← Общие книги

Общие книги · id 115134

الاعتصام بالإسلام

عمر العرباوي

Полный текст (256 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ الاعتصام بالإسلام عمر العرباوي

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله المتفرد بالبقاء والقهر الواحد الأحد الفرد الصمد ذي العزة والجبروت، والجلال والكمال، الذي لا ند له فيبارى ولا معارض له فيند عن حكمه، ولا شريك له فيمارى، كتب الفناء على خلقه وجعل ثواب الذين اتقوا الجنة وعقبى الكافرين النار. أحمده على حلو القضاء ومره، وأعوذ به من سطوته ومكره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إلها لم يزل عظيما جبارا قهارا قويا جل عن الشبيه والنظير، وتعالى عن الشريك والظهير وتقدس عن التعطيل وتنزه عن المثيل. وأشهد أن سيدنا محمد عبده ورسوله الذي أرسله الله رحمة للعالمين صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأزواجه الطاهرات وسلم تسليما كثيرا متصلا ما تعاقب الليل والنهار. وبعد لم يشهد التاريخ عصرا كهذا العصر الذي نعيش فيه من حيث الهياج الفكري الذي استبد بالناس حول الدين، فكان في كل عقل بليال ووسوسة، وفي كل مجتمع تدافع وجذب، فدخل سلطان العقل على كل قضية من قضايا الدين، فلم يدع واجبا ولا خاطرا يمر في كيان الإنسان إلا أمسك به وعالجه معالجة الكيمائي، ونقده نقد الصيرفي حتى المسلمات التي رضي الناس بها واطمأنوا إليها فأدخل عليها الشك. وقد كان للدين الإسلامي النصيب الأوفر من هذه الثورة الملحدة عليه، فأصبح الناس ينظرون إليه كآفة مزعج مقلق عائق عن التقدم، لأن هؤلاء (الملحدين) يقولون (الله خرافة، والدين وهم وخداع وعملية تخدير لسقام العقول، وضعفاء الأحلام، والمتدينون به جهلاء أغبياء واقعون تحت تأثير هذا المخدر) هذا بعض ما يقولون عن الدين، ولا يزالون يقولون إلى الآن وإلى

стр. 3

الغد، إنه لقول يدير الرؤوس ويزعج مواطن السكينة في قلوب المؤمنين. أما العلماء المفكرون المنصفون من الأجانب فبحثوه بحثا دقيقا بحيث وضعوه تحت المجاهر الفاحصة، فوجدوه ميزانا. عادلا في الأخلاق والاستقامة والأحكام، والمساواة بين الناس مؤيدا للعقل سائرا على الفطرة السليمة التي فطر الله الناس عليها. الدين مبناه وأساسه على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد وهو عدل كله ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها، فكل مسألة خرجت من العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى القسوة وعن المصلحة إلى المفسدة وعن الحكمة إلى العبث فليست من الدين في شيء وإن أدخلت فيها التأويلات، الدين عدل الله بين عباده ورحمته بين خلقه، وظله في أرضه وحكمته الدالة عليه وعلى صدق رسوله ﵌ أتم دلالة وأصدقها، وهو نوره الذي أبصر به المبصرون، وهداه الذي اهتدى به المهتدون، وشفاؤه التام الذي هو دواء لكل عليل، وطريقه المستقيم الذي من استقام عليه فقد استقام على سواء السبيل فهو قرة العيون وحياة القلوب ولذة الأرواح، به الحياة والغذاء، والدواء والنور والشفاء والعصمة، وكل خير في الوجود فإنه مستفاد منه وخاص به، وكل نقص في الوجود فبعدم الأخذ به ولولا رسم قد بقي منه لخربت الدنيا وطوى العالم، وبه يمسك الله السموات والأرض أن تزولا، فإذا أراد الله خراب الدنيا وطي العالم رفع الله ما بقي من رسمه فالدين هو الذي بعث به رسوله الكريم وهو قطب الفلاح والسعادة في الدنيا والأخرى. القانون الطبيعي للأمم هو كل أمة تستعمل ما أتاها الله من قوى الفكر والعقل إلا العالم الإسلامي فإنه اليوم خليط من بقايا موروثة من عصور الظلام بسبب جلب ثقافات حديثة من تيار حركة أوربية، وهي خليط لم تصدر - كما رأينا - عن توجيه، علمي مدروس مبني على أسس أخلاقنا وعوائدنا، وإنما هي مجموعة من رواسب قديمة لم تصف من طابع القدم،

стр. 4

ومستحدثات لم تتم تنقيتها، هذا التلفيق لعناصر من عصور مختلفة ومن ثقافات متتانية من أدنى غير ربط طبيعي أو منطقي يربط بينهما عالم متضارب منطوي على ألوان من التناقض والتنافر التي تجمعت وتراكمت في المسلمين اليوم لا هم شرقيون ولا هم غربيون، فهضم العناصر المستوردة يقتضي تميزا دقيقا وفكرا ناقدا يقظا محدد الشروط التي يلزم توافرها في الاستعمالات الضرورية أعني شروط توافقها وتفهمها ولياقتها، لقد وجد المجتمع الإسلامي الأول نسفه مرات كثيرة في مواجهة مشكلات من هذا النوع فحلها في كل مرة بطريقة واعية موفقة لا سيما حين حاول اختيار طريقة الدعوة إلى الصلاة، ففكر بعض الصحابة ﵃، في الجرس، أو البوق، أو إشعال النار عند وقت الصلاة، ولكن النبي ﷺ وصحابته قد اختاروا بعد تفكر وتأمل طريقة أصيلة في النداء وهو صوت الإنسان فنشأت حينئذ وظيفة المؤذن وبذلك تحاشوا مشكلة استيراد الأجراس وغيرها (١). وهناك عادات وتقاليد كثيرة أخدها العالم الإسلامي الأول، كانت بعد اختيار مشدد، واختيار بين وسيلة وأخرى وبين الطرق والأفكار، فالخطأ الذي وقع فيه المحدثون ودعاة الإصلاح اليوم ناتج على أن كليهما لم يتجه إلى مصدر إلهامه الحق، فالإصلاحيون لم يتجهوا حقيقة إلى أصول الفكر الإسلامي كما أن المحدثين لم يعمدوا إلى أصول الفكر الغربي. يجب على العالم الإسلامي في هذا العصر أن يوفق بين العلم والضمير وبين الأخلاق والصناعة وبين الطبيعة وما وراء الطبيعة ولو أنه سائر في الطريق إليها يجب على المسلمين اليوم أن يمضوا قدما في طريق البحث والتحقيق والاكتشاف حتى يصلوا إلى جانب رقيهم الفكري والمادي وكل أمة تتقاعد عن السباق في حلبة الفكر والتعمق في العلم تصاب مع انحطاطها العقلي بالتقهقر والاضمحلال المادي كذلك ولما كانت الغلبة نتيجة القوى، والهزيمة عاقبة الضعف فإن الأمم المتخلفة من الجهتين المعنوية والمادية كلها تهبط في دركات

стр. 5

الضعف والفتور، وتصبح صالحة للعبودية وأكثرها استعدادا للخنوع، إن المسلمين يعانون اليوم من هذه العبودية المضاعفة، فبعضهم توجد فيهم العبودية بنوعيها جميعا، وفي البعض الآخر يقل فيه جانب العبودية السياسية وتوجد فيه جانب العبودية المعنوية، ومن سوء الحظ أنه ليست لهم على ظهر الأرض رقعة إسلامية. واحدة مستقلة تمام الاستقلال من الوجهتين السياسية والمعنوية (١). ويعتبر المسلمون اليوم أن الحق هو ما عند الغرب، والباطل ما يعده الغرب باطلا، والقياس الصحيح للحق والصدق والآداب والأخلاق والإنسانية والتهذيب هو ما يقرره الغرب، ولذلك أصبحوا يقيسون العقيدة الإسلامية والإيمان بالله ، وأحكام الإسلام بمقياس الغرب، فكل ما يطابق منها مقياس الغرب يطمئنون إليه، أما ما لا يطابقه فيظنونه خطأ وباطلا. وأن الغلبة والاستيلاء يقوم بنيانه في الحقيقة على الاجتهاد والتحقيق العلمي فكل أمة تسبق غيرها إليه تتولى قيادة العالم وزعامة الأمم وتستولي أفكارها على العقول، وأما الأمة التي تتخلف في هذا الطريق فلا تجد مناصا من اتباع الغير وتقليده إذ لا تبقى في أفكارها ومعتقداتها من القوة والأصالة ما يكسبها السيطرة على الأدهان فيجر فيها تيار الأفكار القوية والمعتقدات الراسخة التي تتقدم بها الأمة الباحثة المجتهدة، كان الفكر الإسلامي غالبا على أفكار النوع الإنساني بأجمعه وكل ما اتخذه الإسلام من المقياس للخير والشر والحسن والقبيح والخطأ والصحيح يكون مقياسا صحيحا عند جميع أهل الأرض. كل الحضارات التي كانت على وجه الأرض ذابت بكل سهولة في الحضارة الغربية وتلونت بلونها بدون أن يقع بين هذه وتلك كبير احتكاك، ولكن المسلمين كانت حالهم غير حال تلك الأمم جميعا لأنهم حاملو حضارة مستقلة ذات دستور واضح متكامل شامل لجميع شعب الحياة الإنسانية من ناحيتي الفكر والعمل،

