← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 1151

لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف - ت عامر

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (739 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

وفي روايةٍ: "إنَّها لَيْسَتْ أيَّامُ صيامٍ" (١). • أيَّامُ منًى هيَ الأيَّامُ المعدوداتُ التي قالَ اللهُ تَعالى فيها: ﴿وَاذْكُرُوا اللهَ في أيَّامٍ مَعْدوداتٍ﴾ [البقرة: ٢٠٣]. وهيَ ثلاثةُ أيَّامٍ بعدَ يومِ النَّحرِ. وهيَ أيَّامُ التَّشريقِ. هذا قولُ ابنِ عُمَرَ وأكثرِ العلماءِ. ورُوِيَ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ وعَطاءٍ أنَّها أربعةُ أيَّامٍ: يومُ النَّحرِ، وثلاثةُ أيَّامٍ بعدَهُ، وسَمَّاها عَطاءٌ أيَّامَ التَّشريقِ، والأوَّلُ أظْهَرُ. وقد قالَ النَّبيُّ ﷺ : "أيَّامُ منى ثلاثةٌ، فمَن تَعَجَّلَ في يومينِ فلا إثمَ عليهِ ومَن تَأخَّرَ فلا إثمَ عليهِ" (٢). خَرَّجَهُ أهلُ السُّننِ الأربعةِ مِن حديثِ عَبْدِ الرَّحْمنِ بنِ يَعْمَرَ عنِ النَّبيِّ ﷺ . وهذا صريحٌ في أنَّها أيَّامُ التَّشريقِ. وأفضلُها أوَّلُها، وهوَ يومُ القَرِّ؛ لأنَّ أهلَ منى يَسْتَقِرُّونَ فيهِ ولا يَجوزُ فيهِ النَّفرُ. وفي حديثِ: عَبْدِ اللهِ بنِ قُرْطٍ، عنِ النَّبيِّ ﷺ : "أعظمُ الأيَّامِ عندَ اللهِ يومُ النَّحرِ ويومُ القرِّ" (٣). وقد رُوِيَ عن سَعيدِ بنِ المُسَيَّبِ أنَّ يومَ الحجِّ الأكبرِ هوَ يومُ القرِّ. وهوَ غريبٌ. ثمَّ يومُ النَّفرِ الأوَّلِ وهوَ أوسطُها.

стр. 632

ثمَّ يومُ النَّفرِ الثَّاني وهوَ آخرُها. قالَ اللهُ تَعالى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ في يَوْمَيْنِ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأخَّرَ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٢٠٣]. قالَ كثيرٌ مِن السَّلفِ: يُريدُ أنَّ المتعجِّلَ والمتأخِّرَ يُغْفَرُ لهُ ويَذْهَبُ عنهُ الإثمُ الذي كانَ عليهِ قبلَ حجِّهِ إذا حَجَّ فلم يَرْفُثْ ولمْ يَفْسُقْ ويَرْجِعُ مِن ذنوبِهِ كيومَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ. ولهذا قالَ تَعالى: ﴿لِمَنِ اتَّقى﴾ [البقرة: ٢٠٣]، فتكونُ التَّقوى شرطًا لذهابِ الإثمِ على هذا التَّقديرِ، وتَصيرُ الآيةُ دالَّةً على ما صَرَّحَ بهِ قولُ النبيِّ ﷺ : "مَن حَجَّ فلمْ يَرْفُثْ ولمْ يَفْسُقْ؛ رَجَعَ مِن ذنوبِهِ كيومَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ" (١). • وقد أمَرَ اللهُ تَعالى بذكرِهِ في هذهِ الأيَّامِ المعدوداتِ، كما قالَ النَّبيُّ ﷺ : "إنَّها أيَّامُ أكلٍ وشربٍ وذكرِ اللهِ تَعالى" (٢). فذكرُ اللهِ المأْمورُ بهِ في أيَّامِ التَّشريقِ أنواعٌ متعدِّدةٌ: * منها: ذكرُ اللهِ تَعالى عقيبَ الصَّلواتِ المكتوباتِ بالتَّكبيرِ في أدبارِها. وهوَ مشروعٌ إلى آخرِ أيَّامِ التَّشريقِ عندَ جمهورِ العلماءِ، وقد رُوِيَ عن عُمَرَ وعَلِيٍّ وابنِ عَبَّاسٍ، وفيهِ حديثٌ مرفوعٌ في إسنادِهِ ضعفٌ (٣). * ومنها: ذكرُهُ بالتَّسميةِ والتَّكبيرِ عندَ ذبحِ النُّسكِ؛ فإنَّ وقتَ ذبحِ الهدايا والأضاحي يَمْتَدُّ إلى آخرِ أيَّامِ التَّشريقِ عندَ جماعةٍ مِن العلماءِ، وهوَ قولُ الشَّافِعِيِّ

стр. 633

وروايةٌ عنِ [الإمامِ] أحْمَدَ، وفيهِ حديثٌ مرفوعٌ: "كلُّ أيَّامِ منى ذبحٌ" (١)، وفي إسنادِهِ مقالٌ، وأكثرُ الصَّحابةِ على أنَّ الذَّبحَ يَخْتَصُّ بيومينِ مِن أيَّامِ التَّشريقِ معَ يومِ النَّحرِ، وهوَ المشهورُ عن أحْمَدَ، وهوَ قولُ مالِكٍ وأبي حَنِيفَةَ والأكثرينَ (٢).

стр. 634

* ومنها: ذكرُ اللهِ على الأكلِ والشُّربِ؛ فإنَّ المشروعَ في الأكلِ والشُّربِ أنْ يُسَمِّيَ اللهَ في أوَّلِهِ ويَحْمَدَهُ في آخرِهِ. وفي الحديثِ عنِ النَّبيِّ ﷺ : "إنَّ اللهَ يَرْضى عنِ العبدِ أنْ يَأْكُلَ الأكلةَ فيَحْمَدَهُ عليها ويَشْرَبَ الشَّربةَ فيَحْمَدَهُ عليها" (١). وقد رُوِيَ أنَّ مَن سَمَّى على أوَّلِ طعامِهِ وحَمِدَ اللهَ على آخرِهِ؛ فقد أدَّى ثمنَهُ ولمْ يُسْألْ بعدُ عن شكرِهِ (٢). * ومنها: ذكرُهُ بالتَّكبيرِ عندَ رميِ الجمارِ في أيَّامِ التَّشريقِ. وهذا يَخْتَصُّ بهِ أهلُ الموسمِ. * ومنها: ذكرُ اللهِ تَعالى المطلقُ؛ فإنَّهُ يُسْتَحَبُّ الإكثارُ منهُ في أيَّامِ التَّشريقِ، وقد كانَ عُمَرُ يُكَبِّرُ بمنى في قبَّتِهِ فيَسْمَعُهُ النَّاسُ فيُكَبِّرونَ فتَرْتَجُّ منى تكبيرًا. وقد قالَ : ﴿فَإذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ فَاذْكُروا اللهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أوْ أشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ

стр. 635

يَقولُ رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا وَما لَهُ في الآخِرَة مِنْ خَلاقٍ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَقولُ رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا حَسَنَةً وَفي الآخِرَةِ حَسَنهً وَقِنا عَذابَ النَّارِ﴾ [البقرة: ٢٠٠ - ٢٠١]. وقدِ اسْتَحَبَّ كثيرٌ مِن السَّلفِ الدُّعاءَ بهذا في أيَّامِ التَّشريقِ. قالَ عِكْرِمَةُ: كانَ يُسْتَحَبُّ أنْ يُقالَ في أيَّامِ التَّشريقِ: رَبَّنا آتِنا في الدُّنيا حسنةً وفي الآخرةِ حسنةً وقِنا عذابَ النَّارِ. وعن عطاءٍ؛ قالَ: يَنْبَغي لكلِّ مَن نَفَرَ أنْ يَقولَ حينَ يَنْفِرُ متوجِّهًا إلى أهلِهِ: رَبَّنا آتِنا في الدُّنيا حسنةً وفي الآخرةِ حسنةً وقِنا عذابَ النَّارِ. خَرَّجَهُما عَبْدُ بنُ حُمَيْدٍ في "تفسيره". وهذا الدُّعاءُ مِن أجمعِ الأدعيةِ للخيرِ، وكانَ النَّبيُّ ﷺ يُكْثِرُ منهُ، ورُوِيَ أنَّهُ كانَ أكثرَ دعائِهِ، وكانَ ﷺ إذا دَعا بدعاءٍ جَعَلَهُ معَهُ؛ فإنَّهُ يَجْمَعُ خيريِ الدُّنيا والآخرةِ (١). قالَ الحَسَنُ: الحسنةُ في الدُّنيا العلمُ والعبادةُ وفي الآخرةِ الجنَّةُ. وقالَ سُفْيانُ: الحسنةُ في الدُّنيا العلمُ والرِّزقُ الطَّيِّبُ. والدُّعاءُ مِن أفضلِ أنواعِ ذكرِ اللهِ . وقد رَوى: زيادٌ الجَصَّاصُ، عن أبي كِنانَةَ القُرَشِيِّ؛ أنَّهُ سَمِعَ أبا موسى الأشْعَرِيَّ يَقولُ في خطبتِهِ يومَ النَّحرِ: بعدَ يومِ النَّحرِ ثلاثةُ أيَّامٍ التي ذَكَرَ اللهُ الأيَّامُ المعدوداتُ لا يُرَدُّ فيهنَّ الدُّعاءُ، فارْفَعوا رغبتكُم إلى اللهِ . • وفي الأمرِ بالذِّكرِ عندَ انقضاءِ النُّسكِ معنًى، وهوَ أنَّ سائرَ العباداتِ تَنْقَضي ويُفْرَغُ منها وذكرُ اللهِ باقٍ لا يَنْقَضي ولا يُفْرَغُ منه بل هوَ مستمرٌّ للمؤمنينَ في الدُّنيا وفي الآخرةِ. وقد أمَرَ اللهُ تَعالى بذكرِهِ عندَ انقضاءِ الصَّلاةِ: قالَ تَعالى: ﴿فَإذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُروا اللهَ قِيامًا وَقُعودًا وَعَلى جُنوبِكُمْ﴾ [النساء: ١٠٣]. وقالَ في صلاةِ الجمعةِ: ﴿فَإذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِروا في الأرْضِ وَابْتَغوا مِنْ فَضْلِ اللهِ وَأذْكُروا اللهَ كَثيرًا﴾

стр. 636

[الجمعة:١٠]. وقالَ: ﴿فَإذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ. وَإلى رَبّكَ فَارْغَبْ﴾ [الشرح: ٧ - ٨]، رُوِيَ عن ابن مَسْعودٍ؛ [قالَ]: فإذا فَرَغْتَ مِن الفرائضِ فَانْصَبْ. وعنهُ في قولِهِ [تَعالى]: ﴿وَإلى رَبِّكَ فَأرْغَبْ﴾؛ قالَ: في المسألةِ وأنتَ جالسٌ. وقالَ الحَسَنُ: أمَرَهُ إذا فَرَغَ مِن غزوِهِ أنْ يَجْتَهِدَ في الدُّعاءِ والعبادةِ. والأعمالُ كلُّها يُفْرَغُ منها، والذِّكرُ لا فراغَ لهُ ولا انقضاءَ، والأعمالُ تَنْقَطِعُ بانقطاعِ الدُّنيا ولا يَبْقى منها شيءٌ في الآخرةِ، والذِّكرُ لا يَنْقَطِعُ. المؤمنُ يَعيشُ على الذِّكرِ، ويَموتُ عليهِ، وعليهِ يُبْعَثُ. أحَسِبْتُمُ أن اللَيالِيَ غَيَّرَتْ … عَهْدَ الهَوى لا كانَ مَنْ يَتَغَيَّرُ يَفْنى الزَّمانُ وَلَيْسَ يَفْنى ذِكْرُكُمْ … وَعَلى مَحَبَّتِكُمْ أموتُ وَأُحْشَرُ قالَ ذو النُّونِ: ما طابَتِ الدُّنيا إلَّا بذكرِهِ، ولا الآخرةُ إلَّا بعفوِهِ، ولا الجنَّةُ إلَّا برؤيتِهِ. بِذِكْرِ اللهِ تَرْتاحُ القُلوبُ … وَدُنْيانا بذِكْراهُ تَطيبُ إذا ذُكِرَ المَحْبوبُ عِنْدَ حَبيبِهِ … تَرَنَّحَ نَشْوانٌ وَحَنَّ طَروبُ (١) فأيَّامُ التَّشريقِ يَجْتَمعُ فيها للمؤمنينَ نعيمُ أبدانِهِم بالأكلِ والشُّربِ ونعيمُ قلوبِهِم بالذِّكرِ والشُّكرِ، وبذلكَ تَتِمُّ النِّعمةُ، وكلَّما أحْدَثوا شكرًا على النِّعمةِ؛ كانَ شكرُهُم نعمةً أُخرى، فيَحْتاجُ إلى شكرٍ آخرَ، ولا يَنْتَهي الشُّكرُ أبدًا. إذا كانَ شُكْري نِعمَةَ اللهِ نِعْمَةً … عَلَيَّ لَهُ في مِثْلِها يَجِبُ الشُّكْرُ فَكَيْفَ بُلوغُ الشُّكْرِ إلَّا بِفَضْلِهِ … وَإنْ طالَتِ الأيَّامُ وَاتَّصَلَ العُمْرُ • وفي قولِ النَّبيِّ ﷺ "إنَّها أيَّامُ أكلٍ وشربٍ وذكرِ اللهِ " إشارةٌ إلى أن الأكلَ في أيَّامِ الأعيادِ والشُّربَ إنَّما يُسْتَعانُ بهِ على ذكرِ اللهِ وطاعتِهِ، وذلكَ مِن تمامِ شكرِ النِّعمةِ أنْ يُسْتَعانَ بها على الطَّاعاتِ. وقد أمَرَ اللهُ في كتابِهِ بالأكلِ مِن الطَّيِّباتِ والشُّكرِ لهُ، فمَنِ اسْتَعانَ بنعمِ اللهِ على

