البطاقة أشهر من أن يذكر وكذلك الحديث القدسي المروي عن علي الرضا عن آبائه عليم السلام: "وجاء من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة بلا حساب" وما هو الفرق بين ذلك وبين من قالها ولم تكن آخر كلامه في الدنيا.
أجمع المسلمون على معرفة الله تعالى وإان اختلفوا في الوسائل شرعا وعقلا أما النظر في معرفة الله تعالى لا خلاف بين أهل الإسلام لوجوبه، لأنه أمر يتوقف عليه الواجب، وكل أمر يتوقف عليه الواجب فهو واجب شرعا كما رأى الصحابة ﵃، وعقلا إن كان عقليا كما هو رأي المعتزلة لئلا يلزم تكليف المحال.
أما كون النظر الذي يتوقف عليه التوحيد ليس ضروريا بل هو نظري ومحل الخلاف في وجوب النظر في أصول الدين وعدم وجوبه في غير معرفة الله تعالى أما النظر فيها فواجب إجماعا كما ذكره سعد الدين التفتزاني ورجح هذا القول الإمام الرازي والآمدي وقال بعض العلماء في ذلك: إن المطلوب هو اليقين لقوله تعالى لنبيه ﷺ : ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ وقال أيضا للناس: ﴿اتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾. ولا يتم اليقين إلا بحصول النظر ولهذا لم يجوز بعض العلماء التقليد في الأصول والبعض منهم أجازوه لكن بشرط العقد الجازم لأنه ﵊ كان يكتفي من الناس بنظق الشهادتين تحت ظلال السيوف إذا كانت معتقدا لمضمونها على وجه الإذعان، وعدم كونه معتقدا لها احتمال عقلي.
والذي أوجب النظر من المحققين لم يرد به النظر عن طريق المتكلمين بل صرح بعضهم أن المعتبر في النظر هو طريق العامة، ويكفي دليلا على صحة إيمان المقلد. كان رسول الله ﷺ يكتفي هو وأصحابه من عوام العجم وأجلاف العرب بمجرد الإقرار بالشهادتين ولو كان الاستدلال فرضا لأمروا به بعد النطق وللقنوه لهؤلاء الأجلاف كما كانوا يلقنونهم الواجبات الشرعية ولم ينقل أحد من الصحابة أنهم أمروا ممن دخل في الإسلام بالاستدلال وترديد النظر ولا سألوه عن دليل تصديقه ولا أرجأوا أمره حتى النظر.
стр. 37
فلو كان النظر واجبا على الأعيان ولو إجماليا على طريق العامة لما اكتفى النبي ﷺ من أولئك العوام والأجلاف بمجرد الإقرار، لأن النبي وأصحابه لا يقرون أحدا على ترك الواجب من غير عذر. إذ أن المقلد غير آثم على ترك النظر بل إيمانه ثابت وصحيح ويشهد لذلك ما قاله النبي ﷺ لأسامة بن زيد "عند اعتذاره عن قتل مرداس بن نهيك" من أهل فدك وغيرهم من الأخبار الكثيرة قال : ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ وقد روي مرفوعا أنه ﷺ سئل عن شرح الصدر فقال: "نور يقذفه الله في قلب المؤمن فينفسح صدره" (١). فصرح أنه نور لا يحصل من دليل وإنما يقذفه الله تعالى في قلبه من غير فكر ولا روية ولا نظر ولا استدلال.
وقد صرح بعض المحققين بأن توحيد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام هو علم ضروري وجدوه في أنفسهم لم يقدروا على دفعه.
ومن أهل الفطرة من وجد فيه الإيمان كذلك بل قد صرحوا بأن الإيمان علم ضروري يجده المؤمن في قلبه لا يقدر على دفعه فكم من آمن بلا دليل. وقال الإمام الغزالي حجة الإسلام في كتابه "فيصل التفرقة" ومن أشد الناس غلوا ونكرا طائفة من المتكلمين كفروا عوام المسلمين وزعموا من لا يعرف الكلام معرفتنا ولم يعرف الأدلة الشرعية بأدلتنا التي حررنا بها فهو كافر ..
فهؤلاء ضيقوا رحمة الله الواسعة على عباده وجعلوا الجنة وقفا على شرذمة يسيرة من المتكلمين، ثم جعلوا ما تواترت به السنة وراء ظهورهم، وظهر في عصر الرسول ﷺ وعصر الصحابة باسلام على طوائف من أجلاف العرب كانوا مشغولين بعبادة الأوثان ولم يشتغلوا بتعليم الدلائل ولو اشتغلوا بها لم يفهموها ومن ظن أن الإيمان بالكلام والأدلة المحررة والتقسيمات المرتبة فقد أبعد النجعة بل إن الإيمان نور يقذفه الله في قلب عبده عطية وهداية من عنده تارة بسبب رؤيا في المنام، وتارة بمشاهدة حال رجل متدين سرى نوره إليه عند صحبته ومجالسته، وتارة بقرينه حال.
стр. 38
فقد جاء أعرابي إلى رسول الله ﷺ جاحدا منكرا فلما وقع وجهه على طلعة النبي ﷺ البهية وغرته الغريرة السنية فرآها يتلألأ منها نور النبوة، قال: والله ما هذا بوجه كذاب، وسأله أن يعرض عليه الإسلام، فأسلم. وجاء آخر فقال: أنشدك الله بعثك الله نبيا؟ فقال ﵊: بلى إني والله، الله بعثني نبيا. فصدقه بيمينه وأسلم. فهذا وأمثاله أكثر من أن يحصى ..
ولم يشتغل أحد بالكلام وتعلم الأدلة بل كانت تبدو أنوار الإيمان بمثل هذه القرائن في قلوبهم لمعة بيضاء ثم لا تزال تزداد وضوحا وإشراقا بمشاهدة تلك الأحوال العظيمة كتلاوة القرآن وتصفية القلوب. ليت شعري من نقل عن رسول الله ﷺ وعن الصحابة إحضار أعرابي ولقنوه الدليل على أن العالم حادث لأنه لا يخلو عن الأحداث وما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث. وأن الله عالم بعلم وقادر بقدرة كلاهما زائد عن الذات إلى غير ذلك من رسوم المتكلمين ..
بل كان لا تنكشف ملحمة إلا عن جماعة من أجلاف العرب أو غيرهم يسلمون تحت ظلال السيوف وجماعة من الأسرى يسلمون واحدا واحدا بعد طول الزمان أو على القرب منه. وكانوا إذا نطقوا بكلمة الشهادة علموا الصلاة والزكاة وردوا إلى صنيعتهم لرعاية الغنم أو غيرها، لست أنكر أنه يجوز أن يكون ذكر أدلة المتكلمين أحد أسباب الإيمان في حق بعض الناس، ولكن ذلك ليس بمقصود عليه وهو نادر. وساق الكلام إلى أن قال والحق الصريح أن كل من اعتقد أن ما جاء به الرسول ﷺ ، وما اشتمل عليه القرآن فهو الحق اعتقادا جازما فهو مؤمن وإن لم يعرف أدلة.
فالإيمان المستعار من الدلائل الكلامية ضعيف جدا مشرف على التزلزل لكل شبهة بل الإيمان الواضح إيمان العوام الحاصل في قلوبهم في الصبا وأثر السماع والحاصل بعد البلوغ بقرائن لا يمكن العبارة عنها- انتهى-
стр. 39
لا تكليف إلا بشرط العقل
العقل في الإسلام له دور فعال في الإيمان بالله ، وفي الحياة ونظامها، وفي القرآن الكريم آيات كثيرة تحث المؤمن على تحكيم عقله، أو يلام فيها على إهماله ...
ولقد حدد الإسلام دور العقل، فمن وظيفته أن يفهم الرسالة التي جاء بها سيدنا محمد ﷺ فيتلقى عنه دلائل الهدى وموجبات الإيمان في الأنفس والآفاق.
العقل ليس أصلا لثبوت الشرع، فإن الشرع منزل من عند الله ثابت بنفسه. سواء علمناه بعقولنا أم لم نعلمه وهو مستغن في نفسه عن علمنا وعقلنا إلا أننا محتاجون إليه حتى نعلمه بعقولنا، فإن العقل إذا علم ما هو عليه الشرع صار عالما، وإذا لم يعلمه كان جاهلا. والمنقول الصحيح من الآيات والأحاديث لا يعارضه العقل كمسائل التوحيد و (عقائد) صفات الإله، والنبوات والمعاد والرسل ﵈. لا يخبرون بمخالفة العقل، وإنما يخبرون بما عجز عنه، وليس دور العقل أن يكون حاكما على الدين ومقرراته من حيث الصحة والبطلان، والقبول والرفض بعد أن يتأكد من صحة صدورها عن الله، إلا أنه ملتزم بأحكام الدين إذا بلغت إليه عن طريق صحيح ...
إن الإسلام دين العقل بمعنى أنه يخاطبه بمقتضاه ومقرراته، ولا يقهره بخارقة مادية لا مجال فيها إلى الإذعان، ويخاطب العقل بمعنى أنه يصحح له مناهج النظر ويدعوه إلى تدبر دلائل الهدى وموجبات الإيمان والنظر في الأنفس والآفاق، ويخاطب العقل بمعنى أنه يكل إليه فهم مدلولات النصوص التي تحمل مقرراته، ولا يفرض عليه أن يؤمن بما لا يفهم مدلوله ولا يدركه، فإذا وصل العقل إلى مرحلة إدراك المدلولات وفهم المقررات، ولم يعد أمامه إلا التسليم بها فهو مؤمن، وعدم التسليم بها فهو كافر.
العقل ميزان صحيح غير أنك لا تستطيع أن تزن به أمور التوحيد والآخرة وحقيقة النبوة، وحقائق الصفات الإلهية وكل ما وراء الطبيعة ...