стр. 6

تختلف اختلافا كليا عن مبادئ الحضارة الغربية فكانت بطبيعة الحال - أن هاتين الحضارتين تتزاحمان في كل مجال. وتصطدمان على كل صعيد، ولا يزال هذا الصدام قائما بين القوتين إلى هذا اليوم، يؤثر في كل شعبة من شعب حياة المسلمين العلمية والعقائدية أسوأ الآثار. من القواعد الكلية التي أثبتها القرآن، أن الله تعالى ﴿لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ حتى يهلك أمة بلا سبب، وهي تعمل صالحا ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ (١)، وليس المراد بهذا الهلاك أن تنقلب الأرض على أهلها، بل تتشتت الأمم وتكسر قوتها الاجتماعية، وتضرب عليها الذلة والعبودية والخزي، وحسب القاعدة القرآنية لا يصيب هذا العذاب أمة من الأمم إلا إذا تركت منهج الخير والصلاح، وأخذت تسلك مناهج الشر والفساد، والعتو والطغيان وبذلك ظلمت نفسها بنفسها، وأن الله ما ذكر أمة أصيبت بعذاب إلا وذكر جريمتها ثباتا لتلك القاعدة القرآنية حتى يتبين للناس أن وبال أعمالهم السيئة هو الذي يفسد دنياهم وآخرتهم ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا﴾ سورة العنكبوت، ولا يكون هو الفساد الفردي بل هو الفساد الجماعي فالعناية الإلهية هي التي تتصرف في هذه الأمة، ويبدأ المجتمع الفاسد في الهبوط من علياء عزه إلى درك الهوان حتى تحين الساعة التي يهيج فيها غضب الله فيدمرها تدميرا هذا هو سبب الهلاك، إذا أراد المسلمون أن يكون لهم نصر مؤزر وغير هزيل، ومصحوب بالدوام والاستمرار فيحافظوا على الإسلام، وعلى ما جاء به من الوحدة وغيرها، لأن توجيهات القرآن وإرشاداته صريحة في هذا المعنى، ومن خلال انتصار المسلمين في الماضي كانت موافقة لما أمر به القرآن الكريم رغم نقصهم في العدة والعدد، لأن هذه الانتصارات الرائعة التي وقعت للمسلمين على أعدائهم سواء كانت في الماضي

стр. 7

أو الحاضر فهي وعد من الله للمسلمين إن هم داموا سائرين على خط الإسلام، فلا بد من تحقيق هذا الوعد قال: الله : ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (١) فما بال المسلمين لم ينتصروا عدة قرون وهم منهزمون، أترى أن الله يخلف وعده كلا. ... فالله يقول: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢) وإنما المسلمون نقضوا الشرط الذي شرطه الله عليهم في الآية المتقدمة. إذا تركت الشعوب الإسلامية الدين بعيدا عن حياتها، كما هو الآن - في أوطان المسلمين، ولم تجعله أساسا لشؤونها، فإنها لن تستطيع أن تقوم بنهضة قوية وعندئذ لا يقدر أي مبدأ من المبادئ المستوردة أن يوحد بينها، فتنا بها عوامل الضعف والتخاذل والتفرقة، وهذا ما وقع في الماضي، وكان السبب في سقوطها فريسة بين أيدي أعدائها، ولازال هذا التفرق إلى الآن بكل أسف. الأمة الإسلامية - في تاريخها الطويل العريض - لم تحارب أعداءها باسم أي مبدأ من المبادئ الوضعية، وإنما حاربت باسم الإسلام ولهذا كانت تخرج من المعارك ظافرة ومنتصرة. ونأتي بمثال واحد - من بين الأمثلة الكثيرة - شاهدا على ذلك يلمسه كل من باشر ثورة الجزائر الكبرى، حين وصل الإيمان بالله إلى قلوب الشباب عن طريق الدعوة فسرعان ما تناسى حظوظه الشخصية واتحد، وبرز يكافح ويناضل، ويجاهد في سبيل الله في كل مكان لاسترجاع كرامته المهدورة وحقوقه المهضومة. وسيادته المغصوبة ولو دعى باسم مبدأ آخر خلاف الإسلام لما لبى النداء أبدا، ولهذا ضرب

стр. 8

الأمثال الرائعة في الشجاعة والتضحية والفداء، فصمد في وجه أكبر قوة غاشمة، وهي قوة الغرب الطاغية المستبدة على شعوب العالم كما صمد أجداده من قبل في وجه الفرس والرومان. ما هي إلا لحظات من لحظات الدهر الحاسمة، صبر فيها المجاهدون الأبرار حتى نزل النصر من عند الله، وتغيرت الأوضاع والمعالم، ولاذ الغاصبون بالفرار، ولم تغن عنهم قوتهم، ولا سلاحهم المتطور، بهذه العقيدة الربانية انتهى عهد الظلام بطلوع فجر صادق تتلألأ أشعته في الآفاق، .... كم كان يحمل جسم الأمة الإسلامية المثخن بالجراح من حصانة ومناعة ومقاومة على مر الأزمات والاحقاب، ولولا الإسلام لانقرضت هذه الأمة من الوجود كما انقرضت عاد وثمود في الزمن الغابر، وكيف تتقرض وهي من بقيت السلف الصالح، ومن حملة العقائد الصحيحة والمبادئ السامية .... كان قادة الثورة الجزائرية أيام حرب التحرير يحثون الشعب بصفة عامة والمجاهدين بصفة خاصة على تطبيق أوامر الإسلام والعمل بها واجتناب نواهيه، وكانوا يعاقبون كل من يتعد حدوده. لقد أثار كفاح الجزائريين الهامدين ونيه النائمين والغافلين فكان المجاهد الجزائري حاضرا للعمل مهيأ للبذل والعطاء مستعدا للفداء مدربا على خوض المعارك معتزما الاستشهاد في سبيل الله حمل السلاح ومضى إلى ميادين القتال، فبدأ هجوماته على العدو بكلمة (الله أكبر) فكان النصر حليفه، لم يشهد العالم الإسلامي ثورة مسلمة مسلحة مثلها في العصور الأخيرة من عصور المسلمين أكثر ضحايا وأطول مدة لم تقتصر هذه الثورة على الجزائريين وحدهم، بل فتحت الطريق لشعوب آسيا وافريقيا لمحاربة الاستعمار الذي كان جاثما على صدرها ومند اندلاع الثورة في الجزائر، وهذه الشعوب تكافح وتناضل حتى تحررت نهائيا، ولما دعي الشعب الجزائري إلى الثورة، لم يعد كفاحهم هتافا

стр. 9

وتصفيقا بل كان عملا وتضحية ولم يعد جهادهم دعاية وتهريجا، بل كان فداء واستشهادا. وتعذيبا وتنكيلا، هذه الثورة كلفت الشعب الجزائري ثمنا باهضا من التضحيات الجسيمة فسقط ما يربو عن مليون شهيد في الاشتباكات على مستوى الوطن، تحت قنابل المدافع والنبالم والطائرات وأزيز الرصاص وعلى أعواد المشانق وشفرات المقاصل وتحت الهدم، أما العذاب الذي أنزل على رأس الأمة الغالب لم ينجو منه أحد، والتخريب ودك الدور والمنازل وهتك الأعراض والشرف فحدث عن ذلك ولا حرج. وامتازت مقاومة الجزائر لجيش الاحتلال الفرنسي ببطولة نادرة لم يكن هذا الاحتلال نزهة عسكرية كما يقولون، بل اصطدم بأناس أقوياء في إيمانهم صلب في عزائمهم لا كما كان يظن الاستعمار أنهم أناس متأخرون وهذا ما شهد به قائد الاحتلال (الجنرال بيجو) قال: (إن العرب كلهم أهل حرب وبأس يخوضون غمار الحروب من الشيخ الهرم البالغ من العمر ثمانين سنة إلى الطفل البالغ خمسة عشرة سنة) واعترف المؤرخون الفرنسيون بشخصية الجزائر المسلمة كوحدة قومية تنتمي إلى المجموعة الإسلامية، وهذا ما شهد به المؤرخ الفرنسي (لورد ليو) في كتابه الجزائر وتونس قال: (إن فرنسا استولت سنة ١٩٣٠ على قطر عامر غني زرعا وذرعا يذود عن حوضه سكان عديدون يحبون الحرب ولا يعرفون للفشل ولا للملل معنى، إن هؤلاء السكان من جنس عريق استوطنوا افريقيا منذ زمن عتيق، توالت عليهم في هذا القطر قرون وأجيال، فهم أصحاب مدينة رائعة، يكونون هيئة اجتماعية منظمة، تتوفر فيها شروط الحياة والقوة، تعتز بوطنيتها كل اعتزاز، وبفضل أخلاقها وعاداتها ودياناتها، كانت تنفر من الاندماج إلى أي جنس ما، ومما يزيد في الطين بلة، هو دين هذا الجنس دين عزيز لا يغلب ولا يقهر، قوه دافعة جبارة يستمدها من بساطة مبادئه ووضوحها إلى غير ذلك من شهادة المؤرخين الأجانب.

стр. 10

كتبت عدة كتب عن الثورة الجزائرية، كان أكثر الكتاب غربيين من صحافيين ومؤلفين، تناولت بعض الأحداث الظاهرة في الثورة التي نجمت عنها. وعلى الحرب المدمرة وإبادة السكان وعلى العذاب والتنكيل، والقتل الجماعي الذى كان يستعمله الجيش الفرنسي، واندفاع الشعب الجزائري ومغامرته بحياته في هذه الحرب القذرة، وعلى المؤتمرات التي كانت تعقد في الشرق والغرب من أجل انتهائها، وعلى المناضل الجزائري وما كان يحمل بين طياته من شجاعة وعبقرية فذة، وصور إنسانية حية سليقة فيه، هذا كله تكلموا عنه لكنهم أهملوا العنصر الأساسي الذي قامت عليه الثورة، والذي أمدها بقوة غلابة وقادها حتى النصر النهائي، وسواء أكان ذلك عن قصد أم عن غير قصد؟ فالدين هو الذى كان سببا في جميع كلمة الأمة، وبعث فيها روح الجهاد والتضحية، وقادة الثورة جعلوه دستورا لها سارت عليه من بدايتها إلى نهايتها، ولولاه لما اجتمعت الأمة على مقاومة الاستعمار، والعالم كله يشهد بذلك، أفبعد هذا الانتصار الرائع يتنكر الشعب من بعد الاستقلال للإسلام ويتهمه بالرجعية وعدم مسايرته للتطور الحضاري؟ اللهم فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور، ولما رأيت أن الكتاب عن الثورة لم يشيروا إلى الدين الذي هو عنصر فعال فيها لا من قريب ولا من بعيد، عزمت على أن أكتب على هذا الجانب الروحي الذي سرى تياره في هذه الأمة منذ زمن بعيد وما كادت تسمع صوته من الدعاة حتى صارت تتسابق إلى ميادين الجهاد - وإني أثبت الحقائق الناصعة في هذا الكتاب وأرفع الالتباس والغموض تحقيقا للواقع التاريخي، مبينا في ذلك للشعوب الإسلامية عامة وللشعوب العربية خاصة وموضحا للأجيال الصاعدة أنهم إذا حادوا عن الإسلام، ولم يجعلوه أساسا لحياتهم لم يكتب لهم النصر والتوفيق أبدا في هذا الوجود، ويبقوا تابعين لا متبوعين ...

