المجتمع الجاهلي وكونوا مجتمعا راقيا تظله راية التوحيد، ورائده الكتاب والسنة، تسوده العدالة والمحبة والإخاء، والمساواة، فتحلى بالعلم والعرفان، وكان هدفه التقوى ونشر الدعوى الاسلامية بين الأمم والجهاد في سبيلها، لهذا سبقوا غيرهم في التقدم والحضارة وملكوا أعظم دولتي العالم لذلك الوقت، وبقي على ذلك هذا المجتمع زمن الرسول ﵌، وزمن خلفائه الراشدين رضوان الله عليهم أجمعين.
ولكن ما كاد يلتحق ﷺ بالرفيق الأعلى حتى بدأ الخلاف بين المسلمين أول ما بدأ في أمور اجتهادية كالخلاف الذي وقع في سقيفة بني ساعدة في تولية من يخلف الرسول في الحكم بعد وفاته، لأنه لم يوص الى أحد الى غير ذلك من الخلافات التي وقعت بين الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين على المسائل التي طرأت على المجتمع الإسلامي من بعد وفاة الرسول الأعظم لكنها لم تكن خطيرة ينجم عنها التفرق أو وقوع الفتنة.
كان اختلاف في السياسة، واختلاف على الشخص المتولى، واختلاف في بعض المسائل الاجتهادية من هذا الاختلاف لم يتجاوز الرأي المحمود الى الرأي المذموم الذى لا يتفق وقواعد الشرع.
ظل الامر على ذلك الى أن قامت الأحزاب السياسية، وظهرت الأغراض الشخصية والطموح الى السيادة هنا بدأ المسلمون يتفرقون أحزابا متعادية بعد ما كان يجمعهم حزب واحد الا وهو حزب الله الا أن حزب الله هم المفلحون.
ومن هناك بدأ الخلاف يخرج عن دائرة الرأي المحمود الى دائرة الرأي المذموم، واستفحل في هذه الآونة، وتعصب كل فريق الى حزبه، والدعاية له والدفاع عنه ولا يستطيع أي حزب أن يسلم للآخر فتصدعت الوحدة الاسلامية الى أحزاب مختلفة وفرق متناحرة التي بناها الرسول ﷺ وشادها الخلفاء الراشدون من بعده.
لم يظهر هذا التفرق بكل ما فيه من خطر على المسلمين إلا في عصر الدولة العباسية، أما قبل ذلك فقد كان المسلمون يدا
стр. 37
واحدة، وعقيدة واحدة إذا استثنينا ما كان من المنافقين الذين ينتسبون الى الاسلام وهم يضمرون الكفر ولأهله العداء.
أما ما وقع بين سيدنا علي كرم الله وجهه وبين معاوية رضى الله عنه من خلاف لم يكن له مثل هذا الخطر الذى وقع المسلمون فيه من القرون المتأخرة من حياة المسلمين وإن كان النواة التي قام عليها التحزب، ونبت عنها التفرق والاختلاف.
بعد ما انتهى عصر الخلفاء الراشدين استقرت السلطة العامة في أيدى بني أمية وأصبح التنافس عليها بين حزبين كبيرين وهما بنو هاشم وبنو أمية ولكل منهما أتباع ومن بعد آلت الى بني هاشم ولكن كان الدين مسيطرا على الجميع الا في الحكم فإنه انحصر في هذين الحزبين ولم يعد المسلمون هم الذين يعينون خليفتهم وإنما أصبح القوى من الحزبين هو الذى يتولى على السلطة ومن ثم يبايعه المسلمون بيعة عامة، لم يكن الحكم شورى كما نص عليه القرآن وكما كان في زمن الخلفاء الراشدين، تفرق المسلمون الى أحزاب متعادية بعد ما كان يجمعهم حزب واحد ألا وهو حزب الله ألا ان حزب الله هم المفلحون، وذلك بسبب العناصر التي انشقت عن الخلافة العباسية في بغداد واستلاء العنصر التركي على وظائف جيش الخلافة والذي فعل ذلك هو، الخليفة المعتصم وهو ثامن خلفاء العباسيين، لأنه واجه حروبا كثيرة في الداخل والخارج، فاتخذ جيشا من الترك خوفا من الجيش العربي ونفوذ العنصر الفارسي، فعين قادة الجيش منهم ليضمن لنفسه التفوق والنصر، ونسي المعتصم أنه بعمله هذا وضع السلاح في يد مجرم مأفون عاث في الارض فسادا بعد ما تمكن هؤلاء الأتراك من الجيش بدأوا يتصرفون في الخلفاء أنفسهم بتولية هذا ونزع هذا حسب مصلحتهم وأهوائهم، ومن بعد أصبحوا ينكلون بهم تنكيلا شنيعا، يقول الامام الشيخ محمد عبده ﵀: (فلم يكن بين عشية أو ضحاها حتى تغلب رؤساء الجند على الخلفاء، واستبدوا بالسلطان دونهم وصارت الدولة في قبضتهم، ولم يكن لهم ذلك العقل الذي راضه الاسلام والقلب الذى هذبه الدين بل جاء إلى الاسلام بخشونة الجهل، يحملون ألوية الظلم لبسوا الاسلام على أبدانهم ولم ينفد منه شيء الى
стр. 38
وجدانهم، وكثير منهم كان يحمل الهه معه - يعبده في خلوته ويصلي مع الجماعة لتمكين سلطانه) وقد كان لهذه الحالة التي سيطرت على الخلاقة في بغداد أثر خطير في العالم الإسلامي كله لان كثيرا من ولاة الأقاليم أدركوا أن الخلافة فقدت سلطانها، ولم تكن لها الهيبة التي كانت من قبل.
أصبح الأمراء في قبضة قادة الجيش فأنف ولاة الأقاليم من هذه الحالة التي صارت إليها الخلافة، فكثرت حركة الاستقلال في أجزاء كثيرة من العالم الإسلامي، وأعلنوا استقلالهم اللهم إلا ما كان من صلة تربطهم بالخليفة لأنه أصبح رمزا ليس له من النفوذ شيء.
وبهذا الاستقلال والخروج عن الخلافة الشرعية تصدعت الوحدة الاسلامية، وتشتت المسلمون شرقا وغربا.
انثلمت وحدة الخلافة وانقسمت على نفسها: خلافة عباسية في بغداد وكانت هذه الخلافة في آخر عهدها تقنع بالاسم فقط، وليس لها من النفوذ شيء، وخلافة فاطمية في المغرب العربي ومصر، وخلافة أموية في أطراف الأندلس، تفرقت بهذه الخلافات كلمة المسلمين، وانحطت رتبة الخلافة الى وظيفة ملكية فسقطت هبيتها من النفوس، فتفرق العالم الإسلامي الى دويلات، فتغلب بنو بويه على فارس، ومحمد بن إلياس على كرمان، ونصر بن احمد السلطاني على خرسان، والبريديون على واصل والبصرة والديلم، وأبو طاهر القرمطي على اليمامة والبحرين، ومحمد بن ظغج الاخشيدي على مصر والشام، كما كان المغرب العربي في أيدى الفاطميين، والأندلس في أيدى عبد الرحمان الناصر، ولم يكن هذا التقسيم ليضير المسلمين فقد بقيت هناك وحدة اسلامية لا تعترف بالحدود السياسية. وقد كان المسلم من أي قطر كان يستطيع أن يتنقل من مكان الى مكان آخر دون أن يجد أية صعوبة أو عنت.
أصبح طلاب الملك والرئاسة يعتمدون في الوصول الى الحكم على قوتهم وحدها معولين في ذلك على عصبيتهم الخاصة وبطانتهم وحاشيتهم. لا على المحبة والمشاورة من جماعة المسلمين، سن هؤلاء
стр. 39
الملوك والأمراء دساتير للحكم مخالفين بذلك أوامر الاسلام تبيح لهم ولأسرتهم وحاشيتهم الحكم المطلق الأبدي، وتجعل البلاد والعباد ملكا للجالس على العرش يتصرف فيها كيف يشاء، ولا يسأل عما يفعل، ولا يحب الانتقاد في شخصيته ولا في كلامه ولا في سلوكه، ولا يستطيع أحد من رعيته أن يحاسبه على أموال الرعية التي تتدفق عليه وعلى من يلوذ به من الأمراء وحاشيتهم ضارين بذلك أوامر الاسلام عرض الحائط تطورت الأحزاب السياسية التي نشأت في صدر الاسلام الى فرق دينية متعصبة لآرائها متطرفة متنابذة مع بعضها بعضا من شيعة، وخوارج، ومعتزلة وباطنية، ومرجئة، وقرامطة وغيرهم.
غرق العالم الاسلامي - حينذاك - في طوفان جامع غصوب من الجدل والخصام والثورات الدامية، ومحاربة بعضهم لبعض، فقضت هذه الفتن الداخلية على وحدته وأذهبت بقوته فكانت السبب الأكبر في انهيار أممه، وسقوط دوله وجمود مجتمعه وتخلفها عن الحياة الحرة الكريمة، وعزلها عن التقدم في العلوم والصناعات.
الحقيقة أن العالم الإسلامي لم يستقر منذ سقوط الخلافة العباسية، من ذلك الوقت، وهو في أخذ ورد، فدولة تسقط، وأخرى تطلع، وشعب ينفجر وآخر يجمد ويستكين، ودولة تسعى لجمع شتات المسلمين فتجد المقاومة الشديدة منهم ويرفعون راية العصيان في وجهها، ودولة تبرز لمحاربه دولة أخرى تستولي عليها بالقوة وتنكل برؤسائها وأمرائهما، وأخرى تعقد حلقا مع دولة أجنبية على محاربة المسلمين، وكل هذه الدول تزعم الاسلام.
الحياة الاقتصادية - في هذا العصر - كانت تعبيرا عن الفساد المنتشر فكانت هناك ثلاثة أنظمه مستعملة، أولا: نظام الالتزام أو الضمان، ثانيا: مصادرة الأموال، ثالثا: اقطاع الأراضي للتجار الاثرياء.
أما نظام الالتزام أو الضمان: هو أن يدفع شخص ما خراج ناحية الى الخليفة وهو يأخذه من سكان هذه الناحية، أو الاقليم، أكثر مما أعطى، أما مصادرة الأموال فقد أصبحت من الأمور المألوفة فشملت كافة رجال الدولة، فكل مسؤول يصادر
стр. 40
من هو دونه، ووصف المقديسي ضرائب فارس فقال: (لا تسأل عن ثقل الضرائب وكثرتها، وأهل فارس هم أنجع الناس بطاعة السلطان، وأصبرهم على الظلم وأثقلهم خراجا وأذلهم نفوسا، وهم لم يعرفوا عدلا قط).
ووصف أيضا خراب بغداد فقال: (فأما المدينة فخراب، وهي في كل يوم الى الوراء مع كثرة الفساد والفسق، وجور السلطان، ويلخص حال العراق وفارس تحت حكم البويهيين بهذا القول البالغ الدلالة) فقال: (الرعية هامون والدور خراب والاقوات معدومة والجند متهاوجون).
أما اقطاع الأراضي للتجار الأثرياء فالدافع إليها حاجة الدولة الى المال وقد أقطعت للتجار أراضيها لقاء دفع قسط من غلتها إليها.
لقد كان هذا النظام الإقطاعي مع أن الخليفة الثاني عمر بن الخطاب رضى الله عنه قد سن قاعدة تقول: (سواد العراق ملك مشترك بين المسلمين)، لم يكن الخلل في النظام الاجتماعي يقل عن الخلل الذي رأيناه في الحياة السياسية والاقتصادية، ولم يكن للمسلمين وحدة اجتماعية متماسكة في هذا العصر. أو على الأقل شيء من التجانس، بل كانوا منقسمين إلى أحزاب وفرق وشيع يكره بعضهم بعضا، فقواد الجيش يقفون في القمة مطلقي التصرف في العباد والبلاد، وبلاط الملوك يعج بالنساء التي أوجدن كثيرا من الاضطرابات في توجيه السياسة ويأتي بعد هذا طبقة الاقطاعيين الذين عنوا بالزراعة واسترقوا المزارعين الصغار، ثم تأتي طبقة التجار الأغنياء. وأخيرا طبقة العامة التي يستثمرها كل الطبقات السابقة، وهكذا كانت البلاد في حالة استبداد سياسي، وخراب اقتصادي، وتفكك اجتماعي.
