← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 1151

لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف - ت عامر

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (739 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

ويُفْسِدُهُ، فإذا نُظِّفَتِ الأرضُ مِن دغلِها زَكا ما يَنْبُتُ فيها ونَما. قالَ يَحْيى بنُ مُعاذٍ: كم مِن مُسْتَغْفِرٍ ممقوتٍ وساكتٍ مرحومٍ؛ هذا اسْتَغْفَرَ وقلبُهُ فاجرٌ، وهذا سَكَتَ وقلبُهُ ذاكرٌ (١). وقالَ غيرُهُ: ليسَ الشَّأْنُ فيمَن يَقومُ الليلَ، إنَّما الشَّأْنُ فيمَن يَنامُ على فراشِهِ ثمَّ يُصْبِحُ وقد سَبَقَ الرَّكبَ. مَن سارَ على طريقِ الرَّسولِ ﷺ ومنهاجِهِ وإنِ اقْتَصَد فإنَّهُ يَسْبِقُ مَن سارَ على غيرِ طريقِهِ وإنِ اجْتَهَد. مَنْ لي بِمِثْلِ سَيْرِكَ المُدَلَّلِ … تَمْشي رُوَيْدًا وتَجي في الأوَّلِ • والمقصودُ أنَّ هذا الباهِلِيَ لمَّا رَآهُ النَّبيُّ ﷺ وقد أنْهَكَهُ الصَّومُ وغَيَّرَ هيئتَهُ وأضَرَّ بهِ في جسدِهِ؛ أمَرَهُ [أوَّلًا] أنْ يَقْتَصِرَ على صيامِ شهرِ الصَّبرِ، وهوَ شهرُ رمضانَ؛ فإنَّهُ الشَّهرُ الذي افْتَرَضَ اللهُ صيامَهُ على المسلمينَ، واكْتَفى منهُم بصيامِهِ مِن السَّنةِ كلِّها، وصيامُهُ كفَّارةٌ لِما بينَ الرَّمضانينِ إذا اجْتُنِبَتِ الكبائرُ. فطَلَبَ منهُ الباهِلِيُّ أنْ يَزيدَهُ مِن الصِّيامِ ويَأْمُرَهُ بالتَّطوُّعِ وأخْبَرَهُ أنَّهُ يَجِدُ قوَّةً على الصِّيامِ، فقالَ لهُ: "صُمْ يومًا مِن الشَّهرِ". فاسْتَزادَهُ، وقالَ: إنِّي أجِدُ قوَّةً. فقالَ: "صُمْ يومينِ مِن الشَّهرِ". فاسْتَزادَهُ، وقالَ: إنِّي أجِدُ قوَّةً. فقالَ: "صُمْ ثلاثةَ أيَّامٍ مِن الشَّهرِ". قالَ: وألَحَّ عندَ الثَّالثةِ فما كادَ؛ يَعْني: ما كادَ يَزيدُهُ على الثَّلاثةِ أيَّامٍ مِن الشَّهرِ. وهكذا قالَ لعَبْدِ اللهِ بنِ عَمْرِو بنِ العاصِ أيضًا، ففي "صحيح مسلم" (٢) عنهُ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ لهُ: "صُمْ يومًا (يَعْني: مِن الشَّهرِ) ولكَ أجرُ ما بَقِيَ". قالَ: إنِّي أُطيقُ أكثرَ مِن ذلكَ. قالَ: "صُمْ يومينِ ولكَ أجرُ ما بَقِيَ". قالَ: إنِّي أُطيقُ أكثرَ مِن ذلكَ. قالَ: "صُمْ ثلاثةَ أيَّامٍ ولكَ أجرُ ما بَقِيَ". ففي هذا أنَّ صيامَ يومٍ مِن الشَّهرِ يَحْصُلُ بهِ أجرُ صيامِ الشَّهرِ كلِّهِ، وكذلكَ صيامُ

стр. 562

يومينِ منهُ. ووجهُ ذلكَ أنَّ الصِّيامَ يُضاعَفُ ما لا يُضاعَفُ غيرُهُ مِن الأعمالِ، وقد سَبَقَ ذكرُ ذلكَ عندَ الكلامِ على حديثِ "كلُّ عملِ ابنِ آدَمَ لهُ الحسنةُ بعشرِ أمثالِها إلى سبعِ مئةِ ضعفٍ، قالَ اللهُ : إلَّا الصِّيامَ؛ فإنَّهُ لي وأنا أجزي بهِ" (١)، فالصِّيامُ لا يَعْلَمُ منتهى مضاعفتِهِ إلَّا اللهُ ، وكلَّما قَوِيَ الإخلاصُ فيهِ وإخفاؤُهُ وتنزيهُهُ عنِ المحرَّماتِ والمكروهاتِ؛ كَثُرَتْ مضاعفتُهُ. فلا يُسْتَنكرُ أنْ يَصومَ الرَّجلُ يومًا مِن الشَّهرِ فيُضاعَفَ لهُ بثوابِ ثلاثينَ يومًا فيُكْتَبَ لهُ صيامُ الشَّهرِ كلِّهِ. وكذلكَ إذا صامَ يومينِ مِن الشَّهرِ. وأمَّا إذا صامَ منهُ ثلاثةَ أيَّامٍ؛ فهوَ ظاهرٌ؛ لأنَّ الحسنةَ بعشرِ أمثالِها. وخَرَّجَ التِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ عن أبي ذَرٍّ؛ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : "مَن صامَ مِن كلِّ شهرٍ ثلاثةَ أيَّامٍ؛ كانَ كمَن صامَ الدَّهرَ". فأنْزَلَ اللهُ تَعالى تصديقَ ذلكَ: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٥]؛ اليومُ بعشرةِ أيَّامٍ (٢). وفي الصَّحيحينِ (٣): عن عَبْدِ اللهِ بنِ عَمْرٍو؛ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : "صُمْ مِن الشَّهرِ ثلاثةَ أيَّامٍ؛ فإنَّ الحسنةَ بعشرِ أمثالِها، وذلكَ مثلُ صيامِ الدَّهرِ".

стр. 563

وفي روايةٍ فيهِما أيضًا (١): "إنَّ بحسبِكَ أنْ تَصومَ مِن كلِّ شهرٍ ثلاثةَ أيَّامٍ؛ فإنَّ لكَ بكل حسنةٍ عشرَ أمثالِها، فإذنْ ذلكَ صيامُ الدَّهرِ كلِّهِ". وفي "المسند": عن قُرَّةَ المُزَنِيِّ، عنِ النَّبيِّ ﷺ ؛ قالَ: "صيامُ ثلاثةِ أيَّامٍ مِن كلِّ شهرٍ صيامُ الدَّهرِ وإفطارُهُ" (٢)؛ يَعْني: صيامَهُ في مضاعفةِ اللهِ وإفطارَهُ في رخصةِ اللهِ، كما كانَ أبو هُرَيْرَةَ وأبو ذَرٍّ ﵄ يَقولانِ ذلكَ، وكانا يَصومانِ ثلاثةَ أيَّامٍ مِن كلِّ شهرٍ ويَقولانِ في سائرِ أيَّامِ الشَّهرِ: نحنُ صيامٌ، ويَتَأوَّلانِ أنَّهُما صيامٌ في مضاعفةِ اللهِ وهُما مفطرانِ في رخصةِ اللهِ. وقد وَصَّى النَّبيُّ ﷺ جماعةً مِن أصحابِهِ بصيامِ ثلاثةِ أيَّامٍ مِن كلِّ شهرٍ، منهُم أبو هُرَيْرَةَ وأبو الدَّرْداءِ وأبو ذَرٍّ وغيرُهُم (٣).

стр. 564

وفي "المسند": أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ في صيامِ ثلاثةِ أيَّامٍ مِن كلِّ شهرٍ: "هوَ صومٌ حسنٌ" (١). وفيهِ أيضًا: عن أبي ذَرٍّ؛ قالَ: سَمِعْتُ النَّبيَّ ﷺ يَقولُ: "صومُ شهرِ الصَّبرِ وثلاثةِ أيَّامٍ مِن كلِّ شهرٍ صومُ الدَّهرِ ويُذْهِبُ مغلَّةَ الصَّدرِ". قُلْتُ: وما مغلَّةُ الصَّدرِ؟ قالَ: "رجسُ الشَّيطانِ" (٢). وفيهِ أيضًا: عن رجلٍ، عنِ النَّبيِّ ﷺ ؛ قالَ: "صيامُ شهرِ الصَّبرِ وثلاثةِ أيَّامٍ مِن كلِّ شهرٍ يُذْهِبْنَ كثيرًا مِن وحرِ الصَّدرِ" (٣). وفي غيرِ هذهِ الرِّوايةِ: "وغرِ الصَّدرِ". وهُما بمعنًى واحدٍ، يُقالُ: وَحَرَ صدرُهُ ووَغَرَ إذا كانَ فيهِ غلٌّ وغشٌّ، وقيلَ: الوحرُ الغلُّ

стр. 565

والوغرُ الغيظُ. وقد كانَ النَّبيُّ ﷺ يَتَحَرَّى صيامَ ثلاثةِ أيَّامٍ مِن كلِّ شهرٍ، وكذلكَ كانَ إبْراهيمُ ﵇: كما خَرَّجَهُ ابنُ ماجَهْ مِن حديثِ عَبْدِ اللهِ بنِ عَمْرِو بنِ العاصِ مرفوعًا؛ قالَ: "صيامُ إبْراهيمَ ثلاثةُ أيَّامٍ مِن كلِّ شهرٍ؛ صامَ الدَّهرَ وأفْطَرَ الدَّهرَ" (١). وفي "السنن": عن حَفْصَةَ؛ أنَّ النَّبيَّ ﷺ كانَ يَصومُ العشرَ وعاشوراءَ وثلاثةَ أيَّامٍ مِن كلِّ شهرٍ (٢). وفي إسنادِهِ اختلافٌ. • وفي "صحيح مسلم" (٣): عن عائِشَةَ؛ أنَّ النَّبي ﷺ كانَ يَصومُ ثلاثةَ أيَّامٍ مِن كلِّ شهرٍ. قيلَ لها: مِن أيِّهِ كانَ يَصومُ؟ قالَتْ: كانَ لا يُبالي مِن أيِّهِ صامَ. * ففي هذا الحديثِ أنَّهُ ﷺ لم يَكُنْ يُبالي مِن أيِّ الشَّهرِ صامَ الأيَّامَ الثَّلاثةَ. وقد رُوِيَ في صفةِ صيامِ النَّبيِّ ﷺ للأيَّامِ الثَّلاثةِ مِن الشَّهرِ أنواعٌ أُخرُ: * أحدُها: ما خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِن حديثِ عائِشةَ؛ قالَتْ: كانَ رسولُ اللهِ ﷺ يَصومُ مِن الشَّهرِ السَّبتَ والأحدَ والاثنينِ، ومِن الشَّهرِ الآخرِ الثُّلاثاءَ والأربعاءَ والخميسَ (٤). وقالَ: حديثٌ حسنٌ. وذَكَرَ أنَّ بعضَهُم رواهُ موقوفًا - يَعْني: مِن فعلِ