стр. 11

أشرت في هذا الكتاب إلى الخلاف المستحكم الحلقات بين المسلمين والأنانية الطاغية في بعض الأفراد - ولا سيما الحكام - حتى عصفت بما كان لهم من تسامح وعدالة ووحدة. وبدأ هذا الخلاف من بعد ما التحق صاحب الرسالة ﷺ بالرفيق الأعلى. ومن بعد ذلك قامت الأحزاب والفرق التي نجمت من بعد حياة الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين - والكوارث التي أصابت المسلمين - سواء كانت داخلية أو خارجية هي التي كانت سببا في سقوط الخلافة الشرعية ومن بعدها هبت المحن على العالم الإسلامي، فتفرق شر مذر لأنه ترك الحبل الذي كان يربطه ومن ذلك الحين لم يكن للمسلمين وحدة إلى الآن، وأصبحوا يخرجون من سيء إلى أسوأ. وأشرت إلى حرب الأمير عبد القادر مع الجيش الفرنسي والثوارات التي وقعت في عهد الاستعمار إلى ثورة ١٩٥٤م، وكذلك ثورة العالم الإسلامي إشارة عابرة، لأن الذى يكتب عن الثورة الجزائرية لا يستطيع أن يفصلها عنه بحكم الروابط الدينية والتاريخية والمصيرية والحضارية. وأشرت إلى الأسباب التي قامت عليها ثورة الجزائر الكبرى، وهي: الأحزاب الوطنية، والهيئات الدينية. كانت تبث الوعي الديني والوطني فاستجاب الشعب إلى هذا الوعي. وصمد في وجه قوة الغرب، وغالب الجزء الأول من هذا الكتاب عرض تاريخي للحوادث الكبرى التي انتابت المسلمين وجعلتهم طوائف متناحرة ودولا متحاربة حتى ضعفوا وفشلوا. فطمع فيهم أعداؤهم فأصبحوا تحت رحمتهم بسبب تفكك وحدتهم وتفرق كلمتهم لأنهم خالفوا الإسلام الذي يأمرهم بالاعتصام بحبل الله جميعا ولا يتفرقوا.

стр. 12

من هنا يجب أن يعتبر المسلمون بالماضي القريب والبعيد ليتداركوا أخطاءهم، ويلطفوا من أنانيتهم وعداوتهم لبعضهم بعضا ويلتفوا حول الدين الحنيف حتى يصبحوا أمة قوية مرهوبة الجانب تقف في وجه أعدائها المتكالبين عليها من كل ناحية ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ (١). لأن المسلمين عندما يتنكرون للإسلام، ويتحللون من أوامره وأخلاقه يفشوا فيهم الضعف عن المقاومة والتخاذل فيما بينهم والترف الممقوت، فيعرضون أنفسهم وشعوبهم إلى احتلال أوطانهما من طرف أعدائهم. وذكرت بعض التعاليم الإسلامية لتكون حجة للمناوئين لها فكل من يعارض الإسلام لا يعرف مبادئه، ولا درسه دراسة واسعة حتى يتمكن من معرفة حقائقه، وسميته ـ[الاعتصام بالإسلام]ـ.

стр. 13

الإيمان بالله صنع رجالا كانوا أغمارا في الجاهلية فأصبحوا سادة العالم بعث محمد ﷺ ، والعالم مبعثر ومشتت كل شيء فيه، فهو في غير محله، نظر محمد ﷺ إلى الناس فرأى كل واحد هانت عليه نفسه رآه يسجد للحجر والشجر والنهر، وكل ما لا يملك لنفسه النفع والضر، كان الناس يتحاكمون إلى قانون الغاب، رأى مجتمعا كل شيء فيه في غير شكله، أصبح المجرم فيه سعيدا، والصالح شقيا، لا أنكر في هذا المجتمع من المعروف، ولا أعرف من المنكر. ورأى عادات فاسدة تستعجل فناء البشرية وتسوقها إلى هوة الهلال ورأى معاقرة الخمر إلى حد الإدمان، والخلاعة، والفجور الى حد الاستهتار، وتعاطى الربا الى حد الاغتصاب، واستلاب الأموال، ورأى الطمع وشهوة المال الى حد الجشع والنهامة ورأى القسوة والظلم الى حد الوأد وقتل الاولاد، ورأى ملوكا اتخذوا بلاد الله دولا، وعباد الله خولا، ورأى أحبارا ورهبانا أصبحوا أربابا من دون الله يأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله. رأى المواهب البشرية ضائعة لم ينتفع بها أحد، ولم توجه التوجيه الصحيح، فعادت وبالا على الانسانية، فقد تحولت الشجاعة فتكا وهمجية، والجود تبذيرا وإسرافا، والانفة حمية جاهلية والذكاء شطارة وخديعة والعقل وسيلة لابتكار الجنايات، والابداع في ارضاء الشهوات رأى هذا كله وأكثر منه في بيئته الخاصة وفي العالم، ولم يكن الرسول ﷺ رجلا اقليميا أو زعيما وطنيا، أو مصلحا لناحية من نواحي المجتمع اذ مجال العمل في بلاد العرب فسيح، لو كان رجلا إقليميا لسار في قومه سيرة القادة السياسيين والزعماء الوطنيين، ولكنه ﷺ لم يبعث لينسخ باطلا بباطل ويبدل عدوانا بعدوان، ويحرم شيئا في مكان ويحله في مكان آخر، لم يبعث زعيما وطنيا، أو قائدا سياسيا، وإنما أرسل الى الناس كافة بشيرا ونذيرا وداعيا الى الله بإذنه وسراجا منيرا وأرسل ليخرج عباد الله جميعا

стр. 14

من عبادة العباد الى عبادة الله وحده ويخرج الناس جميعا من ضيق الدنيا الى سعتها ومن جور الاديان الى عدل الاسلام ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ (١) فلم يكن خطابه لأمة دون أمة ووطن دون وطن، ولكن كان خطابه للنفس البشرية والمصير الإنساني، وكانت أم القرى لموقعها الجغرافي واستقلالها السياسي خير مركز لرسالته وكانت الأمة العربية بخصائصها النفسية ومزاياها الأدبية خير محل لدعوته وخير داعية لرسالته. لم يكن ﷺ من عامة المصلحين فحسب، بل أتى بالإصلاح الشامل لجميع نواحي الانسانية، أتى بالإيمان بالله وحده، ورفض الأوثان والشرك والكفر والطاغوت والظلم والبغي بكل معانى الكلمة، وقام في القوم ينادى (أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا) ودعاهم إلى الايمان برسالته والايمان باليوم الآخر. أدرك عباد الاوثان والشهوة والمادة عندما قرع أسماعهم صوت النبي ﷺ أن دعوته الى الايمان بالله وحده سهم مسدد الى كبد الجاهلية، فقامت قيامتها ودافعت عن تراثها، وقاتلت في سبيلها قتال المستميت ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ (١) ووجد كل واحد من هذا المجتمع الجاهلي نفسه مهددة، وحياته في خطر، وهنا وقع ما تحدث عنه التاريخ من حوادث الاضطهاد والتعذيب، وكان ذلك آية للنبي ﷺ لأنه أصاب الغرض، وضرب على الوتر الحساس، وأصاب الكفر في صميمه، وثبت النبي ﷺ على دعوته ثبوتا دونه ثبوت الراسيات لا يثنيه أذى ولا يلويه كيد ولا يلتفت الى اغراء مكث ﷺ ثلاثة عشر حجة يدعو الى الله وحده، والايمان برسالته واليوم الآخر لا يكنى ولا يلوح ولا يلين، ولا يستكين، ولا يحابى. ولا يداهن ويرى في ذلك دواء لكل داء.

