Полный текст (256 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
وقبل كل شيء، ومن ثم يعطى لهم شيء ما تحت الحكم الفرنسي، أما المفاوضة الند للند ففيه إهانة فلا يرضى بها الجيش أبدا.
هذه طبيعة المعمرين إنهم لا يريدون التفاهم مع غيرهم أبدا ولم يتعظوا بما وقع لهم بالهند الصينية ولا بالمغرب العربي ...
ولم تكن هذه المرة الأولى يتمرد فيها المعمرون على الحكومة المركزية خلال الثورة الجزائرية فقد حدث في يوم ٦ فبراير ١٩٥٦ م أن ثار المعمرون على الحكومة الاشتراكية وأجبروا رئيسها على تبديل الوالي العام الذى عينه للجزائر وهو الجنرال كاترو محتجين بأنه اشترك منذ قليل في المفاوضات التي أدت الى دعوة محمد الخامس الى الحكم في المملكة المغربية ...
ولما تمت المؤامرة، واتفق المعمرون مع قادة الجيش المحارب في الجزائر على الانقلاب لكي يتخلصوا من حكم اليسريين التقدميين الذين يريدون مسايرة الظروف والتطورات العامة.
وبعد ما اتفقوا على الشخصية التي تتولى الحكم بعد الانقلاب وهذه الشخصية الجنرال ديغول بطل الحرية كما يسمونه هي التي ينادى بها الجيش رئيسا للحكم لأنه يتمتع بسمعة طيبة في الأوساط الفرنسية، وهو الرجل الوحيد الذي يستطيع أن يوحد كلمة الشعب لأنه محبوب من جميع طبقاته.
ومن رجال الانقلاب كانوا يريدون أن يجعلوه رمزا للحكم فقط ليس له من النفوذ شيء، أما التسيير للحكم فهو لمدبري الانقلاب، وقرروا أيضا بأن تبقى الجزائر فرنسية قلبا وقالبا ذاتا وروحا مهما كانت الأحوال، ومواصلة الحرب ضد الثوار الى أن يقضى على الثورة تماما، ولا يتنازلون عن شيء ولو كان حقيرا تافها، فكل شيء يتنازلون عنه يؤدى حتما الى الاستقلال، والانفصال عن أم الوطن ...
الحل الوحيد للجزائريين - في نظرهم - هي المساواة في الحقوق والواجبات في دائرة القانون الفرنسي، وتجريدهم من قوميتهم وشعائرهم الدينية والأخلاقية، وإدماجهم في العائلات الفرنسية حتى يصبحوا مواطنين فرنسيين هذا ما اتفق عليه أصحاب الانقلاب ...
стр. 212
نداء الجنرال ديغول لتولي رئاسة الحكم
وفي ١٣ ماي ١٩٥٨م - أقام المعمرون بالاستلاء على الولاية العامة في الجزائر.
وسرعان ما انضم إليهم معظم قادة الجيش الفرنسي وعلى رأسهم "راؤول سلان" قائد الاركان الحربية و "جاك ماسو" قائد فرقة المظلات وأعلنوا الى العالم استلامهم للحكم في الجزائر، وألفوا لجان أمن في أنحاء الوطن لتدير الحكم في البلاد وشكلوا مجلسا عسكريا يتألف من إحدى عشر عضو برئاسة زعيم الانقلاب "الجنرال ماسو" وأول عمل قام به هذا المجلس هو إرسال نداء الى الجنرال ديغول لتولى مقاليد الحكم، وبرقيات التهديد الى كل من رئيس الجمهورية والوزراء ورئيس الجمعية الوطنية في باريس الذين يريدون فصل الجزائر عن فرنسا، الويل لهم إن لم يستجيبوا لهذا النداء وعهدوا بالحكم في الجزائر مؤقتا الى الجنرال (راؤول سلان) هذا ما وقع في الجزائر.
أما في فرنسا فقد تفاقم الأمر واضطربت الأحوال وانقسم الفرنسيون على أنفسهم، فالعناصر الرجعية الاستعمارية هللت وكبرت لهذا الانقلاب، وانضم الجيش كله سواء كان في فرنسا أو في البلدان الأخرى الى هذه الثورة.
بدأت لجان الانقاذ تنتشر في الجزائر وفي فرنسا، وأعلن الرأسماليون انضمامهم الى هذا الانقلاب، وأخذت أحزاب اليمين تمهد الطريق الى الدخول في الحكم، وتطالب برجوع الجنرال ديغول الى الرئاسة ...
وسرعان ما احتل رجال الانقلاب جزيرة (كورسكا) من طرف جنود المظلات، وفي ١٦ - أيار ١٩٥٨ م، أعلن الجنرال سالان بصفته القائد العام للقوات الفرنسية في الجزائر تأييده لعودة الجنرال ديغول الى الحكم، واستعد الجيش الفرنسي لاحتلال العاصمة الفرنسية نفسها، وكانت العناصر المتطرفة تمهد
стр. 213
الطريق لذلك، وفي ١٩ - من ايار، نشرت صحيفة الفقار وكتابا للمارشال ألفونس جوان الاستعماري الحقود قال فيه (إنه لم يعد يؤمن بالزعماء السياسيين لأنهم يسعون بأن يجعلوا البلاد تقبل منح الاستقلال للجزائريين) وقال نائب فرنسي لقائد قوات الحلف الأطلس (لم تعد أقل ثقة في كلام زعمائنا أنهم لم يكفوا منذ أربع سنوات عن دفعنا في مزالق الاستسلام ...
وقال المارشال جوان: ان هناك أمرا فقط يستأثر باهتمامنا من الآن فصاعدا هو زيادة العسكرية واستبعاد كل مفاوضة مع قاطعي الرقاب، لقد طالبت بذلك منذ زمن بعيد دون أن أجد أدانا صاغية) وضاعف الانقلابيون الفاشيست من جهودهم المؤيدة بالقوة المسلحة فرض الجنرال ديغول على الحكم لتبقى الجزائر فرنسيه الى الأبد ...
وكان الانقلابيون يرمون من وراء ذلك اقامة حكم دكتاتوري مطلق في فرنسا، واتخذوا اسم الجنرال ديغول مطية للوصول إلى أهدافهم لما له من الشهرة الواسعة، وبعد الصيت في الأوساط الفرنسية وفى غيرها من البلدان المستعمرة ... هذه هي نظرية الجيش الفرنسي، ومن التف حول من غلاة المعمرين والمتطرفين من الأحزاب اليمينية في هذا القائد المشهور ...
عقد الجنرال ديغول ندوة صحفية مساء يوم ٣٣ ايار ١٩٥٨م أظهر فيها استعداده لتولي رئاسة الجمهورية الفر نسية كما فعل قبل ذلك في أزمة وطنية خطيرة للغاية الا أنه حرص على أن تكون توليته للحكم عن طريق الدستور. ولم ينس أن يخاطب رجالة المتمردين في الجزائر، ومؤيديهم من الفاشيست في فرنسا وأصحاب المصالح الاستغلالية من رجال الحكم قائلا: ان مستقبل فرنسا وماضيها مرتبطان بمستقبل الجزائر وماضيها فتنفس المتطرفون عند ما سمعوا هذا التصريح الصعداء وظنوا أنهم بفضل هذه الثورة العارمة والانقلاب الموفق ضمنوا فرنسة الجزائر.
стр. 214
وفي ٢٠ - ايار ١٩٥٨م صرح مجرم الحرب (لاكوست)، في باريس مهددا حكومة "فلملان" قائلا لا يستطيع أي شيء أن يوقف زحف الثورة الجزائرية الفاشية ...
أما القوة الشعبية الديمقراطية كانت تعارض عودة الجنرال ديغول الى الحكم، ومنذ الانقلاب أصبحت حكومة (فلملان) تواجه أخطر أزمة تمر بفرنسا، وفي ساعة مبكرة من صباح يوم ١٦ - أيار ١٩٥٨ م. صرح رئيس الحكومة عقب الانتهاء من اجتماع مجلس الوزراء بأنه سيطلب من الجمعية الوطنية اقرار مشروع قانون يقضى بإعلان حالة الطوارئ في البلاد وقال: استعرضت الحكومة في اجتماعها آخر تطورات الموقف وهى تعتمد على الجيش الذى يؤمن بتقاليده التي تحتم عليه أن يكون وصيا على الوحدة ...
أسفر اجتماع المجلس الوطني عن قرار يمنح حكومة) فلملان) حالة الطوارئ لمجابهة قضية إعادة الأمور الى مجاريها الطبيعية بين الحكومة والجيش، وعلى الفور أمرت الحكومة بإلغاء اجازات جميع الجنود والضباط وعودة المجازين منهم الى وحداتهم فورا، وعلى إثر صدور هذا القرار أصبحت القوات الفرنسية المسلحة في التراب الفرنسي تحت السلاح وفي حالة استثنائية وفي ١٧ - ايار ١٩٥٨م أصدرت منظمة العمال سلسلة من البيانات تعلن اعتزامها عن الاضراب والقيام بمظاهرات ضد دعوة الجنرال ديغول الى الحكم، وأخذت القوى الديمقراطية تعبئ قواها للدفاع عن النظام الجمهوري الديمقراطي، فتشكلت في عدد مدن لجان معادية للفاشيست ضمت في صفوفها ممثلين عن أكثر الأحزاب، ومنظمات الشباب والنقابات، وأخذت على عاتقها تنظيم الجماهير وتعبيتها للدفاع عن الجمهورية ضد الانقلاب الفاشي الزاحف بالتهديد الى الحكم، وعقدت مؤتمرات شعبية للطلاب والعمال ضد الحرب في الجزائر شملت باريس ومختلف مدن فرنسا، وفي يوم واحد عقد في باريس وحدها احدى عشر مؤتمرا شعبيا كلها تحتج على محاولة الجنرال ديغول الى الحكم، وتطالب بإنهاء الحرب في الجزائر، أصبحت فرنسا من جراء هذا الانقلاب مهددة بحروب أهلية.
стр. 215
وفي ١٥ - أيار ٥٨ أعلن الثوار الجزائريون عن موقفهم إزاء حركة التمرد العسكري هذه على لسان مدير جبهة التحرير الدكتور الأمين الدباغين في حديث أولى به الى وكالة أنباء الشرق الأوسط بالقاهرة قال فيه: ان حركة التمرد التي يقودها الجنرال ماسو في الجزائر هي نتيجة ضعف الحكومات الفرنسية ولما رأى رئيس الجمهورية (كوتى) أن الخلاف قد نشب بين الأحزاب، والحروب الاهلية باتت قاب قوسين أو أدنى، فخاف من هذه الحالة التي تنذر بشر مستطير انحاز الى مدبري الانقلاب واتفق معهم على استدعاء الجنرال الى الحكم، واستعمل نفوذه لدى أعضاء الجمعية الوطنية لإقناعهم بمنح الثقة الى الجنرال فما وسع حكومة فلملان الا الرضوخ للأمر الواقع، وقبلت التنازل عن الحكم وسلمت مقاليده الى الرئيس المعين الذي لبى نداء الجيش ووعد الجميع برجوع السلم الى الجزائر في أقرب وقت ممكن ...