لقد دخل المسلمون العظماء وهم في أوج حضارتهم في عصر جاهلي تموج بهم الشهوات القاهرة، وتعصف بهم الأنانية الجامحة، امتلأت قلوبهم بالحقد والكراهية لبعضهم بعضا.
هذه العوامل وغيرها كانت سببا في انحرافهم عن الدين، والبعد عن تعاليمه السمحاء، فزادتهم تخاذلا وضعفا، فمن ذلك
стр. 41
الوقت الى الآن لم يستطيعوا أن يتعاملوا بالإسلام فيما بينهم، وأن يحققوا الاتحاد والأخوة والمحبة المنشودة ليكونوا لهم كيانا، حتى يقوموا بشؤونهم وجمع شملهم وشتاتهم لينقذوا أنفسهم مما تردوا فيه من الفوضى، والاضطرابات الخطيرة.
فبسبب خروجهم عن تعاليم الدين الحنيف بدأوا يفقدون الحياة الاجتماعية فأصبحوا فارغين من جميع النظم الراقية، ولم يبق لهم من مقومات الحياة الا تقليد المجتمعات الجاهلية التي لا تؤمن بدين فصاروا يعملون بمقتضاها، ولم يدروا أنهم بذلك تنكروا للبقية الباقية من الاسلام.
بهذا الاعراض عن تعاليم القرآن أخذت عوامل الفساد والتحلل من أوامر الدين تعظم وتستشري حتى كادت تقضى على العقيدة الاسلامية من النفوس، وكان الفساد ينتشر بسرعة في هذه المجتمعات المائعة الماجنة، حتى قضى على الخلافة الشرعية التتار المتبربرون وتركت وراءها أمما مبعثرة من دويلات صغيرة تتوق الى الوحدة وتتوثب الى النهوض.
سبب هذا التدهور هي الخلافات السياسية والدينية وتنازع الرئاسة والانصراف عن العقيدة الى ألفاظ ميتة لا روح فيها والانغماس في أنواع الترف والنعيم، والاقبال على لذائذ الشهوات وإهمال العلوم العلمية، والمعارف الكونية وإضاعة الوقت فيما لا ينفع ولا يفيد، وتضيع الجهود في للهو والعبث والحياة الماجنة. والغرور بسلطانهم، والانخداع بقوتهم، وإهمال النظر في التطور الاجتماعي للأمم حتى أخذت في الاستعداد والأهبة فباغتتهم على غرة، وقد أمرهم القرآن الكريم باليقظة، وحذرهم من مغبة الغفلة والفرقة.
كان القرن الرابع الهجري مثلا واضحا على التغيرات الظاهرية والخفية التي عبثت بمقومات الأمة الاسلامية في هذا القرن.
هذا القرن كان هو العصر الذهبي الذى نضجت فيه الثقافة الاسلامية، وكان في الوقت نفسه قرن زوال مجد الخلافة، وانقسام الدولة الكبرى المترامية الاطراف الى دويلات متعددة.
стр. 42
توالت على المسلمين ظلم الحكام وبطشهم الشديد بالعلماء الاحرار، ومحاربتهم للعلم، وعدم تقيدهم بالكتاب والسنة، فضعف أمر الدين، وانطفأت مصابيح الهداية، وبالتالي فصل الدين عن السياسة وعدم صلاته بها. وكان هذا الخطأ في الفهم والسلوك في التطبيق كارثة المسلمين التاريخية.
كان الخليفة في صدر الاسلام رئيس الدولة. والمهيمن على شؤونها الادارية والسياسية والاقتصادية لكن في دائرة الدين الحنيف، وتطبيق للشورى ولما ضعف أمر المسلمين نشأت فكرة الخضوع للحاكم وإن كان مخالفا للعدالة القانونية الاسلامية.
ترك الملوك والرؤساء التشريع الإسلامي الذي هو روح الأمة وقلبها النابض ومكون شخصيتها ومجدد أخلاقها ومجدها ومنظم شؤونها، والموجه لها.
ولم يدر هؤلاء الحكام أت تحطيم التشريع الإسلامي هو تحطيم كامل لحياة الأمة ولجميع معنوياتها، وانهيار شامل لأخلاقها وتاريخها ومجدها كأمة بارزة لها كتاب سماوي، ودين هو خاتم الأديان، وعقيدة صحيحة سليمة من البدع والخرافات الوثنية.
المؤمنون الذين يقولون آمنا بالله وبرسوله ويكتفون بهذا الايمان، فإذا دعوا الى الله ورسوله ليحكم بينهم تولوا وهم معرضون. فما أولئك بالمؤمنين، بل في قلوبهم مرض لأنهم ارتابوا أو خافوا من أن يظلمهم الله ورسوله، إنما كان قول المؤمنين اذا دعوا الى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون، هذا الاعراض الشنيع الذي صدر من المسلمين عن كتاب الله وشرائعه، واستبدال الأدنى بالذي هو خير، أنه لمن اتباع الهواء المضلل، وإذا كان الدين لا يصلح للحياة ولا يؤدي لها نفعا ولا يقدم للمجتمع فائدة أيبقى بعد ذلك دنيا مقدسا كلا؟.
أما الطائفة التي اتبعت النبي ﷺ في تبليغ رسالته ونشر هديه فهي قائمه بالحق لا يضرها من خالفها وإنها
стр. 43
باقية الى يوم الدين، هذه الطائفة هم العلماء العاملون، هم المسلمون الحقيقيون الذين تمسكوا بما ورثوه عن نبيهم ﷺ هي الصفوة المختارة من الأمة حافظت على الاسلام ونشرته بين الشعوب، وحاولت الاصلاح بين الحكام المتكالبين على حطام الدنيا، والمتعطشين الى سفك الدماء في سبيل الوصول الى أغراضهم الشخصية. وحاولت التوفيق بين الجموع الهائجة والطوائف المارقة، والأحزاب المتنافرة ليوحدوا صفوفهم ويجمعوا كلمتهم ويلتفوا حول الاسلام ليقفوا صفا واحدا في وجه أعداء الله الذين يريدون أن يطفئوا نور الله ولكن بدون جدوى.
هؤلاء العلماء الربانيون اشتغلوا بخدمة كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ فبعضهم قام بالتعليم والتدريس، وبعضهم تصدى للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. والدعوة الى الاسلام في كل مكان، وبعضهم خاض غمار الحروب ليذب عن الشريعة الغراء والجهاد في سبيل إعلاء كلمة الله لتكون العليا وكلمة الذين كفروا هي السفلى، وكانوا يحاربون الظلم مهما كان، ومن أي انسان صدر، فيجهرون بالحق، ويصرخون به في وجه الحكام المتغطرسين، ولا تأخذهم لومة لائم في الله، فلقوا من طرف الولاة، ومن طرف العامة الدهماء أذى كثيرا وبلاء عظيما إلا أنهم صبروا على ذلك احتسابا لربهم واقتداء بنبيهم محمد ﷺ .
وآخرون تصدوا للتشريع فكانوا يستخرجون الاحكام من الكتاب والسنة وسيرة الخلفاء الراشدين، والصحابة الكرام، فتركوا تراثا ضخما ورصيدا عظيما من العلوم النافعة يستفيد منها المسلمون وغيرهم.
ولو عمل الملوك والأمراء من ناحيتهم ما عمله العلماء العاملون لما توقف زحف الاسلام (لأن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن).
والذي يتتبع حوادث العالم، ويتدبر كيفية انقلاب الأمم.
стр. 44
وخاض في تاريخ الاجيال الماضية والحاضرة يحكم حكما عدلا لا يخالطه شك ولا ريب بأنه ما حاق مكر السوء بأمة وما نزل بها البلاء والعذاب، وما مسها الضر في شيء إلا كانت هي الظالمة لنفسها بسبب تجاوزها لحدود الله، وانتهاك حرماته ونبذ تعاليمه القيمة وأوامره العادلة، وانحرافها عن سنته وشرائعه.
وصلت الامة الاسلامية الى هذه الحالة المزرية بالشرف والكرامة لأنها تنكرت لنعمة الاسلام الذى جمعها على التوحيد، وبه امتازت وسادت على المماليك والشعوب شرقا وغربا. ولما بدلت وغيرت غير الله ما بها. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (١)، ويقول أيضا: ﴿ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ﴾ (٢).
حظ الشعوب على مقدارها من الوحدة وما انحط شأن قوم وما هبطوا عن مكانتهم إلا من بعد رزئهم بالافتراق وابتلائهم بالشقاق والنفاق فيورثهم ذلك ذلا طويلا وعذابا وبيلا.
إن جشع السلطة الزمنية لهو أسوأ شكل المطموح، فهو السبب الذي لاقت منه الانسانية في حل زمان ومكان من بلايا ومحن أكثر من أي شكل آخر، فصاحب هذه السلطة لا يتردد في اختيار الوسيلة التي يستطيع عن طريقها أن يتوصل الى غايته ولو كانت عن طريق الجريمة، ومحاولة اصطناع المعروف ومكارم الأخلاق سواء بسواء فيتخذها لتضليل الناس ليبلغ أهدافه وغاياته، وهو لا يتردد في اتخاذ الدين خادما له وحينما يرتديه لباسا يكون لا أحد أقدر منه على خلق المشاكل والمصائب التي يتفتن في صبها على رؤوس البشر، هكذا فعل طلاب الملك بالأمة ولا زالوا يفعلون بها إلى الآن.
وبهذه الوسيلة سفكوا دماء غزيرة من أبناء جنسهم كل ذلك في سبيل الوصول الى السلطة والاحتفاظ بولاء الامة، فكانوا سببا في سقوط الخلافة الاسلامية التي هي ركن من أركان الدين
стр. 45
بعد ما تم تشييدها كما هو ظاهر من التاريخ، وخروجهم عنها يعد عصيانا ومخالفة لرسول الله ﷺ .
الأنانية التي اتصف بها حكام المسلمين، وشهوة الحكم المغروسة فيهم هما كانتا سببا في انقسام المسلمين الى طوائف وأحزاب متعادية، وهما أرغمتاهم على التقهقر الى عصر الجاهلية وملوك الطوائف.
قضى الملوك والأمراء على كل ما كان للمسلمين من حضارة قيمة وعلوم نافعة كانت المصدر الرئيسي لنهضة الغرب الجبارة وعلى النظام المحكم الذي شاده المسلمون الأولون على ضوء الكتاب والسنه، ومن ذلك الوقت كانوا يخرجون من ضعف الى أضعف ومن سيء الى أسوأ.
стр. 46
الغزو الصليبي المتكالب على المسلمين
نشأ عن هذه الحالة السيئة التي وصل إليها المسلمون من التشتت والتفرق، ونبدهم للحبل الذى كانوا يعتصمون به، وضعف الخلافة غزو خارجي صليبي عندما رأى الصليبيون أن شوكة المسلمين قد خضدت وأن قوتهم قد تلاشت وضعفت هجموا عليهم بقيادة الكنيسة بدعوى انقاذ القدس وأرض الميعاد من أيدي الكفار، وكان هذا الغزو في سنة ٣٤٥هـ وامتد من ذلك الوقت الى الآن على العالم الإسلامي كله شرقا وغربا، ومشى بصورة واحدة في جميع النواحي قسوة لا رحمة فيها، وفتكا بالأبرياء والضعفاء وتدميرا للحضارة والمنشآت العمرانية، وتشجيعا للفساد والخرافات ومحاربة العلم والعلماء.