стр. 15

فكان الايمان بالله والانحياز اليه جد الجد لا يتقدم اليه الا جاد مخلص هانت عليه نفسه، وعزم على أن يقتحم خط النيران ويمشى اليه ولو على حسك السعدان، فتقدم اليه فتية لا يستخفهم طيش الشباب، ولا يستهويهم مطمح من مطامح الدنيا وانما همهم الأخرة وبغيتهم الجنة. سمعوا مناديا ينادي للإيمان أن أمنوا بربكم، فضاقت عليهم الحياة الجاهلية بما رحبت، وضاقت عليهم أنفسهم فرأوا أنهم لا يسعهم الا الايمان بالله ورسوله فأمنوا وتقدموا الى النبي ﷺ ووضعوا أيديهم في يديه، وأسلموا أنفسهم وأرواحهم اليه، وهم من حياتهم على خطر، ومن البلاء والمحنة على يقين، سمعوا القرآن يقول ﴿الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ (١) وسمعوا قوله تعالى ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ (٢) فما كان من قريش الا ما توقعوه، قد نتروا كنانتهم وأطلقوا عليهم كل سهم من سهامها فما زادهم كل ذلك الا ثقة وتجلدا وقالوا: ﴿هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ (٣) ولم يزدهم هذا البلاء والاضطهاد في الدين الا متانة في عقيدتهم وحمية لدينهم ومقتا للكفر وأهله واشتعالا لعاطفتهم وتمحيصا لنفوسهم فاصبحوا كالتبر المسبوك واللجين الصافي. وخرجوا من كل محنة وبلاء خروج السيف بعد الجلاء. وكان الرسول ﷺ يغذى أرواحهم بالقرآن ويربي نفوسهم بالإيمان ويحثهم على الخضوع أمام رب العالمين خمس مرات في اليوم عن طهارة بدن وخشوع قلب وخضوع جسم وحضور عقل فيزدارون كل يوم سمو روح ونقاء قلب ونظافة

стр. 16

خلق وتحررا من سلطان الماديات، ومقاومة الشهوات نزوعا الى رب الأرض والسموات، فكان يأخذهم بالصبر على الاذى والصفح الجميل، وقهر النفس لقد رضعوا حب الحرب. وكأنهم ولدوا مع السيف، وكيف لا؟ وهم من أمة اشتهرت بالهمة والشجاعة والفصاحة والنبل وحسن الشيم، ولكن الرسول ﷺ كان يقهر همتهم الحربية، ويكبح نخوتهم العربية ويقول لهم: ﴿كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ فانقهروا لأمره وكفوا أيديهم وتحملوا من قريش ما تسبل به النفوس في غير حين وفي غير عجز، ولم يسجل التاريخ حادثة دفع فيها مسلم في مكة عن نفسه بالسيف مع كثرة الدواعي إلى أن أذن الله لرسوله بالهجرة مع أصحابه. التقى أهل مكة بأهل يترب لا يجمع بينهما الا الدين الجديد، فكان أروع منظر لسلطان شهده التاريخ فألف الإسلام بين قلوبهم، ولو أنفقا احد ما في الأرض جميعا ما ألف بين قلوبهم، ثم آخى رسول الله ﷺ بينهم وبين المهاجرين، فكانت تزرى بأخوة الأشقاء. كانت هذه الجماعة نواة للأمة الإسلامية الكبيرة التي أخرجت للناس ومادة للإسلام في كل زمان ومكان. وكانت وقاية للعالم من الانحلال الذي كان يهددها وعصمة للإنسانية من الغش والأخطار لذا قال الله : في حق هذه الجماعة ﴿إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ (١). لم يزل رسول الله ﷺ يربيهم تربية عميقة، ولم يزل القرآن يسمو بأنفسهم ويذكى جمرة قلوبهم، ولم تزل مجالس الرسول ﷺ تزيدهم رسوخا في الدين وعزوفا عن الشهوات وتفانيا في سبيل مرضاة الله، وحنينا الى الجنة، وحرصا على العلم وفقها في الدين، ومحاسبة للنفس يطيعون الرسول في المنشط والمكره، وينفرون في سبيل الله خفافا وثقالا، قد خرجوا مع الرسول ﷺ للقتال سبعا وعشرين مرة في ظرف عشر سنين، وخرجوا بأمره لقتال

стр. 17

العدو أكثر من مائة مرة فهان عليهم التخلي عن الدنيا، وهانت عليهم رزئة أولادهم ونسائهم في نفوسهم، ونزلت الآيات التي تأمر بإنفاق الأموال والجهاد بالنفس والولد والعشيرة، فنشطوا وخضعوا لامتثال أمرها. انحلت العقدة الكبرى - عقدة الشرك والكفر - فانحلت جميع العقد فانتصر الاسلام فكانوا لا يشاقون الرسول من بعد ما تبين لهم الهدى ولا يجدون في أنفسهم حرجا مما قضى، ولا تكون لهم الخيرة من بعد ما أمر ونهى حدثوا الرسول عما اختانوا به أنفسهم وعرضوا أجسادهم للعذاب الشديد اذا فرطت منهم زلة استوجبت الحد وأنصفوا من نفوسهم انصافهم من غيرهم وأصبحوا في الدنيا رجال الآخرة لا تجزعهم مصيبة ولا تبطرهم نعمة، ولا يشغلهم فقر، ولا يطفهم غنى ولا تلهيهم تجارة، ولا تستخفهم قوة، ولا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا، وأصبحوا للناس القسطاس المستقيم قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسهم أو الوالدين والأقربين، وطالهم أكناف الأرض وأصبحوا عصمة للبشرية، ووقاية للعالم، وداعية الى دين الله، واستخلفهم رسول الله في عمله، ولحق بالرفيق الأعلى قرير العين من أمته ورسالته. انتقل العرب والذين أسلموا عن معرفة الجاهلية العليلة الغامضة الميتة الى معرفة عميقة واضحة روحية ذات سلطان على الروح والنفس والقلب والجوارح ذات تأثير في الأخلاق والاجتماع ذات سيطرة على الحياة وما يتصل بها. آمنوا بالله الذى له الاسماء الحسنى والمثل الأعلى، آمنوا برب العالمين الرحمن الرحيم ملك يوم الدين الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر الخالق البارئ المصور العزيز الحكيم الغفور الودود الرؤف الرحيم، له الخلق والأمر بيده ملكوت كل شيء، يجير ولا يجار عليه الى آخر ما جاء في القرآن من وصفه يثيب بالجنة ويعذب بالنار، ويبسط الرزق لمن يشاء ويقدر. يعلم الخب في السموات والأرض ويعلم خائنة العيون وما تخفى الصدور الى آخر ما جاء في القرآن من قدرته وتصرفه وعمله، فانقلبت أنفسهم بهذا الإيمان الواسع انقلابا عجيبا، فإذا آمن

стр. 18

أحد بالله وشهد أن لا اله الا الله انقلبت حياته ظهرا لبطن، وتغلغل الإيمان في أحشائه، وتسرب الى جميع عروقه ومشاعره وجرى منه مجرى الروح والدم، وغمر العقل والقلب بفيضانه وجعل منه رجلا غير الرجل الأول وأظهر من روائع الايمان واليقين والصبر والشجاعة ومن خوارق الأفعال والأخلاق ما جبر العقل والفلسفة وتاريخ الأخلاق ولا يزال موضع الحيرة والدهشة منه الى الأبد. ظهر المسلمون وتزعموا العالم، وعزلوا الطغاة عن الأمم، وساروا بالإنسانية سيرا حثيثا متزنا عدلا، وقد توفرت فيهم الصفات لقيادة الامم، لأنهم أصحاب كتاب منزل وشريعة الهية فلا يشرعون من عند أنفسهم لأن ذلك منبع الجهل والخطأ والظلم، قد جعل الله لهم نورا يمشون به في الناس وشريعة يحكمون بها بين الناس ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ (١). وقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾. (٢) لأنهم لم يتولوا الحكم والقيادة بدون تربية خلقية وتزكية نفس بل مكثوا زمنا طويلا تحت تربية محمد ﷺ واشرافه الدقيق يزكيهم ويؤديهم ويأخذهم بالزهد والورع والعفاف والأمانة والايثار على النفس وخشية الله وعدم الاستشراف للإمارة والحرص عليها يقول (إنا والله لا نولى هذا العمل أحدا سأله، أو أحدا حرص عليه) حديث متفق عليه ويجعلون دائما نصب أعينهم قوله ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا﴾ فكانوا لا يتهافتون على الوظائف والمناصب تهافت الفراش على الضوء، بل كانوا يتدافعون في قبولها، ويتحرجون من تقليدها.

стр. 19

بهذا الايمان الواسع والتعليم النبوي المتقن وبهذه التربية الحكيمة الدقيقة وبشخصيته الفذة، وبفضل هذا الكتاب السماوي المعجز الذى لا تنقضي عجائبه ولا تخلق جدته، بعث رسول الله ﷺ في الانسانية المحتضرة حياة جديدة فأوجد فيها - بإذن الله - الايمان والعقيدة وبعث فيها روحا جديدة وأثار من دفاتها وأشعل مواهبها، ثم وضع كل واحد منهم في محله فكأنما خلق له. وكأنما كان المكان شاغرا لم يزل ينتظره، فما لبث العالم أن رأى منهم نوابغ كانوا من عجائب الدهر وسوانح التاريخ. فأصبح عمر الذى كان يرعى الابل لأبيه الخطاب وينتهره، وكان من أوسط قريش جلادة وصرامة اذا به يفجأ العالم بعبقريته وعصاميته، ويدحر كسرى وقيصر عن عروشهما ويؤسس دولة اسلاميه تجمع بين تفوقها في الادارة وحسن النظام فضلا عن التقوى والورع والعدل الذى لا يزال فيه المثل السائر. وهذا ابن الوليد كان أحد فرسان قريش إذا به يلمع سيفا الهيا في الاسلام لا يقوم له شيء الا حصده وينزل كصاعقة على الروم ويترك ذكرا خالدا في التاريخ وهذا أبو عبيدة كان موصوفا بالصلاح والأمانة والرفق اذا به يتولى القيادة العليا للمسلمين ويطرد هرقل من ربوع الشام ومروجها الخضراء ويلقى عليها نظرة الوداع ويقول: (سلام على سريا سلاما لا لقاء بعده) الى غير ذلك من الأفذاذ الذين تلقوا معلوماتهم وتكوينهم في مدرسة الايمان، ولا زالت هذه المدرسة تخرج لنا من العباقرة والشخصيات العظيمة البارزة في كل ميدان من ميادين الحياة الى الآن والى الغد ان شاء الله.