стр. 566

عائِشَةَ - غيرَ مرفوعٍ. * الثَّاني: ما خَرَّجَهُ أبو داوودَ وغيرُهُ مِن حديثِ حَفْصَةَ؛ أنَّ النَّبيَّ ﷺ كانَ يَصومُ ثلاثةَ أيَّامٍ مِن كلِّ شهرٍ؛ الاثنينِ والخميسِ والاثنينِ مِن الجمعةِ الأُخرى (١). فعلى هذهِ الرِّوايةِ كانَ ﷺ يَجْعَلُها مِن أوَّلِ الشَّهرِ ولا يُوالي بينَها، بل كانَ يَتَحَرَّى بها يومَ الاثنينِ مرَّتينِ والخميسِ مرَّةً. * الثَّالثُ: عكسُ الثَّاني. خَرَّجَهُ النَّسائِيُّ مِن حديثِ حَفْصَةَ أيضًا، أنَّ النَّبيَّ ﷺ كانَ يَصومُ مِن كلِّ شهرٍ ثلاثةَ أيَّامٍ؛ أوَّلَ اثنينِ مِن الشَّهرِ ثمَّ الخميسَ ثمَّ الخميسَ الذي يَليهِ (٢). وفي روايةٍ لهُ أيضًا: أوَّلَ اثنينِ مِن الشَّهرِ وخميسينِ (٣). وخَرَّجَ أبو داوودَ مِن حديثِ أُمِّ سَلَمَةَ عنِ النَّبيِّ ﷺ معنى ذلكَ (٤). * وفي روايةٍ في "المسند": "الاثنينِ والجمعةَ والخميسَ" (٥). وكأنَّها غيرُ محفوظةٍ، فإنْ كانَـ[ـتْ] محفوظةً؛ فهوَ نوعٌ رابعٌ. * والنَّوعُ الخامسُ: ما خَرَّجَهُ أبو داوودَ والنَّسائِيُّ والتِّرْمِذِيُّ مِن حديثِ ابنِ مَسْعودٍ؛ أنَّ النَّبيَّ ﷺ كانَ يَصومُ مِن غرَّةِ كلِّ شهرٍ ثلاثةَ أيَّامٍ (٦). وحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ وذَكَرَ

стр. 567

أنَّ بعضَهُم لم يَرْفَعْهُ؛ يَعْني: أنَّهُ وَقَفَهُ على ابنِ مَسْعودٍ. وظاهرُ هذا أنَّهُ كانَ يُوالي بينَ الأيَّامِ الثلاثةِ مِن أوَّلِ كل شهرٍ. * والنَّوعُ السَّادسُ: أنَّهُ كانَ يَصومُ أيَّامَ البيضِ: فخَرَّجَ النَّسائِيُّ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ؛ أنَّ النَّبيِّ ﷺ كانَ لا يَدَعُ صيامَ أيَّامِ البيضِ في حضرٍ ولا سفرٍ (١). وخَرَّجَ التِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ عن أبي ذَرٍّ؛ أنَّ النَّبيَّ ﷺ -أمَرَهُ بصيامِ أيَّامِ البيضِ؛ ثلاثَ عشرة وأربعَ عشرة وخمس عشرةَ (٢).

стр. 568

وفي السُّننِ الأربعةِ خلا التِّرْمِذِيِّ: عن قَتادَةَ بنِ مِلْحانَ، عنِ النَّبيِّ ﷺ … نحوُهُ (١). وخَرَّجَ النَّسائِيُّ مِن حديثِ جريرٍ البَجَلِيِّ عنِ النَّبيِّ ﷺ نحوَهُ أيضًا (٢).

стр. 569

وقد رُوِيَ عنِ الحَسَنِ أنَّهُ كانَ يَصومُ خمسةَ أيَّامٍ مِن أوَّلىِ الشَّهرِ وتقولُ: ما يُدْريني لعلِّي لا أدْرِكُ البيضَ. وفي كتابِ "مناقب الحسن" لأبي حَيَّانَ التَّوْحيدِيِّ؛ أنَّ رجلًا سَألَ الحَسَنَ: لأيِّ شيءٍ اسْتُحِبَّ صيامُ أيَّامِ البيضِ؟ فلمْ يَدْرِ ما يَقولُ. فقالَ أعرابيٌّ [عندَهُ]: لأنَّ القمرَ يَنكَسِفُ في لياليهنَّ، فيَكونُ النَّاسُ عندَ حدوثِ الآياتِ على عبادةٍ. فقالَ الحسنُ: خُذوها مِن غيرِ فقيهٍ. • وفي حديثِ الباهِلِيِّ (١) أنَّهُ قالَ للنَّبيِّ ﷺ بعدَ ذلكَ: إنِّي أجِدُ قوَّةً وإنِّي أُحِبُّ أنْ تَزيدَني. فقالَ لهُ: "فمِن الحرمِ وأفْطِرْ". وفي روايةٍ: "صُمِ الحرمَ وأفْطِرْ". وفي روايةٍ قالَ: "صُمِ الأشهرَ الحرمَ". فهذا دليلٌ (٢) على فضلِ صيامِ الأشهرِ الحرمِ الأربعةِ التي ذَكَرَها اللهُ تَعالى في كتابِهِ بقولِهِ: ﴿مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ [التَّوبة: ٣٦]، وقد فَسَّرَها النَّبيُّ ﷺ في حديثِ أبي بَكْرَةَ بأنَّها ثلاثةٌ متوالياتٌ؛ ذو القعدةِ وذو الحجَّةِ والمحرَّمُ وشهرُ رجبٍ. وقد ذَكَرْناهُ في وظيفةِ شهرِ رجبٍ (٣). وذَكَرْنا عنِ ابنِ عَبَّاسٍ أنَّ العملَ الصَّالحَ والأجرَ في هذهِ الحرمِ أعظمُ (٤). وذَكَرْنا في وظائفِ المحرَّمِ قولَ النَّبيِّ ﷺ : "أفضلُ الصِّيامِ بعدَ رمضانَ شهرُ اللهِ الذي تَدْعونَهُ المحرَّمَ" (٥). وسيأْتي في وظائفِ ذي الحجَّةِ ذكرُ فضلِ صيامِ عشرِ ذي الحجَّةِ إنْ شاءَ اللهُ

стр. 570

تَعالى (١). وقد كانَ كثير مِن السَّلفِ يَصومُ الأشهرَ الحرمَ كلَّها، رُوِيَ ذلكَ عنِ ابنِ عُمَرَ والحَسَنِ البَصْرِيِّ وأبي إسْحاقَ السَّبيعِيِّ (٢). وقال سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ: الأشهرُ الحرمُ أحبُّ إليَّ أنْ أصومَ منها. وروى خَلاَّد الصَّفَّارُ عن أبي مُسْلِمٍ؛ قالَ: صيامُ يومٍ مِن أشهرِ الحجِّ (أو قالَ: أشهرِ الحرمِ) يَعْدِلُ شهرًا، وصيامُ يومٍ مِن غيرِ الأشهرِ الحرمِ يَعْدِلُ عشرًا (٣). ورُوِيَ عنِ النَّخَعِيِّ نحوُهُ، لكنَّهُ قالَ: مِن المحرَّمِ. فيُحْتَمَلُ أنَّهُ أرادَ جنسَ الأشهرِ المحرَّمةِ (٤). ورُوِيَ معناهُ مرفوعًا من حديثِ أنَسٍ، وإسنادُهُ ضعيفٌ جدًّا (٥). ويُرْوى بإسنادٍ مجهولٍ عن أنسٍ مرفوعًا: "مَن صامَ مِن شهرٍ حرامٍ الخميسَ والجمعةَ والسَّبتَ؛ كتَبَ اللهُ لهُ عبادةَ تسعِ مئةِ سنةٍ" (٦).

стр. 571

وقالَ كَعْبٌ: اخْتارَ اللهُ الزَّمانَ، فأحَبُّهُ إليهِ الأشهرُ الحرمُ. ويُرْوى مِن حديثِ أبي هُرَيْرَةَ مرفوعًا ولا يَصِحُّ (١). وعن قَيْسِ بنِ عُبادٍ؛ قالَ: ليسَ في الأشهرِ الحرمِ شهرٌ إلَّا في اليومِ العاشرِ منهُ خيرٌ. قالَ: ففي ذي الحجَّةِ في العاشرِ النَّحرُ يومُ الحجِّ الأكبرِ، وفي المحرَّمِ العاشرُ عاشوراءُ، وفي العاشرِ مِن رجبٍ ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ [الرَّعد: ٣٩]. قالَ الرَّاوي: ونَسِيتُ ما قالَ في ذي القعدةِ (٢). وقد تَقَدَّمَ في ذكرِ وظيفةِ رجبٍ أنَّهُ رُوِيَ عن عَبْدِ اللهِ بنِ عَمْرِو بنِ العاصِ أنَّهُ ذَكَرَ مِن عجائبِ الدُّنيا بأرضِ عادٍ عمودً [ا] مِن نحاسٍ عليهِ شجرةٌ مِن نحاسٍ، فإذا كانَ في الأشهرِ الحرمِ؛ قَطَرَ منها الماءُ، فمَلَؤُوا منهُ حياضَهُم وسَقَوْا مواشيَهُم وزروعَهُم، فإذا ذَهَبَتِ الأشهرُ الحرمُ؛ انْقَطَعَ الماءُ (٣). • وذو القَعْدَةِ مِن الأشهرِ الحرمِ بغيرِ خلافٍ، وهوَ أوَّلُ الأشهرِ الحرمِ المتواليةِ. وهل هوَ أوَّلُ الحرمِ مطلقًا أم لا فيهِ اختلافٌ ذَكَرْناهُ في وظيفةِ رجبٍ. وهوَ أيضًا مِن أشهرِ الحجِّ التي قالَ اللهُ تَعالى فيها: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧]. وقيلَ: إنَّ تحريمَ ذي القَعْدَةِ كانَ في الجاهليَّةِ لأجلِ السَّيرِ إلى الحجِّ، وسُمِّيَ ذا القَعْدَةِ لقعودِهِم فيهِ عنِ القتالِ، وتحريمُ المحرَّمِ لرجوعِ النَّاسِ فيهِ

стр. 572

مِن الحجِّ إلى بلادِهِم، وتحريمُ ذي الحجَّةِ لوقوعِ حجِّهِم فيهِ، وتحريمُ رجبٍ كانَ للاعتمارِ فيهِ مِن البلادِ القريبةِ. ومِن خصائصِ ذي القَعْدَةِ: أنَّ عُمَرَ النَّبيِّ ﷺ -كلَّها كانَتْ في ذي القَعْدَةِ سوى عمرتِهِ التي قَرَنَها بحجَّتِهِ، معَ أنَّهُ ﷺ أحْرَمَ بها أيضًا في ذي القَعْدَةِ وفَعَلَها في ذي الحجَّةِ معَ حجَّتِهِ. وكانَتْ عُمَرُهُ ﷺ أربعًا: عمرةُ الحُدَيْبِيَةِ، ولمْ يُتِمَّها، بل تَحَلَّلَ منها ورَجَعَ. وعمرةُ القضاءِ مِن قابلٍ. وعمرةُ الجِعْرَانَةِ عامَ الفتحِ لمَّا قَسَمَ غنائمَ حُنَيْنٍ، وقيلَ: إنَّها كانَتْ في آخرِ شوَّالٍ، والمشهورُ أنَّها كانَتْ في ذي القَعْدَةِ، وعليهِ الجمهورُ. وعمرتُهُ في حجَّةِ الوداعِ كما دَلَّتْ عليهِ النُّصوصُ الصَّحيحةُ وعليهِ جمهورُ العلماءِ أيضًا (١). وقد رُوِيَ عن طائفةٍ مِن السَّلفِ - منهُمُ ابنُ عُمَرَ وعائِشَةُ وعَطاءٌ - تفضيلُ عمرةِ ذي القَعْدَةِ وشوَّالٍ على عمرةِ رمضانَ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ اعْتَمَرَ في [ذي] القَعْدَةِ، وفي أشهرِ الحجِّ حيثُ يَجِبُ عليهِ الهديُ إذا حَجَّ مِن عامِهِ؛ لأنَّ الهديَ زيادةُ نسكٍ، فيَجْتَمعُ نسكُ العمرةِ معَ نسكِ الهديِ. ولذي القَعْدَةِ فضيلةٌ أُخرى، وهيَ أنَّهُ قد قيلَ: إنَّهُ الثَّلاثونَ يومًا الذي واعَدَ اللهُ فيهِ موسى ﵇، قالَ لَيْثٌ عن مُجاهِدٍ في قولهِ تَعالى: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً﴾؛ قالَ: ذو القَعْدَةِ، ﴿وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ﴾ [الأعراف: ١٤٢]؛ قالَ: عشرُ ذي الحجَّةِ (٢). يا مَن لا يُقْلعُ عنِ ارتكابِ الحرامِ لا في شهرٍ حلالٍ ولا في شهرٍ حرام! يا مَن هوَ في الطَّاعاتِ إلى وراءَ وراءَ وفي المعاصي إلى قدَّام! يا مَن هوَ في كلِّ يومٍ مِن عمرِهِ شرٌّ ممَّا كانَ قبلَهُ مِن الأيَّام! متى تَسْتَفيقُ مِن هذا المنام؟! متى تَتوبُ مِن هذهِ الأجرام؟! يا مَن أنْذَرَهُ الشَّيبُ بالموتِ وهوَ مقيمٌ على الآثام! أما كفاكَ واعظُ الشَّيبِ معَ واعظِ القرآنِ