بدأت الغزوات الصليبية التي كانت تهدف الى الاستيلاء على الأماكن المقدسة عند المسيحيين تتحدى الاسلام والمسلمين كلهم، وتهدد الجزيرة العربية التي هي مهد الاسلام، والدول المجاورة للشام، واستولى الصليبيون فعلا على القدس وعلى مدن الشام، وطمعوا في مدينة الرسول ﷺ ، وكانوا أكبر خطر على الإسلام والمسلمين بعد فتنة الردة.
وإننا نعلم علم اليقين أن جرائم الاضطهاد التي مارسها الصليبيون ضد المسلمين لم تكن أبدا بدافع ديني، بل الدافع الحقيقي هو خوفهم من رجوع الخلافة الشرعية، وانتشار الاسلام الذى ينتزع ما يحيطون به أنفسهم من هالات خادعة ويعريهم من قداسات مزيفة، أن ما حدث للمسلمين في الماضي على أيدي الصليبيين من الظلم الشنيع والجرائم التي ارتكبوها في حقهم لهو أكبر برهان على أن الدين المنسوب لسيدنا المسيح ﵇ كما يزعمون زورا وبهتانا، فقد فقد مبررات بقائه كدين، وأصبح أتباعه عبئا ثقيلا على الانسانية، بعد أن تحولوا الى قتلة وسفاكين ومصاصي دماء الشعوب.
стр. 47
تعاونت الدول المسيحية في القديم والحديث على محاربة المسلمين أين ما كانوا وتعاونوا تعاونا كاملا على إخضاعهم، ولما ثار عبد الكريم الخطابى زعيم الريف المغربي، على أسبانيا في القرن التاسع عشر الميلادى أثارت ثورته جميع الدول الغربية، فتراكضت هذه الدول إلى مساعدة أسبانيا ونجدتها لتتغلب على عبد الكريم زعيم القوة الإسلامية،
ويزعم الصليبيون بأن الإسلام قد انتشر بالسيف، ولهذا فإنهم يقاومونه بالسيف وهذه مغالطة مفضوحة، فإن السيف لم يستعمل إلا للقضاء على طغيان الأكاسرة وجبروت القياصرة لإنقاذ الشعوب المستضعفة التى أكلها الجهل والكفر وتلاشت إنسانيتها بين سندان الكنيسة، ومطارق الفئات الحاكمة، وانتزاع الحكم من أصنام بشرية أثبتت عجزها عن قيادة الإنسانية ولا يستطيع أحد من الأوربيين أو غيرهم أن يثبت أن أحد الخلفاء أو أحدا من ولاتهم قد أتوا بشخص واحد وخيروه بين الإسلام أو القتل، والإسلام لم يؤلف محاكم للتفتيش لإجبار الناس على الدخول في الإسلام كما ألفها المسيحيون لإرغام المسلمين على اعتناق المسيحية كالتفتيش الدى أقاموه في الأندلس، وفي روما وفي كل مكان.
الإسلام دين الفطرة ودين الحنيفية السمحاء، فهو يعرض نفسه بدون قوة ولا دعاية طنانة ومظاهر جوفاء، والنفوس بطبيعتها مهيأة لقبول ما يلائم فطرتها، بل الدين الإسلامى ينهى عن الإكراه في الدين، ويأمر اتباعه بأن تكون دعوتهم إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة.
ولما عجز الأوربيون عن مقاومة الإسلام في العلانية، فبدأوا يحاربونه في الخفاء ولم يتركوا أية وسيلة من وسائل الدس الرخيص والكيد اللئيم إلا وجربوها للقضاء عليه، وأما الجمعيات السرية والحركات الهدامة التى عاثت في كيان الأمة الإسلامية فسادا وتخريبا عبر القرون على أيدى الماسونيين وأعوانهم من جيش العميان والمرتزقة ما هى إلا أثر من أثر تلك الحروب ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [الصف: ٨]
стр. 48
يقولون: أن الإِسلام انتشر بالسيف ولكن تناسوا أن الحملات الصليبية التي جردتها أوربا لاستئصال شأفة المسلمين، والتي تحطمت على صخرة الصمود الإِسلامي بعد حروب ضارية دامت زهاء قرنين من الزمن وكذلك تناسوا محاكم التفتيش في الأندلس والتي كان حصادها ثلاثة ملايين من المسلمين، هذه المجزرة الشنيعة وقعت في صور وأشكال يندى لها. جبين الحيوان خجلا، فضلا عن الإنسان، لا ريب في أن مرد هذه الحروب الشديدة التي شنها الصليبيون على المسلمين في بلادهم يعدها مورخو الصليبية أنها على حق وصواب، وهذا ما ذهبنا إليه من أن العداوة التى كانت بين المسلمين والمسيحيين كانت عداوة دنيوية لا صلة لها بالدين، وإنما انحصرت عداوتها للإسلام لأنه هو الذي يجمع المسلمين ويكون منهم وحدة تقف في أي وجه عدو كان، ولهذا يريدون أن يمحوه من نفوس المسلمين، إن هذه الحروب تعود إلى ما قبل ألف عام فهل ثم مبرر لاستمرارها إلى أيامنا هذه.
إذا اعتبرنا أن أساس العداوة سياسى دنيوى لا روحى دينى أيقنا أن هذه العداوة من المسيحيين نحو المسلمين والإِسلام لا يزال لها مبرراتها لقد أبرز (لورنس بروان) الأمريكى في صورة واضحة عندما قال: (إذا اتحد المسلمون في أمبراطورية عربية أمكن أن يصبحوا لعنة على العالم وخطرا، وأمكن أن يصبحوا نعمة. أما إذا باتوا متفرقين فإنهم يظلون حينئذ بلا وزن ولا تأثير).
وإذا تأملنا العالم الغربي وجدناه عالما ملحدا لا يؤمن بدين، وعالما ماديا لا يعرف للروح معنى، إن أمريكا التي تعبد الحديد والذهب والبترول كما يقول أمين الريحانى قد غطت نصف الأرض بمبشرين يزعمون أنهم يدعون إلى حياة روحية وسلام دينى، وكذلك نرى فرنسا دولة علمانية في بلادها ولكن، نجدها الدولة التي تحمى رجال الدين في الخارج، إن اليسوعيين المطرودين من فرنسا هم خصوم لها في الداخل وأصدقاؤها الحميمون في مستعمراتها، وكذلك إيطاليا التي ناصبت الكنيسة
стр. 49
العداء، وحجرت على البابا في الفاتكان، كانت تبنى جميع سياستها الاستعمارية على جهود الرهبان والمبشرين حتى روسيا السوفياتية التي تدعو في بلادها إلى الإلحاد، ومحاربة الأديان رأيناها بعد الحرب العالمية الثانية، حينما أرادت أن تحقق لنفسها نفوذا توسعيا سياسيا، فتظاهرت بالعطف على رجال الدين، ودعت إلى مجمع مسكونى في موسكو وحملت إليه المؤتمرين في طائراتها، ثم شرف ستالين نفسه أولئك المؤتمرين بمقابلتهم، وكذلك الإنكليز.
ونقتبس من كاتب أوربي منصف، وهو الدكتور غوستاف لوبون بعض الفقرات مما دونه عن الحروب الصليبية ليكون شاهدا علي بني جنسه.
قال: كانت أوربا ولا سيما فرنسا في القرن الحادي عشر الميلادى الذي جردت فيه الحملة الصليبية الأولى في أشد أدوار التاريخ ظلاما، وكان النظام الإقطاعى يأكل فرنسا التي كانت مملوءة بالحصون التي كان أصحابها -وهم من نصف البرابرة- يقتتلون على الدوام، ولا يملكون سوى أناس من العبيد الجهال، ولم يكن في ذلك الحين لسوى البابا نفوذ شامل وكان الناس يخشون البابا أكثر مما يحترمونه.
وكانت دولة في الشرق قائمة وهي القسطنطينية مع انحطاطها عاصمة لدولة كبرى لا تنتهى فيها المشاحنات والمنازعات.
وكانت دولة العرب في تفكك وانحلال، ولكن حضارتها كانت محافظة على سلطانها القديم.
فالحروب الصليبية التي نشبت في ذلك الحين لم تكن سوى نزاع بين قوم من الهمج الأوربيين وبين حضارة المسلمين التي كانت تعد من أرقى الحضارات التي عرفها التاريخ.
وكان أكثر قوافل الحجاج الأوربيين إلى بيت المقدس تكون فيالق عسكرية أكثرها من جماعة الحجاج، فكان بها بارونات وفرسان عسكرية طالما هاجمت الأعراب والتركمان، فاضطر
стр. 50
هؤلاء الى الدفاع عن أنفسهم، وبخاصة أن التركمان الذين قاموا مقام العرب في سوريا كانوا أقل تسامحا من العرب فألزموا حجيج النصارى دخول القدس بخضوع، ولم يسمحوا لهم بالدخول في شكل عسكري وعلى ضوء المشاعل كما كان العرب يسمحون بذلك.
وزار بيت المقدس الراهب بطرس الناسك، فاغتاظ لما رأى من معاملة المسلمين للنصارى، وخيل إليه أنه مبعوث الرب لإنقاذ الأراضي المقدسة من الكفار، واستعان بالبابا أريان الثاني فأيده، الأمراء الاقطاعيون، وبخاصة أن المسلمين كانوا يهددون القسطنطينية، ويحاولون الاستيلاء عليها، ولقد لعبت أطماع التجار والأمراء دورا كبيرا في تنشيط هذه الحركة.
وفي ربيع سنة ١٠٩٦م بدأت الجيوش الأوربية تزحف، ولكنها تعرضت الى مجاعات وأمراض فتاكة ومن نجا منها عمل في السلب والنهب والتدمير، وقد روت (أن لومن) بنت قصير الروم أنه كان من أحب ضروب اللهو عند الصليبيين قتل الأطفال وتقطيعهم إربا إربا، ولكن هذه الجيوش الهمجية العاطفية لم يكن لها غناء وإنما فنى أفرادها بالأوبئة والمجاعات والفتن الداخلية، ثم بدفاع العرب وتلا ذلك الزحف جيش ضخم قوامه مليون أوربي يقودهم الأمراء والملوك وقد استولى ذلك الجيش على القدس في يوليو سنة ١٠٩٩م ويقول غوستاف لوبون: لم يكتف قومنا الصليبيون الأتقياء بضروب العسف والتدمير والتنكيل التي اتبعوها، فعقدوا مؤتمرا أجمعوا فيه على إبادة جميع سكان القدس من المسلمين واليهود وخوارج النصارى الذين كان عددهم ٦٠ ألفا فأفنوهم عن آخرهم في ثمانية أيام، ولم يستثنوا منهم امرأة ولا وليدا ولا شيخا، ويقول غليوم الصوري: أن الصليبيين كانوا من السفهاء الفاسقين والملاحدة المارقين، ولو أراد كاتب أن يصف رذائلهم الوحشية لخرج من طور المؤرخ ليدخل في طور القادح الهاجي.
وتوالت بعد ذلك الحروب بين المسلمين والصليبيين، وقد تم طردهم من القدس على يدي صلاح الدين الأيوبي، ودخل القدس وأسر ملكها سنة ١١٨٧م وأنهى سلطان الصليبيين عليها،
стр. 51
ولكنه كما يقول غستاف لوبون: لم يشأ أن يفعل ما فعله الصليبيون الأولون في المسلمين وقد وجد هؤلاء في حماه أمنا وسلاما.
انزعج ملوك أوربا لاسترداد المسلمين القدس، فتألفت حملة ضخمة سنة ١١٨٩م يقودها أقوى ملوك أوربا وهم: فليب أوغست ملك فرنسا، وفريدريك بابا، وولى قيصر ألمانيا، وريتشارد قلب الأسد ملك انكليترا، ولم يكن لهذه الحملة من أثر إلا القتال والتدمير في أثناء الانتصارات الصغيرة التي كان يحرزها المهاجمون.