стр. 216
صعود الجنرال ديغول الى الحكم
كان المفكرون من الفر نسيين الأحرار ينظرون الى هذا الرجل الذي نادت به الأغلبية من الشعب نظرة تختلف عن نظرة الفريقين معا فكانوا يرون فيه القائد المحنك والمنقذ الوحيد لفرنسا مما تتخبط فيه من أزمات حادة ووطنية متحجرة وعقليات رجعية بغيضة زجت بالشعب الفرنسي في حروب دامية متواصلة الحلقات طويلة الأمد أودت بزهرة الشباب وبثروته المالية وبسمعته وشرفه، وكان داهية حقا ذا وطنية عميقة وطموح كبير، ففطن الى خطة الجيش الذى دبر الانقلاب، وما يعتزمه من الأعمال التي لا تتفق مع الأوضاع الديمقراطية، ولا تتلاءم مع الظروف الحالية، وكان على علم تام لما يرمي إليه الجيش من الأهداف البعيدة، وأدرك أن عهد الاستعمار قد انقضى وولى، وكان عازما على اصلاح الجهاز الإداري المتعفن، وتوسيع الاقتصاد وتطور الصناعات حتى تلتحق فرنسا بمصاف الدول العظمى، ورسم خطة محكمة للمستعمرات التي هي تحت الحكم الفرنسي لتصبح مرتبطة بفرنسا رباطا وثيقا وتتعاون معها في جميع الشؤون ...
لهذا استجاب للنداءات المتكررة وقبل الحكم، ولكنه اشترط أن تفوض اليه جميع الأمور، فرضى الجميع بهذا الشرط، وفي ٢ حزيران ١٩٥٨م منحت الجمعية الوطنية الثقة للجنرال ديغول بأغلبية ساحقة، وعلى إثر إعلان هذه النتيجة طالب الجنرال الجمعية الوطنية بمنحه سلطات خاصة أكثر من التي حصل عليها أسلافه في الحكم لمعالجة الثورة الجزائرية التي مضى على نشوب الحرب فيها أكثر من ثلاثة أعوام ونصف، وفي الثالث من هذا الشهر صادقت الجمعية الوطنية على إصلاح الدستور الذى قدمه الجنرال ديغول ...
стр. 217
ولما تسلم الجنرال الحكم قصد مقر رئاسة الوزراء، فكان أول المهنئين له مجرم الحرب (لاكوست) الوزير المقيم في الجزائر ...
والآن ألقى نظرة على قصد الجنرال ديغول هل كان حقا يريد تطبيق سياسة تقرير المصير على الجزائر منذ صعوده الى الحكم، ولم يعلن عنها الا من بعد أن واتته الظروف وقضى على المعارضة؟ أم أنه كان يريد مثل سابقيه من حكام فرنسا أن يحل القضية الجزائرية حلا عسكريا تدريجيا تحت ضغط الحوادث التي انتهت بتقرير المصير ...
وعلى كل حال فلكل من النظريتين شواهد تدل على صحتها وإنى أمضى مع هذا الرجل منذ توليه للحكم ومعالجته لمشكل الجزائر الى الاستقلال وأبين الحوادث التي وقعت في عهده والقارئ الكريم يحكم بصفة نظرية من هاتين النظرتين وفي اليوم التالي من توليه للحكم طار الى الجزائر، وهناك استقبل من الفاشيست والعسكرين استقبال الفاتحين، وأحاطوه بهالة كبيرة من التقديس والاجلال، وكان متقمصا شخصية "نابليون العظيم" فألقى خطابا موجزا في المفوضية العامة قال فيه: (سأجعل جميع الجزائريين فرنسيين: وسأعمل على إيجاد جنسية فرنسية واحدة لكل سكان الجزائر، واعترف بشجاعة الجزائريين)، وقال:) ان البطولة لم تكن غريبة عن أرض الجزائر (.
وفي اليوم السادس من شهر حزيران ٥٨ - زار وهران وأكد لمستقبليه أنه سيتولى بنفسه إدارة شؤون الجزائر حتى يضمن النجاح التام لانتصار فرنسا في حربها ضد الثوار، وزار عدة مدن وقرى، وألقى عدة خطب كثيرة كلها تحث على إرجاع السلم والهدوء، وكلامه على مصير الجزائر كان غامضا ومبهما، وغلاة المعمرين كانوا يريدون منه أن يصرح بأن الجزائر فرنسية، ولكنه امتنع ولم يتلفظ بها أبدا الا مرة واحدة في مدينة مصطفى غانم ...
علقت القيادة العليا للثورة الجزائرية على خطابه فقالت:) ان خطاب الجنرال الذى يعد فيه بالمساواة والادماج بين الشعبين
стр. 218
جاء بعد أربع سنوات من الثورة الوطنية، ولا يشكل سوى خطوة أخرى في القتال المستمر)، ورد كذلك القادة من جيش التحرير على خطابه الذى ألقاه في مدينة وهران ببيان جاء فيه) سنتابع الحرب حتى النهاية ضد ديغول المتنكر في زي بيتان (.
وعاد الجنرال ديغول مرة أخرى الى الجزائر وخطب في اليوم الرابع من تموز ٥٨ قائلا: (ستبدأ حكومتي في تقديم من المال للمصانع والمزارع، ومشاريع الاسكان والمدارس في الجزائر وقد خصصنا مبلغ ١٥ مليارا فرنك قديم تصرف فورا على تعمير الجزائر اقتصاديا، ولكن لا تنتهى هذه السنة دون ان أعلن عن المشاريع الكبرى ومواريد الطاقة التي ستؤمن لإدارتها واختتم كلامه قائلا بالتوجه الى العرب "سيدمج الجزائر وفرنسا كما سيعطى حقوقا متساوية في التصويت، وستمنح نساؤهم حق التصويت" وأعلن في الدستور الجديد بأن كلا من الجزائر وفرنسا دولة واحدة ...
وكان لهذا الانقلاب الفاشي وتولى الجنرال الحكم صدى كبير ومهرجانات عظيمة في الأوساط الاستعمارية ألقيت فيها الخطب الرنانة، وتخللتها التصفيقات الحادة، وتبودلت فيها التهاني بين غلاة المعمرين والجيش ...
وفي الحقيقة أنها فترة راحه من الحمى الشديدة التي تعترى المنهوك القوى. ولذا لما تفرق المجتمعون ورفعت الستائر وأطفئت الأنوار، وجد المعمرون أنفسهم كما كانوا قبل الانقلاب، والثورة الجزائرية أشد لما كانت عليه من القوة والضراوة والشعب أكثر تماسكا واتحادا وأمضى عزيمة وصلابة علق الملاحظون السياسيون آمالهم على هذا القائد العظيم في حل هذه القضية الشائكة، وجعل حدا لهذه الحرب المجرمة لأنه هو الرجل الوحيد الذى يقدر على فصل هذه القضية نظرا لشخصيته القوية ونفوذه الكبير، وكان بعض الشخصيات عالمية وفرنسية يتمنون رجوعه الى الحكم من قبل أن يتولى ليريحهم من عناء هذه المشكلة العويصة ...
стр. 219
لكنه ويا للأسف أذهبت هذه الآمال أدراج الرياح، فكان يفكر منذ اللحظة الاولى التي تولى فيها الحكم كيف يقمع الثورة الجزائرية بالقوة، أو الانتهاء منها في أسرع وقت ممكن بعد ما أحرز لنفسه على موافقات الدستور وسلطات واسعة فحشد أقصى ما يمكن من قوة حربية وجابه بها الثورة ليستأصل شأفتها ويقضى عليها تماما حتى يفرض الحل الذى يريده للشعب الجزائري.
ولهذا لما تسلم الحكم فبدلا من أن يعترف بالاستقلال الذي تكون فيه بالطبع حقوق الجالية الأوربية مضمونة، بالأقل يتفاوض مع قادة جبهة التحرير على خطة ما ترضي الطرفين لتكون العلائق مع فرنسا حسنة فهذا وحده فقط يجعل للأحزان والآلام التي تسلطت على هذا الشعب منذ الاحتلال والدماء تسيل، ولكنه قرر الاستمرار في الحرب، وزاد في قوة الجيش، وفرض عليه أن يسكن في قمم الجبال، وكان يكثر الاجتماعات مع قادة الجيش لدراسة خطط الحرب دراسة دقيقة على الخرائط ودراسة طبيعة الأرض التي يدور فيها القتال، وكان بين آونة وأخرى يأتي الى الجزائر ليتفقد الجند، وصمم على أن يقف في وجه الثورة موقفا إيجابيا وحازما فاستعمل كل ما يملك من قوة ودهاء، وكان سلاحه ذا حدين فيبرق ويرعد عن الثورة، ولكن هيهات أصبح الشعب لا ينخدع بالوعود الكاذبة بل ازداد ثقة بنفسه وبثورته العارمة وتمسكا بقيادته واتحادا في صفوفه. وضاعف صبره على العذاب الذي أفرغ على أم رأسه ...
وكان هذا القائد يرى نفسه فوق أقطاب العالم سياسة ودهاء وتقدما، ويرى فرنسا هي أم الحرية والديمقراطية في العالم، ولهذا منع كل من أراد أن يتوسط في حل القضية من الدول المحبة للسلام منعا باتا، ولم يقبل أي نصيحة من أي انسان كان، ولم يعترف بأن هذه القضية خارجة عن نطاق فرنسا ...
كان العالم ينتظر من هذا الجنرال أن يحل القضية، ولكنه كان مشغولا بمواصلة المعارك وتخطيط البرامج، وتجهيز الجزائر اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا لتحسين أحوال السكان وزيادة الانتاج والعتاد الحربي في فرنسا، والحلف الأطلسي يشد أزره ويؤيده في محاربة الثوار ...
стр. 220
أمقت العالم هذا الادعاء بالعظمة الموهومة، والشرف المزعوم، فتركه يتيه في أحلامه وأوهامه، ولم يبق مواليا له من الدول الا الدول الاستعمارية التي تسير على غراره في السيطرة على الشعوب الضعيفة، واتجهت شعوب العالم الثالث الى مؤازرة الشعب الجزائري في كفاحه التحريري والوقوف بجانبه ...
