قاموا لاستنهاض همم هذه الأمة، ليحركوا ما كان ساكنا منها، فناشدوا ضمائرها لتنبعث عقلية مشبعة بالروح الإسلامي في نفوس الأفراد والجماعات ولتبرز الحياة من داخل النفس.
فتحافظ على الكيان الاجتماعي من القلق الدائم، واضطرابات النفوس المستمرة ونبذ الخصومات والمنازعات من بين المسلمين، والعداوة المستحكمة الحلقات بينهم، واحلال محلها الأخوة والوئام، والاتحاد والانسجام ليقضى على التفرق ونزعات الطوائف، وعلى ما نجم من الثقافات الأجنبية والحضارة الدخيلة المتعاقبة على أوطان المسلمين، والمبادئ الهدامة التي غرسها الاستعمار في الأمة أيام الاحتلال، لأن المسلمين عاشوا قرونا كثيرة وهم بعيدون عن تعاليم الاسلام وإن كانوا متشبثين به دائما رغم أنف الاستعمار.
وهؤلاء الدعاة يعلمون علم اليقين أن المسلمين اذا تمسكوا بالإسلام يكونون أقوياء ما في ذلك شك ولا ريب، وقادرين على البناء والتشييد في جميع مجال الحياة، أيام كان المسلمون متمسكين به كان لهم مجد يعنو لجلاله وعظمته كل مجد وقادة وأبطال فتحوا العالم غربا وشرقا، وأعلام نبغوا في كل علم وفن، فكانوا هداة العالم، وكوكب عليائه، وان أقدس تراث للمسلمين هو الدين الحنيف الذى بين طريق السعادة، وعلم الأخلاق الفاضلة، فعليه قام المسلمون وبه فازوا على جميع الأمم، وعليه شايعتهم وعلى كلمته تابعتهم.
هذه النهضة التي وقعت في القرن الرابع عشر الهجري حصلت على أيدى نخبة من علماء المسلمين، تبلورت في حركة اصلاحية شاملة مناهضة لسياسة الاستعمار ومحركة لجمود المجتمعات الاسلامية وركودها، هذه الحركة كانت هي السبب في تحرير المسلمين من نير الاستعباد.
كان جمال الدين الأفغاني - طيب الله ثراه - أنبغ عقلية، وأقوى شخصية في العالم الاسلامي، وأثبت من غيره من نوابغ الشرق على مواجهة طغيان حضارة الغرب والفلسفة المادية الالحادية التي بدأت تغزو المسلمين حينذاك فأهاب بالمسلمين الى التمسك بالدين الحنيف لينقذوا أنفسهم من التيارات الغربية
стр. 72
التي تجتابهم ومن سلطان المادة الطاغية، وله دور كبير في رفع الدين والتمسك بأوامره في نفوس المسلمين، وكان رضى الله عنه يعتمد على القرآن في توجيه المسلمين مع بقية الأعلام الآخرين الذين أصبح حبهم والانتصار لهم شعار المثقفين الأحرار.
أراد هؤلاء الأعلام أن يصلوا حاضر هذه الأمة بماضيها المجيد الذى وضع المتكبرين الذين كانوا يفسدون في الارض ولا يصلحون، ورفع المحرومين المضطهدين من الحضيض حتى يصبحوا سادة بعد ما كانوا عبيدا والله قد حقق عزمهم وسعيهم وجهادهم باستقلال هذه الشعوب وطرد المعمر منها.
قال الشيخ البشير الإبراهيمي في هؤلاء الدعاة: (أسسوا هذه النهضة المباركة على صخرة الحق، وقادوا زحوفها الى الغايات العليا فربوا الأجيال على هداية القرآن والهدي المحمدي وعلى التفكير الصحيح وأحيوا دوارس العلم بدروسهم الحية وغرسوا بذور الوطنية فأحيوا أمة تعاقبت عليها الأحداث والغير، وحالفها الخنوع والذل ردحا من الزمن، ولسانا عربيا فصيحا أفسدته الرطانات الأجنبية وتاريخا عف الزمن عليه ومجدا أضاعه الأحفاد).
قام العلماء الربانيون، وهم روح الأمة وقواد الملة المحمدية ينبهون المسلمين على ما أوجبه الله عليهم فأيقظوا النائمة قلوبهم عما فرض عليهم الدين، فعلموا الجاهل وأزعجوا الجامد، ذكروا الجميع بما أنعم الله على آبائهم، واستلفتوهم الى ما أعد الله لهم - ولو استقاموا - وحذروهم سوء العاقبة، إن لم يتداركوا أمرهم بالرجوع الى ما كانوا عليه أيام النبي ﷺ ، وأصحابه رضوان الله عليهم أجمعين فأزالوا اليأس بتذكير وعد الله، وكان وعده حقا: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ (١)، وكانوا يعلنون للجميع بقولهم: (ان للعقائد الراسخة آثارا تظهر في العزائم والأعمال، وتأثيرا في الأفكار والإرادات لا يمكن للمعتقدين أن
стр. 73
يزيحوها عن أنفسهم ما داموا معتقدين هذا الايمان في جميع شؤونه وأطواره).
الايمان بالله له خواص لا تفارقه، ونزعات لا تزايله، وصفات جليلة لا تنفك عنه وأخلاق عادلة سامية لا تباينه، وكانوا يلقنون الجماهير سيرة سلفهم الصالح ليقتدوا بها فيقولون (صبر المسلمون الأولون في نار الامتحان والابتلاء حتى ظهر ايمانهم ذهبا إبريزا خالصا من كل غش، وأعد الله لهم جزاء على صبرهم نعيما مقيما، ما أصعب ابتلاء الله!، وما أشد فتنته!، وما أذق حكمته في ذلك ليميز الله الخبيث من الطيب، ان ابتلاء الله هو تحمل الصعوبات، وبذل الأموال والأرواح، كل خطر فهو تهلكة ينبغي البعد عنه الا في الايمان، فكل تهلكه فيه فهي نجاة، وكل موت في المحاماة عنه فهو بقاء، وكل واجب في أداء حقوق الايمان فهو سعادة أبدية.
إن الفرار من محنة الله مجلبة للخزي الأبدي، ان الفرار من صدمة جيش الضلال وان بلغت أقصى ما يتصور موجب للشقاء السرمدي، لا سعادة الا بالدين ودون حفظه تتطاير الأعناق).
سقنا هذا الكلام النفيس من العروة الوثقى، اعتمد هؤلاء الأعلام في تحريك الجماهير وإنهاض عزائمهم على الدين الحنيف، فكانوا يخاطبون الأمة بالتمسك به، والالتفات حوله، وأن تعتصم بحبله المتين، ففيه الشفاء العاجل لأمراضها الاجتماعية وعللها المزمنة الفاسدة، ولا شيء ينقذها من هذه الحالة التعساء، والهوة السحيقة التي سقطت فيها الا الاسلام، فهو وحده يوحد بين أجزائها وطوائفها، ويكون فيها التعاون الصادق لتنهض من كبوتها وتخرج من غفلتها وجمودها، وتتناسى الأضغان والأحقاد حتى ترمى عن كاهلها مخلفات القرون المظلمة قبل أن تتحطم وتنقرض من الوجود لا قدر الله. تابع هؤلاء الدعاة الربانيون دعوتهم بقولهم (الأمة الاسلامية لا يسوغ لها أن ترضخ للذل والعبودية، وترضى بالإهانة والظلم، وتتقاعس عن اعلان شأنها وبناء مجدها واسترجاع سيادتها، ولها ملك عظيم على وجه الأرض، ورحمة الله مفتحة لها وما عليها سوي أن تلجها، وروح الله نافحة لها فما عليها الا أن تستنشقها، والفرص
стр. 74
المواتية لها دائما تمد إليها يدها تتطلب إنهاضها فأي موجب لليأس؟ ولماذا هذا القنوط؟ وبين أيديها كتاب الله الناطق بأن اليأس من أوصاف - الضالين، وهي من بقية الرجال، وخلف الأبطال معاذ الله - أن ينقطع أمل الزمان فيها، والاسلام متمكن من قلوبها، وسلطان القرآن متحكم فيها، فمن أصابه نصيب من حمده فهو محمود، ومن أصيب بسهم من مقته فهو ممقوت (راجت هذه الدعوة المباركة في أوساط العالم الإسلامي فاستيقظ على صيحاتها الداوية من غفلته وسباته، فكانوا يتلقون هذا الكلام الرباني بكل شوق ولهفة، يرهفون أسماعهم اليه ويتدارسونه فيما بينهم حتى وعته القلوب، وصادف من النفوس هوى، فاستجاب الناس الى صوت الحق الداعي الى الجهاد في سبيل الله فرجع الناس الى الدين الحقيقي، ونبذوا عنهم الدين التقليدي الخرافي فصاروا يمتثلون لأوامره القيمة، وأقبلوا على تأسيس المدارس الحرة لتعليم أبنائهم اللغة العربية والدين لأنهما متلازمان، وهما الرابطان بين المسلمين، وموحدانهم - في جميع أهدافهم وغاياتهم والمحافظان على تراثهم المجيد وتاريخهم الجليل.
أنشئت في أنحاء الأقطار الاسلامية جرائد ومجلات تدعو الناس الى الاسلام والعمل به والاعتصام بحبله المتين، فكانت تنشر تعاليم الدين، وترشد وتوجه وتعظ، وتنشر المحاضرات العلمية المتنوعة في شتى الميادين، والبحوث التاريخية ودروس التفسير وشرح الأحاديث النبوية وبيان الحكمة واستخراج الأحكام منها على صفحات المجلات ليطلع المسلمون على ما كان لهم من كنوز قيمة.
وأعلنت الجمعيات الاسلامية التي تأسست في أنحاء الوطن حربا شعواء على الجمود والتخلف والانحطاط الخلقي والمادي والخرفات التي ألصقت بالدين زورا وبهتانا حتى حجبت الدين الصحيح عن الأمة بواسطة الجرائد الحرة، وكانت منبرا لصوت الحرية والمرآة التي تنعكس عليها أعمال المجتمع.
ولما فطن المسلمون الى حالتهم التي هم فيها فوجدوا أنفسهم مجردين من جميع الحريات وأنهم يتخبطون في ذل كبير وظلم
стр. 75
عظيم يقاسون منه جميع الويلات، فتكون منهم زعماء وطنيون قادرين على مجابهة الاستعمار ومنازلته في كل ميدان، فبدأوا يغرسون المبادئ الوطنية الصحيحة في نفوس الجماهير. فكان تعاون صادق مع جميع الهيئات والأحزاب الوطنية.
فبهذه الدعوة الربانية، والأحزاب السياسية التي كانت سببا في وحدة الأمة ويقظتها، وبهذا الإحساس والشعور بالمسؤولية أصبحت تتجاوب مع بعضها بعضا وتتقارب فيما بينها شيئا فشيئا حتى صارت تتألم بألم واحد، وتحس بشعور واحد، والاستعمار لا يخشى من أية قوة كانت إلا من قوة الدين هي التي وحدها تهدد وجوده في هذه الأوطان.