стр. 637

معاصيهِ؛ فقد كَفَرَ نعمةَ اللهِ وبَدَّلَها كفرًا، وهوَ جديرٌ أنْ يُسْلَبَها، كما قيلَ: إذا كُنْتَ في نِعْمَةٍ فَارْعَها … فَإنَّ المَعاصي تُزيلُ النِّعَمْ وَداوِمْ عَلَيْها بِشُكْرِ الإلهِ … فَشُكْرُ الإلهِ يُزيلُ النِّقَمْ وخصوصًا نعمةَ الأكلِ مِن لحومِ بهيمةِ الأنعامِ، كما في أيَّامِ التَّشريقِ؛ فإنَّ هذهِ البهائمَ مطيعةٌ للهِ لا تَعْصيهِ، وهيَ مسبِّحةٌ لهُ قانتةٌ، كما قالَ تَعالى: ﴿وَإنْ مِنْ شَيْءٍ إلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤]، وإنَّها تَسْجُدُ لهُ، كما أخْبَرَ اللهُ بذلكَ في سورةِ النَّحلِ [٤٩] وسورةِ الحجِّ [١٨]. وربَّما كانَتْ أكثرَ ذكرًا للهِ مِن بعضِ بني آدَمَ. وفي "المسند" مرفوعًا: "ربَّ بهيمةٍ خيرٌ مِن راكبِها وأكثرُ للهِ منهُ ذكرًا" (١). وقد أخْبَرَ اللهُ في كتابِهِ أن كثيرًا مِن الجنِّ والإنسِ كالأنعامِ بل هم أضلُّ سبيلًا. فأباحَ اللهُ تَعالى [ذبحَ] هذهِ البهائمِ المطيعةِ الذَّاكرةِ لهُ لعبادِهِ المؤمنينَ حتَّى تَتَقَوَّى بها أبدانُهُم وتَكْمُلَ لذَّاتُهُم في أكلِهِمُ اللحومَ؛ فإنَّهـ[ــــا]، مِن أجلِّ الأغذيةِ وألذِّها، معَ أن الأبدانَ تَقومُ بغيرِ اللحمِ مِن النَّباتاتِ وغيرِها، لكنْ لا تَكْمُلُ القوَّةُ والعقلُ واللذَّةُ إلَّا باللحمِ، فأباحَ للمؤمنينَ قتلَ هذهِ البهائمِ والأكلَ مِن لحومِها، لِيُكْمِلَ بذلكَ قوَّةَ عبادِهِ وعقولَهُم، فيَكونَ ذلكَ عونًا لهُم على علومٍ نافعةٍ وأعمالٍ صالحةٍ يَمْتازُ بها بنو آدَمَ على البهائمِ وعلى ذكرِ اللهِ وهوَ أكبرُ مِن ذكرِ البهائمِ، فلا يَليقُ بالمؤمنِ معَ هذا إلَّا مقابلةُ هذهِ النِّعمِ بالشُّكرِ عليها والاستعانةِ بها على طاعةِ اللهِ تَعالى وذكرِهِ حيثُ فَضَّلَ ابنَ آدَمَ على كثيرٍ مِن المخلوقاتِ وسَخَّرَ لهُ هذهِ الحيواناتِ. قالَ تَعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [الحج: ٣٦].

стр. 638

فأمَّا مَن قَتَلَ هذهِ البهائمَ المطيعةَ الذَّاكرةَ للهِ تَعالى، ثمَّ اسْتَعانَ بأكلِ لحومِها على معاصي اللهِ تَعالى ونَسِيَ ذكرَ اللهِ؛ فقد قَلَبَ الأمرَ وكَفَرَ النِّعمةَ، فلا كانَ مَن كانَتِ البهائمُ خيرًا منهُ وأطوعَ. نَهارُكَ يا مَغْرورُ سَهْوٌ وَغَفْلَةٌ … وَلَيْلُكَ نَوْمٌ وَالرَّدى لَكَ لازِمُ وَتَتْعَبُ فيما سَوْفَ تَكْرَهُ غِبَّهُ … كَذلِكَ في الدُّنْيا تَعيشُ البَهائِمُ • وإنَّما نُهِيَ عن صيامِ أيَّامِ التَّشريقِ؛ لأنَّها أعيادٌ للمسلمينَ معَ يومِ النَّحرِ، فلا تُصامُ بمنى ولا غيرِها عندَ جمهورِ العلماءِ، خلافًا لعطاء في قولِهِ: إنَّ النَّهيَ مختصٌّ بأهلِ منى. وإنَّما نُهِيَ عن التَّطوُّعِ بصيامِها سواءٌ وافَقَ عادةً أو لمْ يوافِقْ. فأمَّا صيامُها عن قضاءِ فرضٍ أو نَذْرٍ أو صيامُها بمنى للمتمتِّعِ إذا لم يَجِدِ الهديَ؛ ففيهِ اختلافٌ مشهورٌ بينَ العلماءَ، ولا فرَقَ بينَ يومٍ منها ويومٍ عندَ الأكثرينَ؛ إلَّا عندَ مالكٍ؛ فإنَّهُ قالَ في اليومِ الثَّالثِ منها: يَجوزُ صيامُهُ عن نذرٍ خاصَّةً (١). وفي النَّهيِ عن صيامِ هذهِ الأيَّامِ والأمرِ بالأكلِ فيها والشُربِ سرٌّ حسنٌ، وهوَ أن الله تَعالى لمَّا عَلِمَ ما يُلاقي الوافدونَ إلى بيتِهِ مِن مشاقِّ السَّفرِ وتعبِ الإحرامِ وجهادِ النُّفوسِ على قضاءِ المناسكِ؛ شَرَعَ لهُمُ الاستراحةَ عقيبَ ذلكَ بالإقامةِ بمنى يومَ النَّحرِ وثلاثةَ أيَّامِ التَّشريقِ بعدَهُ، وأمَرَهُم بالأكلِ فيها مِن لحومِ نسكِهِم، فهُم في ضيافةِ اللهِ فيها؛ لطفًا مِن اللهِ بهِم ورأْفةً ورحمةً. وشارَكَهُم أيضًا أهلُ الأمصارِ في ذلكَ؛ لأنَّ أهلَ الأمصارِ شارَكوهُم في النَّصبِ للهِ (٢) والاجتهادِ في عشرِ ذي الحجَّةِ بالصَّومِ والذِّكرِ والاجتهادِ في العباداتِ، وشارَكوهُم في حصولِ المغفرةِ وفي التَّقرُّبِ إلى اللهِ تَعالى بإراقةِ دماءِ الأضاحي، فشارَكوهُم في أعيادِهِم، واشْتَرَكَ الجميعُ في الرَّاحةِ في أيَّامِ الأعيادِ بالأكلِ والشُّربِ كما اشْتَرَكوا جميعًا في أيَّامِ العشرِ في الاجتهادِ في الطَّاعةِ والنَّصبِ، وصارَ المسلمونَ كلُّهُم في ضيافةِ اللهِ تَعالى في هذهِ الأيَّامِ، يَأْكُلونَ مِن رزقِهِ