стр. 40
وإذا تبين ذلك، فلعل الأسباب إذا تجاوزت في الاتقاء نطاق إدراكنا ووجودنا خرجت على أن تكون مدركة فيتيه العقل في بيداء الأوهام، وينقطع فإذا التوحيد هو العجز عن إدراك الأسباب، وهذا معنى ما نقل عن أبي بكر الصديق ﵁: "العجز عن الإدراك إدراك" ويقول ابن خلدون التوحيد هو العجز عن إدراك الأسباب.
سأل دعلب اليماني عليا- كرم الله وجهه- هل رأيت ربك يا أمير المؤمنين فأجابه: أفأعبد ما لا أرى؟ فقال دعلب: وكيف تراه؟ قال: لا تراه العيون بمشاهدة العيان، ولكن تدركه العقول بحقائق الإيمان، قريب من الأشياء، غير ملامس، بعيد منها غير مباين لها، متكلم لا بروية، مريد لا بهمة، صانع لا بجارحة، لطيف لا يوصف بالخفاء، بصير لا يوصف بحاسة، رحيم لا يوصف بالرقة، تعنو الوجوه لعظمته وتجل القلوب من مخافته. وقول الإمام الهاشهي- كرم الله وجهه- "لا تراه العيون بمشاهدة العيان، ولكن تدركه العقول بحقائق الإيمان" إشارة إلى أن الإدراك ليس ادراكا عقليا مباشرا، وإنما هو إدراك لا يقع في الشعور والحس من إيمان لا يدرك بالعقول.
ووظيفة العقل هي إدراك ما يقع له من مظاهر الوجود، وقد ينتج الإدراك معرفة، ولكن الإيمان أكبر من الإدراك، وأعلى من المعرفة.
وسئل الصديق الأكبر أبو بكر الصديق ﵁ بم عرفت ربك فقال: عرفت ربي، ولولا ربي ما عرفت ربي، فقيل له وهل يتأتى لبشر أن يدركه؟ فقال العجز عن الإدراك إدراك ويعلق العز بن عبد السلام على هذا الخبر بقوله: "ومعنى هذه الإشارة الصديقية: إن الحواس الخمسة التي هي آلات الإدراك لسائر المحسوسات لا وصول لها لإدراكه فإذا علمت أن الحق سبحانه منزه عن إدراك الحواس لكن ذاته وصفاته لعجزها عن إدراكه، فقد عرفت الحق ... ربما يفهم من القول: بأن العجز عن الإدراك إدراك" أن الإيمان المستولد من العجز عن الإدراك إيمان باهت وأنه ليس بشيء والحق أن العجز عن الحقيقة الكبرى حقيقة الوجود العليا ليس هو العجز الذي يعقبه اليأس ويتبعه القنوط، وإنما هو إلهام
стр. 41
روحي، ومن أجل هذا كان الإيمان بالله لا يرتاد إلا النفوس التي حل بها الطهر وزكاها العلم، ولا يكودما إلا في النفوس التي خلت من الشك والريب، وسلمت من الزيغ ...
الإسلام يطرح العقيدة على العقل على أساس النظر والفكر ليستقر الإيمان في نفس المخاطب، وجذور هذه العقيدة ضاربة في الكون والنفس والبشر ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ (سورة فصلت).
كما هي مودعة في الكتاب الكريم ﴿هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ (سورة البقرة) ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ (سورة ق).
إن الإيمان بالله وما أشكل عليه قضية خطيرة قضية تحديد قوة عليا تستوعب الزمان والمكان والإنسان قضية تحديد حياة أخرى لا تقاس بملايين السنين إنه الخلود، ومن تسنى له أن يخوض هذه القضية الكبرى- أي قضية الإيمان- عقليا فيغدو مؤمنا حقا ويكون قد مر بتجربة فكرية اكتسبته مرانا رائعا على التجرد من العقائد الزائفة، ومن شأن هذا المران أن يطيع العقل الإنساني بطابع التثبت والاتزان، والمؤمن الذي يراقب الله بحذر من التسرع قال الله : ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ (سورة الإسراء) فإذا آمن الناس بالحقيقة الكبرى إيمانا عقليا وآمنوا برسوله وكتابه إيمانا عقليا أليس من المعقول أن يسلم العقل فيما تعجز عنه حواسهم الحسية من النصوص الواردة من القرآن والحديث في الجنة والنار والملائكة والشياطين؟ سيما وقد قبلوا الأصول الكبرى عن طريق العقل، وهذه التفصيلات الغيبية محدودة في النصوص الصحيحة ..
لقد عرض الله قضية الإيمان على العقل، وأخذ بيده إلى الكون، وخاطبه بالبرهان. ولكن المؤمنين غافلون عن حقيقة إيمانهم، فأصبحوا لا يستخدمون عقولهم في معرفة العقيدة حتى يعرفوها معرفة جيدة،
стр. 42
وكلما أمعنوا النظر والتفكر في الكون والمخلوقات المشاهدة إلا وازدادوا إيمانا بالله ، وعلما به، وخشية منه، ولكن لا يبحثون عنها بدعوى أنها مقدسية لا تمس، أو بدعوى أنها تتعطالى عن العقول، ولو قدر الناس حرية العقيدة الدينية لما تململوا من البحث والنقاش فيها، وهذا النقاش ليس من الجدل المحظور التي وردت فيه الأحاديث الشريفة بالنهي عنه.
قضية العقيدة خطيرة جدا لأن خطأها يطبق على الإنسان طول العمر، وفي ظلمات القبر، ومن بعد ذلك يأتي البعث والحساب في عالم الخلود.
كيف لا يفكر الإنسان في قضية المعاد؟ وإننا نرى الموت تقصم رقاب الجبابرة والطغاة والظلمة الذين لم تزل قلوبهم عن الموت نافرة حتى جاءهم الوعد الحق فأرداهم فنقلوا من القصور إلى القبور، ومن الضياء إلى ظلمة اللحد، ومن ملاعبة النساء إلى مقاساة الهوام والديدان، ومن الأنس إلى وحشة القبر، ومن صحة الذات وتنعمها إلى تشويهها وتمزقها ...
فسبحان من انفرد بالقهر والاستيلاء، واستأثر بالبقاء، وسبحان من جعل الموت مخلصا للأتقياء، والقبر سجنا للأشقياء ..
من كان الموت مصرعه، والتراب مضجعه، والدود أنيسه ومنكر ونكير جليسه، والقبر مقره، وبطن الأرض مستقره، والقيامة موعده، والجنة أو النار مورده، كيف لا يفكر في قضية البعث والحساب؟ كيف لا يذكره ولا يستعد له، ولا يتدبر في مصيره ولا يهتم به؟ كيف لا يعد نفسه من الموتى، وهو يرى كل يوم يحمل إلى القبور من أهله وذويه وأقربائه وأصدقائه. قال رسول الله ﷺ : "الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت" (١) وقساة القلوب يغفلون عن الموت حتى يهجم عليهم فجأة، وإذا ذكروهم به نفروا منه، هؤلاء هم الذين قصدهم القرآن بقوله: ﴿إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ﴾ ما دام هناك إيمان
стр. 43
بذلك اليوم الموعود ينتفع الإنسان من استعمال عقله في تثبيت الإيمان في قلبه وصيانته، ولكن ذوي العقول الممتازة العارفين بالله هم الذين يستطيعون مجاهدة الأهواء. وأخلص مراتب التوحيد التي بنيت على النظر والاستدلال كما يقال ...
إذ كل من قلد في التوحيد إيمانه لم يخل من ترديد الكفر جحد الحق- والحق هو الله ، فمن طلب الحق خاليا من الغرض والهوى فقد بريء من الكفر ..
أما المغضوب عليهم والضآلون، فهم ممن وصفهم القرآن بقوله: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ (سورة النمل) وقال أيضا: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ (سورة الأنعام).
стр. 44
من ثمرة العقل معرفة الله الضرورية والمكتسبة
من أشرف ثمرة العقل معرفة الله تعالى وحسن طاعته والكف عن معصيته وعلى ذلك قوله ﵊: "العقل ثلاثة أجزاء: جزء معرفة الله، وجزء طاعة الله، وجزء الصبر عن معصية الله" (١)، وقال ﵊: "الإيمان عريان ولباسه التقوى وزينته الحياء، وماله العفة، وثمرته العلم".
فمعرفة الله العامة مركوزة في النفس وهي معرفة كل أحد أنه مفعول وأن له فاعلا فعله ونقله.
وأما معرفة الله المكتسبة، فمعرفة توحيده وصفاته، وما يجب ان يثبت له من الصفات وما يجب أن ينفى عنه، وهذه المعرفة هي التي دعت إليها الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ولهذا قالوا كلهم: قولوا لا إله إلا الله، ولم يدعوا إلى معرفة الله تعالى، بل دعوا إلى توحيده، وهذه المعرفة هي المكتسبة، وتكون على ثلاثة أوجه:
الوجه الأول: لا يكاد يدركه إلا نبي وصديق وشهيد ومن داناهم وأنها تكون بالنور الإلهي بحيث لا يعتريه شك كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ (سورة الحجرات).
والوجه الثاني: يدرك بغلبة الظن، أعني الظن الذي يفسره أهل اللغة باليقين كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ (سورة البقرة).
الوجه الثالث: يدرك بخيالات ومثل وتقليدات فيقول الله في حق هذا الصنف من الناس: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ (سورة يوسف).
стр. 45
فالوجه الأول يجري مجرى إدراك الشيء من قريب ولذا قال الله في حقهم: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ (سورة ق) والثاني يجري مجرى إدراك الشيء من بعيد، وقد تعتريه شبهة لكن تزول بأدنى تأمل كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ (سورة الأعراف).
الثالث يجري مجرى من يرى الشيء من وراء ستر من بعيد فلا ينفك من شبهات كما أخبر تعالى عن هذه حالته بقوله: ﴿إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ (سورة الجاثية).