стр. 573

والإسلام؟! الموتُ خيرٌ لكَ مِن الحياةِ على هذهِ الحالِ والسَّلام. يا غادِيًا في غَفْلَةٍ وَرائِحا … إلى مَتى تَسْتَحْسِنُ القَبائِحا وَكَمْ إلى كَمْ لا تَخافُ مَوْقِفًا … يَسْتَنْطِقُ اللهُ بهِ الجَوارِحا وا عَجَبًا مِنْكَ وَأنْتَ مُبْصِرٌ … كَيْفَ تَجَنَّبْتَ الطَّريقَ الواضحا وَكَيْفَ تَرْضى أنْ تَكونَ خاسِرًا … يَوْمَ يَفوزُ مَنْ يَكونُ رابِحا (١) * * *

стр. 574

وظائف شهر ذي الحجة ويَشْتَمِلُ على مجالسَ: المجلس الأول في فضل عشر ذي الحجة خَرَّجَ البُخارِيُّ (١) مِن حديثِ: ابنِ عَبَّاسٍ، عنِ النَّبيِّ ﷺ ؛ قالَ: "ما مِن أيَّامٍ العملُ الصَّالحُ فيها أحبُّ إلى اللهِ مِن هذهِ الأيَّامِ (يَعْني: أيَّامَ العشرِ) ". قالوا: يا رسولَ اللهِ! ولا الجهادُ في سبيلِ اللهِ. قالَ: ولا الجهادُ في سبيلِ اللهِ؛ إلَّا رجلًا خَرَجَ بنفسِهِ ومالِهِ ثمَّ لم يَرْجِعْ مِن ذلكَ بشيءٍ". الكلامُ في فضلِ عشرِ ذي الحجَّةِ في فصلينِ: في فضلِ العملِ فيهِ، وعليهِ دَلَّ هذا الحديثُ. وفي فضلِهِ في نفسِهِ. الفصل الأول: في فضل العمل فيه • وقد دَلَّ هذا الحديثُ على أنَّ العملَ في أيَّامِهِ أحبُّ إلى اللهِ مِن العملِ في أيَّامِ الدُّنيا مِن غيرِ استثناءِ شيءٍ منها، وإذا كانَ أحبَّ إلى اللهِ فهوَ أفضلُ عندَهُ. وقد وَرَدَ هذا الحديثُ بلفظِ "ما مِن أيَّامٍ العملُ فيها أفضلُ مِن أيَّامِ العشرِ"، ورُوِيَ بالشَّكِّ في لفظةِ "أحبُّ" و"أفضلُ". وإذا كانَ العملُ في أيَّامِ العشرِ أفضلَ وأحبَّ إلى اللهِ مِن العملِ في غيرِهِ مِن أيَّامِ

стр. 575

السَّنةِ كلِّها؛ صارَ العملُ فيهِ - وإنْ كانَ مفضولًا - أفضلَ مِن العملِ في غيرِهِ وإنْ كانَ فاضلًا. ولهذا قالوا: يا رسولَ اللهِ! ولا الجهادُ في سبيلِ اللهِ؟ قالَ: "ولا الجهادُ". ثمَّ اسْتَثْنى جهادًا واحدًا هوَ أفضلُ الجهادِ: فإنَّهُ ﷺ سُئِلَ أيُّ الجهادِ أفضلُ؟ قالَ: "مَن عُقِرَ جوادُهُ وأُهْريقَ دمُهُ" (١)، وصاحبُهُ أفضلُ النَّاسِ درجةً عندَ اللهِ. سَمعَ النَّبيُّ ﷺ رجلًا يَدْعو يَقولُ: اللهمَّ! أعْطِني أفضلَ ما تُعْطي عبادَكَ الصَّالحينَ. فقالَ لهُ: "إذن يُعْقَرَ جوادُكَ وتُسْتَشْهَدَ" (٢). فهذا الجهادُ بخصوصِهِ يَفْضُلُ على العملِ في العشرِ.

стр. 576

وأمَّا بقيّةُ أنواعِ الجهادِ؛ فإنَّ العملَ في عشرِ ذي الحجَّةِ أفضلُ وأحبُّ إلى اللهِ منها، وكذلكَ سائرُ الأعمالِ. وهذا يَدُلُّ على أنَّ العملَ المفضولَ في الوقتِ الفاضلِ يَلْتَحِقُ بالعملِ الفاضلِ في غيرِهِ ويَزيدُ عليهِ بمضاعفةِ (١) ثوابِهِ وأجرِهِ. • وقد رُوِيَ في حديثِ ابنِ عَبَّاسٍ هذا زيادةُ "والعملُ فيهنَّ يُضاعَفُ بسبعِ مئةٍ" (٢)، وفي إسنادِاها ضعفٌ. وقد وَرَدَ في قدرِ المضاعفةِ رواياتٌ متعدِّدةٌ مختلفةٌ: فخَرَّجَ التِّرْمِذِيُّ وابنُ ماجَهْ مِن روايةِ: النَّهَّاسِ بنِ قَهْمٍ، عن قَتادَةَ، عنِ ابنِ المُسَيَّبِ، عن أبي هُرَيْرَةَ، عنِ النَّبيِّ ﷺ ؛ قالَ: "ما مِن أيَّامٍ أحبُّ إلى اللهِ أنْ يُتَعَبَّدَ لهُ فيها مِن عشرِ ذي الحجِّةِ؛ يَعْدِلُ صيامُ كلِّ يومٍ منها سنةً، وكلُّ ليلةٍ منها بقيامِ ليلةِ القدرِ" (٣). والنَّهَّاسُ بنُ قَهْمٍ ضَعَّفوهُ. وذَكَرَ التِّرْمِذِيُّ عنِ البُخارِيِّ أنَّ الحديثَ يُرْوى عن

стр. 577

قَتادَةَ عن سَعيدٍ مرسلًا. ورَوى ثُوَيْرُ بنُ أبي فاخِتَةَ - وفيهِ ضعفٌ - عن مُجاهِدٍ، عنِ ابنِ عُمَرَ؛ قالَ: ليسَ يومٌ أعظمَ عندَ اللهِ مِن يومِ الجمعةِ؛ ليسَ العشرَ؛ فإنَّ العملَ فيها يَعْدِلُ عملَ سنةٍ (١). ورَوى أبو عَمْرٍو النَّيْسابورِيُّ في كتابِ "الحكايات" بإسنادِهِ عن حُمَيْدٍ؛ قالَ: سَمِعْتُ ابنَ سِيرِينَ وقَتادَةَ يَقولانِ: صومُ كلِّ يومٍ مِن العشرِ يَعْدِلُ سنةً (٢). وقد رُوِيَ في المضاعفةِ أكثرُ مِن ذلكَ: فرَوى هارونُ بنُ موسى النَّحْوِيُّ؛ قالَ: سَمِعْتُ الحَسَنَ، يُحَدِّثُ عن أنَس بنِ مالِكٍ؛ قالَ: كانَ يُقالُ في أيَّامِ العشرِ: بكلِّ يومٍ ألفُ يومٍ، ويومُ عرفةَ عشرةُ آلافٍ (٣). قالَ الحاكِمُ: هذا مِن المسانيدِ التي لا يُذْكَرُ سندُها عن رسولِ اللهِ ﷺ (٤). ورُوِيَ في المضاعفةِ أقلُّ مِن سنةٍ: قالَ حُمَيْدُ بنُ زَنْجَوَيْهِ: حَدَّثَنا يَحْيى بنُ عَبْدِ اللهِ

стр. 578

الحَرَّانِيُّ، حَدَّثَنا أبو بَكْرِ بنُ أبي مَرْيَمَ، عن راشِدِ بنِ سَعْدٍ؛ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: "صيامُ كلِّ يومٍ مِن أيَّامِ العشرِ كصيامِ شهرٍ" (١). وهذا مرسلٌ ضعيفُ الإسنادِ. ورَوى عَبْدُ الرَّزَّاقِ في "كتابِهِ" عن: جَعْفَرٍ، عن هشامٍ، عنِ الحَسَنِ؛ قالَ: صيامُ يومٍ مِن العشرِ يَعْدِلُ شهرينِ (٢). وقالَ عَبْدُ الكَريمِ عن مُجاهِدٍ: العملُ في العشرِ يُضاعَفُ. وفي المضاعفةِ أحاديثُ أُخرُ مرفوعةٌ، لكنَّها موضوعةٌ، فلذلكَ أعْرَضْنا عنها وعمَّا أشْبَهَها مِن الموضوعاتِ في فضائلِ العشرِ، وهيَ كثيرةٌ. وقد دَلَّ حديثُ ابنِ عَبَّاسٍ على مضاعفةِ جميعِ الأعمالِ الصَّالحةِ في العشرِ مِن غيرِ استثناءِ شيءٍ منها. • وقد رُوِيَ في خصوصِ صيامِ أيَّامِهِ وقيامِ لياليهِ وكثرةِ الذِّكرِ فيهِ ما يُذْكَرُ ممَّا يَحْسُنُ ذكرُهُ دونَ ما لا يَحْسُنُ [ذكرُهُ] لعدمِ صحَّتِهِ. وقد سَبَقَ حديثُ أبي هُرَيْرَةَ في ذلكَ ومرسلُ راشِدِ بنِ سَعْدٍ وما رُوِيَ عنِ الحَسَنِ وابنِ سِيرينَ وقَتادَةَ في صومِهِ (٣). وفي "المسند" و "السُّنن": عن حَفْصَةَ؛ أنَّ النَّبيَّ ﷺ كانَ لا يَدَعُ صيامَ عاشوراءَ والعشرِ وثلاثةِ أيَّامٍ مِن كلِّ شهرٍ (٤). وفي إسنادِهِ اختلافٌ. ورُوِيَ عن بعضِ أزواجِ النَّبيِّ ﷺ ؛ أنَّ النَّبيَّ ﷺ كانَ لا يَدَعُ صيامَ تسعِ ذي الحجَّةِ (٥). وممَّن كانَ يَصومُ العشرَ عَبْدُ اللهِ بنُ عُمَرَ. وقد تَقَدَّمَ عنِ الحَسَنِ وابنِ سِيرِينَ