стр. 20

تعاليم الاسلام قوة روحية ومادية معا وعدالة اجتماعية ورحمة، لجميع الناس ما أعظم نعم الله على المسلم الذى هداه الى الطريق المستقيم والوصول به الى معرفة الخالق جل وعلا، ولما فتح هذا المخلوق عينيه على الكون العجيب الصنع والاتقان ابهر عقله، وحرك ذهنه في كل ما يحيط به من الأشياء الدالة على عظم قدرة الله فاذ عن له، وأقر لربوبيته بالكمال المطلق. ولقد كرم الله الانسان بنعم لا تعد ولا تحصى، وفضله على كثير من المخلوقات قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ (١). الايمان بالله هو المبدأ الوحيد في هذا العالم أخذ به المؤمنون قديما وحديثا، وفي جميع الأزمنة والأمكنة واعتصموا بحبله جميعا فهداهم الى ما فيه خيرهم وسعادتهم. الايمان بالله هو التصديق بالحقيقة الكبرى، والاعتراف بالوجود الأعلى بواسطة مخلوقاته الكثيرة العجيبة الصنع والابداع، الايمان بالله هو شعور الانسان بمنزلته المحدودة أمام رب عظيم بيده ملكوت السماوات والأرض، وكل شيء في هذا الوجود. الايمان بالله هو القوة الباعثة على العمل الصالح القوة التي توجه الانسان الى الله فيما يفعل وفيما يترك في جميع شؤون الحياة كلها. الاسلام مبدأ الهى عام لا يفرق بين جنس وجنس، ولا بين لون ولون ولا بين وطن ووطن، بل هو هداية من الله الى الخلق

стр. 21

أجمعين، وهو قوة روحية دافعة، ودعوة عامة، هو نظام كامل يقدم للإنسانية فكرة شاملة عن الكون والحياة، ويجعل العنصر الأخلاقي أصيلا في بناء المجتمع ليكون عقلية متشبعة بالروح لتنبعث الحياة من داخل النفس، الاسلام دين تعاوني في جميع مظاهره أعلن حقوق الانسان منذ أربعة عشر قرنا، واذا كانت المذاهب المختلفة في العالم تدعو الى سلام الانسان مع الانسان وسلام الانسان مع الحيوان، وسلامه مع النبات حتى مع الجماد لأنه حث على عمارة الارض، ونشر المعاني والقيم الالهية فيها فهذه الأشياء مخلوقات لله، والانسان خلقه الله ليكون خليفة له في الأرض، وقد سخر له الأرض ولا عليها، ومن هنا وجدنا الحقوق ليست قاصرة على الانسان واذا كانت الدول المتحضرة في العصر الحديث تحاول أن تثبت حقوق الانسان فان الاسلام قد فرغ منها منذ زمن بعيد ... الاسلام حين يرعى حقوق الانسان، يرعى أولا حقوق الضعفاء. يقول الرسول الكريم: (ابغوني الضعفاء فإنما تنصرون وترزقون بضعفائكم) (١)، والله يطلب الدفاع عنهم، والقتال في سبيل حمايتهم فقال: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ (١). ويحذر الرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه (من أن يقف أحد المسلمين موقفا يضرب فيه رجل ظلما بأن اللعنة تتنزل على من حضره ولم يدافعوا عنه) كما يحذر من الظلم بصفة عامة. فيقول: (اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة) (٢)، وينذر القرآن الكريم الظالمين بأنه لن يكون لهم يوم القيامة حميم ولا شفيع يطاع، وينذر الرسول الكريم صلى الله عليه وعلى آله وسلم بأعلى صوته في حجة الوداع (ألا إن دماءكم

стр. 22

وأموالكم حرام عليكم الى أن تلقوا ربكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا) (١). ويقول أيضا (في كل ذات كبد رطبة صدقة) وما حديث المرأة التي عذبت هرة لها فحبستها، ليست ببعيدة عنا وكذلك حديث الرجل الذى سقى الكلب من البئر وجده عطشان فغفر الله له، والإباحة في ذبح الحيوان إنما هي مرهونة بمصلحة الإنسان، فالإسلام يمنع من عقر الحيوان الا للأكل، ومن هنا كان النحر باسم الله الذى أباح لنا هذه الحيوانات، والتعذيب للحيوان أو للطير غير جائز، والاسلام يحرم على أن يطأ بقدميه كسرة خبز أو ما يؤكل مما يفيد الانسان أو غيره من مخلوقات الله، لأن في ذلك امتهانا للنعمة التي حماها الله فاحترامها والمحافظة عليها من الآداب السامية لأنها مخلوقة من مخلوقات الله وقد انتفع بها المخلوقون، ومنع الاسراف والفساد فيها، والاسلام حين يعلن هذه الحقوق، فإنما يعلنها بأسلوبه الخاص، ثم يطبقها التطبيق السليم، لأن هذا الاعلان صادر من رب العالمين، وهو أدرى بهم، وما يصلح لهم لأنه خالقهم وليس بينه وبين أحدهم صلة الا العمل الصالح. والمسلمون حين يطبقون أوامر الاسلام يبدأون من داخل النفس ليتقربوا بها الى الله، وهو اعلم بما يسرون وما يعلنون. الاسلام ينطلق من وحدانية الله تعالى الذى خلق البشر جميعا، ورسم لهم الدين منهجا يسيرون عليه لتحقيق رسالتهم في هذه الحياة، والفوز والنجاة في الدار الأخرى، وطلب منهم أن يطيعوا الله ورسوله وأولي الأمر منهم في الحدود التي رسمها لهم، قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (٢). فأساس التفاضل في الاسلام هو العمل الصالح لا الغنى، ولا الوطن، ولا الحسب والنسب الى غير ذلك من معاني الجاهلية، لان هذه الاخلاق الفاضلة بها تظهر طبيعة الانسان الكامل، فالقرآن حث عليها لأنه كتاب تربية وتثقيف. وليس كل ما فيه

стр. 23

كلاما عن الفرائض والشعائر، وأن الفضائل التي يحث عليها من أجمل الفضائل وأرجحها في موازين الأخلاق وتتجلى هداية الإسلام في نواهيه. والمسلمون في الوقت الحاضر متأثرون بالمفاهيم القومية البعيدة عن تعاليم الاسلام وعن تربية القرآن وهذا التأثير جزء من الثقافة والحضارة المستوردة، وكل انسان، مسؤول عن عمله ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ هكذا يكون المسلم في ظلال القرآن. الاسلام يعلن حرية العقيدة للناس جميعا، فيها بواعث الروعة والجمال، وما تحدثه في الخواطر من دواعي الشعور والتأثير، فيقول الله في كتابه الكريم: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا﴾ (١). ويبين مهمة الرسول ﷺ بقوله: ﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾. ويطلب منه ألا يحزن على الذين يسارعون في الكفر بقوله : ﴿يأيها يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾ (٢). ويعاتبه لشدة حرصه على ايمان الناس فيقول: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ (٣)، ثم يقول له بعد ذلك: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ (٤)، ثم طلب منه أن يعلن للناس جميعا أنه بشر مثلهم يوحى اليه: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (٥). الاسلام مع المجتمعات الأخرى يدعو الى الحوار الهادي الخالي من الأغراض والمعاندة قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا

стр. 24

يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ (١). طلب الاسلام من كل داعية أن يكون هادئ الطبع لين العريكة، فيقول الله لنبيه الكريم: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾. وقد حرم الاسلام القتال من أجل الاكراه في الدين ضمانا لحرية الاعتقاد، ولكنه أعلن الجهاد من أجل حرية عمل الخير وكلمة الحق، والاسلام يطلب من المسلم أن يصدع بكلمة الحق أين ما كان وفي كل وقت، وجعلها الرسول ﵊ أفضل الجهاد عند سلطان جائر فيقول عليه الصلاد والسلام: (أفضل الجهاد كلمة الحق عند سلطان جائر) أخرجه أبوا داود. ويجب أن تكون كلمة الحق في إطارها الصحيح الذى يبني ولا يهدم ويخدم الانسانية من حيث هي قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ (٢). ويجب أن يكون الأمر في أحسن لفظ وأعصاب هادئة، فالمسلم ليس بالسباب ولا باللعان. ولا بالفاحش البذيء، كما يقول الرسول ﷺ : (المؤمنون الذين يرضى الله عنهم من صفاتهم أنهم يقولون قولا طيبا) قال تعالى: ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾ (٣)، والكلمة الطيبة تؤثر في القلوب وتلين المشاعر. المساواة في الاسلام مشكلة حار الناس فيها، ولكن الاسلام حلها بكل سهولة وطبقها بين الناس جميعا، وبين لهم أنهم من أب واحد. وأم واحدة. وإذا جعلهم شعوبا وقبائل فذلك للتعاون لا ليطغى بعضهم على بعض ولا يستعبد بعضهم بعضا، وهذا يقتضى المساواة التامة في الحقوق والواجبات بين الناس قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (٤)

стр. 25

وفي فتح مكة المكرمة نادى النبي ﷺ فقال: (يا معشر قريش ان الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظمها بالآباء) وقال أبو ذر الغفاري رضى الله عنه لرجل يا ابن السوداء فقال له النبي الكريم: (طف الصاع طف الصاع ليس لابن البيضاء على ابن السوداء فضل الا بالعمل الصالح ... ). والشعائر الاسلامية كلها تعمق هذه المعاني في نفوس المسلمين جميعا فصلاة الجماعة والصيام والحج كلها تعمل عملها في تعميق المساواة بين أفراد المجتمع الإسلامي، وبلغت المساواة ذروتها عندما يقول الرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه:) سلمان منا أهل اليت) ويقول عمر بن الخطاب رضى الله عنه: (أبو بكر سيدنا وأعتق سيدنا) ويقصد بذلك بلال رضى الله عنه. كما يقول أيضا عندما ما حضرته الوفاة: (لو كان سالم مولى أبي حذيفة حيا لاستخلفه). العدل في الاسلام واجب على الجماعة والفرد، ويقول الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ (١). ويخاطب الله المؤمنين جميعا بقوله: ﴿يأيها يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (٢). العدالة الاسلامية لا تعرف العواطف حتى ولو كان الخصم قريبا أو صاحبا أو والدا أو غنيا أو فقيرا، فالقاضي والشاهد لا شأن لهما بذلك، والله أولى بالجميع: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ (٣).

