Полный текст (256 стр.). Показаны 246–256 · переход к 251.
стр. 246
منكم، والذي سيبقى هنا معكم بأن تظهروا من جديد قراركم، ومن جهة الاختيار فإنكم ستبقون الى جانب فرنسا" ...
تعرضت السياسة الفرنسية في الجزائر من بعد اعلان تقرير المصير لهزات عنيفة وتغيرات سياسية نتيجة موقف الثورة الصلب نلاحظ أن مبادئ جبهة التحرير ظلت قائمة دون تغيير اللهم الا في بعض التغيرات اللفظية التي لم يتغير من مضمونها شيء وفيما يلى برنامج الجبهة كما أعلنته بعد تكوينها في سنة ١٩٥٦ ...
الهدف هو الاستقلال الوطني بإيجاد دولة جزائرية ذات سيادة ونظام ديمقراطي اشتراكي في دائرة المبادئ الاسلامية مع احترام جميع الحريات الأساسية بدون تمييز في الدين، وفي الميدان الخارجي، تصرح بأن غايتها هو تدويل القضية الجزائرية، وتحقيق وحدة شمال افريقيا في نطاقها الطبيعي الذي هو نطاق العروبة والإسلام.
وبينت أن أساس المفاوضات مع فرنسا على النحو التالي:
١ - فتح المفاوضات مع الممثلين الحقيقيين للشعب الجزائري على أساس الاعتراف بالسيادة الجزائرية الموحدة التي لا تتجزأ.
٢ - ايجاد جو من الثقة، وذلك بإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، ورفع جميع التدابير الاستثنائية والتوقف عن تتبع فرقا المقاومة ...
٣ - الاعتراف بالشخصية الجزائرية في تصريح رسمي ينسخ جميع القوانين التي صيرت الجزائر أرضا فرنسية بالرغم من التاريخ والجغرافيا واللغة والدين والعادات التي يتصف بها الشعب الجزائري، وفي مقابل ذلك يتعهد الجزائريون بما يلى ...
أ- ضمان المصالح الفرنسية الثقافية والاقتصادية التي حصلوا عليها بطريقة شريفة، وكذلك الأشخاص والعائلات ...
ب- جميع الفرنسيين الراغبين في البقاء بالجزائر يكون لهم الخيار بين جنسيتهم الأصيلة، وفي هذه الحالة يعتبرون أجانب بالنسبة للقوانين المعمول بها، أو يأخذون الجنسية الجزائرية وفي هذه الحالة يعتبرون جزائريين لهم ما للجزائريين من حقوق وواجبات ...
стр. 247
ج- تحديد العلاقات بين الجزائر وفرنسا تكون موضوع مفاوضات بين الدولتين على قدم المساواة والاحترام المتبادل ...
كانت السلطة الفرنسية قبل مجيء الجنرال ديغول غير مستعدة للاعتراف بجبهة التحرير كمفاوض شرعي متحدث باسم الجزائر، فلما آل الأمر الى الجنرال لم يتكلم على المفاوضة وإنما تكلم على سلم الأبطال. واستمر على رفضه في الدخول فيها مع جبهة التحرير حتى بعد إصدار مشروعه بتقرير المصير ...
ولما كانت الحرب في تصاعد، وجميع برامج الحرب والقوات فشلت والثوار لم يستجيبوا للنداء الذي تكلم عليه الجنرال، ومنه حب أن يتصل بجبهة التحرير ليعرف نواياها.
وفي صيف سنة ١٩٦٠ أراد الجنرال أن يجس النبض بشبه محادثة رسمية مع جبهة التحرير، ولم يفعل ذلك الا بعد تردد شديد، فتلاقى الوفدان من الحكومتين، وأدلى كل واحد منهما بنظريته فيما يخص القضية الجزائرية، ولما كانت وجهة النظر متباينة، رجع كل منهما الى بلاده، ولم تغير هذه المحادثة من الوضعية شيئا ...
هذا مما يدل دلالة واضحة على أن الجنرال ديغول عندما تولى السلطة لم يكن مستعدا لتقبل النهاية التي وصلت إليها الثورة الجزائرية، ألا وهو الاستقلال التام ووحدة التراب الوطني، وتسليم السلطة الى الجزائريين، ولهذا نميل الى الرأي القائل بأن الجنرال لم تكن لديه سياسة محددة اتجاه الجزائر الا أن آراءه قد تطورت تحت ضغط الحوادث العالمية، وأمام صمود الثوار على وجه الخصوص ...
