← Акыда

Акыда · id 115133

كتاب التوحيد المسمى التخلي عن التقليد والتحلي بالأصل المفيد

عمر العرباوي

Полный текст (261 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

كتاب التوحيد المسمى التخلي عن التقليد والتحلي بالأصل المفيد تأليف عمر العرباوي

стр. 2

حقوق الطبع محفوظة للمؤلف رمضان ١٤٠٤هـ الموافق لجوان ١٩٨٤

стр. 3

كتاب التوحيد المسمى التخلي عن التقليد والتحلي بالأصل المفيد تأليف عمر العرباوي

стр. 4

أهدي هذا الكتاب إلى أرواح جمعية العلماء المسلمين الجزائريين الذين جاهدوا في هذا الوطن، في سبيل العقيدة السلفية الصحيحة فنشروها فيه وأزالو عنها ظلام الجهل المتراكم عليها عدة قرون وأخلصوها من شوائب الوثنية والبدائع والخرفات فجزاهم الله عن الإسلام والمسلمين خيرا. عمر العرباوي

стр. 5

دعاء الاستفتاح ربنا لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك، سبحانك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك، فلك الحمد دائما وأبدا حمدا يوافي نعمك ويكافيء مزيدك عدد خلقك ورضى نفسك وزينة عرشك ومداد كلماتك. وصل يا رب وسلم وبارك أفضل صلاة وزكى سلام وأعظم بركة على عبدك ونبيك ورسولك أشرف الخلق، ورسول رب العالمين، المؤيد بالحق والصدق سيدنا محمد وآله وأزواجه وذرياته الطيبين الطاهرين، وأصحابه كما صليت وسلمت وباركت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد .. آمين

стр. 6

كتب للمؤلف - الإعتصام بالإسلام - كتاب التوحيد المسمى بالتخلي عن التقليد والتحلي بالأصل المفيد

стр. 7

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ نصائح أقدمها إلى الشباب المسلم من الأشياء التي حار فيها المفكرون والعقلاء، واندهش لها الجميع هو انحراف بعض الشباب الجزائري من بعد الإستقلال عن مبادئ الإسلام. كان الشعب متمسكا به ومعتمدا عليه في حرب التحرير فبرزت الخصائص الإسلامية فيها سليمة لم تتأثر بما لابسها من سيطرة الإستعمار طيلة قرن وربع، فكان الإيمان بالله يحدو المجاهدين إلى ساحة القتال فظهرت الشجاعة النادرة والبطولة الخالدة، والوحدة الشاملة وكل المميزات الإسلامية التي كانت لأسلافهم الأمجاد من إقدام وتضحية في سبيل الله، وثبات ورحمة بالضعفاء أدى فيها كل مواطن واحبه الديني وهو الذي كان سببا في نصرته على الإستعمار .. ولما تم الانتصار على العدو وطرد من البلاد، أخذ الجزائريون زمام الحكم بأيديهم، ولكن سرعان ما تنكر بعض الشباب للدين ولعوائده وأخلاقه، وقطعوا صلتهم به، لعبت المادة والشهوات بعقولهم فراجت موجة ناتجة من الإلحاد كادت أن تعم طبقات الشعب، وأصبح الإسلام يتهم بالرجعية والتأخر واختلط الذكور بالإناث في العمل والمدراسة، وفتحت على مصراعيها للأفكار الهدامة والإباحية المطلقة، فتحول المجتمع إلى مجتمع غربي في عوائده ولغته وأخلاقه، وأصبحنا في كل يوم نرى تدهور الشباب نحو الرذيلة والفساد، لأنه لا يريد إلا الهوى المضلل، وإطلاق العنان لشهواته العارمة التي لا تعرف الحدود .. وترك الأخلاق الفاضلة التي كانت لأجدادهم وأسلافهم والتي حفظت المجتمع الجزائري منذ فجر التاريخ إلى الثورة المظفرة الكبرى فبهذه الأخلاق الحميدة برز المجاهدون الأبرار ورأينا قانون الإسلام هو السائد على البلاد كلها ..

стр. 8

الإستقلال معناه استرداد مقومات البلاد الأساسية، من بعد ما غادرها الإستعمار، ومقومات هذا الوطن هي الإسلام لا غير، والشعب منطوي على كثير من هذه المقومات لأننا شاهدنا أيام حرب التحرير كيف برزت فيه هذه المقومات. أيها الشباب إن أول حجر تبني عليه مستقبلك هو الإيمان، والإيمان متعدد الجوانب: أولا: الإيمان بنفسك على أن فيك استعدادا لو نميته لكنت ذا قوة فعالة، فيك استعداد للتفكير والإرادة. الإيمان بمجتمعك على أنك عضو منه، وهو متكفل برعايتك، يتطلب منك كيف تنظر إلى غيرك، على أنه شريك لك في الحياة؟ الإيمان بمجتمعك يتطلب منك أن تتعلم كيف توجه طاقة الحماس، وقوة الشباب في سبيل الخير والعون لمجتمعك، الإيمان بالوطن على أنه الدار التي تسكنها، لأنه الحمى الذي تحتمي به من أحداث الزمن، الإيمان بالله ، فتعاليمه هي التي ترشدك كيف تؤمن بنفسك وبمجتمعك وبوطنك؟ فبالإيمان بالله تسير على هدى وبصيرة من أمرك. الإيمان بالله يدفعك إلى الأمام فتنكشف لك سبل الهداية. أيها الشباب، إنك في بداية الطريق من هذه الحياة، وفي بداية أمرك من تحمل المسؤولية، فإن لم تستعن بالله فسوف يضعف أمرك، وأنك - بدون شك- ستتطلع إلى المستقبل كيف تكون؟ وما يدريك لعلك أن تكون قائد جيوش، أو مسئولا كبيرا في الدولة، أو عالما متبحرا في العلوم والفنون، أو فيلسوفا مقتدرا على حل المشاكل، أو مخترعا، إلى غير ذلك من الطموحات، ولكن هذه المناصب كلها إذا كانت بدون إيمان بالله فإنها تضر أكثر مما تنفع .. الشباب في كل زمان ومكان يضرب الأمثال الرائعة في الحياة، فهذا أبو الأنبياء إبراهيم ﵊ ينفتح قلبه على الإيمان بالله في بداية شأنه، فينكر عبادة النجوم والقمر والشمس، وعبادة الأصنام التي كان

стр. 9

قومه يعبدونها من دون الله. قال تعالى متحدثا عنه: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ * فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ * فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (سورة الانعام). ولا تمكن الإيمان من سيدنا إبراهيم ﵇ أبرز قوته في تحطيم أصنام قومه، قال تعالى: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ * فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ * قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ * قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ * قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ * قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ * قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ﴾ (سورة الانبياء). وكان سيدنا يوسف ﵇ شابا تعرض للمحن والتجارب القاسية الشديدة فخرج منها طاهرا نقيا، ويقص علينا القرآن مجموعة من الشباب المؤمن وهم أهل الكهف فقال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى * وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا﴾ (سورة الكهف). يجب إصلاح الشباب عن طريق الدين والأخلاق الفاضلة .. أيها الشباب، إذا أردتم أن يرجع إليكم مجدكم وتصان كرامتكم، فتمسكوا بفضائل أجدادكم وخذوا من كل أمة من أمم الأرض أحسن ما عندها من علم واتحاد وصناعة وأدب، وانبذوا كل ما كان لها من رذيلة وفساد، واعلموا أنه لا بقاء لأمة مهما عظمت قوتها وعلت كلمتها، واشتد سلطانها إلا إذا

стр. 10

تمسكت بالإيمان بالله والعدل والحق، وحافظت على أخلاقها التي لا بقاء لها إلا بها .. وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت ... فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ (سورة الانفال). الحياة هي النهضة بأشمل معانيها، فتشمل حياة الفرد وحياة الجماعة، إنها حياة من واهب الحياة الخالدة. إن الدعوة الإسلامية دعوة عامة إلى الحياة الحقيقية، فالدين هو الذي يدفع الأمة في اتجاه التقدم، والدين هو صانع الحضارات، ما من حضارة قامت في الشرق أو في الغرب إلا على أساسه، وسيضل هذا شأن الإنسانية في كل زمان ومكان، ولهذا كانت عقيدة المؤمن حياة بعد ممات ورزقا وفرحا بفضل الله، ولم يكن الموت عدما بل هو معبر إلى رضوان، ونعيم مقيم خالد .. يجب على الشباب أن يحيوا قلوبهم بمواعظ القرآن ويثيروها بالتفكير في ملكوت السماوات والأرض، وفيما خلق الله من الأشياء التي لا تعد ولا تحصى، ويقووها باليقين ويذللوها بالموت ويشعروها بالفناء، ويذكروها بفواجع الزمن .. أيها الشباب: ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ * إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ (سورة فاطر). الذين يؤمنون بالله ويعرفونه حق المعرفة كالملائكة قالوا: ﴿سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا ... ﴾، وانظروا إلى خليل الرحمن كيف يطلب ربه بأدب وتواضع: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ وقال الرسول ﷺ : "ما منكم من ينجيه عمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته"، وانظروا كيف صاغ الإيمان الشباب المسلم في صدر الإسلام، روى عن جابر ﵁، قال: "قال رجل من مقاتلي غزوة