وأحبطت الثورة الجزائرية جميع البرامج والخطط الحربية التي ينظمها الجيش الفرنسي بإشراف الجنرال ديغول نفسه، وجميع المؤامرات والدسائس التي كانت تحاك في الخفاء، ووصلت الثورة مرة أخرى الى تهديد الشعب الفرنسي بالانقسام والحرب الأهلية، وعندئذ عرف غالب الفرنسيين أن استعمال القوة لن يجدى شيئا، ولم يكن الجنرال أفضل من سابقيه من الحكام الذين سبقوه، ولهذا أصبحت الأغلبية الساحقة من الفرنسيين تنادى بحل القضية حلا عادلا ...
стр. 221
تجديد الدستور الفرنسي
ولما تمكن الجنرال من قبضة الحكم وضمن ثقة الشعب الى جانبه، وخلا له الجو من المعارضة حل الجمعية الوطنية وألف لجنة من المشرعين الكبار وأرباب القانون ليجددوا له الدستور، ووضع لهم تصميمات خاصة، وكانت هذه اللجنة لا تقر المواد بصفة نهائية الا بمراجعته ومشورته حتى جاء هذا الدستور الجديد مطابقا لفكرته لأن الأعمال التي يريد اعتزامها لا بد له من موافقة الدستور عليها وهذا الدستور يترك الباب مفتوحا أمام المستعمرات في افريقيا الغربية والوسطى لكى تختار بين البقاء في العائلة الفرنسية، أو الانفصال عنها، لأنه كان خائفا من ثورة الجزائر أن تمتد الى هذه المستعمرات، ولم يشرك الجزائر في هذا الاختيار لأنه كان يعتبرها أرضا فرنسية ...
ولما تم الدستور قدمه الى الشعب الفرنسي، والى الشعوب المستعمرة في افريقيا للمصادقة عليه، وعين له يوم ٢٦ سبتمبر ١٩٥٨ م، وأخذ في بث الدعاية له ونشر مواده على صفحات الجرائد في فرنسا والأقطار التابعة لها وسافر الجنرال بنفسه الى افريقيا السوداء ليفهمها في هذا الدستور حتى تصادق عليه بإجماع.
وكانت قوات الأمن والمنظمات الفاشية والعسكريون يضغطون على السكان المسلمين ليشاركوا في هذا الاستفتاء باعتبارهم فرنسيين ...
قابلت الثورة هذه الاعمال المنافية للمعقول والمنطق الصحيح بإجراءات مضادة لها، ففي يوم ٢٥ من أغسطس ١٩٥٨م أمرت جبهة التحرير الفدائيين أن يحطموا المنشآت الاقتصادية والعسكرية في أرض فرنسا نفسها، فعم التخريب جميع الوطن الفرنسي كاملا، فكانت خسائر كبيرة تعد بالمآت المليارات.
وفي يوم ٢٦ - ايلول ١٩٥٨م جرى الاستفتاء العام على هذا الدستور وقبل الاستفتاء صرح القائد الجزائري بوصوف قائلا:
стр. 222
لن يشترك أي جزائري واحد في هذا الاستفتاء الذى سيقع في هذا الشهر على دستور الجنرال ومضى يقول (ان ثورة الجزائر يمكن أن تستمر عشر سنوات أخرى، وسيكون لدى الثوار الأسلحة الكافية التي تمكنهم من مواصلة الحرب، ولا تستطيع فرنسا الاستمرار في الحرب بدون مساعدة أمريكا (.
امتنع المسلمون عن الاشتراك في هذا الاستفتاء مستجيبين في ذلك الى قرار قيادتهم بمقاطعته. وقام الفدائيون بتحطيم مراكز الانتخاب ...
ولما بدئ الاقتراع على هذا الدستور حملت السلطة الفرنسية المسلمين في الشاحنات وسيارات النقل إلى مراكز الاقتراع مستعملة في ذلك القوة، وقي مساء نفس اليوم أذاع السيد فرحات عباس رئيس الجمهورية الجزائرية المؤقتة أول بيان سياسي مند إعلان الحكومة قال فيه: (ان الشعب الجزائري لن يلقي السلاح الى أن يتم الاعتراف بحقوق الجزائر في السيادة والاستقلال، والجزائر ليست فرنسا، والشعب الجزائري ليس فرنسيا، وأشار الى الاستفتاء حول الدستور الفرنسي الذى بدأ اليوم في الجزائر، هو ضغط لا يحتمل على شعب يكافح من أجل الاستقلال (.
انجلت معركة الانتخابات عن قتلى ومساجين من طرف الجزائريين الذين رفضوا المشاركة في هذا الاستفتاء.
ولأول مرة خرجت النساء المسلمات من خدورهن الى صناديق الاقتراع يسوقهن الجند أمامه، وعد الجنرال هذا من مفاخره العظيمة وحادثا هاما في سياسته وتقدما محسوسا نحو الحرية التي ينشدها الجزائريون ...
صوتت شعوب افريقيا السوداء كلها بنعم، واختارت البقاء في المجموعة الفرنسية الا غنيا فضلت الانفصال عن هذه المجموعة دون أن تتعرض لأى ضغط ...
وباختصار فإن هذه المجموعة من الأفارقة وافقت على ما جاء في هذا الدستور من المواد ورضيت به، وكان الدستور ينص على أن سياسة هذه الأمم وثقافتها كلها بيدي فرنسا وما بقى من
стр. 223
الشؤون الأخرى تتصرف فيها وحدها، وتمتنع عن رفع علم بلادها ورمزها، وإذا أرادت أن تكون لها شعار فتنقشه في العمود الذى يحمل العلم الفرنسي ...
ومن هذه الأمم لم تقنع بهذه الوضعية المزرية بشرفهم فواصلت كفاحها السياسي حتى أحرزت على استقلالها، وذلك في سنة ١٩٦٠ ولكنها باقية مرتبطة مع فرنسا ورئيسها هو رئيس هذه المجموعة في جميع الميادين وعلى إثر موافقة الجزائريين المزيفة على الدستور، فتحت أبواب المجالس النيابية الفرنسية أمام الجزائريين، وزيد في عدد الأعضاء في مجلس النواب الى ٤٤ نائبا والشيوخ الى ٣٢ على ما كان عليه سابقا، فأصبحت نسبة الجزائريين الى المستوطنين الفرنسيين الثلثين بدلا من النصف ...
وأكدت تصريحات (م. دبريه) رئيس الوزراء وجود هذا الاتجاه أي (اتجاه ادماج الجزائر في فرنسا) لدى حكومة الجنرال حينما أعلن عن نيته في توحيد النقد والميزانية والقانون المدني بما في ذلك قانون الأحوال الشخصية إذا أراد الجزائريون ...
стр. 224
أول خطبة للجنرال ديغول بين فيها حل القضية الجزائرية
وفي الثالث من شهر تشرين الأول ١٩٥٨م سافر الجنرال الى الجزائر وألقى خطابا في مدينة قسنطينة في أوساط المعمرين، وبعض قوات الجيش قال فيه: (لقد أظهر الاقتراع على الدستور ثقة الجزائريين ورغبتهم في البقاء مع فرنسا) وأضاف قائلا:) ان مستقبل الجزائر ومستقبل فرنسا مرتبط أحدهما بالآخر كل الارتباط، ثم وجه خطابه الى مستمعيه من جمهور الفرنسيين فقال: (ان الاستفتاء على الدستور يوم الأحد الماضي، لم يعد اليوم أمامنا سوى طريقين الحرب، أو الأخوة، وقد اختارت الجزائر الأخوة مثل كل منطقة أخرى في فرنسا، أما المشروعات الاجتماعية فتتمثل في مشروع قسنطينة للسنوات الخمس وقد رسمه في أوائل سنة ١٩٥٩م ويهدف الى فتح مجالات العمل أمام الجزائريين، وهذا المشروع هو الذى اعتبره نهوضا بالبلاد سياسيا واقتصاديا واجتماعيا قال الجنرال ديغول: ها أنا جئتكم أيتها الجزائريات والجزائريون لأوضح لكم المستقبل الذى تدعو فرنسا اليه، انه مستقبل ينطوي على أحدث انقلاب كلى يشمل هذه البلاد الحية الباسلة، ولكنها جد صعبه ومتألمة، إنه انقلاب يجعل شروط حياة كل جزائرية وجزائري في تحسين مطرد بحيث يستثمر خيرات الأرض، وأعمال السكنان وقيم الممتازين من الناس ويعمل على تنميتها فيكون أولاد الجزائريين منعمين ...
وباختصار بأن تأخذ الجزائر نصيبها مما تستطيع المدنية أن تقدمه الى الناس، أو مما يجب عليها أن تقدمه اليهم من خير وكرامة ...
ولما كانت المشاريع الكبرى تستلزم تدابير علمية فإليكم ما قررت حكومتي بموجب الاصلاحيات الدستورية الجديدة التي تتمتع بهما، وتنفيد هذه الصلاحيات يكون في بحر السنوات الخمس الآتية.
стр. 225
سيدخل في بحر هذه السنوات الخمس عشر الشبان الجزائريين على الاقل الموجودين في الوطن الأم جهاز الدولة من إدارة، وقضاء، وجيش، وتعليم، ومصالح عامة، وسيؤخذ هؤلاء الشبان من احدى الجاليات الثلاثة العربية، والقبائلية والإباضية، وذلك من غير أن يؤثر على المعدل المتزايد الذى سيؤخذ في نصاب الدولة من الجزائريين العاملين في الجزائر ذاتها ...
في بحر هذه السنوات الخمس سيرتفع معدل الرواتب والأجور في الجزائر الى مستوى مماثل كما هي عليه في الوطن الأم ...
وفي بحر هذه السنوات الخمس سيوزع مائتان وخمسون ألف هكتار من الأرض على الفلاحين المسلمين، وقبل نهاية هذه السنوات الخمس سيتم الجزء الأول من مشروع الاثمار الزراعي والصناعي الذى ينطوي خاصة على وصول البنزين والغاز الصحراويين، وعلى إقامه مجموعة من مؤسسات التعدين والكيمياء، وعلى بناء منازل لمليون نسمة يضاف الى ذلك ما تحتاج اليه كل هذه الانشآت من تجهيزات صحيحة، وتجهيز المرافق والطرقات واستخدام ٤٠٠ ألف عامل جديد بصفة دائمة ...
وفي بحر هذه السنوات الخمس سيجد ثلث بنات وأبناء الجزائر مدارس تأويهم ...
هذا ما جاء في خطاب الجنرال ديغول، وهذا هو الحل الذى يريد أن ينهي به المشكل الجزائري يعتبر هذا المشروع دليلا على الاتجاه نحو التحاق الجزائر بفرنسا، ولهذا قاومته الثورة بشدة بل إنها هددت المزارعين الذين يقبلون الأراضي الموزعة عليهم من طرف السلطة الفرنسية بالعقاب الشديد ...