ولأجل معرفة الله على الحقيقة يجب أن يتخلص من آفات الشرك، قال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ (سورة يوسف) وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ (سورة الزمر)، وقال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (سورة البينة)، وقال تعالى: ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي * فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ (سورة الزمر)، وقال ﵊: "من قال لا إله إلا الله مخلصا دخل الجنة" (١). وغاية معرفة الانسان ربه أن يعرف أجناس الموجودات وجواهرها وأعراضها المحسوسة والمعقولة، ويعرف أثر الصحة وأنها محدثة وأن محدثها ليس إياها ولا مثالها بل هو الذي يصح ارتفاعها مع بقائه تعالى: ولا يصح بقاؤه وارتفاعه، وبهذا النطر قال أبو بكر الصديق (ض) "سبحان من لم يجعل لخلقه سبيلا إلى معرفته إلا بالعجز عن معرفته"، بل لهذا قال ﵊: "تفكروا في خلق الله، ولا تتقكروأ في ذات الله" (٢).
стр. 46
ولما كانت معرفة الله تصعب على كل إنسان لقصور فهمه جعل له من نفسه وبدنه عالما صغيرا أوجد فيه ما هو موجود في العالم الكبير ليجري ذلك من العالم مجرى مختصر كتاب بسيط يكون مع كل أحد نسخة يتأملها في الحضر والسفر، وفي الليل أو في النهار، فإن نشط وتفرغ إلى العلم نظر في العالم الكبير ليعزز علمه ويتسع فهمه وعقله وإلا فله مقنع بالمختصر الذي معه، ولذا قال الله : ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ (سورة الذاريات).
قال ابن الخطيب في تفسير هذه الآية: لو تأملتم في أنفسكم لوجدتم العجب العجاب، أنظروا مثلا كيف أنشأكم ابتداء من طين، ثم كيف خلقكم من نطفة في قرار مكين، بل أنظروا إلى النطفة نفسها، وكيف يتكون منها الجنين الذي لا يتكون إلا من الاتحاد بين جرثومة الذكر وبويضة الأنثى وبذلك تتكون الخلية، يحدث انقسام بينها إلى خليتين، ثم انقسام آخر لكل من الخليتين، ثم آخر للمنقسمين، وآخر، وآخر، وهكذا دواليك إلى أن يصل العدد إلى أربعين خلية من الخلايا، حتى يزيد مجموع الخلايا التي يتكون منها الإنسان الواحد عن سكان الكرة الأرضية أكثر من ألف مرة. وكل خلية من هذه الخلايا تعيش بمعزل عن هذه الخلايا كل منها بمثابة مصنع للإنتاج. فمنها ما ينتج الشعر، ومنها ما ينتج الأظافر، ومنها ما ينتج العظام، ومنها ما ينتج الدم وهكذا ...
ومتى نضجت هذه الخلايا، واكتمل نموها، تخصص كل منها في تكوين نوع واحد من الأنسجة والأعضاء.
ومن هذه الخلايا ما ينتج الجهاز العصبي الذي يتوقف عليه إيصال الرسائل من الحواس والأعضاء المختلفة إلى المخ، ومن المخ تنتقل إلى الرسائل التي هي بمثابة أوامر وأحكام إلى العضل والأطراف التي تتحرك بموجبها تبعا للظروف المحيطة بالإنسان وإلى الغدة الجمة، فتفرز سائلا معينا وفقا للحالة التي يجابهها الشخص كالدموع واللعاب.
مثال ذلك: إذا أبصر إنسان لصا أمامه بيده خنجر: فإن الجهاز الشخصي يوجه إلى المخ إشارة بذلك الخطر المحدق، فتتلقى الجوارح من
стр. 47
المخ إشارة بما يجب اتباعه وقد يشير المخ تبعا لسلوك شخص الإنسان بالفرار من اللص، أو بالهجوم عليه، وانتزاع الخنجر من يده، أو بمبادرته بطلقة من مسدس، أو ضربة من عصا ونحوها على أن الزمن الذي تستغرقه هذه الرسائل الذاهبة والآتية- يدق على أي آلة أو أداة لا سلكية لا يتجاوز ذلك الزمن إلا جزءا من مائة جزء من الثانية الواحدة. فعلاقة الحواس بالمخ علاقة ثابتة ما ثبت الوعي والإدراك اللذان يتفرع منهما التمييز والتصور والذاكرة، والتعليل والطموح، وإدراك الهدف.
ولا يخفى ما في خلقة المخ من أعاجيب وغرائب، فمن أعجب الأعاجيب إختزان العلوم والمعارف والمدارك والمحفوظات، واستخراج ما يريد من ذلك من سجلاتها المرتبة المبوبة في ظرف ربما لا يتجاوز ارتداد الطرف فبواسطته وذبذباته يعجز اللسان عن وصفها ويضيق الجنان عن الإحاطة بها.
هذا وقد دل الفحص المجهري على أن عدد الخيوط العصبية في المخ يتجاوز عشرة آلاف مليون .. كل واحد منها تدب فيه الحياة، ويحمل وظيفة عضوية يؤديها على أكمل وجه. وعلى هذا المنوال تؤدي أجسامنا - بما احتوت عليه من أعضاء- وظائفها ذات الأهداف المتباينة بغير وعي منها، الأمر الذي يدل دلالة قطعية، على أن هناك إرادة عليا تسيرها وتوجهها.
ولو لم يكن في بديع صنع الإنسان: سوى أنه يأكل الطعام، ويشرب الشراب في مدخل واحد ثم يخرج كلاهما من مخرج منفصل عن الآخر.
لكفى ذلك عجبا. وناهيك بما يفعله الجسم بالطعام والشراب حين يهضمهما ويأخذ أطايبهما ثم يلقى بنفايتهما بعد أن يستنفد وقوده، ويأخذ حاجته ويستوعب كفايته .... فتبارك الله أحسن الخالقين ....
ولو تأملتم حواسمك لوجدتم أعجب العجاب. أنظروا إلى حاسة اللمس وكيف أنكم تستطيعون بها الفرق بين الناعم والخشن، والبارد والحار، واللين والرخو، وانظروا أيضا إلى حاسة الشم، وكيف تستطيعون بواسطتها
стр. 48
معرفة زكي الرائحة من رديئها وطيب النهكة من فاسدها، وانظروا أيضا إلى حاسة الذوق، وكيف تستلذون بواسطتها على تذوق الأصناف والطعوم ومعرفة الحلو والحامض، والمر والمالح. وكذلك البصر وانطباع المرآة عليه وانعكاسها على صفحة المخ لتترك آثارها. وكذلك السمع، وانقلاب المسموعات إلى مفهومات وانطباعها في حافظة المخ لتزوكم به وقت حاجتكم إليه. وهكذا سائر الأعضاء بما وهب لها الله تعالى من مزايا يضيق الخاطر عن حصر فوائدها ومنافعها.
فإذا ما فكر الإنسان في خلقة نفسه، ودقة حواسه، وتأمل هذه الآيات والأدوات التي صاغها الخلاق العليم، وبرأها المدبر الحكيم.
وهل يستطيع الإنسان بما أوتي من علم ومال، وجاه وسلطان أن يستعيض عن أحدها لو سلبها أو أن يردها بعد تلفها، أو أن يفهم كنهها، ويعرف سر تركيبها.
حقا لو تأمل الإنسان بعض ذلك لما وسعه إلا أن يقول .. ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾.
ومع هاتيك الدلائل المتظاهرة على وجود الله تعالى واستناد عالمنا في نشأته على قدرته ﷻ . ومع إطراد البراهين على ان الدين حق وأن تعاليمه مناط الرشد، وطوق النجاة. ومع ذلك كله فبين الحين والحين نسمع أمرأ مهزوز الرأي، والضمير يهرف بما لا يعرف ويظن الناس أن من أعلن الكفر بالله واليوم الآخر إنه في عداد العباقرة ذلك أن الطريقة التي تكون بها الجسم، والتي يحيا بها آنا بعد آن أروع وأبدع ألف ألف مرة من أعظم المنجزات، والكشوف التي عرفناها في هذا الزمن وغيره.
стр. 49
البحث عن معرفة الله
هو علم أصول الدين وهو أشرف العلوم، وهو الفقه الأكبر بالنسبة إلى فقه الفروع وحاجة العباد إليه فوق كل حاجة، لأنه لا حياة للقلوب إلا بمعرفة ربها وبأسمائه الحسنى وبصفاته وأفعاله، ومن المحال أن تستقل العقول بمعرفة ربها على التفصيل، ولهذا بعث الله الرسل معرفين به وداعين إليه، ولمن أجابهم مبشرين ولمن خالفهم منذرين ... ومن الأسباب الموصلة إلى معرفته تعالى هو هذا الوجود الذي تمخر بنا سفينة الحياة عبابه، وتنقلنا بين أغواره وشطآنه، وتتدافع بنا في سكونه واضطرابه. هذا الوجود أغرى الإنسان منذ استهل في الحياة بالنظر إليه، والتأمل فيه والبحث عن أسراره الكامنة في كل كائن من كائنات الوجود، مع أن الوجود، كتاب يستطيع كل إنسان أن ينظر فيه، وأن يقلب صفحاته إلا أن كثيرا من الناس يمرون بآيات هذا الكون دون أن يصل شيء منها إلى عقولهم، ودون أن تحرك فيهم شعورا، وتثير عاطفة، قال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾ (سورة يوسف). وقد رأى المعري أن الحياة حين تدب في الكائن الحي تكون أشبه بالدخان، ثم تشتد فتكون نارا، ثم تخمد فتصير رمادا هكذا يقول: تبدأ ضئيلة خافتة، ثم تقوى شيئا فشيئا حتى تبلغ غايتها، ثم ينتهي أمرها إلى الخمود فتكون رمادا ...
في هذا السبيل حشدت الإنسانية كل ما تملك من قوى الإدراك لكشف الطريق إلى تلك الحقيقة. كانت المهمة الأولى رسالات الرسل، ودعوات الأنبياء، فما كانت تلك الرسالات إلا تصحيحا لعقيدة الناس في الإله أو شرحا لها في المحصول الذي خلفه العلماء في مختلف الأمم في جميع الأجيال من المذاهب والأراء التي تدور حول الإلهيات وما يتصل بها.