وتقرير المصير الذى اعترف به، والاستفتاء الذى يريد إجراءه في الوقت المناسب كما يقول يشكلان عقبة كأداء في وجه الثورة الزاحفة الى الأمام.
بعث الجنرال الى القوات المسلحة الفرنسية والموظفين الفرنسيين في الجزائر- بعد أسبوعين من اعلان مشروعه-
стр. 248
رسالة من الجنرال ديغول الى القيادة العسكرية الفرنسية
في الجزائر
تبين هذه الرسالة بوضوح غرضه، إنني أنقل نص الرسالة يقول الجنرال: "الى القوات المسلحة، وجميع موظفي الإدارات العامة في الجزائر لقد رسمت خطوط سياستنا في الجزائر، وقررت تنفيذها على مسؤوليتي، وأنا ملم بجميع ملابساتها، ان المهم الآن هو تهدئة الجزائر بصورة كاملة وإنسانية، وتشجيع تنفيذ مشاريع التقدم الاقتصادي والاجتماعي، وتهيئة الجزائريين من مختلف الهيآت، للاتحاد مع فرنسا، وبعد انقضاء سنوات عديدة على التهدئة يمكن اجراء استفتاء حر ليقرر الجزائريون حينذاك مصيرهم بأنفسهم في ظروف يصار الى تحديدها في الوقت المناسب ومن الضروري عندئذ أن يتم هذا الاختيار بحرية، والا فالمشكلة الجزائرية لن تحل بصورة نهائية، وفرنسا من جهتها ترغب في حلها حلا نهائيا. وتقوم الحكومة الفرنسية التي تتمتع بثقتي التامة الآن بتهيئة هذه المهمة الكبرى ...
كلكم يعلم أن هذه المهمة ستكون حاسمة بالنسبة الى الجزائر ولفرنسا معا، وهى شديدة ستؤثر حتما على رسالتها الافريقية، وعلى وحدتها الوطنية، وعلى مركزها الدولي، ونجاح تلك المهمة يتوقف على عملكم واتحادكم في تنفيد الرسالة التي رسمتها بعد كل تلك الأعمال والتضحيات التي بذلتموها يتوجب عليكم خدمة فرنسا بالمحافظة على النظام " وبالتعاون في خدمة أغراض فرنسا بدون أن تتأثروا بأية خطة أخرى اعملوا فإنى اعتمد عليكم ...
ولكي ينفذ الجنرال ديغول مشروعه، ويضعه موضع التنفيذ يجب أن يضاعف من قواته في الجزائر، ويخوض غمار حرب مدمرة شاملة لا تبقى ولا تذر، وعلى الشعب الفرنسي أن يعاني من ويلات هذه الحرب وامتدادها الى ما لا نهاية لها، فحكامه لا يريدون أن يعترفوا بحق الشعب الجزائري في الحرية والاستقلال ولن يعترفوا الا إذا كانوا مكرهين وبالقوة وحدها ...
стр. 249
بدأ الجنرال ديغول يلوح بمشروعه وهو يرتدي ثوب النصر ليعامل جيش التحرير بل يطلب منهم أن يلقوا سلاحهم ويتوقفوا عن القتال فورا دون مناقشة، وبعد أربع سنوات من الخضوع للحكم الفرنسي عندئذ يجرى الاستفتاء وكان في الفينة بعد الفينة يعلن أن مشروعه غير قابل لأية مناقشة، ومن بعد يوضح بعض النقاط المهمة التي جاءت في تقرير المصير ...
وبين رئيس الوزراء م دوبرية في ١٢ أبريل ١٩٦٠ م بقوله: ان في حالة اختيار الانفصال فلن يكن هناك حل سوى التقسيم ...
وكان موقف جبهة التحرير واضحا من أول الثورة لأن مقررات مؤتمر واد الصومام لم يكن بوسع أي أحد أن يتنازل عنها لذلك كانت فرنسا هي التي تضطر الى التنازل.
بدأ الجنرال يتقارب، فقال (ان الاستفتاء يتم على مرحلتين: المرحلة الأولى يختار الجزائريون بين الانفصال والارتباط مع فرنسا، وإذا اختاروا الارتباط، فإن المرحلة الأخيرة يكون استفتاء على طبيعة هذا الارتباط، وأخد يدخل تعديلات على مشروعه، وأهم تعديل هو ما صرح به في ٤ نوفمبر ١٩٦٠ فقال إنني مستعد لقبول قيام جمهورية جزائرية ما دام الجزائريون يريدون في ذلك) وقال (حتى اذا بقيت الجزائر مرتبطة مع فرنسا يجب أن تكون لها أجهزتها الحكومية الخاصة ...