جند الجنرال لهذا المشروع الخبراء والفنيين وحث الدول الغربية صاحبة الأموال الطائلة التي تتهالك دائما على هذه الأقطار تقديم الاعانة اللازمة والمساعدة الفعالة لهذا المشروع الضخم، وحصر له مواريد الدولة ومجهوداتها ليعلم العالم عامة والشعب الجزائري خاصة أن فرنسا لن تسلم في الجزائر أبدا ...
وفي هذه المدة تدفق البترول والغاز وفاضا على وجه الارض في الصحراء مما زاد في الجو تعكيرا وارتباكا.
стр. 226
تأسيس حكومة في جزائرية في الخارج
وفى سنة ١٩٥٨م خطت الثورة خطوة حاسمة من تاريخ حياتها وذلك بتأسيس جمهورية جزائرية حرة خارج الوطن ردا على مواجهة العدوان الذى يقوم به قادة فرنسا نحو الجزائر، فكان ردا قويا على مشروع الجنرال ديغول الاندماجي، وكان لهذا) المولود صدى كبير لدى مختلف دول العالم.
وقد تولى تشكيل هذه الحكومة السيد عباس فرحات في بيان رسمي ألقاه على جموع المواطنين العرب الذين دعتهم جبهة التحرير الى الحضور، وقد قوبل البيان بالتصفيق الحاد من طرف الحاضرين.
وفور إعلان قيام حكومة جزائرية بادرت الدول الشقيقة والصديقة بالاعتراف الكامل بها.
ولدت الحكومة الجزائرية في ظروف صعبة جدا ولم تولد على الورق، بل ولدت في ميادين الكفاح والنضالي، وأبرزت الى الوجود على جماجم وأشلاء الضحايا، وأبصرت الثورة فوق الجثث، والكتل البشرية المكدسة في غياهب السجون، ودعم كيانها السلاح والعزيمة الصادقة، فوزراؤها في بطون السجون، ورعاياها ما بين منفى ومشرد طريد، ومحكوم عليه بالإعدام ينتظر الموت الزؤام، ومجند يخوض المعارك الدامية، ويقتحم ميادين القتال وفدائي يتخط خطوط النار.
حكومة أقامها الشهداء الأبرار بإراقة دمائهم وتقديم أنفسهم قربانا للحرية والاستقلال، وتمركزت وترعرعت على جهاد الشعب وتعذيبه، حكومة كان شعارها ونشيدها (الله أكبر)، وصيحة المجاهدين في الجبال وزغاريد النساء ...
стр. 227
فباعتراف بعض دول العالم الشقيقة والصديقة بهذه الحكومة الجديدة أصبح لها الحق الكامل في تمثيل الشعب الجزائري تمثيلا حقا وصدقا، وكان لها الحق في عقد اتفاقات مع الدول لتزويد جيشها بالسلاح والعتاد الحربي وغيره بصورة شرعية وقانونية من أي دولة شاءت ولها الحق أيضا في أن تعقد صفقات بيع وشراء، وتتعامل مع من أحبت من دول العالم ...
стр. 228
انتخابات تشريعية في الجزائر وفي فرنسا
وفي تشرين الثاني ١٩٥٨ م، أجريت انتخابات تشريعية في الجزائر وفي فرنسا، فأصدرت جبهة التحرير أمرها الى الشعب بمقاطعة هذه الانتخابات مع التحذير الشديد الى الشخصيات التي تطلب أو تقبل الترشيح بهذه النيابات المزيفة ...
كانت الحكومة الفرنسية ترمي من وراء هذه الانتخابات الى إيجاد عناصر قوية من الشعب الجزائري التي لم تشارك في الثورة مشاركة ظاهرة لتتفاهم معها على الوضع السياسي لمستقبل البلاد لأنها لا تريد أن تتفاهم مع قادة جبهة التحرير الذين يحاربون.
ولأول مرة في تاريخ الاستعمار في هذه البلاد عامل الاكثرية من السكان بحيث جعل الثلثين من نواب المسلمين وثلثا من الجالية الأوربية.
أصبحت حياة الشعب مهددة بالفناء وأملاكه بالتلف من جراء هذه الانتخابات، فكل من ترشحه الحكومة الفرنسية من الشخصيات الموالية لها يخطف في الحال من طرف الثوار ويعاقب، وكذلك كل من يمتنع عن الاستجابة إلى طلب الحكومة بقتل أيضا من طرف الجيش الفرنسي.
ولما رأت الحكومة أن الشعب الجزائري لا يلبى أوامرها ويترك أوامر قادة جيشه مهما كانت المعاملة القاسية، أخذ الجيش الفرنسي يرشح ويعين ما راق له من الشخصيات التي لم تكن في يوم من الأيام لها سمعة أبدا في الأوساط الشعبية فضلا عن تمثيلها له، بل كانت نكرات وما تزال نكرات مجهولة ولكن الجيش الفرنسي صمم على إيصالها الى الحكم بالقوة ليستر بذلك خيبته المريرة ...
وهؤلاء النواب الذين فرضوا على الأمة بعضهم أوربيون أنابوا أنفسهم عن المسلمين، وبعضهم من الخونة أذناب الاستعمار
стр. 229
المعروفين في خدمته وطاعته وبعضهم من النساء الساقطات رشحن أنفسهن ليكن وزيرات، والباقي من قدماء المحاربين الذين دافعوا عن فرنسا في الماضي، وفازوا كلهم بفضل الجيش الفرنسي ...
ولما رأى الجنرال ديغول أن هؤلاء النواب لا يمثلون الأمة لا من قريب ولا من بعيد سكت ولم يتفاوض معهم ليكمل الباقي كما يقول ...
стр. 230
الجنرال ديغول رئيس للجمهورية
وفي يناير ١٩٥٩م - انتخب الجنرال ديغول رئيسا للجمهورية الخامسة بإجماع وفوض الشعب الفرنسي له جميع السلط ومنحه كل امكانيات التنفيذ، فله أن يفعل ما أراد، ويعمل ما يشاء بدون استشارة المجلس الوطني، وأطلق له اليد في التبديل والتغيير بدون معارض ...
فأصبح يعين الوزراء، وانعقاد دورة المجلس الوطني، ان احتاج اليه، وان شاء حله، فالدستور يخول له ذلك لأنه أعطى سلطة مطلقة لرئيس الجمهورية الا أنه حدد مدة اقامة رئاسته بسبع سنوات، ثم يجدد انتخابه، بفضل هذه السلطة كلها أصبح الجنرال هو الرجل الوحيد في فرنسا والمرشد لها، فأخد يعالج في المشاكل الداخلية والخارجية. وأدخل على جميع أجهزة الدولة إصلاحا عاما. وكان يضع الأسس لبناء نهضة جديدة تتمشى مع شخصيته وسمعته العالمية وتاريخ فرنسا العظيم، وهيبتها كدولة قوية في العالم لها تاريخ تليد حتى يتمكن الشعب الفرنسي من الاستقرار والهدوء، ويساير الدول العظام، وهذا الإصلاح الذي أراده الجنرال لن يكتب له النجاح، ولن ينفذ تنفيذا حقيقيا الا بإزالة المثبطين من طريقه ...
وكان بعض الضباط من الجيش يعارضونه، ولا سيما من أحزاب اليمين، فبدأ بتصفيته من العناصر المتطرفة وإقصائها تماما عن الحكم المدني في الجزائر لأن الوزير المقيم سابقا كان قد فوض الحكم للجيش في البلاد بدون مراقب فحكم الجيش الفرنسي المدنيين الجزائريين حكما عسكريا فلما تمكن الجنرال من الحكم أراد أن يجرده من جميع السلطة المخولة له ويقصيه عن الحكم المدني، وعن الخوض في السياسة، ويحصر مهمته في الحرب فقط ضد الثوار، ويرجع الحكم الى المدنيين ... فبهذه العمليات والاصلاح والتطهير يتسنى له تطبيق برنامجه، فأخذ في تنقية القادة الكبار وتجريدهم من الحكم المدني، ونقل بعضهم إلى
стр. 231
فرنسا، وأعطى للبعض الآخر التقاعد وكان يخلفهم بآخرين موالين له ومحبذين لسياسته ... أما إدارة الجزائر العليا فلم يسمح لأي أحد أن يتدخل في شؤونها فجميع أمورها وقضاياها يجب أن ترجع إليه وحده، فعين موظفا ساميا حل محل الوزير السابق على القطر الجزائري ومنحه جميع السلطة العسكرية والمدنية، وهذا المفوض السامي لا يفعل شيئا من عنده، وإنما ينفذ أوامر رئيس الجمهورية التي يتلقاها منه مباشرة.
ولما كانت الحرب تمس القطرين الشقيقين تونس والمغرب مسا مباشرا أصبحت علاقتهما سيئة مع فرنسا بسبب الإعانة التي كانا يقدمانها إلى الثورة، فأراد صاحب الجلالة محمد الخامس طيب الله ثراه أن يعرض وساطته بين الحكومة الفرنسية وجبهة التحرير ليجعل حدا لهذه الحرب القذرة، وكان ذلك بدافع النية الحسنة والمصالح المشتركة والصداقة التي كانت تربط بين الرجلين، فسافر جلالة الملك الى جزيرة (مادغشقر)، وكان القصد من هذا السفر هو أن يذهب الى جزيرة (مادغشقر) ليزور الأماكن التي كان منفيا فيها وتبع طريق منفاه، ولهذا ذهب الى هذه الجزيرة ليتفاهم مع رئيس الجمهورية على هذه الوساطة ...
فأرسل الجنرال ديغول مندوبا عنه الى جلالة الملك محمد الخامس ليتفقا على الموعد ويحددا الزمان والمكان، ولكن رئيس الجمهورية لم تعجبه هذه الوساطة، لأنه لم ير فيها فائدة، فبدأ يتلكأ ويماطل ويعتذر عن هذه الملاقاة بسبب كثرة المشاكل والحوادث، فكان يؤخرها من حين الى آخر، وهذا كله عن قصد وسوء نية ...
وفي صيف سنة ١٩٥٩ م سافر جلالة الملك الى أوربا مع عائلته وحاشيته ففي الظاهر كانت الزيارة للاستجمام والراحة وهى في الحقيقة يقصد بها ملاقاة الجنرال فلما علم هذا الأخير بعزم جلالة الملك دبر له مكيدة عن طريق وزيره الأول فحالت هذه المكيدة بينهما، فرجع الملك حانقا الى الرباط ...
واشتهرت هذه المحاولة في الأوساط العالمية وكان العالم يترقب في نتائجها.