امتلأت نفوس المصلحين والشباب بشعور ديني فياض، وحماس متقد، فبعث فيهم الحمية والأنفة والغيرة على ما أصاب أمتهم من المهانة والمذلة فعزموا على بعثها من جديد لتتبوأ مكانتها اللائقة بها بين الأمم، وآلوا على أنفسهم أن ينقذوها مما تردت فيه، ولو طارت نفوسهم في سبيلها شعاعا، واعتمدوا في الوصول الى أهدافهم على العقيدة الاسلامية التي لا زالت تجيش بها هذه الشعوب، والمواهب الكامنة فيها.
عزم المسلمون على أخذ حقهم الطبيعي والشرعي مهما كان الثمن، فأخذوا يجدون في الروابط والتضامن، لأن الحياة ليست في السياسة وحدها، ولا في الكلام والحماس الخاليين من كل معنى، بل في التكاتف وربط العلائق فيما بين الأمة على أساس المحبة الخالصة والثقة المتبادلة ظهرت الروابط بين المسلمين في هذه النهضة سليمة لم تتأثر بملابسات الحوادث والزمن، كانت هذه الشعوب تدرك الهوة العميقة والمهالك الشديدة التي بينها وبين تحقيق أمالها، والعوارض التي تعترض سبيلها في الوصول الى أهدافها، فتسلحت بالصبر والشجاعة والثبات، وكانت شاعرة بالتضحية الجسيمة، والجهد الكبير الذى تبذله الا أنها واثقه من النصر الذى ستحرز عليه في نهاية المطاف.
ولما فشلت جميع المحاولات في التفاهم مع الاستعمار صممت الشعوب الاسلاميه على الجهاد في سبيل تحرير أوطانها، والمسلم
стр. 76
اذا أخلصت نيته لله ووحد النظام فإنه صعب المراس شديد الوطء لا ينام على ضيم، ولا يستكين للذل، بل يسعى جاهدا لينال الشهادة في سبيل الله، ولا يخشى العدو، بل يخاف الله على ما صدر منه من التقصير في حقه، طموح للمعالي شريف النفس محب للحرية يبذل في سبيلها كل ما يملك.
عزمت الشعوب الاسلامية على أن تجعل حدا لطغيان المعمر وسيطرته ونبذت الخضوع والخنوع، ورفضت كل رأي سقيم لا ينفع، أو فكر لا يفيد.
تقدمت الطليعة الواعية من الأمة الى ميادين الكفاح في خطة محكمة من النظام وأعلنتها ثورة داميه عارمة على الظلم والاستبداد والطغيان والجبروت، وها هي الهزات تجتاح أوطان المسلمين الواحدة تلو الأخرى، فما تكاد تهدأ في وطن إلا وتشغل في وطن آخر حتى تحرر المسلمون.
مضى المسلمون في هذه الثورة المباركة ينشدون تطهير بلادهم من الاستعمار النجس عن طريق الكفاح المسلح، وكانوا لا يملكون الحرية، ولا الوسائل التي تتكافأ مع حيويتهم غير أنهم استعملوا في هذه الحرب أساليب المقاومة المنظمة التي لا يستطيع العدو أن يقضي عليها، فأخذوا يحطمون معالم الاستعمار ومنشآته العمرانية التي شادها في هذه البلاد، وأساطين الاستعمار والغلاة منهم، وكل من التف حولهم من الخونة تحطيما تاما باذلين في ذلك الدماء الزكية والأرواح الطاهرة والمهج في سبيل تحرير بلادهم من الاستبداد والسيطرة، فكانوا كالعناصر الطبيعية ينفجرون في كل مكان، والآيات القرآنية التي كان يرتلها الخطباء عليهم تتنزل على قلوب المجاهدين بردا وسلاما، والاستشهاد كان يحدوهم في سبيل الله وشعارهم (الله أكبر).
تخلص معظم العالم الإسلامي من حكم الاستعمار، وقذف به وراء البحار. وجاءت ثورة الجزائر الكبرى، فكانت في زحفها الشديد تحرق وتخرب صروح الظلم، ولا تبالى بما أمامها من قوة وجند يعد بمآت الآلاف، ولا بالأسلحة العصرية المتطورة
стр. 77
المختلفة الأنواع والاحجام والاشكال، فكل هذا لم يستطع أن يوقف زحف الثورة نحو غاياتها وأهدافها المرسومة لها، فشقت طريقها من بين قوة الظلم والاستبداد حتى وصلت الى النصر فتحررت هذه الشعوب وأصبحت حرة طليقة
стр. 78
تقلص ظل الاستعمار الثقيل من بلدان المسلمين
استمرت ثورة العالم الإسلامي المباركة في زحفها الشديد أمدا طويلا، وسرى لهيبها في الشرق والغرب، وشاركت فيها جميع طبقات الشعب، فبرهنت للاستعمار على انه ليس عضوا من جسم، وليس هو كما يزعم مركز الدائرة بل هو كغيره نقطة من محيطها، ويفضل اتحاد المسلمين والتفافهم حول الدين الحنيف أكسبهم النصر المبين.
هذا الاستقلال الذي أحرز عليه المسلمون في هذه النهضة المباركة ما هو إلا ثمرة من ثمرة جهادهم المتواصل، ونتيجة أعمالهم المخلصة، وهذا هو الفرق الهائل بين الماضي القريب واليوم، وبين الاتحاد والفرقة، والنظام والفوضى.
هذه الثورة ثورة القرن الرابع عشر الهجري جعلت حدا لسيطرة الاستعمار على المسلمين وأبرزتهم للوجود على شجيتهم الأصيلة كما كان أجدادهم الميامين في الماضي، فبرزت العقيدة الاسلامية قوية مؤثرة لا كما كان يظن الاستعمار وبطانته من ملاحدة المسلمين أنها تلاشت وذهبت ولم يعد لها مفعول ولا تأثير.
ضرب الشباب المسلم وفي مقدمته الشباب الجزائري أروع الأمثلة النادرة في البطولة والثبات، وفي التضحية والفداء مما أدهش الخصوم والأصدقاء على السواء.
لولا الدين لما حالف هذه الشعوب النجاح، لأنها كانت تحارب بدون حكومة ولا قيادة قارة، ولا نظام ثابت، ومع هذا ظلت واقفة في وجه الغزاة المتكالبين عليها من كل ناحية، لا ريب أن الاسلام هو القوة الربانية الباقية في هذا الكوكب، وهو خلاصة الأديان السماوية، والمؤمنون به هم الذين يكتب لهم الخلود والنصر، لأنهم حاملو رسالة السماء والمبلغون عن الله، هم الأمناء على هذا الوجود، لأن تعاليم الأنبياء لم تخرج من
стр. 79
أيديهم، ولهذا جعلهم الله شهداء على الناس قال تعالى: (وكذلك جعلنكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم، شهيدا) (١)، والله لن يتخلى عنهم أبدا لأنهم أكرم عباده في هذه الارض. ولن يتركهم وحدهم لهذا الضريم المتأجج والبغي السافر والالحاد الكافر.
ظهرت روابط الدين بين المسلمين في هذه النهضة المباركة قوية ومتينة، كما كانت أيام عزها وجدها، لم تتأثر بملابسة الحوادث والزمن، وأواصر الأخوة التي شادها الإسلام وقررها القرآن، ودعمها نبي الاسلام، كانت محكمة الحلقات لم تستطيع يد الشيطان أن تفرقها لأن يد الله جمعتها (وما جمعته يد الله لا تفرقه يد الشيطان) والاستعمار عجز عن حلها وفصمها.
انتصرت الشعوب الاسلامية - في هذه النهضة - على أعدائها بعد ما ثارت ثورات كثيرة ولم يحالفها النصر فيها، ولولا هذه الثورة الأخيرة لانسلخت عن الاسلام ولكنها برهنت على أنها لا زالت متمسكة به، ومسيطرة على نفسها، ومهيمنة على إحساسها وشعورها، ولهذا لم ينجح الاستعمار في هذا الاحتلال ولم يستطيع أن يكسب عطف المسلمين ولا نال رضاهم، بل ظلوا رغم احتلال بلدانهم ورغم الحكم الجائر والقوانين الاستثنائية، والمكائد المبيتة متشبثين بالإسلام، وحسب المسلمين من هذه النهضة أنهم قضوا على ما غرسه الاستعمار فيهم من الخوف والجمود، ونزعوا ما بذره فيهم من بذور الاختلاف والشقاق، والتخاذل فحطموا القيود والأغلال التي قيدهم بها طيلة القرون الماضية ورموا عن كواهلهم مخلفات القرون المظلمة التي كانت تتحكم فيهم، وتثبط في عزائمهم، ونفضوا عن كواهلهم غبار الذل الذي غشيهم في هذه العصور المتأخرة حتى ظن الغربيون أن هذه الشعوب لم تعد تتأثر بالإسلام كما كان أسلافهم في الماضي.
أصبحت هذه الشعوب تدير شؤنها بنفسها وتوجه سياستها كما تريد، وهي سائرة بخطوات ثابتة في سبيل عزها ومجدها، وبناء مستقبلها، واحتلت مكانتها المرموقة من بين دول العالم،
стр. 80
فأصبحت مركز الثقل في المجتمع الدولي، عزيزة الجانب يخطب ودها الدول الكبرى، وتنظر إليها بعين الاعتبار والاجلال.
أصبحت متحررة من كل قيد الا قيد التقليد الأعمى للغرب الذى أصبح فاشيا، وطاغيا على الشبيبة والقادة، وهو ما غرسه الاستعمار فيهم من ثقافة بتراء، وأخلاق فاسدة ولهذا لم يكونوا على جانب كبير من الوعي الاسلامي.
وصل المسلمون إلى هذه المكانة يوم بدأوا يرجعون الى الاسلام ويعملون متحدين ومتساندين، فبهذا السلوك المحمود تحققت النهضة الأخيرة التي شقت طريقها إلى الأمام، ولا تزال إن شاء الله سائرة - الى ان تتحقق الدولة الكبرى ألا وهي الخلافة الشرعية التي هي حلم كل مسلم فعندئذ تؤدي هذه الأمة - رسالتها التي اختصت بها الى جميع الناس. فتعيد الحرية والمساواة والعدل والحق من جديد بين الأمم التي تتخبط في الفساد الذى عم العالم أجمع.
стр. 81
لا يزال المسلمون متدهورين رغم الحوادث التي انتابهم
لا زال التدهور ملازما للمسلمين حتى من بعد الاستقلال، لقد زال الاستعمار بموجته الطاغية من أقطار العالم الإسلامي غير أنه ترك سمومه تفتك بالمسلمين من بعده فتكا شنيعا ولما تم النصر لهذه الأوطان، وخرج الأوربيون مطرودين. حمد المسلمون الله على هذه النعمة الكبرى والمنة العظمى، وأصبحوا متشوقين ومتطلعين الى الحكم الذى يعيد اليهم شخصيتهم الفذة، وقوانين الاسلام العادلة التي طالما ناضل المسلمون من أجلها في القديم والحديث، وبذلوا كل جهد في سبيل إعادتها الى الحياة فكانوا ينتظرون بفارغ الصبر وكامل الاشتياق متى يعلن دستور البلاد الذى ينبع من صميم العقيدة الاسلامية.