وسائل البحث عن الله العقل، فهو الرائد بمسالك الطريق الدالة على الله ... وما الإنسان إلا بهذا العقل الذي اختصه الله به
стр. 50
وكرمه، ورفع به منزلته بين المخلوقات وبهذا العقل قد استأهل، أن يكون خليفة الله في الأرض وأنه يرى في نفسه القدرة على حمل الأمانة التي عجزت عن حملها السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان ... والعقل الذي يحمله الإنسان هو سلاح ذو حدين قد يكون مصباحا يضيىء أو شهابا يحرق أو يحترق يستطيع العقل أن يعرف الله معرفة واضحه إذا وقف من هذا الوجود موقف المتأمل البصير الذي يفرق بين الحق والباطل، ويستدل على الخالق بالمخلوق فتلك هي وظيفة العقل في التعرف على الله، وبهذا العقل المتزن الرشيد عرف العارفون ربهم وتعرفوا عليه وآمنوا به ..
كيف يبحث الإنسان عن معرفة الله في هذه الكائنات؟ لهذا الوجود المحيط بنا وجهان، وجه ظاهر يلقاه المرء بحواسه ويتجاوب معه بمشاعره، ووجه آخر خفي لا يقع في مجال الحس والمشاهدة فلا يستجيب لدعوة الحواس، ولا يكون في متناول العقل، وإنما يحس به الإنسان ببصيرته ...
هذا الوجود بوجهيه الظاهر والخفي قد شغل الإنسان بالبحث منذ برز إلى الوجود عن مالك هذا الوجود ومدبر أمره ومصرف شؤونه. وفي الإنسان نوازع نفسية تدعوه إلى البحث عن الله وهو إذ يستجيب لهذه النوازع إنما يستثير كل قواه، ويستخدم كل ملكاته إلى أن يتعرف إلى الله ... فالإشارات التي تشير إليه إنما تنبعث من كل موجود من النبتة الصغيرة إلى النخلة الباسقة، من النملة التي تدب على الأرض إلى النسور المحلقة في الهواء، ومن كل كائن في الأرض إلى كل كوكب ونجم في السماء، ففي كل كائن من هذا الوجود أكثر من إصبع تشير إلى الخالق العظيم وتدعو إليه.
فالطريق إلى الله إذا متعدد المناهج والمسالك فإذا أردنا أن نتعرف إلى الله فلا نجد أكمل من هذا المنهج الذي يجعل الوجود كله كتابا يقرؤه الإنسان في حروفه وكلماته وأسطره وصفحاته وفصوله وأبوابه فكل هذه الآيات تدل على وجود الإله وتتحدث عن جلاله وعظمته وقدرته وحكمته.
стр. 51
فهذا الكتاب- أي كتاب الطبيعة- واقع تحت أنظار الناس جميعا ليس لأحد عذر إن هو أغلق حواسه، وختم على سمعه وقلبه، وجعل على بصره غشاوة كي لا يعرف الله، ولا يتعرف إليه، فمن فعل هذا أهدر آدميته وتنكر لإنسانيته وأسقط حسابه من عالم الناس، ودخل إلى عالم الحيوان الأعجم ...
إن منهج الشريعة الإسلامية في الدعوة إلى الله والإستدلال عليه، والتعرف عليه هو هذا المنهج الفطري الذي سلكه الإنسان، فقد دعا الإسلام إلى النظر في ملكوت السماوات، والأرض وجعل هذا النظر والتفكر هو المنهج القويم لمن يريد أن يعرف الله ويؤمن به. وقد أشار القرآن الكريم إلى أكمل الناس عقلا وأرشدهم سبيلا فقال : ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (سورة آل عمران) وقال أيضا مشيرا إلى أسرار حكمته وكمال قدرته: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ * فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ (سورة الغاشية) إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة البينة التي تدعو العقل إلى استعمال حقه في هذا الوجود الذي نشاهده.
آثار الله تتجلى لنا في هذا الوجود الذي تعمل فيه حواسنا وعقولنا دون أن تقع في مجال الحس والإدراك، ولهذا فرض الله معرفة ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله على العباد من خلال آثاره في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين للناس جميعا أنه الحق.
فبذلك نعرف الخالق العظيم.
فكيف يكون الموقف مع الخالق العظيم، والمصور المبدع وما أبدع وصور في هذا الوجود من المخلوقات التي لا تعد ولا تحصى، فماذا تأخذ، وماذا تدع؟ ومن أين تبدأ، وكيف تنتهي؟ فتجد نفسك بعد النظر في
стр. 52
المخلوقات، والتأمل فيها متشوقة إلى رؤية هذا الخالق العظيم. إذا أردت أن تعرفه فادرس هذا الوجود عندئذ تتعرف إلى الله ، فالله قد مهد للناس الطريق إليه، وأقام على جوانبه معالم الهداية والرشاد فنظرة إلى البحر فيها كل معالم الحلال والعظمة تكفيك عن هذا الوجود كله.
أما إذا كنت ممن يتعمقون في بحث المخلوقات فبحسبك قطرة ماء، قطرة واحدة بالتحديد، وعالجها بوسائل العلم الحديث فسترى أنها عالم كبير مليء بالأسرار.
إن أدنى المخلوقات منزلة وأهونها شأنا وأصغرها جرما لتحمل كل آيات الإبداع للمبدع الذي تذهل له العقول وتحار فيه الألباب ولست أجد أروع وأبلغ من القرآن الكريم في الدفاع عن قضية الألوهية، وإفحام المجادلين وآتى بمثالين منه:
الأول: أدعوك أيها القارئ- أن تنضم إلى هذا المجتمع الذي يجتمع فيه الناس جميعا الذي تحمله الآية إلى كل عقل، وأدعوك ثانيا أن تجهز نفسك لهذا الجمع فلا تذهل عن وجودك، فإنك مطالب بأن تسمع وتعي، وأن تنتهي إلى رأي فيما سمعت ووعيت أمستعد أنت؟ فهذا صوت الحق يهتف بك وبالناس جميعا استمع إلى قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ (سورة الحج). ذبابة واحدة لا غير إنها تقف وحدها في جبهة والناس جميعا في الجبهة المقابلة لها إنها توضع في كفة الميزان والناس جميعا في الكفة الأخرى، وإنها لترجح بهم جميعا. الذبابة تتحدى الناس جميعا في كل أمة، وفي كل زمان تتحدى العلم الذي صعد بالناس إلى كواكب السماء، هؤلاء الناس لن يخلقوا ذبابا واحدا ولو اجتمعوا له. هذا أنتم أيها الناس، وهذه الذبابة هاتوا ما عندكم من علم، واجمعوا ما عندكم من العلماء ودوروا مع الزمن دورات ودورات فلن تخلقوا ذبابا. هذا الذباب إن سلبكم شيئا علق برجله أو بجناحه، أو بفيه ماذا أنتم صانعون
стр. 53
معه؟ لن تستطيعوا أن تستنقذوه منه لقد أفلت بصيده- إن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه.
الذباب ضعيف كيف يسلبكم شيئا تعجزون عنه ضعف الطالب والمطلوب.
المثال الثاني: بين الله نشأة الإنسان وتكوينه وتطويره حتى أبرزه إلى الوجود على هذه الصورة البديعة الشكل في آيات بينات من القرآن الكريم وعرضها على الإنسان ليعرف عنصره المادي الذي خلق منه وهو التراب، ومنه ينمو، وركب الميول فيه إلى الذي تتطلبه ذاته فكانت هذه الآيات الكريمة مظهرا من مظاهر عظمته وقدرته وحكمته، لعل هذا الإنسان يثوب إلى رشده ويتدبر ما في الكون من آيات الله، وفي نفسه وهذا أقرب باعث على إيقاظ الإيمان بالله والإعتراف به قال تعالى: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ يكفي أيها الناس أن تنظروا إلى أنفسكم فإ نها عالم رحيب وكون فسيح تمعنوا في حياتكم من وجودكم نطفة إلى أن صرتم رجالا تجدون آيات بينات دالات على قدرة الخالق العظيم.
تدبروا كيف كان هذا الإنسان نطفة؟ وكيف خلق؟ ومن ثم عمر الأرض وتسلط على حيوانها ونباتها وجمادها وكيف كان قبل وجوده، وما هو عليه الآن من الصنع العجيب والتركيب المحكم والحواس المرهفة المتناسقة في إحكام بديع وإتقان عجيب؟ وكيف زود بالعلم والمعارف والإحساس والشعور حتى صار يرى الأشياء المخفية عليه بعقله؟ من الذي جهزه بهذه الأشياء كلها وخصه بوسائل الإدراك حتى فضل على سائر المخلوقات الأرضية وكيف نفخ فيه الروح؟.
يجب على الإنسان أن ينظر إلى أصل نشأته وتطوره في الحياة، فإنه يرى أن يدا حكيمة قادرة أوجدته من العدم إلى الوجود على هذه الصورة الرائعة من الحسن والجمال التي لا وجود لشبه بينه وبين التراب وقد جعله الله خليفة على هذه الأرض. كيف لا يولي هذا المخلوق وجهه إلى فاطره ومصوره ولا يدين لخالقه بالطاعة والولاء؟ قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا
стр. 54
الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ (سورة المؤمنون) السلالة هي صفة ماء مني آدم وهو من طين، أو السلالة هي أصل الإنسان، وهي السلسلة التي يمتد بها أصل الشيء حتى يصل ما بين مبدئه وغاياته، والآية الكريمة تشير إلى أن الإنسان في تكوينه وتطويره وخلقه قد مر بأطوار كثيرة بين عالم التراب والنبات وسار مسيرة طويلة في سلسلة منتظمة الحلقات من الطين إلى الحمأ المسنون كما قال على لسان إبليس لعنه الله ﴿لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ (سورة الحجر) قال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾.