стр. 639

ويَشْكُرونَهُ على فضلِهِ. ونُهُوا عن صيامِها؛ لأنَّ الكريمَ لا يَليقُ بهِ أنْ يُجيعَ أضيافَهُ، فكأنَّهُ قيلَ للمؤمنينَ في هذهِ الأيَّامِ: قد فَرَغَ عملُكُمُ الذي عَمِلْتُموهُ، فما بَقِيَ لكُم إلَّا الرَّاحةُ، فهذهِ الرَّاحةُ بذلكَ التَّعبِ، كما أُريحَ الصَّائمونَ للهِ شهرَ رمضانَ بأمرِهِم بإفطارِ يومِ عيدِ الفطرِ. • ويُؤْخَذُ مِن هذا إشارةٌ إلى حالِ المؤمنِ في الدُّنيا؛ فإن الدُّنيا كلَّها أيَّامُ سفرٍ كأيامِ الحجِّ، وهيَ زمانُ إحرامِ المؤمنينَ عمَّا حَرَّمَ اللهُ عليهِم مِن الشَّهواتِ، فمَن صَبَرَ في مدَّةِ سفرِهِ على إحرامِهِ وكَفَّ عن الهوى، فإذا انْتَهى سفرُ عمرِهِ ووَصَلَ إلى منى المُنى فقد قَضى تفثَهُ ووَفَّى نذرَهُ، فصارَتْ أيَّامُهُ كلُّها كأيَّامِ منى أيَّامَ أكلٍ وشربٍ وذكرِ اللهِ ، وصارَ في ضيافةِ اللهِ في جوارِهِ أبدَ الأبدِ. ولهذا يُقالُ لأهلِ الجنَّةِ: ﴿كُلوا وَاشْرَبوا هَنيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلونَ﴾ [الطور: ١٩]، ﴿كُلوا وَاشْرَبوا هَنيئًا بِما أسْلَفْتُمْ في الأيَّامِ الخالِيةِ﴾ [الحاقَّة: ٢٤]. وقد قيلَ: إنَّها نَزَلَتْ في الصُّوَّامِ في الدُّنيا. وَقَدْ صُمْتُ عَنْ لَذَّاتِ دَهْرِيَ كُلِّها … وَيَوْمَ لِقاكُمْ ذاكَ فِطْرُ صِيامي قالَ بعضُ السَّلفِ: صُمِ الدُّنيا ولْيَكُنْ فطرُكَ الموتَ. فَصُمْ يَوْمَكَ الأدْنى لَعَلَّكَ في غَدٍ … تَفوزُ بِعيدِ الفِطْرِ وَالنَّاسُ صُوَّمُ مَن صامَ اليومَ عن شهواتِه؛ أفْطَرَ عليها غدًا بعدَ وفاتِه، ومَن تَعَجَّلَ ما حُرِّمَ عليهِ مِن لذَّاتِه؛ عوقِبَ بحرمانِ نصيبِهِ مِن الجنَّةِ وفواتِه. شاهدُ ذلكَ: "مَن شَرِبَ الخمرَ في الدُّنيا لمْ يَشْرَبْها في الآخرةِ" (١)، و"مَن لَبِسَ الحريرَ في الدُّنيا لمْ يَلْبَسْهُ في الآخرةِ" (٢). أنْتَ في دارِ شَتاتٍ … فَتَأهَّبْ لِشَتاتِكْ وَاجْعَلِ الدُّنْيا كَيَوْمٍ … صُمْتَهُ عَنْ شَهَواتِكْ وَلْيَكُنْ فِطْرُكَ عِنْدَ الـ … ـــــلهِ فسي يَوْمِ وَفاتِكْ

стр. 640

قالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَاللهُ يَدْعو إلى دارِ السَّلامِ وَيَهْدي مَنْ يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقيمٍ﴾ [يونس: ٢٥]. الجنَّةُ ضيافةُ اللهِ أعَدَّها لعباده المؤمنينَ نزلًا، فيها ما لا عينٌ رَأتْ ولا أذنٌ سَمِعَتْ ولا خَطَرَ على قلبِ بشرٍ. وبُعِثَ رسولُ اللهِ ﷺ يَدْعو إليها بالإيمانِ والإسلامِ والإحسانِ، فمَن أجابَهُ؛ دَخَلَ الجنَّةَ وأكَلَ مِن تلكَ الضِّيافةِ، ومَن لمْ يُجِبْ؛ حُرِمَ. خَرَّجَ التِّرْمِذِيُّ عن جابِرٍ؛ قالَ: خَرَجَ علينا رسولُ اللهِ ﷺ يومًا، فقالَ: "رَأيْتُ في المنامِ كأنَّ جِبْريلَ عندَ رأْسي وميكائيلَ عندَ رجليَّ. فقالَ أحدُهُما لصاحبِهِ: اضْرِبْ لهُ مثلًا. فقالَ: اسْمَعْ سَمِعَتْ أُذُنُكَ واعْقِلْ عَقَلَ قلبُكَ. إنَّما مثلُكَ ومثلُ أُمَّتِكَ كمثلِ ملكٍ اتَّخَذَ دارًا، ثمَّ بَنى فيها بناءً، وجَعَلَ فيها مائدةً، ثمَّ بَعَثَ رسولًا يَدْعو النَّاسَ إلى طعامِهِ، فمنهُم مَن أجابَ الرَّسولَ، ومنهُم مَن تَرَكَهُ. فاللهُ هوَ الملكُ، والدَّارُ هيَ الإسلامُ، والبيتُ الجنَّةُ، وأنتَ يا مُحَمَّدُ رسولٌ، مَن أجابَكَ دَخَلَ الإسلامَ، ومَن دَخَلَ الإسلامَ دَخَلَ الجنَّةَ، ومَن دَخَلَ الجنَّةَ أكَلَ ممَّا فيها" (١).

