← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 1151

لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف - ت عامر

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (739 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

فوَهَبَ اللهُ لهُ أهلَ الموقفِ (١)! ما الشَّأْنُ فيمَن سارَ ببدنِهِ، إنَّما الشَّأْنُ فيمَن قَعَدَ بدنُهُ وسارَ بقلبِهِ حتَّى سَبَقَ الرَّكبَ (٢)! مَنْ لي بِمِثْلِ سَيْرِكَ المُذَلَّلِ … تَمْشي رُوَيْدًا وَتَجِي في الأوَّلِ يا سائرينَ إلى ديارِ الأحبابِ! قِفوا للمنقطعينَ، تَحَمَّلوا معَكُم رسائلَ المحصرينَ (٣)، خُذوا نظرةً منِّي فَلاقوا بها الحمى. يا سائِرينَ إلى الحَبيبِ تَرَفَّقوا … فَالْقَلْبُ بَيْنَ رِحالِكُمْ خَلَّفْتُهُ ما لي سِوى قَلْبي وَفيكَ أذَبْتُهُ … ما لي سِوى دَمْعي وَفيكَ سَكَبْتُهُ كانَ عُمَرُ بنُ عَبْدِ العَزيزِ إذا رَأى مَن يُسافِرُ إلى المدينةِ النَّبويَّةِ؛ يَقولُ لهُ: أقْرِئْ رسولَ اللهِ ﷺ منِّيَ السَّلامَ. ورُوِيَ أنَّهُ كانَ يُبْرِدُ عليهِ البريدَ مِن الشَّامِ (٤). هذه الخِيفُ وَهاتيكَ مِنى … فَتَرَفَّقْ أيُّها الحادي بِنا وَاحْبِسِ الرَّكْبَ عَلَيْنا ساعَةً … نَنْدُبُ الرَّبْعَ وَنَبْكي الدِّمَنا فَلِذا المَوْقِفِ أعْدَدْنا البُكا … وَلِذا اليَوْمِ الدُّموعُ تُقْتَنى أتُراكُمْ في النَّقا وَالمُنْحنى … أهلَ سَلْع تَذْكُرونا ذِكْرَنا إِنْقَطَعْنا وَوَصَلْتُمْ فَاعْلَموا … وَاشْكُروا المُنْعِمَ يا أهْلَ مِنى قَدْ خَسِرْنا وَرَبِحْتُمْ فَصِلوا … بِفُضولِ الرِّبحِ مَنْ قَدْ غُبِنا

стр. 527

سارَ قَلْبي خَلْفَ أحْمالِكُمُ … غَيْرَ أن العُذْرَ عاقَ البَدَنا ما قَطَعْتُمْ وادِيًا إلَّا وَقَدْ … جُبْتُهُ أسْعى بِأقْدامِ المُنى آهِ واشَوْقي إلى ذاكَ الحِمى … شَوْقَ مَحْرومٍ وَقَدْ ذاقَ العَنا سَلِّموا عَنِّي عَلى أرْبابِهِ … أخْبِروهُمْ أنَّني حِلْفُ الضَّنا أنا مُذْ غِبْتُمْ عَلى تَذْكارِكُمْ … أتُرى عِنْدَكُمُ ما عِنْدَنا بَيْنَنا يَوْمُ أثَيْلاتِ النَّقا … كانَ عَنْ غَيْرِ تَراضٍ بَيْنَنا زَمَنًا كانَ وَكُنَّا جِيرَةً … فَأعادَ اللهُ ذاكَ الزَّمَنا مَنْ شاهَدَ تلكَ الدِّيار، وعايَنَ تلكَ الآثار، ثمَّ انْقَطَعَ عنها؛ لمْ يَمُتْ إلَّا بالأسفِ عليها والحنينِ إليها. ما أذْكُرُ عَيْشَنا الذي قَدْ سَلَفا … إلَّا وَجَفَ القَلْبُ وَكَمْ قَدْ وَجَفا واهًا لِزَمانِنا الَّذي كانَ صَفا … وَا أسَفًا لِرَدِّهِ وَا أسَفا مَن يُرْجِعُ دَهْرَنا بِأرْضِ الجَزْعِ … بَيْنَ الأَثَلاتِ وَالرُّبا في سَلْعِ قالوا اصْبِرْ (١) ولَيْسَ ذا في وُسْعي … يا حُزْنُ أقِمْ وأنْتَ سِرْ يا دَمْعي يا لَيْتَنا بِزَمْزَمٍ والحِجْرِ … يا جيرَتَنا قُبَيْلَ يَوْمَ النَّفْرِ هَلْ يَرْجِعُ صافي ما مَضى مِن عُمْري … أدْري ما كانَ لَيْتَني لا أدْري المجلس الثالث فيما يقوم مقام الحج والعمرة عند العجز عنهما يذكر ذلك بعد خروج الحاج (٢) في "صحيح البُخارِيِّ" (٣): عن أبي هُرَيْرَةَ؛ قالَ: جاءَ الفقراءُ إلى رسولِ اللهِ ﷺ ،

стр. 528

فقالوا: ذَهَبَ أهلُ الدُّثورِ مِن الأموالِ بالدَّرجاتِ العلى والنَّعيمِ المقيمِ؛ يُصَلُّونَ كما نُصَلِّي، ويَصومونَ كما نَصومُ، ولهُم فضلُ أموالٍ يَحُجُّونَ بها ويَعْتَمِرونَ ويُجاهِدون ويَتَصَدَّقونَ. فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ : "ألا احَدّثُكُم بما إنْ أخَذْتُم بهِ لَحِقْتُم مَن سَبقَكُم ولم يُدْرِكْكُم أحدٌ بعدَكُم، وكُنْتُم خيرَ مَن أنتُم بينَ ظهرانَيْهِ؛ إلَّا مَن عَمِلَ مثلَهُ؟ تُسَبِّحونَ وتَحْمَدونَ وتُكَبِّرونَ خلفَ كلِّ صلاةٍ ثلاثًا وثلاثينَ". وفي "المسند" و "سنن النَّسائِيِّ": عن أبي الدَّرْداءِ؛ قالَ: قُلْنا: يا رسولَ اللهِ! ذَهَبَ الأغنياءُ بالأجرِ؛ يَحُجُّونَ ولا نَحُجُّ، ويُجاهِدونَ ولا نُجاهِدُ، وبكذا وبكذا. فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ : "ألا أدُلُّكُم على شيءٍ إنْ أخَذْتُم بهِ جِئْتُم مِن أفضلِ ما يَجيءُ بهِ أحدٌ منهُم؟ أنْ تُكَبِّروا الله أربعًا وثلاثينَ وتُسَبِّحوهُ ثلاثًا وثلاثينَ وتَحْمَدوهُ ثلاثًا وثلاثينَ في دبرِ كل صلاة" (١). • المالُ لمَنِ اسْتَعانَ بهِ على طاعةِ اللهِ وأنْفَقَهُ في سبلِ الخيراتِ المقرِّبةِ إلى اللهِ

стр. 529

تَعالى سببٌ موصلٌ لهُ إلى اللهِ ، وهوَ لمَن أنْفَقَهُ في معاصي اللهِ واسْتَعانَ بهِ على نيلِ أغراضِهِ المحرَّمةِ أوِ اشْتَغَلَ بهِ عن طاعةِ اللهِ سببٌ قاطعٌ لهُ عن اللهِ. كما قال أبو سُلَيْمانَ الدَّارانِيُّ: الدُّنيا حجابٌ عن اللهِ لأعدائِهِ، ومطيَّهٌ موصلةٌ إليهِ لأوليائِهِ، فسبحانَ مَن جَعَلَ شيئًا واحدًا [سببًا] للاتِّصال بهِ والانقطاعِ عنهُ! وقد مَدَحَ اللهُ في كتابِهِ القسمَ الأوَّلَ وذَمَّ القسمَ الثَّانيَ: فقال في مدحِ الأوَّلينَ: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٤]. وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ (٢٩) لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [فاطر: ٢٩ - ٣٠]. والآياتُ في المعنى كثيرةٌ جدًّا. وقالَ في ذمِّ الآخرينَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٩) وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [المنافقون: ٩ - ١٠]. وقد قالَ ابنُ عَبَّاسٍ: ليسَ أحدٌ لا يُؤْتي زكاةَ مالِهِ إلَّا سألَ الرَّجعةَ عندَ الموتِ، ثمَّ تَلا هذهِ الآيةَ. وأخْبَرَ اللهُ عن أهلِ النَّارِ الَّذينَ يُؤْتى أحدُهُم كتابَهُ بشمالِهِ أنَّهُ يَقولُ: ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (٢٨) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٨، ٢٩]. والأحاديثُ في مدحِ مَن أنْفَقَ مالَهُ في سبيلِ الطَّاعاتِ وفي ذمِّ مَن لم يُؤَدِّ حقَّ اللهِ منهُ كثيرة جدًّا: وقد قال النَّبيُّ ﷺ : "نِعْمَ المالُ الصَّالحُ للرَّجلِ الصَّالحِ" (١).

стр. 530

وقالَ: "الأكثرونَ هُمُ الأقلُّونَ يومَ القيامةِ؛ إلَّا مَن قالَ بالمالِ هكذا وهكذا وهكذا (عن يمينِهِ وعن شمالِهِ ومِن خلفِهِ) وقليلٌ ما هُم" (١). وقالَ: "إنَّ هذا المالَ خضرةٌ حلوةٌ، فمَن أخَذَهُ بحقِّهِ ووَضَعَهُ في حقِّهِ؛ فنِعْمَ المعونةُ هوَ. وإنْ أخَذَهُ بغيرِ حقِّهِ؛ كانَ كالذي يَأْكُلُ ولا يَشْبَعُ" (٢). فالمؤمنُ الذي يَأْخُذُ المالَ مِن حقِّهِ ويَضَعُهُ في حقِّهِ؛ فلهُ أجرُ ذلكَ كلِّهِ، وكلُّ ما أنْفَقَ منهُ يَبْتَغي بهِ وجهَ اللهِ؛ فهوَ لهُ صدقةٌ يُؤْجَرُ عليها، حتَّى ما يُطْعِمُ نفسَهُ فهوَ لهُ صدقةٌ، وما يُطْعِمُ ولدَهُ فهوَ لهُ صدقةٌ، وما يُطْعِمُ أهلَهُ فهوَ لهُ صدقةٌ، وما يُطْعِمُ خادمَهُ فهوَ لهُ صدقةٌ. • وكانَ عامَّةُ أهلِ الأموالِ مِن أصحابِ النَّبيِّ ﷺ مِن هذا القسمِ. قالَ أبو سُلَيْمانَ: كانَ عُثْمانُ بنُ عَفَّانَ وعَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ عَوْفٍ خازنينِ مِن خزَّانِ اللهِ في أرضِهِ يُنْفِقانِ في طاعتِهِ، وكانَتْ معاملتُهُما للهِ بقلوبِهِما. • ورأْسُ المنفقينَ أموالَهُم في سبيلِ اللهِ مِن هذهِ الأُمَّةِ أبو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وفيهِ نَزَلَتْ هذهِ الآيةُ: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (١٧) الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى (١٨) وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (١٩) إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (٢٠) وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ [الليل: ١٧ - ٢١]. وفي "صحيح الحاكم" (٣): عن ابن الزُّبَيْرِ؛ قالَ: قالَ أبو قُحافَةَ لأبي بَكْرٍ: أراكَ تُعْتِقُ رقابًا ضعافًا! فلو أنَّكَ إذ فَعَلْتَ ما فَعَلْتَ أعْتَقْتَ رجالًا جلدًا يَمْنَعونَكَ ويَقومونَ