стр. 11

بدر: أين أنا يارسول الله إن قتلت؟ قال: في الجنة. فألقى تمرات كن في يده، وقاتل حتى قتل"، فقد استطال الوقت الذي يأكل فيه التمرات .. وهذا أعرابي يحضر مع رسول الله ﷺ في إحدى الغزوات ثم يعودون بالغنائم فيعطي للأعرابي نصيبه من الغنيمة، فيتعجب ويقول: كلا، ما على هذا اتبعتك، أنا آمنت بك على أن أحارب في سبيل الله، فأرمى بسهم هنا، وأشار إلى نحره، فأقتل فأدخل الجنة. فما كانت الغزوة المقبلة قاتل الأعرابي فيها فرمي بسهم فقتل. فلما رآه الرسول ﷺ قال: "صدق الله فصدقه"! وهذا سيدنا عبد الله بن جحش يرفع يديه إلى السماء، ويقول اللهم إني أقسم عليك أن ألقى الأعداء غدا فيقتلوني، ثم يبقروا بطني ويجدعوا أنفي وأدني: ثم تسألني: فيم ذلك؟ فأقول: فيك يا رب. هذا الصحابي الجليل لا يطلب السلامة من خطر الحروب ليركن إلى المذلة بل يدعو مخلصا إلى الإسلام، فإذا تعذر السلم خاض غمار الجهاد ليقتل أبشع قتلة ليلقى الله وهو قرير العين. أما سيدنا نعيم بن مالك، فقد جاء إلى الرسول ﷺ فقال: لا تحرمنا الجنة، فوالذي نفسي بيده لأدخلنها. قال رسول الله ﷺ : "وبم؟ " قال: بأني أحب الله ورسوله. ولا أفر يوم الزحف .. قال رسول الله ﷺ "صدقت". واستشهد يوم أحد. وهذا سيدنا حنضلة بن أبي عامر ﵁ الذي زف إليه عروسه ثم سمع المنادي: يا خيل الله اركبي. فانتزع نفسه من الفراش وقام ليأخذ مكانه في صفوف المجاهدين، وقاتل حتى استشهد، فلما انتهت المعركة طلب رسول الله ﷺ زوجته وقال: "حدثيني عن آخر عهد بحنضلة"، فأجابته المرأة: كان بيني وبين حنضلة ما يكون بين الرجل وزوجه، ولما سمع الهيعته نهض مسرعا قبل أن يغتسل، فقال

стр. 12

رسول الله ﷺ : "لقد رأيت الملائكة تغسله في صحاف من الفضة بماء المزن بين السماء والأرض". هذه مبادئ الاسلام فعلت مفعولها في القلوب المؤمنة للصحابة وغيرهم من التابعين واللاحقين، أما المسلمون الحاضرون فقد تنكروا للإسلام ونبذوا أوامره وراء ظهورهم، وأصبحوا يلهثون وراء المبادئ الوضعية يطبقونها على مجتمعاتهم وسيطر على حياتهم الجهل، وقد نسوا أنهم مطالبون بالتوحيد وتطبيق الشريعة الغراء بكاملها، وإن اختلفوا فواجب عليهم أن يردوه إلى الله ورسوله ليحم بينهم، فالمسلمون اليوم لا يعبرون عن الاسلام لا من قريب ولا من بعيد، هم في ناحية والإسلام في ناحية أخرى. وأنا أخاطب الشباب أينما كان وحيثما وجد بالرجوع إلى كتاب الله وسنة رسوله الكريم "﵌" ويترك تقليد الأجانب أعداء الدين ويتبع طريق السلف الصالح في عقيدته الراسخة، وسلوكه القويم، والحفاظ على تراثه المجيد. وإني أقدم تأليفا متواضعا في العقائد الإسلامية السلفية إلى الشباب المسلم ليتسلح بالتوحيد الخالص والإيمان العميق لعله يجد فيه ما يشفي غليله لأنه مدعم بالأدلة الساطعة والبراهين القاطعة، وأقوال العلماء المجتهدين أمثال: ابن تيمية، ابن قيم الجوزية، عبد الحميد بن باديس، والغزالي، وغيرهم كثيرون رضوان الله عنهم.

стр. 13

المقدمة الحمد لله الذي شيد منار الدين وأعلامه، وأوضح للخلق شرائعه وأحكامه، وبعث صفوته وخصائص أوليائه المصطفين لتبليغ رسالته بواسطة أنبيائه يدعون إلى توحيده وترك ما خالفه من الملل لكي لا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل. وختم الدعوة بنبينا محمد ﷺ سيد المرسلين، وفضله على من سبق غيره من الأولين والآخرين، وجعل شريعته مؤيدة إلى يوم الدين، ووكل بحفظها من الصحابة والتابعين، من تقوم بهم الحجة، وترتفع بقولهم الشبهة، وهم الفقهاء الذين ألزمهم حراسة شريعته، والتفقه في دينه، فقال ﵎: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ (سورة آل عمران). هذا كتاب التوحيد مأخوذ من الكتاب والسنة وعقيدة السلف الصالح وقد سميته: ـ[التخلي عن التقليد والتحلي بالأصل المفيد]ـ. للمؤلف: الشيخ عمر العرباوي

стр. 14

التعريف بالتوحيد التوحيد هو إفراد الخالق بالعبادة ذاتا وصفة وأفعالا، والتوحيد أول دعوة الرسل عليهم الصلاة والسلام إلى عبادة الله وحده، وأول منازل الطريق للسالك إلى الله . ولا يقوم صلاح الانسان إلا إذا عرف الله الذي يحقق للإنسان ما يحبه، ويدفع عنه ما يضره فالله لا شريك له هو وحده خلق الكون، فلا معبود سواه، والإله هو الذي يؤله أي يعبد محبة وإنابة، وإجلالا وإكراما. لا يطلق هذا الاسم إلا على الله ، وحده ويكون من اختصاصه، ومعناه أنه لا ثاني له، فهو نفي العدد عنه، لا شريك له، ولا تبعيض ولا تقسيم، ونفي الأنداد عنه والصاحبة والولد، والأشباه والأضداد. التوحيد هو الذي يعصم نفس المسلم من الهلاك في الدنيا، وينجيه من الخلود في النار يوم القيامة، ويعتقد المسلم إعتقادا جازما أن الأفعال كلها صادرة من الله وحده، فله التصرف المطلق التام. والتوحيد يكون محله القلب، وعلامته الانقطاع إلى الله، والتوكل عليه، وأن جميع الخلق في قبضته وتحت قدرته وإرادته، لا راد لقضائه ولا معقب لحكمه، الخلق ليس بأيديهم شيء من الأمر. لا يرى المؤمن الموحد في الوجود إلا الله وحده. محبة العبد لربه: إن محبة العبد لربه تكون على درجتين: إحداهما المحبة العامة التي لا يخلو منها كل مؤمن وهي واجبة. والثانية وهي المحبة الخاصة التي ينفرد بها (العلماء) الربانيون، وأولياء الله الصالحون، والأصفياء، وهي أعلى المقامات، وغاية المطلوبات، فإن سائر مقامات الصالحين: كالخوف، والرجاء، والتوكل وغير ذلك مبنية على حظوظ النفس، ألا ترى أن الخائف إنما يخاف على نفسه، وأن الراجي إنما يرجو منفعة نفسه بخلاف المحبة فإنها من أجل المحبوب فليست من العارضة في

стр. 15

شيء، والمحبة هنا مرتبطة بالخشية فكلما زادت خشيتنا من الله ازددنا تقربا منه وحبا له وتعلقا بأوامره تطبيقا وبنواهيه انتهاء ... اعلم أن سبب محبة الله معرفته، فتقوى المحبة على قدر قوة المعرفة، وتضعف على قدر ضعف المعرفة، فإن الموجب للمحبة أحد أمرين، وكلاهما إذا اجتمعا في شخص من خلق الله تعالى كان في غاية الكمال: وهنا يبدو له جمال الله وحسنه، فأما الجمال فهو محبوب بالطبع مثل جمال الله في حكمته البالغة وصنعته البديعة، وصفاته الجميلة الساطعة الأنوار التي تروق العقول وتبهج القلوب، وإنما يدرك جمال الله تعالى بالبصائر لا بالأبصار، وأما الإحسان فقد جبلت القلوب على حب من أحسن إليها، وإحسان الله إلى عباده متواتر، وإنعامه عليهم باطن وظاهر، ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ سورة إبراهيم. ويكفيك أنه يحسن إلى المطيع والعاصي، والمؤمن والكافر، وكل إحسان ينسب إلى غيره، فهو في الحقيقة منه، وهو المستحق للمحبة وحده، واعلم أن محبة الله إذا تمكنت من القلب ظهرت آثارها على الجوارح من الجد في طاعته والنشاط لخدمته، والحرص على مرضاته والتلذذ بمناجاته والرضا بقضائه والشوق إلى لقائه، والأنس بذكره، والاستيحاش من غيره، وخروج الدنيا من القلب ومحبة كل من يحب الله، وإيثاره على من سواه. فهذه هي الغاية المطلوبة والسعادة المنشودة التي بها سعادة الخلق في الدنيا والآخرة، لا شيء أحب إليهم في الدنيا كالإيمان به، ولا شيء أحب إلى الناس في الآخرة كالنظر إلى وجهه الكريم، فمن أعرض عن هذا التوحيد ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ (طه). فالتوحيد هو إفراد الله بالعبادة. قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾ (سورة الذاريات).