стр. 579

وقَتادَةَ ذكرُ فضلِ صيامِهِ، وهوَ قولُ أكثرِ العلماءِ أو كثيرٍ منهُم. وفي "صحيح مسلم" (١): عن عائِشَةَ؛ قالَتْ: ما رَأيْتُ رسولَ اللهِ ﷺ صائمًا العشرَ قطُّ. وفي روايةٍ: في العشرِ قطُّ. وقدِ اخْتَلَفَ جوابُ الإمامِ أحْمَدَ عن هذا الحديثِ: فأجابَ مرَّةً بأنَّهُ قد رُوِيَ خلافُهُ، وذَكَرَ حديثَ حَفْصَةَ، وأشارَ إلى أنَّهُ اخْتُلِفَ في إسنادِ حديثِ عائِشَةَ: فأسْنَدَهُ الأعْمَشُ، ورَواهُ مَنْصورٌ عن إبْراهيمَ مرسلًا. وكذلكَ أجابَ غيرُهُ مِن العلماءِ بأنَّهُ إذا اخْتَلَفَتْ عائِشَةُ وحَفْصَةُ ﵄ في النَّفيِ والإثباتِ؛ أُخِذَ بقولِ المثبِتِ؛ لأنَّ معَهُ علمًا خَفِيَ على النَّافي (٢). وأجابَ أحْمَدُ مرَّةً أُخرى بأنَّ عائِشَةَ أرادَتْ أنَّهُ لم يَصُم العشرَ كاملًا؛ يَعْني: وحَفْصَةُ أرادَتْ أنَّهُ كانَ يَصومُ غالبَهُ. فيَنْبَغي أنْ يُصامَ بعضُهُ ويُفْطرَ بعضُهُ. وهذا الجمعُ يَصِحُّ في روايةِ مَن رَوى "ما رَأيْتُهُ صائمًا العشرَ"، وأمَّا مَن رَوى "ما رَأيْتُهُ صائمًا في العشرِ"؛ فيَبْعُدُ أو يَتَعَذَّرُ هذا الجمعُ فيهِ. وكانَ ابنُ سِيرِينَ يَكْرَهُ أنْ يُقالَ: صامَ العشرَ؛ لأنَّهُ يوهِمُ دخولَ يومِ النَّحرِ فيهِ، وإنَّما يُقالُ: صامَ التِّسعَ، ولكنَّ الصِّيامَ إذا أُضيفَ إلى العشرِ فالمرادُ صيامُ ما يَجوزُ صومُهُ منهُ، وقد سَبَقَ حديثُ أن النَّبي ﷺ كانَ يَصومُ العشرَ (٣). ولو نَذَرَ صيامَ العشرِ؛ فيَنْبَغي أنْ يَنْصَرِفَ إلى التِّسعِ أيضًا، فلا يَلْزَمُ بفطرِ يومِ النَّحرِ قضاءٌ ولا كفَّارةٌ؛ فإنَّهُ غَلَبَ استعمالُهُ عرفًا في التِّسعِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يُخَرَّجَ في لزومِ القضاءِ والكفَّارةِ خلافٌ؛ فإنَّ أحْمَدَ قالَ فيمَن نَذَرَ صومَ شوَّالٍ فأفْطَرَ يومَ الفطرِ وصامَ باقيَهُ: إنَّهُ يَلْزَمُهُ قضاءُ يومٍ وكفَّارةٌ. وقالَ القاضي أبو يَعْلى: هذا إذا نَوى صومَ جميعِهِ، فأمَّا إنْ أطْلَقَ؛ لمْ يَلْزَمْهُ

стр. 580

شيءٌ؛ لأنَّ [يومَ] الفطرِ مستثنًى شرعًا. وهذهِ قاعدة مِن قواعدِ الفقهِ، وهيَ أنَّ العمومَ هل يُخَصُّ بالشَّرعِ أم لا؟ ففي المسألةِ خلافٌ مشهورٌ. • وأمَّا قيامُ ليالي العشرِ؛ فمستحبٌّ، وقد سَبَقَ الحديثُ في ذلكَ (١). وقد وَرَدَ في خصوصِ إحياءِ ليلتي العيدينِ أحاديثُ لا تَصِحُّ، ووَرَدَ إجابةُ الدُّعاءِ فيهِما، واسْتَحَبَّهُ الشَّافِعِيُّ وغيرُهُ مِن العلماءِ (٢). وكانَ سَعيدُ بنُ جُبَيْرٍ - وهوَ الذي رَوى هذا الحديثَ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ (٣) - إذا دَخَلَ العشرُ؛ اجْتَهَدَ اجتهادًا حتَّى ما يَكادُ يُقدَرُ عليهِ. ورُوِيَ عنهُ أنَّهُ قالَ: لا تُطْفِئوا سرجَكُم لياليَ العشرِ؛ تُعْجِبُهُ العبادةُ. • وأمَّا أستحبابُ الإكثارِ مِن الذِّكرِ فيها؛ فقد دَلَّ عليهِ قولُ اللهِ تَعالى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ [الحجّ: ٢٨]؛ فإنَّ الأيَّامَ المعلوماتِ هيَ أيَّامُ العشرِ عندَ جمهورِ العلماءِ. وسَيَأْتي ذكرُ ذلكَ فيما بعدُ إنْ شاءَ اللهُ تَعالى. وفي "مسند الإمام أحْمَد": عنِ ابنِ عُمَرَ، عنِ النَّبيِّ ﷺ ؛ قالَ: "ما مِن أيَّامٍ أعظمُ عندَ اللهِ ولا أحبُّ إليهِ العملُ فيهنَّ مِن هذهِ الأيَّامِ العشرِ؛ فأكْثِروا فيهنَّ مِن التَّهليلِ والتَّكبيرِ والتَّحميدِ" (٤). • فإنْ قيلَ: فإذا كانَ العملُ في أيَّامِ العشرِ أفضلَ مِن العملِ في غيرِها - وإنْ كانَ

стр. 581

ذلكَ العملُ أفضلَ في نفسِهِ ممَّا عُمِلَ في العشرِ لفضيلةِ العشرِ في نفسِهِ فيَصيرُ العملُ المفضولُ فيهِ فاضلًا حتَّى يَفْضُلَ على الجهادِ الذي هوَ أفضلُ الأعمالِ كما دَلَّتْ على ذلكَ النُّصوصُ الكثيرةُ وهوَ قولُ الإمامِ أحْمَدَ وغيرِهِ مِن العلماءِ -؛ فيَنْبَغي أنْ يَكونَ الحجُّ أفضلَ مِن الجهادِ؛ لأنَّ الحجَّ مخصوصٌ بالعشرِ، وهوَ مِن أفضلِ ما عُمِلَ في العشرِ [أ] وأفضلُ ما عُمِلَ فيهِ؛ فكيفَ كانَ الجهادُ أفضلَ مِن الحجِّ؟! فإنَّهُ ثَبَتَ في الصَّحيحينِ (١) عن أبي هُرَيْرَةَ أنَّ رجلًا قالَ: يا رسولَ اللهِ! أيُّ الأعمالِ أفضلُ؟ قالَ: "إيمانٌ باللهِ ورسولِهِ". قالَ: ثمَّ ماذا؟ قالَ: "جهادٌ في سبيلِ اللهِ". قالَ: ثمَّ ماذا؟ قالَ: "حجٌّ مبرورٌ". قيلَ: التَّطوُّعُ بالجهادِ أفضلُ مِن التَّطوُّعِ بالحجِّ عندَ جمهورِ العلماءِ، وقد نَصَّ عليهِ الإمامُ أحْمَدُ، وهوَ مرويٌّ عن عَبْدِ اللهِ بنِ عَمْرِو بنِ العاصِ، ورُوِيَ فيهِ أحاديثُ مرفوعةٌ في أسانيدِها مقالٌ (٢)، وحديثُ أبي هُرَيْرَةَ هذا صريحٌ في ذلكَ. ويُمْكِنُ الجمعُ بينَهُ وبينَ حديثِ ابنِ عَبَّاسٍ بوجهينِ: أحدُهُما: أنَّ حديثَ ابنِ عَبَّاسٍ قد صُرِّحَ فيهِ بأنَّ جهادَ مَن لا يَرْجِعُ مِن نفسِهِ ومالِهِ بشيءٍ يَفْضُلُ على العملِ في العشرِ، فيُمْكِنُ أنْ يُقالَ: الحجُّ أفضلُ مِن الجهادِ؛ إلَّا جهادَ مَن لمْ يَرْجِعْ مِن نفسِهِ ومالِهِ بشيءٍ، ويَكونُ هوَ المراد (٣) مِن حديثِ أبي هُرَيْرَةَ، ويَجْتَمعُ حينئذٍ الحديثانِ. والثاني - وهوَ الأظهرُ -: أنَّ العملَ المفضولَ قد يَقْتَرِنُ بهِ ما يَصيرُ أفضلَ مِن الفاضلِ في نفسِهِ كما تَقَدَمَ. وحينئذٍ؛ فقد يَقْتَرِنُ بالحجِّ ما يَصيرُ بهِ أفضلَ مِن الجهادِ، وقد يَتَجَرَّدُ عن ذلكَ فيَكونُ الجهادُ حينئذٍ أفضلَ منهُ: فإنْ كانَ الحجُّ مفروضًا؛ فهوَ أفضلُ مِن التَّطوُّعِ بالجهادِ؛ فإن فروضَ الأعيانِ

стр. 582

أفضلُ مِن فروضِ الكفاياتِ عندَ جمهورِ العلماءِ. وقد رُوِيَ هذا في الحجِّ والجهادِ بخصوصِهِما عن عَبْدِ اللهِ بنِ عَمْرِو بنِ العاصِ، ورُوِيَ مرفوعًا مِن وجوهٍ متعدِّدةٍ في أسانيدِها لينٌ (١). وقد دَلَّ على ذلكَ ما حَكاهُ النَّبيُّ ﷺ عن ربِّهِ ؛ أنَّهُ قالَ: "ما تَقَرَّبَ إليَّ عبدي بمثلِ أداءِ ما افْتَرَضْتُ عليهِ" (٢). وإنْ كانَ الحاجُّ ليسَ مِن أهلِ الجهادِ؛ فحجُّهُ أفضلُ مِن جهادِهِ، كالمرأةِ. وفي "صحيح البُخارِيِّ" (٣): عن عائِشَةَ ﵂؛ أنَّها قالَتْ: يا رسولَ اللهِ! نَرى الجهادَ أفضلَ العملِ، أفلا نُجاهِدُ؛ فقالَ: "لكن أفضلُ الجهادِ حجٌّ مبرورٌ". وفي روايةٍ لهُ (٤): "جهادُكنَّ الحجُّ". وفي روايةٍ لهُ أيضًا (٥): "نِعْمَ الجهادُ الحجُّ". وكذلكَ إذا اسْتَغْرَقَ العشرَ كلَّهُ عملُ الحجِّ، وأُتِيَ بهِ على أكملِ وجوهِ البرِّ مِن أداءِ الواجباتِ واجتنابِ المحرَّماتِ، وانْضَمَّ إلى ذلكَ الإحسانُ إلى النَّاسِ ببذلِ السَّلامِ وإطعامِ الطَّعامِ، وضُمَّ إليهِ كثرةُ ذكرِ اللهِ والعجُّ والثَّجُّ - وهوَ رفعُ الصَّوتِ بالتَّلبيةِ وسوقُ الهديِ -؛ فإنَّ هذا الحجِّ على هذا الوجهِ قد يَفْضُلُ على الجهادِ. وإنْ وَقَعَ عملُ الحجِّ في جزءٍ يَسيرٍ مِن العشرِ، ولم يُؤْتَ بهِ على الوجهِ المبرورِ؛ فالجهادُ أفضلُ منهُ. وقد رُوِيَ عن عُمَرَ [وابنِ عُمَرَ] وأبي موسى الأشْعَرِيِّ ومُجاهِدٍ ما يَدُلُّ على تفضيلِ الحجِّ على الجهادِ وسائرِ الأعمالِ. ويَنْبَغي حملُهُ على الحجِّ المبرورِ الذي كَمَلَ برُّهُ واسْتَوْعَبَ فعلُهُ أيَّامَ العشرِ، واللهُ أعلمُ. • فإنْ قيلَ: قولُهُ ﷺ "ما مِن أيَّامٍ العملُ الصَّالحُ فيها أحبُّ إلى اللهِ مِن هذهِ الأيَّامِ" هل يَقْتَضي تفضيلَ كلِّ عملٍ صالحٍ وَقَعَ في شيءٍ مِن أيَّامِ العشرِ على جميعِ ما يَقَعُ في غيرِها وإنْ طالَتْ مدَّتُهُ أم لا؟