ولكن ويا للأسف!. ما كاد المسلمون يذوقون طعم الاستقلال والحرية، حتى برزت الأمراض الاجتماعية الفتاكة والتيارات الالحادية، والتفكك الخلقي، والاباحة الماجنة التي كانت سببا في سقوطهم في الماضي، فبدأت تعمل عملها من بعد الاستقلال - بصفة طاغية عاتية تهدد باستئصال الاسلام، وكل ما للبلاد من قيم روحية، وأخلاق شريفة، وعوائد وطباع نقية فاضلة، فكادت المخلفات الاستعمارية تقضى على مقومتهم الأساسية وعلى شخصيتهم الأصيلة.
بدأت المجتمعات الاسلامية - من بعد الاستقلال - تمارس شؤون حياتها على نظام أجنبي بحت غير متلفتة لنظام الاسلام الذى هو عنصر أصيل في حياتها والذى حافظ على شخصيتها عبر القرون والاجيال، وكان سببا في انتصارها على أعدائها مهما كانوا وفي أي زمن كانوا.
جاء هذا الانحراف الشنيع عن الدين من الثقافة الغربية التي تشبع بأفكارها قادة المسلمين الحاليين ولذا فهم يطبقون قوانين أوربا وعوائدها على المجتمعات الاسلامية وكل من يدعو الى الاسلام يتهمونه بالرجعية والجمود والتخلف.
стр. 82
ان هؤلاء المثقفين بثقافة الغرب لمخطئون في نظريتهم هذه، وأنهم يجهلون الاسلام رغم انتسابهم اليه، ولم يعتبروا بالماضي الماثل في الأذهان ولم يدروا أن هذه العوامل تهدم الإسلام ولا تبنى، وترمى المقومات الاسلامية والخصائص العربية بفاقرة تقسم الظهر. الواجب على قادة المسلمين أن يحافظوا على التراث الإسلامي والتعليم الديني الذي هو وسيلة إلى التثقيف، والتثقيف أشرف مقاصد الأمة الرشيدة، والحكومة الرشيدة فإنها تلمس المعرفة على تثقيف شعوبها من كل من تستطيعه من جماعات وأفراد، وتبذل لهم من التنشيط والتسيير ما يحقق ذلك.
فقد كان قبل الاستعمار وفي إبانه ملاجئ دينية يهجر المسلمون إليها في طلب العلم النافع والعمل الصالح يتجشمون الأسفار والأخطار لتزكية النفس، وتهذيب الخلق، والتوصل الى معالم الرشد، والاستعداد للآخرة، فترى في كل قطر إسلامي ملاجئ روحية يأوي إليها أهل الطلب من سائر الآفاق مثلا كالزوايا في بلادنا ومعهد الشيخ عبد الحميد بن باديس الذي أسسته جمعية العلماء المسلمين الجزائريين والجامع الأخضر كان الطلبة يأتون إليه من أنحاء الوطن، وكالزيتونة في تونس، والقرويين في المغرب والجامع الأزهر في مصر، فيتخط الناس الدنيا ومناصبها العالية، ويلجئون الى المحيطات الهادية الروحية، وينكبون على اصلاح بواطنهم وسل حظ الشيطان منها حتى ترى رقة في القلوب وانقيادا للحق وخضوعا للشرع فيأتون من كل صقع ليدخلوا في الخير أفواجا.
كان الناس يدعون الى الدين وإصلاح النفوس وتزكيتها وهم تذكار لسلفهم الصالح في زهدهم في الدنيا، والاقبال عن الآخرة، والاخلاص واتباع السنة.
والمسلمون يعدون الاتصال بهؤلاء والتمسك بآدابهم حقا من حقوق الدين وواجبا من واجباته وكان بعض الأغنياء والامراء وأرباب الدنيا لهم اهتمام زائد بحسن الخاتمة وأمور الآخرة، واصلاح القلب وعمارة الباطن، فأصبح صلاح الدنيا الذى يترتب عليه صلاح الآخرة أشبه شيء بالتهاب السراج قبل الانطفاء. فقد ذوى أصل الشجرة الدينية، وانقطعت عنها مادة
стр. 83
الحياة وهب عليها اعصار شديد فيه نار محرقة. سرى الشك وسوء الظن في الاوساط الاسلامية، والبيوت العريقة في الدين والعلم، ففضلوا تعاليم الغرب على تعاليم القرآن، لأن الايمان بالله وبصفاته وبمواعيده قد ضعف من القلوب، فأصبح الأباء يضنون بأولادهم على الدين ولا يخاطرون بأوقاتهم في سبيل الدين وعلوم الدين، وأصبحوا يعلمونهم العلوم المعاشية واللغات الافرنجية لا رغبة في تحصيل المنافع ولا دفاعا عن الاسلام، بل زهدا في الدين، وفرارا من خطر المستقبل، وخوفا على أفلاذ أكبادهم من الضياع، واستسلاما للدهر المتقلب، وتسلط عليهم خوف الفقر، وهكذا انقرضت المعاهد الدينية، ولفظ هذا المعهد الروحي أنفاسه الأخيرة وأتى عهد المادة، وأصبحت الدنيا سوقا ليس فيها الا البيع والشراء، روي أن شاعرة جاهلية هي: كبشة بنت معديكرب عاتبت أخاها عمرو بن معديكرب وعيرته بميله الى قبول دية أخيه المقتول فقالت: ودع عنك عمرا، ان عمرا مسالم ... وهل بطن عمرو شبر لمطعم تصورت هذه المرأة الجاهلية أن بطن الانسان لا يتجاوز شبرا، فكيف لو رأت معدة انسان قرن العشرين تضخمت وكبرت حتى وسعت الارض، وتجاوزت فأصبحت لا يملأها الا التراب.
نعم تضخم الحرص على الدنيا، وتولد في الناس غليل لا يروى، أوار لا يشفى، تسلط على الناس الحرص والجشع، وأصبح الانسان نهما يلتهم الدنيا التهاما، والسبب في ذلك أنه لا يؤمن بالآخرة وكل انسان متمدن اليوم - الا من عصمه الله بالإيمان - يرى هذا الرأي، ويذهب هذا المذهب في الحياة، وكانت الرابطة بين الصغير والكبير في المجتمع الإسلامي مؤسسة على تعاليم الشرع (من لا يرحم الصغير ويوقر الكبير فليس منا (حديث شريف، ومن الغريب أن المسلمين قد أصبحوا في هذا الزمن في كثير من نواحي الأرض حتى في مراكز الاسلام وعواصمه حلفاء للجاهلية الأوربية وجنودا متطوعين لها، بل صار بعض الشعوب والدول الاسلامية يرى في الأوربيين ناصرين للمسلمين حامين لذمام الاسلام المستضعف حاملين لراية العدل في العالم قوامين بالقسط.
стр. 84
ورضى عامة المسلمين بأن يكونوا ساقة عسكر الجاهلية بدل أن يكونوا قادة الجيش الإسلامي. ان هذه الأمة التي تدعى الاسلام غالبها قد افلس افلاسا شائنا في الدين والأخلاق وقد أشربت في قلبها حب المال وتسلط عليها سلطان الاثرة والجشع، احتلت أوربا قلوب المسلمين وأصابهم انحطاط في الأخلاق والعقيدة، كانت هي سبب انهيار الدول الاسلامية، ولكن مع ذلك لم يزل المجتمع الإسلامي على علاته محتفظا ببعض المبادئ الخلقية السامية والخصائص الاجتماعية الفاضلة التي لا يوجد لها مثيل في الأمم.
ورغم كل ما أصيب به المسلمون من علة وضعف فإنهم هم الأمة الوحيدة على وجه الأرض التي تعد خصما للأمم الاوربية وغريمتها ومنافستها في قيادة الأمم ومزاحمتها في وضع العالم، والتي يعزم عليها دينها أن تراقب سير العالم، وتحاسب الأمم على أخلاقها وأعمالها ونزعتها، وأن تقودها الى الفضيلة والتقوى، الى السعادة والفلاح في الدنيا والآخرة، وتحول بينها وبين جهنم بما استطاعت من القوى، والتي يحرم عليها دينها وتأبى فطرتها أن تتحول الى أمة جاهلية.
هذه الأمة ربما في يوم من الأيام تكون خطرا على النظام الأوربي الذي بسطه في الشرق والغرب لأن شرارة الكفاح والحياة والطموح لا زالت كامنة في رمادها، ولا يزال فيها رجال تتجافى جنوبهم عن المضاجع، وتسيل دموعهم على خدودهم سحرا، لا يخفى على الخير المتفرس أن الاسلام هو فتنة الغد انا لا أجهل أن هذه الأمة قد اتخذت القرآن مهجورا، وأنها فتنت بالمال وشغفت بحبه وادخاره كغيرها من الأمم، وأنا خبير أن ليل الاسلام داج مكفهر وأن علماء الاسلام ليس لديهم تلك اليد البيضاء التي تشرق لها الظلمات، ويضيء لها العالم، ولكنى أعلم - إن شاء الله - أن قوارع هذا العصر وهزاته ستقض مضجعها وتوقظ هذه الأمة وتوجهها الى شريعة محمد ﷺ حامية الذمار حارسة الذمم والاعراض دين الكرامة والشرف دين الأمانة والعفاف، دين المرؤة والبطولة، دين الكفاح والجهاد يمحو كل أثر فن اثر الانسان، لا يفرق بين ملك
стр. 85
ومملوك، ولا يؤثر سلطانا على صعلوك لا ينهض العالم الإسلامي الا برسالته التي وكلها اليه مؤسسه ﷺ ، والايمان بها والاستقامة على سبيلها، وهى رسالة قوية لم يعرف العالم رسالة أعدل منها، ولا أفضل ولا أيمن للبشرية منها.
وهى نفس الرسالة التي حملها المسلمون في فتوحاتهم الى العالم، والتي لخصها أحد رسلهم في مجلس يزدجرد ملك إيران بقوله (الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد الى عبادة الله وحده ومن ضيق الدنيا الى سعتها، ومن جور الاديان الى عدل الاسلام) رسالة لا تحتاج الى تغير كلمة وزيادة حرف، فرسالة العالم الإسلامي هي الدعوة الى الله ورسوله، والايمان باليوم الآخر، وجائزته الخروج من الظلمات إلى النور، ومن عبادة الناس الى عبادة الله وحده ولو نهض العالم الإسلامي واختضن هذه الرسالة بكل اخلاص وحماس وعزيمة ودان بها فإنها بدون شك ستنقذ العالم من الانهيار والانحلال، فالإسلام هو قوة العالم العربي، ومحمد ﷺ روح العالم العربي وإمامه وقائده، والايمان هو قومية العالم العربي التي حارب بها العالم البشرى كله فانتصر عليه، وهو قوته وسلاحه اليوم كما كان بالأمس يقهر اعداءه ويحفظ كيانه ويؤدى رسالته، ان العالم العربي لا يستطيع أن يحارب الصهيونية أو الشيوعية، أو عدوا آخر بالمال. وانما يحاربه بالإيمان والقوة المعنوية، وبالروح التي حارب بها الدولة الرومية والامبراطورية الفارسية في ساعة واحدة، يستطيع المسلمون اذا حكموا الاسلام فيما بينهم أن ينقذوا أنفسهم من التبعيات ويحولوا العالم من الشر الى الخير، ومن النار والدمار الى الهدى والسلام. لقد حول المسلمون في الماضي العالم الكبير الى اعتناف العقيدة الاسلامية والايمان العميق بها، والصلة الروحية القوية، وكان أوسع عالم عرفه التاريخ، انصهرت فيه الثقافات المختلفة، فتكونت منها ثقافة واحدة هي الثقافة الاسلامية التي لم تزل تظهر في نوابغ المسلمين الذين لا يحصيهم عدد، واستحق المسلمون قيادة العالم عن جدارة واستحقاق. فكانت أشرف قيادة وأعظمها في التاريخ،
стр. 86
وقد أكرم الله بها العرب لما أخلصوا لهذه الدعوة الاسلامية وتفانوا في سبيلها.