стр. 16

إعراض المسلمين عن القرآن ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (سورة ص). القرآن نور وهدى للناس ينير لهم طريق السعادة، ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ أوحاه الله إلى رسوله الكريم ﴿لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ (سوره هود). القرآن هو دعوة ربانية موجهة للإنسانية عامة ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ (سورة سبأ). القرآن علاج القلوب المريضة المزمنة، والنفوس المضطربة الحائرة، والمجتمعات المنحرفة الضآلة عن طريق الحق والصواب قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (سورة يونس) سار المؤمنون على هديه فحققوا السعادة لأنفسهم في الدنيا والآخرة، وفازوا برضوان وجنة النعيم. هذا القرآن فيه تبيان كل شيء للناس لكيلا يقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير، وإنه بشرى للمؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا كبيرا، وتحذير الكافرين والفجرة العصاة المعرضين عن القرآن بأن لهم عذابا أليما. القرآن كله حسن وأحسن منه ما يكشف للقلوب من العجائب لمن يلقي السمع عن طريق الفهم والإستنباط. تناول القرآن حياة الإنسان من جميع جوانبها منذ نشأته إلى دخوله الجنة أو النار. فهو القوة الفعالة التي اعتمد عليها رسول الله صلى عليه وسلم في هداية الناس. القرآن معجزة الدهر عجز الناس كلهم على أن يأتوا بمثله أسلوبا وبلاغة وحكمة وتشريعا صالحا لكل زمان ومكان، وإخبارا بالغيب. قال تعالى:

стр. 17

﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ (سورة الاسراء). كان الناس قبل نزول القرآن في غفلة تامة وجهالة شنيعة عن معرفة الخالق إلا ما كان من بعض الأفراد القلائل ... جاء القرآن فعرف الناس دلائل التوحيد، وما يحب لله تعالى من أسمائه الحسنى وصفاته وما يستحيل عليه من أضدادها. كانت العقول والأفكار مقيدة فلم تستطع أن تفهم ما في هذا الكون من الأسرار والحكم، فجاء القرآن محررا لها من القيود، وأعطى للعقل حريته في النظر والتفكير والتأمل في عجائب هذا الكون. كان الناس قبل نزول القرآن فرقا وشيعا ومذاهب وأحزابا يعبدون آلهة شتى فقال لهم القرآن ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ﴾ والإسلام هو دين التوحيد في هذا الوجود ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ... ﴾ (آل عمران). القرآن جاء مصححا لعقيدة التوحيد، وبالنظام الشامل لحياة الناس في كل شأن من شئونهم، بل في كل ما يحتاجون إليه من الغيبيات، وما تدركه حواسهم من المحسوسات سواء إتصلت بالدنيا التي نعيش فيها، أو الحياة الأخرى التي نحن مقبلون عليها. كلف الله نبيه الكريم بتبليغ هذا الكتاب المقدس للناس فبلغه كما أمر، وطبقه على نفسه أحسن تطبيق، وأقام على أساسه خير أمة، وأفضل مجتمع، وأعدل دولة عرفها الناس في تاريخهم الطويل، فأصبح هذا الكتاب الرباني دستورا للأمة الإسلامية التي احتضنته بكلتا يديها، كما قال الشاعر المسلم: دستور القرآن لا ما صاغه ... متفلسف حنق وفكر عبقري كم تحدى المفلقين بيانه ... كم هز في إعجازه من منبر شهد العدو بصدقه وجماله ... خير الشهادة ما أتى من منكر

стр. 18

هو منهج صادق إذا ما ذقته ... تخلو الحياة فليس أي مكدر فهو الضياء لنا وفيه حياتنا ... يهدي إلى النجاح القويم الأنور وإذا تأمل المسلم هذا الدستور الكامل وجده، يأمر بعد توحيد الله بإقامة العدل بين الناس ومساواتهم في الحقوق والواجبات، ولا تفاضل بينهم إلا بالعمل الصالح، ويحث على الاتحاد، وعدم الشقاق، ومحو الحقد والحسد من القلوب، والتمسك بهذا الدين المتين لأنه هو الدين الوحيد لجميع الناس. قال تعالى ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ (سورة الشورى). كون هذا الكتاب الرباني أمة عظيمة، وأودع بين يديها الأمانة العظمى أمانة تبليغ الرسالة السماوية إلى الناس كافة، وإلى مشارق الأرض ومغاربها ليكونوا جديرين بعبادة الخالق المعبود. فإذا الأمة العربية تنطلق من الصحراء بغتة، وتبرز فجأة على مسرح الحياة بعد خفاء مهين، فحملت هذا النور الرباني فبددت به ظلمات الكفر والشرك والجهل المخيم على عقول الناس. بماذا فضل المسلمون على سائر الأمم في القديم؟ وبماذا فضل دينهم على سائر الأديان؟ فضلتم بمعجزة الدهور، وآية العصور بكتاب الله الذي ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ (سورة فصلت) فإن جعلتموه - أيها المسلمون بين أيديكم كان قائدا لكم إلى السعادة والحرية وفي الدار الآخرة إلى مغفرة من الله ورضوانه، وإن جعلتموه وراء ظهوركم رجعتم إلى الجاهلية الجهلاء وتفقدون ما بوأكم به القرآن من العزة والكرامة والسيادة والمنزلة القصوى، ويستولي عليكم الذل والخزي في الدنيا وفي الآخرة تصيرون إلى جهنم وبئس المصير. كيف لا يكون القرآن هكذا؟ وإنه لكتاب الهدى وسفر السعادة، وقانون الفضيلة، ودستور العدالة في كل زمان ومكان.

стр. 19

لو تدبر المسلمون القرآن وعملوا بما فيه لسيرهم سعداء في أنفسهم وأهليهم، ولو وقفوا تحت رايته لسموا سمو المجد والعلاء، وتبوءوا مكان الشرف والعزة، ولو أنهم حافظوا على أوامره لأضاءت لهم المسالك، ولما اختلفوا على أنفسم حتى أصبحوا هالكا إثر هالك يستعبدهم مالك بعد مالك، ويذيقهم العذاب فاتك بعد فاتك. يا معجبين بالمدنية الغربية والتقاليد البشرية فكروا قليلا فإن هذه المدنية التي اعتنقتموها لم تقدر على سعادتكم وإنما يسعدكم اللجوء إلى الدين الحنيف المنزل من السماء، سار المسلمون - في العصر الحاضر- في ركاب المدنية الغربية، ونبذوا أوامر قرآنهم وراء ظهورهم. وأطلع الله رسوله على حالة المؤمنين من بعده من خلال الغيب فشكى إلى ربه بقوله : ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ (سورة الفرقان) شكى رسول الله ﷺ إلى ربه من أن قومه الذين أرسل إليهم بالقرآن ليتلوه عليهم قد صدوا عنه وتركوه وثبتوا على تركه وهجره، وفي شكوى النبي ﷺ لربه من هجر أمته للقرآن دليل على أن ذلك من أصعب الأمور عند الله وأبغضها إليه، وفيه تهديد ووعيد شديدين لمهاجري القرآن بإنزال العقاب بهم. نحن المسلمين قد كان منا هجر كبير للقرآن الكريم منذ زمن طويل- وإن كنا به مؤمنين. بسط القرآن عقائد الإيمان كلها بأدلتها العقلية القاطعة فهجرناها، وبين القرآن لنا أصول الأحكام، وأمهات مسائل الحلال والحرام، ووجوه النظر والإعتبار مع بيان حكم الأحكام وفوائدها في الصالح العام والخاص فهجرناها، وبين القرآن مكارم الأخلاق ومضارها، وبين السبيل للتخلي عن هذه والتحلي بتلك مما يحصل به الفلاح بتزكية النفس، والسلامة من الخيبة بتدسيتها فهجرنا ذلك كله، وعرض القرآن علينا هذا الكون وعجائبه، ونبهنا على ما فيه من أسرار الحكمة ومصادر النعمة لننظر كي نستفيد ونعمل فهجرنا ذلك كله، ودعانا القرآن لتدبره وتفهمه والتفكر في آياته، ولا يتم ذلك إلا بتفسيره وتبيينه فأعرضنا عن ذلك مع أن المسلمين يحسبون أنفسهم أنهم في خدمة القرآن قال تعالى:

стр. 20

﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (سورة الحجر) وكذلك سنة الرسول ﷺ القولية والفعلية تالية للقرآن عاملناها بما عاملناه ... هذا التفسير مأخوذ من مجالس التذكىير للشيخ عبد الحميد بن باديس طيب الله ثراه وجعل الجنة منقلبه ومثواه. أيها المسلمون إن العمل بالقرآن الكريم واجب وتطبيق أحكامه، والتدبر في آياته فرض على كل مسلم ومسلمة لأنه أمر الله لعباده، ورسالته المبعوثة إليه، فمن لم يقرأ ويتدبر القرآن فقد استهان برسالة ربه، واستهان بمن أرسلها، ولينظر المعرض عن كتاب الله عمن أعرض ومن يقاطع؟ ومع من يسيء الأدب؟ وبرسالة من يستخف؟ إنها رسالة ربه ومولاه فينبغي قراءتها بما يناسبها من الإجلال والاحترام والإنصات قال تعالى: ﴿وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ (سورة مريم) وقد وصف الله قلوب الذين لا يتأثرون بالقرآن، ولا يخشون آيات الله، ولا تلين قلوبهم إلى ذكر الله بالقساوة فقال: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (سورة الزمر). فالويل لمن نأى عن النور الذي يهديه ويجلو عن بصيرته ظلام الشرك والكفر، والويل لمن لم يحذر ما يشقيه إذا خيم عليه ظلام الجهل فلم يعرف الحلال من الحرام فيسقط في حمأة الآثام قال تعالى: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ .. ﴾ (سورة الأنعام). فالبعد عن القرآن هو عين البعد عن الله، والبعد عن الله هو عين البعد عن الحق، والبعد عن الحق ضلال، والضلال هلاك. قال تعالى: ﴿وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا * مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا﴾ (سورة طه). أصبحت قلوب المسلمين معرضة لخطرات الوساوس والأوهام من هجرهم للقرآن، فالذي يثبتها على الحق ويدفع عنها الشكوك والحيرة ويربطها

стр. 21

باليقين هو القرآن الكريم. أصبحت قلوب المسملمين معرضة للإلحاد والكفر التي تظلم منها النفوس، وتقسوا منها القلوب فتحجب عنها الحقائق، وتطمس عنها سبل العرفان من هجرهم للقرآن، فالذي يزيل عنها الظلام المتراكم ويجلو عنها تلك الأصداء المتكاثفة، ويوضح لها الحق من الباطل هو القرآن الكريم. قلوب المسلمين معرضة للضعف عن القيام بأعباء التكاليف، وما نحن مطالبون به من الأعمال من هجرهم لكتاب الله، فالذي يبعث فيها القوة والنشاط هو القرآن الكريم، فحاجتنا إلى تجديد تلاوته وتدبر آياته أكيدة جدا لتقوية قلوبنا باليقين .. المسلمون لما هجروا القرآن أصبح لا هم لهم إلا أنفسهم ودنياهم وشهواتهم ﴿نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ (سورة الحشر) استخفوا بالدين والأخلاق ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ﴾ (سورة المجادلة). لقد طغت الإباحة وعلا صوتها في أوساط المسلمين على كل صوت يدعو إلى الله، فضاعت الحقوق وانتهكت الحرمات، وغلب العقوق على الامتثال، وتخاذلت الهمم، وفسدت الأمم بإعراضها عن كتاب الله، وهضم الغني حق الفقير، واندثرت الفضائل، وانتثرت الرذائل فهذه نوادي ومسارح فاتنة، ومراقص ماجنة، وأفاعي كاسية عارية تتلوى، ولحوم بشرية في الشواطيء متراكة ونفوس دنيئة تتهافت على مجاري القذارة تعب منها في نهم متزاحمة، ورجال يقفزون في حلبات الرقص كقرود لاهثة، وزعم الإسلام من لا يعرفه ونبذ أوامره في سبيل شهواته، وزم الإيمان من ترك الصلاة وأصر على العصية لينال مبتغاه، ولم يخش غضب ربه، وزم التقوى والصلاح من اتخذ الموتى أولياء من دون الله. هذه عواقب من ترك كتاب الله واتبع هواه وأغراه الشيطان بطاعته ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (سورة الرعد) فإلى النجا أيها المسلمون، بادروا إلى تدبر القرآن، واسعوا

стр. 22

ما استطعتم إلى فهمه، والعمل بأوامره، والوقوف عند حدوده ونواهيه، وأنيروا قلوبكم بنوره وحكمه، واشكروا ربكم على فضله ونعمه .. لقد آمن المسلمون الأولون وحسن إيمانهم، فمكن الله لهم في الأرض، وأن الذي مكن لهم على قلتهم لقادر أن يمكن لنا إذا آمنا وحسن إيماننا. ذلك وعد الله لعباده ومن أوفى بعهده من الله؟ .. وأن المسلمين يتحدثون عن الإسلام صباح مساء ويعربون في كل مناسبة عن تعظيمهم للقرآن واعتزازهم به، ولكن لا يقرأونه ولا يقيمون أحكامه، ولا يعتنون بتعاليمه، ولا يوجد شيء منه في واقع حياتهم. فأحكامه استبدلوها بقوانين وضعية أجنبية، وتعاليمه ضربوا بها عرض الحائط وحدوده عطلوها ورموها وراء ظهورهم، ومع هذا إنهم يعتزون بالقرآن، فالآيات القرآنية تكتب بخط جميل أنيق تزين بها جدران المنازل، وتعلق في رقاب الأولاد والمرضى والمصاحف الضخمة فوق مكاتب الحكام والقضاة الذين يحكمون بغير ما أنزل الله. هل هناك تكريم للقرآن أفضل من هذا التكريم؟ يا قومنا إن القرآن أنزل ليكون شرعة ومنهاجا لحياتنا فيجب أن نسير على هديه لا ندعوا إلا بدعوته ولا نعمل إلا بأوامره. يا قومنا لم ينزل القرآن ليكون أنغاما وألحانا يتغنى به المطربون، لم ينزل القرآن ليقرأ في مجالس العزاء على بخار السجاير، وإنما أنزل ليحكم بيننا بالحق، ويهدي قلوبنا إلى معرفة الخالق لنعبده ونشكره على ما أولانا من النعم التي لا تعد ولا تحصى .. يا قومنا منذ تركنا أحكام القرآن، وابتعدنا عن أوامره العادلة، ونحن نتخبط في الفتن ونتقلب في الفوضى ونتجرع الظلم ألوانا، ونشرب الذل كئووسا، والله لا خلاص لنا مما نحن فيه إلا بالرجوع إلى كتاب الله، والله لا يؤمن حاكم يحكم بغيره، والله لا يؤمن قاض يقضي بسواه والله لا يؤمن عالم لا يبين أحكامه وينشر هديه، ويجاهد الناس به، والله لا يؤمن من ابتغى

стр. 23

الخير في غيره. إذا دام المسلسون على هجر القرآن وسنة نبيهم محمد ﷺ لابد لهم من يوم يندمون فيه قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا﴾ (سورة الفرقان) يوم يعض الظالم على يديه حسرة وندامة على تفريطه وعدم اتباعه للحق مع الرسول الذي أرسل إليه، ويندم عن صحبته لخليله الذي صده عن الإيمان بالقرآن بعدما سمعه ... ومما يحزن المسلم أن يرى المسلمين يسيرون من ضعف إلى أضعف، ومن جهل إلى أجهل، وهم لا يدرون السبب في ذلك، والسبب واضح هو عدم تمسكهم بالشريعة الغراء وتشبثهم بالقوانين- الوضعية الأجنبية هذا هو الذي أفسدهم وأورثهم الفرقة والذل والضعف. فهناك فرق كبير بين المسلمين والإسلام، فالإسلام يدل عليه كتابه الجامع ورسوله العظيم، والمسلمون يدل عليهم ضعفهم وتخاذلهم وتفرقهم هذا هو الفرق بينهما. أيها المسلمون الله الله في دينكم لا يفتننكم الشيطان عنه بأقوال المسرفين، ولا تصرفنكم المدنية الغربية عن تعاليمه السامية فإنه ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (آل عمران) ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (سورة البقرة). يظهر بين الحين والحين بعض المفكرين الذين يعيشون بيننا فيقولون يجب عزل الدين عن المجتمع وأحوال المعيشة ومحاصرته داخل جدران المساجد - حتى المساجد أخرجوه منها كما هو الشأن في أوربا، وألفت في ذلك عدة كتب وألقيت محاضرات كثيرة إمعانا من هؤلاء على شل الجانب الديني حتى يأخذ طريق الضمور في مسيرته إلى أن ينتهي الى الفناء الذي يريدونه لا قدر الله.