стр. 583

قيلَ: الظَّاهرُ - واللهُ أعلمُ - أنَّ المرادَ أنَّ العملَ في هذهِ الأيَّامِ العشرِ أفضلُ مِن العملِ في أيَّامٍ عشرٍ غيرِها، فكلُّ عملٍ صالحٍ تقَعُ في هذا العشرِ فهوَ أفضلُ مِن عملٍ في عشرةِ أيَّامٍ سواها مِن أيِّ شهرٍ كانَ، فيَكونُ تفضيلًا للعملِ في كلِّ يومٍ منهُ على العملِ في كلِّ يومٍ مِن أيَّامِ السَّنةِ غيرِهِ. وقد قيلَ: إنَّما يَفْضُلُ العملُ فيها على الجهادِ إذا كانَ العملُ فيها مستغرقًا لأيَّامِ العشرِ، فيَفْضُلُ على جهادٍ في عددِ تلكَ الأيَّامِ مِن غيرِ العشرِ. وإنْ كانَ العملُ مستغرقًا لبعضِ أيَّامِ العشرِ؛ فهوَ أفضلُ مِن جهادٍ في نظيرِ ذلكَ الزَّمانِ مِن غيرِ العشرِ. واسْتُدِلَّ على ذلكَ بأنَّ النَّبيَّ ﷺ جَعَلَ العملَ الدَّائمَ الذي لا يَفْتُرُ مِن صيامٍ وصلاةٍ معادلًا للجهادِ في أيِّ وقتٍ كانَ، فإذا وَقَعَ ذلكَ العملُ الدَّائمُ في العشرِ؛ كانَ أفضلَ مِن الجهادِ [في سبيلِ اللهِ] في مثلِ أيَّامِهِ؛ لفضلِ العشرِ وشرفِهِ. ففي الصَّحيحينِ (١): عن أبي هُرَيْرَةَ؛ قالَ: جاءَ رجلٌ إلى رسولِ اللهِ ﷺ ، فقالَ: دُلَّني على عملٍ يَعْدِلُ الجهادَ. قالَ: "لا أجِدُهُ". قالَ: "هل تَسْتَطيعُ إذا خَرَجَ المجاهدُ أنْ تَدْخُلَ مسجدَكَ فتَقومَ ولا تَفْتُرَ وتَصومَ ولا تُفْطِرَ؟ ". قالَ: ومَن يَسْتَطيعُ ذلكَ؟! ولفظُهُ للبُخارِيِّ. ولمسلمٍ معناهُ، وزادَ: ثمَّ قالَ:"مثلُ المجاهدِ في سبيلِ اللهِ كمثلِ الصَّائمِ القائمِ القانتِ بآياتِ اللهِ الذي لا يَفْتُرُ مِن صلاةٍ ولا صيامٍ حتَّى يَرْجِعَ المجاهدُ في سبيلِ اللهِ". وللبُخارِيِّ (٢): "مثلُ المجاهدِ في سبيلِ اللهِ - واللهُ أعلمُ بمَن يُجاهِدُ في سبيلِهِ - كمثلِ الصِّائمِ القائمِ". وللنَّسائِيِّ (٣): "كمثلِ الصَّائمِ القائمِ الخاشعِ الرَّاكعِ السَّاجدِ". ويَدُلُّ على أنَّ المرادَ تفضيلُهُ على جهادٍ في مثلِ أيَّامِهِ خاصَّةً ما [وَرَدَ] في "صحيح ابن حِبَّان": عن جابِرٍ، عنِ النَّبيِّ ﷺ ؛ قالَ: "ما مِن أيَّامٍ أفضلُ عندَ اللهِ مِن أيَّامِ عشرِ ذي

стр. 584

الحجَّةِ". فقالَ رجلٌ: يا رسولَ اللهِ! هوَ أفضلُ أم عدَّتُهُنَّ جهادًا في سبيلِ اللهِ؟ قالَ: "هوَ أفضلُ مِن عدَّتِهنَّ جهادًا في سبيلِ اللهِ" (١). فلم يُفَضِّلِ العملَ في العشرِ إلَّا على الجهادِ في عدَّةِ أيَّامِ العشرِ لا مطلقًا. وأمَّا ما تَقَدَّمَ مِن أنَّ كلَّ يومٍ منهُ يَعْدِلُ سنةً أو شهرينِ أو ألفَ يومٍ؛ فكلُّها مِن أحاديثِ الفضائلِ ليستْ بقويَّةٍ. ثمَّ [إنَّ] أكثرَ ما وَرَدَ ذلكَ في صيامِها، والصِّيامُ لهُ خصوصيَّةٌ في المضاعفةِ؛ فإنَّهُ للهِ، واللهُ يَجْزي بهِ. فإنْ قيلَ: إنَّهُ لا يَخْتَصُّ بالصَّومِ، بل يَعُمُّ سائرَ الأعمالِ. فإنَّما يَدُلُّ على تفضيلِ كلِّ عملٍ في العشرِ على مثلِ ذلكَ في غيرِهِ سنةً، فلا يَدْخُلُ فيهِ إلَّا تفضيلُ مَن جاهَدَ في العشرِ على مَن جاهَدَ في غيرِهِ سنةً (٢). وإذا قيلَ: يَلْزَمُ مِن تفضيلِ العملِ في هذا العشرِ على كلِّ عشرٍ غيرِهِ أنْ يَكونَ صيامُ هذا العشرِ أفضلَ مِن صومِ عشرِ رمضانَ وقيامُ لياليهِ أفضلَ مِن قيامِ لياليهِ. قيلَ: أمَّا صيامُ رمضانَ؛ فأفضلُ مِن صيامِهِ بلا شكٍّ؛ فإنَّ صومَ الفرضِ أفضلُ مِن النَّفلِ بلا تردُّدٍ، وحينئذٍ فيَكونُ المرادُ أنَّ ما فُعِلَ في العشرِ مِن فرضٍ فهوَ أفضلُ ممَّا فُعِلَ في عشرٍ غيرِهِ مِن فرضٍ، فقد تُضاعَفُ صلواتُهُ المكتوبةُ على صلواتِ عشرِ رمضانَ، وما فُعِلَ فيهِ مِن

стр. 585

نفلٍ فهوَ أفضلُ ممَّا فُعِلَ في غيرِهِ مِن نفلٍ (١). • وقدِ اخْتَلَفَ عُمَرُ وعَلِيٌّ ﵄ في قضاءِ رمضانَ في عشرِ ذي الحجَّةِ: فكانَ عُمَرُ يَسْتَحِبُّهُ لفضلِ أيَّامِهِ، فيَكونُ قضاءُ رمضانَ فيهِ أفضلَ مِن غيرِهِ، وهذا يَدُلُّ على مضاعفةِ الفرضِ فيهِ على النَّفلِ. وكانَ عَلِيٌّ يَنْهى عنهُ. وعنْ أحْمَدَ في ذلكَ روايتانِ. وقد عُلِّلَ قولُ عَلِيٍّ بأنَّ القضاءَ فيهِ يَفوتُ بهِ فضلُ صيامِهِ تطوُّعًا، وبهذا عَلَّلَهُ الإمامُ أحْمَدُ وغيرُهُ. وقد قيلَ: إنَّهُ يَحْصُلُ بهِ فضيلةُ صيامِ التَّطوُّعِ أيضًا، وهذا على قولِ مَن يَقولُ: إنَّ مَن نَذَرَ صيامَ شهرٍ فصامَ رمضانَ؛ أجْزَأهُ عن نذرِهِ وفرضِهِ متوجِّهٌ. وقد عُلِّلَ بغيرِ ذلكَ. وأمَّا قيامُ لياليهِ وتفضيلُ قيامِهِ على قيامِ عشرِ رمضانَ، فيَأْتي الكلامُ فيهِ إنْ شاءَ اللهُ تَعالى. الفصل الثاني: في فضل عشر ذي الحجة على غيره من أعشار الشهور • قد سَبَقَ (٢) حديثُ ابنِ عُمَرَ المرفوعُ: "ما مِن أيَّامٍ أعظمَ عندَ اللهِ ولا أحبَّ إليهِ العملُ فيهنَّ مِن هذهِ الأيَّامِ العشرِ". وفي "صحيح ابن حِبَّان": عن جابرٍ، عنِ النَّبيِّ ﷺ ؛ قالَ: "ما مِن أيَّامٍ أفضلَ عندَ اللهِ مِن أيَّامِ عشرِ ذي الحجَّةِ" (٣). وقد تَقَدَّمَ. ورُوِّيْناهُ مِن وجهٍ آخرَ بزيادةٍ، وهيَ: "ولا لياليَ أفضلَ مِن لياليهِنَّ". قيلَ: يا رسولَ اللهِ! هنَّ أفضلُ مِن عدَّتهنَّ جهادًا في سبيلِ اللهِ؟ قالَ: "هنَّ أفضلُ مِن عدَّتهِنَّ (٤) جهادًا في سبيلِ اللهِ؛ إلَّا مَن عُفِّرَ وجهُهُ تعفيرًا. وما مِن يومٍ أفضلَ مِن يومِ عرفةَ" (٥).

стр. 586

خَرَّجَهُ الحافظُ أبو موسى المَدِينِيُّ مِن جهةِ أبي نُعَيْمٍ (١) الحافِظِ بالإسنادِ الذي خَرَّجَهُ بهِ ابنُ حِبَّانَ. وخَرَّجَ البَزَّارُ وغيرُهُ مِن حديثِ: جابِرٍ أيضَّاَ، عنِ النَّبيِّ ﷺ ؛ قالَ: "أفضلُ أيَّامِ الدُّنيا أيَّامُ العشرِ". قالوا: يا رسولَ اللهِ! ولا مثلُهُنَّ في سبيلِ اللهِ؟ قالَ: "ولا مثلُهُنَّ في سبيلِ اللهِ؛ إلَّا مَن عُفِّرَ وجهُهُ في التُّرابِ" (٢). ورُوِيَ مرسلًا وقيلَ: إنَّهُ أصحُّ. وقد سَبَقَ ما رُوِيَ عنِ ابنِ عُمَرَ؛ قالَ: ليسَ يومٌ أعظمَ عندَ اللهِ مِن يومِ الجمعةِ، ليسَ العشرَ. وهوَ يَدُلُّ على أنَّ أيَّامَ العشرِ أفضلُ مِن يومِ الجمعةِ الذي هوَ أفضلُ الأيَّامِ. وقال سُهَيْلُ بنُ أبي صالحٍ، عن أبيهِ، عن كَعْبٍ؛ قالَ: اخْتارَ اللهُ الزَّمانَ، فأحبُّ الزَّمانِ إلى اللهِ الشَّهرُ الحرامُ، وأحبُّ الأشهرِ الحرمِ إلى اللهِ ذو الحجَّةِ، وأحبُّ ذي الحجَّةِ إلى اللهِ العشرُ الأوَّلُ (٣). ورَواهُ بعضُهُم عن سُهَيْلٍ عن أبيهِ عن أبي هُرَيْرَةَ ورَفَعَهُ، ولا يَصِحُّ ذلكَ. وقال مَسْروقٌ في قولِهِ تَعالى ﴿وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر: ٢]: هيَ أفضلُ أيَّامِ السَّنةِ. خَرَّجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وغيرُهُ. وأيضًا؛ فأيَّامُ هذا العشرِ يَشْتَمِلُ على يومِ عرفةَ، وقد رُوِيَ أنَّهُ أفضلُ أيَّامِ الدُّنيا، كما [جاءَ] في حديثِ جابِرٍ الذي ذَكَرْناهُ (٤). وفيهِ يومُ النَّحرِ. وفي حديثِ: عَبْدِ اللهِ بنِ قُرْطٍ، عنِ النَّبيِّ ﷺ ؛ أنَّهُ قالَ: "أعظمُ الأيَّامِ عندَ اللهِ يومُ النَّحرِ ثمَّ يومُ القرِّ" (٥). خَرَّجَهُ الإمامُ أحْمَدُ وأبو داوودَ وغيرُهُما.