стр. 232
فشل فرنسا واعترافها بتقرير المصير
منذ تسلم الجنرال ديغول الحكم، وهو يعمل ليلا ونهارا من أجل الوصول الى أهدافه التي رسمها من أول صعوده الى منصة الرئاسة، وهو القضاء على الثورة في أقرب وقت ممكن ولذا سن للجزائر برامج كثيرة ومشاريع واسعة من اقتصادية واجتماعية وسياسية وعمرانية والمؤتمرات الحربية التي كان يعقدها لدراسة الوضع الحربى على الخرائط وعلى طبيعة الأرض التي تدار فيها المعارك ومواصلة تدريب الجيش على تسلق الجبال ليكون قادرا على حرب العصابات، وتنظيمه تنظيما ثوريا حتى يباغت الثوار في أماكنهم.
فعل الجنرال هذا كله وأكثر من ذلك فبذل مجهودات جبارة في ميدان الحرب لأنه علق آمالا كبيرة على العمليات الحربية وخصوصا برنامج شال، وكان يأمل أن يكون عام ١٩٥٩م نهاية الحرب، ولكنه أصيب بخيبة كبيرة، ولا سيما بعد فشل معركة (جوميل (فتحقق حينئذ أنه يقاتل قوة لا تقهر قوة شعب يطالب بحقه تسانده شعوب كثيرة ...
ولما تحقق عجز القوات الفرنسية عن إبادة الثورة وتحطيمها راح يفتش عن حل سياسي يضمن به حضور فرنسا في الجزائر وارتباطها بأم الوطن ارتباطا وثيقا ...
هذا الحل الذي يعتزمه الجنرال ما هو الا حل استعماري جديد مقنع يخفى به وجهه القديم السافر، ومع هذا كان يخشى من الجهر به خوفا من معارضة الجيش، وغلاة المعمرين المتطرفين أصحاب اليمين الذين لا يزالون يحلمون بالإمبراطورية العظيمة ...
رأى الجنرال قبل إعلانه لهذا الحل أن يستشير رجاله في الجزائر، فطار اليهم في زيارة قصيرة، واجتمع بقادة الجيش وبعد ما عرض عليهم مشروعه هذا قفل راجعا الى باريس ...
стр. 233
ولما كانت الثورة تطير من نصر الى نصر والجيوش الفرنسية في حالة انهزام أخد الجيش الفرنسي ينتقم من المواطنين انتقاما شديدا، فضج العالم من هذه الأعمال المنكرة فكان يضغط على الحكومة الفرنسية بواسطة المظاهرات والجرائد لعلها تعلن الحل الصحيح لتجعل حدا لهذه الحرب المجرمة القذرة، وتوجه الرأي العام العالمي الى هيئة الأمم المتحدة أن تتدخل في القضية الجزائرية حتى تطبق فرنسا قرارات الجمعية التي تنص على تقرير المصير لجميع الشعوب ...
خشى حلفاء فرنسا من هذا التدخل الذى تكون عاقبته سيئة الى الغاية لربما تصدر هذه الهيئة حكمها على فرنسا في دورتها المقبلة ...
كان رئيس الولايات المتحدة الأمريكية (المستر ازنهاور (يجول في عواصم غرب أوربا، وزار باريس واجتمع بالجنرال ديغول، وعرض عليه هذا الاخير الحل الذى يعتزمه لإنهاء الحرب في الجزائر، وتباحثا وتشاورا في القضايا العالمية الهامة، ولم يصدر أي بيان عنهما في قضية الجزائر الا أن رئيس الولايات المتحدة قال بعد ما يصرح الجنرال فإنى أعقب عليه.
وأحيط هذا المشروع بالكتمان التام حتى عن أقرب المقربين إليه، وكان العالم قاطبة ينتظر هذا الحل بفارغ الصبر وكامل الاشتياق.
وفي السادس عشر من أيلول ١٩٥٩ م صرح الجنرال بمشروعه وأذاع تفاصيله التي تضمنت الحل لقضية الجزائر، فقال ان الشعب الجزائري هو الذى يقرر مصيره بنفسه بعدما تتم التهدئة ويتوقف القتال والمعارك الحربية، ويتلخص هذا المشروع في ثلاث نقط.
أ- توقيف القتال فورا.
ب- أن يتوفر السلام لمدة أربع سنوات، ويقطع هذه المدة إذا ما بلغ مجموع الضحايا والاشتباكات بين الشعب الجزائري والشعب الفرنسي من عسكريين ومدنيين أكثر من مائة قتيل في السنة ...
стр. 234
ج- أن يجرى ختام السنوات الاربع استفتاء الشعب الجزائري حول اختيار المصير من ثلاث نقط.
أ- أن يندمج شعب الجزائر في الشعب الفرنسي، وفي هذه الحالة يكون ما له ما للفرنسيين من الحقوق والواجبات.
ب- أن يكون الشعب الجزائري حكومة مشتركة مع فرنسا أي تابعة للاتحاد الفرنسي ...
ج- أن يستقل عن فرنسا استقلالا تاما ويسمى الجنرال هذا الاستقلال بالانفصال- يقول: يجب أن يرجم هذا الانفصال - لأنه شيطان، واذا وقع فهناك الطامة الكبرى ...
وفي هذه الحالة يجب أن يقسم التراب الجزائري الى مناطق، فالمناطق الصحراوية التي يوجد فيها البترول تكون فرنسية محضة، وكذلك المناطق التي يريد سكانها أن يبقوا فرنسيين موالين لحكومة باريس. وتابع كلامه قاتلا: نظرا للمعطيات الجزائر، والقومية والدولية، فإنى أرى من الضروري أن يعلق من الآن على الالتجاء الى تقرير المصير، فباسم فرنسا، وباسم الجمهورية، ونظرا للسلطة التي يخولها لي الدستور في استشارة المواطنين، فإنى أتعهد إن بقيت حيا واستمع لي أن أطلب من جهة الجزائريين في ولايتهم الاثني عشر أن يعبروا عما يريدون عن مصيرهم في آخر الامر. وإنى أطلب من الفرنسيين من جهة أخرى أن يصادقوا على اختيارهم. وسأحدد تاريخ تقرير المصير حينما يحين الوقت وهو لا يتجاوز على أكثر تقدير أربع سنوات بعد استتباب السلم استتبابا فعليا أي بعد أن توجد وضعية لا تتسبب فيها الاغتيالات والكمائن على أكثر من مائة قتيل في السنة ...
ويمضي في كلامه فيقول: ومن الطبيعي أن يلقى هذا السؤال على الجزائريين بصفتهم أفراد لأنه مند أن وجد العالم لم توجد وحدة جزائرية فضلا عن وجود دولة جزائرية.
ويقول اعادة التجمع والاسكان لقسم من سكان الجزائر ممكنان، فالجزائريون الذين يفضلون الاحتفاظ بالجنسية
стр. 235
الفرنسية ستنظم فرنسا تجمعهم واقامتهم ان لزم الأمر ... ومن جهة أخرى ستتخذ جميع الاحتياطات حتى يكون استثمار ونقل البترول الصحراوي الذي هو من عمل فرنسا الذى يهم الغرب أمرا مضمونا مهما تكن الأحوال ... ان انفصال الجزائر عن فرنسا سيؤدى الى بؤس مدقع وفوضى سياسية مخيفة ومجزرة شاملة ... ويمضى في كلامه ويقول: نظام داخلي للجزائر من الاتحاد يعتمد على فرنسا ويتحد معها في ميادين الاقتصاد والدفاع والتعليم والعلاقات الخارجية ...
هذا هو الحل الذى كان يخفيه رئيس الحكومة الفرنسية حتى عن أقرب المقربين إليه ...
اعترف الجنرال ديغول بحق الجزائريين في تقرير مصيرهم، وتقرير المصير هذا الذى اعترف به رئيس الحكومة لم يغير شيئا من الحالة التي كان عليها من قبل نظرا للصعوبات التي أحاطه به، والعراقيل التي وضعها أمامه، والمشاكل التي خلقها في سبيله، وهذه الصعوبات والعراقيل بعبارات لطيفة ظاهرها فيها الرحمة، وباطنها فيها العذاب الأليم ...
وتقرير المصير بهذه الكيفية لم يكن حلا صحيحا ينهى المعركة المشتعلة الأوار، وتنتهى معه جميع الآلام والأحزان، لأن أعمال الجنرال وأقواله وتصريح رجال حكومته وقادة جيشه كلها تدل دلالة واضحة على أن الغاية الحقيقية من دعوى تقرير المصير بهذا الشكل المقترح إنما هو كسب للوقت لينمو جيل جديد متشبع بفكر وعقل فرنسي حتى اذا ما وقع الانتخاب فاز الذين ينتمون للفرنسيين ...
وقد استطاع الجنرال أن يخدع كثيرا من رجال السياسة العالمية بسياسته هذه في تقرير المصير، فاستبشر العالم وفرح بانتهاء الحرب، ولكنه لم يستطع أن يخدع الجزائريين ...
لا يعترف الجنرال ديغول في حله هذا بواقع الأمة الجزائرية من قبل الاحتلال ولا بالدولة التي كانت قائمة، ولا بوحدة القطر الجزائري، ويقول في كلامه منذ أن وجد العالم لم تكن هناك وحدة جزائرية بل السيادة الجزائرية، وإنما تعاقب على البلاد
стр. 236
القرطاجيون، والرومان، الوندال، البيزنطيون وعرب سوريا، وعرب قرطبا، والأتراك والفرنسيون من غير أن توجد في البلاد في أي وقت، وبأي شكل من الاشكال دولة جزائرية ...
وكان الجنرال يلوح في خطابه الى تقسيم الجزائر اذا ما فشلت المحاولات، ويقول ان انفصال الجزائر عن فرنسا سيؤدى حتما الى بؤس مدقع وفوضى سياسية مخيفة، ومجزرة شاملة. ونحن اذا نظرنا الى المجازر البشرية الموجودة في كل مكان من القطر الجزائري منذ الاحتلال من الذي ارتكبها؟ بدون شك هم الفرنسيون أنفسهم، والعالم يشهد بذلك كله، ان المجازر التي وقعت في الجزائر لم يسبق لها نظير، والقسوة التي ارتكبها غلاة الاستعمار، وقادة الجيش الفرنسي. وحكم الاستبداد الذي فرضته فرنسا على الشعب لم يكن معمولا بد في أي بلد من بلدان العالم ...
الجنرال يرفض المفاوضة مع من يسميهم العصاة في خطابه على مشروعه، بل يطالب بتسليم أنفسهم بدون قيد ولا شرط ويجعل مشروعه قابلا للمناقشة لأنه يريد الاستلاء على الجزائر بقرار ينتزعه من الجزائريين أنفسهم حبوا أم كرهوا ... ويقول في خطابه أنا شخصيا واثق من أن مخرجا مثل هذا يكاد يكون غير متوقع ألا وهو انفصال الجزائر عن فرنسا وهى في وضعها الحاضر فيكون وبالا كبيرا لا يؤدي إلا للبؤس المخيف من الغرض السياسي والتذبيح، ثم الى دكتاتورية الشيوعية العاتية، ومثل هذا الشيطان يجب أن يطرد، وأن يطرده الجزائريون أنفسهم الخ ...