ومن الحملات التي كان يقودها ملوك أوربا أيضا الحملة التي قامت من فرنسا بقيادة ملكها سان لويس سنة ١٩٤٨م وقد اتجهت هذه الحملة الى الاستيلاء على مصر ولكن الجيش المصري هزمها وأسر الملك وسجنه في دار ابن لقمان في المنصورة وبعد مائتي سنة من الصراع المرير استطاع المسلمون أن يستردوا بلادهم من أيدى الصليبيين السفاكين.
وقد بدأت انتصارات المسلمين تتضح على يد نور الدين زنكي سنة ١١٤٦م وجاء بعده صلاح الدين الأيوبي فحقق أعظم انتصارات للمسلمين، وبخاصة في معركة حطين التي أدت الى الاستيلاء على عكا ونابلس والرملة، ويافا، وبيت المقدس التي سقط ملكها أسيرا في أيدى المسلمين كما سبق.
وفي عهد السلطان بيبرس سنة ١٢٦٠ - ١٢٧٧م تهافتت الممالك الصغيرة التي كانت في أيدى الصليبيين على ساحل البحر الأبيض المتوسط وفي سنة ١٢٩٣م سقطت آخر مدينة لاتينية في يد ملك مصر السلطان الأشرف خليل، وانتهى بذلك الصراع الذى شنته أوربا الصليبية على المسلمين.
هذه هي أعمال أوربا التي جعلت تدمير المسلمين نصب أعينها ولكن من لطف الله أن وجدت في استقبالها بقية من بقيت الايمان وفي مقدمتها الملك المسلم ألا وهو صلاح الدين الأيوبي وغيره من الملوك رجع هذا الانتصار الى نفوس المسلمين الطمأنينة بدينهم وحفظ لهم كرامتهم وشرفهم. وبعد ما فشل الصليبيون في
стр. 52
حملتهم القوية خرجوا من أرض الميعاد مطرودين مهزومين.
وفي الختام نتكلم على تعاليم سيدنا المسيح ﵊ كيف اعتنقها الصليبيون، أراد هؤلاء، أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويقضوا على ما كان للإنسانية من عقائد ربانية وتراث مجيد، وتقاليد سامية يكشف المؤرخون والباحثون في الأديان السماوية عن حقائق مذهلة لأعظم جريمة اقترفها اليهود في حق الانسانية على يد بولس وشركائه من مؤسس الماسونية الذين تظاهروا باعتناق المسيحية لنسفها من الداخل، وتحويلها من دين مثالي كلما جاء به السيد المسيح ﵊ الى مجموعة من الأساطير والخرافات الوثنية كما هي عليها الآن.
عندما يطالع الانسان الاناجيل أو ما كتبه المسيحيون في شرحها فلا يحصل على طائل من الدين الصحيح، وكل إصحاح ينقض ما قبله، وكل جملة تهدم ما بعدها فلا هي كتب علم ولا هي كتب دين، وإنما هي مجموعة من أساطير وقصص وحكايات وروايات خاوية من كل معنى خالية من كل مضمون، لو وجه سؤال الى أي مسيحي مهما كانت درجته العلمية أن يبين حقيقة الدين المسيحي وما يعتقده في شخصية المسيح ﵇ تصويرا حقيقيا يرضى به العقل ويطمئن اليه القلب لما استطاع ذلك، أذ كيف يستطيع وهو يتلقى من صغره بأن الثلاثة تساوي الواحد والواحد يساوي الثلاثة، وأن عيسى ﵇ مكون من ناسوت ولا هوت، وأن طبيعة اللاهوت خلقت طبيعة الناسوت لأجل أن يكون كبش الفداء على البشرية التي تنوء بالخطيئة الأولى.
ان علماء التاريخ المسيحي يقرون بأن الأناجيل الأربعة المتداولة قد تم اختيارها من بين حوالى مائة انجيل كانت منتشرة بين المسيحيين في القرن الرابع الميلادي، ومن المعلوم بالضرورة أن المسيح ﵇ قد أتى بإنجيل واحد، وهم لا يستطيعون أن يثبتوا أن أحد الاناجيل الاربعة مطابق بنفسه ومعناه للإنجيل الذى جاء به المسيح ﵇ لذا فمن المحتمل أن يكون الانجيل الأصلي الحقيقي واحد من الأناجيل التي زعموا أنها كاذبة وأسقطوها، واذا وجد الاحتمال بطل الاستدلال، لأجل هذه الأساطير تحشد عصابات التبشير كل طاقتها لتخريب ضمائر
стр. 53
المسلمين، وزعزعة عقائدهم، لتصرفهم عن عبادة الله الواحد الأحد الذى لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، الى عبادة آلهة ثلاثة، وهم الى الآن لم يعرفوا الخالق من المخلوق ولتنقلهم من دين الاسلام الحنيف الى دين سداه الوثنية ولحمته الشرك، والخرافات جزء منه لا يتجزأ ويسمونه دين المسيح زورا وبهتانا، والمسيح ﵇ بريء منه، وهذه العصابة من المبشرين هي من دول الاستعمار، فإنه يساندها ويرصد لها الأموال الطائلة، ويجند لها الطاقات، ويبلغ ما ينفق عليها عشرات الملايين من الدولارات بل المآت الملايين.
وعلى الرغم مما قامت به هذه العصابات من هجمات مسعورة على الاسلام والمسلمين، وعلى النبي محمد ﷺ ، فإننا مع الأسف لا نجد من المسلمين ردود فعل تتناسب مع ما يبذله المسيحيون من جهد مستميت في هذا المضمار، واذا وجد من يريد أن يدلى بدلوه، فإنه لا يلبث أن يفاجأ بالعراقيل توضع في طريقه، وبالمعوقات تنشط عزائمه، وممن من أبناء جلدته فيصمونه بالطائفية، ومن السخرية والاحتقار للإسلام جعل حكام المسلمين في دساتيرهم التي سطروها (الاسلام دين الدولة الرسمي)، ووضعوا بعده ألف مادة لهدمه وتأتى على بنيانه من القواعد، ولعل المسلمين لا يدرون بأن الحروب الصليبية التي اشعلت ضد الاسلام والمسلمين منذ أكثر من ٨٠٠ سنة لا تزال باقية الى الآن، ولكن في اشكال وصور مختلفة، ولا زلنا نعانى من آثارها في الفلبين والحبشة والسودان، وفي نجيريا وتيلاندا، وفي بلقاريا والتشاد، وفي فلسطين وغيرها وستبقى هذه الحروب وتدوم الى أن يرث الله الأرض ومن عليها كما قال الجنرال الإنجليزي عندما فتح فلسطين ودخل القدس الشريف وقف وقال: (الآن انتهت الحروب الصليبية) وهو كاذب لأن أحداث الساعة تدل على استمرارها.
стр. 54
زحف التتار على الممالك الاسلامية الشرقية
لم يتأثر المسلمون بالحروب الصليبية التي دامت زهاء قرنين من الزمن واتحدت الكنيسة مع أوربا على حريهم، ورغم هذا لا زالوا مختلفين ومتنابذين ولم يسلم بعضهم لبعض، ولم ينظروا في الخطر الذى يهدد كيانهم جميعا، ولم يرجعوا الى الدين الذى يوحد بينهم ليقفوا صفا واحدا في وجه الغزو المتكالب عليهم من كل ناحية، ويجعلوا حدا لهذا الافتراق الشنيع الذى تأصل في نفوسهم، وأسلمت هذه الحالة - اي حالة الصليبيين - الى حالة أخرى هي أدهى وأمر من سابقتها، الا وهو زحف المغول على الممالك الاسلامية الشرقية وتحطيمها تحطيما شنيعا، وأنهى بذلك الخلافة العباسية الرمزية وتدمير الحضارة البغدادية، ننقل بعض الفقرات من التاريخ. كيف اكتسح التتار الممالك الاسلامية وتخريبها. بيد أن الصليبيين كانوا في الشام ومصر وآسيا الصغرى، وداروا حول هذه الدوائر، ولم يتجاوزوها.
أما هجوم التتار الكاسح فقد انساب من أقصى الشرق لا يلوي على شيء الا جعله ركاما ولا على قوم الا جعلهم رميما حتى وصلوا الى الشام واستولوا على أكثره، وراموا مصر، ثم ارتدوا على أدبارهم خاسئين أمام جيش مصر والشام.
ولتذكر كلمة لابن الأثير في وصف التتار وما كان منهم في القرن السابع الهجري فإنها كلمة بليغة مصورة قال ﵀: لقد بقيت عدة سنين معرضا عن ذكر الحادثة استعظاما لها كارها لذكرها، وها أنا أقدم رجلا وأؤخر أخرى، فمن الذى يسهل عليه أن يكتب على نعى الاسلام والمسلمين ومن الذي يهون عليه ذلك، فيا ليت أمي لم تلدني، ويا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا، الى أن حثني جماعة من الاصدقاء على تسطيرها، وأنا متوقف، ثم رأيت أن ترك ذلك لا يجدي نفعا فنقول: (هذا الفعل يتضمن ذكر الحادثة العظمى والمصيبة الكبرى التي عقمت الأيام والليالي عن مثلها عمت الخلائق وخصت المسلمين، فلو
стр. 55
قال قائل ان العالم مند خلق الله سبحانه، وتعالى آدم الى الآن لم يبتلوا بمثلها لكان صادقا، فإن التاريخ لم يتضمن ما يقاربها ولا ما يدانيها ...
ولعل الخلق لا يرون مثل هده الحادثة الى أن ينقرض العالم، وتفنى الدنيا الى خروج يأجوج ومأجوج، هؤلاء لم يبقوا على أحد بل قتلوا النساء والرجال والاطفال، وشقوا بطون الحوامل وقتلوا الأجنة (فانا لله وانا اليه راجعون)، ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم لهذه الحادثة التي استطار شررها وعم ضررها، وسارت في البلاد كالرياح ... ان قوما خرجوا من أطراف الصين فقصدوا بلاد تركستان ... ومنها الى بلاد ما وراء النهر فملكوها ... ثم تعبر طائفة منهم الى خرسان فيفرغون منها ملكا وتخريبا وقتلا ونهبا، ثم يتجاوزونها الى الري وهمدان الى حدود العراق، ثم يقصدون بلاد أذربيجان ويخربونها ويقتلون أكثر أهلها ولم ينج منها إلا الشريد الطريد النادر في أقل من سنة هذا ما لم يسمع بمثله أحد، ثم قصدوا بلاد قفجاق، وهم من أكثر الترك عددا، فقتلوا كل من وقف لهم، فهرب الباقون إلى الغياض وراء الجبال. وفارقوا بلادهم، واستولى هؤلاء التتار عليها، فعلوا هذا في أسرع زمان. ولم يلبثوا الا بمقدار سيرهم لا غير، ومضت طائفة أخرى غير هذه الطائفة الى غزنة وما جاورها من بلاد الهند وسجستان وكرمان ففعلوا بها مثل ما فعل هؤلاء، وأشد، هذا مما لم يطرق الاسماع مثله، فان الالسكندر الذي اتفق المؤرخون على أنه ملك الدنيا لم يملكها في هذه السرعة، وانما ملكها في نحو عشر سنين، ولم يقتل أحدا، وإنما رضى من الناس بالطاعة، وهؤلاء قد ملكوا أكثر المعمورة من الأرض وأحسنها عمارة وأهلا، وأعدل أهل الأرض أخلاقا سيرة في نحو سنة، ولم يبت أحد من الناس ومن البلاد التي لم يطرقوها إلا وهو خائف يتوقعهم. ويترقب وصولهم اليه، ثم أنهم لا يحتاجون الى ميرة ومدد يأتيهم فإنهم معهم الاغنام والبقر، والخيل وغير ذلك من الدواب يأكلون لحومها لا غير، وأما دوابهم التي يركبونها فإنها تحفر الأرض بحوافرها وتأكل عروق النبات، ولا تعرف عن الشعير، فهم إذا نزلوا منزلا لا يحتاجون الى شيء من خارج.