وبقيت هذه القيادة الكاملة مدة طويلة والناس لا يفكرون في الثورة عليها وفي التخلص منها، كما هي عادة الفاتحين مع الامم المغلوبة على أمرها في كل عهد لأن صلتهم بهذه القيادة ليست صلة المفتوح بالفاتح، أو المحكوم بالحاكم إنما هي صلة المتدين بالمتدين، وصلة المؤمن بالمؤمن، فلا مجال للثورة، ولا مجال لنكران الجميل هذه هي القيادة التي هيأتها البعثة المحمدية، وهى القيادة التي يجب أن يحرص عليها العرب أشد الحرص. ويعضوا عليها بالنواجذ، ويسعوا اليها بكل ما أوتوا من قوة ومواهب. ويتواصى بها الأباء والأبناء، ولا يجوز لهم في شريعة العقل والدين والغيرة - ان يتخلوا عنها في زمن من الأزمان.
ان الطريق الى هذه القيادة ممهد ميسور الى العرب، وهى طريق الاسلام والاخلاص الى الدعوة الاسلامية واحتضانها والتفاني في سبيلها، فبهذه القيادة تخضع لهم الأمم الاسلامية في أنحاء العالم، وندخل أمم جديدة في الاسلام أمم فتينة في مواهبها وقواها أمم تستطيع أن تعارض أوربا في مدينتها وعلومها اذا أوجدت ايمانا جديدا أو دينا جديدا (١).
стр. 87
تقليد المسلمين للغرب هو الذي
صدهم عن تعاليم الاسلام السمحاء
بعد ما خرج الاستعمار من أوطان المسلمين بدأت الشعوب العربية تنفر من كل ما ينتمي الى الاسلام من عقيدة متينة وأخلاق فاضله وعوائد حسنة التي هي مادتهم الوحيدة قبل الاحتلال، وحفظت لهم كيانهم من الانهيار كأمة ذات حضارة عريقة وسيادة في الماضي في وقت الاحتلال، وارتموا من أول وهلة من - بعد الاستقلال - في أحضان الغرب، لا لشيء الا أنه متقدم في العلوم والتكنولوجية، وهم متخلفون، ولكن ما شأن التنكر للأخلاق والقيم الروحية، والاباحة المطلقة، وعدم التقيد بأوامر الاسلام، والتحلل من جميع نواهيه، كأن المسلمين لم يكن لهم شرع عادل، ولا أفكار نيرة، ولا سيادة في الماضي كانت مضرب الأمثال، ولا عقيدة راسخة هيمنت على الشرق والغرب، ولا مناهج في الحياة مستقيمة، ولا تاريخ حافل بجلائل الاعمال.
لكن الموجهين لهذه الشعوب أكثرهم لا علاقة لهم بالدين، ولا تجاوب بينهم وبين تعاليمه، ولذا تركوا الناشئة لقمة سائغة لبعض المغرضين الذين لا هم لهم الا عزل الشباب عن دينهم وتعاليمه وأخلاقه.
وها نحن نشاهد الحكومات الاسلامية تجلب القوانين الوضعية من الدول الكافرة والملحدة وتطبقها على المسلمين، وتركت القوانين الاسلامية العادلة وتستورد من هذه الدول التي لا تؤمن بدين العوائد الفاسدة والأخلاق الساقطة السافلة عن طريق الأفلام، والجرائد والمجلات والكتب، والتعليم ووسائل أخرى لتسمم الناشئة، وتغرس فيها الرذائل لتصدها عن دين الله، لا زال العالم الإسلامي في مد وجزر كما كان قبل سقوطه بين براثن الاستعمار رغم النهضة الأخيرة التي أصهرته بحوادثها المؤلمة، وأخرجته منها إبريزا خالصا بعد ما تجرع مرارة السيطرة والحكم الأجنبي عدة قرون.
стр. 88
وها نحن نشاهد أن للعرب صورة واحدة من وقائع كثيرة من عصور الظلام والانحطاط التي سقطت فيها الأمة العربية من عليائها، فتغلبت عليهم الأمراض الفتاكة التي تفتك بالمجتمعات كحب الرئاسة، والأنانية الفردية الطاغية، والاستبداد في الآراء والحكم وتقديم المصلحة الخاصة على غيرها يبدو لي أن هذه الخصال المذمومة التي تهدم ولا تبنى، وتفرق ولا تجمع أصبحت فاشية في الحكومات العربية، ولا يقضى عليها الا الدين الحنيف، ومن هؤلاء الحكام لا يستجيبون له. فهذه الأعراض عن الاسلام أصبحت تقليدا ثابتا في نفوس حكام المسلمين مع أنهم ينتسبون اليه، ويدعون المقدرة على تطبيقه وتنفيذه.
بدأ الشباب المسلم - من بعد الاستقلال يتنكر للدين، ويطعن فيه جهارا وأصبح يشكك الناس في شخصية الرسول الأعظم صلوات الله عليه وسلامه ويقول: ان التمسك بالإسلام رجعي، والحفاظ على أحكامه، وأخلاقه وآدابه تأخر وهمجية وأطلق هذا الشباب الملحد العنان لشهواته الجامحة التي لا تعرف الحدود ولا القيود، فأباح جميع المحرمات التي تغرى النفوس، وتقدف في الأفواه، وصار لا غيرة له على محارمه يفعل كما تفعل المجتمعات الاباحية، وتحلل من كل ما يأمر به الدين الحنيف، وصار يسبح في المتناقضات، ويخبط في متاهات لا أدرى أين يسير؟ أيسير الى الشرق أم الى الغرب؟ الا أنه لا يسير الى الاسلام، وهذه التناقضات جاءته من مخلفات الاستعمار التي تركها من ورائه، وأصبح يغذى فيها من وراء البحار بواسطة الاذاعات والجرائد والمجلات والكتب، الاستعمار لا يعتمد على الغزو العسكري فحسب، بل يعتمد على وسائل أخرى هي أعظم وأشد خطرا من القوات العسكرية كالاقتصاد والثقافة، وإثارة الفتن وبث الشكوك في المعتقدات، ولكن المسلمين وولاة الأمور تركوا هذه الأمراض المزمنة تفتك بالناس فتكا شنيعا، ولم يعالجوها بقوانين الاسلام التي فيها الشفاء العاجل من بعد الاستقلال، بل عالجوها بقوانين الاستعمار نفسه، ولهذا تشجعت الشبيبة على التمرد على الدين واعنقت الكفر والالحاد،
стр. 89
وأصبحت لا تتميز عن المجتمعات الالحادية في الرذائل والأخلاق السافلة.
والحكومات الاسلامية هي التي تتحمل مسؤولية هذا الفساد الذى كاد يقضى على ما كان للمسلمين من مقومات وأخلاق وآداب.
ترك الشباب الذى ينتمي الى الاسلام الدين الحنيف، وبدأوا يسمون علما ويهبطون روحيا وأخلاقيا، قد قطموا الصلة بينهم وبين الله، وبينهم وبين الايمان به ، وما دامت هذه المقاطعة للدين سارية المفعول فليس لهذا الشباب من اصلاح، لأنه أصبح آلة فساد وتحطيم، فيحطم كل ما شاده المجاهدون الأبرار بعزائمهم لأنه يعيش في فوضى جاهلية جهلاء ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (١).
ومن المدهش حقا أن الجامعات الاسلامية لا تدرس الاقتصاد الإسلامي فيها، والمسلمون لا يعترفون بقدرته على حل مشاكل الناس ورعايته الشؤون الاجتماعية.
الاقتصاد الإسلامي لا صلة له بالحركة السياسية، بل هو في مصلحة الجميع فيضمن القضاء على الربا وعلى الفوضى التي تنتهى بالناس الى الحرب، وهذا ما يقوله : ﴿يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقى من الرباء ان كنتم مؤمنين فان لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وان تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون﴾ (٢).
الحرب القائمة اليوم بين الدول الكبرى هي التي تهدد الناس بالهلاك والدمار نتيجة النظام الربوي.
فالاقتصاد العالمي هو الذى يسير سياسة الحكم، ويحرك الجماهير ويأتي بالحرب.
أما نظام الاسلام في الاقتصاد فهو خالق السلام بين النظم الاقتصادية العالمية الرأسمالية والشيوعية.
стр. 90
كيف يتحد المسلمون وعلى من يتحدون؟ أيتحدون على المبادئ الرأسمالية أم على المبادئ الشيوعية؟ أم على الاسلام؟ فالمسلمون لا يتحاكمون الى الاسلام وان كانوا معترفين به كدين رسمي للدولة.
стр. 91
هل يجعل المسلمون حدا لهذه التدهورات الخطيرة
أم تستمر الى ما لا نهاية لها ؟
بحث العملاء والمفكرون من هذه الامة قديما وحديثا في هذه التدهورات الخطيرة المستمرة، فلم يجدوا لها علاجا ناجعا الا بالرجوع الى الاسلام وترك الجري وراء القوانين المستوردة من الخارج. والكف عن تطبيقها والتشبث بها، الاسلام هو الذى يحقق لهذه الأمة ما تصبوا اليه من آمال وحرية وسيادة هذا هو الحل الوحيد اذا أراد المسلمون.
لقد زال الاستعمار بموجته الطاغية من بلدان المسلمين، وذلك بفضل الله ثم بفضل الاتحاد والكفاح المسلح الذى خاضه العالم الإسلامي حتى أخرجه منها لكنه ترك من ورائه مخلفاته، تعيث في هذه الأوطان فسادا ...
كان من الواجب على الشعوب الاسلامية أن تطبق أحكام الاسلام - من بعد الاستقلال - مباشرة لتحل محل قوانين الاستعمار الجائرة التي لا تمت بأي صلة الى طبيعة المسلمين. بعد ما زال حكمه، والاسلام هو مبدؤهم الأول والأخير، وأنه يحمل أعدل القوانين وأسماها الى الانسانية جمعاء. كما هو الواقع، وكما يعتقده جميع المسلمين، حتى المنصفون من علماء الغرب وغيرهم.
يتمنون لحكامهم أن يسوسوا رعاياهم على مقتضاه.