فالجنرال يريد أن يحفظ الجزائريين من الفوضى السياسية والتذبيح والاغتيالات ممن يحفظهم يا ترى؟ أيحفظهم ممن يستميتون في الدفاع عن الوطن لينقذوا الشعب من الحرب المبيدة التي تسلكها فرنسا في هذه البلاد؟ أو من الفناء الذي جعله قادة الجيش الفرنسي هدفا لهم في هذه الديار؟ أو من تكالب المعمرين على خيرات هذا الوطن. واستثمار موارده الطبيعية وأخذهم ذلك بالقوة؟ ...
стр. 237
من أين يحمي الجنرال المسلمين؟ أيحميهم من مكائد ومؤامرات غلاة المعمرين، أو من اليد الحمراء التي أطلق لها العنان في العبث بالشخصيات حتى كانت تفعل ما سولت لها نفسها من المناكر والقتل الجماعي والتخريب والتهديم؟ ...
ان هذا التمويه والتضليل ومجانبة الحق وعدم الصراحة والاعتراف بالواقع من أشنع وأقبح ما سمع به في العالم ...
ومن سخافة القول: (قول بعض المسؤولين الفرنسيين اننا لا نستطيع أن نترك الجزائر ونسلمها الى الثوار ليقتلوا أهلها ويستبيحوا خيراتها، بل لا بد من الاطمئنان على مصيرهم ( ...
انهم يتظاهرون بهذه الرحمة والشفقة الكاذبة والانسانية المنافقة وهم في كل يوم يقتلون ويحرقون المآت من النساء والأطفال والأبرياء بلا ذنب اقترفوه، ولا جرم ارتكبوه اللهم الا أنهم يقولون إننا جزائريون.
стр. 238
اعتكاف الحكومة الجزائرية المؤقتة على دراسة تقرير المصير
الذي أعلنته الحكومة الفرنسية كحل للقضية الجزائرية، وعلى دراسة أحوال الثورة المحلية والدولية، استغرقت هذه الدراسة عدة أيام أصدرت على أثرها في ٢٨ - أيلول ١٩٥٩ بيانها بالرد على مشروع الجنرال ديغول وإنى أثبت هذا الرد بنصه كاملا قالت (اننا على أبواب السنة السادسة من الحرب، وفي الوقت الذى تستعد فيه الجمعية العامة للأمم المتحدة لمناقشة القضية الجزائرية من جديد، وفي الوقت الذي تفتح فيه مقابلات دولية كبرى لاستقرار السلم في العالم (.
وفي هذا الوقت تتجه الأنظار فيه نحو الجزائر، وتظهر جميع الشعوب رغبتها الأكيدة في عودة السلم الى هذه الأرض الافريقية حيث ما تزال تجري فيها حرب تسببت بعد فيما يقرب من مليون من الضحايا ...
ان الشعب الجزائري قد اضطره الاستعمار الى حمل السلاح والحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية مع تأكيدها مرة أخرى لإرادتها في الكفاح الى أن يتحقق التحرير الوطني، تعلن أنها عازمة على ألا تهمل أية فرصة لتمكين السلم من جميع نواحيه ...
لقد اعترف رئيس الجمهورية الفرنسية باسم فرنسا- على رؤوس الملأ في بيانه يوم ١٦ سبتمبر١٩٥٩م بحق الجزائريين في تقرير المصير، وهكذا قد اعترف أخيرا للشعب الجزائري في تقرير المصير بحريته، الا أن هذا التطور لم يكن ممكنا لولا أن الشعب الجزائري ما انفك خمس سنوات يواجه بانتصار حربا من أفظع الحروب التي أراد الاستعمار أن يغزو بها بلادنا من جديد ان هذا التطور لم يكن ممكنا أيضا الا بفضل تأييد الشعوب الشقيقة والصديقة، وبفضل مساندة الرأي العام الأممي ...
стр. 239
ان حق الشعوب في تقرير مصيرها المنصوص عليه في اعلان جبهة التحرير المؤرخ بفاتح نوفمبر ١٩٥٤ كان دائما هدفا أساسيا للثورة الجزائرية، فهو يمثل وسيلة ديمقراطية سليمة يتوصل بها الشعب الجزائري الى الاستقلال الوطني ...
ان حق الشعوب في تقرير المصير المنصوص عليه في ميثاق الأمم المتحدة أي حق الشعوب والتصرف في شؤونها بنفسها يعيد الى الشعب الجزائري ممارسة السيادة الوطنية التي اغتصبها منه - حينا من الدهر- احتلال عسكري لا يمكن أن تنتج عنه أية شرعية.
ان الذاتية القومية التي تكونها الجزائر والوحدة الاجتماعية هي عناصر موضوعية جوهرية، ولهذا فمن الوهم تطبيق المصير بكيفية لا تقر حسابا لهذه الحقائق، أو تهدف الى تمزيق هذه الذاتية وتجزئتها الى مجموعات عنصرية ودينية ... ان الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية تذكر- زيادة على هذا- بالمبدئ الذى لا يمكن النيل منه، وهو وحدة التراب الوطني، وتعبر عن عزيمة الشعب الجزائري التي لا تقهر في معارضة كل محاولة للتقسيم.
ان الحكومة الجزائرية تلفت نظر الرأي العام الدولي الى الخطر الذى ينتج عن كل مس بهذه الوحدة التي لا تتجزأ ... ان محاولة من هذا النوع ليست فقط بعيدة عن المساهمة في حل المشكل الجزائري، بل إنها لا تزيده الا خطورة، وتمثل تهديدا للسلم والأمن في العالم ..
أما فيما يخص ثروات الصحراء فإن التنقيب عنها واستغلالها لا يمكن بأية صفة من الصفات أن يتحول ملكية شرعية ان هذه الثروات التي هي مصدر تقدم إنساني قبل كل شيء للجزائر ولأفريقيا الشمالية لا يمكن- في سبيل الصالح العام- الا أن تنتسب في ايجاد تعاون واسع مثمر ...
ومن جهة أخرى فإن تعليق الاختيار الحر للشعب الجزائري عن استشارة الشعب الفرنسي ليس سوى نفي للديمقراطية ولحق تقرير المصير ...
стр. 240
ان الاستقلال الذي ينتج عن استشارة الشعب الجزائري بكيفية حرة لن يكون مصدرا للفوضى والبؤس، بل ان هذا الاستقلال على العكس من ذلك، يتوقف عليه كل تقدم حقيقي، انه يضمن حرية الأفراد وأمنهم، وهو أخيرا يسهل تشييد المغرب العربي والتعاون الحر مع جميع البلدان ...
ومن البديهي بعد التحديد الكامل لهذه المبادئ أن الالتجاء الى الاستفتاء العام لا يمكن أن يكون بغير العودة الى السلم، لأن الحرب المتواصلة التي تزداد فتكا مع مرور الأيام لا يمكن أن ترجع السلم الى الجزائر ...
ان الشعب الجزائري لا يمكن أن يمارس اختياره الحر تحت ضغط جيش الاحتلال يعد أكثر من نصف مليون جندي، وما يقارب ذلك من رجال الشرطة والجندرمة والميليشيا ان ممارسة الاختيار الحر لا يمكن أن تقع تحت ضغط الطائرات والدبابات والمدافع وتحت ضغط ادارى اشتهرت تقاليده بتزييف الانتخابات ان هذا الاختيار الحر لا يمكن أن يتم بصورة كاملة ما دام أكثر من ربع السكان موقوفا في السجن والمحتشدات أو مرغما على الهجرة هذه كلها قضايا تتطلب المناقشة.
ان الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية التي اعترفت بها حتى الآن عدة دول هي الضامنة والمؤتمنة على مصالح الشعب الجزائري الى أن يعبر عن اختياره بحريته، انها تسير وتراقب مقاومة الشعب الجزائري والكفاح التحريري لجيش التحرير الوطني، اذن فلا يمكن بدون موافقتها أن يعود السلم، هذا السلم الذى يمكن أن يتحقق حالا لأجل هذا الغرض، فإن الحكومة المؤقتة للجمهورية مستعدة للدخول في محادثات مع الحكومة الفرنسية لبحث الشروط السياسية والعسكرية لإيقاف القتال، وبحث شروط وضمانات تطبيق حق تقرير المصير ...
أوضح الدكتور أمين الدباغين وزير الخارجية للجزائر رد حكومته على مشروع الجنرال ديغول في تقرير المصير فقال: (ان مشروع الجنرال كان في حقيقته موجها للرأي العام الدولي، وليس للجزائر نفسها، والجزائريون شعب مسالم، ولكن تمنت
стр. 241
فرنسا اضطرهم الى حمل السلاح ليدافعوا عن بلادهم، وبعد خمس سنوات من الثورة استطاع الشعب بصلابة جهاده أن يرغم المستعمرين الفرنسيين على الاعتراف بحقه في تقرير مصيره، ونحن نرحب بإجراء الاستفتاء شريطة ألا يخضع لضغط أو إكراه، أو تدخل من طرف فرنسا أو غيرها، كما أن الجزائريين متمسكون بوحدة التراب الجزائري ...
ونحن مستعدون للتفاوض ضمن هذين الشرطين، ونحن واثقون من أن الشعب الجزائري بمجموعه سيصوت من أجل الاستقلال التام ضمن وحدة التراب الجزائري، ولكن ما بين الاعتراف بحق تقرير المصير وتطبيقه مرحلة طويلة تتطلب جهادا مستمرا متواصلا حتى نرغم فرنسا على تفسير حق تقرير المصير كما نفهمه نحن ويفهمه الضمير الحر في العالم، وليس كما يفهمه العقل الاستعماري الذي عودنا دائما على قلب كل المفاهيم والقيم لنتماشى مع مطامعه الغير المشروعة.
وأدلى السيد عباس فرحات رئيس الحكومة الجزائرية بتصريح قال فيه: (ان إجراء الاستفتاء حول تقرير المصير في ظل وجود مليون جندي فرنسي ما بين قوات الجيش والأمن والجندرمة يشرف عليه خبراء في تزوير الانتخابات لا يمكن أن يكون استفتاء ولن يخرج عن كونه تكرارا للانتخابات السابقة التي أجرتها فرنسا في الجزائر ...
ويمضى وهو يقول: نكشف للقارئ تفاصيل المؤامرة التي رسمها ديغول لتنال فرنسا من وراء نجاحها ما عجزت عن تحقيقه بالسلاح وفيما يلي الخطوط الرئيسية للمؤامرة التي أعدت بمهارة، وبعد دراسة التحري تصفية الثورة وفق بنودها، يوقف القتال فورا مقابل إعلان الاعتراف بحق سكان الجزائر في تقرير مصيرهم ...