стр. 24

ولكم صور البعض الإسلام أنه دين التواكل والتكاسل- وهو دين الإعداد ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ وهو دين العمل والسعي ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ وهو دين العمل ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ﴾ وهودين العمارة ﴿وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ "ومن بات كالا من عمل يديه بات مغفورا له" (حديث) تصور كيف يكون هذا الدين دين التواكل ودين التراخي والكسل، واستدلوا على ذلك بالكسالى العاطلين المنتسبين إليه، واتخذوا منهم عنوانا على هذا الدين ومثالا لأبنائه ... وهناك قوة عالمية متحالفة فيما بينها منذ قديم الزمن تعمل على استئصال الإسلام من الوجود، منها الصهيونية والصليبية، والشيوعية أخيرا. كلها قوات خطيرة استهدفت الإسلام بطرق شتى ملتوية، وأساليب متنوعة ماكرة في محو الإسلام من نفوس المسلمين، وما دام هذا الوضع سائدا على المسلمين لا يخلص المجتمع من التشويه والانحراف والمسخ. يجب على المسلمين أن لا يتركوا مكان القيادة، وأن لا يهملوا منهجها، وأن لا يلهثوا وراء الأمم الضاربة في التيه والضلال ... يقول الأستاذ أنور الجندي في مقال له نشرته مجلة رابطة العالم الإسلامي: إن كل المخططات سواء كانت تبشيرية أو استشراقية، أو ثقافة غربية شيوعية كانت إما صهيونية وإما رأسمالية تتضافر كلها في سبيل غاية واحدة: وإن اختلفت الوسائل فتتلاقى على ضرب الفكر الإسلامي في أصالته ووحدانيته ليظل المسلمون يدورون في الفلك البشري الذي صاغته أهواء الطامعين وعباد الذهب والشهوات ودعاة الجنس والفلسفة ليعجز المسلمون عن تبليغ رسالة الله التي أنزلها رحمة للعالين، وليبتعدوا عن الأصالة الإسلامية التي تعصم النفس والعقل لأنها حصانة نفسية وفكرة قادرة على الثبات أمام الأعاصير. هذه العناصر كلها - كانت ولا زالت تبث سمومها في المجتمع الإسلامي بدعوى التقدم والرقي، وساعد على ذلك الخواء الديني والفراغ الروحي ... نشأ عن هذه المباديء التي تروج في بلدان المسلمين إنحراف عن الإسلام

стр. 25

لأنها هزت كيانهم وزينت لهم ما بين أيديهم من الصور البراقة، وشوهت الحقيقة أمام أبصارهم وبصيرتهم. ألفت الجماهير الكفر والإلحاد والنفاق، وأصبحت تظن أن ذلك أوضاع إسلامية لا تخالفه في شيء وشاع في أوساطهم أن الإسلام مرن ومتطور يساير الأوضاع الاقتصادية والسياسية الغربية، فإذا قلت لهؤلاء المنحرفين إنما أحكام الإسلام لا تتبدل ولا تتغير ولا تعطل إلا لضرورة أجابوا بقولهم: إن أحكام الإسلام كانت لزمن غير زماننا، والإسلام يفرض على المسلم أن يجاري عصره، ويعمل بما يلائم زمانه. هذا صحيح من ناحية التقدم العلمي والتطور الصناعى الحضاري في التكنولوجيا. أما من ناحية القواعد الدينية، والكليات الأصولية، وأمهات الأحكام لا تتغير فإنها من عند الله .. بدأ المسلمون ينحرفون في أواخر القرن التاسع عشر للميلاد فكانوا يبررون نظام البنوك الربوية، والشركاتا المساهمة والتعامل معها بما حرم الله بدعوى الضرورة، وأن الإسلام يقبل بها لأنه مرن، وأباحوا اختلاط النساء بالرجال بدعوى أن ابتعاد المرأة عن العمل يتضرر من ذلك الاقتصاد الوطني، وينكرون على الشريعة تعدد الزوجات، وقطع يد السارق، ورجم الزاني المحصن إلى غير ذلك مما جاءت به الشريعة الغراء. وكم أصاب المسلمين من بلاء ومحن بسبب المباديء الغربية التي اعتنقوها؟ وكم طعنوا في شرفهم وكرامتهم؟ وكم أوذوا في نفوسهم بسبب إعراضهم عن الإسلام؟ وكم لدغوا من الفرقة وعدم الإتحاد، ومن السياسة المرتجلة مرات ومرات- ولكنهم لم يتعظوا؟ أليس من شأن المؤمن أن لا يلدغ من جحر مرتين ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ (سورة الأنعام) ليت المسلمين يلقون السمع لكتاب الله ولسنة رسوله ﷺ الذي جاءهم بالهدى ودين الحق .. أصبح المسلمون يرددون أقوالا جوفاء بلا اعتقاد ولا أعمال، ولهذا زحزحوا عن الإسلام وكادوا يخرجون عنه قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ

стр. 26

آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ (سورة الصف). وهنا يبدو من هذا العرض أي عرض المباديء الغربية التي غزت الأمة واضحا جليا أنها دفعت الأمة إلى الهاوية وحققت أهدافها الإيجابية في غياب الإسلام، وهذا هو السبب الحقيقي في خروج المسلمين عن الإسلام وارتمائهم في أحضان الغرب، حتى أصبحوا مجزئين بين أرجائه وتابعين له في كل شيء. والحقيقة التي غابت عن المسلمين، وفي مقدمتهم المسيرون أن ليس أقوى في توثيق العرى الاجتماعية من الشعائر الدينية إذا هي خرجت من محيط الشكل إلى محيط الجوهر والروح، وأنطلقت من ظلام التقليد والجهل إلى نور المعرفة والإدراك ... لم يبلغ المسلمون الأولون ما بلغوا من رقي وتقدم وحضارة إلا بالوحدة الإجماعية، والمشاركة الوجدانية، ولم يكن لهم ذلك إلا بوعيهم للدين وقيامهم بشعائره خير قيام، فسيرة كل واحد منهم كانت تعد مدرسة مثالية للتربية الإجماعية الرشيدة والتهذيب الإنساني الصحيح وتنمية المحبة والمودة والتعاطف ... الإسلام شريعة كاملة اشتملت على العقائد الصحيحة والأخلاق الفاضلة، فأهمل المسلمون أحكامها، وعطلوا سلطان مفعولها، فأدى ذلك إلى الإنصراف عنها إلى القوانين الوضعية. الشريعة الإسلامية لها دعائم قوية وأحكام تفصيلية تجعلها صالحة لكل زمان ومكان، فأما أمر صلاحيتها فإنها تكفلت بذكر القواعد العامة في القرآن الكريم وتركت ما وراء ذلك من أحكام تفصيلية فرعية للإجتهاد بحسب ظروف البيئة والزمان إذا توافرت شروط الاجتهاد المعلومة ودعت الضرورة لتوسيع قاعدة بناء على شبيهات لها من قواعد الشريعة الغراء.

стр. 27

العقائد التي اشتملت عليها الشريعة يجب الإيمان بها لقيام الدليل اليقيني عليها كالتوحيد، وإرسال الرسل ﵈، وإنزال الكتب، والبعث والجزاء وما اشتمل عليه اليوم الآخر إلى غير ذلك من قواعد الإيمان لكي يعود المسلمون إلى ما كانوا عليه من مجد وسؤدد. يجب عليهم أن يهتموا بالناحية الروحية والفكرية، وهذه نظرة العقلاء من المسلمين منذ زمن بعيد وهم ينادون بذلك، يجب أنما يقادوا قيادة إسلامية لا قيادة عاطفية ولا تقليدية في تفكيرها ونظامها الداخل والخارج لا ريب أن المسلمين اليوم في حاجة أكيدة إلى أسلوب جديد للدعوة، وجيل جديد من الدعاة، وقد مرت بالمسلمين فترة عصيبة توقف خلالها أسلوب الدعوة المجدي الفعال، ولم تبق منه إلا العبارات المتكررة الجوفاء، فلا تمس قلوب المسلمين ولا تحرك عواطفهم ... نريد من دعاة المسملين أن يبرزوا تعاليم القرآن إلى نشاط وحركة وتطبيق. لم ينزل الله القرآن زينة يوضع فوق الرفوف، ولا تعاويذ ولا ترانيم ولا أنغاما ولكنه قانون حياة وعمل قامت عليه أمم انبعثت به إلى الوجود، وما لم تتحول تعاليم القرآن إلى أعمال إيجابية وسلوك محكم دقيق فليس ثمة مسلمون، وليست ثمة إصلاح لهذه الشعوب ...

стр. 28

التكاليف الشرعية العامة: منها العينية والكفائية كيف يكون الإنسان مؤمنا؟ وما هو العمل الذي يتطلبه منه الإسلام؟ إنما العمل الذي يتطلبه الاسلام من الكلف هو إيجاد الشخصية الإسلامية التي تتمثل في العقيدة والاخلاق والسلوك، ثم إيجاد المجتمع الاسلامي الذي يلتزمه المسلم فكرا وعملا، ثم إيجاد الدولة التي تطبق الاسلام شريعة ومنهاجا ودستورا، وتحمله دعوة هادئة لإقامة الحق والعدل في العالم .. إن هذا العمل وما يتقيد به المسلم من أوامر الدين وما يتصل به ويتفرع عنه وما يتطلبه هو واجب إسلامي شرعا لا يسقط عنه حتى تقوم السلطة التي تتولى القيام بهذه المسئولية بحيث ترعى شئون المسلمين .. وإذا كانت السلطة غير موجودة، فإن كل تقصير من العاملين بالاسلام هم في شرع الله آثمون لا يرفع عنهم الإثم إلا المبادرة السريعة للنهوض بتكاليف العمل للإسلام، ومما يؤكد وجوب العمل أنه تكليفي شرعي وليس عملا تطوعيا كون وجوبه يقينيا .. العمل للإسلام واجب لأنه مناط التكليف للناس جميعا، يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ (سورة البقرة)، والسنة المطهرة تزخر بما روى عن رسول الله ﷺ من أحاديث كثيرة تحض على الدعوة الى الحق ومكافحة الباطل ومنها قوله ﷺ : "من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان" ..