стр. 587

وهذا كلُّهُ يَدُلُّ على أنَّ عشرَ ذي الحجَّةِ أفضلُ مِن غيرِهِ مِن الأيَّامِ مِن غيرِ استثناءٍ. هذا في أيَّامِهِ. • فأمَّا لياليهِ؛ فمِن المتأخِّرينَ (١) مَن زَعَمَ أنَّ لياليَ عشرِ رمضانَ أفضلُ مِن لياليهِ لاشتمالِها على ليلةِ القدرِ. وهذا بعيدٌ جدًّا (٢). ولو صَحَّ حديثُ أبي هُرَيْرَةَ "قيامُ كلِّ ليلةٍ منها بقيامِ ليلةِ القدرِ"؛ لَكانَ صريحًا في تفضيلِ لياليهِ على ليالي عشرِ رمضانَ؛ فإنَّ عشرَ رمضانَ فُضِّلَ بليلةٍ واحدةٍ فيهِ، وهذا جميعُ لياليهِ مساويةٌ لها في القيامِ على هذا الحديثِ (٣). ولكنَّ حديثَ جابِرٍ الذي خَرَّجَهُ أبو موسى صريحٌ في تفضيلِ لياليهِ كتفضيلِ أيَّامِهِ أيضًا (٤)، والأيَّامُ إذا أُطْلِقَتْ دَخَلَتْ فيها الليالي تبعًا، وكذلكَ الليالي تَدْخُلُ أيَّامُها تبعًا. وقد أقْسَمَ اللهُ تَعالى بلياليهِ فقالَ تَعالى: ﴿وَالْفَجْرِ (١) وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر: ١ - ٢]، وهذا يَدُلُّ على فضيلةِ لياليهِ أيضًا (٥). لكنْ لم يَثْبُتْ أنَّ لياليَهُ ولا شيئًا منها يَعْدِلُ ليلةَ القدرِ. وقد زَعَمَ طوائفُ مِن أصحابِنا أنَّ ليلةَ الجمعةِ أفضلُ مِن ليلةِ القدرِ،

стр. 588

ولكنْ لا يَصِحُّ ذلكَ عن أحْمَدَ. فعلى قولِ هؤلاءِ لا يُسْتَبْعَدُ تفضيلُ ليالي هذا العشرِ على ليلةِ القدرِ. والتَّحقيقُ ما قالَهُ بعضُ أعيانِ المتأخِّرينَ مِن العلماءِ؛ أنْ يُقالَ: مجموعُ هذا العشرِ أفضلُ مِن مجموعِ عشرِ رمضانَ، وإنْ كانَ في عشرِ رمضانَ ليلةٌ لا يَفْضُلُ عليها غيرُها. واللهُ أعلمُ. • وما تَقَدَّمَ عن كَعْبٍ يَدُلُّ على أنَّ شهرَ ذي الحجَّةِ أفضلُ الأشهرِ الحرمِ الأربعةِ. وكذا قالَ سَعيدُ بنُ جُبَيْرٍ راوي هذا الحديثِ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ: ما مِن الشُّهورِ شهرٌ أعظمَ حرمةً مِن ذي الحجَّةِ. وفي "مسند البزَّار": عن أبي سَعيدٍ الخُدْرِيِّ، عنِ النَّبيِّ ﷺ ؛ قالَ: "سيِّدُ الشُّهورِ رمضانُ، وأعظمُها حرمةً ذو الحجَّةِ" (١). وفي إسنادِهِ ضعفٌ. وفي "مسند الإمام أحْمَد": عن أبي سَعيدٍ أيضًا؛ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ في حجَّةِ الوداعِ في خطبتِهِ يومَ النَّحرِ: "ألا إنَّ أحرمَ الأيَّامِ يومُكُم هذا، ألا وإنَّ أحرمَ الشُّهورِ شهرُكُم هذا، ألا وإنَّ أحرمَ البلادِ بلدُكُم هذا" (٢). ورُوِيَ ذلكَ أيضًا عن جابِرٍ ووابِصَةَ بنِ مَعْبَدٍ ونُبَيْطِ بنِ شَريطٍ وغيرِهِم عنِ النَّبيِّ ﷺ (٣).

стр. 589

وهذا كلُهُ يَدُلُّ على أنَّ شهرَ ذي الحجَّةِ أفضلُ الأشهرِ الحرمِ حيثُ كانَ أشدَّها حرمةً (١). وقد رُوِيَ عنِ الحَسَنِ أنَّ أفضلَها المحرَّمُ، وسَنَذْكُرُهُ عندَ ذكرِ شهرِ المحرَّمِ إنْ شاءَ اللهُ (٢). وأمَّا مَن قالَ: إنَّ أفضلَها رجبٌ؛ فقولُهُ مردودٌ. • ولعشرِ ذي الحجَّةِ فضائلُ أُخرُ غيرُ ما تَقَدَّمَ: * فمِن فضائلِهِ أنَّ اللهَ تَعالى أقْسَمَ بهِ جملةً وببعضِهِ خصوصًا: قالَ تَعالى: ﴿وَالْفَجْرِ (١) وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر: ١ - ٢]. فأمَّا الفجرُ: فقيلَ: إنَّهُ أرادَ جنسَ الفجرِ.

стр. 590

وهلِ: المرادُ طلوعُ الفجرِ أو صلاةُ الفجرِ أوِ النَّهارُ كلُّهُ؟ فيهِ اختلافٌ بينَ المفسِّرينَ. وقيلَ: إنَّهُ أُريدَ بهِ فجرٌ معيَّنٌ. ثمَّ قيلَ: إنَّهُ أُريدَ بهِ فجرُ أوَّلِ يومٍ مِن عشرِ ذي الحجَّةِ. وقيلَ: بل أُريدَ [بهِ] فجرُ آخرِ يومٍ منهُ، وهوَ يومُ النَّحرِ. وعلى جميعِ هذهِ الأقوالِ فالعشرُ يَشْتَمِلُ على الفجرِ الذي أقْسَمَ اللهُ بهِ. وأمَّا الليالي العشرِ؛ فهيَ عشرُ ذي الحجَّةِ. هذا الصَّحيحُ الذي عليهِ جمهورُ المفسِّرينَ مِن السَّلفِ وغيرِهِم، وهوَ الصَّحيحُ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ، رُوِيَ عنهُ مِن غيرِ وجهٍ، والرِّوايةُ عنهُ أنَّهُ عشرُ رمضانَ إسنادُها ضعيفٌ. وفيهِ حديثٌ مرفوعٌ خَرَّجَهُ الإمامُ أحْمَدُ والنَّسائِيُّ في "التَّفسير" مِن روايةِ: زَيْدِ بنِ الحُبَابِ، حَدَّثَنا عَيَّاشُ بنُ عُقْبَةَ، حَدَّثَنا خَيْرُ بنُ نُعَيْمٍ (١)، عن أبي الزُّبَيْرِ، عن جابِرٍ، عنِ النَّبيِّ ﷺ ؛ قالَ: "العشرُ عشرُ الأضحى، والوترُ يومُ عرفةَ، والشَّفعُ يومُ النَّحرِ" (٢). وهوَ إسنادٌ حسنٌ. وكذا فَسَّرَ الشَّفعَ والوترَ ابنُ عَبَّاسٍ في روايةِ عِكْرِمَةَ وغيرِهِ، وفَسَّرَهُما أيضًا بذلكَ عِكْرِمَةُ والضَّحَّاكُ وغيرُ واحدٍ. وقد قيلَ في الشَّفعِ والوترِ أقوالٌ كثيرةٌ، وأكثرُها لا يَخْرُجُ عن أنْ يَكونَ العشرُ أو بعضُهُ مشتملًا على الشَّفعِ والوترِ أو أحدِهِما: كقولِ مَن قالَ: هيَ الصَّلاةُ منها شفعٌ ومنها وترٌ، وقد خَرَّجَهُ الإمامُ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ مِن حديثِ عِمْرانَ بنِ حُصَيْنٍ عنِ النَّبيِّ ﷺ " (٣). وقولِ مَن قالَ: هيَ المخلوقاتُ منها شفعٌ ومنها وترٌ. يَدْخُلُ

стр. 591

فيها أيَّامُ العشرِ. وقولِ مَن قالَ: الشَّفعُ الخلقُ كلُّهُ والوترُ اللهُ تَعالى؛ فإنَّ أيَّامَ العشرِ مِن جملةِ المخلوقاتِ. * ومِن فضائلِهِ أيضًا: أنَّهُ مِن جملةِ الأربعينَ التي واعَدَها اللهُ [ ] لموسى ﵇ (١). قالَ تَعالى: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ [الأعراف: ١٤٢]. لكنْ هل عشرُ ذي الحجَّةِ خاتمةُ الأربعينَ فيَكونَ هوَ العشرَ الذي أُتِمَّ بهِ الثَّلاثونَ، أم هوَ أوَّلُ الأربعينَ فيَكونَ مِن جملةِ الثَّلاثينَ التي أُتِمَّتْ بعشرٍ. فيهِ اختلافٌ بينَ المفسِّرينَ. رَوى: عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عن مَعْمَرٍ، عن يَزيدَ بنِ أبي زِيادٍ، عن مُجاهِدٍ؛ قالَ: ما مِن عملٍ في أيَّامِ السَّنةِ أفضلَ منهُ في العشرِ مِن ذي الحجَّةِ، وهيَ العشرُ التي أتَمَّها اللهُ لموسى ﵇ (٢). * ومِن فضائلِهِ: أنَّهُ خاتمةُ الأشهرِ المعلوماتِ أشهرِ الحجِّ، التي قالَ اللهُ فيها: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧]، وهيَ شوَّالٌ وذو القعدةِ وعشرٌ مِن ذي الحجَّةِ (٣). رُوِيَ ذلكَ عن عُمَرَ وابنِهِ عَبْدِ اللهِ وعَلِيٍّ وابنِ مَسْعودٍ وابنِ عَبَّاسٍ وابنِ الزُّبَيْرِ وغيرِهِم، وهوَ قولُ أكثرِ التَّابعينَ ومذهبُ الشَّافِعِيِّ وأحْمَدَ وأبي حَنيفَةَ وأبي يوسُفَ وأبي ثَوْرٍ وغيرِهِم، لكنِ الشَّافِعِيُّ وطائفةٌ أخْرَجوا منهُ يومَ النَّحرِ وأدْخَلَهُ فيهِ الأكثرونَ؛ لأنَّهُ يومُ الحجِّ الأكبرِ، وفيهِ يَقَعُ أكثرُ أفعالِ مناسكِ الحجِّ. وقالَتْ طائفةٌ: ذو الحجَّةِ كلُّهُ

стр. 592

مِن أشهرِ الحجِّ، وهوَ قولُ مالِكِ والشَّافِعِيّ في القديمِ وروايةٌ عنِ ابنِ عُمَرَ أيضًا ورُوِيَ عن طائفةٍ مِن السَّلفِ، وفيهِ حديثٌ مرفوعٌ خَرَّجَهُ الطَّبَرانِيُّ لكنَّهُ لا يَصِحُّ (١). والكلامُ في هذهِ المسألةِ يَطولُ، وليسَ هذا موضعَهُ. * ومِن فضائلِهِ: أنَّهُ الأيَّامُ المعلوماتُ التي شَرَعَ اللهُ تَعالى ذكرَهُ فيها على ما رَزَقَ مِن بهيمةِ الأنعامِ. قالَ تَعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ [الحجّ: ٢٧ - ٢٨]. وجمهورُ العلماءِ على أنَّ هذهِ الأيَّامَ المعلوماتِ هيَ عشرُ ذي الحجَّةِ، منهُمُ ابنُ عُمَرَ وابنُ عَبَّاسٍ والحَسَنُ وعَطاءٌ ومُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ وقَتادَةُ والنَّخَعِيُّ، وهوَ قولُ أبي حَنيفَةَ والشَّافِعِيِّ وأحْمَدَ في المشهورِ عنهُ. ورُوِيَ عن أبي موسى الأشْعَرِيّ أنَّ الأيَّامَ المعلوماتِ هيَ تسعُ ذي الحجَّةِ غيرَ يومِ النَّحرِ، وأنَّهُ قالَ: لا يُرَدُّ فيهنَّ الدُّعاءُ. خَرَّجَهُ جَعْفَرٌ الفِرْيابِيُّ وغيرُهُ. وقالَتْ طائفةٌ: هيَ أيَّامُ الذَّبحِ. ورُوِيَ عن طائفةٍ مِن السَّلفِ، وهوَ قولُ مالِكٍ وأبي يوسُفَ، وجَعَلوا ذكرَ اللهِ فيها ذكرَهُ على الذَّبحِ، وهوَ قولُ ابنِ عُمَرَ ﵄. ونَقَلَ المَرُّوذِيُّ عن أحْمَدَ أنَّهُ اسْتَحْسَنَهُ. والقولُ الأوَّلُ أظهرُ. وذكرُ اللهِ على بهيمةِ الأنعامِ لا يَخْتَصُّ بحالِ ذبحِها (٢): كما

стр. 593

قالَ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [الحجّ: ٣٧]، وقالَ تَعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ [الحجّ: ٣٤]. وأيضًا فقد قالَ تَعالى بعدَ هذا: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (٢٨) ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحجّ: ٢٨ - ٢٩]، فجَعَلَ هذا كلَّهُ بعدَ ذكرِهِ في الأيَّامِ المعلوماتِ وقضاءِ التَّفثِ، وهوَ شعثُ الحجِّ وغبارُهُ ونصبُهُ. والطَّوافُ بالبيتِ إنَّما يَكونُ في يومِ النَّحرِ وما بعدَهُ ولا يَكونُ قبلَهُ (١). وقد جَعَلَ اللهُ سبحانَهُ هذا مرتَّبًا على ذكرِهِ في الأيَّامِ المعلوماتِ بلفظةِ ﴿ثُمَّ﴾، فدَلَّ على أنَّ المرادَ بالأيَّامِ المعلوماتِ ما قبلَ يومِ النَّحرِ، وهوَ عشرُ ذي الحجَّةِ. وأمَّا قولُهُ تَعالى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ [الحجّ: ٢٨]: فقيلَ: إنَّ المرادَ ذكرُهُ عندَ ذبحِها، وهوَ حاصلٌ بذكرِهِ في يومِ النَّحرِ؛ فإنَّهُ أفضلُ أيَّامِ النَّحرِ. والأصحُّ أنَّهُ إنَّما أُريدَ ذكرُهُ شكرًا على نعمتِهِ بتسخيرِ بهيمةِ الأنعامِ لعبادِهِ؛ فإنَّ للهِ تَعالى على عبادِهِ في بهيمةِ الأنعامِ نعمًا كثيرةً قد عَدَّدَ بعضَها في مواضعَ مِن القرآنِ، والحاجُّ لهُم خصوصيَّةٌ في ذلكَ عن غيرِهِم: فإنَّهُم يَسِيرونَ عليها إلى الحرمِ لقضاءِ نسكِهِم كما قالَ تَعالى: ﴿وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [الحجّ: ٢٧]، وقالَ: ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ﴾ [النحل: ٧]. ويَأْكُلونَ مِن لحومِها ويَشْرَبونَ مِن ألبانِها ويَنْتَفِعونَ بأصوافِها وأوبارِها وأشعارِها. * ويَخْتَصُّ عشرُ ذي الحجَّةِ في حقِّ الحاجِّ بأنَّهُ زمنُ سوقِهِم [لـ]ـلهديِ الذي بهِ يَكْمُلُ فضلُ الحجِّ ويَأْكُلونَ مِن لحومِهِ في آخرِ العشرِ، وهوَ يومُ النَّحرِ. وأفضلُ سوقِ الهديِ مِن الميقاتِ (٢)، ويُشْعَرُ ويُقَلَّدُ عندَ الإحرامِ، وتُقارِنُهُ التَّلبيةُ، وهيَ مِن الذِّكرِ للهِ

стр. 594

في الأيَّامِ المعلوماتِ. وفي الحديثِ: "أفضلُ الحجِّ العجُّ والثَّجُّ" (١). وفي حديثٍ آخرَ: "عُجُّوا التَّكبيرَ عجًّا، وثُجُّوا الإبلَ ثجًّا" (٢). فيَكونُ كثرةُ ذكرِ اللهِ في أيَّامِ العشرِ شكرًا على هذهِ النِّعمِ المختصَّةِ ببهيمةِ الأنعامِ التي بعضُها يَتَعَلَّقُ بدينِ الحاجِّ وبعضُها يَتَعَلَّقُ بدنياهُم، وأفضلُ الأعمالِ ما كَثُرَ ذكرُ اللهِ تَعالى فيهِ، خصوصًا الحجَّ (٣)، وقد أمَرَ اللهُ تَعالى بذكرِهِ كثيرًا في الحجِّ: قالَ تَعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (١٩٨) ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٩٨ - ١٩٩]، وهذا الذِّكرُ يَكونُ في عشرِ ذي الحجَّةِ. ثمَّ قالَ: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ [البقرة: ٢٠٠]، وهذا يَقَعُ في يومِ النَّحرِ، وهوَ خاتمةُ العشرِ أيضًا. ثمَّ أمَرَ بذكرِهِ بعدَ العشرِ في الأيَّامِ المعدوداتِ، وهيَ أيَّامُ التَّشريقِ. وفي "السُّنن": عنِ النَّبيِّ ﷺ ؛ قالَ: "إنَّما جُعِلَ الطَّوافُ بالبيتِ والسَّعيُ بينَ الصَّفا والمروةِ ورميُ الجمارِ لإقامةِ ذكرِ اللهِ " (٤).

стр. 595

وفي "مسند الإمام أحْمَد": عن مُعاذِ بنِ أنَسٍ؛ أنَّ رجلًا قالَ: يا رسولَ اللهِ! أيُّ الجهادِ أعظمُ أجرًا؟ قالَ: "أكثرُهُم للهِ ذكرًا". قالَ: فأيُّ الصَّائمينَ أعظمُ أجرًا؟ قالَ: "أكثرُهُم للهِ ذكرًا". قالَ: ثمَّ ذَكَرَ الصَّلاةَ والزَّكاةَ والحجَّ والصَّدقةَ؛ كلُّ [ذلكَ] يَقولُ رسولُ اللهِ ﷺ : "أكثرُهُم للهِ ذكرًا"، فقالَ أبو بكرٍ: يا أبا حَفْصٍ! ذَهَبَ الذَّاكرونَ بكلِّ خيرٍ. فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ :"أجل" (١). وقد خَرَّجَهُ ابنُ المُبارَكِ وابنُ أبي الدُّنْيا مِن وجوهٍ أُخَرَ مرسلةٍ، وفي بعضِها: أيُّ الحجَّاجِ خيرٌ؟ قالَ: "أكثرُهُم ذكرًا للهِ". وفي بعضِها: أيُّ الحاجِّ أعظمُ أجرًا؟ قالَ: "أكثرُهُم للهِ ذكرًا" … وذَكَرَ بقيَّةَ الأعمالِ بمعنى ما تَقَدَّمَ (٢). * فهذا كلُّهُ بالنِّسبةِ إلى الحاجِّ. فأمَّا أهلُ الأمصارِ؛ فإنَّهُم يُشارِكونَ الحاجَّ في عشرِ ذي الحجَّةِ في الذِّكرِ وإعدادِ الهديِ. فأمَّا إعدادُ الهديِ؛ فإنَّ العشرَ تُعَدُّ فيهِ الأضاحي كما يَسوقُ أهلُ الموسمِ الهديَ، ويُشارِكونَهُم في بعضِ إحرامِهِم؛ فإنَّ مَن دَخَلَ عليهِ العشرُ وأرادَ أنْ يُضَحِّيَ فلا يَأْخُذُ مِن شعرِهِ ولا مِن أظفارِهِ شيئًا كما رَوَتْ ذلكَ أُمُّ سَلَمَةَ عنِ النَّبيِّ ﷺ . خَرَّجَ حديثَها مسلمٌ (٣)، وأخَذَ بذلكَ الشَّافِعِيُّ وأحْمَدُ وعامَّةُ فقهاءِ الحديثِ. ومنهُم مَن شَرَطَ أنْ يَكونَ قدِ اشْتَرَى هديَةُ قبلَ العشرِ، وأكثرُهُم لم يَشْتَرِطوا ذلكَ. وخالَفَ فيهِ مالِكٌ وأبو حَنيفَةَ وكثيرٌ مِن الفقهاءِ وقالوا: لا يُكْرَهُ شيءٌ مِن ذلكَ. واسْتَدَلُّوا بحديثِ عائِشَةَ: كُنْتُ أفْتِلُ قلائدَ الهديِ لرسولُ اللهِ ﷺ فلا يَحْرُمُ عليهِ شيءٌ أحَلَّة اللهُ لهُ (٤). وأجابَ

стр. 596

كثيرٌ مِن أهلِ القولِ الأوَّلِ بأنَّهُ يُجْمَعُ بينَ الحديثينِ فيُؤْخَذُ بحديثِ أُمِّ سَلَمَةَ فيمَن يُريدُ أنْ يُضَحِّيَ في مصرِهِ وبحديثِ عائِشَةَ فيمَن أرْسَلَ بهديِهِ معَ غيرِهِ وأقامَ في بلدِهِ. وكانَ اْبنُ عُمَرَ إذا ضَحَّى يومَ النَّحرِ حَلَقَ رأْسَهُ. ونَصَّ أحْمَدُ على ذلكَ. واْخْتَلَفَ العلماءُ في التَّعريفِ بالأمصارِ عشيَّةَ عرفةَ، وكانَ الإمامُ أحْمَدُ لا يَفْعَلُهُ ولا يُنْكِرُ [هُ]، على مَن فَعَلَهُ؛ لأنَّهُ رُوِيَ عنِ اْبنِ عَبَّاسٍ وغيرِهِ مِن الصَّحابةِ. وأمَّا مشاركتُهُم لهُم في الذِّكرِ في الأيَّامِ المعلوماتِ؛ فإنَّهُ يُشْرَعُ للنَّاسِ كلِّهِم الإكثارُ مِن ذكرِ اللهِ في أيَّامِ العشرِ خصوصًا، وقد سَبَقَ حديثُ اْبنِ عُمَرَ المرفوعُ "فأكْثِروا فيهنَّ مِن التَّهليلِ والتَّكبيرِ والتَّحميدِ" (١). واخْتَلَفَ العلماءُ: هل يُشْرَعُ إظهارُ التَّكبيرِ والجهرُ بهِ في الأسواقِ في العشرِ: فأنْكَرَهُ طائفةٌ، واْسْتَحَبَّهُ أحْمَدُ والشَّافِعِيُّ، لكنَّ الشَّافِعِيَّ خَصَّهُ بحالِ رؤيةِ بهيمةِ الأنعامِ، وأحْمَدُ يَسْتَحِبُّهُ مطلقًا. وقد ذَكَرَ البُخارِيُّ في "صحيحه" عنِ اْبنِ عُمَرَ وأبي هُرَيْرَةَ أنَّهُما كانا يَخْرُجانِ إلى السُّوقِ في العشرِ فيُكَبِّرانِ ويُكَبِّرُ النَّاسُ بتكبيرِهِما. ورَواهُ عَفَّانُ: حَدَّثَنا سَلَّامٌ أبو المُنْذِرِ، عن حُمَيْدٍ الأعْرَجِ، عن مُجاهِدٍ؛ قالَ: كانَ أبو هُرَيْرَةَ واْبنُ عُمَرَ يَأْتِيانِ السُّوقَ أيَّامَ العشرِ فيُكَبِّرانِ ويُكَبِّرُ النَّاسُ معَهُما، ولا يَأْتِيانِ لشيءٍ إلَّا لذلكَ. ورَوى جَعْفَرٌ الفِرْيابِيُّ في "كتاب العيدين": حَدَّثَنا إسْحاقُ بنُ راهَوَيْهِ، أخْبَرَنا جَريرٌ، عن يَزيدَ بنِ أبي زِيادٍ؛ قالَ: رَأيْت سَعيدَ بنَ جُبَيْرٍ ومُجاهِدًا وعَبْدَ الرَّحْمنِ بنَ أبي لَيْلى أوِ اْثنينِ مِن هؤلاءِ الثَّلاثةِ ومَن رَأيْنا مِن فقهاءِ النَّاسِ يَقولونَ في أيَّامِ العشرِ: اللهُ أكبرُ اللهُ أكبرُ لا إلهَ إلاَّ اللهُ، واللهُ أكبرُ اللهُ أكبرُ وللهِ الحمدُ. • لمَّا كانَ اللهُ سبحانَهُ قد وَضَعَ في نفوس المؤمنينَ حنينًا إلى مشاهدةِ بيتِهِ الحرامِ، وليسَ كلُّ أحدٍ قادرًا على مشاهدتِهِ في كلِّ عامٍ؛ فَرَضَ على المستطيعِ الحجَّ

стр. 597

مرَّةً واحدةً في عمرِهِ، وجَعَلَ موسمَ العشرِ مشتركًا بينَ السَّائرينَ والقاعدينَ، فمَن عَجَزَ عنِ الحجِّ في عامٍ؛ قَدَرَ في العشرِ على عملٍ يَعْمَلُهُ في بيتِهِ يَكونُ أفضلَ مِن الجهادِ الذي هوَ أفضلُ مِن الحجِّ. لَيالي العَشْرِ أوْقاتُ الإجابَهْ … فَبادِرْ رَغْبَةً تَلْحَقْ ثوابَهْ ألا لا وَقْتَ لِلعُمَّالِ فيهِ … ثَوابُ الخَيْرِ أقْرَبُ لِلإصابَهْ (١) مِنَ اوقاتِ الليالي العَشْرِ حَقًّا … فَشَمِّرْ وَاْطلُبَنْ فيها الإنابَهْ احْذَروا المعاصي؛ فإنَّها تَحْرِمُ المغفرةَ في مواسمِ الرَّحمةِ. رَوى المَرُّوذِيُّ في كتابِ "الورع" بإسنادِهِ عن: عَبْدِ المَلِكَ بنِ عُمَيْرٍ، عن رجلٍ إمَّا مِن الصَّحابةِ أو مِن التَّابعينَ؛ أنَّ آتيًا أتاهُ في منامِهِ في العشرِ مِن ذي الحجَّةِ، فقالَ: ما مِن مسلمٍ إلَّا يُغْفَرُ لهُ في هذهِ الأيَّامِ كلَّ يومٍ خمسَ مرَّاتٍ؛ إلَّا أصحابَ الشَّاهِ؛ يَقولونَ: ماتَ! ما موتُهُ؟ يَعْني: أصحابَ الشَّطْرَنْجِ (٢). فإذا كانَ اللعبُ بالشَّطْرَنْجِ مانعًا مِن المغفرةِ؛ فما الظَّنُّ بالإصرارِ على الكبائرِ المجمعِ عليها؟! طاعَةُ اللهِ خَيْرُ ما لَزِمَ العَبْ … دُ فَكُنْ طائِعًا ولا تَعْصِيَنْهُ ما هَلاكُ النُّفوسِ إلَّا المعاصي … فَاْجْتَنِبْ ما نَهاكَ لا تَقْرَبَنْهُ (٣) إنَّ شَيْئًا هَلاكُ نَفْسِكَ فيهِ … يَنْبَغي أنْ تَصونَ نَفْسَكَ عَنْهُ المعاصي سببُ البعدِ والطَّردِ كما أنَّ الطَّاعاتِ أسبابُ القربِ والودِّ. أيَضْمَنُ لي فتًى تَرْكَ المَعاصي … وأرْهَنَهُ الكَفالَةَ بِالخَلاصِ أطاعَ اللهَ قَوْمٌ فَاْسْتَراحوا … وَلَمْ يَتَجَرَّعوا غُصَصَ المَعاصي إخوانكُم في هذهِ الأيَّامِ قد عَقَدوا الإحرام، وقَصَدوا البيتَ الحرام، ومَلؤوا الفضاءَ بالتَّلبيةِ والتَّكبيرِ والتَّهليلِ والتَّحميدِ والإعظام. لقد ساروا وقَعَدْنا، وقَرُبوا وبَعُدْنا، فإنْ كانَ لنا معَهُم نصيبٌ سَعِدْنا.

стр. 598

أتُراكُمْ في النَّقا وَالمُنْحَنى … أهْلَ سَلْعٍ تَذْكُرونا ذِكْرَنا إِنْقَطَعْنا وَوَصَلْتُمْ فَاعْلَموا … وَاْشْكُروا المُنْعِمَ يا أهْلَ مِنى قَدْ خَسِرْنا وَرَبِحْتُمْ فَصِلوا … بِفُضولِ الرِّبْحِ مَنْ قَدْ غُبِنا سارَ قَلْبي خَلْفَ أحْمالِكُمُ … غَيْرَ أنَّ العُذْرَ عاقَ البَدَنا ما قَطَعْتُمْ وادِيًا إلَّا وَقَدْ … جِئْتُهُ أسْعى بِأقْدامِ المُنى أنا مُذْ غِبْتُمْ عَلى تَذْكارِكُمْ … أتُرى عِنْدَكُمُ ما عِنْدَنا القاعدُ لعذرٍ شريكُ السَّائرِ، وربَّما سَبَقَ السَّائرُ بقلبِهِ السَّائرينَ بأبدانِهِم. رَأى بعضُهُم في المنامِ عشيَّةَ عرفةَ في الموقفِ [كأنَّ] قائلًا يَقولُ: أتَرى هذا الزِّحامَ على هذا الموقفِ؛ فإنَّهُ لم يَحُجَّ منهُم أحدٌ إلَّا رجلٌ تَخَلَّفَ عنِ الموقفِ فحَجَّ بهمَّتِهِ فوُهِبَ لهُ أهلُ الموقفِ (١). يا سائِرينَ إلى البَيْتِ العَتيقِ لَقَدْ … سِرْتُمْ جُسومًا وَسِرْنا نَحْنُ أرْواحا إنَّا أقَمْنا على عُذْرٍ وَقَدْ رَحَلوا … ومَن أقامَ على عُذْرٍ كَمَنْ راحا الغنيمةَ الغنيمة، بانتهازِ الفرصةِ في هذهِ الأيَّامِ العظيمة، فما منها عوضٌ ولا لها قيمة. المبادرةَ المبادرةَ بالعمل، والعجلَ العجلَ قبلَ هجومِ الأجل، قبلَ أنْ يَنْدَمَ المفرِّطُ على ما فَعَل، قبلَ أنْ يَسْألَ الرَّجعةَ لِيَعْمَلَ صالحًا فلا يُجابَ إلى ما سَأل، قبلَ أنْ يَحولَ الموتُ بينَ المؤمِّلِ وبلوغِ الأمل، قبلَ أنْ يَصيرَ المرءُ مرتهنًا في حفرتِهِ بما قَدَّمَ مِن عمل. لَيْسَ لِلْمَيِّتِ في قَبْرِهِ … فِطْرٌ ولا أضْحى وَلا عَشْرُ ناءٍ عَنِ الأهلِ عَلى قُرْبِهِ … كَذاكَ مَن مَسْكَنُهُ القَبْرُ يا مَن طَلَعَ فجرُ شيبِهِ بعدَ بلوغِ الأربعين! يا مَن مَضى عليهِ بعدَ ذلكَ ليالي عشرِ سنينَ حتَّى بَلَغَ الخمسين! يا مَن هوَ في معتركِ المنايا ما بينَ الستِّينَ إلى السَّبعين! ما

стр. 599

تَنْتَظِرُ بعدَ هذا الخبرِ إلَّا أنْ يَأْتِيَكَ اليقين. يا مَن ذنوبُهُ بعددِ الشَّفعِ والوترِ! أما تَسْتَحي مِن الكرامِ الكاتبين؟ أم أنتَ ممَّن يُكَذِّبُ بالدِّين؟ يا مَن ظلمةُ قلبِهِ كالليلِ إذا يَسْري! أما آنَ لقلبِكَ أنْ يَسْتَنيرَ أو يَلين؟ تَعَرَّضْ لنفحاتِ مولاكَ في هذا العشر؛ فإنَّ للهِ فيهِ نفحاتٍ يُصيبُ بها مَن يَشاءُ، فمَن أصابَتْهُ سَعِدَ بها آخرَ الدَّهر. جَنَحَتْ شَمْسُ حَياتي … وَتَدَلَّتْ لِلْغُروبِ وَتَوَلَّى لَيْلُ رَأْسي … وَبَدا فَجْرُ المَشيبِ رَبِّ خَلَّصْني فقَدْ لَجْـ … ــجَجْتُ في بَحْرِ الذُّنوبِ وَأنِلْني العَفْوَ يا أقْـ … ــرَبَ مِنْ كُلِّ قَريبِ المجلس الثاني في فضل يوم عرفة مع عيد النحر في الصَّحيحينِ (١): عن عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ ﵁؛ أنَّ رجلًا مِن اليهودِ قالَ لهُ: يا أميرَ المؤمنينَ! آيةٌ في كتابِكُم، لو علينا معشرَ اليهودِ نَزَلَتْ؛ لاتَّخَذْنا ذلكَ اليومَ عيدًا. فقالَ: أيُّ آيةٍ؟ قالَ: ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكُمْ دِينكُمْ وَأتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِينًا﴾ [لمائدة: ٣]. فقالَ عُمَرُ: إنِّي لأعلمُ اليومَ الذي نَزَلَتْ فيهِ والمكانَ الذي نَزَلَتْ فيهِ، نَزَلَتْ ورسولُ اللهِ ﷺ قائمٌ بعرفةَ يومَ جمعةٍ (٢). وخَرَّجَ التَّرْمِذِيُّ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ نحوَهُ، وقالَ فيهِ: نَزَلَتْ في يومِ عيدٍ مِن يومِ جمعةٍ

стр. 600

ويومِ عرفةَ (١). • العيدُ هوَ موسمُ الفرحِ والسُّرورِ، وأفراحُ المؤمنينَ وسرورُهُم في الدُّنيا إنَّما هوَ بمولاهُم إذا فازوا بإكمالِ طاعتِهِ وحازوا ثوابَ أعمالِهِم بوثوقِهِم بوعدِهِ لهُم عليها بفضلِهِ ومغفرتِهِ، كما قالَ تَعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعونَ﴾ [يونس: ٥٨]. قالَ بعضُ العارفينَ: ما فَرِحَ أحدٌ بغيرِ اللهِ إلَّا بغفلتِـ[ـهِ] عنِ اللهِ. فالغافلُ يَفْرَحُ بلهوِهِ وهواهُ، والعاقلُ يَفْرَحُ بمولاهُ. وأنْشَدَ سَمْنونُ في هذا المعنى: وكانَ فُؤادي خالِيًا قَبْلَ حُبِّكُمْ … وَكانَ بِذِكْرِ الخَلْقِ يَلْهو وَيَمْرَحُ فَلَمَّا دَعا قَلْبي هَواكَ أجابَهُ … فَلَسْتُ أراهُ عَنْ فِنائِكَ يَبْرَحُ رُمِيتُ بِبُعْدٍ مِنْكَ إنْ كُنْتُ كاذِبًا … وَإنْ كُنْتُ في الدُّنيا بِغَيْرِكَ أفْرَحُ وَإنْ كانَ شيءٌ في البِلادِ بِأسْرِها … إذا غِبْتَ عَنْ عَيْنِي لِعَيْنِيَ يَمْلُحُ فَإنْ شِئْتَ واصِلْني وَإنْ شِئْتَ لا تَصِلْ … فَلَسْتُ أرى قَلْبي لِغَيْرِكَ يَصْلُحُ لمَّا قَدِمَ النَبيُّ ﷺ المدينةَ؛ كانَ لهُم يومانِ يَلْعَبونَ فيهِما، فقالَ: "إنَّ اللهَ قد أبْدَلَكُم يومينِ خيرًا منهُما؛ يومَ الفطرِ والأضحى" (٢). فأبْدَلَ اللهُ هذهِ الأُمَّةَ بيومي اللعبِ
следующие страницы →