стр. 56
وأما ديانتهم فانهم يسجدون للشمس عند طلوعها، ولا يحرمون شيئا، يأكلون جميع الدواب حتى الكلاب والخنازير وغيرها، ولا يعرفون نكاحا بل المرأة يأتيها غير واحد من الرجال فإذا جاء الولد لا يعرف من أبوه.
هذا وصف لأولئك الذين ابتلى بهم العالم الإسلامي في القرن السابع الهجري، واختص المسلمون بهذا البلاء، ولقد انساب أولئك المغول في الديار الاسلامية حتى فضوا على عاصمة الخلافة قال الأستاذ أنور: لا يعرف الاسلام من بين ما نزل به من الخطوب والويلات خطبا أشد من هؤلاء من غزوات المغول، فقد انسابت جيوش جنكيز خان انسياب الثلوج من قمم الجبال، واكسحت طريقها العواصم الاسلامية، وأتت على كل ما كان لها من مدنية وثقافة، يقول الخميسي في تاريخه في سنة ستة وخمسين وستمائة هجرية: وصل الطاغية هولاكو حفيد جنكيز خان الى بغداد بجيوشه ونزل قائده باجنوس على بغداد من غربها وهولاكو من شرقها، ثم خرج اليه الخليفة العباسي في أعيان الدولة وأكابر الوقت، فضرب المغول رقاب الجميع، وقتل الخليفة وداسوه بالخيل، ودخل التتار المدينة وأقسموها وعمل السيف فيها أربعة وثلاثين يوما وقل من أسلم من سكان المدينة فبلغت القتلى ألف وثمانية مائة نسمة، وقد نهب المغول دار الخلافة لم يبق فيها شيئا، ثم أحرقت بغداد بعد أن قتل أكثر أهلها) انتهى ...
ويقول الأستاذ أبو زهرة ﵀ أحب أن أشير هنا إشارة عابرة الى الاستيلاء على بغداد قصبة الاسلام، أو تخريبها كما هو التعبير الدقيق، ففي خبرها العبرة ان بغداد لم تبتل فقط بالتتار وهم بلاء في الأرض وشر مستطير، وهم وحدهم كافون لإزالة كل حضارة، وتقويض كل قائم بل ابتليت بغداد بمن فيها، فقد كان فيها اليهود والنصارى قد مالئو التتار، وكاتبوهم وكان فيها من هو أمر وأدهى وهو العلقمي وزير المعتصم آخر خليفة عباسي كان مقيما في بغداد، فإن ذلك الوزير كان شيعيا غالبيا ارتضى لنفسه أن يماليء عبدة الشمس والتتار على عبادة الواحد القهار وخان دينه وخان بلاده، وخان الفضيلة، قد عمل على إضعاف جند بغداد فقد كان فيهما عند توليه مائة ألف جند معهم
стр. 57
الشبكة والسلاح والعدة والعتاد وكان فيهم الأمراء الأكابر الذين كانت لهم حمية الأسود الكواسر، فلم يزل في تقليل العدد حتى أصبح نحو عشرة الآلاف ثم أطمع التتار، وكشف لهم الحال، وضعف الرجال، فجاءوا، ولم يكتف بالذي قدمه بل انهم عندما أقبلوا كالوحوش الضارية حسن للخليفة مصالحتهم على أن ينزل على نصف خراج العراق، ويكون للخليفة النصف الآخر فرضى، وذهب الخليفة ليفاوض فأعاده هولاكو مذموما مدحورا اذ قد أشار الوزير العلقمي في الوقت نفسه على هولاكو ألا يقبل المصالحة لأن الخليفة ينقضها بعد سنة، وأشار عليه بقتله، وأيد العلقمي نصير الطوسي الذى كان في صحبة هولاكو وخدمته.
قتل الخليفة بإشارة الروافض، وانساب التتار، يقتلون ويخربون في بغداد ولم ينج من أهل بغداد الا اليهود والنصارى ومن لجأ الى العلقمي، فهؤلاء وحدهم كان لهم الأمان، أزيلت قصبة الدولة الاسلامية على أيدى عبدة الشمس، وأغراهم بعض الشيعة فلم هذا؟ لم يؤتون حكم الطاغوت على حكم المسلمين؟ لعل السبب في ذلك أنهم يرون في المسلمين الذين يخالفون طريقتهم ضلالا، وهذا السبب عام، ومن هناك سبب خاص لعله كان أقوى تأثيرا، وذلك أنه كان في سنة هـ وهى سنة السابقة على تخريب بغداد، كان بين أهل السنه والرافضة حرب مذهبية نهب فيها بلاد الكرخ ومحلة الرافضة، حتى نهب دور أناس ذوى قرابات للعلقمي، فأثار ذلك حنقه وهياجه على أن دبر للإسلام وأهله ما وقع من الأمر الفظيع الذى لم يؤرخ أبشع منه منذ بنيت بغداد (١).
وسواء أكان القتال بين الرافضة وغيرهم ما يبرره فان هذا يعطينا صورة عن هذا العصر كيف كان المسلمون في هذا الزمن، والبلاء بلاء وهو ابادة لا تبقى ولا تذر، ولا تفرق بين مذهب ومذهب كانوا يتناحرون في نحلهم، هؤلاء يقتتلون والتتار قد أزالوا كل ما وراءهم من بلاد، ثم تعطينا صورة أخرى أشد اقتاما، تبين كيف يعمى التعصب المذهبي القلب والبصيرة،
стр. 58
فيقدم وزير أعطى أمانة الخلافة والملك، فيوعز الى من لا دين لهم ولا أخلاقا ليتحكموا في أهل دينه فيبيدونهم عن آخرهم، وهذا الصنف من الخونة كثير في المسلمين لا يخلو منهم زمان ولا مكان، وهم سبب الكوارث للمسلمين في جميع العصور لأنهم منافقون لا يؤمنون بالدين، ثم تبين لنا أيضا كيف يخون اليهود والنصارى المسلمين عند اشتداد الأزمة ويؤلبون أعداء الاديان وأعداء بنى الانسان على من عاهدوهم وحموهم وآووهم، ولكن هي الحفيظة الدنيئة تدفع الى الأذن من غير نظر لعهد ولا لأمانة ولا لمصلحة اجتماعية.
لقد دخل التتار حلب الشام بعد بغداد، وذهبوا الى دمشق فاستولوا عليها واستولوا على القلعة بعد مصالحة أحد أمرائهم واسمه (ابلاسان) فقرب النصارى اليه، وهم تقربوا الى هولاكو، قد هبت اليه طائفة من النصارى معها الهدايا والتحف جاءت من عنده بأمان أعطاه لها الطاغية. وكان ذلك وصلا لما بدئ من قبل في بغداد، بل في كل مدينة دخلها التتار ولنترك الكلمة لأبن كثير يشرح ما كان منهم فقد قال: (دخلوا من باب توما ومعهم صليب منصوب يحملونه على رؤوس الناس وهم ينادون بشعارهم ويقولون ظهر الدين الصحيح، دين المسيح، ويذمون دين الاسلام وأهله، ومعهم أوان فيها خمر لا يمرون على باب مسجد الا رشوا عنده خمرا قماقم ملآنة خمرا يرشون منها على وجوه الناس وثيابهم، ويأمرون كل من يجتازون به في الازقة والأسواق أن يقوم لصليبهم، فتكاثر عليهم المسلمون فردوهم الى سوق كنيسه مريم، فوقف خطيبهم فمدح دين النصارى، وذم دين الاسلام وأهله) (فانا لله وانا اليه راجعون).
ولكن أن الاسلام قد استطاع أن يصل الى قلوب هؤلاء المغول فقد كان الملوك من بعد هولاكو مسلمين، وان لم يذق التتار بشاشة الاسلام الا من بعد فترة من الزمن، الحقيقة أن موقف المسلمين من القرآن في هذا العصر ومن بعده مثلهم كمثل جماعه أحاط بهم الظلام من كل مكان، فهم يتخبطون فيه ويسيرون على غير هدى، فتارة يقعون في هاوية وأخرى يصطدمون بحجر، وثالثة يصطدم
стр. 59
بعضهم ببعض، ولا يزالون هكذا يخبطون خبطا عشوائيا ويسيرون في ظلام دامس مع أن بين أيديهم زرا كهربائيا لو وصلت اليه أصابعهم فإن أدنى حركة يسيرة يمكن أن توقد مصباحا مشرقا منيرا، هذا مثل المؤمنين وموقفهم من كتاب الله (كالعيس في البيداء يقتلها الظمأ، والماء فوقا ظهرها محمول) لا يستطيعون سبيلا الى الهداية وبين أيديهم النور الكامل يقول الله : ﴿وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (١) ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٢) ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٣) ويقول في حق الكافرين: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ ولكن فما بال المؤمنين الذين آمنوا بالله وصدقوه وأحبوه واعتقدوه ولا يخلو بيت من بيوتهم من كتاب الله، قد أعرضوا عنه ان أهل الكفر قد خدعوا المسلمين عن نورهم، وأبعدوكم عن هديهم، وضللوهم عن طريقهم، وأمسكوا بأصابعهم على أن لا تمس الزر الكهربائي - ألا وهو القرآن الكريم - لينير لهم الحياة خدعوهم بالسياسة، وتارة بالعلم الدنيوي ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ وطورا بالمال، وأخرى بالشهوات وخاصة بالخداع وتاره بالقوة والقهر والجبروت، فكانت النتيجة أن المسلمين اتبعوا الكافرين، وقد حذرهم الله من ذلك بقوله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ﴾ (٤) ولما سبق في علم الله أن الكفار يهددون المسلمين بما بين أيديهم من قوة وبأس، فأراد أن يستأصل من قلوبهم هذه الشبهة فقال: (سنلقى في قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا ومأواهم النار وبئس مثوى الظالمين) ثم يذكر الله حادثة تطبيقية مقرونة بالدليل قال: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ
стр. 60
بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١) هكذا يحذر الله المؤمنين بالقرآن من أن ينهجوا منهج الكفر، فيقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾ (٢) فأهل الكفر مطبوعون على الخداع وعلى الكيد لأهل الايمان ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ (٣) ﴿إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ﴾ (٤) ويجب على كل مؤمن أن يبرأ من محبة الكافر، قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ فهذا تصوير صادق لعاطفه أهل الكفر نحو أهل الايمان، ومع هذا فقد نسي المسلمون التحذير ﴿هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ (٥)، ورغم هذا التحذير؟ ورغم أن كتاب الله قد كشف عن أنفسهم هذا الكشف بعد كل هذا أنهوى بأنفسنا الى الهاوية؟ ونسير في أذناب أهل الكفر، ونعمل كما يعمل أهل الكفر. وهم يخدعوننا عن هذا بكل وسيلة وبكل أسلوب.
ولما دخل التتار الى الاسلام وأصبحوا بعض أتباعه فعادت أوربا من جديد تتحفز وتعد العدة لاستناف نشاطها الحربي على العالم الإسلامي واتجهت في هذه المرة الى الهجوم على تركيا زعيمة العالم الإسلامي وموطن الخلافة الاسلامية، وعلى من اتبعها من الممالك الاسلامية.