فبدون الاسلام لا يستطيع المسلمون أن يكونوا أمة قوية أبدا تصمد أمام أعدائها الذين يتربصون بها الدوائر، ولا يكونون وحدة متماسكة متينة تغمرها السعادة والكرامة. وما فائدة الانتساب اليه بدون العمل به؟
يجب على المسلمين أن يشرعوا في بناء الدولة الكبرى التي توفر لها من الامكانيات والصلاحيات في هذه الظروف ما لم يتوفر لها في غيرها. فبهذا وحده فقط يقضون على التدهورات الخطيرة التي أصابت المسلمين في الماضي والحاضر. وبهذا يكونون قد
стр. 92
اعتبروا بما وقع لهم على أيدي أعدائهم من الذل والاستعباد وبهذا أيضا يضمنون وجودهم كأمة لها رسالة سماوية أمرت بتبليغها الى الناس كافة.
لو سار المسلمون على نهج الكتاب الكريم، وخطة الرسول الأعظم صلوات الله وسلامه عليه. وسيرة الخلفاء الراشدين من بعده لكانت دولتهم أثبت رسوخا وأضمن دواما، وأكثر انتشارا واتساعا، ولأكلت من فوقها (١) ومن تحت أرجلها من أعدائها ... الاسلام الذى ارتضاه الله لعباده هو دين ودولة، وحكم وشريعة، ومنهج ورسالة. ومن لم بحكم بما أنزل الله، فقد برئ من الايمان، ومزق الاسلام، وحطم الشريعة الغراء تحطيما كاملا، وعصى الله ورسوله، وأطفأ نورا ربانيا.
إن الحكومة القائمة بأمر الله، المنفذة لأحكامه وشرائعه، الحاملة لرسالته، المدافعة عن دينه، والداعية الى طاعة الله وتقواه، هي عنوان الاسلام وهى ظله في أرضه، وبها يقيم الله الحجة على عباده ولا يرضى عن سواها. ولا وزن لما جاء به من العبادات، والعدل والاحسان. اذا لم تقم هذه الحكومة بين المسلمين. فالله لم يرسل رسوله الأعظم محمدا ﷺ عبثا، بل أرسله ليبلغ الناس دين الحق، وبالنظام الشامل للحياة كلها حتى يكون الانسان جديرا بالاصطفاء، والتفضيل على كثير من مخلوقاته. لأنه نفخ فيه من روحه، وجعله خليفة له، وأسجد له ملائكته وسخر له الكون. (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الارض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذى ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون (.
لقد شهد المسلمون - في العصور المتأخرة - نهضات إسلامية على أيدي أناس مصلحين ولكنها لم تدم طويلا، وفشلت جميع النهضات في العالم الإسلامي ولم تحقق الأهداف المنشودة منها، لأنها لم تكن متماسكة ينقصها الشمول فإذا كانت هذه النهضة
стр. 93
سياسية تهمل العبادات والأخلاق الفاضلة ولا تتمسك بالإسلام. واذا كانت دينية تزهد في المادة. وتهمل علوم الطبيعة التي تكون سببا في تقويتها وارتقائها. واذا كانت علمانية تحيل الاسلام الى فلسفة وجدل، ومن بعد تحيل العقيدة الى شبهات.
الاسلام ليس تصوفا ولا عبادة ولا أحكاما فحسب أنه دين هذه الأشياء جميعا، فلكم هدى ضالا، والآن قلبا قاسيا، وعلم جاهلا. ونبه غافلا. وأصلح فاسدا، وجمع متفرقا، ورأب متصدعا، وأصلح مختلا، ومحا ظلما، وأقام عدلا ومكن للأمم التي اعتنقته نظاما امتازت به عن سواها، فالدين كمال وزينة للشخص. ونظام للملك. وأظهر الله به النعمة على المسلمين في سلوكهم وأخلاقهم فلله الحمد.
الاسلام مهماز يحث المسلمين على جلائل الأعمال وفضائلها، ومصباح لبصائرهم يرشدهم الى طريق الصواب، وتقويم لأفكارهم يعصمهم من الزيغ والزلل، ورحمة يعطف بها قلوب بعضهم على بعض. وإحسان للبؤساء والمحرومين. إن الشعوب الإسلامية لم تفسد الا عند ما فسدت عقيدتها الدينية في النفوس وأهملت أحكامها القيمة.
الدين ليس قانونا مدينا فيه الضار والنافع، وليس نتيجة لأفكار البشر وآرائهم فيه الخطأ والصواب. بل هو شريعة فرضها الله يوم فرض الإيمان ليعمل بها عباده.
أفبعد هذا يعجب العاقل من حكم الاسلام وسيادته؟ وآسفاه لقد حسر المسلمون الكثير من الدين، ولبسوه كما يلبس الفرو مقلوبا كما قال سيدنا علي ﵇.
هذا ما أصاب المسلمين في عقولهم وأفكارهم وعزائمهم، ففضلوا الشر على الخير والأدنى على الأعلى، فسلط الله عليهم من يسلبهم نعمته التي أنعم الله بها عليهم. لأنهم لم يقوموا بشكرها، وابتلاهم بأحقر الأمم وحثالة الناس يلصقون بدينهم كل عيب.
الاسلام يقرر أن السلطة العامة تكون بيدي الأمة، فلا ميراث في الحكم كما فعل النبي ﷺ ، فإنه لم يعين خليفة
стр. 94
من بعده أبدا، ولا أخذ أحدا الحكم بالقوة من خلفائه الراشدين، كما هو الحال في المسلمين اليوم.
الاسلام يأمر بالشورى بين جماعة المسلمين، ويعتبرها هي الحرية الحقيقية، ولذا يوليها عناية كبرى قال تعالى: (وأمرهم شورى بينهم) (١) وقال لنبيه الكريم (وشاورهم في الأمر) (٢)، وهي قاعدة عامة في الاسلام يجب أن يطبقها المسلمون في جميع شؤونهم العامة، وهى ضد الدكتاتورية المستبدة التي طوحت بالمسلمين قرونا عديدة، حتى أصبحت حجر عثرة في سيرهم، فبها يصل المسلمون الى حكمة الرأي وصوابه، لأن الجماعة الملتزمة بالإسلام عندما تتشاور تكون في جانب الصواب، وبهذا يتضح أن الصواب في جانب الرأي الجماعي، وخاصة أهل الحل والعقد، والخطأ كل الخطأ بجانب الرأي الفردي أيا كان موقعه وسلطته.
أما كيف تتحقق؟ وما هي الوسيلة إلى ذلك؟ فهذا أمر تركه الاسلام الى جماعه المسلمين وإلى التطورات الزمانية الرئاسة العامة هي حق الأمه لها أن تعزل الحاكم إذا رأت فيه اعوجاجا أو خالف دستور الإسلام، لأنها هي التي أوصلته إلى السلطة، وما هو الا وكيل عنها أو نائب عليها، فهو يستمد.
سلطته منها ويعتمد على تقتها. يجب على الحاكم المسلم أن يضع نصب عينيه العقيدة الاسلامية، فيحافظ عليها، فإن زاغ مبتدع، أو ألحد فاسق، أو سعى مغامرون بالفساد في الأرض أو طعن فيها، أو عطل أحكامها وتشريعاتها يقوم القانون في الحال لحمايتها وصيانة النظام العام فيها، ليكون الدين محرسا من التعدي عليه ومحترما في أعين الناس، والأمة محفوظة من الزلل، فبهذا تصان محارم الله من الانتهاك، وتحفظ حقوق العباد من الضياع والتلف.
يجب على المسلمين أن يخرجوا من نطاق الكلمات الجوفاء والتصريحات الرعناء والعصبية الجاهلية، والدعوات المرتجلة الي ساحة التنظيم والاعداد.
стр. 95
يجب أن ترتكز نهضتهم الحالية على بعث عقلي يقوم باكتشاف الاسلام من جديد ليستضاؤوا بمصدرية الكتاب والسنة، وأن يشارك أرباب الثقافة وحملة الأقلام، وذووا الفكر النير من أهل المعرفة والعلم في هذا البعث ليكونوا دستورا إسلاميا للحكم أساسه الشورى، فعلى العلماء المصلحين أن يقوموا بواجب النصح، والجهر بكلمة الحق، وعلى الحاكمين أن يستجيبوا لهذه النصيحة وأن يعملوا بها ويتقبلوها لأنها في صالح الجميع.
المسلمون اليوم على اختلاف مذاهبهم يريدون أن يجعلوا حدا لهذه الأمراض الاجتماعية الخطيرة من التدهورات المستمرة، والخلافات التي كانت سببا في هدم الوحدة، ولا يكون هذا الا بدستور إسلامي هو الذى يجمع المسلمين ويوحد صفوفهم.
اننا ننبه حكام المسلمين ان الأهداف التي ينشدونها لا تأتى الا عن طريق الاسلام البعيد عن روح التعصب، ولا يحصل الازدهار لهذه الشعوب الا اذا كانت شؤونها مبنية على عقيدة اسلامية، لأنها تلائم بين المادة والروح وبين العقل والعاطفة، وبين الجديد والقديم.
يجب على الحكومات الاسلامية أن تسهل كل ما له صفة التدين بين المسلمين حتى يشعروا بشعور واحد، ويحسوا بإحساس واحد، ويفكروا بتفكير واحد لأنهم يريدون أن يبرزوا إلى الوجود كمجتمع ديني بجميع خصائصه ومميزاته ويريدون الانطلاق من واقع الظروف القاسية التي مرت عليهم من القرون المتأخرة من حياتهم الى آفاقهم الاول من انبثاق تاريخهم المجيد ...
إن التقاليد والأنماط التي سارت عليها الطبقة الحاكمة قبل النهضة الأخيرة لا زالت موجودة الى الآن، والمسلمون لا يريدون هذه الآفاق المكررة لأنها نتيجة التعصب والركود والجمود.
الثورة هي تحول من نظام قديم فاسد الى نظام جديد صالح هذا التحول حصل بالفعل لكنه كان في الشكل والصور لا في المعاني والحقائق التي يتطلبها المسلمون، وما دام الوضع الحالي يتنافى مع الإسلام وتعاليمه وروحه وحضارته لا بد أن تسود هذه
стр. 96
الاجتماعات والاضطرابات الخطيرة، فتصبح غير قارة، وإذا لم تستقر على أوضاع الاسلام فلن يستطيع المسلمون أن يؤدوا رسالتهم في هذا الوجود كاملة.
قادة المسلمين يعرفون الأمراض التي كانت سببا في سقوط المسلمين، وانحطاطهم وتخلفهم والتيارات التي هبت عليهم حتى أودت بحياتهم. الواجب يحتم عليهم أن يتجنبوا كل الأخطاء التي وقعت للمسلمين في الماضي حتى استعبدوا ... الشعوب الاسلامية لها إمكانيات وطاقات هائلة ان أحسن القادة الاشراف عليها، ووجهوها نحو دينها، فإنها بدون شك ستصبح قوة فعالة في هذا الوجود، ترجح كفة السلم في العالم.
يا حكام المسلمين ها هي أمتكم قد تحررت شرقا وغربا والطريق أمامكم قد تمهد وأمتكم قد تعودت السمع والطاعة لكم وهي تلبي ندائكم في السراء والضراء، وتمتثل لأوامركم في الشدة والرخاء، فإن استقمتم فإنها - بدون شك - ستستقيم لا خوف عليكم منها ما دمتم سائرين على منهج الاسلام، وأنها لا تخشى الا انحرافكم عن الدين الحنيف فإن انحرفتم فلا تستطيعون أن تملكوا زمامها، وهذه هي الثغرة الوحيدة التي يدخل منها العدو الى صفوفكم، فقودوها الى مجدها التليد، وعزها الطريف، وإذا أردتم أن تبقى هذه الأمة متماسكة متحدة جنبوها الأفكار الدخيلة، والقوانين المستوردة التي تروج في بلدان المسلمين، وتطبق عليهم كقوانين شرعية أصيلة حتى تغيرت معالم شخصيتنا، وأصبحنا لا نميز بين المسلم وغيره.
فإذا كان حكام المسلمين يحترمون كفاح الأمة فلا بد لهم أن يحترموا كلمتها وإذا كانوا يحتاجون اليها فلا بد أن يتقبلوا مشورتها ونقدها وما دامت الأمة تحمل العب أولا وأخيرا، فليس من حق الحاكم أن ينفرد دونها باتخاذ قرارات هامة، وليس من حقه أن يتجاهل كلمتها بأن تقول (لا، أو نعم) فالحق فوق الجميع.
قال رسول الله ﷺ في حق الحاكم: (من مات غاشا لرعيته لم يرح رائحة الجنة) وإذا كنا نؤمن بالإسلام كدين من عند الله ونحترمه يجب أن نؤمن به إيمانا كاملا، ولقد كان الرسول ﷺ يشبه الإسلام بالعرى فقال: (لتنقض
стр. 97
عرى الاسلام عروة عروة فأولهن نقضا الحكم وآخرهن الصلاة (ها نحن نشاهد مصداق هذا الحديث الشريف، المسلمون اليوم لا يتعاملون بالإسلام فيما بينهم، ولا يتحاكمون الى كتاب الله وسنة رسوله لقد انفصل ما بينهم وبين الاسلام من عهد وميثاق، وبعد ما بينهم وبينه من روابط وصلاة فاستبدلوه بقوانين وضعية أجنبية تهدر الكرامة وتفتل الضمير حتى شاعت الفاحشة في الذين آمنوا.
يقول محمد اقبال الفيلسوف المسلم في المؤتمر الإسلامي الذي عقد في القدس سنة ١٣٣٨ هـ - ان الاسلام مهدد بخطرين مصدرهما الغرب أولهما الالحاد وثانيا الاستعمار، ومستقتل العرب رهن بوحدتهم فإذا تمت الوحدة العربية علا شأن المسلمين في كل أنحاء الأرض، والعرب يحاولون الوحدة الآن خارجة عن نطاق الاسلام، وأنهم لا يتوصلون الى الوحدة الحقيقية التي تنتظرها الشعوب الاسلامية منهم.
المجتمع الصالح يجتمع فيه صنفان من الناس السراة والهداة، فالسراة هم الأمراء المخلصون الصالحون، والهداة هم العلماء الربانيون الذين يعرفون الحق ويصرخون به دون أن يخافوا في الله لومة لائم. كما قال الشاعر الحكيم:
لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم ... ولا سراة إذا جهالهم سادوا
قيادة الجاهلية تكون عندما ينعدم العلماء المتفقهون الناصحون قد يوجد الحاكم المقتدر ولكنه محتاج الى مذكر ومبصر، فإذا وجد بجانبه العالم الناصح المخلص كمل أمر هذا الحاكم كما قال عمر بن عبد العزيز رضى الله عنه عندما تولى الخلافة فقال: (أيها الناس من أطاع الله وجبت طاعته، ومن عصى الله فلا طاعة له أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإذا عصيت الله فلا طاعة لي عليكم (هذا الكلام في غاية الصواب والعدل، وصاحبه يشعر بمسؤولية كبرى ملقاة على عاتقه، ولهذا فهو يطلب من الأمة أن تعينه إذا استقام في حكمه وإذا حاد عن الحق فلا طاعة له.
يا حبذا لو يقتدي أمراء المسلمين بهذا الخليفة العادل الذي رد الأمن والطمأنينة الى النفوس في زمن قصير جدا.
стр. 98
يجب على حكام المسلمين الا يقلدوا الغرب في فصل الدين عن الدولة والا يقولوا أن الاسلام لا يحقق نهضتنا في التقدم العلمي التكنولوجي كما يقول الملاحدة الا اذا اعتنقنا مبادئ الغرب العلمانية، ونبذنا مبادئ الاسلام الرجعية هذا هـ الخطأ الذي وقع فيه حكام المسلمين من بعد الاستقلال فقلدوا الغرب في كل شيء، في الحكم والشعارات والتعليم، فأصبحوا يعلمون في مدارسهم اللغات الحية كما يسمونها، وتركوا التعليم الاسلامي، واللغة العربية فيها فأصبحت بلدان المسلمين قطعة من أوربا، ما ترى في دوائر الحكومة ومصالحها المتعددة المتنوعة في الشوارع والبيوت الا الرطانات الاجنبية لأنهم جعلوها رسمية وتركوا لغة البلاد، وكذلك التقاليد والعوائد الأوربية فإذا مشيت في شوارع المدن الكبرى تحس كأنك في أوربا لا في بلدة اسلامية لأنك لم تعثر على أي شيء من شعائر الإسلام.
فنشأت الشبيبة على حب التقاليد الأجنبية والتخلق بأخلاقهم وحب لغتهم وبغض اللغة الوطنية فأصبحت تحارب الإسلام جهارا وعلى مسمع ومرأى من الحكومة التي هو دينها الرسمي، والاستهتار بالأخلاق الفاضلة والقيم الانسانية، وصارت تنفر من كل ما ينتمي الى الوطن من عوائد وأخلاف، وتكره الشخصية الوطنية لأنها تسممت بهذا التعليم الأبتر.
وهناك بعض الدول معاصرين ليسوا من الغربيين، ولا اعتنقوا جنسيتهم وقد توصلوا إلى الصناعات الحديثة كما وصلت أوربا بدون أن يستبدلوا عقائدهم ولا لغتهم كاليبان والصين الشعبية.
كذلك المسلمون يجب عليهم أن يأخذوا العلوم التكنولوجية والأساليب الفنية والاختراعات العلمية والنظم الحديثة فتضيفها الى ما لنا من مقومات أساسية. هذه العلوم أخذها الغربيون عن المسلمين في الماضي فكانت نواة لنهضتهم الحديثة، ونحن الآن - بدورنا - أن نأخذها منهم ونعربها ونضيفها الى العلوم الإسلامية كما تفعل سائر الأمم.
стр. 99
وإذا فصلوا بين الدين - الذي هو عبادة فقط - وبين العلم، فالإسلام دين العلم أول كلمة نزلت من كتابه كانت (إقرأ)، لم تكن (قاتل)، ولا (اجمع المال)، ولا (ازهد في الدنيا). (إقرأ (هذه أول كلمة أنزلت من القرآن وجاء بعدها ذكر العلم. من الله على الانسان بالعلم، لا بما أعطاه من مال ولا من قوة ولا جاه، بل علمه ما لم يعلم.
وكل علم يحتاج اليه مجتمع إسلامي، يكون فرض كفاية على القادرين عليه فهل في الوجود دين - الا الاسلام - يجعل تعلم الكيمياء والطب والطيران، من الفروض الدينية؟
الاسلام دين القوة، ولكن بلا ظلم. الاسلام للدنيا والآخرة) ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة) (١) وهو يريد للمسلمين أن يصدقوا في إيمانهم بالله وأن يتبعوا الشرع، وأن يكونوا مع هذا أرقى الامم وأقوى الأمم، وأعلم الأمم وأغنى الامم، ليجمعوا حسنة الدنيا وحسنة الآخرة.
أليس القرآن فيه الشفاء من جميع الأمراض الاجتماعية؟ أليس في أحكامه العدل والمساواة بين الناس؟ ألم يأت بقوانين عادلة ما حرمت من الأشياء إلا ما فيه مضرة وفساد، وحثت على كل ما فيه مصلحة ومنفعة؟ ألم يجعل الناس أحرارا في معاملاتهم وتصرفاتهم في ممتلكاتهم ما داموا في دائرة الحق والعدل؟.
الشريعة الاسلامية وافية بحاجيات الناس، فوضعت القوانين العادلة لو طبقت لكانت كفيلة بحل جميع المشاكل، فمبادئها صالحة لكل زمان وجيل، وهى تكتب النصر والتفوق لمعتنقيها، وتخلع عليهم رداء العزة والكرامة، ومتى يثق الناس بهذا الدين، وتطمئن نفوسهم إليه يصبحون سادة كراما موفوري الكرامة أقوياء لأنه مفتاح السعادة.
لو أصلح المسلمون ما بأنفسهم واعتصموا بحبل الله جميعا كما أمروا وأصلحوا ذات بينهم لعادوا الى ما كانوا عليه من المجد والعظمة، ولو أنهم احتكموا في خصوماتهم الى كتاب الله وسنة رسوله لما اختلفوا ولو أنهم نشروا العلم الديني والاصلاح الحقيقي في أوطانهم لما تفرقوا قال الله تعالى: (ولله العزة ولرسوله
стр. 100
وللمؤمنين) (١) أيها المؤمنون أين ما وعدكم الله به من العزة أتشكون في وعد الله؟ والله لا يخلف الوعد، المسلم يعبد ربه بظاهره وباطنه ويجاهد في سبيل الله بسيفه وقلمه ولسانه لإعلاء كلمه الله وينفق في الخير ماله ابتغاء وجه الله، إن يعمل يعمل لله، أو يتكلم يتكلم بالحق وإن أضر نفسه فعال منفاق مصداق.
المسلمون في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم مثل الجسد الواحد اذا اشتكى منه عضوا تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى كلمتهم واحدة ومهمتهم واحدة وجهادهم لله وقتالهم في سبيل الله من افتقر عانوه ومن حضر عدوه ومن غاب افتقدوه، ومن مات شيعوه، ومن مرض عادوه وبالدين تكون سعادة المسلمين، ولما تفرقوا شيعا وأحزابا واختلفوا مذاهب ونحلا وتباينوا أهواء وسبلا، وملأوا المجالس جدالا ذهب سلطانهم، وضعف كيانهم، وصغر شأنهم وتداعت عليهم الأمم، وكذلك العذاب، ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون.
اليوم الذي تخلى فيه العالم الاسلامي عن الدين والأخلاق تغلت عنه السعادة وتاهت به الحياة في مجال القلق، ومتاهات الحيرة، ومجالات الشك والاضطراب، القعر الحقيقي ليس هو فقر المال ولا الاوراق المالية، وإنما هو فقر الكرامة والأخلاق، فقر الانسانية، فقر الصفات والشمائل والمحامد والعلم.
أزمة المسلمين ليست أزمة الاقتصاد والسياسة والمال، الأزمة في الواقع أزمة الرجال، أزمة الضمير، أزمة الخلق، أزمة الدين، أزمة الوعي والنضج والرشد، أزمة الأخلاق أزمة العقيدة، أزمة المثل العليا، أزمة المبادئ والقيم والمعاني والمفاهيم، أزمة الأمانة والواجب والنصيحة، أزمة الضمير والايمان، فهذه الأزمات كلها ناشئة عن عدم اهتمام المسلمين بأمور الدين وجهلهم به.
الاسلام جاء ليجمع القلب الى القلب، ويضم الصف الى الصف، جاء ليكون مجتمعا راقيا من عوامل الفرقة والضعف المعنوي والمادي وأسباب الفشل والهزيمة، حتى يصل الى المقاصد السامية والأهداف النبيلة التي جاءت بها رسالة سيدنا
стр. 101
محمد صلى لله عليه وعلى آله وسلم من عبادة الله وإعلاء كلمته، وإقامة الحق، ونشر العدل وفعل الخير والجهاد من أجل استقرار مبادئ الإسلام التي يعيش الناس في ظلها آمنين مطمئنين.
جاء الإسلام ليربط المسلمين برباط الأخوة التي لا تنفصم عراها، فتزول أمامها جميع الفوارق من نسب ومال وجاه الى غير ذلك مما درج عليه الناس من المميزات (إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين اخويكم) (١) هذا الاخاء يستلزم تبعيات وحقوقا، فليس هو إخاء عقيما لا ثمرة له. أوجب الاسلام على المسلمين.
أن يحترموا بعضهم بعضا، وأن يحافظ كل فرد على كرامة أخيه من أن يعيبه، أو يحط من قدرة أو يطعن في شخصيته، أو يلقبه بلقب يكرهه، فهذه السيئات تقطع الصلة وتمزق روابط المودة، وتنشر العداوة في النفوس. أمر الإسلام المسلمين بالتواضع فيما بينهم، وخفض الجناح، ولين الجالب، فالمسلم لا يتكبر ولا يختال ولا يزهو بنفسه. قال تعالى في حق المتكبرين:) سأصرف عن آياتي، الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق وإن يروا كل أية لا يؤمنوا بها وان يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وان يروا سبيل الغى يتخذوه سبيلا) (٢) وقد جاء في الحديث الشريف: (ان الله أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يبغي أحد على أحد، ولا يفخر أحد على أحد (.
الإسلام يأمر بتعاون المسلمين فيما بينهم حتى يتحدوا لتقوى جماعتهم وكان رسول الله ﷺ يقول: (يا بني إذا أصبحت وأمسيت وليس في قلبك غش لأحد فافعل فإن ذلك من سنتي، ومن أحيا سنتي فقد أحبني، ومن أحبني كان معي في الجنة (.
وقال ﵊: (من أصبح ولم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم (.
هذا الحيث الشريف ينبه المسلمين من غفلتهم ويحثهم على أن يقوموا بواجبهم نحو بعضهم بعضا، فكل واحد منا عليه واجبات وحقوق ومسؤوليات نحو المجتمع.
стр. 102
فإصلاح المجتمع متوقف على إصلاح الفرد، فان كان الفرد شاعرا بواجباته الكثيرة نحو ربه الذي خلقه وأغدق عليه من نعمه الكثيرة التي لا تعد ولا تحصى وخافه في السر والعلن، واستحضر عظمته في ضميره وخشيته في قلبه فيصبح هذا الفرد لا يتعدى ما أمر الله به ولا يتجاوز ما نهاه عنه حينئذ يسير في طريق الصواب الذي لا اعوجاج فيه، فيصير إنسانا كاملا يؤدي رسالته التي خلق من أحلها. ان المتهاونين فيما كلفوا به من تطبيق الاسلام مكذبون، ولهم الويل في الدنيا، والندامة والخزي في الأخرة، فهل يليق بنا معاشر المسلمين أن نقطع الصلة بيننا وبين تعاليم الإسلام، أو نحصرها في طائفة معينة؟ أم ننتظر هاديا غير محمد ﷺ ؟ استولت علينا الأهواء فأنستنا ما أوجب علينا الايمان، أو طبعت النفوس على الشر فضلت سواء السبيل، عجبا يأمرنا ربنا بالتعاون على البر والتقوى، ونحن نتعاون على الاثم والعدوان.
كان المجتمع الإسلامي فيما مضى تنظره شعوب الدنيا بعيني الاجلال والإكبار فما لنا ونحن لم نكن كما كنا من قبل، لأننا غيرنا ما بأنفسنا، فغير الله ما بنا.
يجب على المسلمين أن يحاربوا الشهوات التي تزين لهم مخالفة الدين والعقل ويبتعدوا عن الأرواح الخبيثة التي حذرهم منها القرآن كالنفس الأمارة بالسوء واتباع شياطين الانس والجن حتى يرجعوا الى طريق الصواب، فالمسلم يجب عليه أن يلازم الاستقامة في الأقوال والأفعال، ويأخذ نفسه بالوفاء بالعهد وصدق العزيمة، وعدم مجاراة السفهاء، لهذا كان المسلمون كما قال الله تعالى:) كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله) (١) يجب على المؤمن أن يسعى طلب العلم لأنه الطريق الوحيد الى معرفة الله قال تعالى: (انما يخشى الله من عباده العلماء) (٢) كلما تعمق العالم في العلم تكن خشية الله لأنه يرى نواميس الكون من الإتقان في الصنع، والحكمة في التدبير ما يجعل المؤمن يخر ساجدا لله، فالذين يتخصصون في علم
стр. 103
التشريح يرون فيه من احكام التركيب ومن اتقان الصنعة في مختلف الاجهزة الجسدية وفي مفردات هذه الاجهزة ما يضطرهم اضطرار الى السجود لرب هذا التنسيق والترتيب والإبداع لو كانوا يفقهون، وليس علم التشريح وحده هو الذى يبهر العالم المتبحر فيه، وكذلك علم الفلك يبهر العالم الفلكي، ويبهر علم الأحياء عالم الأحياء، وهكذا نجد انبهار النفس في كل ميدان من ميادين المعرفة الكونية أرضها وسمائها وما بينهما. إن العلم النافع هو أهم مطلب في هذه الحياة، وأجل مقصد في الوجود، فالعلماء هم الذين يضيئون مسالك الحياة ويسيرون بالناس قدما الى السمو والكمال، طلب العلم في الاسلام ليس نافلة ولا أمرا كماليا، وأنما هو فرض وضروري.
العلم الصحيح هو دليل اليقين الثابت، ووسيلة الخلق الفاضلة، وكلما ازداد الانسان علما ازداد اعتقادا بالله واستقامة ومعرفة في الحلال والحرام ويصير قادرا على قيادة نفسه وضبطها وتهذيبها يقول الله في حق العلماء الصادقين (شهد الله أنه لا اله الا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط لا اله الا هو العزيز الحكيم) (١) وصل هؤلاء العلماء الربانيون الى هذه الدرجة عن طريق العلم الذى يثمر الخشية، والى التوحيد الحقيقي، والتوحيد هو سمة الدين الإسلامي وسمة المتدين الصادق.
يشهد علماء التوحيد مع الله، ومع الملائكة الأطهار ان الله واحد في ملكه لا شريك له، وهذا أسمى ما يمكن أن يصل إليه العلماء من تكريم الله لهم بحيث قرنهم مع الملائكة المقربين في شهادة التوحيد، وشهادة التوحيد أقصى ما يمكن أن يسير اليه السالك في معراجه الى الله وهى لا تتحقق الا في العلماء المؤمنين العاملين، ان شهادة التوحيد قد وجه الله إليها الأنظار بأساليب شتى، وهذه الأساليب ما لا يقدرها في روعتها الرائعة الا العلماء العاملون قال الله : (قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى الله خير أما تشركون أمن خلق السموات والأرض وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائق
стр. 104
ذات بهجة ما كان لكم أن تنبتوا شجرها أإله مع الله بل هم قوم يعدلون أمن جعل الأرض قرارا وجعل خلالها أنهار وجعل لها رواسي وجعل بين البحرين حاجزا أإله مع الله بل أكثرهم لا يعلمون أمن يجيب المضطر اذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض أإله مع الله قليلا ما تذكرون) (١) الى آخر الآية الكريمة، ثم يعقب الله على هذه الآيات بأنه مهما بلغ العلماء بعلمهم فإن المجهول لديهم كثير وأنه لا يعلم هذا المجهول الا الله سبحانه (قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب الا الله وما يشعرون) (٢) ومن أجل شهادة التوحيد حث الاسلام على العلم وجعله من أسس الدين، العلم هو السبيل الوحيد الى بناء العقيدة الصحيحة وهو الهادي الى هداية الانسان وسعادته، ولهذا رفع الإسلام من شأنه ونوه بمكانته، وحث الناس على اعتشاقه وقد مثله بالنور والجهل بالظلمات قال تعالى: (أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون) (٣) ولقد وجه الاسلام الناس الى أخذ الأحكام عن العلماء فقال : (فسألوا أهل الذكر ان كنتم لا تعلمون) (٤) والعلم في نظر الاسلام حق مشترك بين الناس ولهذا أمر الله رسوله الكريم الذى هو قدوة المسلمين وأسوتهم أن يقول: (وقل رب زدني علما) (٥) في كل يوم بل في كل لحظة ذلك ما يجب أن يكون شعار المسلمين وإذا ما ازداد المسلم علما ازداد خشية وإذا ازداد خشية تحقق فيه اسلام الوجه لله على أكمل صورة ومن يسلم وجهه لله وهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى ولله عاقبة الأمور (٦).
стр. 105
الاحتلال الفرنسي للجزائر
كانت الجزائر - في ابان الاحتلال وقبله - دولة مزدهرة وقوية ومنظمة في جميع الميادين، في الداخل والخارج وكانت دول أوربا تخشى بأسها وسطوتها، ولا سيما في البحر الأبيض المتوسط، وتجارتها الخارجية كانت تصدر الى أوربا وغيرها، والزراعة والصناعة والثقافة كانت على أحسن ما يرام ...
قال السيد عباس فرحات في كتابه ليل الاستعمار، ان الجيش الفرنسي استأصل مدينة عريقة في القدم، وفكك هيئة اجتماعية لها نظام محكم القواعد حكم نظام حياتها ...
كل المؤرخين يشهدون بأن الجزائر قبل الاحتلال كانت دولة عصرية آخذة في التصاعد الحضاري ...
قال العالم الفرنسي م دوبار ادى: (ان الجزائر العاصمة تطلق على جميع القطر الجزائري، وكانت مقر الحكم وقاعدة الدولة، ولم توجد في التاريخ أي دولة أشد حرصا على مال الدولة من حكومة الجزائر) ان بيت المال كان يدار بنزاهة وأمانة لا مزيد عليهما، ومن ناحية الادارة كانت الجزائر مقسمة الى أربعة مناطق: منطقة الجرائر العاصمة، ثم منطقة تيترى أي المدية، فمنطقة وهران، فمنطقة قسنطينة، وكان على رأس كل منطقة عامل يسمى الباي ...
وقال المؤرخ الفرنسي: (شارل أندرى جوليان في تاريخ شمال افريقيا كانت التجارة الخارجية في الجزائر مزدهرة، وكانت تقدر في ذلك العهد بعشرة ملايين ذهبا، واللغة العربية هي لغة البلاد الرسمية، والتدريس بها منظما) وقد لاحظ الجنرال فيالار سنة ١٨٣٤م أن الجزائريين يتقنون القراءة والكتابة كلهم، في كل قرية توجد فيها معاهد، وجامعات في العاصمة، وقسنطينة، ومازونة وتلمسان، ووهران ما عدا التعليم في الزوايا الكبرى وكان مزدهرا. وكان لكل طريقة دينية عدة مدارس منتشرة في القطر.