أ- باسم توطيد السلم لحين اجراء الاستفتاء حول تقرير المصير يحل جيش التحرير ويجرد من سلاحه، ويلزم الثوار بالخضوع للقوانين والنظم الفرنسية القائمة تحت شعار فرض السلم ...
стр. 242
ب- تظل القوات الفرنسية المسلحة على حالها في الجزائر باعتبارها القوات الشرعية المسؤولة عن الدفاع والأمن الى حين تقرير المصير ...
ج- العمل على اطالة فترة الانتقال ما بين وقف القتال واجراء الاستفتاء، ويراعى في الشروط الخاصة بالتمهيد للاستفتاء تمكين الحكم الفرنسي من تمديد هذه الفترة وفق ما يريد ...
د- أن يعمل الارهاب الفرنسي خلال فترة السلام على تصفية الثورة تماما والقضاء على القوة الثورية الوطنية باسم قيام الحكم الفرنسي بإقرار السلام.
فإن هذه التصريحات من الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية ورئيسها ووزير خارجيتها لم تدع مجالا للمناورات والدسائس واللف والدوران ...
هذه التعليمات كلها على مشروع ديغول كانت في غاية الصراحة والوضوح لأن الحكومة المؤقتة تعرف جيدا مكائد الاستعمار التي سببها للشعب الجزائري في تزوير الانتخابات والديمقراطية الزائفة، واستعملت في ردها على الحل الذي صرح به رئيس الحكومة الفرنسية ملازمة الحذر واليقظة كي لا تضيع مجهودات الشعب الجزائري الحربي التي بفضلها انتزع سيادته وتقرير مصيره من العدو ...
стр. 243
رئيس الحكومة الفرنسية يقول تصريح الجنرال
هو تأكيد لسياسة فرنسا في الجزائر
ذهب رئيس الوزراء الفرنسي (م دوبرية) يؤكد هذا المشروع الخطير على أعضاء الجمعية الوطنية الفرنسية قال دوبرى (ان مشروع ديغول المعلن في ١٦ سبتمبر يعطى الجزائر الفرصة الوحيدة لمغادرة الحلقة الجهنمية من العنف والدخول الى دائرة الحقوق، والعودة الى الحقوق ليست في الاعتراف بسيادة جزائرية مزعومة، ولا في اجراء مفاوضات سياسية مع المسؤولين عن حركة العصيان: ان بيان الجنرال ديغول ليس أساسا للمناقضة أو المفاوضة وانما هو تأكيد لسياسة فرنسا وتحديد لخطتها في الجزائر، ويمضى ويقول: في بيانه موضحا شروط حكومة فرنسا لوقف اطلاق النار (على الذين بدأوا بإطلاق النار في الجزائر أن يتوقفوا على ذلك ويعودوا بدون عذاب الى عائلتهم وأعمالهم، ولقد أعطيت التعليمات اللازمة من قبل حكومة الجمهورية حتى يمكن مناقشة كيفية وقف اطلاق النار، وستعطى الضمانات اللازمة في هذه المناسبة الى ممثلي العصاة بعدم تعرض حريتهم للخطر واذا لم تنجح هذه المفاوضات فبإمكانهم العودة الى الخارج بكل حرية ( ...
ومنذ اعلان تقرير المصير ضاعف الجيش الفرنسي والمنظمة الارهابية من نشاطهما الايبادي، وتعذيب السكان بإذن المسؤولين من الحكومة الفرنسية فكان الجيش الفرنسي يصدر الأحكام على المواطنين والمجاهدين سواء كانوا ثائرين أم، لا يضرب الاعناق والاعدامات المختصرة، وفي بعض الأحيان بدون محاكمة فيذبح ويمثل بالضحايا أشنع تمثيل.
أصبحت السلطة الفرنسية تعذب الفرد والجماعة على السواء كتب بعض الاوربيين من المنصفين المعتدلين عدة كتب في اقتراف المناكر التي يرتكبها جنود المظلات نذكر من بين هذه الكتب كتاب (بنوارى) فإنه يتصف الضباط الفرنسيين كيف يتكلمون عن
стр. 244
التعذيب وأنواعه فقال: فلشد ما صدمني أن الناس مدنيين وعسكريين يتحدثون عن ذلك جهارا- في غير ما حياء- حديثهم عن شيء طبيعي، وعن فيلم سينمائي أو عن مباراة كرة القدم ...
وضباط آخرون يقولون: هذه الفظائع التي عمت في الجيش الجميع يتكلمون عنها علانية، المدنيون في المقاهي والملاهي، والعسكريون في كتائبهم ومطابخهم، والجميع يستخفون بقولهم، هناك البحر المتوسط بيننا وبين الجزائر وعلى كل حال، فنحن أمة تعلم المدنية ...
فأين هذا من أعمال المجاهدين في معاملتهم لأسرى فرنسيين فإنهم يفضلونهم على أنفسهم في المأكل والملبس ...
أصدرت الحكومة الجزائرية المؤقتة ٤ - ١٥ - ١٩٥٨ مرسوما يقضي بإطلاق سراح أسرى الحرب بلا قيد أو شرط، وكانت تأمل من وراء هذا السلوك أن ترى الجانب الفرنسي يطبق المبادئ الانسانية بصورة تدريجية على النزاع القائم، وينص هذا المرسوم عن تفريج خمسين أسيرا فرنسيا على دفعات متتابعة ...
بعد ما وصل هؤلاء الأسرى الى ذويهم أعلنوا للعالم بأن قوانين الحرب مضمونة في الجزائر الحرة، وأن نظام أسرى الحرب كما يعرفه القانون الدولي محترم كل الاحترام، فالأسرى يراسلون أهلهم حتى انهم وجهوا اليهم بواسطة الصليب الأحمر الدولي رسائل مسجلة عن أشرطة صوتية، وقد بلغت عاطفة الحنان التي اشتهر بها الجزائريون فجعلتهم يقبلون في كثير من الاحوال على توزيع جرايتهم على الأسرى، وكان الجند الجزائري يضطر الى المشي بلا نعل بعف ما يخلعها ويقدمها الى الأسير الفرنسي، وهو مثخن القدمين ...
هذه المعاملة الحسنة التي يعامل بها المسلمون أعدائهم، هي من تعاليم الدين الحنيف الذي يوصى بالشفقة والرحمة على الضعفاء مهما كانت جنسياتهم وعقائدهم، فهو دين العدل والمسامحة والانسانية الكاملة لا كما يدعى رواد المدينة الغربية
стр. 245
من أنهم يهذبون الانسانية ويحملون اليها المساواة والحرية والاستقلال الا ان الشواهد والتجارب تكذب هذه الادعاآت الزائفة والأقوال الباطلة ...
كان الجيش الفرنسي يعامل المقاتلين الجزائريين الواقعين في قبضته معاملة وحشيه، لم يطبق عليهم قانون أسرى الحرب ولم يكتف بذلك بل كان يتعرض للوحدات الجزائرية التي كانت تحمل أسرى الحرب الفرنسيين عبر الحدود التونسية أو المغربية ليطلقوا سراحهم ...
ومع هذا فقد وجه قادة الثورة عنايتهم بوجه خاص الى حالة الشبان الأجانب الذين كانت السلطات الفرنسية تجندهم من الأجانب عنها- المسمين بالفرقة الاجنبية- بغير رضاهم، وقد أنشأوا عددا من المكاتب، تتولى أمر إعادة هؤلاء الجنود الفتيان الى أوطانهم، ففي سنة ١٩٦٠م بلغ عدد المعادين الى أوطانهم عبر الحدود المغربية وحدها ٣٢٩٩ جنديا فرنسيا ...
قام ذووا الضمائر الحية من الفرنسيين بمعارضة الحرب في الجزائر معارضة شديدة، وأصدروا بيانا أمضى فيه أكثر من ١٣١ شخصا يمثلون الفكر والآداب والعدل والمساواة أمثال) بول ساتر) وسيمون دى بوفوار، وفرانسو ساجان وغيرهم دعو الجنود الفرنسيين الذين يقاتلون في الجزائر الى تبرئة ضمائرهم بحيث يهملون الأوامر التي تتفق مع المبادئ الإنسانية، وانضم رجال الكنيسة الى التنديد بأعمال التعذيب واستنكروها، ودللوا بذلك على تطور موقف الكنيسة إزاء القضايا الاستعمارية.
كان قادة الجيش الفرنسي يظنون أن مشروع ديغول في تقرير مصير الجزائر لم يكن جديا، ولهذا قال الجنرال ماسو في خطابه الذى ألقاه على جموع المعمرين بمدينة الجزائر يوم ٢٩ من أكتوبر ١٩٥٩ قال: "لقد أتيت إليكم لأؤكد لكم أنه لم يتغير شيء، وأن عمليات التهدئة مستمرة، وسوف تستمر بنفس الوسائل، وإنى أدرك قلقكم كفرنسيين منذ أن تقدم الجنرال ديغول بمشروعه الجديد، فأؤكد لكم علنا أنكم متمسكون بفرنسا.
والاختيار الذي سيسمح لكم وحدكم مع الجيش الذي هو بالقرب
стр. 246
منكم، والذي سيبقى هنا معكم بأن تظهروا من جديد قراركم، ومن جهة الاختيار فإنكم ستبقون الى جانب فرنسا" ...
تعرضت السياسة الفرنسية في الجزائر من بعد اعلان تقرير المصير لهزات عنيفة وتغيرات سياسية نتيجة موقف الثورة الصلب نلاحظ أن مبادئ جبهة التحرير ظلت قائمة دون تغيير اللهم الا في بعض التغيرات اللفظية التي لم يتغير من مضمونها شيء وفيما يلى برنامج الجبهة كما أعلنته بعد تكوينها في سنة ١٩٥٦ ...
الهدف هو الاستقلال الوطني بإيجاد دولة جزائرية ذات سيادة ونظام ديمقراطي اشتراكي في دائرة المبادئ الاسلامية مع احترام جميع الحريات الأساسية بدون تمييز في الدين، وفي الميدان الخارجي، تصرح بأن غايتها هو تدويل القضية الجزائرية، وتحقيق وحدة شمال افريقيا في نطاقها الطبيعي الذي هو نطاق العروبة والإسلام.
وبينت أن أساس المفاوضات مع فرنسا على النحو التالي:
١ - فتح المفاوضات مع الممثلين الحقيقيين للشعب الجزائري على أساس الاعتراف بالسيادة الجزائرية الموحدة التي لا تتجزأ.
٢ - ايجاد جو من الثقة، وذلك بإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، ورفع جميع التدابير الاستثنائية والتوقف عن تتبع فرقا المقاومة ...