стр. 29

العمل للإسلام واجب شرعا لأن تعطيل شرع الله في الأرض وهيمنة النظم والتشريعات الوضعية على المجتمعات البشرية تجعل قانون الإسلام غير صالح للحكم وذلك عكس للحقائق تماما، ولهذا يفرض الاسلام على المسلمين العمل بشريعة الله العادلة لإقامة مجتمع إسلامي، لتستأنف الحياة الاسلامية على قوانين الله التي أنزلت من السماء لتبين للناس عقائدهم وعبادتهم وأخلاقم ونظمهم، ولا يقبل الله إلا حكم الاسلام بدليل قوله : ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾، (سورة النساء) فتحقيق الحكم الإسلامي في المجتمع واجب بذاته، فيصير العمل به واجبا بدليل القاعدة الأصولية: "ما لم يتم الواجب إلا به فهو واجب". الدول الاسلامية المعاصرة لم تحكم مجتمعاتها بكتاب الله ولا بسنة رسوله الكريم ﷺ ، وإنما تحكمها بالنظم الوضعية الأجنبية، وواجب المسلمين أن يتركوا هذد النظم، ويرجعوا إلى حكم الاسلام العادل لأنه فرض عين على كل مسلم ومسلمة حتى يعود للإسلام القيادة والقوامة. العمل بالاسلام واجب لمواجهة تحديات العصر، ومؤامرة أعداء الاسلام، ووقف التيارات الإلحادية، ومواجهة المادية العاتية، وزحف الايديولوجيات من كل جانب حتى أصبحت تهدد الوجود الاسلامي بالاستئصال، والزوال. فنظرة واحدة فاحصة إلى الأوضاع التي تعيشها الأمة الاسلامية سواء في الشرق أو الغرب - تؤكد ضرورة قيام مجابهة إسلامية. والقيام بهذا العمل تكليفي شرعي لا يجوز السكوت أو القعود عنه، أو التهاون فيه. فهناك أقطار إسلامية تشكو من سيطرة غير المسلمين عليها، وهناك أجزاء من العالم الإسلامي تشكو من تسلط أحزاب إلحادية عليها. وفضلا عن هذا وذاك فإن العالم الإسلامي يعيش في حالة ضياع وفوضى، فوضى سياسية، فوضى إجتماعية فوضى إقتصادية لا ترابط بين أجزائه، يعيش تدهورا مريعا في الأخلاق والقيم، وكذلك في الأفكار والمعتقدات. إن مسؤولية العمل بالاسلام من حيث هي واجب تكليفي

стр. 30

شرعي، ولو كانت مسؤولية فردية شأنها شأن كل الواجبات التي يترتب عليها الثواب كما يترتب على تركها العقاب ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ (سورة المدثر). الإسلام يشرك الناس جميعا. في عملية البناء والتعمير بناء الحياة على الحق وإعمارها بالخير، الإسلام جعل كل إنسان مسؤولا عن البذل والعطاء في حدود إمكانيته وطاقته ما دام المسلم بالغا قادرا عاقلا مما يجعل المجتمع خلية حية نابضة، وإذا كان العمل بالإسلام واجبا فرديا، فهو أيضا واجب جماعي، وهذا غير قابل للجدل والمناقشة. إن تكاليف العمل بالإسلام أكبر من أن يتصدى لها إنسان بمفرده، فيجب أن يقضى على الإنحراف والإلحاد، وإقامة الاسلام مكانهما، وهذا يتطلب من التكليف الجهد والإمكانيات ما يعجز عن القيام به فرد، بل لا يقوى على النهوض به مع المكابدة والمعانات إلا بتنظيم حركي يكون في مستوى المواجهة وعيا وتنظيها. وقدرة. إن عمل الرسول ﷺ في مواجهة الجاهلية وإقامة مجتمع إسلامي، واستئناف الحياة الإسلامية لدليل شرعي على وجوب الجماعة، وهذا ما ينطق به واقع السيرة النبوية في جميع المراحل، وعلى وجه كل صعيد فالتحديات التي تعترض سبيل الإسلام هي غالبا من سكان المعمورة، والقوة التي تتربص به فهي كثيرة وهذا ما يفرض على المسلمين أينما كانوا تنظيم صفوفهم وتوحيدها، فإذا كانت نياتههم صادقة فالنصر حليفهم لا محالة. إن العقيدة الإسلامية لا تكاد تمس قلب الإنسان مسا صحيحا حتى تحدث فيه إنقلابا في المشاعر، وفي الحياة، وعلاقة الأفراد والجماعات على المساوات المطلقة لا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى والعمل الصالح. والعقيدة الإسلامية تقوم على العدالة لا تطيق البغي من أحد، ولا ترضى بالبغي على أحد، ولا يكاد يحس بها المسلم حتى يندفع في سبيلها

стр. 31

بكل ما يملك من قوة فما يطيق صبرا ولا سكوتا إلى أن يتم له تحقيق ما اشتملت عليه ذلك تأويل أن الاسلام عقيدة ثورية. الذين يؤمنون بالله حق الإيمان هم الذين يجاهدون في الله حق جهاده لتكون كلمة الله العليا، وكلمة الله لا تتحقق إلى أن يرفع البغي عن هذه الأرض فيصبح الناس سواسية كأسنان المشط. الإسلام يهاجم الظلم والظالمين دائما من أي كان، وفي كل مكان وزمان. بخلاف المباديء الوضعية لا تستطيع أن تكافح المظالم بجميع أنواعها كما يكافحها الإسلام، أو تقف بجانب المظلوم كما يقف الإسلام، ولا يمكن لهذه المباديء الوضعية أن تصرخ في وجوه الطغاة والمتجبرين كما يصرخ الاسلام. إن الإسلام في صميمه حركة تحريرية تبدأ في ضمير الفرد وتنتهي في محيط الجماعة، ولا يدخل الإسلام قلب أحد ثم يدعه مستسلما خاضعا لسلطان الأرض. فإذا رأيت المظالم تقع، وإذا سمعت المظلومين يصرخون، ثم لم تجد المسلمين حاضرين لدفع الظلم وتحطيم الظالم فلك أن تشك مباشرة في وجودهم، لا يمكن أن تحمل القلوب الإسلام عقيدة، ثم ترضى بالظلم نظاما ينبغي أن يكون إسلام أو لا إسلام. الإسلام كفاح لا يهدأ، وجهاد لا ينقطع، واستشهاد في سبيل الحق والعدل والمساواة، أو لا إسلام فهو مهمهة بالأدعية، وطقطقة بالمسابيح، وتمتمة بالتعاويذ، واتكال على أن تمطر السماء على الأرض صلاحا وحرية وعدلا، وما كان الله لينصر قوما لا ينصرون أنفسهم ... وإذا كان الإسلام هو الدين الذي اختاره الله لعباده بقوله ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (سورة آل عمران) هذا الدين المختار وقد بدأ بالتوحيد، وانتهى به، والتوحيد هو التسليم المطلق لله، والتفويض التام له .

стр. 32

والاسلام شريعة يمزج بين الدين والدنيا، وبين المسجد والدولة، فهو دين ودولة، وعبادة وقيادة. إذا أراد المسلمون أن يحققوا الخير للناس، وأن يمكنوا للدين في الأرض، فعليهم أن يسيروا على المحجة البيضاء التي سار عليها الرسول ﷺ من قبل، إيمان بالله وعمل بالاسلام متواصل، ومحبة لله ولرسوله دائمة، وإخاء بين المسلمين متين، دون تفريط أو افراط، قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (سورة يوسف). السؤال المطروح أمام المسلمين جميعا: هل يقف المسلمون مكتوفي الأيدي حتى يصل مجتمعهم إلى عهد الجاهلية فيهدر دينهم وتذهب قيمهم وأخلاقهم أدراج الرياح؟ وقد جرفهم تيار الفساد والإلحاد وظهرت جماعة منهم تحمل العداء السافر لهذا الدين الرباني .. يجب على كل مسلم مكلف سواء كان مسئولا أو عاملا بسيطا جاهلا كان أم مثقفا أن يتحمل مسئوليته التي سيحاسب عنها يوم القيامة، فالحاكم مسئول عن هذا الدين، والوزير مسئول والمدير راع، والرجل راع، والمرأة راعية، ألا كلكم راع وكلكم مسئول عن هذا الدين الحنيف، وكل واحد من أفراد الأمة المسلمة سيتحمل مسئوليته أمام الله والتاريخ، فالله سيسأل الجميع عن هذا الدين القويم، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم ... إن الله لا يحب أي شريعة إلا شريعة الاسلام، فشريعة الله تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، والشرائع الأخرى بعكس ذلك، وهذا ما يقوله الصادق الأمين سيدنا محمد ﷺ لأصحابه "كيف بكم إذا فسد شبابكم وطغى نساؤكم، وتركتم جهادكم؟ قالوا: أو كل ذلك كائن يا رسول الله؟ قال: بلى والله، وأشد منه سيكون. كيف بكم إذا رأيتم المنكر معروفا والمعروف منكرا؟ قالوا: أو كل ذلك كائن يا رسول الله؟ قال: بلى والله، وأشد منه سيكون، كيف بكم إذا أمرتم بالمنكر ونهيتم عن المعروف؟ " (صدق رسول الله ﷺ )، فهذا كله موجود في المسلمين المعاصرين ..