стр. 26

العدالة من أسس المجتمع الإسلامي، ولقد طبقت تطبيقا رائعا في الصدر الأول من الاسلام، فالنبي ﷺ رهن درعه عند يهودي وحين طالبه اليهودي طلبه في غلظة قائلا: انكم يا بنى عبد المطلب قوم مطل فهم عمر بأن يؤدبه على هذا التجرء على الرسول فقتال له النبي ﵇ في هدوء: (يا عمر أنا وهو كنا أحوج الى غير هذا منك تأمرني بحسن الأداء وتأمره بحسن الاقتضاء) ويسير المؤمنون على هذا النهج رافعين راية العدل المطلقة. الاسلام نظام عالمي، وهذا النظام ليس مستعارا ولا خليطا، بل هو نظام رباني قائم بذاته مستقل بروحه أنقد أمما عظيمة في الماضي كانت ترزح تحت قوانين جائرة ونظم فاسدة، وسيتنفذ ان شاء الله أمما عظيمة في المستقبل لأن قوانينه لا زالت مطمح أنظار العالم في حل المشكلات العويصة، لأنه القانون الوحيد الذي يساير طبيعة البشر وميولاتهم الفطرية. الاسلام جاء يبني مجتمعا لا يعرف الطبقات، ولا الطوائف والأحزاب إلا حزب الله لأنه قد أتى بقوانين عادلة لتطهير المجتمع من الأمراض الفاسدة وهذه القوانين تناولت حياة المجتمع كلها. التعليم في الاسلام هو الاساس الأول لبناء المجتمع، وتكوين الفرد، وهو النور الذى يسير الانسان على هديه في شؤون دنياه وآخرته، ولذا أمر الاسلام به في أول آية نزلت من السماء: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ (١). هذه الدعوة ليست مقصورة على الرسول ﷺ بل تتعداه الى الانسانية جمعاء ... ولقد أهاب الاسلام بالإنسان أن يسعى في مناكب الأرض طلبا للعلم والمعرفة بقوله : (أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور﴾ (٢).

стр. 27

ويقول الرسول ﷺ (العالم والمتعلم شريكان في الأجر، ولا خير في سائر الناس بعد) وقد أمر ﷺ كل أسير كاتب في غزوة بدر الكبرى من المشركين أن يعلم عشرة من أصحابه الكتابة والقراءة، وجعل ذلك سبيل تحرره، وأخبر بأن العلم أفضل أنواع العبادات فقال (قليل العلم خير من كثير العبادة) وقال: (فضل العالم على العابد كفضلى على أدناكم) وهكذا شمل ميدان العلم والمعرفة في الاسلام كل شؤون الحياة كلها. الحكم في الاسلام: الأمة الإسلامية تستمد - نظمها وتشريعاتها من أربعة مصادر: اثنان أصليان وهما الكتاب والسنة واثنان فرعيان وهما الاجماع والقياس فعلى هذه المصادر قام المجتمع الإسلامي. ان قواعد الحكم كلها منصوص عليها في القرآن والحديث وإذا لم يكن ثم نص يأتي الاجماع والقياس ويصبحان حجة، الشريعة الاسلامية هي جملة الأوامر الالهية وأنها معصومة من الأخطاء ترسم للمسلم أحكام سلوكه في حياته كلها دينيا وسياسيا واجتماعيا. فرض الاسلام أن يقوم الحكم على أساس الشورى وأن يقوم التشريع على أساس الكتاب والسنة واتفاق الامام والرعية، ولا ضير بعد ذلك أن يتبعوا هذا النظام أو ذلك من نظم الانتخابية أو يعملوا بهذا الدستور أو ذاك من دساتير الحياة النيابية فكل نظام صالح ما دام قائما على الشورى مؤيدا بسند من مشيئة الامام وأولي الرأي وحقوق الجماعة. ان قوانين الاسلام تقوم على القرآن والسنة وعلى القياس وفتوى أهل الذكر ومشيئة الاجماع، وأن القرآن الكريم يقول للمسلمين: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ يسلك كل مسلم طريقه على حسب المنهاج المبين فهو أمين على ضميره فيما يختاره من أحكام الدين التي شرعها الكتاب إجمالا، ولم يذكر تمثيل الأمثلة عليها. ولكن اذا رجعنا الى السنة نجد أن أول ما ينهى الإسلام عنه هو أن يقوم الحكم على أساس العصبية زمن أحاديث

стр. 28

النبي ﷺ : (ليس منا من دعا الى عصبية وليس منا من قاتل على عصبية، وليس منا من مات على عصبية) والقرآن يقول: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى﴾ والرسول يقول: (ان الله لا يجمع أمتى على ضلالة) ويقول: (من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصى الله ومن يطع الأمير فقد أطاعني، ومن يعص الأمير فقد عصاني) ويقول: (اتبعوا السواد الأعظم) فهذه جملة قواعد الحكم في الاسلام، السلطان لا يقوم على عصبية بل على الشورى، ويغلب فيها اجماع السواد الأعظم وتجب فيها الطاعة لمن يتولى الامر كما تجب لله ورسوله. ان النبي ﷺ سئل عن معنى العزم في قوله : ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ قال: (مشاورة أهل الرأي ثم اتباعهم) وأنه ﷺ قال مرة لأبي بكر وعمر رضى الله عنهما لو اجتمعتما في مشورة ما خالفتكما. ووضح عمل الوزير مع الأمير فقال: (اذا أراد الله بالأمير خيرا جعل له وزير صدق إن نسي ذكره وإن ذكر أعانه وإذا أراد به غير ذلك جعل له وزير سوء إذا نسي لم يذكره وإذا ذكر لم يعنه). أما الواجب بين الأمير والرعية فقد قال ﵊: (من خلع يدا من طاعة لقي الله يوم القيامة ولا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية) وقوله: (لا طاعة في معصية وإنما الطاعة في المعروف) وقوله: (من رأى من أميره شيئا فكرهه فليصر، فإنه ليس أحد يفارق الجماعة فيموت الا مات ميتة جاهلية). وزبدة الأوامر والنواهي جميعا في هذا الواجب بين الراعي والرعية انه الأمر والطاعة في المعروف والحذر عند الخلاف من تفريق الجماعية، وعصمة الجميع أن يسمع الراعي والرعية الى النصيحة من القادرين عليها ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (١)

стр. 29

أو كما قال ﵊: (والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عذابا من عنده ثم لتدعونه ولا يستجيب لكم) وعلى الأمة أن تغير ما تكره من شأنها فإنه (ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصي ثم يقدرون على أن يغيروا، ثم لا يغيرون إلا يوشك أن يعمهم الله بعذاب) وعلى الأمير ألا يبتغي الريبة في الرعية لأن الأمير إذا ابتغى الريبة في الناس أفسدهم، والخير كل الخير في الجماعة المفلحة تتساند وتتعاون، إنما المؤمنون كرجل واحد ان اشتكى عينه اشتكى كله وان اشتكى رأسه اشتكى كله، ترى المؤمنين في تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو الواحد تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.

стр. 30

الاقتصاد في الإسلام يؤاخذ علماء الاقتصاد الغربيون الدين الإسلامي على عدم تنظيمه يقولون: إنه لم يأت بنظام مفصل للناس. وأحوال المعيشة الاقتصادية، والنظم السياسية تتقلب من زمن الى زمن وتختلف بين أمة وأخرى، فيصلح لهذا الزمن ما لم يكن صالحا قبل خمسين أو ستين سنة وما ليس بصالح بعد خمسين أو ستين سنة أخرى فكيف يتقيد الناس فيها على اختلاف الازمنة. والدين فريضة من الفرائض يدين بها الناس مآت السنين، وتثبت مع الدين ثبوت العقيدة التي لا تتزعزع مع الأيام ولا تساوى شيئا في موازين الأديان ان لم يكن لها هذا الثبوت وهذا الدوام، انما يناسب أن يبين الدين للناس قواعده التي يستقر عليها كل نظام صالح يأتي به الزمن ولا عليه بعد ذلك أن تختلف هذه النظم بين أمة وأخرى في العصر الواحد، أو تختلف في الأمة الواحدة بين عصرين ومن الأمثلة التي يحسن أن نذكرها كلها نذكر الدين ونذكر النظم الاقتصادية. ان الحياة الاقتصادية التي قامت في الغرب زمنا قامت على رؤوس الاموال وفوائدها التي يدور عليها عمل المصاريف والشركات متطورة ومتناقضة ورؤوس الأموال قائمة على الربا المحرم عند الاسلام. فهل على الاسلام أن يبدل عقائده بين المذاهب الاقتصادية المتطورة خلال جيلين متعاقبين أو أكثر كلا، وليس عليه أن يبدل هذه العقائد اذا تبدلت المذاهب وجاء بعدها مذهب آخر غير الذى يقدس رؤوس الأموال وغير الذى يحرمها وإنما أقام الاسلام قواعد الاقتصاد التي يقام عليها نظام صالح ولا يتصور أنها تناقض نظاما منها كان بالأمس أو يكون بعد زمن طويل أو قصير ... قرر الاسلام أن يمنع الاحتكار وكنز الأموال وقرر أن يمنع الاستغلال بغير عمل، وقرر أن يتداول الجميع الثروة ولا تكون

стр. 31

دولة بين الأغنياء، وقرر أن تكون للضعفاء والمحرومين حصة سنوية، وقد يزاد عليها بأمر الامام واحسان المحسنين واذا تقرر هذا في مجتمع إنساني فلا حرج عليه أن يتخذ له نظاما من نظم المعيشة الاقتصادية كيفما كان، ولا خوف على مجتمع قط يمتنع ديه الاحتكار والاستغلال واهمال العاجزين عن الكسب والعمل ومن شاء فليتهم هذا النظام بما شاء من الأسماء الملكية كان نظام الطبقات هو السائد في الجاهلية، فجاء الاسلام فعالج هذا النظام معالجة حكيمة لاحظ فيها مصلحة الفرد ومصلحة الجماعة معا وكان بين ذلك قواما، فأباح للفرد أن يملك وأن يتصرف في ماله من بيع وشراء وهيبة كيف شاء، وأن يتمتع بماله لكن في دائرة الحدود المعقولة وينهاه عن التزمت والحرمان من الطيبات قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (١). فحفظ له هذا الحق وصانه، غير أنه لا يطلق له حرية التصرف مطلقة بلا قيد، فيقيد له بعض تصرفاته كالتبذير والاسراف، واجباره على دفع الحقوق والواجبات كالزكاة وحثه على الانفاق لأن مال الفرد في الاسلام هو مال الجماعة قال تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ (٢). والجماعة هي تخلفه في هذا المال وهذا ما أشار اليه القرآن الكريم بقوله : ﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ (٣). ويقول الرسول صلوات الله عليه وسلامه: (أيما عرضة أصبح فيهم أمرؤ جائعا فقد برئت منهم ذمه الله ومن كان معه فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان له فضل زاد فليعد به على من لا زاد له، ومن كان عنده طعام اثنين فليذهب بثالث وأن أربع فخامس أو سادس) ويقول عمر ﵁ (لو استقبلت

стр. 32

من أمرى ما استدبرت لأخذت فضول أموال الأغنياء ولرددتها على الفقراء). ليس هذا تقريرا لمبدأ الشيوعية، الملكية في الاسلام حق مقدس جارى به العمل، فالمسلم له أن ينمى ماله ويشركه من بعده لورثته الا أنه لا يغش ولا يتعامل مع الناس بالربا، ولا يمنع المال من مستحقه ولا يظلم العمال في أجورهم، ولا يحتكر البضائع يتربص بها الغلاء والناس في أشد الحاجة إليها ...

стр. 33

الدفاع الاسلام لا يأمر بالحرب وإنما يلتزم الدفاع عن العقيدة وحماية الدعوة ولذا يقول الله : ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ (١)، لا يقدم المسلمون على الحرب حتى يستعملوا جميع الوسائل من مفاهمة وصلح، فإذا لم يستطيعوا الوصول الى ذلك فعندئذ يخوضونها لأنهم مضطرون اليها. الاسلام يأمر المسلمين بالاستعداد وإيجاد القوة اللازمة لصد كل عدوان، يقول الله : ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ (٢). اذا اشتبك المسلمون في الحرب مع أعدائهم. وكانت قوة الدولة غير كافية فلها أن تجند جميع القادرين على حمل السلاح. وتأخذ من الأموال ما تحتاج اليه واذا دخل العدو الى أرض المسلمين فيجب على الأمة الاسلامية أن تهب - سواء كانت في الشرق أو في الغرب - لتحمل السلاح للدفاع عن حوزة المسلمين بما فيها شبابها وشيوخها ضعفاؤها وأصحاؤها رجالا ونساء وهذا معنى قوله تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ (٣). يفرض الإسلام على المسلمين - في هذه الحالة - أن يقفوا صفا واحدا في وجه العدو، وكل من يفر من هذه الحرب يعد عاصيا قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (٤).

стр. 34

ومما شرع الاسلام في الحرب الحث على الوفاء بالعهد، والميل الى الصلح وأن لا يقتلوا وليدا ولا شيخا هرما ولا امرأة اللهم الا اذا قاتلت فتقتل والعبث بكرامة الانسان ممنوع كالتمثيل بالجثث وغيره. العقيدة الاسلامية مؤسسة على دعائم الحق والخير والرحمة، والصبر والحرية فهي باقية مع الزمن تقدم للأجيال الصاعدة رصيدا من إشراق القلوب ونفحات من اتصال الأرواح: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ (١) فإذا وثق المسلم بالخير والفضيلة وثابر على العمل والجهاد زاد من رصيده العلمي والأخوي، فتتآلف القلوب من حوله فيحظى بسعادة الاستقرار. ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٢) ... ومتى يثق الانسان بهذا الدين وتطمئن نفسه اليه يصبح سيدا كاملا موفور الكرامة قويا بإيمانه وعمله، فيتضاءل عنده الناس، ولا يسعهم الا أن يجلوه ويحترموه لأن المسلم لابد أن يكون اماما في أعمال الخير ولا يرضى بغير القيادة والسبق إلى العلم والتضحية والفداء في سبيل الله. عوائدنا وأخلاقنا هي موضع اجلالنا واحتراماتنا ما دامت متفقة مع مثل الاسلام العليا، وهذه المثل هي التي نريدها كعقيدة للمسلمين لأنها دين الحق الذى دعا اليه جميع الرسل والانبياء ﵈.

стр. 35

أسباب تدهور المجتمع الإسلامي الأول جاء الرسول صلى الله عليه واله وسلم بدين الاسلام الذى هو من عند الله، ولم يجئ بنظريات علمية معقدة، أو أراء فلسفية شائكة تبعث في النفوس شبها وحيرة وفي العقول شكوكا وريبا، وانما جاء بدين سماوي معالمه واضحة كوضوح الشمس في رابعة النهار، ومبادئه في غاية السهولة والبساطة، جاء بدستور رباني ينظم علاقة الانسان بربه وبأن الواجب على المخلوق نحو خالقه، ثم يربط علاقة الإنسان بالمجتمع الذى يعيش فيه. ومن أجل هذا بعث الله رسوله الكريم ﵌ الى الناس كافة موجها اهتمامه لإصلاحهم اصلاحا جذريا على مقتضى الدين الحنيف ومحذرا لهم من العوائد السيئة والمعتقدات الفاسدة التي كانت مسيطرة عليهم حينذاك، وأمرهم بالتمسك بهذا الدين، وترك الجدل والخوض في الآيات المتشابهات، ويفوضون علمها الى الله لأن عقول الناس قصيرة، ولا علم لهم بالغيب، فربما يؤولون آية على غير مقتضى ما أراد الله فيهلكون، لهذا كان يحث صلى الله عليه وسم على الأخذ بالآيات المحكمات من الكتاب، وبين لهم أن الجدل في الدين تنشأ عنه المذاهب المتطرفة التي لا طائل تحتها، والدين من عند الله لا اختلاف فيه وما هلكت الأمم السابقة الا بهذا الجدل العقيم فإنهم اشتغلوا بالآراء والنظريات القصيرة البعيدة عن المقصود، وتركوا ما ترشدهم إليه الكتب السماوية فتفرقوا أوزاعا ومذاهب واختلفوا طوائف وأمما وتقطعوا أحزابا وشيعا كل حزب بما لديهم فرحون. فضلوا طريق الهدى التي رسمها لهم الانبياء ﵈ فضعفوا وذهبت ريحهم وتشتتوا وعجزوا عن أداء رسالتهم السماوية، وأصبحوا هم والأمم المشركة على سواء ولما دخل الناس في هذا الدين واطمأنت نفوسهم إليه تهذبت أخلاقهم واستقام سلوكهم، وذهبت السلبيات التي كانت سائدة على

стр. 36

المجتمع الجاهلي وكونوا مجتمعا راقيا تظله راية التوحيد، ورائده الكتاب والسنة، تسوده العدالة والمحبة والإخاء، والمساواة، فتحلى بالعلم والعرفان، وكان هدفه التقوى ونشر الدعوى الاسلامية بين الأمم والجهاد في سبيلها، لهذا سبقوا غيرهم في التقدم والحضارة وملكوا أعظم دولتي العالم لذلك الوقت، وبقي على ذلك هذا المجتمع زمن الرسول ﵌، وزمن خلفائه الراشدين رضوان الله عليهم أجمعين. ولكن ما كاد يلتحق ﷺ بالرفيق الأعلى حتى بدأ الخلاف بين المسلمين أول ما بدأ في أمور اجتهادية كالخلاف الذي وقع في سقيفة بني ساعدة في تولية من يخلف الرسول في الحكم بعد وفاته، لأنه لم يوص الى أحد الى غير ذلك من الخلافات التي وقعت بين الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين على المسائل التي طرأت على المجتمع الإسلامي من بعد وفاة الرسول الأعظم لكنها لم تكن خطيرة ينجم عنها التفرق أو وقوع الفتنة. كان اختلاف في السياسة، واختلاف على الشخص المتولى، واختلاف في بعض المسائل الاجتهادية من هذا الاختلاف لم يتجاوز الرأي المحمود الى الرأي المذموم الذى لا يتفق وقواعد الشرع. ظل الامر على ذلك الى أن قامت الأحزاب السياسية، وظهرت الأغراض الشخصية والطموح الى السيادة هنا بدأ المسلمون يتفرقون أحزابا متعادية بعد ما كان يجمعهم حزب واحد الا وهو حزب الله الا أن حزب الله هم المفلحون. ومن هناك بدأ الخلاف يخرج عن دائرة الرأي المحمود الى دائرة الرأي المذموم، واستفحل في هذه الآونة، وتعصب كل فريق الى حزبه، والدعاية له والدفاع عنه ولا يستطيع أي حزب أن يسلم للآخر فتصدعت الوحدة الاسلامية الى أحزاب مختلفة وفرق متناحرة التي بناها الرسول ﷺ وشادها الخلفاء الراشدون من بعده. لم يظهر هذا التفرق بكل ما فيه من خطر على المسلمين إلا في عصر الدولة العباسية، أما قبل ذلك فقد كان المسلمون يدا