стр. 641

وخَرَّجَهُ البُخارِيُّ (١) بمعناهُ، ولفظُهُ: "مثلُهُ كمثلِ رجلٍ بنى دارًا، وجَعَلَ فيها مأْدبةً، وبَعَثَ داعيًا، فمَن أجابَ الدَّاعيَ دَخَلَ الدَّارَ وأكَلَ مِن المأْدبةِ، ومَن لمْ يُجِبِ الدَّاعيَ لمْ يَدْخُلِ الدَّارَ ولمْ يَأْكُلْ مِن المأْدبةِ؛ فالدَّارُ الجنَّةُ، والدَّاعي مُحَمَّدٌ". في بعضِ الآثارِ الإسرائيليّةِ: يَقولُ اللهُ: ابنَ ادَمَ! ما أنْصَفْتَني، أذْكُرُكَ وتَنْساني، وأدْعوكَ إليَّ فتَفِرُّ منِّي إلى غيري، وأُذْهِبُ عنكَ البلايا وأنتَ معتكفٌ على الخطايا. ابنَ آدَمَ! ما يَكونُ اعتذارُكَ غدًا إذا جِئْتَني؟! طوبى لمَن أجابَ دعوةَ مولاه، ﴿يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ﴾ [الأحقاف: ٣١]. يا نَفْسُ وَيْحَكِ قَدْ أتاكِ هُداكِ … أجيبي فَداعي الحَقِّ قَدْ ناداكِ كَمْ قَدْ دُعِيتِ إلى الرَّشادِ فتُعْرِضي … وَأجَبْتِ داعي الغَيِّ حينَ دَعاكِ كلُّ ما في الدُّنيا يُذَكِّرُ بالآخرةِ، فمواسمُها وأعيادُها وأفراحُها تُذَكِّرُ بمواسمِ الآخرةِ وأعيادِها وأفراحِها. صَنَعَ عَبْدُ الواحِدِ بنُ زَيْدٍ طعامًا لإخوانِهِ، فقامَ عُتْبَةُ الغلامُ على رؤوسِ الجماعةِ يَخْدُمُهُم وهوَ صائمٌ، فجَعَلَ عَبْدُ الواحِدِ يَنْظُرُ إليهِ ويُسارِقُهُ النَّظرَ ودموعُ عُتْبَةَ تَجْري، فسَألَهُ بعدَ ذلكَ عن بكائِهِ، فقالَ: ذَكَرْتُ موائدَ الجنَّةِ والولدانُ قائمونَ على رؤوسِهِم، فصُعِقَ عَبْدُ الواحِدِ (٢)! أبدانُ العارفينَ في الدُّنيا وقلوبُهُم في الآخرةِ. جِسْمي مَعي غَيْرَ أن الرُّوحَ عِنْدَكُمُ … فَالجِسْمُ في غُرْبَةٍ وَالرُّوحُ في وَطَنِ أعيادُ النَّاسِ تَنْقَضي، فأمَّا أعيادُ العارفينَ فدائمةٌ. قالَ الحَسَنُ: كلُّ يومٍ لا تَعْصي الله فيهِ فهوَ لكَ عيدٌ. جاءَ بعضُهُم إلى بعضِ العارفينَ فسَلَّمَ عليهِ وقالَ لهُ: أريدُ أنْ أكَلِّمَكَ. قالَ: اليومَ

стр. 642

لنا عيدٌ. فتَرَكَهُ، ثمَّ جاءَهُ يومًا آخرَ، فقالَ لهُ مثلَ ذلكَ. ثمَّ يومًا آخرَ، فقال لهُ مثلَ ذلكَ. فقالَ لهُ: ما أكثرَ أعيادَكَ! قالَ: يا بطَّالُ! أما عَلِمْتَ أن كلَّ يومٍ لا نَعْصي الله فيهِ فهوَ لنا عيدٌ (١). أوقاتُ العارفينَ كلُّها فرحٌ وسرورٌ بمناجاةِ مولاهُم وذكرِهِ، فهيَ أعيادٌ. وكانَ الشِّبْلِيُّ يُنْشِدُ: إذا ما كُنْتَ لي عيدًا … فَما أصْنَعُ بِالعيدِ جَرى حُبُّكَ في قَلْبي … كَجَرْيِ الماءِ في العودِ وأنْشَدَ أيضًا: عيدي مُقيمٌ وَعيدُ النَّاسِ مُنْصَرِفُ … وَالقَلْبُ مِنِّي عن اللَذَّاتِ مُنْحَرِفُ وَلي قَرينانِ ما لي مِنْهُما خَلَفٌ … طولُ الحَنينِ وَعَيْنٌ دَمْعُها يَكِفُ المجلس الرابع في ذكر ختام العام خَرَّجَ الإمامُ أحْمَدُ مِن حديثِ: جابرٍ، عن النَّبيِّ ﷺ ؛ قالَ: "لا تتمَنَّوُا الموتَ؛ فإنَّ هولَ المطَّلَعِ شديدٌ، وإنَّ مِن السَّعادةِ أنْ يَطول عمرُ العبدِ ويَرْزُقَهُ اللهُ الإنابةَ" (٢).

стр. 643

• تمنِّي الموتِ يَقَعُ على وجوهٍ: • منها: تمنِّيهِ لضرٍّ دنيويٍّ يَنْزِلُ بالعبدِ، فيُنْهى حينئذٍ عن تمنِّي الموتِ. وفي الصَّحيحين (١): عن أنسٍ، عن النَّبِيِّ ﷺ ؛ قالَ: "لا يَتَمَنَّيَنَ أحدُكُمُ الموتَ لضرٍّ نَزَلَ بهِ، فإنْ كانَ لا بدَّ فاعلًا؛ فلْيَقُلِ: اللهمَّ! أحْيِني ما كانَتِ الحياةُ خيرًا لي، وتَوَفَّني إذا كانَ الوفاةُ خيرًا لي". [و] وجهُ كراهتِهِ في هذهِ الحالِ أنَّ المتمنِّيَ للموتِ لضرٍّ نَزَلَ بهِ، إنَّما يَتَمَنَّا [هُ]، تعجيلًا للاستراحةِ مِن ضرِّهِ، وهوَ لا يَدْري إلى ما يَصيرُ بعدَ الموتِ، فلَعَلَّهُ يَصيرُ إلى ضرٍّ أعظمَ مِن ضرِّهِ، فيَكونُ كالمستجيرِ مِن الرَّمضاءِ بالنَّارِ. وفي الحديثِ: عن النَّبِيِّ ﷺ ؛ قالَ: "إنَّما يَسْتَريحُ مَن غُفِرَ له" (٢). فلهذا لا يَنْبَغي لهُ أنْ يَدْعُوَ بالموتِ إلَّا أنْ

стр. 644

يَشْتَرِطَ أنْ يَكونَ خيرًا لهُ عندَ اللهِ ، وكذلكَ كلُّ ما لا يَعْلَمُ العبدُ فيهِ الخيرةَ لهُ، كالغنى والفقرِ وغيرِهِما، كما يُشْرَعُ لهُ استخارةُ اللهِ فيما يُريدُ أنْ يَعْمَلَهُ ممَّا لا يَعْلَمُ وجهَ الخيرةِ فيهِ، وإنَّما يُسْألُ اللهُ على وجهِ الجزمِ والقطعِ ما يُعْلَمُ (١) أنَّهُ خيرٌ محضٌ، كالمغفرةِ والرَّحمةِ والعفوِ والعافيةِ والهدى والتَّقوى ونحوِ ذلكَ (٢). • ومنها: تمنِّيهِ خوفَ الفتنةِ في الدِّينِ، فيَجوزُ حينئذٍ، وقد تَمَنَّاهُ ودَعا بهِ خشيةَ الفتنةِ في الدِّينِ خلقٌ مِن الصَّحابةِ وأئمَّةِ الإسلامِ. وفي حديثِ المنامِ: "وإذا أرَدْتَ بقومٍ فتنةً؛ فأقْبِضْني إليكَ غيرَ مفتونٍ" (٣). • ومنها: تمنِّي الموتِ عندَ حضورِ أسبابِ الشَّهادةِ اغتنامًا لحصولِها، فيَجوزُ ذلكَ أيضًا. وسؤالُ الصَّحابةِ الشَّهادةَ وتعرُّضُهُم لها عندَ حضورِ الجهادِ كثيرٌ مشهورٌ، وكذلكَ سؤالُ معاذٍ لنفسِهِ وأهلِ بيتِهِ الطَّاعونَ لمَّا وَقَعَ بالشَّامِ. • ومنها: تمنِّي الموتِ لمَن وَثِقَ بعملِهِ شوقًا إلى لقاءِ اللهِ ، فهذا يَجوزُ أيضًا، وقد فَعَلَهُ كثير مِن السَّلفِ. قالَ أبو الدَّرْداءِ: أُحِبُّ الموتَ اشتياقًا إلى ربِّي (٤). وقالَ أبو عِنَبَةَ الخَوْلانِيُّ: كانَ مَن قبلَكُم لقاءُ اللهِ أحبُّ إليهِم مِن الشَّهدِ. وقالَ