стр. 531

دونَكَ. فقالَ أبو بَكْرٍ: يا أبتِ! إنِّي إنَّما أُريدُ ما أُريدُ. قالَ: وإنَّما نَزَلَتْ هذهِ الآياتُ فيهِ ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى … ﴾ [الليل: ٥] إلى آخرِ السُّورةِ. ورُوِيَ مِن وجهٍ آخرَ عن ابن الزُّبَيْرِ، وخَرَّجَهُ الإسْماعِيلِيُّ، ولفظُهُ: إنَّ أبا بَكْرٍ كانَ يَبْتاعُ الضَّعفةَ فيُعْتِقُهُم. فقالَ لهُ أبو قُحافَةَ: يا بنيَّ! لوِ ابْتَعْتَ مَن يَمْنَعُ ظهرَكَ. فقالَ: يا أبتِ! منعَ (١) ظهري أُريدُ. ونَزَلَتْ فيهِ (٢) ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (١٧) الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى﴾ إلى آخرِ السُّورةِ. وخَرَّجَ أبو داوودَ والتِّرْمِذِيُّ مِن حديثِ عُمَرَ؛ قالَ: أمَرَنا رسولُ اللهِ ﷺ أنْ نتَصَدَّقَ، ووافَقَ ذلكَ عندي مالًا، فقُلْتُ: اليومَ أسْبِقُ أبا بَكْرٍ إنْ سَبَقْتُهُ يومًا. قالَ: فجِئْتُ بنصفِ مالي. فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ : "ما أبْقَيْتَ لأهلِكَ؟ ". قُلْتُ: مثلَهُ. وإنَّ أبا بَكْرٍ أتى بكلِّ ما عندَهُ، فقالَ: "يا أبا بَكْرٍ! ما أبْقَيْتَ لأهلِكَ؟ ". قالَ: أبْقَيْتُ لهُمُ الله ورسولَهُ. فقُلْتُ: لا أسابِقُهُ إلى شيء أبدًا (٣). وخَرَّجَ الإمامُ أحْمَدُ والنَّسائِيُّ وابنُ ماجَهْ مِن حديثِ: أبي هُرَيْرَةَ، عن النَّبِيِّ ﷺ ، قالَ: "ما نَفَعَني مالٌ قطُّ ما نَفَعَني مالُ أبي بكرِ". فبَكى أبو بكرٍ وقالَ: وهل أنا ومالي إلَّا لكَ يا رسولَ اللهِ؟ وخَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ بدونِ هذهِ الزِّيادةِ في آخرِهِ (٤).

стр. 532

* وكانَ مِن المنفقينَ أموالَهُم في سبيلِ اللهِ عُثْمانُ بنُ عَفَّانَ: ففي التِّرْمِذِيِّ عن عَبْدِ الرَّحمنِ بن خَبَّابٍ؛ قال: شَهِدْتُ النَّبي ﷺ وهوَ يَحُثُّ على جيشِ العسرةِ، فقامَ عُثْمانُ فقال: يا رسول اللهِ! عليَّ مئةُ بعيرٍ بأحلاسِها وأقتابِها في سبيلِ اللهِ. ثمَّ حَضَّ على الجيشِ، فقامَ عُثْمانُ فقال: يا رسول اللهِ! عليَّ مئتا بعيرٍ بأحلاسِها وأقتابِها في سبيلِ اللهِ. ثمَّ حَضَّ على الجيِشِ، فقامَ عُثْمانُ فقال: يا رسول اللهِ! عليَّ ثلاثُ مئةِ بعيرٍ بأحلاسِها وأقتابِها في سبيلِ اللهِ. قال: فرَأيْتُ رسول اللهِ ﷺ يَنْزِل على المنبرِ وهوَ تقول: "ما على عُثْمانَ ما فَعَلَ بعدَ هذهِ، [ما على عُثْمانَ ما فَعَلَ بعدَ هذهِ] " (١). وخَرَّجَ الإمامُ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ مِن حديثِ عَبْدِ الرَّحْمنِ بن سَمُرَةَ؛ أن عُثْمانَ جاءَ إلى النَّبيِّ ﷺ بألفِ دينارٍ حينَ جَهَّزَ جيشَ العسرةِ، فنَثَرَها في حجرِهِ. قال: فرَأيْتُ النَّبيَّ ﷺ يُقَلِّبُها في حجرِهِ ويَقول: "ما ضَرَّ عُثْمانَ ما عَمِلَ (٢) بعدَ هذا اليومِ"؛ مرَّتينِ (٣).

стр. 533

• وكانَ منهُم أيضًا عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ عَوْفٍ: وفي "مسند الإمام أحْمَدَ"؛ أنَّهُ قَدِمَ لهُ عِيرٌ إلى المدينةِ، فارْتَجَّتْ لها المدينةُ، فسَألَتْ عائِشَةُ عنها وحَدَّثَتْ حديثا عن النَّبيِّ ﷺ ، فبَلَغَ عَبْدَ الرَّحمنِ، فجَعَلَها كلَّها في سبيلِ اللهِ بأقتابِها وأحلاسِها، وكانَتْ سبعَ مئةِ راحلةٍ (١).

стр. 534

وخَرَّجَهُ ابنُ سَعْدٍ مِن وجهٍ آخرَ فيهِ انقطاع وعندَهُ أنَّها كانَتْ خمسَ مئةِ راحلةٍ (١). وخَرَّجَ التِّرْمِذِيُّ مِن حديثِ: أبي سَلَمَةَ بن عَبْدِ الرَّحْمنِ بن عَوْفٍ، عن عائِشَةَ؛ أن رسول اللهِ ﷺ كانَ يَقولُ (تَعْني: لأزواجِهِ): "إنَّ أمْرَكُنَّ لَمِمَّا يُهِمُّني بعدي، ولن يَصبِرَ عليكُنَّ إلَّا الصَّابرونَ". قال: ثمَ تَقول عائِشَةُ لأبي سَلَمَةَ: سَقى اللهُ أباكَ مِن سلسبيلِ الجنَّةِ. وكانَ قد وَصَلَ أزواجَ النَّبيِّ ﷺ بحديقةٍ بيعَتْ (٢) بأربعينَ ألفًا (٣). وقال: حسنٌ غريبٌ. وخَرَّجَهُ الحاكِمُ وصحَّحَهُ. وخَرَّجَ الإمامُ أحْمَدُ أوَّلَهُ. وخَرَّجَ الإمامُ أحْمَدُ أيضًا والحاكِمُ مِن حديثِ: أُمِّ بَكْرٍ بنتِ المِسْوَرِ بن مَخْرَمَةَ؛

стр. 535

أنَّ عَبْدَ الرَّحْمنِ بنَ عَوْفٍ باعَ أرضًا لهُ مِن عُثْمانَ بأربعينَ ألفَ دينارٍ، فقَسَمَها في فقراءِ بني زُهْرَةَ وفي المهاجرينَ وأُمَّهاتِ المؤمنينَ. قالَ المِسْوَرُ: فأُتِيَتْ عائِشَةُ بنصيبِها مِن ذلكَ المالِ، فقالَتْ لنا: إنِّي سَمِعْتُ رسولَ اللهِ ﷺ يَقولُ: "لا يَحْنو عليكُنَّ بعدي إلَّا الصَّابرونَ، سَقى اللهُ ابنَ عَوْفٍ مِن سلسبيلِ الجنَّةِ" (١). وخَرَّجَ الإمامُ أحْمَدُ والحاكِمُ مِن حديثِ أُمِّ سَلَمَةَ؛ أن النَّبيَّ ﷺ قالَ لأزواجِهِ: "إنَّ الذي يَحْنو عليكُنَّ بعدي هوَ الصَّادقُ البارُّ. اللهمَّ! آسْقِ عَبْدَ الرَّحْمنِ بنَ عَوْفٍ مِن سلسبيلِ الجنَّةِ" (٢). وخَرَّجَهُ ابنُ سَعْدٍ وزادَ: إنَّ إبْراهيمَ بنَ سَعْدٍ قالَ: حَدَّثَني بعضُ أهلي مِن ولدِ عَبْدِ الرَّحمنِ بن عَوْفٍ؛ أن عَبْدَ الرَّحمنِ [بنَ عَوْفٍ] باعَ أموالَهُ مِن كيْدَمَةَ - وهوَ سهمُهُ مِن بني النَّضيرِ - بأربعينَ ألفَ دينارٍ، فقَسَمَها على أزواجِ النَّبي ﷺ . وخَرَّجَ التِّرْمِذِيُّ مِن حديثِ: أبي سَلَمَةَ بن عَبْدِ الرَّحمنِ؛ أن أباهُ عَبْدَ الرَّحمنِ بنَ عَوْفٍ أوْصى بحديقةٍ لأمَّهاتِ المؤمنينَ بيعَتْ بأربعِ مئةِ ألفٍ. وخَرَّجَهُ الحاكِمُ ولفظُهُ: بيعَتْ بأربعينَ ألفَ دينارٍ.

стр. 536

وأخبارُ الأجوادِ المنفقينَ أموالَهُم في سبيلِ اللهِ مِن أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ يَطولُ ذكرُها جدًّا. • وكانَ الفقراءُ مِن الصَّحابةِ كلَّما رَأَوْا أصحابَ الأموالِ منهُم يُنْفِقونَ أموالَهُم فيما يُحِبُّهُ اللهُ مِن الحجِّ والاعتمارِ والجهادِ في سبيلِ اللهِ والعتقِ والصَّدقةِ والبرِّ والصِّلةِ وغيرِ ذلكَ مِن أنواعِ البرِّ والطَّاعاتِ والقرباتِ؛ حَزِنوا لِما فاتَهُم مِن مشاركتِهِم في هذهِ الفضائلِ. وقد ذَكَرَهُمُ اللهُ في كتابِهِ بذلكَ، فقالَ تَعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩١) وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾ [التوبة: ٩٠ - ٩١]. نَزَلَتْ هذهِ الآيةُ بسببِ قومٍ مِن فقراءِ المسلمينَ أتَوُا النَّبيَّ ﷺ وهوَ يَتَجَهَّزُ إلى غزوةِ تَبوكَ، فطَلَبوا منهُ أنْ يَحْمِلَهُم، فقالَ لهُم: "لا أجِدُ ما أحْمِلُكُمْ عليهِ". فرَجَعوا وهُم يَبْكونَ حزنًا على ما فاتَهُم مِن الجهادِ معَ رسولِ اللهِ ﷺ (١). قالَ بعضُ العلماءِ: هذا واللهِ بكاءُ الرِّجالِ، بَكَوْا على فقدِهِم رواحلَ يَتَحَمَّلونَ عليها إلى الموتِ في مواطنَ تُراقُ فيها الدِّماءُ في سبيلِ اللهِ وتُنْزعُ فيها رؤوسُ الرِّجالِ عن كواهلِها بالسُّيوفِ. فأمَّا مَن يَبْكي على فقدِ حظِّهِ مِن الدُّنيا وشهواتِهِ العاجلةِ؛ فذلكَ شبيهٌ بـ[ـــبكاءِ] الأطفالِ والنِّساءِ على فقدِ حظوظِهِمُ العاجلةِ: سَهَرُ العيونِ لِغَيْرِ وَجْهِكَ باطِلٌ … وَبُكاؤُهُن لِغَيْرِ فَقْدِكَ ضائِعُ