стр. 33

قال ﵊: لا تزال لا إله إلا الله تنفع من قالها، وترد عنهم العذاب والنقمة ما لم يستخفوا بحقها قالوا يا رسول الله وما الإستخفاف بحقها قال ﷺ يظهر العمل بمعاصي الله فلا ينكر ولا يغير. وقال: تركت فيكم ما إن تمسكتم به فلن تضلوا من بعدي أبدا كتاب الله وسنتي (١). إذا وما العمل- أيها المسلمون- ليس هناك ملجأ أو نجاة، أو نصر أو حياة إلا بالرجوع إلى كتاب الله وسنة رسول الله. دوروا أيها المسلمون حيث دار الاسلام. المؤمن الحقيقي لا يبطره النصر إذا انتصر ولا تقنطه الهزيمة إذا انهزم، إن الهزيمة والنصر يستفيد كل منهما وكلاهما يدخلان الجنة. ان انتصر المسلمون فالفضل لله وحده، وإن انهزموا بحثوا عما قصروا فيه من طاعة الله أو مخالفته ولا تكون الهزيمة للمسلمين إلا إذا فرطوا في شيء مما أمرهم الله به، أو عطلوا حدا من حدوده، ولم يتوبوا، ألم تضق الأرض بالمسلمين بما رحبت في غزوة حنين وقائدهم رسول الله ﷺ حين ظنوا أن النصر إنما هو في جانب الكثرة، وأعجبوا بكثرتهم فلم تغن عنهم من الله شيئا لولا أن تداركهم ألله برحمته الواسعة، وكذلك زلزلوا في غزوة أحد لأنهم خالفوا - بنية طيبة وقصد سليم- أوامو رسول الله ﷺ واجتهدوا ولكن لا اجتهاد مع النص، ولهذا أدبهم الله تأديبا أدركوا بعده قيمة مخالفة أوامر الرسول ﷺ ووقفوا على عواقب ذلك الخلاف ... رسم النبي ﷺ لأصحابه ثلاثة مشاعر انطبعت عليها قلوبهم، وبهذه المشاعر الثلاثة ظلت راية الإسلام مرفوعة: المشعر الأول هو أن ما جاء به ﷺ هو الحق، وما عداه هو الباطل، وأن رسالته أكمل الرسالات، ومنهجه أفضل المناهج، ونظام شريعته أحسن النظم فهي التي تحقق السعادة للناس أجمعين، المشعر الثاني: إن المسلمين ما داموا أهل حق وما داموا حملة رسالة النور، وما دام بينهم هدى السماء لإرشاد الناس فيهدونهم

стр. 34

إلى الخير وإلى سواء السبيل فلا بد أن ينالوا سعادة الدارين .. المشعر الثالث: ما دام المسلمون مؤمنين بهذا الحق معتزين بانتسابهم إليه فإن الله معهم يعينهم ويرشدهم وينصرهم يؤيدهم بروح منه إذا تخلى عنهم الناس، ويدفع عنهم إذا أعوزهم النصر وهو معهم أينما كانوا وإذا لم يكن معهم جند الأرض فينزل عليهم المدد من السماء. ولما أخذت هذه المشاعر الإيمانية بقلوبهم إعتزوا وانتصروا في كل ميدان ولما ضعفت في نفوس المسلمين أصواتهم واهتز يقينهم فضعفوا عن مقاومة أعدائهم ... " (١).

стр. 35

بماذا يكون إيمان المكلف؟ وما هي الوسائل التي يستعملها ليكون مؤمنا ؟ الوسائل التي يعرف الإنسان بها ربه متعددة ومتنوعة، منها: النظر في مخلوقاته، (بالعقل المجرد من الهوى) أو بنور يقذفه الله في قلب المؤمن لا يقدر على دفعه، أو بالتقليد (وهي أسوأ الطرق وأفسدها) التوحيد هو أساس الطاعات ونبراس العبادات، وكلمته الطيبة الدالة عليه، وهي: لا إله إلا الله إنها مقصورة على ألوهيته وحدها، فكل مخلوق يجب عليه أن يعبد الله ويطيعه وحده لا شريك له لأنه هو النافع والضار على الإطلاق، وهو خالق كل شيء، وكل من لا يكون نافعا ولا ضارا فليس بخالق يستحق العبادة لأن العبادة هي الطاعة والخضوع والانقياد لله وحده . أما الكلمة الطيبة - وهي لا إله إلا الله - قد دلت على ألوهيته الثابتة له تعالى ثبوتا مستمرا، وقال حجة الإسلام الغزالي في باب "الصدق" من (الاحياء) "كل ما تقيد به العبد فهو عبد له، كما قال عيسى ﵇: يا عبيد الدنيا" وقال نبينا محمد ﷺ : "تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، وعبد الحلة وعبد الخميصة" (١)، وكل من تعلق قلبه بشيء فهو عبد له، قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ (سورة الجاثية) وإذا تبين لك دلالتها على جميع مراتب التوحيد ظهر لنا أن الشارع لأمر ما جعلها مفتاحا للدين ومهداة الانام، وفي حديث أخرجه ابن النجار عن دينار عن أنس: أنه ﵊ قال: "لا إله إلا الله دالة على الله تعالى من قالها مخلصا استوجب الجنة" وأخرج مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "اذهب بنعلي هاتين فمن لقيت من وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنا بها قلبه فبشره بالجنة"، وحديث

стр. 36

البطاقة أشهر من أن يذكر وكذلك الحديث القدسي المروي عن علي الرضا عن آبائه عليم السلام: "وجاء من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة بلا حساب" وما هو الفرق بين ذلك وبين من قالها ولم تكن آخر كلامه في الدنيا. أجمع المسلمون على معرفة الله تعالى وإان اختلفوا في الوسائل شرعا وعقلا أما النظر في معرفة الله تعالى لا خلاف بين أهل الإسلام لوجوبه، لأنه أمر يتوقف عليه الواجب، وكل أمر يتوقف عليه الواجب فهو واجب شرعا كما رأى الصحابة ﵃، وعقلا إن كان عقليا كما هو رأي المعتزلة لئلا يلزم تكليف المحال. أما كون النظر الذي يتوقف عليه التوحيد ليس ضروريا بل هو نظري ومحل الخلاف في وجوب النظر في أصول الدين وعدم وجوبه في غير معرفة الله تعالى أما النظر فيها فواجب إجماعا كما ذكره سعد الدين التفتزاني ورجح هذا القول الإمام الرازي والآمدي وقال بعض العلماء في ذلك: إن المطلوب هو اليقين لقوله تعالى لنبيه ﷺ : ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ وقال أيضا للناس: ﴿اتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾. ولا يتم اليقين إلا بحصول النظر ولهذا لم يجوز بعض العلماء التقليد في الأصول والبعض منهم أجازوه لكن بشرط العقد الجازم لأنه ﵊ كان يكتفي من الناس بنظق الشهادتين تحت ظلال السيوف إذا كانت معتقدا لمضمونها على وجه الإذعان، وعدم كونه معتقدا لها احتمال عقلي. والذي أوجب النظر من المحققين لم يرد به النظر عن طريق المتكلمين بل صرح بعضهم أن المعتبر في النظر هو طريق العامة، ويكفي دليلا على صحة إيمان المقلد. كان رسول الله ﷺ يكتفي هو وأصحابه من عوام العجم وأجلاف العرب بمجرد الإقرار بالشهادتين ولو كان الاستدلال فرضا لأمروا به بعد النطق وللقنوه لهؤلاء الأجلاف كما كانوا يلقنونهم الواجبات الشرعية ولم ينقل أحد من الصحابة أنهم أمروا ممن دخل في الإسلام بالاستدلال وترديد النظر ولا سألوه عن دليل تصديقه ولا أرجأوا أمره حتى النظر.