стр. 645

بعضُ العارفينَ: طالَتْ عليَّ الأيَّامُ والليالي بالشَّوقِ إلى لقاءِ اللهِ. وقالَ بعضُهُم: طالَ شوقي إليكَ فعَجِّلْ قدومي عليكَ. وقالَ بعضُهُم: لا تَطيبُ نفسي بالموتِ إلَّا إذا ذَكَرْتُ لقاءَ اللهِ؛ فإنَّني أشْتاقُ حينئذٍ إلى الموتِ، كشوقِ الظَّمآنِ الشَّديدِ ظمؤُهُ في اليومِ الحارِّ الشَّديدِ حرُّهُ إلى الماءِ الباردِ الشَّديدِ بردُهُ. وفي هذا يَقولُ بعضُهُم: أشْتاقُ إليْكَ يا قَريبًا نائي … شَوْقَ الظَّامي إلى زُلالِ الماءِ وقد دَلَّ على جوازِ ذلكَ قولُ اللهِ : ﴿قُلْ إنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الآخِرَةُ عِنْدَ اللهِ خالِصَةً مِنْ دونِ النَّاسِ فتَمَنَّوُا المَوْتَ إنْ كُنْتُمْ صادِقينَ﴾ [البقرة: ٩٤]، وقولُهُ تَعالى: ﴿قُلْ يا أيُّها الَّذينَ هادوا إنْ زَعَمْتُمْ أنَّكمْ أوْلِياءُ لِلهِ مِنْ دونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا المَوْتَ﴾ [الجمعة: ٦]، فدَلَّ ذلكَ على أن أولياءَ اللهِ لا يَكْرَهونَ الموتَ بل يَتَمَنَّوْنَهُ، ثمَّ أخْبَرَ أنَّهُم ﴿لا يَتَمَنَّوْنَهُ أبَدًا بِما قَدَّمَتْ أيْديهِمْ﴾ [الجمعة: ٧]، فدَلَّ على أنَّهُ إنَّما يَكْرَهُ المَوْتَ مَن له ذنوبٌ يَخافُ القدومَ عليها، كما قالَ بعضُ السَّلفِ: ما يَكْرَهُ الموتَ إلَّا مريبٌ (١).

стр. 646

وفي حديثِ: عَمَّارِ بن ياسِرٍ، عن النَّبِيِّ ﷺ : "أسْألُكَ لذَّةَ النَّظرِ إلى وجهِكَ وشوقًا إلى لقائِكَ في غيرِ ضرَّاءَ مضرَّةٍ ولا فتنةٍ مضلَّةٍ" (١). فالشَّوقُ إلى لقاءِ اللهِ إنَّما يَكونُ بمحبَّةِ الموتِ. وذلكَ (٢) لا يَقَعُ غالبًا إلَّا عندَ [خوفِ] ضرَّاءَ مضرَّةٍ في الدُّنيا أو فتنةٍ مضلَّةٍ في الدِّينِ. وأمَّا إذا خَلا عن ذلكَ؛ كانَ شوقًا إلى لقاءِ اللهِ، وهوَ المسؤولُ في هذا الحديثِ (٣). وفي "المسند": عن أبي هُرَيْرَةَ، عن النَّبيِّ ﷺ : "لا يَتَمَنَّيَنَّ الموتَ إلَّا مَن وَثِقَ بعملِهِ" (٤). فالمطيعُ للهِ مستأْنسٌ بربِّهِ، فهوَ يُحِبُّ لقاءَهُ، واللهُ يُحِبُّ لقاءَهُ. والعاصي

стр. 647

مستوحشٌ، بينَهُ وبينَ مولاهُ وحشةُ الذُّنوبِ، فهوَ يَكْرَهُ لقاءَ ربِّهِ، ولا بدَّ لهُ منهُ. قالَ ذو النُّونِ: كلُّ مطيعٍ مستأْنسٌ، وكلُّ عاصٍ مستوحشٌ. وفي هذا يَقولُ بعضُهُم: أمُسْتَوْحِشٌ أنْتَ مِمَّا جَنَيْتَ … فَأحْسِنْ إذا شِئْتَ وَاسْتَأْنِسِ قالَ أبو بَكْرٍ الصَدِّيقُ لِعُمَرَ ﵄ في وصيَّتِهِ لهُ عندَ موتِهِ: إنْ حَفِظْتَ وصيَّتي؛ لمْ يكُنْ غائبٌ أحبَّ إليكَ مِن الموتِ ولا بدَّ لكَ منهُ، وإنْ ضَيَّعْتَها؛ لم يَكُنْ غائبٌ أكرَهَ إليكَ مِن الموتِ ولنْ تُعْجِزَهُ (١). قالَ أبو حازِمٍ: كلُّ عملٍ تَكْرَهُ الموتَ مِن أجلِهِ فاتْرُكْهُ ثمَّ لا يَضُرُّكَ متى مُتَّ. العاصي يَفِرُّ مِن الموتِ لكراهيةِ لقاءِ اللهِ، وأينَ يَفِرُّ مَن هوَ في قبضةِ مَن يَطْلُبُهُ؟! أيْنَ المَفَرُّ وَالإلهُ الطَّالِبُ … وَالمُجْرِمُ المَغْلوبُ لَيْسَ الغالِبُ سُئِلَ أبو حازِمٍ: كيفَ القدومُ على اللهِ؟ قالَ: أمَّا الطَّائعُ؛ فكقدومِ الغائبِ على أهلِهِ المشتاقينَ إليهِ، وأمَّا العاصي؛ فكقدومِ الآبقِ على سيِّدهِ الغضبانِ. رُئِيَ بعضُ الصَّالحينَ في النَّومِ، فقيلَ لهُ: ما فَعَلَ اللهُ بكَ؟ قالَ: خيرًا، لمْ يُرَ مثلُ الكريمِ إذا حَلَّ بهِ المطيعُ. الدُّنيا كلُّها شهرُ صيامِ المتَّقينَ، وعيدُ فطرِهِم يومَ لقاءِ ربِّهِم. كما قيلَ: وَقَدْ صُمْتُ عَنْ لَذَّاتِ دَهْرِيَ كُلِّها … وَيَوْمَ لِقاكُمْ ذاكَ فِطْرُ صِيامي • ومنها: تمنِّي الموتِ على غيرِ الوجوهِ المتقدِّمةِ. فقدِ اخْتَلَفَ العلماءُ في كراهتِهِ