ما الإنسان إلا هذه النطفة وما اشتملت عليه من قوة عاقلة ناطقة مبصرة سميعة مريدة. كانت النشأة الأولى لهذا الإنسان من التراب، وفي هذا التراب كانت تكمن جرثومته الأولى كما تكمن النطفة في قرار مكين، ولكن شتان ما بين الجرتومة التي تكمن في التراب والنطفة التي تستقر في الرحم، فالجرتومة من مادة التراب والنطفة كائن بشري. وفي مواجهة المراحل الكثيرة التي مر عليها الإنسان كان كالنبات حيث تخرج الحبة نباتا مثل النبات جاءت منه النطفة التي خلق منها الإنسان وإن بدت في مرأى العين مجرد ماء فهي في حقيقتها ماء مشوب بأشياء أخرى أودعتها فيه قدرة الله جل وعلا، كما أودعت في البذرة صورة الشجرة ولون زهرها، وطعم ثمرها كذلك هذه النطفة قد حملت في كيانها صورة الإنسان ولهنه ومستوى إدراكه، ومستودع عواطفه ومشاعره بحيث يتميز كل إنسان على غيره من بني جنسه في طباعه وعواطفه. قال تعالى في سورة الإنسان: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾. الأمشاج هي الأخلاط مزج الشيء خلطه. خلق الإنسان للإبتلاء، ولم يخلق عبثا لأنه حمل أمانة التكليف التي لم تستطع السماوات والأرض حملها فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحمالها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا.
стр. 55
هذه النطفة تخرج من بين الصلب والترائب. صلب الرجل هي فقار ظهره والترائب هي موضع القلادة من صدر المرأة. قال تعالى: في (سورة الطارق) ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ * يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ كل إنسان معه عقله فلينظر بهذا العقل إلى قدرة الله في ذاته والأشياء مودعة فيها من العقل والسمع والبصر وتراكيبها المحكمة، فإنه لو نظر بعين عقله لعرف طريق الحق وسلك مسلك الهدى فمن أين خلق الإنسان والعقل والتفكير؟ خلق من ماء دافق ...
هذه النطفة خلق منها الذكر والأنثى قالى تعالى: ﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى * ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى * فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى * أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ (سورة القيامة) هذه الآية الكريمة دليل من الأدلة الكاشفة على قدرة الله هي بعث الموتى من القبور. الإنسان الكافر ينكر البعث ويستبعده، فلينظر إلى قدرة الله كيف خلقته؟ ليعلم من أين بدأ؟ وكيف صار؟ وإلى أين ينتهي؟
فخلق فسوى خلق الله تلك العلقة صورا وأشكالا فسواها في تركيبها العجيب المحكم وسواها حالا بعد حال، وخلقا بعد خلق حتى كان منها هذا الإنسان العاقل المفكر الذي يملأ الدنيا خيرا وشرا، وبعد ما ينتهي أجله فيموت، وينتقل من هذا العالم إلى العالم الباقي عالم الجزاء والحساب قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ (سورة الحج) حيث كنتم لا وجود لكم ولا أثر يدل عليكم. ثم خلقتم من تراب كما تنبت الشجرة ثم كان تناسلكم في الأرض كما تتوالد وتتناسل الكائنات ...
قال تعالى: ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ (سورة المؤمنون) عبر القرآن بلفظ ﴿جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً﴾ والجعل دون الخلق إذ هو وظيفة من وظائف المخلوق تتحرك النطفة نحو غايتها إلى تكوين مولود بشري سوي بالتنقل من النطفة إلى علقة إلى مضغة إلى
стр. 56
هيكل عظمي معرى من اللحم إلى هيكل بشري يكسوه اللحم إلى جنين إلى طفل ...
من المتوقع أن تكون الحركة للنطفة من الجعل لا من باب الخلق لأن النطفة مجعولة، وكل ما تعطيه هو من المجعول ولكن القرآن عبر عن لفظ الجعل بلفظ الخلق، فالنطفة لم تجعل علقة، وإنما خلقت علقة، ثم ﴿خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً﴾ والعلقة لم تجعل مضغة وإنما خلقت مضغة ﴿فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا﴾ والمضغة لم تجعل عظاما وإنما خلقت عظاما فما سر هذا؟ والله أعلم أن كل عملية من هذه العمليات هي خلق جديد لا يملكه إلا الله الخالق جل وعلا، وهذا الخلق مما استأثر به الله وحده، أبى على خلقه أن يشاركوه في هذه الصفة، وإن كان بعض المفسرين يفسرون الخلق بالصيرورة بمعنى خلقنا النطفة علقة أي صارت النطفة علقة. قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ إشارة إلى نفخ الروح فيه بعدما وصل إلى هذه الصورة.
وقوله: ﴿تَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ وهو تمجيد لله وتسبيح لجلالته وعظمته ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾ هذه حقيقة واقعة يعلما جميع الناس وهي تنبيه وإيقاظ للنائمين الذين هم في خوض يلعبون والموت ليس هو نهاية الحي، بل إنه مرحلة من مراحل وجوده وموقف يتحول به من عالم إلى عالم آخر فيه حساب وجزاء ...
خاطب الله الإنسان المكذب بالبعث بقوله: ﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ * فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ * إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ * فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ (سورة المرسلات) هذه الآية الكريمة دعوة إلى هؤلاء المشركين المكذبين بالبعث أن يعيدوا النظر في موقفهم هذا حتى يخلصوا أنفسهم من هذا الويل المطل عليهم فتلك هي فرصتهم الأخيرة، وإلا أقلعت سفينة النجاة وتركتهم يغرقون في أوهامهم حتى يدخلوا النار، كيف يستبعد هؤلاء المكذبون البعث؟ ألم يخلقكم الله من ماء مهين؟ فما الفرق بين خلقهم من هذا الماء المهين، وبين بعثهم من التراب.
стр. 57
الماء المهين هو ماء الرجل ليس يبدو في ظاهر الأمر شيئا محقرا أشبه بفضلات الإنسان، وإنما هو في حقيقته حياة تضم في كيانها هذه المخلوقات البشرية. لهذا صانه الله وأودعه القرار المكين الذي أعد لحفظه، قال تعالى: ﴿فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ﴾ أي أحكمنا مسيرة هذه النطفة في الرحم وتقلبها فيه من طور إلى طور وذلك بقدر معلوم، ﴿فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ﴾ هذا ثناء من الله على ذاته الكريم التي لا يحسن الثناء عليها ولا يوفيها حقها إلا هو وفي هذا يقول الرسول ﷺ في تمجيد ربه والثناء عليه: "سبحانك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك " (١).
стр. 58
- أقسام التوحيد -
ينقسم التوحيد إلى ثلاثة أقسام:
١ - توحيد الربوبية ٢ - وتوحيد الألوهية ٣ - وتوحيد الأسماء والصفات.
١) توحيد الربوبية: الرب له أربعة معان: هو الإله والسيد، والمالك والمصلح، كل هذه الأسماء موجودة في رب العالمين، ومعنى العالمين أن يراد به كل موجود سوى الله. وتوحيد الربوبية هو الإقرأر بأن الرب خالق كل شيء مثل الخلق والرزق، والإحياء والإماتة، وتدبير الأمور وإنزال الغيت ونحو ذلك.
وهذا النوع من التوحيد قد أقر به الكفار على عهد محمد ﷺ ولم يدخلهم في الإسلام قال تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ (سورة المؤمنون ٧٥). ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ (سورة لقمان ٢٤).
يعترفون بأن هذه الأشياء خلقها الله ولكنهم لا يؤمنون به، ويعبدون أوثانا ويقولون تقربنا إلى الله زلفى. وليس للعالم صانعان متكافآن في الصفات والأفعال ...
والرب هو الذي يربي عبده فيعطيه خلقه، ثم يهديه إلى جميع مصالحه ومنافعه التي بها كماله وسعادته في الدارين يهديه إلى اجتناب المضار التي فيها فساده وهلاكه فيجتنبها. وهذا التوحيد توحيد الربوبية حق لا ريب فيه ... ففي القرآن الكريم مواضع كثيرة تنتظم هذا الإسم الجليل قال تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (سورة الفاتحة). وقال: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾ (سورة الرعد ٣١).
وقال: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ (سورة هود ١٦١). وقال: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ (سورة الفرقان ٥٨). وقال: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا * رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾ (سورة المزمل ٨). إلى غير ذلك من الآيات الدالة على ربوبيته.
стр. 59
٢) توحيد الألوهية: هو توحيد الله بأفعال العباد التي تعبدهم بها، وشرعها لهم مثل الدعاء والذبح والنذر والإستعانة والإستغاثة إلى غير ذلك وهذا النوع من التوحيد هو الذي جحده الكفار وكانت الخصومة فيه بين الرسل وأممهم من لدن نوح إلى نبينا محمد ﷺ قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (سورة الزمر ٦٢).
والشرك أنواع: يجب أن يكشف الغطاء عن هذه الأنواع. والله ما أرسل رسله وأنزل كتبه وخلق السماوات والأرض وما بينهما وما فيهما من المخلوقات التي لا تعد ولا تحصى إلا ليعرف ويعبد ويوحد، ويكون الدين كله لله، والطاعة كلها له، والدعاء له وحده. قال تعالى في (سورة الذاريات) ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾. وقال: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ (سورة الحجر). إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة الدالة على توحيده وقدرته. ولقد أوجب الله على المسلم المكلف أن يعرف الله بأسمائه وصفاته وأفعاله، وأن يعبده وحده لا يشرك به شيئا وأن يقوم الناس له بالقسط، والقسط هو العدل، ومن أعظم العدل التوحيد، ومن أقبح الظلم لله الشرك. قال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ (سورة لقمان ١٢). والشرك بالله أكبر الكبائر لا يغفره الله.