стр. 61
تركيا والغرب
رجعت الخلافة الاسلامية - من بعد ما عصفت بها الأحداث من الداخل والخارج - ولكنها لم ترجع الى العرب ولا الى قريش، بل استولى عليها الأتراك، ودخلوا الى أرض المسلمين باسم الاسلام، فانظم اليهم المسلمون أينما كانوا الا قليلا ممن لازم الحياة، شهد القرن السادس عشر الميلادي دولة إسلامية كبرى - هي تركيا - تقيم إمبراطورية اسلامية من أكبر الإمبراطوريات التي عرفها التاريخ، ويأخذ سلطانها لقب الخليفة، وأصبح مركز الخلافة في القسطنطينية عاصمة البيزنطيين سابقا، فانضم الى هذه الخلافة الجزيرة العربية ومصر والشام، والعراق والجزائر وتونس. وشهد هذا القرن تلك الإمبراطورية الاسلامية القوية التي أصبحت تهدد أوربا، واحتلت منها جزءا غير قليل، وهو ما يعرف الآن باسم (رومانيا وبلغاريا واليونان، ويوغسلافيا وألبانيا، والمجر)، وجعلت لها كلا من البحر الأسود والبحر الأبيض بحيرة اسلامية، وقد كان لها أسطول بحر كبير، وجيش قوى عتيد، وتسمت باسم الخلافة العثمانية، وأصبحت مصدر رعب لأوربا وذعر للمسيحيين، كيف كان موقف الغرب أمام هذه الإمبراطورية الاسلامية الكبرى، وأوربا إذا شاهدت دولة عظمى للمسلمين لا يستقر لها قرار حتى تقضي عليها.
يقول الأستاذ محمد حبيب تألبت الدول الأوربية على الخلافة الاسلامية، واجتمعت كلمة المسيحيين على الوقوف في وجه التيار الاسلامي الجارف، وعقدت المعاهدات وتظافرت القوى والجهود لهذا الغرض، وكان من سوء حظ الخلافة الإسلامية أن ظهرت هذه الحركة الأوربية في وقت كان سلاطين آل عثمان قد انغمسوا في الترف واستسلموا للدعة والنعيم والشهوات.
وقد اتخذ الصراع ضد تركيا شكلا دينيا واضحا اذ تكون ضدها حلف مقدس من النمساويين وبولندة والبندقية، وكان لهذا
стр. 62
الحلف أثر كبير في التغلب على تركيا حتى تضعضعت قوتها، ثم دخلت روسيا في حرب معها باسم الدين، هذه الحرب تؤيدها جميع الدول الأوربية وأشعلوا فيها الفتن والثورات من الداخل حتى من العرب أنفسهم، وألبوا عليها كل الممالك التي كانت تحت يديها فبعضها استقل عنها كمصر والجزيرة العربية وبعضها في طريق الاستقلال، وأنزلت هذه الحروب والفتن التي كانت من الداخل والخارج بالخلافة الاسلامية ضربات قاصمة وخسائر فادحة، وكانت نتيجة هذه الأحداث العظيمة أن هوت تركيا من شاهق وهان أمرها وضعف شأنها حتى أصبحت تعرف بالرجل المريض .... وهكذا حطم الغرب المسيحي الخلافة العثمانية، واستولى على الأقطار العربية التي كانت تكون أكبر جزء في جسم الخلافة.
احتلت فرنسا الجزائر سنة ١٨٣٠م وتونس ١٨٨١م ومراكش ١٩١١م وان كانت هذه الأخيرة لم تكن تابعة لتركيا وأذنت الدول الأوربية لفرنسا ان تحتل لبنان سنة ١٨٦٠م ثم سوريا سنة ١٩١٨م.
واحتلت انجلترا مصر سنة ١٩٨٢م واحتلت إيطاليا طرابلس سنة ١٩١١م ثم فلسطين من طرف الانكليز عقب ذلك.
وسبب هذا الاحتلال هو أن رجال الكنيسة والمبشرين من رجال الدين المسيحي مهدوا الطريق الى هذا الاحتلال الشنيع لأنهم كانوا في الأقطار جواسيس وعيونا يطلعون الاستعمار على عورات المسلمين وينقلون اليه كلما هب ودب فيها باسم الدين والتظاهر بالشفقة والرحمة على الفقراء والعجزة والمساكين.
الرهبان منذ القرن الثامن الهجري الموافق للقرن الرابع عشر الميلادي حتى الى القرن الثامن عشر ما انفكوا في مراكش، والجزائر، وتونس ومصر والشام يعملون للاستعمار حتى تمكنوا فعلا من احتلال هذه الأوطان.
ففي سنة ١٩١١م عقد مؤتمر للمبشرين المسيحيين في لنكاو في الهند ونظر في حالة المسلمين، فوجد فيها الاضطرابات الخطيرة، والانقسامات الى طوائف متناحرة قال أحدهم: (ان هذا الانقسام
стр. 63
السياسي الحاضر في العالم الإسلامي لدليل بالغ على عمل يد الله في التاريخ، واستشاراته لديانة المسيحية لكي تقوم بالعمل (يشير بذلك الى كثرة الابواب التي أصبحت مفتحة في العالم الإسلامي على مصاريعها، ان ثلاثة أرباع العالم الإسلامي تعتبر الآن سهلة الاقتحام على الارساليات التبشيرية ان في الإمبراطورية العثمانية، وفي غرب شبه جزيرة العرب وفي ايران، والتركستان والأفغان، وطرابلس الغرب، ومراكش سدودا في وجه التبشير، ومن هناك مائة وأربعون مليونا من المسلمين في الهند، وجاوة والصين، ومصر وتونس والجزائر يمكن أن يصل اليهم التبشير بسهولة.
وكانت الغطرسة التي جبل عليها الاستعمار تمنعه من أن يتساوى مع غيره من شعوب العالم التي هي من غير جنسه، فكان يرى أن هذه الشعوب ناقصة في خلقها وتكوينها الفسيولوجي لأنها لم تكن على درجة كبيرة من الذكاء والخلق اللذين يخولانها بتسيير شؤونها والقيام على مصالحها قياما كاملا بخلاف الجنس الاوربي.
هذه هي فلسفة التي يتبجح بها في استعباد الشعوب التي هي من غير جنسه، وحجته في ذلك العروق الجنسية، لأنه يرى أن عرقه أفضل من جميع العروق البشرية في الذكاء، ولهذا فهو أحق بالإشراف على مصالح هذه الشعوب.
حاول الاستعمار بكل ما أوتي من قوة ودهاء أن يبدل طباع هذه الشعوب وخلقها حتى تلتحق بطباعه وخلقه فمنع منعا باتا تعليم لغتها وتاريخها وآدابها القومية من الدراسة في المعاهد واستبدالها بلغته وتاريخه وآدابه.
ولم يدر الاستعمار بأن القواعد التي تقوم عليها حياة المجتمع هي وليدة الخلق، والخلق يتألف من امتزاج مختلف عناصر الشخصية التي يطلق عليها اسم المشاعر، وقد تتغير الصفة الذهنية بالتربية تغيرا قليلا.
أما الصفة الخلقية فإنها تتقلب من سلطان التربية تقلبا تاما، والتربية عندما تؤثر في الصفات الخلقية لا يكون هذا التأثير إلا عند ذوي الطبائع المحايدة لدى الأفراد، وقلما توجد في أمة
стр. 64
كاملة، وإذا وجدت في أمة لا يكون وجودها الا في أيام انحطاطها، ومن السهل أن ينتقل الذكاء من أمة إلى أخرى، أما الصفة الخلقية فلا تنتقل، الخلق كالصخرة الثابت التي تلطمها الأمواج يوما بعد يوم في عدة قرون.
وللأخلاق نفوذ كبيرة على حياة الأمم، والخلق هو الأساس الحقيقي للمزاج الشخصي، والأمة اذا تغيرت لغتها ومعتقداتها وفنونها بغته، وتغيرات كهذه لا تكون حقيقة في هذه الأمة الا إذا استطاعت أن تحول روحها، ولهذا لم ينجح الاستعمار في تبدل طبائع الشعوب وخلقها، وباء بالفشل التام رغم المجهودات التي بذلها أنظر الى أحلامه كيف كذبها الواقع وبددتها الحقائق الناصعة باستقلال هذه الشعوب.
стр. 65
ثورة الشعوب الاسلامية الحديثة على
الاستعمار الغربي أينما كان
من أحرج الساعات في حياة الامم وأشدها الساعة التي تفقد فيها الحرية والقيادة الرشيدة، ومقومات الحياة كالعلم والسياسة والاقتصاد وغيرها فتظهر عليها أمارات الشيخوخة فتصبح بعيدة عن النظم الاجتماعية فتصير مسخرة للعمل والطاعة العمياء لأسيادها.
تخسر هذه الأمة المستعمرة كل شيء في حياتها، تخسر الوحدة التي هي سبب النجاح والفلاح، تخسر المعارف والعلوم التي تهديها الى طريق السعادة والنجاة، تخسر التعاون والتربية والأخلاق الحميدة التي لولاها لما كانت أمة معتبرة في الوجود، تخسر القدرة على السير الى الأمام.
وهذا ما اعترى الأمة العربية الاسلامية في فترة الانحلال، فركدت أفكارها وجمدت عقولها ومواهبها لأن الاحتلال كان قتلا لمعنوياتها، وطمسا لكيانها وتشويها، لسمعتها، وتلطيخا لتاريخها ومجدها.
وكل دولة أجنبية استعمرت بلدان المسلمين الا وحاولت مرارا وتكرارا أن تقتل الطموح فيها، ولكن الطموح لا يموت موتا نهائيا، فهو كالنار تبقى جذوته ضئيلة غير أنها عاملة نشيطة.
وكل دولة احتلت أقطار المسلمين الا وحتمت عليهم عوائدها وأخلاقها ولغتها وجنسيتها ليعتنقوها، ويذوبوا فيها شيئا فشيئا حتى تبتلعهم.
دخل الاستعمار أرض العرب ووطن الاسلام ومنازل الوحى ومدارس القرآن، فدنس بأقدامه الغليظة مقدسات الشرق، وامتهن البقاع المقدسة فمسك منافذ الحياة فيها، واستولى على مرافق العيش منها، فامتص خيراتها كما امتص روحها وحياتها،
стр. 66
وصادر عقولها وأفكارها، وحارب العقائد والمبادئ السامية، وعفر وجه المسلمين، في الرغام والأوحال، ومزق الصحف، ومنع الشعوب من اتصال بعضها ببعض، وسادها الاقطاع جميعا، وتحالف عليها الفقر والجهل، واستعمل معها جميع وسائل الفناء فكابدت من هذا الاحتلال الملعون جميع المحن والمصائب.
كانت روح القسوة التي جبل عليها، والتشفي التي هي سليقة فيه واضحة في انتصار الاستعمار على المسلمين، فلم يكن ما أحرزه من نصر في المعارك نهاية المطاف وإنما كان بدء المجاور الشنيعة، وازهاق الأرواح بالآلاف، وأسكب فيضا من الدماء الغزيرة، وشملت هذه القسوة الأطفال والنساء والعجزة، وجرت هذه الويلات الخراب والدمار على البلاد، وكان السفاكون يحتسون الخمر، ويرقصون طربا للنصر وتعذيب المواطنين وإبادتهم وتدميرهم.
وقد كتب الجنرال نيكلسون الإنكليزي يقول: (يجب علينا أن نسن قانون يبيح لنا أن نحرق أو نسلخ جلود المسلمين وهم أحياء لأن نار الانتقام تتأجج في صدورنا ولا تخمد بالشنق وحده)، وكان هذا الجنرال حسن النية لأنه فكر في سن قانون لسلخ المواطنين أحياء، أما غيره من الجنرالات الأخرى فقد فعلوا هذا وأكثر دون أن يحتاجوا الى سن قانون، وقد كتب المؤرخون الافرنج أنفسهم هذا التاريخ الشنيع وانتقدوا الأعمال البربرية التي قام بها الصليبيون ضد المسلمين انتقادا مرا.
لقى الأحرار والمفكرون من العالم الإسلامي أسوأ المصير في حكم الاستعمار من الظلم والعسف والسجن والنفي والتشريد والتقتيل، وانفق ثروات البلاد على جيشه وعلى المبشرين الذين يحاربون الاسلام، ويحسنون للمسلمين اعتناق المسيحية.