стр. 648

واستحبابِهِ، وقد رَخَّصَ فيهِ جماعةٌ مِن السَّلفِ وكَرِهَهُ آخرونَ، وحَكى بعضُ أصحابِنا عن أحْمَدَ في ذلكَ روايتينِ، ولا يَصِحُّ؛ فإنَّ أحْمَدَ إنَّما نَصَّ على كراهةِ تمنِّي الموتِ لضررِ الدُّنيا وعلى جوازِ تمنِّيهِ خشيةَ الفتنةِ في الدِّينِ. وربَّما أدْخَلَ بعضُهُم في هذا الاختلافِ القسمَ الذي قبلَهُ، وفي ذلكَ نظرٌ. واسْتَدَلَّ مَن كَرِهَهُ بعمومِ النَّهيِ عنهُ، كما في حديثِ جابرٍ الذي ذَكَرْناهُ، وفي معناهُ أحاديثُ أُخرُ يَأْتي بعضُها إنْ شاءَ اللهُ تَعالى. • وقد عُلِّلَ النَّهيُ عن تمنِّي الموتِ في حديثِ جابرٍ بعلَّتينِ: • إحداهُما: أنَّ هولَ المطَّلَعِ شديدٌ، وهولُ المطَّلعِ هوَ ما يُكْشَفُ للميِّتِ عندَ حضورِ الموتِ مِن الأهوالِ التي لا عهدَ لهُ بشيءٍ منها في الدُّنيا مِن رؤيةِ الملائكةِ ورؤيةِ أعمالِهِ مِن خيرٍ أو شرِّ وما يُبَشَّرُ بهِ عندَ ذلكَ مِن الجنَّةِ والنَّارِ، هذا مع ما يَلْقاهُ مِن شدَّةِ الموتِ وكربِهِ وغصصِهِ. وفي الحديثِ الصَّحيحِ: "إذا حُمِلَتِ الجنازةُ وكانَتْ صالحةً؛ قالَتْ: قَدِّموني قَدِّموني، وإنْ كانَتْ غيرَ ذلكَ؛ قالَتْ: يا ويلَها! أينَ تَذْهَبونَ بها؟ يَسْمَعُ صوتَها كلُّ شيءٍ إلَّا الإنسانَ، ولو سَمِعَها الإنسانُ لَصَعِقَ" (١). قالَ الحَسَنُ: لو عَلِمَ ابنُ ادَمَ أن لهُ في الموتِ راحةً وفرحًا؛ لَشَقَّ عليهِ أنْ يَأْتِيَهُ الموتُ؛ لِما يَعْلَمُ مِن فظاعتِهِ وشدَّتِهِ وهولهِ، فكيفَ وهوَ لا يَعْلَمُ ما لهُ في الموتِ مِن نعيمٍ دائمٍ أو عذابٍ مقيمٍ (٢)؟! بَكى النَّخَعِيُّ عندَ احتضارِهِ وقالَ: أنْتَظِرُ ملكَ الموتِ لا أدْري يُبَشِّرُني بالجنَّةِ أوِ النَّارِ. فالمتمنِّي للموتِ كأنَّهُ يَسْتَعْجِلُ حلولَ البلاءِ، وإنَّما أُمِرْنا بسؤالِ العافيةِ. وسَمعَ ابنُ عُمَرَ رجلًا يَتَمَنَّى الموتَ، فقالَ: لا تَتَمَنَّ الموتَ؛ فإنَّكَ ميِّتٌ، ولكنْ

стр. 649

سَلِ الله العافيةَ. قالَ إبْراهيمُ بنُ أدْهَمَ: إنَّ للموتِ كأْسًا لا يَقْوى عليها إلَّا خائفٌ وَجِلٌ مطيعٌ للهِ كانَ يَتَوَقَّعُها. وقالَ أبو العَتاهِيَةِ: ألا لِلْمَوْتِ كَأْسٌ أيُّ كَاسِ … وَأنْتَ لِكَأْسِهِ لا بُدَّ حاسي إلى كَمْ وَالمَماتُ إلى قَريبٍ … تُذَكَّرُ بِالمَماتِ وأنْتَ ناسي جَزِعَ الحَسَنُ بنُ عَلِيٍّ ﵉ عندَ موتِهِ وقالَ: إنِّي أُريدُ أنْ أُشْرِفَ على ما لمْ أُشْرِفْ عليهِ قطُّ. وبَكَى الحَسَنُ البَصْرِيُّ عندَ موتِهِ وقالَ: نُفَيْسَةٌ ضعيفةٌ وأمرٌ مهولٌ عظيمٌ، وإنَّا للهِ وإنَّا إليهِ راجعونَ. وكانَ حَبيبٌ العَجَمِيُّ عندَ موتِهِ يَبْكي ويَقولُ: إنِّي أُريدُ أنْ أُسافِرَ سفرًا ما سافَرْتُهُ قطُّ، وأسْلُكَ طريقًا ما سَلَكْتُهُ قطُّ، وأزورَ سيِّدي ومولايَ وما رَأيْتُهُ قطُّ، وأُشْرِفَ على أهوالٍ ما شاهَدْتُها قطُّ. فهذا كلُّهُ مِن هولِ المطَّلعِ الذي قَطَعَ قلوبَ الخائفينَ، حتَّى قالَ عُمَرُ عندَ موتِهِ: لو أن لي ما في الأرضِ لافْتَدَيْتُ بهِ مِن هولِ المطَّلعِ. ومِن هولِ المطَّلعِ: ما يُكْشَفُ للميِّتِ عندَ نزولِهِ قبرَهُ مِن فتنةِ القبرِ؛ فإنَّ الموتى يُفْتَنونَ بالمسألةِ في قبورِهِم مثلَ أو قريبًا مِن فتنةِ المسيحِ الدَّجَّالِ، وما يُكْشَفُ لهُم في قبورِهِم عن منازلِهِم مِن الجنَّةِ والنَّارِ، وما يَلْقَوْنَ مِن ضمَّةِ القبرِ وضيقِهِ وهولِهِ وعذابِهِ إنْ لمْ يُعافِ اللهُ مِن ذلكَ. ولأبي العَتاهِيَةِ يَبْكي نفسَهُ: لأَبْكِيَنَّ عَلى نَفْسي وَحُقَّ لِيَهْ … يا عَيْنُ لا تَبْخَلي عَنِّي بِعَبْرَتِيَهْ يا هَوْلَ مُطَّلَعي يا ضيقَ مُضْطَجَعي … يا نَأْيَ مُنْتَجَعي يا بُعْدَ شُقَّتِيَهْ رُئِيَ بعضُ الصَّالحينَ في المنامِ بعدَ موتِهِ، فسُئِلَ عن حالِهِ، فأنْشَدَ: وَلَيْسَ يَعْلَمُ ما في القَبْرِ داخِلُهُ … إِلَّا الإلهُ وساكِنُ الأجْداثِ