وإذا عرفت أن التوحيد هو العدل، والشرك هو الظلم والجور فحينئذ تعرف أحكم الحاكمين وأعلم العالمين. وتعلم أيضا أن ما فرضه الله على عباده من العبادات والطاعات حق، وما حرم عليهم من الفواحش والمخالفات لأحكامه فهو في صالح الناس وتفاوت الطاعات والمعاصي يكون على حسب مراتب الإيمان فلما كان الشرك منافيا للتوحيد كان أكبر الكبائر على الإطلاق، وحرم الله الجنة على كل مشرك، وأباح دمه وماله لأهل التوحيد. وأبى الله أن يقبل من المشرك عملا، أو يقبل فيه شفاعة، أو يستجيب له في الآخرة دعوة. إن الشرك أجهل الجاهلين بالله حيث جعل له ندا من خلقه، وهذا غاية في القبح والظلم. هل يشرع الله
стр. 60
سبحانه وتعالى التقرب إليه بالشفعاء والوسائط كما يفعل الناس مع ملوك الدنيا؟ هذا يستحيل على الله قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ (سورة المدثر ٣٨). يمتنع أن تأتي به شريعة سماوية ولهذا لا يغفر الله الشرك من دون سائر الذنوب كما قال في كتابه الكريم: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (سورة النساء ٤٧) ...
الشرك أنواع: شرك يتعلق بذات المعبود وأسمائه وصفاته وأفعاله هذا الشرك يسمى شرك. ومن الإيمان بالله الإيمان بما وصف به نفسه في كتابه العزيز وبما وصفه به رسوله الكريم ﷺ من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل. شرك التعطيل هو أقبح أنواع الشرك، كشرك فرعون، إذ قال لسيدنا موسى ﵇: وما رب العالمين؟ وقال تعالى مخبرا عنه: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ (سورة غافر ٣٧). فالشرك والتعطيل متلازمان، فكل مشرك معطل.
والشرك الثاني هو شرك الدعوة المشار إليه بقوله تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ (سورة العنكبوت ٦٥). وأما الشرك الثالث فهو شرك المحبة، قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ (سورة البقرة ١٦٤). والشرك الرابع: شرك الإرادة والقصد، قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ﴾ (سورة هود ١٥). وينقسم الشرك إلى أكبر وأصغر: الشرك الأكبر هو اتخاذ الند إلى الله بأن يدعوه أو يرجوه أو يخافه أو يحبه كمحبة الله، أو يذبح له أو ينذر له؛ أما الشرك الأصغر فهو اتخاذ كل وسيلة يتطرق بها إلى الشرك، الأكبر، كقول الرجل لصاحبه ما شاء الله وشئت ولولا الله وأنت، وكذلك الرياء في العبادات والأعمال
стр. 61
والتصنع للخلق والحلف بغير الله، وهذا من الله ومنك وأنا بالله وبك. ومالي إلا الله وأنت، وأنا متوكل على الله وعليك.
والفرق بين الشرك الأكبر والأصغر: هو أن الشرك الأكبر لا يغفر لصاحبه، وأما الشرك الأصغر فتحت مشيئة الله. والشرك الأكبر محبط لجميع الأعمال. وأما الشرك الأصغر فلا يحبط إلا العمل الذي قارنه الشرك الأكبر مخرج من الملة الإسلامية، وأما الشرك الأصغر فلا يخرج منها. إن صاحبه الشرك الأكبر خالد في النار، وأما الشرك الأصغر فكغيره من الذنوب وقيل إنه لا يغفر لصاحبه إلا بالتوبه كالشرك الأكبر والله أعلم ..
٣) توحيد الأسماء والصفات
إن توحيد الأسماء والصفات هو الإيمان بكل ما ورد في القرآن الكريم والأحاديث النبوية الصحيحة من صفات الله، التي وصف بها نفسه على الحقيقة، وعدم التعرض لها بشيء من التكييف أو التمثيل أو التشبيه والتأويل أو التحريف أو التعطيل، وهو الإعتقاد بأن الله ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ (سورة الإخلاص).
стр. 62
مفهوم الألوهية في الشريعة الإسلامية
من المشكلات التي تواجه العقل- مفهوم الإله وتصوره - فقد اصطدم العقل بهذه المشكلة اصطداما كبيرا، ووقف منها موقف الحائر التائه الذي ضل الطريق وغرق في مجاهل الصحراء.
إن الاستدلال على وجود الله أمر لا يعجز أي عقل أن يصل إليه، وأن يبلغ مرحلة اليقين منه إذ تقوم في مواجهة العقل دلالات واضحة، وشواهد ناطقة تحدث عن وجود الله، وتشهد بجلالته، وعظمته وقدرته ولكن العقل لا يرضى إلا أن يشهد الذات وأن يتعرف عنها ومن أجلهذا أشرف على منطقة الخطر، وصار يتيه ويدور هنا وهناك بلا جدوى ...
ماذا في القرآن عن ذات الله؟ الذات الإلهية في القرآن ليست ذاتا مبهمة أو مجهولة كما أنها ليست محدودة مجسدة ... هي ذات لا كالذوات التي يراها الحس أو يتخيلها الوهم، لأنها لو وقعت في دائرة الخيال- مهما امتد واتسع؟ كانت بهذا المعنى محددة مقيدة وذات الله مع أنها فوف أن تدرك، وفوق أن تحد- قد وصفت في القرآن بصفات كثيرة، كالإرادة والعلم، والقدرة وغيرها، وهي صفات كاملة الكمال المطلق ... ومع هذا فلا تضاف هذه الصفات إلا لذاتاالله. جاء في القرآن الكريم كثير من الآيات كقوله : ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ ففي هذه الآيات تعريف بذات الله وأنها تخلق وتعلم وكقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (سورة البقرة ١٨٤). فالله مريد، وبإرادته تتعلق مصائر الأمور وكقوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ * عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ (سورة الرعد ١٠). في هذه الآيات يعلم، فهو عالم، وهو حكيم، كل شيء عنده بمقدار ...
وقوله : ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ﴾ (سورة الشورى ١٧). فالله لطيف وقوي
стр. 63
وعزيز وكقوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ (سورة المجادلة ١). وذات الإله ذات تسمع كل شيء ... وترى كل شيء ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ * هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (سورة آل عمران ٦٦). وإن أكثر فواصل القرآن تنتهي غالبا بصفة من صفات الله تعالى، أو بالمزاوجة بين صفتين من صفاته فمن النوع الأول قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا﴾. ومن النوع الثاني وهو الأعم الأغلب قوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾.
﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾. ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ (خبيرا) بَصِيرًا﴾. وكلما ذكرت ذات الله ذكرت معها هذه الصفات، وأكثر من هذا فقد جات في القرآن الكريم آيات تذكر للذات عينا وأيد وأعينا ... قال تعالى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ (سورة طه ٣٩). وقوله: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ (سورة الفتح ١٠). وقوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ (سورة المائدة ٦٦). وقوله: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ (سورة هود ٦٧).
كذلك وردت في السنة المطهرة أحاديث تذهب هذا المذهب. كقول الرسول الكريم ﷺ "خلق آدم على صورة الرحمن" وقوله ﷺ "لا تزال جهنم تقول هل من مزيد حتى يضع رب العزة قدمه فيها فتقول قط، قط. وعزتك فيزوى بعضها إلى بعض" (١) وقوله: "قلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمن يصرفه كيف يشاء" (٢) ...
стр. 64
فهذه الآيات وتلك الأحاديث وأمثالها لا يمكن أن يقرأها قارئ، أو يستمع إليها مستمع، دون أن تتحرك في ذهنه صور لهذه الصفات التي يوصف بها الله ...
وقد كان السلف الصالح من الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم- يتلون كتاب الله، ويسمعون إلى آيات الكتاب وأحديث الرسول فما وقفوا موقف تساؤل أو حيرة أمام صفة من صفات الله، ولا وقع في تفكيرهم أن الذات المقدسة شيء، وأن الصفات شيء، أو أنهما وجهان لحقيقة واحدة، أو غير هذا مما دار حوله الجدل واشتد فيه الخصام بين جماعات المسلمين بعد أن مضى عهد الراشدين، ودخلت في الإسلام مذاهب وآراء وفلسفات مع الذين دخلوا في دين الله.
يقول المقريزي: "إعلم أن الله تعالى لما بعث من العرب نبيه محمدا ﷺ رسولا إلى الناس جميعا وصف لهم ربهم سبحانه بما وصف به نفسه الكريم في كتابه العزيز الذي نزل به على قلبه ﷺ الروح الأمين، وبما أوحى إليه ربه تعالى، فلم يسأله ﷺ أحد من العرب قرويهم وبدويهم عن معنى شيء من ذلك كما كانوا يسألونه ﷺ عن أمر الصلاة والزكاة، والصيام والحج وغير ذلك مما فيه أمر ونهي، كما سألوه ﷺ عن أحوال القيامة والجنة والنار ...
ولو سأله إنسان منهم عن شيء من الصفات الإلهية لنقل كما نقلت الأحاديث الواردة عنه ﷺ في أحكام الحلال والحرام وفي الترغيب والترهيب، وأحوال القيامة، والملاحم والفتن، ونحو ذلك مما تضمنته كتب الحديث ومجامعها ومسانيدها وجوامعها.
ومن أمعن النظر في دواوين الحديث النبوي، ووقف على الآثار السلفية، علم أنه لم يرو قط من طريق صحيح، ولا سقيم عن أحد من الصحابة- ﵃ على اختلاف طبقاتهم، وكثرة عددهم- أنه سئل ﷺ عن معنى شيء مما وصف الرب- نفسه الكريمة في القرآن الكريم، على لسان نبيه ﷺ بل كلهم فهموا معنى ذلك،
стр. 65
وسكتوا عن الكلام في الصفات. نعم ... ولا فرق أحد منهم بين كونها صفة ذات أو صفة فعل ... وإنما أثبتوا له تعالى صفات أزلية، من العلم، والقدرة، والحياه، والإرادة، والسمع، والبصر، والكلام، والجلال، والإكرام، والجود، والإنعام، والعزة والعظمة، وساقوا الكلام سوقا واحدا وهكذا أثبتوا- ﵃ ما أطلقه الله على نفسه الكريمة من الوجه، واليد، ونحو ذلك مع نفي مماثلة المخلوقين، فأثبتوا ﵃ بلا تشبيه، ونزهوا من غير تعطيل، ولم يتعرض مع ذلك أحد منهم إلى تأويل شيء من هذا .. ورأوا بأجمعهم إجراء الصفات كما وردت ...