وقد اعتبر اليمنيون وغلاة الاستعمار من المتطرفين هذا التصريح تساهلا جديدا يضاف الى مشروع سنة ١٩٥٩ م لأنه يجعل الاختيار محصورا في أمرين: الانفصال أو الاتحادية، ويسقط الحل الثالث وهو الاندماج ومن بعد هذا التصريح قامت موجة من الاضطرابات في صفوف اليمينين في فرنسا والجزائر، واستقال كثير من المشاركين في حزب ديغول المعروف باسم اتحاد الجمهورية الجديدة، فأجرى الجنرال استفتاء شعبيا على سياسته في الجزائر فكانت النتيجة ٧٥ % من الأصوات في فرنسا معه.
والواقع أن الجنرال ديغول واجه مشكلة الأوربيين في الجزائر وفي فرنسا حتى قبل إعلان مشروعه، وذلك حين أمر بحل لجان الأمن العام لأنه خاف أن يكون أداة في أيدى الذين نادوا به، ومن
стр. 250
بعد الاعلان عن مشروعه ازدادت العلاقة بينهما سوءا، فصرح الجنرال ماسو قائد فرقة المظليين لصحيفة ألمانية في أول يناير ١٩٦٠ م بأن الجيش قد يضطر أحيانا لعدم الوضوخ لأوامر الحكومة، لكن الجنرال ديغول اتخذ معه موقفا حاسما بحيث أخرجه من الجيش لأن تصريحه شجع المعمرين على القيام بحركة عصيان مضادة للحكومة وفي ٢٦ يناير الى ٢ فبراير سنة ١٩٦٠ قام أوربيو الجزائر بأول حركة تمرد واسعة واستولوا على السلطة في الجزائر، وأقاموا المتاريس في الشوارع العامة ولحسن حظ الجمهورية الخامسة أطاع الجيش أوامر الحكومة المركزية، وقضى على هذه الحركة، وإن كان بعض الضباط فعلوا ذلك على مضض ...
وحركة العصيان هذه لم تقتصر على حركة الغلاة من المعمرين في الجزائر بل شملت أحزاب اليمين في فرنسا، وتكتل الجميع باسم جبهة التحرير الفرنسية الذي يرأسها م جورج يبدو أحد كبار السياسة في عهد الجمهورية الرابعة، وزعيم حزب الحركة الجمهورية الشعبية، ولكن اخطر ما تعرضت له الجمهورية الخامسة هو محاولة الانقلاب العسكري الذي قام به أربع جنرالات وهم راؤول سالان، وشال، وزيلير، وجوهو، في الثاني والعشرين من أبريل الى ٢٦ منه ١٩٦٠ ولكنها قمعت في الحال مثل الحركات الأخرى ...
تشدد الجزائريون في ضمانة سلامة الاستفتاء، وصمموا على مواصلة الحرب، وكانوا مستعدين لتحمل جميع الآلام والمشاق والمتاعب، وفي أول يوم من السنة السادسة من القتال صرح وزير الدفاع الجزائري بقوله ((إننا مصرون على مواصلة الحرب حتى النصر، ولدينا من القوة ما يمكننا من القتال عشر سنوات أخرى) كما أبلغت القيادة العليا لجيش التحرير هذا البلاغ الى جنودها صباح يوم ٤ أكتوبر ١٩٥٩ م بقولها: (ان تقرير المصير الذى انتزعتموه بكفاحكم والخطوة التي قطعتموها عظيمة، وقد أصبح الاستقلال في متناول أيدينا، ولكن لا يمكن ذلك
стр. 251
بحال من الأحوال أن يشكل تقرير المصير هدنة، فالمعركة مستمرة، وسنواصل القتال حتى النصر وشعارنا اتحاد، عمل، يقظة، ثقة ...
عاد وزير الخارجية الجزائري الى تأكيد مواصلة القتال، وذلك لتصريحه أثناء انعقاد مؤتمر حكومة الجزائر المؤقتة للدول العربية في دمشق فقال (لن يلقى الشعب الجزائري السلاح الا عندما تحصل الجزائر على حريتها واستقلالها فشعب الجزائر عاقد العزم على مواصلة الكفاح الى أن يتحقق النصر أما شعب فرنسا فهو غير مستعد، وهذه حقيقة تعرفها حكومة فرنسا جيدا) دمشق ٨ تشرين الثاني ١٩٥٩ م.
وفي الرابع من تشرين الأول ١٩٥٩ م- أصدرت القيادة العليا لجيش التحرير أمرا يوميا أذاعته على المجاهدين في جميع مواقعهم بجبهات القتال بأن أي اقتراح بالاندماج أو الاتحاد مع فرنسا مرفوض ووصفت اعتراف الجنرال بحق تقرير المصير بأنه نصر للثورة وأكدت قيادة الثورة بقولها (ان الثورة قوية أكثر من أي وقت مضى، وأن باب الاستقلال مفتوح للجزائر، استطردت تقول ان هذا النصر نصركم، وتقرير المصير انتزعتموه بكفاحكم يساندكم في ذلك شعب لم يتهرب أمام أية تضحية، وتشد أزركم الدول المحبة للحرية.
حاول الجنرال ديغول: أن يكون قوة ثالثة من بين النزعات القومية للجزائريين من جهة، والمستوطنين الفرنسيين والجيش من جهة أخرى، وراح يكرر في نهاية ١٩٦٠م عبارة الجزائر الجزائرية، وتمهيدا لهذه الخطة أعلن أنه ليس من الضروري انتظار انتهاء القتال للشروع في تزويد الجزائر الإدارية الخاصة، أجرى انتخابات المجالس البلدية، وظهر فيها أنصاره بالأغلبية الساحقة سواء كانوا من الجزائريين أم من الفرنسيين، وتبين أن هؤلاء قد كونوا اتجاها متميزا عن الاندماجيين كما أعلن ديغول عن نيته في تأسيس جيش جزائري في إطار هذه السياسة، ولكنه أخيرا أدرك استحالة تكوين هذه القوة الثالثة الذي أراد تجمعها من المعتدلين الجزائريين والأوربيين على السواء ...
стр. 252
ولم يلبث أن لمس الحقيقة بنفسه وهى أن أية مفاوضة مع غير جبهة التحرير ستكون عبثا، وحينها قام بزيارة الجزائر في العاشر من شهر ديسمبر ١٩٦٠ ليشرح سياسته الجديدة انتهز المعمرون هذه الفرصة فعبروا عن العنصرية بأفظع صورها، فقاموا بحركة رهيبة من القتل الجماعي والتخريب في مدينة الجزائر العاصمة ووهران، وذهب ضحية هذه البربرية خلق كثير من المسلمين، ولما رأى الشعب الجزائري هذه الاعمال الوحشية قام بمظاهرات كبرى معاكسة حاملا الأعلام الجزائرية متحديا الموت مناديا بالشعارة الوطنية وبجبهة التحرير ...
ومن المعروف أن الصراع بين العناصر المتجاورة تترك أثرا عميقا أكثر مما تتركه الحرب المألوفة.
هذه المظاهرات الشعبية هي التي ردت عقلية الجنرال الى الصواب، وجعلته يشعر بأن كل إجراء يتخذ بدون اتفاق مع جبهة التحرير سيكون مآله الفشل، وعاد الى باريس، وهو يؤمن بعدم الحلول الوسطى في هذه القضية الشائكة، فبدأ يمهد السبيل لكي يخطو الخطوة النهائية ألا وهي المفاوضات على تقرير المصير مع جبهة التحرير لتحصل الجزائر على استقلالها التام. ومن بعد مفاوضة (إيفيا) اصبحت الجزائر دولة ذات سيادة حرة مستقلة، وذلك بفضل الإسلام الذي دفع الشعب الى جهاد الاستعمار حتى أحرز على النصر النهائي.
стр. 253
﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ قرآن كريم
стр. 254
الخاتمة
الأمة الاسلامية هي أمة القرآن، إليه يرد أصلها، وبه يعرف نسبها ومنه نسحب وتنسج ما تلبس من حلل العزة والكرامة والسيادة، ولن يمسك وجودها الا رعايتها للقرآن الكريم، واجتماعها عليه ويوم تفتر عزيمتها عن المضي فيه أو تسترخي يدها عن الشد عليه والتعلق به يوم يكون- ولا كان- ردتها الى الجاهلية، وركسها في الضلال، ورعيها في الهمل مع السائمة والهائمة من حواش الأمم ونفايات الشعوب.
