن من أهل الحياء الذي هو مقام أصحاب اليمين، فلما فسر الإحسان أول مرة بالمقام الأعلى: رأى أن كثيرا من الناس قد يعجزوان عليه، فنزل إلى المقام الآخر، واعلم أن المراقبة لا تستقيم حتى تتحقق فيها المشارطة والمرابطة، وتتأخر عنها المحاسبة والمعاقبة، فأما المشارطة فهي اشتراط العبد على نفسه بالتزام الطاعة وترك المعاصي، وأما المرابطة، فهي معاهدة العبد لربه على ذلك، ثم بعد المشارطة والمرابطة، أول الأمر تكون المراقبة إلى آخره، وبعد ذلك يحاسب العبد لنفسه على ما اشترطه وعاهد عليه، فإن وجد نفسه قد أوفى بما عاهد عليه الله حمد الله، وأن وجد نفسه قد حل عقد المشارطة، ونقض عهد المرابطة عاقب النفس عقابا يزجرها عن العودة إلى
стр. 247
مثل ذلك، ثم عاد إلى المشارطة والمرابطة، وحافظ على المراقبة، ثم اختبر بالمحاسبة، فهكذا يكون حتى يلقى الله تعالى ...
التوكل: هو الاعتماد على الله. قال تعالى: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ التوكل على الله في تحصيل المنافع أو حفظها بعد حصولها، وفي دفع المضرات ورفعها بعد وقوعها، وهو من أعلى المقامات لوجهين: أحدهما قوله إن الله يحب المتوكلين، والآخر الضمان الذي في قوله: ومن يتوكل على الله فهو حسبه، وقد يكون واجبا لقوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ فجعله شرطا في الإيمان، والظاهر قوله ﷻ ، وعلى الله فليتوكل المؤمنون، فإن الأمر محمول على الوجوب.
واعلم أن الناس في التوكل على ثلاث مراتب: الأولى أن يعتمد العبد على ربه، كاعتماد الإنسان على وكيله المأمون عنده الذي لا يشك في نصيحته له، وقيامه بمصالحه، والثانية: أن يكون العبد مع ربه كالطفل مع أمه، فإنه لا يعرف سواها، ولا يلجأ إلا إليها، والثالثة: أن يكون مع ربه، كالميت بين يدي الغاسل قد أسلم نفسه إليه بالكلية. فصاحب الدرجة الأولى له حظ من النظر لنفسه بخلاف صاحب الثانية، وصاحب الثانية له حظ من المراد والاختبار بخلاف صاحب الثالثة، وهذه الدرجات مبنية على التوحيد الخالص الذي في قوله : ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ الواحد له ثلاثة معان كلها صحيحة في حق الله تعالى: أحدها أنه لا ثاني له، فهو نفي للعدد، والآخر أنه لا شريك له، والثالث أنه لا يتبعض، ولا ينقسم، وقد فسر المراد به هنا في قوله: لا إله إلا هو ...
وأعلم أن توحيد الخلق لله تعالى على ثلاث درجات: الأولى توحيد عامة المسلمين، وهو الذي يعصم النفس من الهلاك في الدنيا، وينجي من الخلود في النار في الآخرة، وهو نفي الشركاء، والأنداد، والصاحبة والأولاد، والأشباه والأضداد، الدرجة الثانية توحيد الخاصة، وهو أن يرى الأفعال كلها صادرة من الله وحده، ويعلم يقينا أن الكون قائم بعلمه سائر بمشيئته واقع تحت رحمته ... وإنما مقام الخاص في التوحيد يغني القلب بعلم ضروري لا يحتاج إلى دليل، وثمرة هذا العلم الإنقطاع الى الله والتوكل
стр. 248
عليه وحده، وإطراح جميع الخلق في قبضة القهر، ليس بيدهم شيء من الأمر، الدرجة الثالثة، ألا يرى في الوجود إلا الله وحده، فيغيب النظر عن المخلوقات حتى كأنها عنده معدومة، وهذه الذي تسميه الصوفية مقام الغناء بمعنى الغيبة عن الخلق، حتى أنه قد يغني عن نفسه، وعن توحيده: أي يغيب عن ذلك باستغراقه في مشاهدة الله، وهذه درجة مرفوضة لأنه لا يوجد- ولا يمكن أن يوجد- من هو أكثر توحيدا وأعمق إيمانا وأشد إخلاصا لله من محمد ﷺ ومع ذلك لم يغب ولم يستغرق! فإن قيل هل يشترط في التوكل ترك الأسباب أم لا؟
فالجواب: أن الأسباب على ثلاثة أقسام: أحدها: سبب معلوم قطعا قد أجراه الله تعالى، فهذا لا يجوز تركه كالأكل لدفع الجوع، واللباس لدفع البرد. والثاني سبب مظنون كالتجارة وطلب المعاش وشبه ذلك، فهذا لا يقدم فعله في التوكل، لأن التوكل من أعمال القلب لا من أعمال البدن ويجوز تركه لمن قوى عليه. والثالث سبب موهوم بعيد، فهذا يقدم فعله في التوكل ثم ان فوق التوكل التفويض وهو الاستسلام لأمر الله تعالى بالكلية، فإن التوكل له مراد واختيار، وهو يطلب مراده باعتماده على ربه، وأما المفوض فليس له مراد ولا اختيار، بل أسند المراد والاختيار إلى الله تعالى، فهو أكمل أدبا مع الله تعالى ...