ولما تم الاستيلاء على الجزائر، فتحت فرنسا باب الهجرة من جميع أقطار أوربا ليستوطن الغربيون هذا الوطن، وكانت تساعد كل من يأتي إليه من الجاليات الأوربية بكل وسيلة ممكنة من المال وغيره كنزع الأراضي الخصبة الصالحة للزراعة من أيدي السكان المسلمين، وإعطائها الى المهاجرين، فجمعت بذلك ذل الاستعباد
стр. 67
وذل الفقر عليهم، فضح الجزائريون من هذه الحالة، فأصبحوا غرباء في بلادهم محرومين من خيراتها، بحيث طردوا الى قمم الجبال او الى الصحارى القاحلة، وكانت فرنسا ترمى من وراء هذه السياسة تحطيم كل أمل للمسلمين.
ومن بعد ما ملك الأوربيون المهاجرون الأراضي الصالحة، أصبح المسلمون مسخرين للعمل فيها بأجر زهيد جدا لا يسمن ولا يغنى من جوع.
وبعد ما استقر الاستعمار في هذه الأوطان بدأ يحطم الدين الإسلامي فأسقط حكمه الذى كان يحكم بين العباد، واستبدله بقوانينه، ومنع علومه من أن تدرس وجعل المساجد وشؤونها تحت يده بعد ما خرب أكثرها، واستعمل بعضها كنائس وثكنات للجند، وصادر الأموال المحبسة عليها الى خزائنه العامة، وأغلق المدارس التي كانت تعلم الدين واللغة، وأصبح يعاقب كل من يعلم هذه المواد الا برخصة وشجع ذوى الأهواء والبدع والخرافات، لتضليل الشعوب وإفساد الرأي العام، وكون جيشا من المسلمين للدفاع عن وطنه الأصلي، وفتح المستعمرات له، وسن قانونا خاصا للمسلمين سماه قانون الأهالي بحيث لو تخاصم مواطن مسلم مع أوربى لا يعطى الحق للمسلم أبدا، ولو كان صاحب حق، ويعاقب لتجرعه ووقوفه في وجه سيده الأوربي، واذا رأى مسلم أوربيا سائرا في الطريق ينبغي للمسلم أن يرفع كلتا يديه الى السماء والويل له ان لم يرفعهما.
أسس الاستعمار مدارس لتعليم الناشئة الاسلاميه لغته وعوائده وأخلاقه، والباعث على ذلك لا التثقيف كما يفهم من ذلك،، وإنما لفهم كلامه في العمل وقضاء المصالح ولكي يتخلقوا بأخلاقه وعوائده ولينسلخوا من الاسلام ولغته وأخلاقه وعوائده، كما هو مشاهد في عواصم الجزائر، أما أن يتلقوا علوما صحيحة عالية فلا سبيل إلى ذلك الا أن يخلع هذا المتعلم جنسيته ودينه، ويعتنق جنسية فرنسية، فبهذا فقط يسمح له بمتابعة التعليم العالي.
والجزائريون - تقريبا - كلهم تعلموا في مدارسه، فكان هذا التعليم سببا في صدهم عن كل ما كان لهم من تراث نفيس،
стр. 68
وقطع الصلة بينهم وبين ماضيهم المجيد، وقتل الإحساس والشعور بقوميتهم الاسلامية، وتاريخ أمتهم العظيمة، ولو كان الاستعمار صادقا في تعليم هؤلاء الناشئة لما فرق بين الأوربيين والمسلمين في التعليم، ولعلمهم العلوم الحية كالعلوم التجريبية بكل فروعها من كيماوية وميكانيكية وتطبيقية لأسدى معروفا لهؤلاء المتعلمين وللوطن، لأن البلاد من بعد خروج الاستعمار منها أصبحت في حاجة شديدة الى من يتقن هذه العلوم ولم تجد من هؤلاء المثقفين من يقوم بحاجيات البلاد بعد ذهاب الأوربيين منها، فأصبحت الحكومة تستورد الخبراء من الخارج، فتعليم الاستعمار لأبناء المسلمين لغته كان القصد منه هو القضاء على الاسلام عن طريق التعليم الأوربي.
فثقافة هؤلاء المتفرنسين كانت في غاية الخطورة على الاسلام، فجردوه من روحه وقيمه وأخلاقه، وأصبحوا يناصبونه العداء ويتهمون أحكامه بأنها رجعية.
وان كان بعض الأفراد استفادوا من هذا التعليم وهم أقلية جدا، فشذوا عن البرامج المحكمة التي ضربها الاستعمار حول الشبيبة الاسلامية في التعليم، فهؤلاء على كل حال يحملون علما صحيحا، وثقافة لا باس بها وان كان غالبهم يجهل الاسلام.
هؤلاء المتعلمون هم الذين أسسوا الأحزاب الوطنية، وكانوا في طليعة المجاهدين غيرة عن الوطن، وهكذا أراد الاستعمار أن يقضي على كل ما كان للمسلمين من خصائص ومميزات، لأنه يعلم علم اليقين إذا ترك لهم اسلامهم وأخلاقهم فإنه لا يضمن وجوده وبقاءه في أوطان المسلمين لأنهم يقظون حساسون يتدفق ماء القوة في عروقهم ونخوة الماضي تدفعهم الى أخذ الحق المسلوب، وتحطيم الاستعباد الذي يرسفون في قيوده يحرك مشاعرهم الى الاستقلال والسيادة حتى يستردوا مجدهم التليد.
ولما كانت هذه الشعوب تحب الحرية أصبحت في أيام الاحتلال تشعر بالحرمان من الحياة الحرة الكريمة، فكانت تثور في كل مناسبة، وتخوض المعارك الدامية ضد المحتل بكل ضراوة وشدة حتى اكتسبتها هذه المقاومة الباسلة التمرس بالآفات والصمود في وجه القوة مهما كانت، والتهيؤ لمنازلتها في كل زمان ومكان
стр. 69
وهكذا كانت ولا زالت، فلا الاستعمار يفنى ولا هي تستريح.
والأمة المستعمرة لا تبقى تحت الذل والعبودية الى الأبد، فمن السنن الالهية أن يرفع هذا ويخفض الآخر والعكس ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ ولا سيما أمة كأمة الاسلام صاحبة العقيدة الربانية والمبادئ الصحيحة الخالدة الوارثة لرسالات السماء الخاتمة لأنبيائه ورسله، ولا يعزين عن البال أن الدين لم يزل طول هذه المدة محفوظا من التحريف والتبديل مهيبا بالمسلمين ناعيا عليهم انحرافهم عن طريقه، ولم يزل مناره عاليا وضوؤه مشرقا ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (١) ولم يزل الكتاب والسنة يبعثان في نفوس المسلمين ثورة على الشرك والبدع وعلى الجاهلية والضلالة، وثورة على أخلاق الجاهلية وعوائدها، وثورة على ترف المترفين واستبداد الملوك، ولم يزل تأثيرهما في كل دور من أدوار التاريخ الإسلامي، وفي كل ناحية من نواحي العالم الإسلامي رجال يقومون بهديه على طريق الأنبياء من الله بهم على المسلمين يحفظ بهم شرف الاسلام وعزته، ويعيد بهم الحياة الى هذه الأمة عندما تضعف أو تنهار، فهم امثلة كاملة، وأقيسة تامة للدين يجددون لها أمر دينها، وينفخون فيها روح الجهاد ويسعون لإقامة حكومة إسلامية على منهج الخلافة الرشيدة، وهم مصداق للحديث الشريف (لا تزل طائفة من أمتى ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله) فان الاسلام فيه من أثر الله ما يعصمه وعليه من اشراف النبوة ما يحفظه.
وفعلا وجد الدعاة الربانيون، والمجددون لهذه الأمة دينها، وهؤلاء المجددون هم الذين أهابوا بالأمة بالرجوع الى الاسلام، والاعتصام بحبله المتين.
وهؤلاء الدعاة الربانيون هم ثلة من العلماء العاملين الذين هم من بقية السلف الصالح.
وإذا كان صلاح الدين وملوك المسلمين الذين كانوا معه في ذلك الوقت حاربوا الصليبيين حتى أطردوهم من البلاد، فقد
стр. 70
كانت لهم حكومات قارة، ونظام محكم وجيوش جرارة مدججين بالسلاح، أما محاربة المسلمين للاستعمار في الوقت الحالي فليست لهم حكومات قارة ولا نظام ولا جيش ولا مال ولا سلاح، إنما حاربوا باسم الدعوة الى الجهاد في سبيل الله في أمة مبعثرة مشتتة مغلوبة على أمرها لا تملك من وسائل الدفاع شيئا، ومع هذا لبث نداء الدعوة، ونفرت الى ميادين الجهاد عزلاء غير مبالية بما يعترض سبيلها، وفي النهاية انتصر المسلمون وأخرجوا المعمر مطرودا من بلادهم.
هؤلاء الدعاة الربانيون هم الذين أهابوا بالأمة الى أن تتخلق بأخلاق أسلافها وتسير على مقتضى عقيدتها، هؤلاء الأعلام هم: جمال الدين الأفغاني، والشيخ محمد عبده والشيخ محمد بن عبد الوهاب، وجمعية العلماء المسلمين الجزائريين التي كان يرأسها الشيخ عبد الحميد بن باديس والعلامة الشيخ البشير الإبراهيمي، والفيلسوف الكبير محمد إقبال في البكستان، والشيخ رشيد رضا، وحسن البنا بمصر والشيخ السنوسي بليبيا، والملك محمد الخامس في المغرب والشيخ الطاهر بن عاشور في تونس، وزعماء الرابطة الدينية في الهند وغيرهم من الدعاة، والمجددين كثيرون من بناة النهضة الحديثة في أنحاء الأقطار الاسلامية.
وأم النهضة الحديثة هي مصر حرسها الله - فكانت مركزا للقيادة والتوجيه للعالم الإسلامي بما حفظت عليه من تراث إسلامي أصيل، وبما أحرزت عليه من تقدم ورقي في العلوم والمعارف، فبفضل دعايتها توحدت الشعوب الاسلامية ودب فيها الوعى، وبإعانتها المعنوية والمادية تحررت بعض الأقطار الاسلامية من ظلم الاستعمار، فكانت مأوى كل ثائر وموئل كل لاجئ ومستغيث كل مظلوم، ومدافعة عن كل مغبون، فتعرضت للخطر مرار وتكرارا من أجل تبني النهضة والدفاع عن المسلمين، وبالتالي فلها أيادي بيضاء على النهضة الحديثة المباركة، ولما رأى الدعاة الربانيون صولة الأجانب على الأمة المحمدية، فسدوا عليها منافذ الحياة وأفسدوا عليها معاني الرجولة، ونزعوا منها المثل العليا التي هي مناط الطموح، فأصبح معظمها يعيش بلا حياة حقيقية وبدون أمل ..
стр. 71
قاموا لاستنهاض همم هذه الأمة، ليحركوا ما كان ساكنا منها، فناشدوا ضمائرها لتنبعث عقلية مشبعة بالروح الإسلامي في نفوس الأفراد والجماعات ولتبرز الحياة من داخل النفس.
فتحافظ على الكيان الاجتماعي من القلق الدائم، واضطرابات النفوس المستمرة ونبذ الخصومات والمنازعات من بين المسلمين، والعداوة المستحكمة الحلقات بينهم، واحلال محلها الأخوة والوئام، والاتحاد والانسجام ليقضى على التفرق ونزعات الطوائف، وعلى ما نجم من الثقافات الأجنبية والحضارة الدخيلة المتعاقبة على أوطان المسلمين، والمبادئ الهدامة التي غرسها الاستعمار في الأمة أيام الاحتلال، لأن المسلمين عاشوا قرونا كثيرة وهم بعيدون عن تعاليم الاسلام وإن كانوا متشبثين به دائما رغم أنف الاستعمار.
وهؤلاء الدعاة يعلمون علم اليقين أن المسلمين اذا تمسكوا بالإسلام يكونون أقوياء ما في ذلك شك ولا ريب، وقادرين على البناء والتشييد في جميع مجال الحياة، أيام كان المسلمون متمسكين به كان لهم مجد يعنو لجلاله وعظمته كل مجد وقادة وأبطال فتحوا العالم غربا وشرقا، وأعلام نبغوا في كل علم وفن، فكانوا هداة العالم، وكوكب عليائه، وان أقدس تراث للمسلمين هو الدين الحنيف الذى بين طريق السعادة، وعلم الأخلاق الفاضلة، فعليه قام المسلمون وبه فازوا على جميع الأمم، وعليه شايعتهم وعلى كلمته تابعتهم.
هذه النهضة التي وقعت في القرن الرابع عشر الهجري حصلت على أيدى نخبة من علماء المسلمين، تبلورت في حركة اصلاحية شاملة مناهضة لسياسة الاستعمار ومحركة لجمود المجتمعات الاسلامية وركودها، هذه الحركة كانت هي السبب في تحرير المسلمين من نير الاستعباد.
كان جمال الدين الأفغاني - طيب الله ثراه - أنبغ عقلية، وأقوى شخصية في العالم الاسلامي، وأثبت من غيره من نوابغ الشرق على مواجهة طغيان حضارة الغرب والفلسفة المادية الالحادية التي بدأت تغزو المسلمين حينذاك فأهاب بالمسلمين الى التمسك بالدين الحنيف لينقذوا أنفسهم من التيارات الغربية
стр. 72
التي تجتابهم ومن سلطان المادة الطاغية، وله دور كبير في رفع الدين والتمسك بأوامره في نفوس المسلمين، وكان رضى الله عنه يعتمد على القرآن في توجيه المسلمين مع بقية الأعلام الآخرين الذين أصبح حبهم والانتصار لهم شعار المثقفين الأحرار.
أراد هؤلاء الأعلام أن يصلوا حاضر هذه الأمة بماضيها المجيد الذى وضع المتكبرين الذين كانوا يفسدون في الارض ولا يصلحون، ورفع المحرومين المضطهدين من الحضيض حتى يصبحوا سادة بعد ما كانوا عبيدا والله قد حقق عزمهم وسعيهم وجهادهم باستقلال هذه الشعوب وطرد المعمر منها.
قال الشيخ البشير الإبراهيمي في هؤلاء الدعاة: (أسسوا هذه النهضة المباركة على صخرة الحق، وقادوا زحوفها الى الغايات العليا فربوا الأجيال على هداية القرآن والهدي المحمدي وعلى التفكير الصحيح وأحيوا دوارس العلم بدروسهم الحية وغرسوا بذور الوطنية فأحيوا أمة تعاقبت عليها الأحداث والغير، وحالفها الخنوع والذل ردحا من الزمن، ولسانا عربيا فصيحا أفسدته الرطانات الأجنبية وتاريخا عف الزمن عليه ومجدا أضاعه الأحفاد).
قام العلماء الربانيون، وهم روح الأمة وقواد الملة المحمدية ينبهون المسلمين على ما أوجبه الله عليهم فأيقظوا النائمة قلوبهم عما فرض عليهم الدين، فعلموا الجاهل وأزعجوا الجامد، ذكروا الجميع بما أنعم الله على آبائهم، واستلفتوهم الى ما أعد الله لهم - ولو استقاموا - وحذروهم سوء العاقبة، إن لم يتداركوا أمرهم بالرجوع الى ما كانوا عليه أيام النبي ﷺ ، وأصحابه رضوان الله عليهم أجمعين فأزالوا اليأس بتذكير وعد الله، وكان وعده حقا: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ (١)، وكانوا يعلنون للجميع بقولهم: (ان للعقائد الراسخة آثارا تظهر في العزائم والأعمال، وتأثيرا في الأفكار والإرادات لا يمكن للمعتقدين أن
стр. 73
يزيحوها عن أنفسهم ما داموا معتقدين هذا الايمان في جميع شؤونه وأطواره).
الايمان بالله له خواص لا تفارقه، ونزعات لا تزايله، وصفات جليلة لا تنفك عنه وأخلاق عادلة سامية لا تباينه، وكانوا يلقنون الجماهير سيرة سلفهم الصالح ليقتدوا بها فيقولون (صبر المسلمون الأولون في نار الامتحان والابتلاء حتى ظهر ايمانهم ذهبا إبريزا خالصا من كل غش، وأعد الله لهم جزاء على صبرهم نعيما مقيما، ما أصعب ابتلاء الله!، وما أشد فتنته!، وما أذق حكمته في ذلك ليميز الله الخبيث من الطيب، ان ابتلاء الله هو تحمل الصعوبات، وبذل الأموال والأرواح، كل خطر فهو تهلكة ينبغي البعد عنه الا في الايمان، فكل تهلكه فيه فهي نجاة، وكل موت في المحاماة عنه فهو بقاء، وكل واجب في أداء حقوق الايمان فهو سعادة أبدية.
إن الفرار من محنة الله مجلبة للخزي الأبدي، ان الفرار من صدمة جيش الضلال وان بلغت أقصى ما يتصور موجب للشقاء السرمدي، لا سعادة الا بالدين ودون حفظه تتطاير الأعناق).
سقنا هذا الكلام النفيس من العروة الوثقى، اعتمد هؤلاء الأعلام في تحريك الجماهير وإنهاض عزائمهم على الدين الحنيف، فكانوا يخاطبون الأمة بالتمسك به، والالتفات حوله، وأن تعتصم بحبله المتين، ففيه الشفاء العاجل لأمراضها الاجتماعية وعللها المزمنة الفاسدة، ولا شيء ينقذها من هذه الحالة التعساء، والهوة السحيقة التي سقطت فيها الا الاسلام، فهو وحده يوحد بين أجزائها وطوائفها، ويكون فيها التعاون الصادق لتنهض من كبوتها وتخرج من غفلتها وجمودها، وتتناسى الأضغان والأحقاد حتى ترمى عن كاهلها مخلفات القرون المظلمة قبل أن تتحطم وتنقرض من الوجود لا قدر الله. تابع هؤلاء الدعاة الربانيون دعوتهم بقولهم (الأمة الاسلامية لا يسوغ لها أن ترضخ للذل والعبودية، وترضى بالإهانة والظلم، وتتقاعس عن اعلان شأنها وبناء مجدها واسترجاع سيادتها، ولها ملك عظيم على وجه الأرض، ورحمة الله مفتحة لها وما عليها سوي أن تلجها، وروح الله نافحة لها فما عليها الا أن تستنشقها، والفرص
стр. 74
المواتية لها دائما تمد إليها يدها تتطلب إنهاضها فأي موجب لليأس؟ ولماذا هذا القنوط؟ وبين أيديها كتاب الله الناطق بأن اليأس من أوصاف - الضالين، وهي من بقية الرجال، وخلف الأبطال معاذ الله - أن ينقطع أمل الزمان فيها، والاسلام متمكن من قلوبها، وسلطان القرآن متحكم فيها، فمن أصابه نصيب من حمده فهو محمود، ومن أصيب بسهم من مقته فهو ممقوت (راجت هذه الدعوة المباركة في أوساط العالم الإسلامي فاستيقظ على صيحاتها الداوية من غفلته وسباته، فكانوا يتلقون هذا الكلام الرباني بكل شوق ولهفة، يرهفون أسماعهم اليه ويتدارسونه فيما بينهم حتى وعته القلوب، وصادف من النفوس هوى، فاستجاب الناس الى صوت الحق الداعي الى الجهاد في سبيل الله فرجع الناس الى الدين الحقيقي، ونبذوا عنهم الدين التقليدي الخرافي فصاروا يمتثلون لأوامره القيمة، وأقبلوا على تأسيس المدارس الحرة لتعليم أبنائهم اللغة العربية والدين لأنهما متلازمان، وهما الرابطان بين المسلمين، وموحدانهم - في جميع أهدافهم وغاياتهم والمحافظان على تراثهم المجيد وتاريخهم الجليل.
أنشئت في أنحاء الأقطار الاسلامية جرائد ومجلات تدعو الناس الى الاسلام والعمل به والاعتصام بحبله المتين، فكانت تنشر تعاليم الدين، وترشد وتوجه وتعظ، وتنشر المحاضرات العلمية المتنوعة في شتى الميادين، والبحوث التاريخية ودروس التفسير وشرح الأحاديث النبوية وبيان الحكمة واستخراج الأحكام منها على صفحات المجلات ليطلع المسلمون على ما كان لهم من كنوز قيمة.
وأعلنت الجمعيات الاسلامية التي تأسست في أنحاء الوطن حربا شعواء على الجمود والتخلف والانحطاط الخلقي والمادي والخرفات التي ألصقت بالدين زورا وبهتانا حتى حجبت الدين الصحيح عن الأمة بواسطة الجرائد الحرة، وكانت منبرا لصوت الحرية والمرآة التي تنعكس عليها أعمال المجتمع.
ولما فطن المسلمون الى حالتهم التي هم فيها فوجدوا أنفسهم مجردين من جميع الحريات وأنهم يتخبطون في ذل كبير وظلم
стр. 75
عظيم يقاسون منه جميع الويلات، فتكون منهم زعماء وطنيون قادرين على مجابهة الاستعمار ومنازلته في كل ميدان، فبدأوا يغرسون المبادئ الوطنية الصحيحة في نفوس الجماهير. فكان تعاون صادق مع جميع الهيئات والأحزاب الوطنية.
فبهذه الدعوة الربانية، والأحزاب السياسية التي كانت سببا في وحدة الأمة ويقظتها، وبهذا الإحساس والشعور بالمسؤولية أصبحت تتجاوب مع بعضها بعضا وتتقارب فيما بينها شيئا فشيئا حتى صارت تتألم بألم واحد، وتحس بشعور واحد، والاستعمار لا يخشى من أية قوة كانت إلا من قوة الدين هي التي وحدها تهدد وجوده في هذه الأوطان.
امتلأت نفوس المصلحين والشباب بشعور ديني فياض، وحماس متقد، فبعث فيهم الحمية والأنفة والغيرة على ما أصاب أمتهم من المهانة والمذلة فعزموا على بعثها من جديد لتتبوأ مكانتها اللائقة بها بين الأمم، وآلوا على أنفسهم أن ينقذوها مما تردت فيه، ولو طارت نفوسهم في سبيلها شعاعا، واعتمدوا في الوصول الى أهدافهم على العقيدة الاسلامية التي لا زالت تجيش بها هذه الشعوب، والمواهب الكامنة فيها.
عزم المسلمون على أخذ حقهم الطبيعي والشرعي مهما كان الثمن، فأخذوا يجدون في الروابط والتضامن، لأن الحياة ليست في السياسة وحدها، ولا في الكلام والحماس الخاليين من كل معنى، بل في التكاتف وربط العلائق فيما بين الأمة على أساس المحبة الخالصة والثقة المتبادلة ظهرت الروابط بين المسلمين في هذه النهضة سليمة لم تتأثر بملابسات الحوادث والزمن، كانت هذه الشعوب تدرك الهوة العميقة والمهالك الشديدة التي بينها وبين تحقيق أمالها، والعوارض التي تعترض سبيلها في الوصول الى أهدافها، فتسلحت بالصبر والشجاعة والثبات، وكانت شاعرة بالتضحية الجسيمة، والجهد الكبير الذى تبذله الا أنها واثقه من النصر الذى ستحرز عليه في نهاية المطاف.
ولما فشلت جميع المحاولات في التفاهم مع الاستعمار صممت الشعوب الاسلاميه على الجهاد في سبيل تحرير أوطانها، والمسلم