٣ - الاعتراف بالشخصية الجزائرية في تصريح رسمي ينسخ جميع القوانين التي صيرت الجزائر أرضا فرنسية بالرغم من التاريخ والجغرافيا واللغة والدين والعادات التي يتصف بها الشعب الجزائري، وفي مقابل ذلك يتعهد الجزائريون بما يلى ...
أ- ضمان المصالح الفرنسية الثقافية والاقتصادية التي حصلوا عليها بطريقة شريفة، وكذلك الأشخاص والعائلات ...
ب- جميع الفرنسيين الراغبين في البقاء بالجزائر يكون لهم الخيار بين جنسيتهم الأصيلة، وفي هذه الحالة يعتبرون أجانب بالنسبة للقوانين المعمول بها، أو يأخذون الجنسية الجزائرية وفي هذه الحالة يعتبرون جزائريين لهم ما للجزائريين من حقوق وواجبات ...
стр. 247
ج- تحديد العلاقات بين الجزائر وفرنسا تكون موضوع مفاوضات بين الدولتين على قدم المساواة والاحترام المتبادل ...
كانت السلطة الفرنسية قبل مجيء الجنرال ديغول غير مستعدة للاعتراف بجبهة التحرير كمفاوض شرعي متحدث باسم الجزائر، فلما آل الأمر الى الجنرال لم يتكلم على المفاوضة وإنما تكلم على سلم الأبطال. واستمر على رفضه في الدخول فيها مع جبهة التحرير حتى بعد إصدار مشروعه بتقرير المصير ...
ولما كانت الحرب في تصاعد، وجميع برامج الحرب والقوات فشلت والثوار لم يستجيبوا للنداء الذي تكلم عليه الجنرال، ومنه حب أن يتصل بجبهة التحرير ليعرف نواياها.
وفي صيف سنة ١٩٦٠ أراد الجنرال أن يجس النبض بشبه محادثة رسمية مع جبهة التحرير، ولم يفعل ذلك الا بعد تردد شديد، فتلاقى الوفدان من الحكومتين، وأدلى كل واحد منهما بنظريته فيما يخص القضية الجزائرية، ولما كانت وجهة النظر متباينة، رجع كل منهما الى بلاده، ولم تغير هذه المحادثة من الوضعية شيئا ...
هذا مما يدل دلالة واضحة على أن الجنرال ديغول عندما تولى السلطة لم يكن مستعدا لتقبل النهاية التي وصلت إليها الثورة الجزائرية، ألا وهو الاستقلال التام ووحدة التراب الوطني، وتسليم السلطة الى الجزائريين، ولهذا نميل الى الرأي القائل بأن الجنرال لم تكن لديه سياسة محددة اتجاه الجزائر الا أن آراءه قد تطورت تحت ضغط الحوادث العالمية، وأمام صمود الثوار على وجه الخصوص ...
وتقرير المصير الذى اعترف به، والاستفتاء الذى يريد إجراءه في الوقت المناسب كما يقول يشكلان عقبة كأداء في وجه الثورة الزاحفة الى الأمام.
بعث الجنرال الى القوات المسلحة الفرنسية والموظفين الفرنسيين في الجزائر- بعد أسبوعين من اعلان مشروعه-
стр. 248
رسالة من الجنرال ديغول الى القيادة العسكرية الفرنسية
في الجزائر
تبين هذه الرسالة بوضوح غرضه، إنني أنقل نص الرسالة يقول الجنرال: "الى القوات المسلحة، وجميع موظفي الإدارات العامة في الجزائر لقد رسمت خطوط سياستنا في الجزائر، وقررت تنفيذها على مسؤوليتي، وأنا ملم بجميع ملابساتها، ان المهم الآن هو تهدئة الجزائر بصورة كاملة وإنسانية، وتشجيع تنفيذ مشاريع التقدم الاقتصادي والاجتماعي، وتهيئة الجزائريين من مختلف الهيآت، للاتحاد مع فرنسا، وبعد انقضاء سنوات عديدة على التهدئة يمكن اجراء استفتاء حر ليقرر الجزائريون حينذاك مصيرهم بأنفسهم في ظروف يصار الى تحديدها في الوقت المناسب ومن الضروري عندئذ أن يتم هذا الاختيار بحرية، والا فالمشكلة الجزائرية لن تحل بصورة نهائية، وفرنسا من جهتها ترغب في حلها حلا نهائيا. وتقوم الحكومة الفرنسية التي تتمتع بثقتي التامة الآن بتهيئة هذه المهمة الكبرى ...
كلكم يعلم أن هذه المهمة ستكون حاسمة بالنسبة الى الجزائر ولفرنسا معا، وهى شديدة ستؤثر حتما على رسالتها الافريقية، وعلى وحدتها الوطنية، وعلى مركزها الدولي، ونجاح تلك المهمة يتوقف على عملكم واتحادكم في تنفيد الرسالة التي رسمتها بعد كل تلك الأعمال والتضحيات التي بذلتموها يتوجب عليكم خدمة فرنسا بالمحافظة على النظام " وبالتعاون في خدمة أغراض فرنسا بدون أن تتأثروا بأية خطة أخرى اعملوا فإنى اعتمد عليكم ...
ولكي ينفذ الجنرال ديغول مشروعه، ويضعه موضع التنفيذ يجب أن يضاعف من قواته في الجزائر، ويخوض غمار حرب مدمرة شاملة لا تبقى ولا تذر، وعلى الشعب الفرنسي أن يعاني من ويلات هذه الحرب وامتدادها الى ما لا نهاية لها، فحكامه لا يريدون أن يعترفوا بحق الشعب الجزائري في الحرية والاستقلال ولن يعترفوا الا إذا كانوا مكرهين وبالقوة وحدها ...
стр. 249
بدأ الجنرال ديغول يلوح بمشروعه وهو يرتدي ثوب النصر ليعامل جيش التحرير بل يطلب منهم أن يلقوا سلاحهم ويتوقفوا عن القتال فورا دون مناقشة، وبعد أربع سنوات من الخضوع للحكم الفرنسي عندئذ يجرى الاستفتاء وكان في الفينة بعد الفينة يعلن أن مشروعه غير قابل لأية مناقشة، ومن بعد يوضح بعض النقاط المهمة التي جاءت في تقرير المصير ...
وبين رئيس الوزراء م دوبرية في ١٢ أبريل ١٩٦٠ م بقوله: ان في حالة اختيار الانفصال فلن يكن هناك حل سوى التقسيم ...
وكان موقف جبهة التحرير واضحا من أول الثورة لأن مقررات مؤتمر واد الصومام لم يكن بوسع أي أحد أن يتنازل عنها لذلك كانت فرنسا هي التي تضطر الى التنازل.
بدأ الجنرال يتقارب، فقال (ان الاستفتاء يتم على مرحلتين: المرحلة الأولى يختار الجزائريون بين الانفصال والارتباط مع فرنسا، وإذا اختاروا الارتباط، فإن المرحلة الأخيرة يكون استفتاء على طبيعة هذا الارتباط، وأخد يدخل تعديلات على مشروعه، وأهم تعديل هو ما صرح به في ٤ نوفمبر ١٩٦٠ فقال إنني مستعد لقبول قيام جمهورية جزائرية ما دام الجزائريون يريدون في ذلك) وقال (حتى اذا بقيت الجزائر مرتبطة مع فرنسا يجب أن تكون لها أجهزتها الحكومية الخاصة ...
وقد اعتبر اليمنيون وغلاة الاستعمار من المتطرفين هذا التصريح تساهلا جديدا يضاف الى مشروع سنة ١٩٥٩ م لأنه يجعل الاختيار محصورا في أمرين: الانفصال أو الاتحادية، ويسقط الحل الثالث وهو الاندماج ومن بعد هذا التصريح قامت موجة من الاضطرابات في صفوف اليمينين في فرنسا والجزائر، واستقال كثير من المشاركين في حزب ديغول المعروف باسم اتحاد الجمهورية الجديدة، فأجرى الجنرال استفتاء شعبيا على سياسته في الجزائر فكانت النتيجة ٧٥ % من الأصوات في فرنسا معه.
والواقع أن الجنرال ديغول واجه مشكلة الأوربيين في الجزائر وفي فرنسا حتى قبل إعلان مشروعه، وذلك حين أمر بحل لجان الأمن العام لأنه خاف أن يكون أداة في أيدى الذين نادوا به، ومن
стр. 250
بعد الاعلان عن مشروعه ازدادت العلاقة بينهما سوءا، فصرح الجنرال ماسو قائد فرقة المظليين لصحيفة ألمانية في أول يناير ١٩٦٠ م بأن الجيش قد يضطر أحيانا لعدم الوضوخ لأوامر الحكومة، لكن الجنرال ديغول اتخذ معه موقفا حاسما بحيث أخرجه من الجيش لأن تصريحه شجع المعمرين على القيام بحركة عصيان مضادة للحكومة وفي ٢٦ يناير الى ٢ فبراير سنة ١٩٦٠ قام أوربيو الجزائر بأول حركة تمرد واسعة واستولوا على السلطة في الجزائر، وأقاموا المتاريس في الشوارع العامة ولحسن حظ الجمهورية الخامسة أطاع الجيش أوامر الحكومة المركزية، وقضى على هذه الحركة، وإن كان بعض الضباط فعلوا ذلك على مضض ...
وحركة العصيان هذه لم تقتصر على حركة الغلاة من المعمرين في الجزائر بل شملت أحزاب اليمين في فرنسا، وتكتل الجميع باسم جبهة التحرير الفرنسية الذي يرأسها م جورج يبدو أحد كبار السياسة في عهد الجمهورية الرابعة، وزعيم حزب الحركة الجمهورية الشعبية، ولكن اخطر ما تعرضت له الجمهورية الخامسة هو محاولة الانقلاب العسكري الذي قام به أربع جنرالات وهم راؤول سالان، وشال، وزيلير، وجوهو، في الثاني والعشرين من أبريل الى ٢٦ منه ١٩٦٠ ولكنها قمعت في الحال مثل الحركات الأخرى ...
تشدد الجزائريون في ضمانة سلامة الاستفتاء، وصمموا على مواصلة الحرب، وكانوا مستعدين لتحمل جميع الآلام والمشاق والمتاعب، وفي أول يوم من السنة السادسة من القتال صرح وزير الدفاع الجزائري بقوله ((إننا مصرون على مواصلة الحرب حتى النصر، ولدينا من القوة ما يمكننا من القتال عشر سنوات أخرى) كما أبلغت القيادة العليا لجيش التحرير هذا البلاغ الى جنودها صباح يوم ٤ أكتوبر ١٩٥٩ م بقولها: (ان تقرير المصير الذى انتزعتموه بكفاحكم والخطوة التي قطعتموها عظيمة، وقد أصبح الاستقلال في متناول أيدينا، ولكن لا يمكن ذلك
следующие страницы →