стр. 537

إنَّما يَحْسُنُ البكاءُ والأسفُ على فواتِ الدَّرجاتِ العلى والنَّعيمِ المقيمِ. قالَ بعضُهُم: يُرى رجلٌ في الجنَّةِ يَبْكي، فيُسْألُ عن حالِهِ، فيَقولُ: كانَت لي نفسٌ واحدةٌ فقُتِلَتْ في سبيلِ اللهِ، ووَدِدْتُ أنَّهُ كانَتْ لي نفوسٌ كثيرةٌ تُقْتَلُ كلُّها في سبيلِ اللهِ (١)! غزا قومٌ في سبيلِ اللهِ، فلمَّا صافُّوا عدوَّهُم واقْتَتَلوا؛ رأى كلُّ واحدٍ منهُم زوجتَهُ مِن الحورِ قد فتَحَتْ بابًا مِن السَّماءِ وهيَ تَسْتَدْعي صاحبَها إليها وتَحُثُّهُ على القتالِ، فقُتِلوا كلُّهُم إلَّا واحدًا، وكانَ كلَّما قُتِلَ منهُم واحدٌ، أُغْلِقَ بابٌ وغابَتْ منهُ المرأةُ، فأُفْلِتَ آخرُهُم، فأغْلَقَتْ تلكَ المرأةُ البابَ الباقيَ وقالَتْ: ما فاتَكَ يا شقيُّ! فكانَ يَبْكي على حالِهِ إلى أنْ ماتَ. ولكنَّهُ أوْرَثَهُ ذلكَ طولَ الاجتهادِ والحزنِ والأسف (٢). عَلى مِثْلِ لَيْلى يَقْتُلُ المَرْءُ نَفْسَهُ … وَإنْ كانَ مِنْ لَيْلى عَلى الهَجْرِ طاوِيا • لمَّا سَمعَ الصَّحابةُ ﵃ قولَ اللهِ : ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة: ١٤٨، المائدة: ٤٨]، وقولَهُ: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ [آل عمران: ١٣٣]؛ فَهِموا مِن ذلكَ أن المرادَ أنْ يَجْتَهِدَ كلُّ واحدٍ منهُم أنْ يَكونَ هوَ السَّابقَ لغيرِهِ إلى هذهِ الكرامةِ والمسارعَ إلى بلوغِ هذهِ الدَّرجةِ العاليةِ، فكانَ أحدُهُم إذا رَأى مَن يَعْمَلُ عملًا يَعْجِزُ عنهُ؛ خَشِيَ أنْ يَكونَ صاحبُ ذلكَ العملِ هوَ السَّابقَ لهُ، فيَحْزَنُ لفواتِ سبقِهِ، فكانَ تنافسُهُمِ في درجاتِ الآخرةِ واستباقُهُم إليها، كما قالَ تَعالى: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين: ٢٦]. ثمَّ جاءَ مَن بعدَهُم، فعَكَسَ الأمرَ، فصارَ تنافسُهُم في الدُّنيا الدَّنيَّةِ وحظوظِها الفانيةِ. قالَ الحَسَنُ: إذا رَأيْتَ الرَّجلَ يُنافِسُكَ في الدُّنيا؛ فنافِسْهُ في الآخرةِ. وقالَ وُهَيْبُ بنُ الوَرْدِ: إنِ اسْتَطَعْتَ ألَّا يَسْبِقَكَ أحدٌ إلى اللهِ فأفْعَلْ.

стр. 538

وقالَ بعضُ السَّلفِ: لو أنَّ رجلًا سَمعَ بأحدٍ أطوعَ للهِ منهُ؛ كانَ يَنْبَغي لهُ أنْ يَحْزُنَهُ ذلكَ. وقالَ غيرُهُ: لو أن رجلًا سَمعَ برجلٍ أطوعَ للهِ منهُ فانْصَدَعَ قلبُهُ فماتَ؛ لم يَكُنْ ذلكَ بعجبٍ. قالَ رجلٌ لمالِكِ بن دينارٍ: رَأيْتُ في النَّومِ مناديًا يُنادي: أيُّها النَّاسُ! الرَّحيلَ الرَّحيلَ، فما رَأيْتُ أحدًا يَرْتَحِلُ إلَّا مُحَمَّدَ بنَ واسِعٍ. فصاحَ مالِكٌ وغُشِيَ عليهِ. ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ [الواقعة: ١٠ - ١٢]. قالَ عُمَرُ بنُ عَبْدِ العَزيزِ في حجَّةٍ حَجَّها عندَ دفعِ النَّاسِ مِن عرفهَ: ليسَ السَّابقُ اليومَ مَن سَبَقَ بهِ بعيرُهُ، إنَّما السَّابقُ مَن غُفِرَ لهُ. كانَ رأْسَ السَّابقينَ إلى الخيراتِ مِن هذهِ الأُمَّةِ أبو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁. قالَ عُمَرُ: ما اسْتبَقْنا إلى شيءٍ مِن الخيرِ إلَّا سَبَقَـ[ــنا] أبو بَكْرٍ، وكانَ سبَّاقًا بالخيراتِ. ثمَّ كانَ السَّابقُ بعدَهُ إلى الخيراتِ عُمَرُ. وفي آخرِ حجَّةٍ حجَّها عُمَرُ جاءَ رجلٌ لا يُعْرَفُ، كانوا يَرَوْنَهُ مِن الجنِّ، فرَثاهُ بأبياتٍ منها: فَمَنْ يَسْعَ أوْ يَرْكَبْ جَناحَيْ نَعامَةٍ … لِيُدْرِكَ ما قَدَّمْتَ بِالأمْسِ يُسْبَقِ (١) صاحبُ الهمَّةِ العاليةِ والنَّفسِ الشَّريفةِ التَّوَاقةِ لا يَرْضى بالأشياءِ الدَّنيَّةِ الفانيةِ، وإنَّما همَّتُهُ المسابقةُ إلى الدَّرجاتِ الباقيةِ الزَّاكيةِ التي لا تَفْنى، ولا يَرْجِعُ عن مطلوبِهِ ولو تَلِفَتْ نفسُهُ في طلبِهِ. ومَن كانَ في اللهِ تلفُه؛ كانَ على اللهِ خلفُه. قيلَ لبعضِ المجتهدينَ في الطاعاتِ: لمَ تُعَذِّبُ هذا الجسدَ؟ قالَ: كرامتَهُ أُريدُ. وَإذا كانَتِ النُّفوسُ كِبارًا … تَعِبَتْ في مُرادِها الأجْسامُ قالَ عُمَرُ بنُ عَبْدِ العَزيزِ: إن لي نفسًا توَّاقةً، ما نالَتْ شيئًا إلَّا تاقَتْ إلى ما هوَ أفضلُ منهُ، وإنَّها لمَّا نالَتْ هذهِ المنزلةَ (يَعْني: الخلافةَ) وليسَ في الدُّنيا منزلةٌ أعلى

стр. 539

منها؛ تاقَتْ إلى ما هوَ أعلى مِن الدُّنيا (يَعْني: الآخرةَ). عَلى قَدْرِ أهْلِ العَزْمِ تَأْتي العَزائِمُ … وَتَأْتي عَلى قَدْرِ الكِرامِ المَكارِمُ قيمةُ كلِّ إنسانٍ ما يَطْلُبُ، فمَن كانَ يَطْلُبُ الدُّنيا؛ فلا أدنى منهُ؛ فإنَّ الدُّنيا دنيَّةٌ، وأدنى منها مَن يَطْلُبُها، وهيَ خسيسةٌ، وأخسُّ منها مَن يَخْطُبُها. قالَ بعضُهُم: القلوبُ جوَّالةٌ، فقلبٌ يَجولُ حولَ العرشِ، وقلبٌ يَجولُ حولَ الحُشِّ. الدُّنيا كلُّها حُشٌّ، وكلُّ ما فيها مِن مطعمٍ ومشربٍ يَؤُولُ إلى الحُشِّ، وما فيها مِن أجسامٍ ولباسٍ يَصيرُ ترابًا، كما قيلَ: وكلُّ الذي فوقَ التُّرابِ تُرابُ. وقالَ بعضُهُم في يومِ عيدٍ لإخوانِهِ: هل تَنْظُرونَ إلَّا خرقًا تَبْلى أو لحمًا يَأْكُلُهُ الدُّودُ غدًا؟! وأمَّا مَن كانَ يَطْلُبُ الآخرةَ؛ فقدرُهُ خطيرٌ؛ لأنَّ الآخرةَ خطيرةٌ شريفةٌ، ومَن يَطْلُبُها أشرفُ منها، كما قيلَ: أُثامِنُ بِالنَّفسِ النَّفيسَةِ رَبَّها … وَلَيْسَ لَها في الخَلْقِ كُلِّهِمُ ثَمَنْ بِها تُدْرَكُ الأُخْرى فَإنْ أنا بِعْتُها … بِشَيْءٍ مِنَ الدُّنْيا فذاكَ هُوَ الغَبَنْ لَئِنْ ذَهَبَتْ نَفْسي بِدُنْيا أصَبْتُها … لَقَدْ ذَهَبَتْ نَفْسي وَقَدْ ذَهَبَ الثَّمَنْ وأمَّا مَن كانَ يَطْلُبُ الله؛ فهوَ أكبرُ النَّاسِ عندَهُ، كما أن مطلوبَهُ أكبرُ مِن كلِّ شيءٍ، كما قيلَ: لَهُ هِمَمٌ لا مُنْتَهى لِكِبارِها … وَهِمَّتُهُ الصُّغْرى أجَلُّ مِنَ الدَّهْرِ قالَ الشِّبْلِيُّ: مَن رَكَنَ إلى الدُّنيا؛ أحْرَقَتْهُ بنارِها، فصارَ رمادًا تَذْروهُ الرِّياحُ، ومَن رَكَنَ إلى الآخرةِ أحْرَقَتْهُ بنورِها، فصارَ سبيكةَ ذهبٍ يُنْتَفَعُ بهِ، ومَن رَكَنَ إلى اللهِ؛ أحْرَقَهُ بنورِ التَّوحيدِ، فصارَ جوهرًا لا قيمةَ لهُ (١). العالي الهمَّةِ يَجْتَهِدُ في نيلِ مطلوبِه، ويَبْذُلُ وسعَهُ في الوصولِ إلى رضى

стр. 540

محبوبِه. فأمَّا خسيسُ الهمَّةِ؛ فاجتهادُهُ في متابعةِ هواهُ، ويَتَّكِّلُ على مجرَّدِ العفوِ، فيَفوتُهُ - إنْ حَصَلَ لهُ العفوُ - منازلُ السَّابقينَ المقرَّبينَ. قالَ بعضُ السَّلفِ: هَبْ أن المسيءَ عُفِيَ عنهُ، أليسَ قد فاتَهُ ثوابُ المحسنين؟ فَيا مُذْنِبًا يَرْجو مِنَ اللهِ عَفْوَهُ … أتَرْضى بِسَبْقِ المُتَّقينَ إلى اللهِ لمَّا تَنافَسَ المتنافسونَ في نيلِ الدَّرجات؛ غَبَطَ بعضُهُم بعضًا بالأعمالِ الصَّالحات. قالَ النَّبيُّ ﷺ : "لا حسدَ إلَّا في اثنتينِ: رجلٌ آتاهُ اللهُ مالًا فهوَ يُنْفِقُهُ في سبيلِ اللهِ آناءَ الليلِ وآناءَ النَّهارِ، ورجلٌ آتاهُ اللهُ القرآنَ فهوَ تقومُ بهِ آناءَ الليلِ وآناءَ النَّهارِ". وفي روايةٍ: "لا تحاسدَ إلَّا في اثنتينِ: رجلٌ آتاهُ اللهُ القرآنَ فهوَ يَتْلُوهُ آناءَ الليلِ والنَّهارِ، يَقولُ: لو أوتِيتُ مثلَ ما أُوتِيَ هذا لَفَعَلْتُ كما يَفْعَلُ، ورجل آتاهُ اللهُ مالًا فهوَ يُنْفِقُهُ في حقِّهِ، يَقولُ: لو أُوتِيتُ مثلَ ما أوتِيَ هذا لَفَعَلْتُ كما يَفْعَلُ". وهذا الحديثُ في الصَّحيحين (١). وفي التِّرْمِذِيِّ وغيرِهِ عن النَّبيِّ ﷺ ، قالَ: "إنَّما مثلُ هذهِ الأُمَّةِ كأربعةِ نفرٍ: رجلٌ آتاهُ اللهُ مالًا وعلمًا، فهوَ يَعْمَلُ بعلمِهِ في مالِهِ يُنْفِقُهُ في حقِّهِ. ورجلٌ آتاهُ اللهُ علمًا ولم يُؤْتِهِ مالًا، وهوَ يَقولُ: لو كانَ لي مثلُ هذا؛ لعَمِلْتُ فيهِ مثلَ الذي يَعْمَلُ". قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : "هما في الأجرِ سواءٌ. ورجلٌ آتاهُ اللهُ مالًا ولم يُؤْتِهِ علمًا، فهوَ يَخْبِطُ في مالِهِ يُنْفِقُهُ في غيرِ حقِّهِ. ورجلٌ لمْ يُؤْتِهِ اللهُ علمًا ولا مالًا، فهوَ يَقولُ: لو كانَ لي مالُ هذا؛ عَمِلْتُ فيهِ مثلَ الذي يَعْمَلُ". قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " [فـ]ـــهُما في الوزرِ سواءٌ" (٢).

стр. 541

ورَوى حُمَيْدُ بنُ زَنْجَوَيْهِ بإسنادِهِ: عن زَيْدِ بن أسْلَمَ؛ قالَ: يُؤْتى يومَ القيامةِ بفقيرٍ وغنيٍّ اصْطَحَبا في اللهِ، فيوجَدُ للغنيِّ فضلُ عملٍ فيما كانَ يَصْنَعُ في مالِهِ، فيُرْفَعُ على صاحبِهِ، فيَقول الفقيرُ: يا ربِّ! لمَ رَفَعْتَهُ؟ وإنَّما اصْطَحَبْنا فيكَ وعَمِلْنا لكَ. فيَقول تَعالى: لهُ فضلُ عملٍ بما صَنَعَ في مالِهِ. فيَقولُ: يا ربِّ! لقد عَلِمْتَ لو أعْطَيْتَني مالًا لَصَنَعْتُ مثلَ ما صَنَعَ. فيَقولُ: صَدَقَ، فارْفَعوهُ إلى منزلةِ صاحبِهِ. ويُؤْتى بمريضٍ وصحيحٍ اصْطَحَبا في اللهِ، فيُرْفَعُ الصَّحيحُ بفضلِ عملِهِ، فيَقول المريضُ: لمَ رَفَعْتَهُ عليَّ؟ فيَقول: بما كانَ يَعْمَلُ في صحَّتِهِ. فيَقولُ: يا ربِّ! لقد عَلِمْتَ لو أصْحَحْتَني لَعَمِلْتُ كما عَمِلَ، فيَقول اللهُ: صَدَقَ، فارْفَعوهُ إلى درجةِ صاحبِهِ. ويُؤْتى بحرٍّ ومملوكٍ

стр. 542

اصْطَحَبا فيَقولُ مثلَ ذلكَ. ويُؤْتى بحَسَنِ الخلقِ وسيِّئ الخلقِ، فيَقولُ: يا ربِّ! لمَ رَفَعْتَهُ عليَّ، وإنَّما اصْطَحَبْنا فيكَ وعَمِلْنا؟ فيَقولُ: بحسنِ خلقِهِ. فلا يَجِدُ لهُ جوابًا. العاقلُ يَغْبِطُ مَن أنْفَقَ أموالَهُ في سبيلِ الخيراتِ ونيلِ علوِّ الدَّرجاتِ، والجاهلُ يَغْبِطُ مَن أنْفَقَ مالَهُ في الشَّهواتِ وتَوَصَّلَ بهِ إلى اللذَّاتِ المحرَّماتِ. قالَ تَعالى حاكيًا عن قارونَ: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَالَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٧٩) وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا … ﴾ [القصص: ٧٩ - ٨٠] إلى قولِهِ: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص: ٨٣]. • فلمَّا رَأى النَّبيُّ ﷺ تأسُّفَ أصحابِهِ الفقراءِ وحزنَهُم على ما فاتَهُم مِن إنفاقِ إخوانِهِمُ الأغنياءِ أموالَهُم في سبيلِ اللهِ تقرُّبًا إليهِ وابتغاءً لمرضاتِهِ؛ طيَّبَ قلوبَهُم ودَلَّهُم على عملٍ يسيرٍ يُدْرِكونَ بهِ مَن سَبَقَهُم ولا يَلْحَقُهُم معَهُ أحدٌ بعدَهُم ويَكونونَ بهِ خيرًا ممَّن هُم معَهُ؛ إلَّا مَن عَمِلَ مثلَ عملِهِم، وهوَ الذِّكرُ عقيبَ الصَّلواتِ المفروضاتِ. وقدِ اخْتَلَفَتِ الرِّواياتُ في أنواعِهِ وعددِهِ، والأخذُ بكلِّ ما وَرَدَ مِن ذلكَ حسنٌ ولهُ فضلٌ عظيمٌ. وفي حديثِ أبي هُرَيْرَةَ هذا أنَّهُم يُسَبِّحونَ ويَحْمَدونَ ويُكَبِّرونَ خلفَ كلِّ صلاةٍ ثلاثًا وثلاثينَ. وقد فَسَّرَهُ أبو صالِح راويهِ عنهُ بالجمع، وهوَ أنْ يَقولَ: سبحانَ اللهِ والحمدُ للهِ واللهُ أكبرُ ثلاثًا وثلاثينَ مرَّة، فيَكونُ جملةُ ذَلكَ تسعًا وتسعينَ. وقد يُشْكِلُ على هذا حديثُ أن رجلًا سَألَ النَّبيَّ ﷺ عمَّا يَعْدِلُ الجهادَ. فقالَ: "هل تَسْتَطيعُ إذا خَرَجَ المجاهدُ أنْ تَصومَ فلا تُفْطِرَ وتَقومَ ولا تَفْتُرَ" (١). وهوَ حديثٌ صحيحٌ ثابتٌ أيضًا. فلم يَجْعَلْ للجهادِ عدلًا سوى الصِّيامِ الدَّائمِ والقيامِ الدَّائمِ. وفي هذا الحديثِ قد جَعَلَ الذِّكرَ عقيبَ الصَّلواتِ عدلًا لهُ.

стр. 543

والجمعُ بينَ ذلكَ كلِّهِ أنَّ النَّبيَّ ﷺ لم يَجْعَلْ للجهادِ في زمانِهِ عملًا يَعْدِلُهُ بحيثُ إذا انْقَضى الجهادُ انْقضى ذلكَ العملُ واسْتَوى العاملُ معَ المجاهدِ في الأجرِ، وإنَّما جَعَلَ الذي يَعْدِلُ الجهادَ الذِّكرَ الكثيرَ المستدامَ في بقيَّةِ عمرِ المؤمنِ مِن غيرِ قطعٍ لهُ حتَّى يَأْتِيَ صاحبَهُ أجلُهُ، فإذا اسْتَمَرَّ على هذا الذِّكرِ في أوقاتِهِ إلى أنْ ماتَ عليهِ عَدَلَ ذكرُهُ هذا الجهادَ (١). وقد دَلَّ على ذلكَ أيضًا ما خَرَّجَهُ الإمامُ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ مِن حديثِ: أبي الدَّرْداءِ، عن النَّبيِّ ﷺ ؛ قالَ: "ألا أُنَبِّئُكُمْ بخيرِ أعمالِكُم، وأزكاها عندَ مليكِكُم، وأرفعِها في درجاتِكُم، وخيرٍ لكُم مِن إنفاقِ الذَّهبِ والورقِ، وخيرٍ لكُم مِن أنْ تَلْقَوْا عدوَّكُم فتَضْرِبوا أعناقَهُم ويَضْرِبوا أعناقَكُم؟ ". قالوا: بلى يا رسولَ اللهِ! قالَ: "ذكرُ اللهِ " (٢). وخَرَّجَهُ مالِكٌ في "الموطَّأ" موقوفًا.

стр. 544

وخَرَّجَ الإمامُ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ أيضًا مِن حديثِ: أبي سَعيدٍ؛ أن النَّبيَّ ﷺ سُئِلَ: أيُّ العبادِ أفضلُ درجةً عندَ اللهِ يومَ القيامةِ؟ قالَ: "الذَّاكرونَ الله تَعالى كثيرًا". قُلْتُ: يا رسولَ اللهِ! ومِن الغازي في سبيلِ اللهِ؟ قالَ: "لو ضَرَبَ بسيفِهِ الكفَّارَ والمشركينَ حتَّى يَنْكَسِرَ ويَخْتَضِبَ دمًا؛ لكانَ الذَّاكرونَ الله أفضلَ منهُ درجةً" (١). وقد رُوِيَ هذا المعنى عن مُعاذِ بن جَبَلٍ وطائفةٍ مِن الصَّحابةِ موقوفًا وأنَّ الذِّكرَ للهِ أفضلُ مِن الصَّدقةِ بعدَّتِهِ دراهمَ ودنانيرَ ومِن النَّفقةِ في سبيلِ اللهِ. وقيلَ لأبي الدَّرداءِ: رجلٌ أعْتَقَ مئةَ نسمةٍ. قالَ: إنَّ مئةَ نسمةٍ مِن مالِ رجلٍ كثيرٌ، وأفضلُ مِن ذلكَ إيمانٌ ملزومٌ بالليلِ والنَّهارِ وأنْ لا يَزالَ لسانُ أحدِكُم رطبًا مِن ذكرِ اللهِ . وعنهُ قالَ: لأنْ أقولَ لا إلهَ إلَّا اللهُ واللهُ أكبرُ مئةَ مرَّةٍ أحبّ إليَّ مِن أنْ أتَصَدَّقَ بمئةِ دينارٍ. ويُرْوى مرفوعًا وموقوفًا مِن غيرِ وجهٍ: "مَن فاتَهُ الليلُ أنْ يُكابِدَهُ، وبَخِلَ بمالِهِ أنْ يُنْفِقَهُ، وجَبُنَ عن عدوِّهِ أنْ يُقاتِلَهُ؛ فلْيُكْثِرْ مِن سبحانَ اللهِ وبحمدِهِ؛ فإنَّها أحبُّ إلى اللهِ مِن جبلِ ذهبٍ أو فضَّةٍ يُنْفِقُهُ في سبيلِ اللهِ " (٢).

стр. 545

وذكرُ اللهِ مِن أفضلِ أنواعِ الصَّدقةِ. وخَرَّجَ الطَّبَرانِيُّ عن ابن عَبَّاسٍ مرفوعًا: "ما صدقةٌ أفضلَ مِن ذكرِ اللهِ " (١). وقد قالَ طائفةٌ مِن السَّلفِ في قولِ اللهِ : ﴿وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [الحديد: ١٨]: إنَّ القرضَ الحَسَنَ قولُ سبحانَ اللهِ والحمدُ للهِ ولا إلهَ إلَّا اللهُ واللهُ أكبرُ. وفي مراسيلِ الحسنِ عن النَّبيِّ ﷺ ؛ قالَ: "ما أنْفَقَ عبدٌ نفقةً أفضلَ عندَ الله مِن قولٍ ليسَ مِن القرآنِ وهوَ مِن القرآنِ؛ سبحانَ اللهِ والحمدُ للهِ ولا إلهَ إلَّا اللهُ

стр. 546

واللهُ أكبرُ" (١). ورَوى عَبْدُ الرَّزَّاقِ في كتابِهِ عن: مَعْمَرٍ، عن قَتادَةَ؛ قالَ: قالَ ناسٌ مِن فقراءِ المؤمنينَ: يا رسولَ اللهِ! ذَهَبَ أصحابُ الدُّثورِ بالأُجورِ؛ يَتَصَدَّقونَ ولا نتصَدَّقُ، ويُنْفِقونَ ولا نُنْفِقُ، فقالَ: "أرَأيْتُمْ لو أن مالَ الدُّنيا وُضِعَ بعضُهُ على بعضٍ أكانَ بالغًا السَّماءَ؟ ". قالوا: لا يا رسولَ اللهِ! قالَ: "أفلا أُخْبِرُكُمْ بشيءٍ أصلُهُ في الأرضِ وفرعُهُ في السَّماءِ؟ أنْ تَقولوا في دبرِ كلِّ صلاةٍ: لا إلهَ إلَّا اللهُ واللهُ أكبرُ وسبحانَ اللهِ والحمدُ للهِ عشرَ مرَّاتٍ؟ فإنَّ أصلَهُنَّ في الأرضِ وفرعَهُنَّ في السَّماءِ" (٢). وقد كانَ بعضُ الصَّحابةِ يَظُنُّ أنْ لا صدقةَ إلَّا بالمالِ، فأخْبَرَهُ النَّبيُّ ﷺ أن الصَّدقةَ لا تَخْتَصُّ بالمالِ، وأنَّ الذِّكرَ وسائرَ أعمالِ المعروفِ صدقةٌ، كما في "صحيح مسلم" (٣): عن أبي ذَرٍّ ﵁؟ أن ناسًا مِن أصحابِ النَّبيِّ ﷺ قالوا: يا رسولَ اللهِ! ذَهَبَ أهلُ الدُّثورِ بالأُجورِ؛ يُصَلُّونَ كما نُصَلِّي، ويَصومونَ كما نَصومُ، ويَتَصَدَّقونَ بفضولِ أموالِهِم. فقالَ النَّبيُّ ﷺ : "أوَلَيْسَ قد جَعَلَ اللهُ لكُم ما تَتَصَدَّقونَ بهِ؟ إنَّهُ بكلِّ تسبيحةٍ صدقةٌ، وكلِّ تكبيرة صدقةٌ، [وكلِّ تحميدةٍ صدقةٌ]، وكلِّ تهليلةٍ صدقةٌ، وأمرٌ بالمعروفِ صدقةٌ، ونهيٌ عن منكرٍ صدقةٌ، وفي بضعِ أحدِكُم صدقةٌ". وفي "المسند" عنهُ؛ أنَّهُ قالَ: يا رسولَ اللهِ! الأغنياءُ يَتَصَدَّقونَ ولا نتصَدَّقُ. قالَ: "وأنتَ فيكَ صدقةٌ؛ رفعُكَ العظمَ عن الطَّريقِ صدقةٌ، وهدايتُكَ الطَّريقَ صدقةٌ، وعونُكَ الضَّعيفَ بفضلِ قوَّتِكَ صدقةٌ، وبيانُكَ عن الأرتمِ صدقةٌ، ومباضعتُكَ (٤) امرأتَكَ صدقةٌ" (٥).

стр. 547

وفي المعنى أحاديثُ كثيرةٌ جدًّا يَطولُ ذكرُها. • واعْلَمْ أنَّ مَن عَجَزَ عن عملِ خيرٍ وتَأسَّفَ عليهِ وتَمَنَّى حصولَهُ؛ كانَ شريكًا لفاعلِهِ في الأجرِ، كما تَقَدَّمَ في الذي قالَ لو كانَ لي مالٌ لَعَمِلْتُ فيهِ ما عَمِلَ فلانٌ أنَّهُما سواءٌ في الأجرِ والوزرِ. وقد قيلَ: إنَّهُما سواءٌ في أصلِ الأجرِ دونَ المضاعفةِ؛ فإنَّها تَخْتَصُّ بالعاملِ، فمِن ها هنا كانَ أربابُ الهممِ العاليةِ لا يَرْضَوْنَ بمجرَّدِ هذهِ المشاركةِ، ويَطْلُبونَ أنْ يَعْمَلوا أعمالًا تُقاوِمُ الأعمالَ التي عَجَزوا عنها؛ لِيَفوزوا بثوابٍ يُقاوِمُ ثوابَ تلكَ الأعمالِ ويُضاعَفُ لهُم كما يُضاعَفُ لأُولئِكَ فيَسْتَووا هُم وأُولئكَ العمَّالُ في الأجرِ كلِّهِ. وقد كانَ بعضُ مَن يَقْعُدُ عن الجهادِ مِنِ امرأةٍ وضعيفٍ في عهدِ النَّبيِّ ﷺ يَسْألُهُ عن عملٍ يَعْدِلُ الجهادَ. وفاتَ بعضَ النِّساءِ الحجُّ معَ رسولِ اللهِ ﷺ ، فلمَّا قَدِمَ؟ سَألَتْهُ عمَّا يُجْزِئُ مِن تلكَ الحجَّةِ، قالَ: "اعْتَمِري في رمضانَ؛ فإن عمرةً في رمضانَ تَعْدِلُ حجَّةً (أو: حجَّةً معي) " (١). وقالَتْ عائِشَةُ: يا رسولَ اللهِ! نَرى الجهادَ أفضلَ العملِ، أفلا نُجاهِدُ؟ قالَ: "لكنْ جهادُكُنَّ الحجُّ والعمرةُ" (٢). وكانَ منهُم مَن إذا تَخَلَّفَ عن الغزوِ اجْتَهَدَ في مشاركةِ الغزاةِ في أجرِهِم: فإمَّا أنْ يُخْرِجَ مكانَهُ رجلًا بمالِهِ، وإمَّا أنْ يُعينَ غازيًا، وإمَّا أنْ يَخْلُفَهُ في أهلِهِ بخيرٍ. فإنَّ مَن فَعَلَ هذا كلَّهُ فقد غَزا. تَصَدَّقَ بعضُ الأغنياءِ بمالٍ كثيرٍ، فبَلَغَ ذلكَ طائفةً مِن الصَّالحينَ، فاجْتَمَعوا في مكانٍ، وحَسَبوا ما تَصَدَّقَ بهِ مِن الدَّراهمِ، وصَلَّوْا بدلَ كل درهمٍ تَصَدَّقَ بهِ [للهِ تَعالى

стр. 548

ركعةً]. هكذا يَكونُ استباقُ الخيراتِ والتَّنافسُ في علوِّ الدَّرجاتِ. كَذاكَ الفَخْرُ يا هِمَمَ الرِّجالِ … تَعالَيْ فَانْظُري كَيْفَ التَّغالي • فسبحانَ مَن فَضَّلَ هذهِ الأمَةَ وفَتَحَ لها على يدي نبيِّها نبيِّ الرَّحمةِ أبوابَ الفضائلِ الجمَّةِ، فما مِن عملٍ عظيمٍ تقومُ بهِ قومٌ ويَعْجِزُ عنهُ آخرونَ إلَّا وقد جَعَلَ اللهُ عملًا ويُقاوِمُهُ أو يَفْضُل عليهِ، فتَتَساوى الأُمَّةُ كلها في القدرةِ عليهِ. • لمَا كانَ الجهادُ أفضلَ الأعمالِ ولا قدرةَ لكثيرٍ مِن النَّاسِ عليهِ؛ كانَ الذِّكرُ الكثيرُ الدَّائمُ يُساويهِ ويَفْضُلُ عليهِ، وكانَ العملُ في عشرِ ذي الحجَّةِ يَفْضُلُ عليهِ؛ إلَّا مَن خَرَجَ بنفسِهِ ومالِهِ ولم يَرْجِعْ منهُما بشيءٍ. • لمَّا كانَ الحجُّ مِن أفضلِ الأعمالِ، والنُّفوسُ تَتوقُ إليهِ لِما وَضَعَ اللهُ في القلوبِ مِن الحنينِ إلى ذلكَ البيتِ العظيمِ، وكانَ كثيرٌ مِن النَّاسِ يَعْجِزُ عنهُ، ولا سيما كلَّ عامٍ؛ شَرَعَ اللهُ لعبادِهِ أعمالًا يَبْلُغُ أجرُها أجرَ الحجِّ، فيَتَعَوَّضُ بذلكَ العاجزونَ عن التَّطوُّعِ بالحجِّ. ففي التِّرْمِذِيِّ: عن النَّبيِّ ﷺ ؛ قالَ: "مَن صَلَّى الصُّبحَ [في جماعةٍ]، ثمَّ جَلَسَ في مصلَّاهُ يَذْكُرُ الله حتَّى تَطْلُعَ الشَمسُ، ثمَّ صَلَى ركعتينِ؛ كانَ لهُ مثلُ أجرِ حجَّةٍ وعمرةٍ تامَّةٍ". قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : "تامَّةٍ تامَّةٍ تامَّةٍ" (١).

стр. 549

وشهودُ الجمعةِ يَعْدِلُ حجَّةَ تطوُّعٍ. قالَ سَعيدُ بنُ المُسَيَّبِ: هوَ أحَبُّ إليَّ مِن حجَّةٍ نافلةٍ. وقد جَعَلَ النَّبيُّ ﷺ المبكِّرَ إليها (١) كالمهدي هديًا إلى بيتِ اللهِ الحرامِ (٢). وفي حديثٍ ضعيفٍ: "الجمعةُ حجُّ المساكينِ" (٣). وفي "تاريخِ ابن عَساكِر": عن الأوزاعِيِّ؛ قالَ: مَرَّ يونُسُ بنُ مَيْسَرَةَ بن حَلْبَسَ بمقابرِ باب توما، فقالَ: السَّلامُ عليكُم يا أهلَ القبورِ! أنتُم لنا سلفٌ ونحنُ لكُم تبعٌ، فرَحِمَنا اللهُ وإيَّاكُم وغَفَرَ لنا ولكُم، فكأنْ قد صِرْنا إلى ما صِرْتُم إليهِ. فرَدَّ اللهُ الرُّوحَ إلى رجلٍ منهُم، فأجابَهُ، فقالَ: طوبى لكُم يا أهلَ الدُّنيا حينَ تَحُجُّونَ في الشَّهرِ أربعَ

стр. 550

مرَّاتٍ. قالَ: وإلى أينَ يَرْحَمُكَ اللهُ؟ قالَ: إلى الجمعةِ، أما تَعْلَمونَ أنَّها حجَّةٌ مبرورةٌ متقبَّلةٌ. قالَ: ما خيرُ ما قَدَّمْتُم؟ قالَ: الاستغفارُ يا أهلَ الدُّنيا! قالَ: فما يَمْنَعُكَ أنْ تَرُدَّ السَّلامَ؟ قالَ: يا أهلَ الدُّنيا! السَّلامُ والحسناتُ قد رُفِعَتْ عنَّا، فلا في حسنةٍ نَزيدُ، ولا في سيِّئةٍ نَنْقُصُ، غَلِقَتْ رهونُنا يا أهلَ الدُّنيا (١)! في "سننِ أبي داوودَ": عن النَّبيِّ ﷺ قالَ: "مَن تَطَهَّرَ في بيتِهِ، ثمَّ خَرَجَ إلى المسجدِ لأداءِ صلاةٍ مكتوبةٍ؛ فأجرُهُ مثلُ أجرِ الحاجِّ المحرمِ. ومَن خرَجَ لصلاةِ الضُّحى؟ كانَ لهُ مثلُ أجرِ المعتمرِ" (٢). وفي حديثِ أنَسٍ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ وَصَّى رجلَّا بَبرِّ أُمِّهِ وقالَ لهُ: "أنتَ حاجٌّ ومعتمرٌ ومجاهدٌ" (٣)؛ يَعْني: إذا بَرَّها. وقال بعضُ الصَّحابةِ: الخروجُ إلى العيدِ يومَ الفطرِ يَعْدِلُ عمرة ويومَ الأضحى يَعْدِلُ حجَّةً.

стр. 551

قالَ الحَسَنُ: مشيُكَ في حاجةِ أخيكَ المسلمِ خيرٌ لكَ مِن حجَّةٍ بعدَ حجَّةٍ. وقالَ عُقْبَةُ بنُ عَبْدِ الغافِرِ: صلاةُ العشاءِ في جماعةٍ تَعْدِلُ حجَّةً، وصلاةُ الغداةِ في جماعةٍ تَعْدِلُ عمرةً. وقالَ أبو هُرَيْرَةَ لرجلٍ: بكورُكَ إلى المسجدِ أحبُّ إليَّ مِن غزوتِنا معَ رسولِ اللهِ ﷺ . ذَكَرَهُ الإمامُ أحْمَدُ. أداءُ الواجباتِ كلِّها أفضلُ مِن التَّنفُّلِ بالحجِّ والعمرةِ وغيرِهِما؛ فإنَّهُ ما تَقَرَّبَ العبادُ إلى اللهِ بأحبَّ إليهِ مِن أداءِ ما افْتَرَضَ عليهِم (١). وكثيرٌ مِن النَّاسِ يَهونُ عليهِ التَّنفُّلُ بالحجِّ والصَّدقةِ ولا يَهونُ عليهِ أداءُ الواجباتِ مِن الدُّيونِ ورَدِّ المظالمِ، وكذلكَ يَثْقُلُ على كثيرٍ مِن النُّفوسِ التَّنرُّهُ عن كسبِ الحرامِ والشُّبهاتِ ويَسْهُلُ عليها إنفاقُ ذلكَ في الحجِّ والصَّدقةِ. قالَ بعضُ السَّلفِ: تركُ دانقٍ ممَّا يَكْرَهُهُ اللهُ أحبُّ إليَّ مِن خمسِ مئةِ حجَّةٍ. كفُّ الجوارحِ عن المحرَّماتِ أفضلُ مِن التَّطوُّعِ بالحجِّ وغيرِهِ، وهوَ أشقُّ على النُّفوسِ. قالَ الفُضَيْلُ بنُ عِياضٍ: ما حجٌّ ولا رباطٌ ولا جهادٌ أشدَّ مِن حبسِ اللسانِ، ولو أصْبَحْتَ يَهُمُّكَ لسانُكَ؛ أصْبَحْتَ في همٍّ شديدٍ. • ليسَ الاعتبارُ بأعمالِ البرِّ بالجوارحِ، إنَّما الاعتبارُ ببرِّ القلوبِ وتقواها وتطهيرِها عن الآثامِ (٢). سفرُ الدُّنيا يُقْطَعُ بسيرِ الأبدانِ، وسفرُ الآخرةِ يُقْطَعُ بسيرِ القلوبِ (٣). قالَ رجلٌ لبعضِ العارفينَ: قد قَطَعْتُ إليكَ مسافةً. قالَ: ليسَ هذا الأمرُ بقطعِ المسافاتِ، فارِقْ نفسَكَ بخطوةٍ وقد وَصَلْتَ إلى مقصودِكَ.

стр. 552

سيرُ القلوبِ أبلغُ مِن سيرِ الأبدانِ. كم مِن واصلٍ ببدنِهِ إلى البيتِ وقلبُهُ منقطعٌ عن ربِّ البيتِ، وكم مِن قاعدٍ على فراشِهِ في بيتِهِ وقلبُهُ متَّصلٌ بالمحلِّ الأعلى. جِسْمي مَعي غَيْرَ أنَّ الرُّوحَ عِنْدَكُمُ … فَالجِسْمُ في غُرْبَةٍ والرُّوحُ في وَطَنٍ قالَ بعضُ العارفينَ: عجبًا لمَن يَقْطَعُ المفاوزَ والقفارَ لِيَصِلَ إلى البيتِ فيُشاهِدَ فيهِ آثارَ الأنبياءِ كيفَ لا يَقْطَعُ هواهُ لِيَصِلَ إلى قلبِهِ فيَرى فيهِ أثرَ "وَسِعَني قلبُ عبدي المؤمنِ" (١). أيُّها المؤمنُ! إنَّ للهِ بينَ جنبيكَ بيتًا لو طَهَّرْتَهُ لأشْرَقَ ذلكَ البيتُ بنورِ ربِّهِ وانْشَرَحَ وانْفَسَحَ. أنْشَدَ الشِّبْلِيُّ: إنَّ بَيْتًا أنْتَ ساكِنُهُ … غَيْرُ مُحْتاجٍ إلى السُّرُجِ وَمَريضًا أنْتَ عائِدُهُ … قَدْ أتاهُ اللهُ بالفَرَجِ وَجْهُكَ المَأْمولُ حُجَّتُنا … يَوْمَ يَأْتي النَّاسُ بِالحُجَجِ تطهيرُ القلبِ: تفريغُهُ مِن كلِّ ما يَكْرَهُهُ اللهُ مِن أصنامِ النَّفسِ والهوى، ومتى بَقِيَتْ فيهِ مِن ذلكَ بقيَّةٌ؛ فاللهُ أغنى الأغنياءِ عن الشِّركِ، وهوَ لا يَرْضى بمزاحمةِ الأصنامِ. قالَ سَهْلُ بنُ عَبْدِ اللهِ: حرامٌ على قلبٍ أنْ يَدْخُلَهُ النُّورُ وفيهِ شيءٌ ممَّا يَكْرَهُهُ اللهُ. أرَدْناكُمُ صِرْفًا فَلَمَّا مَزَجْتُمُ … بَعُدْتُمْ بِمِقْدارِ الْتِفاتِكُمُ عَنَّا وَقُلْنا لَكُمْ لا تُسْكِنوا القَلْبَ غَيْرَنا … فَأسْكَنْتُمُ الأغْيارَ ما أنْتُمُ مِنَّا إخواني! إنْ حُبِسْتُمُ العامَ عن الحجِّ؛ فارْجِعوا إلى جهادِ النُّفوسِ فهوَ الجهادُ

стр. 553

الأكبر. أو أُحصِرْتُمْ عن أداءِ النُّسكِ؛ فأرِيقوا على تخلُّفِكُم مِن الدُّموع ما تَيَسَّرَ؛ فإنَّ إراقةَ الدِّماءِ لازمةٌ للمحصَر. ولا تَحْلِقوا رؤوسَ أديانِكُم بالذُّنوبِ؛ فإنَّ الذُّنوبَ حالقةُ الدِّينِ ليستْ حالقةَ الشَّعر. وقوموا للهِ باستشعارِ الرَّجاءِ والخوفِ مقامَ القيامِ بأرجاءِ الخيفِ والمشعر. ومَن كانَ قد بَعُدَ عن حرمِ اللهِ؛ فلا يُبْعِدُ نفسَهُ بالذُّنوبِ عن رحمةِ اللهِ؛ فإنَّ رحمةَ اللهِ قريبٌ ممَّن تابَ إليهِ واسْتَغْفَر. ومَن عَجَزَ عن حجِّ البيتِ لأنْ كانَ البيتُ منهُ بعيد؛ فلْتقْصِدْ ربَّ البيتِ؛ فإنَّهُ ممَّن دَعاهُ ورَجاهُ أقربُ مِن حبلِ الوريد. إلَيْكَ قَصْدِيَ رَبَّ البَيْتِ والحَجَرِ … فَأنْتَ سُؤْلِيَ مِن حَجِّي ومِن عُمَري وَفيكَ سَعْيي وَتَطْوافي ومُزْدَلِفي … وَالهَدْيُ جِسْمي الذي يُغْني عن الجُزُرِ وَمَسْجِدُ الخَيْفِ خَوْفي مِن تَباعُدِكُمْ … وَمَشْعَري وَمَقامي دونكُم خَطَري زادي رَجائي لَكُمْ وَالشَّوْقُ راحِلَتي … وَالماءُ مِنْ عَبَراتي وَالهَوى سَفَري * * * * *

стр. 554

وظيفة شهر ذي القعدة خَرَّجَ الإمامُ أحمدُ بإسنادِهِ: عن رجلٍ مِن باهِلَةَ، قالَ: أتَيْتُ النَّبيَّ ﷺ لحاجةٍ مرَّةً. فقالَ: "مَن أنتَ؟ ". قُلْتُ: أما تَعْرِفُني؟ قالَ: "ومَن أنتَ؟ ". قالَ: أنا الباهِلِيُّ الذي أتَيْتُكَ عامَ أوَّلَ. فقالَ: "إنَّكَ أتَيْتَني وجسمُكَ ولونُكَ وهيئتُكَ حسنةٌ، فما بَلَغَ بكَ ما أرى؟ ". قُلْتُ: واللهِ؛ ما أفْطَرْتُ بعدَكَ إلَّا ليلًا. قال: "مَن أمَرَكَ أنْ تُعَذِّبَ نفسَكَ؟ مَن أمَرَكَ أنْ تُعَذِّبَ نفسَكَ؟ (ثلاثَ مرَّاتٍ). صُمْ شهرَ الصَّبرِ (رمضان) ". قُلْتُ: إنِّي أجِدُ قوَّةً، وإنِّي أُحِبُّ أنْ تَزيدَني. قالَ: "صُمْ يومًا مِن الشَّهرِ". قُلْتُ: إنِّي أجِدُ قوَّةً، وإنِّي أُحِبُّ أنْ تَزيدَني. قالَ: "فيومينِ مِن الشَّهرِ". قُلْتُ: إنِّي أجِدُ قوَّةً، وإنِّي أُحِبُّ أنْ تَزيدَني. قالَ: "فثلاثةُ أيَّام مِن الشَهرِ". قالَ: وألَحَّ عندَ الرَّابعةِ فما كادَ. فقُلْتُ: إنِّي أجِدُ قوَّةً، وإنِّي أُحِبُّ أنْ تَزيدَني. قالَ: "فمِن الحُرُمِ وأفْطِرْ" (١). وخَرَّجَهُ أبو داوودَ

стр. 555

والنَّسائِيُّ وابنُ ماجَهْ بمعناهُ، وفي ألفاظِهِم زيادةٌ ونقصٌ. وفي بعضِ الرِّواياتِ "صُمِ الحُرُمَ وأفْطِرْ" (١). • في هذا الحديثِ دليلٌ على أن مَن تَكَلَّفَ [مِن] العبادةِ ما يَشُقُّ عليهِ حتَّى تأذَّى بذلكَ جسدُهُ؛ فإنَّهُ غيرُ مأْمورٍ بذلكَ (٢)، ولذلكَ قالَ لهُ: "مَن أمَرَكَ أنْ تعَذِّبَ نفسَكَ؟ "، وأعادَها عليهِ ثلاثَ مرارٍ. وهذا كما قالَ لمَن رَآهُ يَمْشي في الحجِّ وقد أجْهَدَ نفسَهُ: "إنَّ الله لغنيٌّ عن تعذيبِ هذا نفسَهُ، فمُروهُ فلْيَرْكَبْ" (٣). وقالَ لعَبْدِ اللهِ بن عَمْرِو بن العاصِ حيثُ كانَ يَصومُ النَّهارَ ويَقومُ الليلَ ويَخْتِمُ القرآنَ في كلِّ ليلةٍ ولا يَنامُ معَ أهلِهِ، فأمَرَهُ أنْ يَصومَ ويُفْطِرَ ويَقْرَأ القرآنَ في كلِّ سبعٍ. وقالَ لهُ: "إنَّ لنفسِكَ عليكَ حقًّا، وإنَّ لأهلِكَ عليكَ حقًّا، فآتِ كلَّ ذي حقٍّ حقَّهُ" (٤). ولمَّا بَلَغَهُ عن بعض أصحابِهِ أنَّهُ قالَ: أنا أصومُ ولا أُفْطِرُ، وقالَ آخرُ منهُم: أنا أقومُ ولا أنامُ، وقالَ آخرُ منهُم: لا أتَزَوَّجُ النِّساءَ. فخَطَبَ ﷺ ، وقالَ: "ما بالُ رجالٍ يَقولونَ كذا وكذا؟! لكنِّي أصومُ وأُفْطِرُ وأقومُ وأنامُ وآكلُ اللحمَ وأتَزَوَّجُ النِّساءَ، فمَن

стр. 556

رَغِبَ عن سنَّتي؛ فليسَ منِّي" (١). وسببُ هذا أنَّ اللهَ تَعالى خَلَقَ ابنَ آدَمَ محتاجًا إلى ما يَقومُ بهِ بدنُهُ مِن مأْكلٍ ومشربٍ ومنكحٍ وملبسٍ، وأباحَ لهُ مِن ذلكَ كلِّهِ ما هوَ طيِّبٌ حلالٌ تَقوى بهِ النَّفسُ ويَصِحُّ بهِ الجسدُ ويَتَعاوَنانِ على طاعةِ اللهِ ، وحَرَّمَ مِن ذلكَ ما هوَ ضارٌّ خبيثٌ يوجِبُ للنَّفسِ طغيانَها وعماها وقسوتَها وغفلتَها وأشرَها وبطرَها، فمَن أطاعَ نفسَهُ في تناولِ ما تَشْتَهيهِ ممَّا حَرَّمَهُ اللهُ عليهِ؛ فقد تَعَدَّى وطَغى وظَلَمَ نفسَهُ، ومَن مَنَعَها حقَّها مِن المباحِ حتَّى تَضَرَّرَتْ بذلكَ؛ فقد ظَلَمَها ومَنَعَها حقَّها، فإنْ كانَ ذلكَ سببًا لضعفِها وعجزِها عن أداءِ شيءٍ مِن فرائضِ اللهِ عليهِ ومِن حقوقِ اللهِ أو حقوقِ عبادِهِ؛ كانَ بذلكَ عاصيًا، وإنْ كانَ ذلكَ سببًا للعجزِ عن نوافلَ هيَ أفضلُ ممَّا فَعَلَهُ؛ كانَ بذاكَ مفرِّطًا مغبونًا خاسرًا. وقد كانَ رجلٌ في زمنِ التَّابعينَ يَصومُ ويُواصِلُ حتَّى يَعْجِزَ عنِ القيامِ، فكانَ يُصَلِّي الفرضَ جالسًا، فأنْكَروا ذلكَ عليهِ، حتَّى قالَ عَمْرُو بنُ مَيْمونٍ: لو أدْرَكَ هذا أصحابُ مُحَمَّدٍ لَرَجَموهُ. وكانَ ابنُ مَسْعودٍ يُقِلُّ الصِّيامَ ويَقولُ: إنَّهُ يُضْعِفُني عن قراءةِ القرآنِ، وقراءةُ القرآنِ أحبُّ إليَّ. وأحْرَمَ رجلٌ مِن الكوفةِ، فقَدِمَ مَكَّةَ وقد أصابَهُ الجهدُ، فرَآهُ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ وهوَ سيِّئُ الهيئةِ، فأخَذَ عُمَرُ بيدِهِ وجَعَلَ يَدورُ بهِ الحلقَ ويَقولُ للنَّاسِ: انْظُروا إلى ما يَصْنَعُ هذا بنفسِهِ وقد وَسَّعَ اللهُ عليهِ! فمَن تَّكَلَّفَ مِن التَّطوُّعِ ما يَتَضَرَّرُ بهِ في جسمِهِ كما فَعَلَ هذا الباهِلِيُّ، أو مَنَعَ بهِ حقًّا واجبًا عليهِ كما فَعَلَ عَبْدُ اللهِ بنُ عَمْرِو بنِ العاصِ وغيرُهُ ممَّن عَزَمَ على تركِ المباحاتِ في عهدِ النَّبيِّ ﷺ ؛ فإنَّهُ يُنْهى عن ذلكَ. ومنِ احْتَمَلَ بدنُهُ ذلكَ ولم يَمْنَعْهُ مِن حقٍّ واجبٍ عليهِ؛ لم يُنْهَ عن ذلكَ إلَّا أنْ يَمْنَعَهُ عمَّا هوَ أفضلُ مِن ذلكَ مِن النَّوافلِ؛ فإنَّهُ

стр. 557

يُرْشَدُ إلى عملِ الأفضلِ (١). وأحوالُ النَّاس تَخْتَلِفُ فيما تَحْمِلُ أبدانُهُم مِن العملِ. كانَ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ يَصومُ ثلاثَةَ أيَّامٍ مِن الشَّهرِ فيُرى أثرُ ذلكَ عليهِ، وكانَ غيرُهُ في زمنِهِ يَصومُ الدَّهرَ فلا يَظْهَرُ عليهِ أثرُهُ (٢). وكانَ كثيرٌ مِن المتقدِّمينَ يَحْمِلونَ على أنفسِهِم مِن الأعمالِ ما يُضِرُّ بأجسادِهِم ويَحْتَسِبونَ أجرَ ذلكَ عندَ اللهِ، وهؤلاءِ قومٌ أهلُ صدقٍ وجدٍّ واجتهادٍ فيُحَيَّوْنَ على ذلكَ (٣)، ولكنْ لا يُقْتَدى بهِم، وإنَّما يُقْتَدى بسنَّةِ رسولِ اللهِ ﷺ ؛ فإنَّ خيرَ الهَدْيِ هديُهُ، ومَن أطاعَهُ فقدِ اهْتَدى، ومنِ اقْتَدى بهِ وسَلَكَ وراءَهُ وَصَلَ إلى اللهِ . • وقد كانَ ﷺ يَنْهى عنِ التَّعسيرِ ويَأْمُرُ التَّيسِيرِ (٤)، ودينُهُ الذي بُعِثَ بهِ يُسْرٌ. وكانَ يَقولُ: "خيرُ دينِكُم أيسرُهُ" (٥).

стр. 558

ورَأى رجلًا يُكْثِرُ الصَّلاةَ، فقالَ: "إنَّكُم أُمَّةٌ أُريدَ بكُمُ اليسرَ" (١). ولم يَكُنْ أكثرُ تطوُّعِ النَّبيِّ ﷺ وخواصِّ أصحابِهِ بكثرةِ الصَّومِ والصَّلاةِ، بل ببرِّ القلوبِ وطهارتِها وسلامتِها وقوَّةِ تعلُّقِها باللهِ خشيةً لهُ ومحبّهً وإجلالًا وتعظيمًا ورغبةً فيما عندَهُ وزهدًا فيما يَفْنى. وفي "المسند": عن عائِشَةَ؛ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: "إنِّي أعلمُكُم باللهِ وأتقاكُم لهُ قلبًا" (٢). قالَ ابنُ مَسْعودٍ لأصحابِهِ: أنتم أكثرُ صلاةً وصيامًا مِن أصحابِ مُحَمَّدٍ ﷺ ، وهُم كانوا خيرًا منكُم. قالوا: ولمَ؟ قالَ: كانوا أزهدَ منكُم في الدُّنيا وأرغبَ في الآخرةِ. وقال بَكْرٌ المُزنِيُّ: ما سَبَقَهُم أبو بَكْرٍ بكثرةِ صيامٍ ولا صلاةٍ، ولكنْ بشيءٍ وَقَرَ في صدرِهِ. قالَ بعضُ العلماءِ المتقدِّمينَ: الذي وَقَرَ في صدرِهِ هوَ حبُّ اللهِ والنَّصيحةُ لخلقِهِ. وسُئِلَتْ فاطِمَةُ بنتُ عَبْدِ المَلِكِ زوجةُ عُمَرَ بنِ عَبْدِ العَزيزِ بعدَ وفاتِهِ عن عملِهِ. فقالَتْ: واللهِ، ما كانَ بأكثرَ النَّاسِ صلاةً ولا بأكثرِهِم صيامًا، ولكنْ واللهِ ما رَأيْتُ أحدًا أخوفَ للهِ مِن عُمَرَ، لقد كانَ يَذْكُرُ اللهَ في فراشِهِ فيَنْتَفِضُ انتفاضَ العصفورِ مِن شدَّةِ الخوفِ حتَّى نَقولَ: لَيُصْبِحَنَّ النَّاسُ ولا خليفةَ لهُم.

стр. 559

قالَ بعضُ السَّلفِ: ما بَلَغَ مَن بَلَغَ عندَنا بكثرةِ صلاةٍ ولا صيامٍ، ولكنْ بسخاوةِ النُّفوسِ وسلامةِ الصُّدورِ والنُّصحِ للأُمَّةِ. وزادَ بعضُهُم: واحتقارِ أنفسِهِم. وذُكِرَ [لـ]ـبعضِهِم شدَّةُ اجتهادِ بني إسْرائيلَ في العبادةِ، فقالَ: إنَّما يُريدُ اللهُ منكُم صدقَ النِّيِّةِ فيما عندَهُ. فمَن كانَ باللهِ أعرفَ ولهُ أخوفَ وفيما عندَهُ أرغبَ؛ فهوَ أفضلُ ممَّن دونَهُ في ذلكَ وإنْ كَثُرَ صومُهُ وصلاتُهُ. قالَ أبو الدَّرْداءِ: يا حَبَّذا نومُ الأكياسِ وفطرُهُم كيفَ يَسْبِقُ سَهَرَ الجاهلينَ وصيامَهُم! ولهذا المعنى كانَ فضلُ العلمِ النَّافعِ الدَّالِّ على معرفةِ اللهِ وخشيتِهِ ومحبَّتِهِ ومحبَّةِ ما يُحِبُّهُ وكراهةِ ما يَكْرَهُهُ - لا سيَّما عندَ غلبةِ الجهلِ والتَّعبُّدِ بهِ - أفضلَ مِن التَّطوُّعِ بأعمالِ الجوارحِ. قالَ ابنُ مَسْعودٍ: أنتُم في زمانٍ العملُ فيهِ أفضلُ مِن العلمِ، وسَيَأْتي زمانٌ العلمُ فيهِ أفضلُ مِن العملِ. [و] قالَ مُطَرِّفٌ: فضلُ العلمِ أحبُّ إليَّ مِن فضلِ العبادةِ، وخيرُ دينِكُمُ الورعُ. وخَرَّجَهُ الحاكمُ وغيرُهُ مرفوعًا (١).

стр. 560

ونَصَّ كثيرٌ مِن الأئمَّةِ على أنَّ طلبَ العلمِ أفضلُ مِن صلاةِ النَّافلةِ، وكذلكَ الاشتغالُ بتطهيرِ القلوبِ أفضلُ مِن الاستكثارِ مِن الصَّومِ والصَّلاةِ معَ غشِّ القلوبِ ودغلِها. ومثلُ مَن يَسْتكثِرُ مِن الصَّومِ والصَّلاةِ معَ دغلِ القلبِ وغشِّهِ كمثلِ مَن بَذَرَ بذرًا في أرضٍ دغلةٍ كثيرةِ الشَّوكِ فلا يَزْكو ما يَنْبُتُ فيها مِن الزَّرعِ بل يَمْحَقُهُ دغلُ الأرضِ

стр. 561

ويُفْسِدُهُ، فإذا نُظِّفَتِ الأرضُ مِن دغلِها زَكا ما يَنْبُتُ فيها ونَما. قالَ يَحْيى بنُ مُعاذٍ: كم مِن مُسْتَغْفِرٍ ممقوتٍ وساكتٍ مرحومٍ؛ هذا اسْتَغْفَرَ وقلبُهُ فاجرٌ، وهذا سَكَتَ وقلبُهُ ذاكرٌ (١). وقالَ غيرُهُ: ليسَ الشَّأْنُ فيمَن يَقومُ الليلَ، إنَّما الشَّأْنُ فيمَن يَنامُ على فراشِهِ ثمَّ يُصْبِحُ وقد سَبَقَ الرَّكبَ. مَن سارَ على طريقِ الرَّسولِ ﷺ ومنهاجِهِ وإنِ اقْتَصَد فإنَّهُ يَسْبِقُ مَن سارَ على غيرِ طريقِهِ وإنِ اجْتَهَد. مَنْ لي بِمِثْلِ سَيْرِكَ المُدَلَّلِ … تَمْشي رُوَيْدًا وتَجي في الأوَّلِ • والمقصودُ أنَّ هذا الباهِلِيَ لمَّا رَآهُ النَّبيُّ ﷺ وقد أنْهَكَهُ الصَّومُ وغَيَّرَ هيئتَهُ وأضَرَّ بهِ في جسدِهِ؛ أمَرَهُ [أوَّلًا] أنْ يَقْتَصِرَ على صيامِ شهرِ الصَّبرِ، وهوَ شهرُ رمضانَ؛ فإنَّهُ الشَّهرُ الذي افْتَرَضَ اللهُ صيامَهُ على المسلمينَ، واكْتَفى منهُم بصيامِهِ مِن السَّنةِ كلِّها، وصيامُهُ كفَّارةٌ لِما بينَ الرَّمضانينِ إذا اجْتُنِبَتِ الكبائرُ. فطَلَبَ منهُ الباهِلِيُّ أنْ يَزيدَهُ مِن الصِّيامِ ويَأْمُرَهُ بالتَّطوُّعِ وأخْبَرَهُ أنَّهُ يَجِدُ قوَّةً على الصِّيامِ، فقالَ لهُ: "صُمْ يومًا مِن الشَّهرِ". فاسْتَزادَهُ، وقالَ: إنِّي أجِدُ قوَّةً. فقالَ: "صُمْ يومينِ مِن الشَّهرِ". فاسْتَزادَهُ، وقالَ: إنِّي أجِدُ قوَّةً. فقالَ: "صُمْ ثلاثةَ أيَّامٍ مِن الشَّهرِ". قالَ: وألَحَّ عندَ الثَّالثةِ فما كادَ؛ يَعْني: ما كادَ يَزيدُهُ على الثَّلاثةِ أيَّامٍ مِن الشَّهرِ. وهكذا قالَ لعَبْدِ اللهِ بنِ عَمْرِو بنِ العاصِ أيضًا، ففي "صحيح مسلم" (٢) عنهُ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ لهُ: "صُمْ يومًا (يَعْني: مِن الشَّهرِ) ولكَ أجرُ ما بَقِيَ". قالَ: إنِّي أُطيقُ أكثرَ مِن ذلكَ. قالَ: "صُمْ يومينِ ولكَ أجرُ ما بَقِيَ". قالَ: إنِّي أُطيقُ أكثرَ مِن ذلكَ. قالَ: "صُمْ ثلاثةَ أيَّامٍ ولكَ أجرُ ما بَقِيَ". ففي هذا أنَّ صيامَ يومٍ مِن الشَّهرِ يَحْصُلُ بهِ أجرُ صيامِ الشَّهرِ كلِّهِ، وكذلكَ صيامُ

стр. 562

يومينِ منهُ. ووجهُ ذلكَ أنَّ الصِّيامَ يُضاعَفُ ما لا يُضاعَفُ غيرُهُ مِن الأعمالِ، وقد سَبَقَ ذكرُ ذلكَ عندَ الكلامِ على حديثِ "كلُّ عملِ ابنِ آدَمَ لهُ الحسنةُ بعشرِ أمثالِها إلى سبعِ مئةِ ضعفٍ، قالَ اللهُ : إلَّا الصِّيامَ؛ فإنَّهُ لي وأنا أجزي بهِ" (١)، فالصِّيامُ لا يَعْلَمُ منتهى مضاعفتِهِ إلَّا اللهُ ، وكلَّما قَوِيَ الإخلاصُ فيهِ وإخفاؤُهُ وتنزيهُهُ عنِ المحرَّماتِ والمكروهاتِ؛ كَثُرَتْ مضاعفتُهُ. فلا يُسْتَنكرُ أنْ يَصومَ الرَّجلُ يومًا مِن الشَّهرِ فيُضاعَفَ لهُ بثوابِ ثلاثينَ يومًا فيُكْتَبَ لهُ صيامُ الشَّهرِ كلِّهِ. وكذلكَ إذا صامَ يومينِ مِن الشَّهرِ. وأمَّا إذا صامَ منهُ ثلاثةَ أيَّامٍ؛ فهوَ ظاهرٌ؛ لأنَّ الحسنةَ بعشرِ أمثالِها. وخَرَّجَ التِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ عن أبي ذَرٍّ؛ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : "مَن صامَ مِن كلِّ شهرٍ ثلاثةَ أيَّامٍ؛ كانَ كمَن صامَ الدَّهرَ". فأنْزَلَ اللهُ تَعالى تصديقَ ذلكَ: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٥]؛ اليومُ بعشرةِ أيَّامٍ (٢). وفي الصَّحيحينِ (٣): عن عَبْدِ اللهِ بنِ عَمْرٍو؛ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : "صُمْ مِن الشَّهرِ ثلاثةَ أيَّامٍ؛ فإنَّ الحسنةَ بعشرِ أمثالِها، وذلكَ مثلُ صيامِ الدَّهرِ".

стр. 563

وفي روايةٍ فيهِما أيضًا (١): "إنَّ بحسبِكَ أنْ تَصومَ مِن كلِّ شهرٍ ثلاثةَ أيَّامٍ؛ فإنَّ لكَ بكل حسنةٍ عشرَ أمثالِها، فإذنْ ذلكَ صيامُ الدَّهرِ كلِّهِ". وفي "المسند": عن قُرَّةَ المُزَنِيِّ، عنِ النَّبيِّ ﷺ ؛ قالَ: "صيامُ ثلاثةِ أيَّامٍ مِن كلِّ شهرٍ صيامُ الدَّهرِ وإفطارُهُ" (٢)؛ يَعْني: صيامَهُ في مضاعفةِ اللهِ وإفطارَهُ في رخصةِ اللهِ، كما كانَ أبو هُرَيْرَةَ وأبو ذَرٍّ ﵄ يَقولانِ ذلكَ، وكانا يَصومانِ ثلاثةَ أيَّامٍ مِن كلِّ شهرٍ ويَقولانِ في سائرِ أيَّامِ الشَّهرِ: نحنُ صيامٌ، ويَتَأوَّلانِ أنَّهُما صيامٌ في مضاعفةِ اللهِ وهُما مفطرانِ في رخصةِ اللهِ. وقد وَصَّى النَّبيُّ ﷺ جماعةً مِن أصحابِهِ بصيامِ ثلاثةِ أيَّامٍ مِن كلِّ شهرٍ، منهُم أبو هُرَيْرَةَ وأبو الدَّرْداءِ وأبو ذَرٍّ وغيرُهُم (٣).

стр. 564

وفي "المسند": أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ في صيامِ ثلاثةِ أيَّامٍ مِن كلِّ شهرٍ: "هوَ صومٌ حسنٌ" (١). وفيهِ أيضًا: عن أبي ذَرٍّ؛ قالَ: سَمِعْتُ النَّبيَّ ﷺ يَقولُ: "صومُ شهرِ الصَّبرِ وثلاثةِ أيَّامٍ مِن كلِّ شهرٍ صومُ الدَّهرِ ويُذْهِبُ مغلَّةَ الصَّدرِ". قُلْتُ: وما مغلَّةُ الصَّدرِ؟ قالَ: "رجسُ الشَّيطانِ" (٢). وفيهِ أيضًا: عن رجلٍ، عنِ النَّبيِّ ﷺ ؛ قالَ: "صيامُ شهرِ الصَّبرِ وثلاثةِ أيَّامٍ مِن كلِّ شهرٍ يُذْهِبْنَ كثيرًا مِن وحرِ الصَّدرِ" (٣). وفي غيرِ هذهِ الرِّوايةِ: "وغرِ الصَّدرِ". وهُما بمعنًى واحدٍ، يُقالُ: وَحَرَ صدرُهُ ووَغَرَ إذا كانَ فيهِ غلٌّ وغشٌّ، وقيلَ: الوحرُ الغلُّ

стр. 565

والوغرُ الغيظُ. وقد كانَ النَّبيُّ ﷺ يَتَحَرَّى صيامَ ثلاثةِ أيَّامٍ مِن كلِّ شهرٍ، وكذلكَ كانَ إبْراهيمُ ﵇: كما خَرَّجَهُ ابنُ ماجَهْ مِن حديثِ عَبْدِ اللهِ بنِ عَمْرِو بنِ العاصِ مرفوعًا؛ قالَ: "صيامُ إبْراهيمَ ثلاثةُ أيَّامٍ مِن كلِّ شهرٍ؛ صامَ الدَّهرَ وأفْطَرَ الدَّهرَ" (١). وفي "السنن": عن حَفْصَةَ؛ أنَّ النَّبيَّ ﷺ كانَ يَصومُ العشرَ وعاشوراءَ وثلاثةَ أيَّامٍ مِن كلِّ شهرٍ (٢). وفي إسنادِهِ اختلافٌ. • وفي "صحيح مسلم" (٣): عن عائِشَةَ؛ أنَّ النَّبي ﷺ كانَ يَصومُ ثلاثةَ أيَّامٍ مِن كلِّ شهرٍ. قيلَ لها: مِن أيِّهِ كانَ يَصومُ؟ قالَتْ: كانَ لا يُبالي مِن أيِّهِ صامَ. * ففي هذا الحديثِ أنَّهُ ﷺ لم يَكُنْ يُبالي مِن أيِّ الشَّهرِ صامَ الأيَّامَ الثَّلاثةَ. وقد رُوِيَ في صفةِ صيامِ النَّبيِّ ﷺ للأيَّامِ الثَّلاثةِ مِن الشَّهرِ أنواعٌ أُخرُ: * أحدُها: ما خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِن حديثِ عائِشةَ؛ قالَتْ: كانَ رسولُ اللهِ ﷺ يَصومُ مِن الشَّهرِ السَّبتَ والأحدَ والاثنينِ، ومِن الشَّهرِ الآخرِ الثُّلاثاءَ والأربعاءَ والخميسَ (٤). وقالَ: حديثٌ حسنٌ. وذَكَرَ أنَّ بعضَهُم رواهُ موقوفًا - يَعْني: مِن فعلِ
следующие страницы →