وتاريخ المسلمين مع القرآن الكريم يشهد لذلك شهادة قائمة على هذا الحساب، مقدرة بهذا التقدير، جارية معه طردا وعكسا فإنه على قدر ما كان يقترب المسلمون من كتابهم الكريم، وبقدر ما كانوا يرعون حقه ويؤدون أماناته، كان نصيبهم من الخير، وكان حظهم صن السلامة في أنفسهم وأموالهم وأوطانهم. فيأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويؤمنون بالله.
والعكس صحيح، فإنه على قدر ما كان يبتعد المسلمون عن كتابهم وبقدر ما يفرطون في حقه ويستخفون بشأنه بقدر ما كان بعدهم عن الخير وكان دنوهم من الخطر، وتعرضهم لآفات التفكك والانحلال فعن شأن القرآن أن يقيم المتصلون به على طريق الحق.
ان الذي يستقيم على دعوة القرآن لهو إنسان سليم في كيانه ومعافى في نفسه، ثم هو قادر على أن يحمل الهدى الى غيره، فيأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويكون خليفة الله في الأرض وخليفة الرسول في الدعوة وهداية الناس إليه.
ولكن صحبة المسلمين للقرآن لم تكن قائمة على العدل والاحسان في جميع الأحوال فكثيرا ما أساء المسلمون تلك الصحبة وأوسعوها جفاء وعقوقا حيث يعيش فيهم القرآن غريبا لا
стр. 255
يقفون عنده ولا يلتفتون إليه ولا يتدبرون آياته، ولا يتلقون بعض ما فيه من الخير والهدى.
والجفوة التي بين المسلمين وبين القرآن الكريم جفوة غليظة مستحكمة، قد تداعت عليها دواع كثيرة أحكمت بنيانها وثبتت دعائمها، فلم يعد بين المسلمين وبين القرآن طريق يصلهم به إلا تلك الطريق الدراسة الطامسة التي تتصاعد منها أتربة وأدخنة تعمي الناظر عن كتاب الله ووجود الخير والحق الذي فيه.
وان حظ المسلمين من القرآن اليوم هو حظهم من مخلفات الآباء والأجداد مما تضمه المتاحف ودور الأثار، يزورونها إلماما، ويطرقونها حينا بعد حين. قد تثير فيهم تلك الزورة نشوة ...
وتبعث فيهم عزة عادية، يقولون إننا نلم القرآن إلماما، ونلقاه حينا بعد حين ونتذكر به في تلك اللقاءات من مواعظ وعظات ثم لا يلبثون حتى تذهب عنهم ما علق بأذهانهم من العظات قبل أن يضعوا المصاحف من أيديهم، والمسلمون في الصدر الأول للإسلام أغناهم القرآن عن كل شيء لا يمدون أبصارهم الى غيره ولا يأخذون لدينهم ودنياهم الا بما يوحى به اليهم علمه وترمى به اليهم آياته وطبيعي أن هذا الذي نقوله عن كتاب الله تقوله كذلك فيها ثبت عن سنة رسول الله ﷺ القولية والفعلية، إذا كانت السنة المطهرة تطبيقا شارحا لكتاب الله وفي هذا يقول الله تعالى: ﴿وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ - سورة الحشر-.
ولا يستقيم القول بأن القرآن مصدر تشريع إسلامي الا بفهم صحيح ولا يكون هذا الفهم الصحيح السليم الا عن طول تأمل وتدبر لكتاب الله وتذوق لأساليب بيانه والوقوف على بعض أسراره.
وبهذا الفهم لكتاب الله يتحقق لنا أمران:
أولاهما: اتصالنا به اتصالا وثيقا قائما على معرفته، وتذوقنا لجنى طعومه الطيبة هذا مما يجعل تلاوتنا للقرآن تلاوة تؤثر في نفوسنا وتقع على قلوبنا بردا وسلاما ونتجاوب مع آدابه،
стр. 256
وتستجيب لندائه فيما يدعو إليه من أمر بالمعروف ونهي عن المنكر.
ثانيهما: تصور مسائل الدين تصورا واضحا محددا بلا قول ولا معلقات وبهذا يعرف المسلم الحكم قاطعا فيما أحل الله وفيما حرم، فيكون على بينة من أمره فيما يأخذ أو يدع من أمر دينه.