التوبة: قال تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا﴾ التوبة واجبة على كل مؤمن مكلف بدليل الكتاب والسنة وإجماع الأمة، وفرائضها ثلاثة: الندم على الذنب من حيث عصي به ذا الجلال، والإقلاع عن الذنب في أول أوقات الإمكان من غير تأخير ولا توان، والعزم ألا يعود إليها أبدا، ومهما قضى عليه بالعودة أحدث عزما مجددا. وآدابها ثلاثة: الإعتراف بالذنب مقرونا بالإنكسار، والإكثار من التضرع والإستغفار، والإكثار من الحسنات لمحو ما تقدم من السيئات، ومراتبها سبع: فتوبة الكفار من الكفر، وتوبة المخلطين من الذنوب الكبائر، وتوبة العدول من الصغائر، وتوبة العابدين من الفترات، وتوبة السالكين من علل القلوب والآفات،
стр. 249
وتوبة أهل الورع من الشبهات، وتوبة أهل المراقبة (١) عن الغفلات، والبواعث على التوبة سبعة: خوف العقاب، ورجاء الثواب، والخجل من الحساب، ومحبة المحبوب، ومراقبة الرقيب القريب، وتعظيم بالمقام، وشكر الأنعام ...
الخوف من الله والرجاء: جمع الله الخوف والطمع ليكون العبد خائفا راجيا كما قال تعالى: ﴿يَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ فإن موجب الخوف معرفة سطوة الله، وشدة عقابه، وموجب الرجاء معرفة رحمة الله، وعظيم ثوابه قال تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ ومن عرف فضل الله رجاه، ومن عرف عذابه خافه، ولذلك جاء في الحديث: "لو وزن خوف المؤمن ورجاؤه لاعتدلا" (٢) إلا أنه يستحب أن يكون العبد طول عمره يغلب عليه الخوف ليقوده إلى فعل الطاعات، وترك السيئات، وأن يغلب عليه الرجاء عند حضور الموت لقوله ﵌: "لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله تعالى (٣) " واعلم أن الخوف على ثلاث درجات: الأولى أن يكون ضعيفا يخطر على القلب ولا يؤثر في الباطن، ولا في الظاهر، فوجود هذا الخوف كالعدم، والثانية أن يكون قويا: فيوقظ العبد من الغفلة ويحمله على الاستقامة، الثالثة أن يشتد حتى يبلغ الى القنوط واليأس، وهذا لا يجوز، وخير الأمور أوسطها، والناس في الخوف على ثلاث درجات: فخوف العامة من الذنوب، وخوف الخاصة من الخاتمة، وخوف خاصة الخاصة من السابقة، فإن الخاتمة مبنية عليها، والرجاء على ثلاث مقامات: الأولى رجاء رحمة
стр. 250
الله مع التسبب فيها بفعل طاعة أو ترك معصية، فهذا هو الرجاء المحمود، والثانية الرجاء مع التفريط والعصيان فهذا غرور .. والثالثة أن يقوى الرجاء حتى يبلغ الأمن، فهذا حرام، والناس في الرجاء على ثلاث مقامات: فمقام العامة رجاء ثواب الله، ومقام الخاصة رجاء رضوان الله، ومقام خاصة الخاصة رجاء لقاء الله حبا فيه وشوقا إليه ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾.