← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 1151

لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف - ت عامر

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (739 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

ومِن حديثِ أُمِّ سَلَمَةَ مرفوعًا: "إنَّ نساءَ أهلِ الجنَّةِ يَقُلْنَ: نحنُ الخالداتُ فلا نَموتُ [أبدًا]، ونحنُ النَّاعماتُ فلا نَبْأسُ أبدًا، ونحنُ المقيماتُ فلا نَظْعَنُ أبدًا، ونحنُ الرَّاضياتُ فلا نَسْخَطُ أبدًا، طوبى لمَن كنَّا لهُ وكانَ لنا" (١). • وفيما ذَكَرَهُ ﷺ في صفةِ مَن يَدْخُلُ الجنَّةَ تعريضٌ بذمِّ الدُّنيا الفانيةِ؛ فإنَّهُ مَن يَدْخُلُها وإنْ نُعِّمَ فيها فإنَّهُ يَبْأسُ، ومَن أقامَ فيها فإنَّهُ يَموتُ ولا يُخَلَّدُ، ويَفْنى شبابُهُمْ وتَبْلى ثيابُهُمْ، بل تَبْلى أجسامُهُمْ. وفي القرآنِ نظيرُ هذا، وهوَ التَّعريضُ بذمِّ الدُّنيا وفنائِها مع مدحِ الآخرةِ وذكرِ كمالِها وبقائِها: كما قالَ تَعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ. قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران: ١٤ - ١٥]. وقالَ تَعالى: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ … ﴾ الَايةَ، ثمَّ قالَ: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ

стр. 72

وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ. لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [يونس: ٢٥ - ٢٦]. وقالَ تَعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا. الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ [الكهف: ٤٥ - ٤٦]. وقالَ: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٤]. وقالَ تَعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ … ﴾ إلى قولهِ: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ [الحديد: ٢٠ - ٢١]. وقالَ تَعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا. وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى: ١٦ - ١٧]. وقالَ تَعالى: ﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [التوبة: ٣٨]. وقالَ تَعالى عن مؤمنِ آلِ فِرْعَوْنَ إنَّهُ قالَ لقومِهِ: ﴿يَاقَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ [غافر: ٣٩]، والمتاعُ: هو ما يَتَمَتَّعُ بهِ صاحبُهُ برهةً ثمَّ يَنْقَطعُ ويَفْنى. فما عِيبَتِ الدُّنيا بأبلغَ مِن ذكرِ فنائِها وتقلُّبِ أحوالِها، وهوَ أدلُّ دليلٍ على انقضائِها وزوالِها. فتَتبَدَّلُ: صحَّتُها بالسَّقمِ، ووجودُها بالعدمِ، وشبيبتُها بالهرمِ، ونعيمُها بالبؤسِ، وحياتُها بالموتِ فتُفارِقُ الأجسامَ النُّفوسُ (١)، وعمارتُها بالخرابِ،

стр. 73

واجتماعُها بفرقةِ الأحبابِ، وكلُّ ما فوقَ التُّرابِ ترابٌ. قالَ بعضُ السَّلفِ في يومِ عيدٍ وقد نَظَرَ إلى كثرةِ النَّاسِ وزينةِ لباسِهِم: هل تَرَوْنَ إلَّا خرقًا تَبْلى أو لحمًا يَأْكُلُهُ الدُّودُ غدًا؟ كانَ الإمامُ أحْمَدُ يَقولُ: يا دارُ! تَخْرَبينَ وَيَموتُ سكَّانُكِ. وفي الحديثِ: "عجبًا لمَن رَأى الدُّنيا وسرعةَ تقلُّبِها بأهلِها كيفَ يَطْمَئِنُّ إليها" (١).

стр. 74

قالَ الحَسَنُ: إنَّ الموتَ قد فَضَحَ الدُّنيا فلمْ يَدَعْ لذي لبٍّ بها فرحًا. وقالَ مُطَرِّفٌ: إنَّ هذا الموتَ قد أفْسَدَ على أهلِ النَّعيمِ نعيمَهُم، فالْتَمِسوا نعيمًا لا موتَ فيهِ. وقالَ بعضُهُم: ذَهَبَ ذكرُ الموتِ بلذَّةِ كلِّ عيشٍ وسرورِ [كلِّ نعيمٍ]. ثمَّ بَكى وقالَ: واهًا لدارٍ لا موتَ فيها! وقالَ يونُسُ بنُ عُبَيْدٍ: ما تَرَكَ ذكرُ الموتِ لنا قُرَّةَ عينٍ في أهلٍ ولا مالٍ. وقالَ يَزيدُ الرَّقاشِيُّ: أمِنَ أهلُ الجنَّةِ الموتَ فطابَ لَهُمُ العيشُ، وأمِنوا مِن الأسقام فهنيئًا لهُم في جوارِ اللهِ طولُ المقام. عيوبُ الدُّنيا بادية، وهيَ بعبرِها ومواعظِها منادية، لكنَّ حبَّها يُعْمي ويُصِمُ، فلا يَسْمَعُ محبُّها نداءَها، ولا يَرى كشفَها للعبرِ وإبداءَها. قَدْ نادَتِ الدُّنْيا عَلى نَفْسِها … لَوْ كانَ في العالَمِ مَنْ يَسْمَعُ كَمْ واثِقٍ بِالعُمْرِ أفْنَيْتُهُ … وَجامِعٍ بَدَّدْتُ ما يَجْمَعُ كم قد تَبَدَّلَ نعيمُها بالبوس، كم أصْبَحَ مَن هوَ واثقٌ بملكِها وأمْسى وهوَ منها قنوطٌ يؤوس.

стр. 75

قالَتْ بعضُ بناتِ ملوكِ العربِ (١) الذينَ نُكِبوا: أصْبَحْنا وما في العربِ أحدٌ إلَّا وهوَ يَحْسُدُنا، وأمْسَيْنا وما في العربِ أحدٌ إلَّا [وهوَ] يَرْحَمُنا، ثمَّ قالَتْ: وَبَيْنا نَسوسُ النَّاسَ وَالأمْرُ أمْرُنا … إذا نَحْنُ فيهِمْ سُوقَةٌ لَيْسَ نُنْصَفُ فَأُفٍّ لِدارٍ لا يَدومُ نَعيمُها … تَقَلَّبُ تاراتٍ بِنا وَتَصَرَّفُ دَخَلَتْ أمُّ جَعْفَرِ بن يَحْيى البَرْمَكِيِّ على قومٍ في عيدِ أضحى تَطْلُبُ جلدَ كبشٍ تَلْبَسُهُ، وقالَتْ: هَجَمَ عليَّ مثلُ هذا العيدِ وعلى رأْسي أربعُ مئةِ وصيفةٍ قائمةٍ وأنا أزْعُمُ أن ابني جعفرًا عاقٌّ لي. كانَتْ أُختُ أحْمَدَ بن طُولُونَ صاحبِ مِصْرَ كثيرةَ السَّرَفِ في إنفاقِ المالِ، حتَّى إنَّها زَوَّجَتْ بعضَ لُعَبِها فأنْفَقَتْ على وليمةِ عرسِها مئةَ ألفِ دينارٍ، فما مَضى إلَّا قليلٌ حتَّى رُئِيَتْ في سوقٍ مِن أسواقِ بغدادَ وهيَ تَسْألُ النَّاسَ. خُلِعَ بعضُ خلفاءِ بني العَبَّاسِ وكُحِلَ وحُبسَ ثمَّ أَطْلِقَ، فاحْتاجَ إلى أنْ وَقَفَ يومَ الجمعةِ في الجامعِ وقالَ للنَّاسِ: تَصَدَّقوا عليَّ فأَنا مَن قد عَرَفْتُمْ. اجْتازَ بعضُ الصَّالحينَ بدارٍ فيها فرحٌ وقائلةٌ تَقولُ في غنائِها: ألا يا دارُ لا يَدْخُلْكِ حُزْنٌ … وَلا يُودي بِصاحِبِكِ الزَّمانُ ثمَّ اجْتازَ بها عن قريبٍ، وإذا البابُ مُسْوَدٌّ وفي الدَّارِ بكاءٌ وصراخٌ، فسَألَ عنهُم، فقيلَ: ماتَ ربُّ الدَّارِ، فطَرَقَ البابَ وقالَ: سَمِعْتُ مِن هذهِ الدَّارِ قائلةً تَقولُ كذا وكذا، فبَكَتِ امرأةٌ وقالَتْ: يا عبدَ اللهِ! إنَّ الله يُغَيِّرُ ولا يَتَغَيَّرُ، والموتُ غايةُ كلِّ مخلوقٍ، فانْصَرَفَ مِن عندِهِم باكيًا. بَعَثَ أبو بكرٍ الصِّدِّيقُ ﵁ في خلافتِهِ وفدًا إلى اليمنِ، فاجْتازوا في طريقِهِم بماءٍ مِن مياهِ العربِ، عندَهُ قصورٌ مَشِيدَةٌ، وهناكَ مواشٍ عظيمةٌ ورقيقٌ كثيرٌ،

стр. 76

ورَأوا نسوةً كثير [ا] تٍ مجتمعاتٍ في عرسٍ لهُنَّ، وجاريةً بيدِها دفٌّ وهيَ تَقولُ: مَعْشَرَ الحُسَّادِ موتوا كَمَدا … كَذا نَكونُ ما بَقِينا أبَدا فنَزَلوا بقربِهِم، فأكْرَمَهُم سيِّدُ الماءِ واعْتَذَرَ إليهِم باشتغالِهِ بالعرسِ، فدَعَوْا لهُ وارْتَحَلوا. ثمَّ إنَّ بعضَ أولئكَ الوفدِ أرْسَلَهُم مُعاوِيَةُ إلى اليمنِ، فمَرُّوا بالقربِ مِن ذلكَ الماءِ، فعَدَلوا إليهِ لِيَنْزِلوا فيهِ، فإذا القصورُ المَشِيدَةُ قد خَرِبَتْ كلُّها وليسَ هناكَ ماءٌ ولا أنيسٌ، ولمْ يَبْقَ مِن تلكَ الآثارِ إلَّا تلٌّ خرابٌ، فذَهَبوا إليهِ، فإذا عجوزٌ عمياءُ تَأْوي إلى نقبٍ في ذلكَ التَّلِّ، فسَألوها عن أهلِ ذلكَ الماءِ، فقالَتْ: هَلَكوا كلُّهُم، فسَألوها عن ذلكَ العرسِ المتقدِّمِ، فقالَتْ: كانَتِ العروسُ أُختي، وأنا كُنْتُ صاحبةَ الدُّفِّ، فطَلَبوا أنْ يَحْمِلوها معَهُم، فأبَتْ وقالَتْ: عزيزٌ عليَّ أنْ أُفارِقَ هذهِ العظامَ الباليةَ حتى أصيرَ إلى ما صارَتْ إليهِ. فبينَما هيَ تُحَدِّثُهُمْ إذْ مالَتْ فنَزَعَتْ نزعًا يسيرًا ثمَّ ماتَتْ، فدَفَنوها وانْطَلَقوا. حُمِلَ إلى سُلَيْمانَ بن عَبْدِ المَلِكِ في خلافتِهِ مِن خُراسانَ ستَّةُ أحمالِ مسكٍ إلى الشَّامِ، فأُدْخِلَتْ على ابنِهِ أيُّوبَ وهوَ وليُّ عهدِهِ، فدَخَلَ عليهِ الرَّسولُ بها في دارِهِ، فدَخَلَ إلى دارٍ بيضاءَ وفيها غلمانٌ عليهِم ثيابٌ بيضٌ وحليتُهُم فضَّة، ثمَّ دَخَلَ إلى دارٍ صفراءَ فيها غلمانٌ عليهِم ثيابٌ صفرٌ وحليتُهُمُ الذَّهبُ، ثمَّ دَخَلَ إلى دارٍ خضراءَ فيها غلمانٌ عليهِم ثيابٌ خضرٌ وحليتُهُمُ الزُّمرُّدُ، ثمَّ دَخَلَ على أيُّوبَ وهوَ وجاريتُهُ على سرير فلمْ يَعْرِفْ أحدَهُما مِن الآخرِ لقربِ شبهِهِما، فوُضِعَ المسكُ بينَ يديهِ فانْتَهَبَهُ كلَّهُ الغلمانُ، ثمَّ خَرَجَ الرَّسولُ فغابَ بضعةَ عشرَ يومًا، ثمَّ رَجَعَ فمرَّ بدارِ أيُّوبَ وهيَ بلاقعُ، فسَألَ عنهُم، فقيلَ لهُ: أصابَهُمُ الطَّاعونُ فماتوا. كانَ يَزيدُ بنُ عَبْدِ المَلِكِ - وهوَ الذي انْتَهَتْ إليهِ الخلافةُ بعدَ عُمَرَ بن عَبْدِ العَزيزِ - لهُ جاريةٌ تُسَمَّى حُبَابَةَ، وكانَ شديدَ الشَّغفِ بها، ولمْ يَقْدِرْ على تحصيلِها إلَّا بعدَ جهدٍ شديدٍ، فلمَّا وَصَلَتْ إليهِ؛ خَلا بِها يومًا في بستانٍ وقد طارَ عقلُهُ فرحًا بِها، فبينَما هوَ يُلاعِبُها ويُضاحِكُها إذْ رَماها بحبَّةِ رمَّانٍ أو حبَّةِ عنبٍ وهيَ تَضْحَكُ، فدَخَلَتْ في فيها، فشَرِقَتْ بِها، فماتَتْ، فما سَمَحَتْ نفسُهُ بدفنِها حتَّى أراحَتْ (١)، فعوتبَ على ذلكَ،

стр. 77

فدَفنَها. ويُقالُ: إنَّهُ نَبَشَها بعدَ دفنِها. ويُروى أنَّهُ دَخَلَ بعدَ موتِها إلى خزائنِها ومقاصيرِها ومعَهُ جاريةٌ لها، فتَمَثَّلَتِ الجاريةُ: كَفى حَزَنًا بالوالِهِ الصَّبِّ أنْ يَرى … مَنازِلَ مَنْ يَهْوى مُعَطَّلَة قَفْرا فصاحَ وخَرَّ مغشيًّا عليهِ، فلم يُفِقْ إلى أنْ مَضى هَوِيٌّ مِن الليلِ، ثمَّ أفاقَ فبَكَى بقيَّةَ ليلتِهِ ومِن الغدِ، فدَخَلوا عليهِ فوَجَدوهُ ميتًا. قالَ بعضُ السَّلفِ: ما مِن حَبْرَةٍ إلَّا يَتْبَعُها عبرةٌ، وما كانَ ضحكٌ في الدُنيا إلَّا كانَ بعدَهُ بكاءٌ. مَن عَرَفَ الدُّنيا حقَّ معرفتِها؛ حَقَرَها وأبْغَضَها، كما قيلَ: أمَّا لَوْ بِيعَتِ الدُّنْيا بِفَلْسٍ … أنِفْتُ لِعاقِلٍ أنْ يَشْتَرِيها، ومَن عَرَفَ الآخرةَ وعظمتَها رَغِبَ فيها. عبادَ اللهِ! هَلُمُّوا إلى دارٍ لا يَموتُ سكَانُها، ولا يَخْرَبُ بنيانُها، ولا يَهْرَمُ شبَّانُها، ولا يَتَغَيَّرُ حسنُها وإحسانُها، هواؤُها النَّسيمُ وماؤُها التَّسنيمُ، يَتَقَلَّبُ أهلُها في رحمةِ أرحمِ الرَّاحمين، ويَتَمَتَعونَ بالنَّظرِ إلى وجهِهِ الكريمِ كلَّ حين، ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠]. قالَ عَوْنُ بنُ عَبْدِ اللهِ بن عُتْبَةَ: بَنى ملكٌ ممَّن كانَ قبلَكُم مدينةً، فتَنَوَّقَ في بنيانِها، ثمَّ صَنَعَ طعامًا ودَعا النَّاسَ إليهِ وأقْعَدَ على أبوابِها ناسًا يَسْألونَ كلَّ مَن خَرَجَ: هلْ رَأيْتُمْ عيبًا؟ فيَقولونَ: لا. حتَّى جاءَ في آخرِ النَّاسِ قومٌ عليهِم أكسيةٌ، فسَألُوهُم: هلْ رَأيْتُمْ عيبًا؟ قالوا: عيبينِ. فأدخَلوهُمْ على الملكِ، فقالَ: هلْ رَأيْتُمْ عيبًا؟ فقالوا: عيبينِ. قالَ: وما هُما؟ قالوا: تَخْرَبُ ويَموتُ صاحبُها. قالَ: فتَعْلَمونَ دارًا لا تَخْرَبُ ولا يَموتُ صاحبُها؟ قالوا: نعم؛ دارُ الجنَّةِ. فدَعَوْهُ فاسْتَجابَ لهُم وانْخَلَعَ مِن ملكِهِ وتَعَبَّدَ معَهُم. فحَدثَ عَوْنٌ بهذا الحديثِ عُمَرَ بنَ عَبْدِ العَزيزِ، فوَقَعَ منهُ موقعًا، حتَّى هَمَ أنْ يَخْلَعَ نفسَهُ مِن الملكِ. فأتاهُ ابنُ عمِّهِ مَسْلَمَةُ، فقالَ: اتَّقِ الله يا أميرَ المؤمنينَ في أُمَّةِ مُحَمَّدٍ، فواللهِ؛ لئنْ فَعَلْتَ لَيَقْتَتِلُنَّ بأسيافِهِم. قالَ: ويحكَ يا مَسْلَمَةُ! حُمِّلْتُ ما لا

стр. 78

أُطيقُ، وجَعَلَ يُرَدِّدُها، ومَسْلَمَةُ يُناشِدُهُ حتَّى سَكَنَ. بَنى بعضُ ملوكِ العربِ الخَوَرْنَقَ والسَّديرَ، فنَظَرَ إلى ملكِهِ يومًا فقالَ: هلْ عَلِمْتُمْ أحدًا أُوتِيَ مثلَ ما أُوتيتُ؟ [فـ]ـقالوا: لا. ورجلٌ منهُم ساكتٌ، فقالَ: أيُّها الملكُ! إنْ أذِنْتَ لي تَكَلَّمْتُ. قالَ: تَكَلَّمْ. قالَ: أرَأيْتَ ما جَمَعْتَ، أشيءٌ هوَ لكَ لمْ يَزُلْ ولا يَزولُ، أم هوَ شيءٌ كانَ لمَن قبلَكَ وزالَ عنهُ وصارَ إليكَ وكذلكَ يَزولُ عنكَ؟ قالَ: بل كانَ لمَن قبلي وصارَ إليَّ ويَزولُ عنِّي. قالَ: فسُرِرْتَ بشيءٍ تَزولُ عنكَ لذَّتُهُ وتَبْقى تَبِعَتُهُ عليكَ، تَكونُ فيهِ قليلًا وتُرْهَنُ بهِ طويلًا. فبَكى وقالَ: أينَ المهربُ؟ قالَ: إمَّا أنْ تُقيمَ وتَعْمَلَ بطاعةِ ربِّكَ، وإمَّا أنْ تَنْخَلعَ مِن ملكِكَ وتُقيمَ وحدَكَ وتَعْبُدَ رَبَّكَ حتَّى يَأْتِيَكَ أجلُكَ. قالَ: فإذا فَعَلْتُ ذلكَ فما لي؟ قالَ: حياةٌ لا تَموتُ، وشبابٌ لا يَهْرَمُ، وصحَّةٌ لا تَسْقَمُ، وملكٌ جديدٌ لا يَبْلى. قالَ: فأيُّ خيبر فيما يَفْنى (١)؟! واللهِ لأطْلُبَنَّ عيشًا لا يَزولُ أبدًا. فانْخَلَعَ عن ملكِهِ، وسارَ في الأرضِ (٢). وفيهِ يَقولُ عَدِيُّ بنُ زَيْدٍ أبياتَهُ المشهورةَ السَّائرةَ: أيُّها الشَّامِتُ المُعَيِّرُ (٣) بِالدَّهـ … ـرِ أأنْتَ المُبَرَّأُ المَوْفورُ أمْ لَدَيْكَ العَهْدُ الوَثيقُ مِنَ الأيْـ … يامِ بَلْ أنْتَ جاهِلٌ مَغْرورُ مَنْ رَأيْتَ المَنونَ أخْلَدْنَ أمْ مَنْ … ذا عَلَيْهِ مِنْ أنْ يُضامَ خَفيرُ أيْنَ كِسْرى كِسْرى المُلوكِ أنوشِرْ … وانُ أمْ أيْنَ قَبْلَهُ سابورُ وَبنو الأصْفَرِ الكِرامُ مُلوكُ الرْ … رومِ لَمْ يَبْقَ مِنْهُمُ مَذْكورُ وَأخو الحَضْر (٤) إذْ بَناهُ وَإذْ دِجْـ … ـلةُ تُجْبى إلَيْهِ والخابورُ شادَهُ مَرْمَرًا وَجَلَّلَهُ كِلْـ … ـسًا فَلِلطَّيْرِ في ذُراهُ وُكورُ

стр. 79

لَمْ يَهْنِهِ رَيْبُ المَنونِ فَبادَ الْـ … ـمُلْكُ عَنْهُ فَبابُهُ مَهْجورُ وَتَذَكَّرْ رَبَّ الخَوَرْنَقِ (١) إذْ أشْـ … ـرَفَ يَوْمًا وَلِلْهُدى تَفْكيرُ سَرَّهُ مالُهُ وَكَثْرَةُ ما يَمْـ … ـلِكُ وَالبَحْرُ مُعْرِضًـ[ـا] وَالسَّديرُ (٢) فَارْعَوى قَلْبُهُ وَقالَ وَما غِبْـ … ـطَةُ حَيٍّ إلى المَماتِ يَصيرُ ثُمَّ أضْحَوْا كَأنَّهُمْ وَرَقٌ جَفْـ … ـفَ [فَـ]ـألْوَتْ بِهِ الصَّبا وَالدَّبورُ (٣) ثُمَّ بَعْدَ الفَلاحِ والإمَّةِ (٤) والْـ … ـمُلْكِ وارَتْهُمُ هُناكَ القُبورُ * * * * *

стр. 80

وظائف شهر الله المحرم ويشتمل على مجالس: المجلس الأول في فضائل شهر الله المحرم وعشره الأول خَرَّجَ مُسْلِمٌ (١) مِن حديثِ: أبي هُرَيْرَةَ ﵁، عن النَّبيِّ ﷺ ؛ قالَ: "أفضلُ الصِّيامِ بعد شهرِ رمضانَ شهرُ اللهِ الذي تَدْعونَهُ المُحَرَّمَ، وأفضلُ الصَّلاةِ بعدَ الفريضةِ قيامُ الليلِ". الكلامُ على هذا الحديثِ في فصلينِ: في أفضلِ التَّطوُّعِ بالصِّيامِ، وأفضلِ التَّطوُّعِ بالقيامِ. الفصل الأوَّل: في فضل التطوُّع بالصِّيام • وهذا الحديثُ صريحٌ في أن أفضلَ ما تُطُوِّعَ بهِ مِن الصِّيامِ بعدَ رمضانَ صومُ شهرِ اللهِ المحرَّمِ. وقد يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ أنَّهُ أفضلُ شهرٍ تُطُوِّعَ بصيامِهِ كاملًا بعدَ رمضانَ. فأمَّا بعضُ التَّطوُّعِ ببعضِ شهرٍ؛ فقد يَكونُ أفضلَ مِن بعضِ أيَّامِهِ: كصيامِ يومِ عرفةَ، أو عشرِ ذي الحجَّةِ، أو ستةِ أيَّامٍ مِن شوَّالٍ … ونحوِ ذلكَ. ويَشْهَدُ لهذا ما خَرَّجَهُ [الإمامُ أحْمَدُ و] التِّرْمِذِيُّ مِن حديثِ عَلِيٍّ؛ أن رجلًا أتى

стр. 81

النَّبيَّ ﷺ ، فقالَ: يا رسولَ اللهِ! أخْبِرْني بشهرٍ أصومُهُ بعدَ شهرِ رمضانَ. فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ : "إنْ كُنْتَ صائمًا شهرًا بعدَ رمضانَ، فصُمِ المُحَرَّمَ؛ فإنَّهُ شهرُ اللهِ، وفيهِ يومٌ تابَ اللهُ فيهِ على قومٍ ويَتوبُ على آخرينَ" (١). وفي إسنادِهِ مقالٌ. ولكنْ يُقالُ: إنَّ النَّبيَّ ﷺ كانَ يَصومُ شهرَ شَعْبانَ، ولم يُنْقَلْ [عنهُ] أنَّهُ كانَ يَصومُ المُحَرَّمَ، إنَّما كانَ يَصومُ عاشوراءَ، وقولُهُ في آخرِ سنةٍ "لئنْ عِشْتُ إلى قابلٍ لأصومَنَّ التَّاسعَ" يَدُلُّ على أنَّهُ كانَ لا يَصومُ التَّاسعَ قبلَ ذلكَ. وقد أجابَ النَّاسُ عن هذا السُّؤالِ بأجوبةٍ فيها ضعفٌ. والذي ظَهَرَ لي - واللهُ أعلمُ - أن التَّطوُّعَ بالصِّيامِ نوعانِ: أحدُهُما: التَّطوُّعُ المطلقُ بالصَّومِ، فهذا أفضلُهُ المُحَرَّمُ، كما أن أفضلَ التَّطوُّعِ المطلقِ بالصَّلاةِ قيامُ الليلِ. والثَّاني: ما صيامُهُ تبعٌ لصيامِ رمضانَ قبلَهُ وبعدَهُ، فهذا ليسَ مِن التَّطوُّعِ المطلَقِ، بل صيامُهُ تَبَعٌ لصيامِ رمضانَ، وهوَ ملتحقٌ بصيامِ رمضانَ. ولهذا قيلَ: إنَّ صيامَ ستَّةِ أيَّامٍ مِن شهرِ شوَّالٍ يَلْتَحِقُ بصيامِ رمضانَ ويُكْتَبُ بذلكَ لمَن صامَها معَ رمضانَ صيامُ الدَّهرِ فَرَضًا. وقد رُوِيَ أن أُسامَةَ بنَ زَيْدٍ كانَ يَصومُ الأشهرَ الحرمَ، فأمَرَهُ النَّبيُّ ﷺ بصيامِ شوَّالٍ، فتَرَكَ الأشهرَ الحرمَ وصامَ شوَّالًا. وسَنَذْكُرُ ذلك في موضعِهِ إنْ شاءَ اللهُ تَعالى (٢). فهذا النَّوعُ مِن الصِّيامِ يَلْتَحِقُ برمضانَ، وصيامُهُ أفضلُ التَّطوُّعِ مطلقًا. فامَّا التَّطوُّعُ المطلقُ؛ فأفضلُهُ صيامُ الأشهرِ الحرمِ، وقد رُوِيَ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّهُ أمَرَ

стр. 82

رجلًا أنْ يَصومَ الأشهرَ الحرمَ، وسنَذْكُرُهُ في موضع آخرَ إنْ شاءَ اللهُ تَعالى (١). وأفضلُ صيامِ الأشهرِ الحرمِ صيامُ شهرِ اللهِ المحرَّمِ، ويَشْهَدُ لهذا أنَّهُ ﷺ قالَ في هذا الحديثِ: "وأفضلُ الصَّلاةِ بعدَ المكتوبةِ قيامُ الليلِ". ومرادُهُ بعدَ المكتوبةِ ولواحقِها مِن سننِها الرَّواتبِ؛ فإنَّ الرَّواتبَ قبلَ الفرائضِ وبعدَها أفضلُ مِن قيامِ الليلِ عندَ جمهورِ العلماءِ؛ لالتحاقِها بالفرائضِ. وإنَّما خالَفَ في ذلكَ بعضُ الشَّافعيَّةِ (٢). فكذلكَ الصِّيامُ قبلَ رمضانَ وبعدَهُ ملتحقٌ برمضانَ، وصيامُهُ أفضلُ مِن صيامِ الأشهرِ الحرمِ (٣)، وأفضلُ التَّطوُّعِ المطلقِ بالصِّيامِ صيامُ المحرَّمِ. • وقدِ اخْتَلَفَ العلماءُ في أيِّ الأشهرِ الحرمِ أفضلُ: فقالَ الحَسَنُ وغيرُهُ: أفضلُها شهرُ اللهِ المحرَّمُ. ورَجَّحَهُ طائفةٌ مِن المتأخِّرينَ. ورَوى: وَهْبُ بنُ جَريرٍ، عن قُرَّةَ بن خالِدٍ، عن الحَسَنِ؛ قالَ: إنَّ الله افْتَتَحَ السَّنةَ بشهرٍ حرامٍ وخَتَمَها بشهرٍ حرامٍ، فليسَ شهرٌ في السَّنةِ بعدَ شهرِ رمضانَ أعظمَ عندَ اللهِ مِن المحرَّمِ، وكانَ يُسَمَّى شهرَ اللهِ الأصمَّ من شدَّةِ تحريمِهِ. وقد رُوِيَ عنهُ مرفوعًا مرسلًا: قالَ آدَمُ بنُ أبي إياسٍ: حَدَّثَنا أبو هِلالٍ الرَّاسِبِيُّ، عن الحَسَنِ؛ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : "أفضلُ الصَّلاةِ بعدَ المكتوبةِ الصَّلاةُ في جوفِ الليلِ الأوسطِ، وأفضلُ الشُّهورِ بعدَ شهرِ رمضانَ المحرَّمُ، وهوَ شهرُ اللهِ الأصمُّ" (٤). وخَرَّجَ النَّسائِيُّ مِن حديثِ أبي ذَرٍّ؛ قالَ: سَألْتُ النَّبيَّ ﷺ : أيُّ الليلِ خيرٌ، وأيُّ

стр. 83

الأشهرِ أفضلُ؟ فقالَ: "خيرُ الليلِ جوفُهُ، وأفضلُ الأشهرِ شهرُ اللهِ الذي تَدْعونَهُ المُحَرَّمَ" (١). وإطلاقُهُ في هذا الحديثِ "أفضلَ الأشهرِ" محمولٌ على ما بعدَ رمضانَ، كما في روايةِ الحَسَنِ المرسلةِ. وقالَ سَعيدُ بنُ جُبَيْرٍ وغيرُهُ: أفضلُ الأشهرِ الحرمِ ذو الحِجَّةِ. بل قد قيلَ: إنَّهُ أفضلُ الأشهرِ مطلقًا، وسَنَذْكُرُهُ في موضعِهِ إنْ شاءَ اللهُ تَعالى. وزَعَمَ بعضُ الشَّافِعِيَّةِ أن أفضلَ الأشهرِ الحرمِ رجبٌ، وهوَ قولٌ مردودٌ. • وأفضلُ شهرِ المحرَّمِ عشرُهُ الأوَّلُ (٢). وقد زَعَمَ يَمانُ بنُ رِئابٍ أنَّهُ العشرُ الذي أقْسَمَ اللهُ بهِ في كتابِهِ، ولكنَّ الصَّحيحَ أن العشرَ المقسَمَ بهِ عشرُ ذي الحِجَّةِ، كما سَيَأْتي في موضعِهِ إنْ شاءَ اللهُ تَعالى. وقالَ أبو عُثْمانَ النَّهْدِيُ: كانوا يُعَظِّمونَ ثلاثَ عشراتٍ: العشرَ الأخيرَ مِن رمضانَ، والعشرَ الأوَّلَ مِن ذي الحِجَّةِ، والعشرَ الأوَّلَ مِن المُحَرَّمِ. وقد وَقَعَ هذا في بعضِ نسخِ كتابِ "فضائل العشر" لابنِ أبي الدُّنْيا: عن أبي عُثْمانَ، عن أبي ذَرٍّ، عن النَّبِيِّ ﷺ ؛ أنَّهُ كانَ يُعَظِّمُ هذهِ العشراتِ الثَّلاثَ (٣). وليسَ ذلكَ

стр. 84

بمحفوظٍ. وقد قيلَ: إنَّهُ العشرُ الذي أتَمَّ اللهُ بهِ ميقاتَ موسى ﵇ أربعينَ ليلةً، وإنَّ التَّكليمَ وَقَعَ في عاشرِهِ. ورُوِيَ عن وَهْبِ بن مُنَبِّهٍ؛ قالَ: أوْحى اللهُ إلى موسى ﵇: أنْ مُرْ قومَكَ أنْ يَتقَرَّبوا إليَّ في أوَّلِ عشرِ المحرَّمِ، فإذا كانَ يومُ العاشرِ؛ فلْيَخْرُجوا إليَّ أغْفِرْ لهُم. وعن قَتادَةَ: أن الفجرَ الذي أقْسَمَ اللهُ بهِ في أوَّلِ سورةِ الفجرِ هوَ فجرُ أوَّلِ يوم مِن المحرَّمِ، تَنْفَجِرُ منهُ السَّنةُ (١). ولمَّا كانَتِ الأشهرُ الحرمُ أفضلَ الأشهرِ بعدَ رمضانَ أو مطلقًا (٢)، وكانَ صيامُها كلِّها مندوبًا إليهِ كما أمَرَ بهِ النَّبيُّ ﷺ (٣)، وكانَ بعضُها ختامَ السَّنةِ الهلاليَّةِ وبعضُها مفتاحًا لها، فمَن صامَ ذا الحِجَّةِ سوى الأيَّامِ المحرَّم صيامُها منهُ وصامَ المحرَّمَ، فقد خَتَمَ السَّنةَ بالطَّاعةِ وافْتَتَحَها بالطَّاعةِ، فيُرْجى أنْ تُكْتَبَ لهُ سنتُهُ كلُّها طاعةً؛ فإنَّ مَن كانَ أوَّلُ عملِهِ طاعةً وآخرُهُ طاعةً؛ فهوَ في حكمِ مَنِ اسْتَغْرَقَ بالطَّاعةِ ما بينَ العملينِ. وفي حديثٍ مرفوع: "ما مِن حافظينِ يَرْفَعانِ إلى اللهِ صحيفةً، فيَرى في أوَّلِها وفي آخرِها خيرًا؛ إلَّا قالَ اللهُ للملائكةِ: أُشْهِدُكُمْ أنِّي قد غَفَرْتُ لعبدي ما بينَ طرفيها" (٤).

стр. 85

خَرَّجَهُ الطَّبَرانِيُّ وغيرُهُ (١)، وهوَ موجودٌ في بعضِ نسخِ كتابِ التِّرْمِذِيِّ. وفي حديثٍ آخرَ مرفوعٍ: "ابنَ آدَمَ! اذْكُرْني مِن أوَّلِ النَّهارِ ساعةً ومِن آخرِ النَّهارِ ساعةً؛ أغْفِرْ لكَ ما بينَ ذلكَ؛ إلَّا الكبائرَ أو تَتوبَ منها" (٢). وقالَ ابنُ المُبارَكِ: مَن خَتَمَ نهارَهُ بذكرِ [اللهِ]؛ كُتِبَ نهارُهُ كلُّهُ ذكرًا. يُشيرُ إلى أن الأعمالَ بالخواتيمِ، فإذا كانَ البداءةُ والختامُ ذكرًا؛ فهوَ أولى أنْ يَكونَ حكمُ الذِّكرِ شاملًا للجميعِ. ويَتَعَيَّن استفتاحُ العامِ بتوبةٍ نصوحٍ تَمْحو ما سَلَفَ مِن الذُّنوبِ السَّالفةِ [في الأيَّامِ] الخاليةِ: قَطَعْتَ شُهورَ العامِ لَهْوًا وَغَفْلَةً … وَلَمْ تَحْتَرِمْ فيما أتَيْتَ المُحَرَّما فَلا رَجَبًا وافَيْتَ فيهِ بِحَقِّهِ … وَلا صُمْتَ شَهْرَ الصَّوْمِ صَوْمًا مُتَمَّما وَلا في ليالي عَشْرِ ذي الحِجَّةِ الذي … مَضى كُنْتَ قَوَّامًا وَلا كُنْتَ مُحْرِما فَهَلْ لَكَ أنْ تَمْحُو الذُّنوبَ بِعَبْرَةٍ … وَتَبْكي عَلَيْها حَسْرَةً وَتندُّما وَتَسْتَقْبِلَ العامَ الجَديدَ بتَوْبَةٍ … لَعَلَّكَ أنْ تَمْحُو بِها ما تَقَدَّما وقد سَمَّى النَّبيُّ ﷺ المُحَرَّمَ شهرَ اللهِ (٣)، وإضافتُهُ إلى اللهِ تَدُلُّ على شرفِهِ وفضلِهِ؛ فإنَّه تَعالى لا يُضيفُ إليهِ إلَّا خواصَّ مخلوقاتِهِ، كما نَسَبَ مُحَمَّدًا وإبْراهيمَ وإسْحاقَ ويَعْقوبَ وغيرَهُم مِن الأنبياءِ صلواتُ اللهِ وسلامُهُ عليهِم إلى عبوديَّتِهِ ونَسَبَ إليهِ بيتَهُ وناقتَهُ (٤).

стр. 86

• ولمَّا كانَ هذا الشَّهرُ مختصًّا بإضافتِهِ إلى اللهِ، وكانَ الصِّيامُ مِن بين الأعمالِ مضافًا إلى اللهِ؛ فإنَّهُ لهُ مِن بين الأعمالِ؛ ناسَبَ أنْ يُخْتَصَّ هذا الشَّهرُ المضافُ إلى اللهِ بالعملِ المضافِ إليهِ المختصِّ بهِ وهوَ الصِّيامُ. وقد قيلَ في معنى إضافةِ هذا الشَّهرِ إلى اللهِ [إنَّهُ] (١) إنَّهُ إشارةٌ إلى أن تحريمَهُ إلى اللهِ ليسَ لأحدٍ تبديلُهُ كما كانَتِ الجاهليَّةُ يُحِلُّونَهُ ويُحَرِّمونَ مكانَهُ صَفَرَ، فأشارَ إلى أنَّهُ شهرُ اللهِ الذي حَرَّمَهُ فليسَ لأحدٍ مِن خلقِهِ تبديلُ ذلكَ وتغييرُهُ. شَهْرُ الحَرامِ مُبارَكٌ مَيْمونُ … وَالصَّوْمُ فيهِ مُضاعَفٌ مَسْنونُ وَثَوابُ صائِمِهِ لِوَجْهِ إلهِهِ … في الخُلْدِ عِنْدَ مَليكِهِ مَخْزونُ الصِّيامُ سرٌّ بينَ العبدِ وبينَ ربِّهِ، ولهذا يَقولُ اللهُ : كلُّ عملِ ابن آدَمَ لهُ؛ إلَّا الصَّومَ؛ فإنَّهُ لي، وأنا أجْزي بهِ، إنَّهُ تَرَكَ شهوتَهُ وطعامَهُ وشرابَهُ مِن أجلي. وفي الجنَّةِ بابٌ يُقالُ لهُ الرَّيَّانُ، لا يَدْخُلُ منهُ إلَّا الصَّائمونَ، فإذا دَخَلوا؛ أُغْلِقَ فلمْ يَدْخُلْ منهُ غيرُهُم. وهوَ جُنَّةٌ للعبدِ مِن النَّارِ كجُنَّةِ أحدِكُم مِن القتالِ (٢). وفي "المسند": عن النَّبيِّ ﷺ ؛ قالَ: "مَن صامَ يومًا ابتغاءَ وجهِ اللهِ؛ بَعَّدَهُ اللهُ مِن نارِ جهنَّمَ كبعدِ غرابٍ طارَ وهوَ فرخٌ حتَّى ماتَ هَرِمًا" (٣).

стр. 87

وفيهِ: أن أبا أُمامَةَ قالَ للنَّبيِّ ﷺ : أوْصِني! قالَ: "عليكَ بالصَّومِ؛ فإنَّهُ لا عِدْلَ لهُ" (١). فكانَ أبو أمامَةَ وأهلُهُ يَصومونَ، فإذا رُئِيَ في بيتِهِم دخانٌ بالنَّهارِ؛ عُلِمَ أنَّهُ قد نَزَلَ بهِم ضيفٌ. • وممَّن سَرَدَ الصَّومَ (٢) عُمَرُ وأبو طَلْحَةَ وعائِشَةُ وغيرُهُم مِن الصَّحابةِ وخلقٌ كثيرٌ مِن السَّلفِ. وممَّن صامَ الأشهرَ الحرمَ كلَّها ابنُ عُمَرَ والحَسَنُ البَصْرِي وغيرُهُما (٣). قالَ بعضُهُم: إنَّما هوَ غداءٌ وعشاءٌ، فإنْ أخَّرْتَ غداءَكَ إلى عشائِكَ؛ أمْسَيْتَ وقد

стр. 88

كُتِبْتَ في ديوانِ الصَّائمينَ. للصَّائمِ فرحتانِ: فرحةٌ عندَ فطرِهِ، وفرحةٌ عندَ لقاءِ ربِّهِ إذا وَجَدَ ثوابَ صيامِهِ مدخورًا. سَمعَ بعضُهُم مناديًا يُنادي على السُّحورِ في رمضانَ: يا ما خَبَأْنا للصُّوَّامِ! فانْتبَهَ بذلكَ وسَرَدَ الصَّوم. ورُوِيَ أن الصَّائمينَ توضَعُ لهُم مائدةٌ تحتَ العرشِ يَأكُلونَ والنَّاسُ في الحسابِ، فيَقولُ النَّاسُ: ما بالُ هؤلاءِ يأْكُلون ونحنُ نُحاسَبُ؟ فيُقالُ: كانوا يَصومونَ وأنتُم تُفْطِرونَ. ورُوِيَ أنَّهُم يُحَكَّمونَ في ثمارِ الجنَّةِ والنَاسُ في الحسابِ. رَوَى ذلكَ ابنُ أبي الدُّنْيا في "كتاب الجوع" (١). قالَ اللهُ : ﴿وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٣٥]. وقالَ: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ [الحاقة: ٢٤]: قالَ مُجاهِدٌ وغيرُهُ: نَزَلَتْ في الصُّوَّامِ. مَن تَرَكَ للهِ طعامَهُ وشرابَهُ وشهوتَهُ؛ عَوَّضَهُ اللهُ خيرًا مِن ذلكَ؛ طعامًا وشرابًا لا يَنْفَدُ، وأزواجًا لا تَموتُ. وفي التَّوراةِ: طوبى لمَن جَوَّعَ نفسَهُ ليومِ الشبعِ الأكبرِ، طوبى لمَن ظَمَّأ نفسَهُ ليومِ الرِّيَ الأكبرِ، طوبى لمَن تَرَكَ شهوةً حاضرةً لموعدِ غيبٍ لمْ يَرَهُ، طوبى لمَن تَرَكَ طعامًا يَنْفَدُ في دارِ تَنْفَدُ لدارٍ أُكُلُها دائمٌ وظلُّها. مَنْ يُرِدْ مُلْكَ الجِنانِ … فَلْيَذَرْ عَنْهُ التَّواني وَليَقُمْ في ظُلْمَةِ اللَيْـ … ـلِ إلى نورِ القُرانِ وَلْيَصِلْ صَوْمًا بِصَوْمٍ … إنَّ هذا العَيْشَ فاني إنَّما العَيْشُ جِوارُ الْـ … ـلهِ في دارِ الأمانِ

стр. 89

كانَ بعضُ الصَّالحينَ يُكْثِرُ الصَّومَ، فرَأى في منامِهِ كانَّهُ دَخَلَ الجنَّةَ، فنُودِيَ مِن ورائِهِ: يا فلانُ! تَذْكُرُ أنَّكَ صُمْتَ للهِ يومًا قطُّ؟ قالَ: إي واللهِ؛ يومٌ ويومٌ ويومٌ. فإذا صَوانِيُّ النِّثارِ (١) قد أخَذَتْهُ يمنةً ويسرةً. كانَ بعضُ الصَّالحينَ قد صامَ حتَّى انْحَنى وانْقَطَعَ صوتُهُ (٢)، فماتَ، فرُئيَ بعضُ أصحابِهِ في المنامِ، فسُئِلَ عن حالِهِ، فقالَ: قَدْ كُسِي حُلَّةَ البَهاءِ وَطافَتْ … بِأباريقَ حَوْلَهُ الخُدَّامُ ثُمَّ حُلِّي وَقيلَ يا قارِيَ ارْقَهْ (٣) … فَلَعَمْري لَقَدْ بَراكَ الصِّيامُ وصامَ بعضُ التَّابعينَ حتَّى اسْوَدَّ مِن طولِ صيامِهِ! وصامَ الأسودُ بنُ يَزيدَ (٤) حتَّى اخْضَرَّ جسمُهُ وأصْفَرَّ، وكانَ إذا عوتِبَ في رفقِهِ بجسدِهِ؛ يَقولُ: كرامةَ هذا الجسدِ أريدُ! وصامَ بعضُهُم حتَّى وَجَدَ طعمَ دماغِهِ في حلقِهِ! وكانَ بعضُهُم يَسْرُدُ الصَّومَ، فمَرِضَ وهوَ صائمٌ، فقالوا لهُ: أفْطِرْ، فقالَ: ليسَ هذا وقتَ تركٍ! وقيلَ لآخرَ منهُم وهوَ مريضٌ: أفْطِرْ، فقالَ: كيفَ [أفطِرُ وَ] أنا أسيرٌ لا أدْري ما يُفْعَلُ بي (٥)؟ ماتَ عامِرُ بنُ عَبْدِ اللهِ بن الزُّبَيْرِ وهوَ صائمٌ وما أفْطَرَ. ودَخَلوا على أبي بَكْرِ بن أبي مَرْيَمَ وهوَ في النَّزعِ وهوَ صائمٌ، فعَرَضوا عليهِ ماءً

стр. 90

لِيُفْطِرَ، فقالَ: أغَرَبَتِ الشَّمسُ؟ قالوا: لا، فأبى أنْ يُفْطِرَ، ثمَّ أتَوْهُ بماءٍ وقدِ اشْتَدَّ نزعُهُ، فأوْمَأ إليهِم: أغَرَبَتِ الشَّمسُ؟ قالوا: نعم، فقَطَّروا في فيهِ قطرةً [مِن ماءٍ]، ثمَّ ماتَ. واحْتُضِرَ إبْراهيمُ بنُ هانيء صاحبُ الإمام أحْمَدَ وهوَ صائمٌ، وطَلَبَ ماءً، وسَألَ: أغَرَبَتِ الشَّمسُ؟ قالوا: لا، وقالوا لهُ: قد رُخِّصَ لكَ في الفرضِ وأنتَ متطوِّعٌ، قالَ: أمْهِلـ[ـوا]، ثمَّ قالَ (١): ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ [الصافات: ٦١]، ثمَّ خَرَجَتْ نفسُهُ وما أفْطَرَ. الدُّنْيا كلُّها شهرُ صيامِ المتَّقينَ، وعيدُ فطرِهِم يومَ لقاءِ ربِّهِم، ومعظمُ نهارِ الصِّيامِ قد ذَهَب، وعيدُ اللقاءِ قدِ اقْتَرَب. وَقَدْ صُمْتُ عَنْ لَذَّاتِ دَهْرِيَ كُلِّها … وَيَوْمَ لِقاكُمْ ذاكَ فِطْرُ صِيامي لمَّا كانَ الصِّيامُ سرًّا بينَ العبدِ وربِّهِ؛ اجْتَهَدَ المخلصونَ في إخفائِهِ بكلِّ طريقٍ حتَّى لا يَطَّلعَ عليهِم أحدٌ. قالَ بعضُ الصَّالحينَ (٢): بَلَغَنا عن عيسى بن مَرْيَمَ ﵇ أنَّهُ قالَ: إذا كانَ يومُ صومِ أحدِكُم؛ فَلْيَدْهُنْ لحيتَهُ ويَمْسَحْ شفتيهِ مِن دُهنِهِ حتَّى يَنْظُرَ إليهِ النَّاظرُ فيَظُنَّ أنَّهُ ليسَ بصائمٍ. وعنِ ابن مَسْعودٍ؛ قالَ: إذا أصبَحَ أحدُكُم صائمًا؛ فلْيَتَرَجَّلْ (يَعْني: يُسَرِّحْ شعرَهُ ويَدْهُنُهُ)، وإذا تَصَدَّقَ بصدقةٍ عن يمينِهِ؛ فلْيُخْفِها عن شمالِهِ، وإذا صَلَّى تطوُّعًا؛ فلْيُصَليِّ في داخلِ بيتِهِ. وقالَ أبو التَّيَّاحِ: أدْرَكْتُ أبي ومشيخةَ الحيِّ، إذا صامَ أحدُهُمُ؛ ادَّهَنَ ولَبِسَ صالحَ ثيابِهِ. صامَ بعضُ السَّلفِ أربعينَ سنةً لا يَعْلَمُ بهِ أحدٌ: كانَ لهُ دكَّانٌ، فكانَ كل يومٍ يَأْخُذُ مِن بيتِهِ رغيفينِ ويَخْرُجُ إلى دكَّانِهِ فيَتَصَدَّقُ بهِما في طريقِهِ، فيَظُنُّ أهلُهُ أنَّهُ يَأْكُلُهُما في السُّوقِ، ويَظُنُّ أهلُ السُّوقِ أنَّهُ قد أكَلَ في بيتِهِ قبلَ أنْ يَجيءَ.

стр. 91

اشْتُهِرَ بعضُ الصَّالحينَ بكثرةِ الصِّيامِ، فكانَ تقومُ يومَ الجمعةَ في مسجدِ الجامعِ فيَأْخُذُ إبريقَ الماءِ فيَضَعُ بُلْبُلَتَهُ (١) في فيهِ ويَمَصُّها والنَّاسُ يَنْظُرونَ إليهِ ولا يَدْخُلُ حلقَهُ منهُ شيءٌ؛ لِيَنْفِيَ عن نفسِهِ ما اشْتُهِرَ بهِ مِن الصَّومِ. كم يَسْتُرُ الصَّادقونَ أحوالَهُم وريحُ الصِّدقِ يَنُمُّ عليهِم! ما أسَرَّ أحدٌ سريرةً إلَّا ألْبَسَهُ اللهُ رداءَها علانيةً. كَمْ أكْتُمُ حُبَّكُمْ عَنِ الأغْيارِ … وَالدَّمْعُ يُذيعُ في الهَوى أسْراري كَمْ أسْتُرُكُمْ هَتكْتُم أسْتاري … مَنْ يُخْفي في الهَوى لَهيبَ النَّارِ ريحُ الصَّائمِ أطيبُ عندَ اللهِ مِن ريحِ المسكِ، فكلَّما اجْتَهَدَ صاحبُهُ على إخفائِهِ؛ فاحَ ريحُهُ للقلوبِ فتَسْتَنْشِقُهُ الأرواحُ، وربَّما ظَهَرَ بعدَ الموتِ ويومَ القيامةِ. فَكاتِمُ الحُبِّ يَوْمَ البَيْنِ مُنْهتِكٌ … وَصاحِبُ الوَجْدِ لا تَخْفى سَرائِرُهُ لمَّا دُفِنَ عَبْدُ اللهِ بنُ غالِبٍ؛ كانَ يَفوحُ مِن ترابِ قبرِهِ رائحةُ المسكِ، فرُئِيَ في المنامِ، فسُئِلَ عن تلكَ الرَّائحةِ التي توجَدُ مِن قبرِهِ، فقالَ: تلكَ رائحةُ التَلاوةِ والظَّمإ (٢).

стр. 92

وجاءَ في حديثٍ مرفوعٍ: "يَخْرُجُ الصَّائمونَ مِن قبورِهِم يُعْرَفونَ بريحِ صيامِهِم، أفواهُهُم أطيبُ مِن ريحِ المسكِ" (١). وَهَبْني كَتَمْتُ السِّرَّ أوْ قُلْتُ غَيْرَهُ … أتَخْفى عَلى أهْلِ القُلوبِ السَّرائِرُ أبَى ذاكَ أن السِّرَّ في الوَجْهِ ناطِقٌ … وَأنَّ ضَميرَ القَلْبِ في العَيْنِ ظاهِرُ الفصل الثاني: في فضل قيام الليل • وقد دَلَّ حديثُ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ هذا على أنَّهُ أفضلُ الصَّلاةِ بعدَ المكتوبةِ. وهل هوَ أفضلُ مِن السُّننِ الرَّاتبةِ؟ فيهِ خلافٌ سَبَقَ ذكرُهُ (٢). وقال ابنُ مَسْعودٍ ﵁: فضلُ صلاةِ الليلِ على صلاةِ النَّهارِ كفضلِ صدقةِ السِّرِّ على صدقةِ العلانيةِ (٣). وخَرَّجَهُ الطَّبَرانِيُّ عنهُ مرفوعًا، والمحفوظُ وقفُهُ.

стр. 93

وقالَ عَمْرُو بنُ العاصِ: ركعةٌ بالليلِ خيرٌ مِن عشرٍ بالنَّهارِ. خَرَّجَهُ ابنُ أبي الدُّنْيا. • وإنَّما فُضِّلَتْ صلاةُ الليلِ على صلاةِ النَّهارِ: * لأنَّها أبلغُ في الإسرارِ وأقربُ إلى الإخلاصِ. كانَ السَّلفُ يَجْتَهِدونَ على إخفاءِ تهجُّدِهِم: قالَ الحَسَنُ: كانَ الرَّجل يَكونُ عندَهُ زوَّارٌ (١)، فيَقومُ مِن الليلِ يُصَلِّي ولا يَعْلَمُ بهِ زوَّارُهُ. وكانوا يَجْتَهِدونَ في الدُّعاءِ ولا يُسْمَعُ لهُم صوتٌ. وكانَ الرَّجلُ يَنامُ معَ زوجتِهِ على وسادةٍ، فيَبْكي طولَ ليلتِهِ وهيَ لا تَشْعُرُ. وكانَ مُحَمَّدُ بن واسِعٍ يُصَلِّي في طريقِ مكَّةَ طولَ ليلِهِ في محملِهِ، ويَأْمُرُ حاديَهُ أنْ يَرْفَعَ صوتَهُ لِيَشْغَلَ النَّاسَ عنهُ. وكان بعضُهُم يَقومُ في وسطِ الليلِ ولا يُدْرَى بهِ، فإذا كانَ قربَ طلوعِ الفجرِ؛ رَفَعَ صوتَهُ بالقرآنِ، يُوهِمُ أنَّهُ قامَ تلكَ السَّاعةَ. * ولأنَّ صلاةَ الليلِ أشقُّ على النُّفوسِ؛ فإنَّ الليلَ محلُّ النَّومِ والرَّاحةِ مِن التَّعبِ بالنَّهارِ، فتركُ النَّومِ معَ ميلِ النَّفسِ إليهِ مجاهدةٌ عظيمةٌ. قالَ بعضُهُم: أفضلُ الأعمالِ ما أُكْرِهَتِ النُّفوسُ عليهِ. * ولأن القراءة (٢) في صلاةِ الليلِ أقربُ إلى التَّدبُّرِ؛ فإنَّهُ تَنْقَطعُ الشَّواغلُ بالليلِ، ويَحْضرُ القلبُ، ويَتَواطَأُ هوَ واللسانُ على الفهمِ، كما قالَ تَعالى: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ [المزمل: ٦]. ولهذا المعنى أُمِرَ بترتيلِ القرانِ في قيامِ الليلِ ترتيلًا. ولهذا كانَتْ صلاةُ الليلِ منهاةً عن الإثمِ كما يَأْتي في حديثٍ خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ (٣). وفي "المسند": عن أبي هُرَيْرَةَ؛ أن النَّبيَّ ﷺ قيلَ لهُ: إنَّ فلانًا يُصَلِّي مِن الليلِ،

стр. 94

فإذا أصْبَحَ سَرَقَ! فقالَ: "سَيَنْهاهُ ما تَقولُ" (١). * ولأنَّ وقتَ التَّهجُّدِ مِن الليلِ أفضلُ أوقاتِ التَّطوُّعِ بالصَّلاةِ وأقربُ ما يَكونُ العبدُ مِن ربِّهِ، وهوَ وقتُ فتحِ أبوابِ السَّماءِ واستجابةِ الدُّعاءِ واستعراضِ حوائجِ السَّائلينَ. وقد مَدَحَ اللهُ المستيقظينَ بالليلِ لذكرِهِ ودعائِهِ واستغفارِهِ ومناجاتِهِ: فقالَ اللهُ تَعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ. فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٦ - ١٧]. وقالَ: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ [آل عمران: ١٧]. وقالَ: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ. وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات: ١٧ - ١٨]. وقالَ: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾ [الفرقان: ٦٤]. وقالَ: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩]. وقالَ: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ [آل عمران: ١١٣]. وقالَ لنبيِّهِ ﷺ : ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾. وقالَ: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا﴾ [الإنسان: ٢٦]. وقالَ: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ. قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا. نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا. أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ [المزمل: ١ - ٤]. • قالَتْ عائِشَةُ ﵂ لرجلٍ: لا تَدَعْ قيامَ الليلِ؛ فإنَّ رسولَ اللهِ ﷺ كانَ لا يَدَعُهُ، وكانَ إذا مَرِضَ (أو قالَتْ: كَسِلَ) صَلَّى قاعدًا (٢).

стр. 95

وفي روايةٍ أخرى عنها؛ قالَتْ: بَلَغَني عن قومٍ يَقولونَ: إنْ أدَّيْنا الفرائضَ لمْ نُبالِ ألَّا نَزْدادَ! ولَعَمْري؛ لا يَسْألُهُمُ اللهُ إلَّا عمَّا افْتَرَضَ عليهِم، ولكنَّهُم قومٌ يُخْطِئونَ بالليلِ والنَّهارِ، وما أنتُم إلَّا مِن نبيِّكُم، وما نبيُّكُم إلَّا منكُم، واللهِ؛ ما تَرَكَ رسولُ اللهِ ﷺ قيامَ الليلِ. ونَزَعَتْ كلَّ آيةٍ فيها قيامُ الليلِ (١). فأشارَتْ عائِشَةُ ﵂ إلى أن قيامَ الليلِ فيهِ فائدتانِ عظيمتانِ: الاقتداءُ بسنَّةِ رسولِ اللهِ ﷺ والتَّأسِّي بهِ، وقد قالَ تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]. وتكفيرُ الذُّنوبِ والخطايا؛ فإنَّ بني آدَمَ يُخْطِئونَ بالليلِ والنَّهارِ، فيَحْتاجونَ إلى الاستكثارِ مِن مكفِّراتِ الخطايا، وقيامُ الليلِ مِن أعظمِ المكفِّراتِ، كما قالَ النَّبيُّ ﷺ لمُعاذِ بن جَبَلٍ: "قيامُ العبدِ في جوفِ الليلِ يُكَفِّرُ الخطيئةَ". ثمَّ تَلا ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ … ﴾ الآية [السجدة: ١٦] (٢).

стр. 96

خَرَّجَهُ الإمامُ أحْمَدُ وغيرُهُ. وقد رُوِيَ أن المتهجِّدينَ يَدْخُلونَ الجنَّةَ بغيرِ حساب: ورُوِيَ عن: شهرِ بن حَوْشَب، عن أسْماءَ بنتِ يَزيدَ، عن النَّبيِّ ﷺ ؛ قالَ: "إذا جَمَعَ اللهُ الأوَّلينَ والآخِرينَ يومَ القيامةِ؛ جاءَ مناد يُنادي بصوتٍ يُسْمعُ الخلائقَ: سَيَعْلَمُ الخلائقُ اليومَ مَن أولى بالكرمِ. ثمَّ يَرْجِعُ فيُنادي: أينَ الذينَ كانوا لا تُلْهيهِمْ تجارةٌ وَلا بيعٌ عن ذكرِ اللهِ؟ فيقومونَ وهُم قليلٌ. ثمَّ يَرْجِعُ فيُنادي: لِيَقُمِ الذينَ كانوا يَحْمَدونَ الله في السَّرَّاءِ والضَّرَّاءِ! فيَقومونَ وهُم قليلٌ. ثمَّ يَرْجِعُ فيُنادي: لِيَقُمِ الذينَ كانَتْ تتجافى جنوبُهُم عن المضَاجعِ! فيَقومونَ وهُم قليلٌ. ثمَّ يُحاسَبُ سائرُ النَّاسِ" (١). خَرَّجَهُ ابنُ أبي الدُّنيا وغيرُهُ. ويُرْوى عن: شَهْرِ بن حَوْشَب، عن ابن عَبَّاسٍ؛ مِن قولهِ (٢).

стр. 97

ويُرْوى نحوُهُ أيضًا مِن حديثِ: أبي إسْحاقَ، عن عَبْدِ اللهِ بن عَطاءٍ، عن عُقْبَةَ بن عامِرٍ مرفوعًا وموقوفًا (١). ويُرْوى نحوُهُ أيضا عن عُبادَةِ بن الصَّامتِ ورَبيعَةَ الجُرَشِيِّ والحَسَنِ وكَعْبٍ مِن قولهِم (٢). قالَ بعضُ السَّلفِ: قيامُ الليلِ يُهَوِّنُ طولَ القيامِ يومَ القيامةِ، وإذا كانَ أهلُهُ يَسْبِقونَ إلى الجنَّةِ بغيرِ حساب؛ فقدِ اسْتَراحَ أهلُهُ مِن طولِ الموقفِ والحساب. وفي حديثِ أبي أُمامةَ وبلالٍ المرفوعِ: "عليكُم بقيام الليلِ؛ فإنَّهُ دأْبُ الصَّالحينَ قبلَكُم، وإن قيامَ الليلِ قربةٌ إلى اللهِ وتكفيرٌ للسَّيِّئاتِ ومنهاةٌ عن الإثمِ ومطردةٌ للدَّاءِ عن الجسدِ" (٣). خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ.

стр. 98

ففي هذا الحديثِ أنَّ قيامَ الليلِ يوجِبُ صحَّةَ الجسدِ ويَطْرُدُ عنهُ الدَّاءَ. وكذلكَ صيامُ النَّهارِ: ففي الطَّبَرانِيِّ مِن حديثِ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ مرفوعًا: "صوموا تَصِحوا" (١).

стр. 99

وكما أنَّ قيامَ الليلِ يُكَفِّرُ السَّيِّئاتِ فهوَ يَرْفَعُ الدَّرجاتِ، وقد ذَكَرْنا أن أهلَهُ مِن السَّابقينَ إلى الجنَّةِ بغيرِ حسابٍ. وفي حديثِ المنامِ المشهورِ الذي خَرَّجَهُ الإمامُ أحْمَدُ والترْمِذِيُّ: أن الملأ الأعلى يَخْتَصِمونَ في الدَّرجاتِ والكفَّاراتِ، وفيهِ أن الدَّرجاتِ: إطعامُ الطعام، وإفشاءُ السَّلامِ، والصَّلاةُ بالليلِ والنَّاسُ نيامٌ (١).

стр. 100

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 101

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 102

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 103

وفي "المسند" و "التِّرْمِذِيِّ" وغيرِهِما عن النَّبيِّ ﷺ مِن وجوهٍ: أن في الجنَّةِ غرفًا يُرى ظاهرُها مِن باطنِها وباطنُها مِن ظاهرِها وأنها لأهلِ هذهِ الخصالِ الثَّلاثةِ (١).

стр. 104

وفي حديثِ عَبْدِ اللهِ بن سَلامٍ المشهورِ المخرَّجِ في "السُّننِ": أنّهُ أوَّلُ ما سَمعَ النَّبيَّ ﷺ تقولُ عندَ قدومِهِ المدينةَ: "يا أيّها النّاس! أطْعِموا الطّعامَ، وأفْشُوا السَّلامَ، وصِلوا الأرحامَ، وصَلُّوا بالليلِ والناسُ نيامٌ؛ تَدْخُلوا الجنةَ بسلامٍ" (١).

стр. 105

• ومِن فضائلِ التَّهجُّدِ أن الله : يُحِبُّ أهلَهُ، ويُباهي بهمُ الملائكةَ، ويَسْتَجيبُ دعاءَهُم. رَوى الطَّبَرانِيُّ وغيرُهُ مِن حديثِ: أبي الدَّرْداءِ، عن النَّبيِّ ﷺ ؛ قالَ: "ثلاثة يُحِبُّهُمُ اللهُ ويضحَكُ إليهِم ويَسْتَبْشِرُ بهِم … (فذَكَرَ منهُمُ) الذي لهُ امرأةٌ حسناءُ وفراشٌ حسنٌ فيَقومُ مِن الليلِ، فيقولُ اللهُ: يَذَرُ شهوتَهُ فيَذْكُرُني ولو شاءَ رَقَدَ. والذي إذا كانَ في سفرٍ وكانَ معَهُ ركبٌ فسَهِروا ثمَّ هَجَعوا، فقامَ مِن السَّحرِ في ضرَّاءَ وسرَّاءَ" (١). وخَرَّجَ الإمامُ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ مِن حديثِ: أبي ذَرٍّ، عن النّبي ﷺ ؛ قالَ: "ثلاثةٌ يُحِبُّهُم اللهُ … (فذَكَرَ منهُم) وقومٌ ساروا ليلَهُم، حتَّى إذ كانَ النَّومُ أحبَّ إليهِم ممَّا يُعْدَلُ بهِ فوَضَعوا رؤوسَهُم؛ قامَ يَتَمَلَّقُني ويَتْلو آياتي" (٢). وصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ.

стр. 106

وفي "المسند": عن ابن مَسْعودٍ، عن النَّبيِّ ﷺ ؛ قالَ: "عَجِبَ ربُّنا مِن رجلٍ ثارَ عن وطائِهِ ولحافِهِ مِن بين أهلِهِ وحبِّهِ إلى صلاتِهِ، فيَقولُ ربُّنا ﵎: يا ملائكتي! انْظُروا إلى عبدي، ثارَ مِن فراشِهِ ووطائِهِ مِن بين أهلِهِ وحبِّهِ إلى الصَّلاةِ؛ رغبةً فيما عندي وشفقةً ممَّا عندي … " وذَكَرَ بقيَّةَ الحديثِ (١). وقولُهُ "ثارَ" فيهِ إشارةٌ إلى قيامِهِ بنشاطٍ وعزمٍ.

стр. 107

ويُرْوى مِن حديثِ: عَطِيَّةَ، عن أبي سَعيدٍ، عن النَّبي ﷺ ؛ قالَ: "إن الله يَضْحَكُ إلى ثلاثةِ نفرٍ: رجلٍ قامَ مِن جوفِ الليلِ فأحْسَنَ الطَّهورَ فصَلَّى، ورجلٍ نامَ وهوَ ساجدٌ، ورجلٍ في كتيبةٍ منهزمةٍ فهوَ على فرسٍ جوادٍ لو شاءَ أنْ يَذْهَبَ لَذَهَبَ" (١). وخَرَّجَهُ ابنُ ماجَهْ مِن روايةِ: مُجالِدٍ (٢)، عن أبي الوَدَّاكِ، عن أبي سَعيدٍ، عن النَّبيِّ ﷺ ؛ قالَ: "إنَّ الله لَيَضْحَكُ إلى ثلاثةٍ: الصَّفِّ في الصَّلاةِ، والرَّجلِ يُصَلِّي في جوفِ الليلِ، والرَّجلِ يُقاتِلُ (أُراهُ قالَ:) خلفَ الكتيبةِ" (٣). ورُوِّينا مِن حديثِ: أبَانَ، عن أنَسٍ، عن رَبيعَةَ بن وَقَاصٍ، عن النَّبيّ ﷺ ؛ قالَ: "ثلاثُ مواطنَ لا تُرَدُّ فيها دعوةٌ: رجلٌ يَكونُ في بَرِّيَّةٍ حيثُ لا يَراهُ أحدٌ فيَقومُ فيُصَلِّي، فيَقولُ اللهُ لملائكتِهِ: أرى عبدي هذا يَعْلَمُ أن لهُ ربًّا يَغْفِرُ الذُّنوبَ، فانْظُروا ما يَطْلُبُ. فيَقولُ الملائكةُ: أي ربِّ! رضاكَ ومغفرتَكَ. فيَقولُ: اشْهَدوا أنِّي قد غَفَرْتُ لهُ ورَضِيتُ عنهُ. ورجلٌ يقومُ مِن الليلِ، فيقولُ اللهُ : أليسَ قد جَعَلْتُ الليلَ سكنًا والنَّومَ سباتًا، فقامَ عبدي هذا يُصَلِّي، يَعْلَمُ أن لهُ ربًّا [يَغْفِرُ الذُنوبَ]. فيَقولُ اللهُ لملائكتِهِ: انْظُروا ما يَطْلُبُ عبدي هذا. فتَقولُ الملائكةُ: يا ربِّ! رضاكَ ومغفرتَكَ. فتقولُ: اشْهَدوا أنِّي قد غَفَرْتُ لهُ … " وذَكَرَ الثَّالثَ الذي يَكونُ في فئةٍ فيَفِرُّ أصحابُهُ ويَثْبُتُ

стр. 108

هوَ (١). وهوَ مذكور أيضًا في كلِّ الأحاديثِ المتقدِّمةِ. وفي "المسند" و "صحيح ابن حِبَّان": عن عُقْبَةَ بن عامر، عن النَّبيِّ ﷺ ؛ قالَ: "رجلانِ مِن أُمَّتي: تقومُ أحدُهُما مِن الليلِ فيُعالجُ نفسَهُ إلى الطهورِ وعليهِ عُقَدٌ فَيَتَوَضَّأُ: فإذا وَضَّأ يديهِ انْحَلَّتْ عقدةٌ، وإذا وَضَّأ وجهَهُ انْحَلَّتْ عقدةٌ، وإذا مَسَحَ رأْسَهُ انْحَلَّت عقدةٌ، وإذا وَضَّأ رجليهِ انْحَلَّتْ عقدةٌ. فتقولُ الرَّبُّ للذينَ وراءَ الحجابِ: انْظُروا إلى عبدي هذا يُعابُ نفسَهُ، ما سَألَني عبدي هذا فهوَ لهُ" (٢). وفي الصَّحيحينِ (٣) أن النَّبي ﷺ قالَ: "نِعْمَ الرَّجلُ عبدُ اللهِ (يَعْني: ابنَ عُمَرَ) (٤) لو كانَ يُصَلِّي مِن الليلِ". فكانَ عبدُ اللهِ لا يَنامُ بعدَ ذلكَ مِن الليلِ إلَّا قليلًا. كانَ أبو ذَرٍّ ﵁ يَقولُ للنَّاسِ: أرَأيْتُمْ لوْ أن أحَدَكُمْ أرادَ سفرًا؛ أليسَ يَتَّخِذُ مِن الزَّادِ ما يُصْلِحُهُ ويُبَلِّغُهُ؟ قالوا: بلى. قالَ: فسفرُ طريقِ القيامةِ أبعدُ، فخُذوا لهُ ما يُصْلِحُكُم؛ حُجُّوا حَجَّةً لعظائمِ الأُمور، صوموا يومًا شديدًا حرُّهُ لحرِّ يومِ النُّشور، صَلُّوا ركعتينِ في ظلمةِ الليلِ لظلمةِ القبور، تَصَدَّقوا صدقة لشرّ يومٍ عسير. أينَ رجالُ الليل؟! أينَ الحَسَنُ وسُفْيانُ وفُضَيْل؟! يا رِجالَ اللَيْلِ جِدُّوا … رُبَّ داعٍ لا يُردُّ

стр. 109

ما يَقومُ اللَيْلَ إلَّا … مَنْ لَهُ عَزْمٌ وَجِدُّ لَيْسَ شَيْءٌ كَصَلاةِ الْـ … ـــــلَيْلِ لِلْقَبْرِ يُعَدُّ صَلَّى كثيرٌ مِن السَّلفِ صلاةَ الصُّبحِ بوضوءِ العشاءِ عشرينَ سنةً، ومنهُم مَن صَلَّى كذلكَ أربعينَ سنةً. قالَ بعضُهُم: منذُ أربعينَ سنةً ما أحْزَنَني إلَّا طلوعُ الفجرِ. قالَ ثابِتٌ: كابَدْتُ (١) قيامَ الليلِ عشرينَ سنةً، وتَنَعَّمْتُ بهِ عشرينَ سنة أُخرى. • أفضلُ قيامِ الليلِ وسطُهُ (٢). قالَ النَّبيُّ ﷺ : "أفضلُ القيامِ قيامُ داوودَ، كانَ يَنامُ نصفَ الليلِ ويقومُ ثلثَهُ ويَنامُ سدسَهُ" (٣). وكانَ رسولُ اللهِ ﷺ إذا سَمعَ الصَّارخَ يَقومُ للصَّلاةِ (٤). والصَّارخُ: الدِّيكُ، وهوَ يَصيحُ وسطَ الليلِ. وخَرَّجَ النَّسائيُّ عن أبي ذَرٍّ؛ قالَ: سَألْتُ النَّبيَّ ﷺ : أيُّ الليلِ (٥) خيرٌ؟ قالَ: "جوفُهُ" (٦). وخَرَّجَ الإمامُ أحْمَدُ عن أبي ذَرٍّ؛ قالَ: سَألْتُ النَّبي ﷺ : أيُّ قيامِ الليلِ أفضلُ؟ قالَ: "جوفُ الليلِ الغابرِ (أو: نصفُ الليلِ)، وقليل فاعلُهُ" (٧).

стр. 110

وخَرَّجَ ابنُ أبي الدُّنْيا مِن حديثِ أبي أُمامَةَ؛ أن رجلًا قالَ: يا رَسولَ اللهِ! أيُّ الصَّلاةِ أفضلُ؟ قالَ: "جوفُ الليلِ الأوسطُ". قالَ: أيُّ الدُّعاءِ أسمعُ؟ قالَ: "دبرَ الصَّلواتِ المكتوباتِ" (١). وخَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ، ولفظُهُما؛ أنّهُ سَألَهُ: أيُّ الدُّعاءِ أسمعُ؟ قالَ: "جوفُ الليلِ الآخرِ ودبرَ الصَّلواتِ المكتوباتِ" (٢). وخَرَّجَ التِّرْمِذِيُّ مِن حديثِ عَمْرِو بن عَبَسَةَ؛ [أنَّهُ] سَمعَ النَّبيَّ ﷺ يَقولُ: "أقربُ ما يَكونُ الرَّبُّ مِن العبدِ في جوفِ الليلِ، فإنِ اسْتَطَعْتَ أنْ تَكونَ ممَّن يَذْكُرُ الله في تلكَ السَّاعةِ؛ فكُنْ" (٣).
следующие страницы →