ولم يكن عند واحد منهم ما يستدل به على وحدانية الله تعالى وعلى إثبات نبوة محمد- ﷺ سوى كتاب الله، ولا عرف أحد منهم شيئا من الطريق الكلامية ولا مذهب الفلسفة إنتهى خطط المقريزي.
وهكذا مضى عهد الصحابة والتابعين- رضوان الله عليهم- دون أن يجد أحد منهم في صدره ثائرة شك فيما ورد في القرآن والسنة من الصفات، وصف الله- سبحانه- بها ذاته ... بل صح فهمهم لتلك الصفات على الوجه الذي ينزه الله تعالى عن صفات المخلوقين، ويجعل لذاته الكمال المطلق ولهذا وقع إجماعهم- دون قصد- على أن يسألوا رسول الله عنها، وهم الذين لم يدعوا أمرا يتصل بأي شأن من شئون الدين، لم ينكشف لهم في جلاء، إلا سألوا الرسول عنه ... فكيف يكون سكوتهم هذا السكوت الإجماعي عن هذا الأمر العظيم الذي هو أصل العقيدة وصميمها؟ وهذا لا يصح لنا أن نسأل: كل ما ذكر عن ذاته وصفاته في كتاب الله. وفي حديث الرسول- من الوضوح والجلاء- بحيث لا يحتاج إلى سؤال أبدا؟ ونستطيع أن نقول في الإجابة على ذلك: نعم، فإن مفهوم الألوهية حين يعرف الإنسان الطريق إليه، وحين يتلقاه بقلبه، ويستقبله بفطرته لواضح أشد الوضوح .. إذ هو الكمال المطلق، الذي سمح للإنسان أن ينطلق إلى ما لا نهاية له في السمو والإرتفاع بمقام الذات ... وكلما انتهى إلى غاية مد بصره إلى غيرها وهكذا أبدا ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ
стр. 66
السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (سورة الشورى). وفي هذا المفهوم عاش الصحابة والتابعون- رضوان الله عليهم- لا يسألون: ما الله؟ وما عينه؟ وما قدرته؟ وما علمه؟
فلقد هدوا بفطرتهم أن لا جواب لهذه الأسئلة إلا ما يجده المرء في قلبه، وفي كيانه كله، من تقديس الله وجلاله، ونسبة الكمال المطلق كله إليه!
ولقد هدوا بفطرتهم أيضا إلى أن العقل لا يستطيع أن يدرك كنه صفة من هذه الصفات، ولا أن يمسك بها على أية صورة، فإن أي صورة لن تكون هي أبدا ما دام الكمال المطلق هو صفتها.
إذا كانت فطرة الإنسان على الصحة والسلامة لا تتجه أبدا إلى الجدل السقيم الذي لا يلد شيئا نافعا، ولا يثمر ثمرا طيبا.
وبهذه الفطرة السليمة إستقبل العرب الإسلام، وكانت تعاليم الإسلام كلها في العقيدة، وفي الشريعة جميعا ومن هنا ندرك السر الذي أمسك به العرب- صحابة وغير صحابة- عن أن يسألوا عن ذات الله وأن يبحثوا في صفاته، لأن ذلك أمر فوق أن يوجد له جواب، أو أن يحيط به عقل ...
ومن هنا ندرك السر الذي أمسك بالعرب- مسلمين وغير مسلمين- أن يواجهوا في القرآن وأن تقع منهم محاكاة له .. لأن محاولة كهذه المحاولة عبث وسفه لا يرضاها عاقل، ولا يتجه إليها خصوصا إذا كان القرآن في مستوى يستحيل على بشر أن يطاوله ...
وأن الإيمان الذي يقوم على هذا الإحساس بالعجز المطلق عن إدراك حقيقة الذات المقدسة هو الإيمان الراسخ الذي لا يتأتر بتيارات الفكر وتقلبات التفكير، إنه إيمان مستقر في الأعماق، حيث لا أمواج ولا تيارات ..
* معنى الحمد:
ومن الصفات التي اتصف بها الله الحمد، والحمد هو الثناء باللسان، وبالفعل هو تعظيم المنعم على إحسانه إلى عباده وهو الشكر.
стр. 67
وأهل التوحيد الذين يعبدون الله مخلصين له الدين فإن في قلوبهم من محبة الله ما لا يماثلها فيها غيرها، ولهذا كان الرب محمودا حمدا مطلقا على كل ما فعله، حمدا خاصا به فهذا حمد الشكر، أما حمد الفعل فهو خلق السماوات والأرض وما بينهما، والحمد خبر بمحاسن المحمود مقرون بمحبته، وهو سبحانه له الحمد في الأولى والآخرة، فلا تكون عبادة إلا بحب المعبود، ولا يكون حمد إلا بحب المحمود، ولهذا كانت العبادة مشتملة على تحميده وتوحيده وأفضل الذكر لا إله إلا الله، وأفضل الدعاء الحمد لله، الله له الملك المطلق، وحقيقة الملك إنما يتم بالعطاء والمنع، والإكرام والإهانة، قال تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (سورة آل عمران ٢٦ - ٢٧).
وقال: ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ (سورة الرحمن ٢٧). يغفر ذنبا ويفرج كربا، ويكشف غما، وينصر مظلوما ويأخذ ظالما ويفك عانيا ويغني فقيرا ويجبر كسيرا، ويشفي مريضا، ويقيل عثرة، ويستر عورة، ويعز ذليلا، ويذل عزيزا، ويعطي سائلا، ويذهب بدولة ويأتي بأخرى، ويداول الأيام بين الناس يرفع أقواما ويضع آخرين، يسوق المقادير التي قدرها إلى مواقيتها فلا يتقدم شيء منها عن وقته ولا يتأخر، بل كل منها قد أحصاه كما أحصى كتابه وجرى به قلمه، ونفذ فيه حكمه، وسبق له علمه، فهو المتصرف في الملك كله وحده تصرف مالك قادر قاهر عادل رحيم تام الملك لا ينازعه في ملكه منازع، ولا يعارض فيه معارض، فتصرفه في الملك دائر بين العدل والإحسان، والحكمة والمصلحة، والرحمة، فلا يخرج تصرفه عن ذلك.
الملك والحمد في حف الله تعالى متلازمان، فكل ما شمله ملكه وقدرته شمله حمده، فهو محمود في ملكه، فكما يستحيل خروج شيء من الموجودات عن ملكه وقدرته يستحيل خروجها عن حمده وحكمته، فهو محمود على كل ما خلقه وأمر به حمد شكر وحمد ثناء ومدح، ويجمعهما التبارك.
стр. 68
فتبارك الله يشمل ذلك كله، ولهذا ذكر هذه الكلمات عقب قوله ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (سورة الأعراف ٥٣). يجب على المؤمن أن يعرف الطريق الموصلة إلى الله وهي شريعته المنتظمة لأمره ونهيه، ثم تعريف السالكين ما لهم بعد الوصول إليه من النعيم المقيم، فأعرف الناس بالله أتبعهم للطريق الموصل إليه وأعرفهم بحال السالكين عند القدوم عليه، قال تعالى: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ (سورة غافر). وقال تعالى أيضا: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ (سورة الشورة ٥٠). ولا روح إلا فيما جاء به الرسول ﷺ ولا نور إلا في الإستضاءة به، وسماه الله شفاء قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾ (سورة فصلت ٤٣).
إن عبادة الله تبنى على قاعدتين أساسيتين: هما حب لله كامل، وذل تام له. ومنشأ هذين الأصلين هي النعمة الكبرى التي امتن الله بها على عباده، وهي بعثة سيدنا ﷺ بهذه الرسالة العظيمة الخالدة الخاتمة لجميع الرسالات السماوية ...
وإذا بنى المسلم سلوكه على محبة الله تعالى، وخضوع تام له، لم يظفر به الشيطان إلا على غرة وغيلة، وما أسرع ما ينعشه الله ، ويتداركه برحمته. وإنما تستقيم له محبة الله باستقامة قلبه وجوارحه، والاستقامة تكون بسببين: إحداهما أن تتقدم محبة الله على جميع محاب الدنيا، وإذا تعارض حب الله مع حب غيره، فيجب أن يسبق حب الله على غيره، وما أسهل هذا بالكلام والإدعاء وما أصعبه بالفعل!، ونحن نتكلم عن محبة الله دائما، فإذا تعارضت مع مصالحنا الدنيوية وشهواتنا وأهوائنا قدمناها على محبة الله، وهذا هو الواقع في المسلمين الحاضرين إلا القليل الذين يقدمون محبة الله وقليل ما هم، فإن محبة الله لم تكن متمكنة
стр. 69
من النفوس ولا هي مؤثرة عليها وسنة الله فيمن هذا شأنه أن ينزع الله من قلبه محبته، وينقص عليه محبة شهواته ولا ينال منها شيئا إلا بتنكيد وتنقيص جزاء له على إيثار هواه على الله ، وقد قضى الله قضاء لا يرد ولا يدفع أن من أحب شيئا سوى الله عذب به، وأن من خاف غير الله سلط عليه، وأن من اشتغل بغير الله كان شؤما عليه، ومن آثر غير الله لم يبارك له فيه، ومن أرضى غيره بسخط الله أسخط عليه.
واستقامة القلب تكون بتعظيم أمر الله ونهيه، فإن الله ذم من لا يعظمه، ولا يعظم شريعته قال تعالى: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ (سورة نوح ١٣). أي ما لم لا تخافون عظمة الله تعالى ...
والمؤمن يعرف ربه برسالته التي أرسل بها رسوله إلى الناس كافة، ومقتضاها الإنقياد لطاعته، وطاعة أوامره عندئذ يكون صاحب هذا التعظيم من الأبرار المشهود لهم بالإيمان والتصديق، وصحة العقيدة والبراءة من النفاق. ويجب على المسلم أن يعلم أن تفاضل الأعمال عند الله تكون بتفاضل ما في القلوب من الإيمان والإخلاص وتوابعها، وهذا العمل هو الذي يكفر السيآت تكفيرا كاملا ...