стр. 37

فلو كان النظر واجبا على الأعيان ولو إجماليا على طريق العامة لما اكتفى النبي ﷺ من أولئك العوام والأجلاف بمجرد الإقرار، لأن النبي وأصحابه لا يقرون أحدا على ترك الواجب من غير عذر. إذ أن المقلد غير آثم على ترك النظر بل إيمانه ثابت وصحيح ويشهد لذلك ما قاله النبي ﷺ لأسامة بن زيد "عند اعتذاره عن قتل مرداس بن نهيك" من أهل فدك وغيرهم من الأخبار الكثيرة قال : ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ وقد روي مرفوعا أنه ﷺ سئل عن شرح الصدر فقال: "نور يقذفه الله في قلب المؤمن فينفسح صدره" (١). فصرح أنه نور لا يحصل من دليل وإنما يقذفه الله تعالى في قلبه من غير فكر ولا روية ولا نظر ولا استدلال. وقد صرح بعض المحققين بأن توحيد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام هو علم ضروري وجدوه في أنفسهم لم يقدروا على دفعه. ومن أهل الفطرة من وجد فيه الإيمان كذلك بل قد صرحوا بأن الإيمان علم ضروري يجده المؤمن في قلبه لا يقدر على دفعه فكم من آمن بلا دليل. وقال الإمام الغزالي حجة الإسلام في كتابه "فيصل التفرقة" ومن أشد الناس غلوا ونكرا طائفة من المتكلمين كفروا عوام المسلمين وزعموا من لا يعرف الكلام معرفتنا ولم يعرف الأدلة الشرعية بأدلتنا التي حررنا بها فهو كافر .. فهؤلاء ضيقوا رحمة الله الواسعة على عباده وجعلوا الجنة وقفا على شرذمة يسيرة من المتكلمين، ثم جعلوا ما تواترت به السنة وراء ظهورهم، وظهر في عصر الرسول ﷺ وعصر الصحابة باسلام على طوائف من أجلاف العرب كانوا مشغولين بعبادة الأوثان ولم يشتغلوا بتعليم الدلائل ولو اشتغلوا بها لم يفهموها ومن ظن أن الإيمان بالكلام والأدلة المحررة والتقسيمات المرتبة فقد أبعد النجعة بل إن الإيمان نور يقذفه الله في قلب عبده عطية وهداية من عنده تارة بسبب رؤيا في المنام، وتارة بمشاهدة حال رجل متدين سرى نوره إليه عند صحبته ومجالسته، وتارة بقرينه حال.

стр. 38

فقد جاء أعرابي إلى رسول الله ﷺ جاحدا منكرا فلما وقع وجهه على طلعة النبي ﷺ البهية وغرته الغريرة السنية فرآها يتلألأ منها نور النبوة، قال: والله ما هذا بوجه كذاب، وسأله أن يعرض عليه الإسلام، فأسلم. وجاء آخر فقال: أنشدك الله بعثك الله نبيا؟ فقال ﵊: بلى إني والله، الله بعثني نبيا. فصدقه بيمينه وأسلم. فهذا وأمثاله أكثر من أن يحصى .. ولم يشتغل أحد بالكلام وتعلم الأدلة بل كانت تبدو أنوار الإيمان بمثل هذه القرائن في قلوبهم لمعة بيضاء ثم لا تزال تزداد وضوحا وإشراقا بمشاهدة تلك الأحوال العظيمة كتلاوة القرآن وتصفية القلوب. ليت شعري من نقل عن رسول الله ﷺ وعن الصحابة إحضار أعرابي ولقنوه الدليل على أن العالم حادث لأنه لا يخلو عن الأحداث وما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث. وأن الله عالم بعلم وقادر بقدرة كلاهما زائد عن الذات إلى غير ذلك من رسوم المتكلمين .. بل كان لا تنكشف ملحمة إلا عن جماعة من أجلاف العرب أو غيرهم يسلمون تحت ظلال السيوف وجماعة من الأسرى يسلمون واحدا واحدا بعد طول الزمان أو على القرب منه. وكانوا إذا نطقوا بكلمة الشهادة علموا الصلاة والزكاة وردوا إلى صنيعتهم لرعاية الغنم أو غيرها، لست أنكر أنه يجوز أن يكون ذكر أدلة المتكلمين أحد أسباب الإيمان في حق بعض الناس، ولكن ذلك ليس بمقصود عليه وهو نادر. وساق الكلام إلى أن قال والحق الصريح أن كل من اعتقد أن ما جاء به الرسول ﷺ ، وما اشتمل عليه القرآن فهو الحق اعتقادا جازما فهو مؤمن وإن لم يعرف أدلة. فالإيمان المستعار من الدلائل الكلامية ضعيف جدا مشرف على التزلزل لكل شبهة بل الإيمان الواضح إيمان العوام الحاصل في قلوبهم في الصبا وأثر السماع والحاصل بعد البلوغ بقرائن لا يمكن العبارة عنها- انتهى-

стр. 39

لا تكليف إلا بشرط العقل العقل في الإسلام له دور فعال في الإيمان بالله ، وفي الحياة ونظامها، وفي القرآن الكريم آيات كثيرة تحث المؤمن على تحكيم عقله، أو يلام فيها على إهماله ... ولقد حدد الإسلام دور العقل، فمن وظيفته أن يفهم الرسالة التي جاء بها سيدنا محمد ﷺ فيتلقى عنه دلائل الهدى وموجبات الإيمان في الأنفس والآفاق. العقل ليس أصلا لثبوت الشرع، فإن الشرع منزل من عند الله ثابت بنفسه. سواء علمناه بعقولنا أم لم نعلمه وهو مستغن في نفسه عن علمنا وعقلنا إلا أننا محتاجون إليه حتى نعلمه بعقولنا، فإن العقل إذا علم ما هو عليه الشرع صار عالما، وإذا لم يعلمه كان جاهلا. والمنقول الصحيح من الآيات والأحاديث لا يعارضه العقل كمسائل التوحيد و (عقائد) صفات الإله، والنبوات والمعاد والرسل ﵈. لا يخبرون بمخالفة العقل، وإنما يخبرون بما عجز عنه، وليس دور العقل أن يكون حاكما على الدين ومقرراته من حيث الصحة والبطلان، والقبول والرفض بعد أن يتأكد من صحة صدورها عن الله، إلا أنه ملتزم بأحكام الدين إذا بلغت إليه عن طريق صحيح ... إن الإسلام دين العقل بمعنى أنه يخاطبه بمقتضاه ومقرراته، ولا يقهره بخارقة مادية لا مجال فيها إلى الإذعان، ويخاطب العقل بمعنى أنه يصحح له مناهج النظر ويدعوه إلى تدبر دلائل الهدى وموجبات الإيمان والنظر في الأنفس والآفاق، ويخاطب العقل بمعنى أنه يكل إليه فهم مدلولات النصوص التي تحمل مقرراته، ولا يفرض عليه أن يؤمن بما لا يفهم مدلوله ولا يدركه، فإذا وصل العقل إلى مرحلة إدراك المدلولات وفهم المقررات، ولم يعد أمامه إلا التسليم بها فهو مؤمن، وعدم التسليم بها فهو كافر. العقل ميزان صحيح غير أنك لا تستطيع أن تزن به أمور التوحيد والآخرة وحقيقة النبوة، وحقائق الصفات الإلهية وكل ما وراء الطبيعة ...

стр. 40

وإذا تبين ذلك، فلعل الأسباب إذا تجاوزت في الاتقاء نطاق إدراكنا ووجودنا خرجت على أن تكون مدركة فيتيه العقل في بيداء الأوهام، وينقطع فإذا التوحيد هو العجز عن إدراك الأسباب، وهذا معنى ما نقل عن أبي بكر الصديق ﵁: "العجز عن الإدراك إدراك" ويقول ابن خلدون التوحيد هو العجز عن إدراك الأسباب. سأل دعلب اليماني عليا- كرم الله وجهه- هل رأيت ربك يا أمير المؤمنين فأجابه: أفأعبد ما لا أرى؟ فقال دعلب: وكيف تراه؟ قال: لا تراه العيون بمشاهدة العيان، ولكن تدركه العقول بحقائق الإيمان، قريب من الأشياء، غير ملامس، بعيد منها غير مباين لها، متكلم لا بروية، مريد لا بهمة، صانع لا بجارحة، لطيف لا يوصف بالخفاء، بصير لا يوصف بحاسة، رحيم لا يوصف بالرقة، تعنو الوجوه لعظمته وتجل القلوب من مخافته. وقول الإمام الهاشهي- كرم الله وجهه- "لا تراه العيون بمشاهدة العيان، ولكن تدركه العقول بحقائق الإيمان" إشارة إلى أن الإدراك ليس ادراكا عقليا مباشرا، وإنما هو إدراك لا يقع في الشعور والحس من إيمان لا يدرك بالعقول. ووظيفة العقل هي إدراك ما يقع له من مظاهر الوجود، وقد ينتج الإدراك معرفة، ولكن الإيمان أكبر من الإدراك، وأعلى من المعرفة. وسئل الصديق الأكبر أبو بكر الصديق ﵁ بم عرفت ربك فقال: عرفت ربي، ولولا ربي ما عرفت ربي، فقيل له وهل يتأتى لبشر أن يدركه؟ فقال العجز عن الإدراك إدراك ويعلق العز بن عبد السلام على هذا الخبر بقوله: "ومعنى هذه الإشارة الصديقية: إن الحواس الخمسة التي هي آلات الإدراك لسائر المحسوسات لا وصول لها لإدراكه فإذا علمت أن الحق سبحانه منزه عن إدراك الحواس لكن ذاته وصفاته لعجزها عن إدراكه، فقد عرفت الحق ... ربما يفهم من القول: بأن العجز عن الإدراك إدراك" أن الإيمان المستولد من العجز عن الإدراك إيمان باهت وأنه ليس بشيء والحق أن العجز عن الحقيقة الكبرى حقيقة الوجود العليا ليس هو العجز الذي يعقبه اليأس ويتبعه القنوط، وإنما هو إلهام
следующие страницы →