стр. 106
المواد التي تدرس في هذه المعاهد لم تكن تختلف عن المواد التي كانت تدرس في باقي أنحاء العالم الإسلامي.
أما الصناعة فكانت مزدهرة أيضا ان زرابي مدن سطيف والقرقور، وجبل عمور وتلمسان كانت مشهورة، وأما صناعة النحاس والفضة والذهب فكانت الأساس للصناعة الجزائرية، وكذلك الفلاحة كانت راقية ومزدهرة، قال الجنرال كافينياك:) كان لزما علينا أن نقدر الويلات حق قدرها التي جرتها الحرب على العرب الى يومنا هذا أن العربي متمسك بأرضه أشد مما تتصوره، ملكيته منظمة أحسن مما يقال عنها، وفى هذا الباب اننا محتاجون الى الكثر من الدروس من طرف العرب (.
بدأ الاحتلال الفرنسي للجزائر سنة ١٨٣٠ م، وكان الأتراك هم الذين يحكمون البلاد، وسبب هذا الاحتلال هي الديون المترتبة في ذمة فرنسا، فلما طلبت الحكومة الجزائرية بتسديدها أعلنت فرنسا على هذه الحكومة حربا شعواء وهجمت جيوشها على عاصمة البلاد، وتمركزت قواتها في ساحل البلاد، والحكومة الجزائرية كانت لا تتوقع هذا أبدا ولما عجزت عن صد هذا الهجوم السافر، وقع حسين داي باشا صك الاستسلام وقبل الشروط التي أملاها عليه قائد الحملة الفرنسية وغادر البلاد وذلك في شهر تموز من السنة المذكورة، فدخلت الجيوش الفرنسية الى العاصمة فنهبت وسلبت كما هو شأنها من غير وازع ولا رادع ...
ولما استولى الغزاة الجدد على العاصمة وتمركزوا في بعض النقاط من الوطن فأول شيء بدأوا به هو القضاء التام على كل ما كان للجزائريين من اقتصاد زاهر ومدينة راقية، وانحصر حربهم في العقيدة التي يحملها الشعب بين طياتها طيلة إقامتهم في هذا الوطن حتى طردوا منه سنة ١٩٦٢ م.
اختل نظام الحكم في البلاد بعد مغادرة الداي، فاستقلت كل ناحية بنفسها وأخدت تنظم السكان للدفاع عن الوطن فسكان قسنطينة قد التفوا حول الحاج أحمد باي وحصنوا - مدينتهم تحصينا محكما، وأما سكان غرب الجزائر فقد اجتمع رؤساء
стр. 107
القبائل والعشائر المختلفة في مؤتمر عام بايعوا بيعة شرعية الأمير عبد القادر بن محي الدين الهاشمي، وعاهدوه على السمع والطاعة، وكان الأمير يومئذ في الرابعة والعشرين من عمره عالما فاضلا تقيا نقيا شاعرا فصيحا شجاعا باسلا بعيد النظر عميق التفكير ولد سنة ١٨٠٧م وبويع بالإمارة سنة ١٨٣٢م فأنشأ دولة فتية قوية عاشت سبعة عشر عاما، ولو كان يشرف على الأمة من قبل الاحتلال لما آل أمره الى الاستسلام ولما استطاع الجيش الفرنسي أن يحتل البلاد ...
يقول المؤرخ الفرنسي (أوستان برنار) عن أخلاق الأمير وصفاته ودينه وشجاعته - والفضل ما شهدت به الأعداء - قال ان الأمير عبد القادر قد حج مع والده سنة ١٨٢٧ م، ولما استولى الفرنسيون على وهران قام الشريف محي الدين والده يقاتلهم، وفي تشرين الثاني من سنة ١٨٣٢ م، اجتمعت في سهل (ايغريسن) ثلاث قبائل وهى: هاشم، وبنو عامر، وغرابة منادية بعبد القادر أميرا على البلاد ...
وقد بدأت ثورة الأمير صغيرة ولكنها ما لبثت أن اشتدت واتسعت بسبب ترددنا وحاجة البلاد الى حكومة تقضى على الفوضى العامة التي انتشرت في كل مكان وكنا عاجزين على القضاء عليها ...
ولقد أظهر الأمير بعد أن أسند اليه الأمر على الرغم من أنه ابن الزوايا والطرق حنكته السياسية وبراعته العسكرية كانتا فائقتين، وكان يتمتع بصفات تدل على أنه خلق ليحكم، كان بسيطا في لباسه، متواضعا في معشره أنيقا جميلا فصيحا شجاعا فارسا. وبالتالي فقد كان له هدوء الدبلوماسي المسلم وسكينته ولباقته، وكان متدينا عن اخلاص ومن صميم فؤاده، ولم يطلب الامارة لإشباع أطماع نفسه، بل طلبها ليقود أمته في طريق الفلاح، كان قاسيا عند اللزوم رحيما عند الاقتضاء، وكانت شدته ولبنه بحسان وتقدير، وقليل مثله في المسلمين من كان يدرك معنى الدولة ادراكا تاما كما كان يدركها هو بكل تفصيلاتها وجزئياتها من حيث النظام والإدارة، وجباية الضرائب، وتنظيم
стр. 108
الجيش، وكان أجل وأبرز أعدائنا في الجزائر واذا كان قد فشل في بناء إمبراطورية اسلامية واسعة، فليس مرد ذلك كله الى مناهضتنا اياه، بل كان السبب تفرق المسلمين عنه، وعدم اتحادهم تحت لوائه لحرمانهم من الشعور الوطني والقومي، وتفرقهم هذا كان له أوفى نصيب في سبب فشله (انتهى (.
بايعت الأمة الجزائرية الامير بن شيخ طريقة القادرية واضطلع بالمسئولية الكبرى التي أنيطت به فأخذ يعد العدة اللازمة لمواجهة العدو ومنازلته، فبدأ يجمع الأعراش والقبائل ليكون منهم جيشا منظما يدافع عن الوطن، وكان يحث على الجهاد والصبر، فنفرت الأمة الى ميادين القتال والمعارك واستجابت الى ندائه ودعوته، واستطاع الامير أن يجمع قبائل وهران وقبائل تيتري، وقضى على جماعة التيجانية الذين كانوا يوالون الفرنسيين ونظم البلاد تنظيما إداريا، وكان جيشه منظما ومدربا على فنون الحرب والقتال، وعدده إحدى عشر ألف جندي ما بين راجل وفارس، وأنشأ مصنعا لصنع المدافع وآخر لصنع البارود، وبنى حصونا وأقلعة على حدود بلاد القبائل التي كان يخشى انتفاضها ضده، ووحد منافسين له انحازوا الى صفوف العدو رغبه منهم في التوصل الى مطامعهم الشخصية.
الشعب كان لا يعرف ما يدور في الجو السياسي لولا دعاية الأمير، ولما علم بدخول جيش أجنبي الى ترابه، وتمركز في السواحل، وفي العواصم الكبرى، وانهزام الحكومة المركزية أمام جيوش الاحتلال هب من نومه هبوب العاصفة لإنقاذ بلاده من شر هؤلاء الغزاة، انظم الى المقاومة المنظمة التي كانت تحت إشراف الأمير عبد القادر، فاستنزف هذا الشعب كلما كان له من ثروات مادية وطاقات بشرية لم يكن الاحتلال بالأمر السهل، ومن الغرابة أن يجرد شعب من وطنه، ومن ثرواته المادية والروحية ويبقى مكتوف الأيدي لا يدافع عن نفسه خصوصا اذا كان شعب أبى لا ينام على ضيم يحب الحرية والاستقلال حريصا على كرامته وشرفه كالشعب الجزائري.
امتازت مقاومة الشعب الجزائري للاستعمار الفرنسي
стр. 109
ببطولة نادرة احتلال الجزائر لم يكن نزهة عسكرية كما يدعي بعض الفرنسيين، بل كان اصطداما بقبائل قوية الجانب شديدة المراس قوية الشوكة لا كما كان يظن الاستعمار أنها قبائل متأخرة، وظن باحتلاله العاصمة أنه بذلك قد استولى على البلاد، ولما اصطدم بالشعب في المعارك الدامية تبين له خطؤه وتقديره، واقتضاه الأمر من بعد ذلك على أن يدفع ثمن الاحتلال باهضا، لأن مسلمي الجزائر كانوا لا يسلمون في شبر من أراضيهم إلا إذا سالت فيه دماء غزيرة من الجانبين، فكانت خسارة في الأنفس والأموال كبيرة جدا. فالاستعمار ضحى من ناحيته ما لا يقل عن أربعين ألف جندي، وأنفق أموالا طائلة على هذه الحرب القذرة ...
الشعب الجزائري مسلم ما في ذلك لبس ولا غموض، ورغم الحكم المحلي فإنه مكون من سلسلة متراصة قوامها العروبة والاسلام ولكن ينقصه الوعي.
كانت الشعوب الاسلامية حينذاك متخاذلة فيما بينها بسبب فقد الروح الاسلامية، والظروف كانت تعمل لصالح الاستعمار، والفرص مواتية له، فاضطر الأمير الى دخول المغرب العربي، وقد سمح له بذلك السلطان عبد الرحيم بادى الأمر بالالتجاء الى بلاده، فطلب الفرنسيون من السلطان تنفيد شروط المعاهدة التي عقدوها معه اثر معركة (إيزلي) وهى التي انتصر فيها الفرنسيون على المغاربة، وتنص هذه المعاهدة بأن السلطان يحجز الأمير في إحدى المدن الساحلية اذا ما وقعت يده عليه، ومن السلطان لم تصل يده الى الأمير قط بل كان يناحر الفرنسيين على الحدود الجزائرية المغربية وكان فريق من الجزائريين يحمل بين طياته الخيانة لأمته والغدر بمواطنيه.
انحاز هذا الفريق الكبير الى صفوف العدو، وأصبح يقاتل معه، فكان سببا في جلب الكوارث والنكبات والويلات التي حلت بهذا الوطن. فخذلت هذه القبائل الخائنة الأمير وجيشه الذي كان يدافع عن الوطن والاسلام، فأصبح مشردا ومطاردا من كل ناحية لا يستقر في مكان، فرأى أنه لا مفر من الاستسلام الى
стр. 110
الجيش الفرنسي بعد ما قبل جميع شروطه، فأمر الامير اتباعه بالاستسلام قبله، واشترط أن يسمح له بالذهاب الى الاسكندرية أو الى عكا، فرضى الفرنسيون بذلك.
هكذا قدم الأمير نفسه الى عدوه، وكان ذلك في شهر كانون الأول سنة ١٨٤٧م على يد الجنرال لاموريسير، وقدم إليه سيفه وخاتمه كرمز للاستسلام ولما استسلم حيته حامية فرنسية التحية العسكرية.
استسلم الأمير عبد القادر لعدوه بعد ما قضى سبعة عشر عاما في الكفاح والجهاد، استسلم نتيجة تخاذل المسلمين الذين لم يبق لهم من الاسلام الا اسمه.