стр. 70
التوحيد نوعان
التوحيد نوعان: نوع في العلم والإعتقاد، ونوع في الإرادة والقصد، ويسمى الأول التوحيد العلمي، والثاني التوحيد القصدي والإرادي، لتعلق الأول بالاخبار والمعرفة والثاني بالقصد والإرادة ... (ابن القيم).
قال عبد الله بن مسعود من أراد أن ينظر إلى وصية محمد ﷺ التي عليها خاتمه فليقرأ قوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ هذه الآيات محكمات من (سورة الأنعام ١٥٤). وفيها عشر مسائل أولها النهي عن الشرك.
وعن معاذ بن جبل ﵁ قال: كنت رديف الني ﷺ على حمار فقال لي: يا معاذ ... أتدري ما حق الله على العباد وما حق العباد على الله؟ قلت: الله ورسوله أعلم قال: حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئا، قلت يا رسول االله أفلا أبشر الناس؟ قال لا تبشرهم فيتكلوا - أخرجاه في الصحيحين-
يحتوي هذا الحديث على عدة مسائل منها العبادة لله، والعبادة من التوحيد من لم يعبد الله لم يكن موحدا، والثانية التنبيه على وصية رسول الله ﷺ عند موته.
стр. 71
باب فضل التوحيد وما يكفر من الذنوب
قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾.
ليس الإيمان بالظلم وهو خلط به والظلم هو الشرك بالله. الإيمان المصفى من الشرك هو الإيمان الذي يقبله الله من أهله، ويجزيهم عليه الجزاء الأوفى ويجعلهم في أمن وسلام يوم يكون الكافرون في فزع وكرب.
عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، والجنة حق والنار حق أدخله الله الجنة على ما كان عليه من العمل. أخرجه الشيخان.
ومعنى لا إله إلا الله: طريقة القرآن في مثل هذا أن يقرن النفي بالإثبات فينفي ما سوى الله، ويثبت الاسم الشريف، وهذا هو حقيقة التوحيد النفي المحض ليس بتوحيد، وكذلك الإثبات بدون نفي، فلا يكون التوحيد إلا متضمنا للنفي والإثبات ...
من حقق التوحيد دخل الجنة: قال تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (سورة النحل) إن إبراهيم ﵇ كان أمة وحده أي يعوض مجتمعا يؤمن بالله بين مجتمعات كلها على الشرك والكفر، وإن إبراهيم مع إيمانه قانتا لله أي خاشعا لله، وكان حنيفا أي مائلا عن طرق الضلال والكفر ﴿وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ أي لم يشرك بالله أبدا وقال تعالى في (سورة المؤمنون): ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ ...
هؤلاء الذين ذكرتهم الآية الكريمة إنهم على صفات تؤهلهم لدخول الجنة، فهم من خشية ربهم وخوفهم منه على إشفاق دائم من أن يعصوا أو
стр. 72
يفعلوا منكرا. ولهذا يؤمنون بآيات ربهم ويعملون بها ويهتدون بهديها قد خلت نفوسهم من أثر الشرك، وكانوا على خشية ومراقبة دائمة لله حتى إنهم يفعلون ما يفعلون من خير ويقدمون ما يقدمون من طاعات وعبادات لا تزايلهم الخشية، ولا يبارحهم الخوف من الله ومن أنهم على تقصير في حقه تعالى، وفيما يجب له من طاعة وولاء. إن هذه الصفات المذكورة في الآية تلتقي جميعا في قلب المؤمن بالله إلا أن المؤمن على حظوظ مختلفة منها فبعضهم تغلب عليه صفة الخشية من الله، وبعضهم يؤمن بآيات الله، ولكن تغلبه نفسه، فلا تتحقق الخشية كاملة من الله في قلبه، وبعضهم يعترف بوجود الله ويقر بوحدانيته إقرارا عقليا، كالفلاسفة ونحوهم.
ولا ينقلون عن الرسل ﵈، ولا يأخذون مما معهم من آيات الله، وبعضهم يؤمن بالله، وبآيات الله، وبرسل الله ثم يؤتون ما أتوا من طاعات وعبادات وهم في صراع مع أنفسهم، وفي خوف من لقاء الله أن يكونوا قصروا فهؤلاء جميعا يمكن أن يتجهوا إلى الخير ويجاهدوا أنفسهم لأنهم يحملون شرارة من الإيمان، وأنهم على هدى من ربهم وعلى طريق الخير والإحسان ..
عن حصين بن عبد الرحمن قال: "كنت عند سعيد بن جبير فقال: أيكم رأى الكوكب الذي انقض البارحة؟ فقلت أنا، ثم قلت: أما أني لم أكن في صلاة ولكني لدغت، قال: فما صنعت؟ قلت: ارتقيت قال: فما حملك على ذلك؟ قلت حديث حدثنا الشعبي، قال وما حدثكم؟ قلت: حديثا عن بريدة بن الحصيب أنه قال: لا رقية إلا من عين أو حمة، قال: قد أحسن من انتهى إلى ما سمع، ولكن حدثنا ابن عباس عن النبي ﷺ -أنه قال: عرضت علي الأمم، فرأيت النبي ومعه الرهط والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي وليس معه أحد، إذ رفع إلي سواد عظيم، فظننت أنهم أمتي، فقيل لي: هذا موسى وقومه، فنظرت فإذا بسواد عظيم، فقيل لي: هذه أمتك ومعهم سبعون ألفا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، ثم نهض فدخل منزله، فخاض الناس في أولئك، فقال بعضهم فلعلهم الذين صحبوا الرسول ﷺ وقال بعضهم: فلعلهم الذين ولدوا في الإسلام فلم يشركوا بالله شيئا، وذكروا أشياء، فخرج عليهم رسول الله ﷺ -
стр. 73
فأخبروه، فقال: هم الذين لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون. فقام عكاشة بن محصن فقال: ادع الله أن يجعلني منهم قال: أنت منهم، ثم قام رجل آخر فقال: ادع الله أن يجعلني منهم، فقال سبفك بها عكاشة. الحديث رواه البخاري مطلولا ومختصرا ومسلم والنسائي والترمذي ..
الرقية: هي العوذة ااتي يرقى بها الآفة كالحمى والصرع وغير ذلك من الآفات. قال ابن الأثير: (وقد جاء في بعض الأحاديث جواز الرقية، وفي بعضها النهي، والأحاديث في القسمين كثيرة، ووجه الجمع بينهما أن الرقي يكره منها ما كان بغير اللسان العربي، وبغير أسماء الله تعالى وصفاته وكلامه في كتبه المنزلة، وأن يعتقد أن الرقي نافعة لا محالة فيتكل عليها.
الخوق من الشرك: قال الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (سورة النساء ٤٧).
وقال الخليل ﵇ ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ (سورة إبراهيم ٣٧). وفي الحديث: "أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر فسئل عنه فقال الرياء" رواه أحمد. وعن ابن مسعود ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "من مات وهو يدعو من دون الله ندا (١) دخل النار" رواه البخاري ومسلم عن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من لقي الله لا يشرك به شيئا دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به شيئا دخل النار" ...
стр. 74
الدعوة إلى شهادة أن لا إله إلا الله
قال الله : ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (سورة يوسف ١٠٨). السبيل التي استقام عليها النبي بأمر ربه ودعا الناس إليها وأنه ليدعو إلى الله على هدى ونور من ربه فمن اتبع الرسول فقد عرف الحق فكان على بصيرة من أمره.
وعن ابن عباس ﵄: أن رسول الله ﷺ لما بعث معاذا إلى اليمن قال له: إنك تأتي قوما من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله. وفي رواية: إلى أن يوحدوا الله، فإن هم أطاعوك لذلك فاعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوك فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب (أخرجه الشيخان)، ولهما عن سهل بن سعد ﵁: أن رسول الله ﷺ قال يوم خيبر: "لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله. يفتح الله على يديه، فبات الناس يدوكون ليلتهم أيهم يعطاها، فلما أصبحوا غدوا على رسول الله ﷺ كلهم يرجو أن يعطاها، فقال: أين علي بن أبي طالب؟ فقيل هو يشتكي عينيه، فأرسلوا إليه فأتى به، فبصق في عينيه ودعا له، فبرأ كأن لم يكن به وجع فأعطاه الراية فقال: أنفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله تعالى فيه، فوالله لئن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم".
стр. 75
تفسير التوحيد، وشهادة أن لا إله إلا الله
قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ (١) أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ (سورة الإسراء ٥٧).
شرح هذه الترجمة وما بعدها من الأبواب، فيه أكبر مسائل أهمها وهي تفسير التوحيد وتفسير الشهادة. قال تعالى: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾.
وحقيقة الوسيلة إلى الله تعالى مراعاة سبيله بالعلم والعبادة، وتحري مكارم الشريعة، وهي كالقربة والوسيلة الراغب فيها إلى الله تعالى.
والتوسل بالنبي ﷺ هو الإستسقاء به في حياته وثبت التوسل بغيره أي بعد موته ﷺ بإجاع الصحابة إجماعا سكوتيا في حديث عمر ﵁ كما قال: "كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبيك فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبيك" ولم ينكر عليه أحد من الصحابة وأما التوسل بغيره فلا يجوز. والأصل هو أن تتوسل إلى الله بالله، كأن تقول اللهم إنا نسألك بموجبات رحمتك، أما التوسل بالعباد "فوساطة" يرفضها الإسلام لأنها نوع من الشرك.
الوسيلة: هي ما يتوسل به إلى الله تعالى من الأعمال الصالحة التي ترضي ألله وتدني الإنسان من ربه، وتقوى الله هي مطلوب كل مؤمن بالله، ورغبة كل طامع في رضى الله، ساع إلى مرضاته ولهذا فقد أمر الله الذين آمنوا بالتقوى في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾ (سورة الحشر ١٨). فليس الإيمان هو مجرد الايمان، وإنما الإيمان هو الذي ينتج التقوى ويستشعر المؤمن أن النهاية عظيمة وأن الحساب عسير إلا على المتقين.