стр. 37

واحدة، وعقيدة واحدة إذا استثنينا ما كان من المنافقين الذين ينتسبون الى الاسلام وهم يضمرون الكفر ولأهله العداء. أما ما وقع بين سيدنا علي كرم الله وجهه وبين معاوية رضى الله عنه من خلاف لم يكن له مثل هذا الخطر الذى وقع المسلمون فيه من القرون المتأخرة من حياة المسلمين وإن كان النواة التي قام عليها التحزب، ونبت عنها التفرق والاختلاف. بعد ما انتهى عصر الخلفاء الراشدين استقرت السلطة العامة في أيدى بني أمية وأصبح التنافس عليها بين حزبين كبيرين وهما بنو هاشم وبنو أمية ولكل منهما أتباع ومن بعد آلت الى بني هاشم ولكن كان الدين مسيطرا على الجميع الا في الحكم فإنه انحصر في هذين الحزبين ولم يعد المسلمون هم الذين يعينون خليفتهم وإنما أصبح القوى من الحزبين هو الذى يتولى على السلطة ومن ثم يبايعه المسلمون بيعة عامة، لم يكن الحكم شورى كما نص عليه القرآن وكما كان في زمن الخلفاء الراشدين، تفرق المسلمون الى أحزاب متعادية بعد ما كان يجمعهم حزب واحد ألا وهو حزب الله ألا ان حزب الله هم المفلحون، وذلك بسبب العناصر التي انشقت عن الخلافة العباسية في بغداد واستلاء العنصر التركي على وظائف جيش الخلافة والذي فعل ذلك هو، الخليفة المعتصم وهو ثامن خلفاء العباسيين، لأنه واجه حروبا كثيرة في الداخل والخارج، فاتخذ جيشا من الترك خوفا من الجيش العربي ونفوذ العنصر الفارسي، فعين قادة الجيش منهم ليضمن لنفسه التفوق والنصر، ونسي المعتصم أنه بعمله هذا وضع السلاح في يد مجرم مأفون عاث في الارض فسادا بعد ما تمكن هؤلاء الأتراك من الجيش بدأوا يتصرفون في الخلفاء أنفسهم بتولية هذا ونزع هذا حسب مصلحتهم وأهوائهم، ومن بعد أصبحوا ينكلون بهم تنكيلا شنيعا، يقول الامام الشيخ محمد عبده ﵀: (فلم يكن بين عشية أو ضحاها حتى تغلب رؤساء الجند على الخلفاء، واستبدوا بالسلطان دونهم وصارت الدولة في قبضتهم، ولم يكن لهم ذلك العقل الذي راضه الاسلام والقلب الذى هذبه الدين بل جاء إلى الاسلام بخشونة الجهل، يحملون ألوية الظلم لبسوا الاسلام على أبدانهم ولم ينفد منه شيء الى

стр. 38

وجدانهم، وكثير منهم كان يحمل الهه معه - يعبده في خلوته ويصلي مع الجماعة لتمكين سلطانه) وقد كان لهذه الحالة التي سيطرت على الخلاقة في بغداد أثر خطير في العالم الإسلامي كله لان كثيرا من ولاة الأقاليم أدركوا أن الخلافة فقدت سلطانها، ولم تكن لها الهيبة التي كانت من قبل. أصبح الأمراء في قبضة قادة الجيش فأنف ولاة الأقاليم من هذه الحالة التي صارت إليها الخلافة، فكثرت حركة الاستقلال في أجزاء كثيرة من العالم الإسلامي، وأعلنوا استقلالهم اللهم إلا ما كان من صلة تربطهم بالخليفة لأنه أصبح رمزا ليس له من النفوذ شيء. وبهذا الاستقلال والخروج عن الخلافة الشرعية تصدعت الوحدة الاسلامية، وتشتت المسلمون شرقا وغربا. انثلمت وحدة الخلافة وانقسمت على نفسها: خلافة عباسية في بغداد وكانت هذه الخلافة في آخر عهدها تقنع بالاسم فقط، وليس لها من النفوذ شيء، وخلافة فاطمية في المغرب العربي ومصر، وخلافة أموية في أطراف الأندلس، تفرقت بهذه الخلافات كلمة المسلمين، وانحطت رتبة الخلافة الى وظيفة ملكية فسقطت هبيتها من النفوس، فتفرق العالم الإسلامي الى دويلات، فتغلب بنو بويه على فارس، ومحمد بن إلياس على كرمان، ونصر بن احمد السلطاني على خرسان، والبريديون على واصل والبصرة والديلم، وأبو طاهر القرمطي على اليمامة والبحرين، ومحمد بن ظغج الاخشيدي على مصر والشام، كما كان المغرب العربي في أيدى الفاطميين، والأندلس في أيدى عبد الرحمان الناصر، ولم يكن هذا التقسيم ليضير المسلمين فقد بقيت هناك وحدة اسلامية لا تعترف بالحدود السياسية. وقد كان المسلم من أي قطر كان يستطيع أن يتنقل من مكان الى مكان آخر دون أن يجد أية صعوبة أو عنت. أصبح طلاب الملك والرئاسة يعتمدون في الوصول الى الحكم على قوتهم وحدها معولين في ذلك على عصبيتهم الخاصة وبطانتهم وحاشيتهم. لا على المحبة والمشاورة من جماعة المسلمين، سن هؤلاء

стр. 39

الملوك والأمراء دساتير للحكم مخالفين بذلك أوامر الاسلام تبيح لهم ولأسرتهم وحاشيتهم الحكم المطلق الأبدي، وتجعل البلاد والعباد ملكا للجالس على العرش يتصرف فيها كيف يشاء، ولا يسأل عما يفعل، ولا يحب الانتقاد في شخصيته ولا في كلامه ولا في سلوكه، ولا يستطيع أحد من رعيته أن يحاسبه على أموال الرعية التي تتدفق عليه وعلى من يلوذ به من الأمراء وحاشيتهم ضارين بذلك أوامر الاسلام عرض الحائط تطورت الأحزاب السياسية التي نشأت في صدر الاسلام الى فرق دينية متعصبة لآرائها متطرفة متنابذة مع بعضها بعضا من شيعة، وخوارج، ومعتزلة وباطنية، ومرجئة، وقرامطة وغيرهم. غرق العالم الاسلامي - حينذاك - في طوفان جامع غصوب من الجدل والخصام والثورات الدامية، ومحاربة بعضهم لبعض، فقضت هذه الفتن الداخلية على وحدته وأذهبت بقوته فكانت السبب الأكبر في انهيار أممه، وسقوط دوله وجمود مجتمعه وتخلفها عن الحياة الحرة الكريمة، وعزلها عن التقدم في العلوم والصناعات. الحقيقة أن العالم الإسلامي لم يستقر منذ سقوط الخلافة العباسية، من ذلك الوقت، وهو في أخذ ورد، فدولة تسقط، وأخرى تطلع، وشعب ينفجر وآخر يجمد ويستكين، ودولة تسعى لجمع شتات المسلمين فتجد المقاومة الشديدة منهم ويرفعون راية العصيان في وجهها، ودولة تبرز لمحاربه دولة أخرى تستولي عليها بالقوة وتنكل برؤسائها وأمرائهما، وأخرى تعقد حلقا مع دولة أجنبية على محاربة المسلمين، وكل هذه الدول تزعم الاسلام. الحياة الاقتصادية - في هذا العصر - كانت تعبيرا عن الفساد المنتشر فكانت هناك ثلاثة أنظمه مستعملة، أولا: نظام الالتزام أو الضمان، ثانيا: مصادرة الأموال، ثالثا: اقطاع الأراضي للتجار الاثرياء. أما نظام الالتزام أو الضمان: هو أن يدفع شخص ما خراج ناحية الى الخليفة وهو يأخذه من سكان هذه الناحية، أو الاقليم، أكثر مما أعطى، أما مصادرة الأموال فقد أصبحت من الأمور المألوفة فشملت كافة رجال الدولة، فكل مسؤول يصادر

стр. 40

من هو دونه، ووصف المقديسي ضرائب فارس فقال: (لا تسأل عن ثقل الضرائب وكثرتها، وأهل فارس هم أنجع الناس بطاعة السلطان، وأصبرهم على الظلم وأثقلهم خراجا وأذلهم نفوسا، وهم لم يعرفوا عدلا قط). ووصف أيضا خراب بغداد فقال: (فأما المدينة فخراب، وهي في كل يوم الى الوراء مع كثرة الفساد والفسق، وجور السلطان، ويلخص حال العراق وفارس تحت حكم البويهيين بهذا القول البالغ الدلالة) فقال: (الرعية هامون والدور خراب والاقوات معدومة والجند متهاوجون). أما اقطاع الأراضي للتجار الأثرياء فالدافع إليها حاجة الدولة الى المال وقد أقطعت للتجار أراضيها لقاء دفع قسط من غلتها إليها. لقد كان هذا النظام الإقطاعي مع أن الخليفة الثاني عمر بن الخطاب رضى الله عنه قد سن قاعدة تقول: (سواد العراق ملك مشترك بين المسلمين)، لم يكن الخلل في النظام الاجتماعي يقل عن الخلل الذي رأيناه في الحياة السياسية والاقتصادية، ولم يكن للمسلمين وحدة اجتماعية متماسكة في هذا العصر. أو على الأقل شيء من التجانس، بل كانوا منقسمين إلى أحزاب وفرق وشيع يكره بعضهم بعضا، فقواد الجيش يقفون في القمة مطلقي التصرف في العباد والبلاد، وبلاط الملوك يعج بالنساء التي أوجدن كثيرا من الاضطرابات في توجيه السياسة ويأتي بعد هذا طبقة الاقطاعيين الذين عنوا بالزراعة واسترقوا المزارعين الصغار، ثم تأتي طبقة التجار الأغنياء. وأخيرا طبقة العامة التي يستثمرها كل الطبقات السابقة، وهكذا كانت البلاد في حالة استبداد سياسي، وخراب اقتصادي، وتفكك اجتماعي. لقد دخل المسلمون العظماء وهم في أوج حضارتهم في عصر جاهلي تموج بهم الشهوات القاهرة، وتعصف بهم الأنانية الجامحة، امتلأت قلوبهم بالحقد والكراهية لبعضهم بعضا. هذه العوامل وغيرها كانت سببا في انحرافهم عن الدين، والبعد عن تعاليمه السمحاء، فزادتهم تخاذلا وضعفا، فمن ذلك
следующие страницы →