стр. 650

كانَ سُفْيانُ يُنْشِدُ: إنَّ امْرَءًا يَصْفو لَهُ عَيْشُهُ … لَغافِلٌ عَمَّا تُجِنُّ القُبورُ نَحْنُ بَنو الأرْضِ وَسُكَّانُها … مِنْها خُلِقْنا وَإلَيْها نَصيرُ • والعلَّةُ الثَّانيةُ: أن المؤمنَ لا يَزيدُهُ عمرُهُ إلَّا خيرًا، فمِن سعادتِهِ أنْ يَطولَ عمرُهُ ويَرْزُقَهُ اللهُ الإنابةَ إليهِ والتَّوبةَ مِن ذنوبِهِ السَّالفةِ والاجتهادَ في العملِ الصَّالحِ، فإذا تَمَنَّى الموتَ؛ فقد تَمَنَّى انقطاعَ عملِهِ الصَّالحِ، فلا يَنْبَغي لهُ ذلكَ. ورَوى إبْراهيمُ الحَرْبِيُّ مِن روايةِ: ابن لَهِيعَةَ، عن ابن الهادِ، عن ابنِ المُطَّلِبِ، عن أبيهِ؛ أن النَّبيَّ ﷺ قالَ: "السَّعادةُ كلُّ السَّعادةِ طولُ العمرِ في طاعةِ اللهِ " (١). وقد رُوِيَ هذا المعنى عن النَّبيِّ ﷺ مِن وجوهٍ متعدِّدةٍ: ففي "صحيح البُخارِيِّ" (٢): عن أبي هُرَيْرَةَ، عن النَّبيِّ ﷺ ؛ قالَ: "لا يَتَمَنَّيَنَّ أحدُكُمُ الموتَ: إمَّا محسنًا فلَعَلَّهُ أنْ يَزْدادَ خيرًا، وإمَّا مسيئًا فلَعَلَّهُ أنْ يُسْتَعْتَبَ". وفي "صحيح مُسْلِم" (٣): عن أبي هُرَيْرَةَ، عن النَّبيِّ ﷺ ؛ قالَ: "لا يَتَمَنَّيَنَّ أحدُكُمُ الموتَ ولا يَدْعُ بهِ مِن قبلِ أنْ يَأْتِيَهُ، إنَّهُ إذا ماتَ أحدُكُمُ انْقَطَعَ عملُهُ، وإنَّهُ لا يَزيدُ المؤمنَ عمرُهُ إلَّا خيرًا". وفي "مسند الإمام أحْمَد": عن أبي هُرَيْرَةَ، عن النَّبيِّ ﷺ ؛ قالَ: "لا يَتَمَنَّيَنَّ أحدُكُمُ الموتَ ولا يَدْعُ بهِ مِن قبلِ أنْ يَأْتِيَهُ؛ إلَّا أنْ يَكونَ قد وَثِقَ بعملِهِ؛ فإنَّهُ إنْ ماتَ

стр. 651

أحدُكُمُ انْقَطَعَ عنهُ عملُهُ، [و] إنَّهُ لا يَزيدُ المؤمنَ عمرُهُ إلَّا خيرًا" (١). وفيهِ: عن أُمِّ الفَضْلِ؛ أن النَّبيَّ ﷺ سَمِعَ العَبَّاسَ وهوَ يَشْتكي يَتَمَنَّى الموتَ، فقالَ: "لا تَتَمَنَّ الموتَ؛ فإنَّكَ إنْ كنْتَ محسنًا تَزْدادُ إحسانًا إلى إحسانِكَ، وإنْ كُنْتَ مسيئًا فأنْ تُؤَخَّرَ تَسْتَعْتِبُ مِن إساءتِكَ خيرٌ لكَ" (٢). وفيهِ أيضًا: عن أبي أُمَامَةَ؛ قالَ: جَلَسْنا إلى رسولِ اللهِ ﷺ فذَكَّرَنا ورَقَّقَنا. فبَكى سَعْدُ بنُ أبي وَقَّاصٍ فأكْثَرَ البكاءَ وقالَ: يا لَيْتَني مُتُّ. فقالَ النَّبيُّ ﷺ : "يا سَعْدُ! إنْ كُنْتَ خُلِقْتَ للجنَّةِ؛ فما طالَ مِن عمرِكَ وحَسُنَ مِن عملِكَ، فهوَ خيرٌ لكَ" (٣). وفي المعنى أحاديثُ أُخرُ كثيرةٌ، كلُّها تَدُلُّ على النَّهيِ عن تمنِّي الموتِ بكلِّ حالٍ وأنَّ طولَ عمرِ المؤمنِ خيرٌ لهُ؛ فإنَّهُ يَزْدادُ فيهِ خيرًا.

стр. 652

وهذا، قد قيلَ: إنَّهُ يَدْخُلُ فيهِ تمنِّيه للشَّوقِ إلى لقاءِ اللهِ، وفيهِ نظرٌ؛ فإنَّ النَّبيَّ ﷺ قد تَمَنَّاهُ في تلكَ الحالِ (١). • واخْتَلَفَ السَّالكونَ: أيُّما أفضلُ؛ مَن تَمَنَّى الموتَ شوقًا إلى لقاءِ اللهِ، أو مَن تَمَنَّى الحياةَ رغبةً في طاعةِ اللهِ، أو مَن فَوَّضَ الأمرَ إلى اللهِ ورَضِيَ باختيارِهِ لهُ ولم يَخْتَرْ لنفسِهِ شيئًا؟ واسْتَدَلَّ طائفةٌ مِن الصَّحابةِ على تفضيلِ الموتِ على الحياةِ بقولِ اللهِ : ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ﴾ [آل عمران: ١٩٨] (٢). ولكنَّ الأحاديثَ الصَّحيحةَ تَدُلُّ على أنَّ عمرَ المؤمنِ كلَّما طالَ ازْدادَ بذلكَ ما لَهُ عندَ اللهِ مِن الخيرِ، فلا يَنْبَغي لهُ أنْ يَتَمَنَّى انقطاعَ ذلكَ، اللهمَّ! إلَّا أنْ يَخْشى الفتنةَ على دينِهِ؛ فإنَّهُ إذا خَشِيَ الفتنةَ على دينِهِ؛ فقد خَشِيَ أنْ يَفوتَهُ ما عندَ اللهِ مِن الخيرِ ويَتَبَدَّلَ ذلكَ بالشَّرِّ، عياذًا باللهِ مِن ذلكَ، والموتُ خيرٌ مِن الحياةِ على هذهِ الحالِ. قالَ مَيْمونُ بنُ مِهْرانَ: لا خيرَ في الحياةِ إلَّا لتائبٍ أو رجلٍ يَعْمَلُ في الدَّرجاتِ. يَعْني: أن التَّائبَ يَمْحو بالتَّوبةِ ما سَلَفَ مِن السَّيِّئاتِ، والعاملُ يَجْتَهِدُ في علوِّ الدَّرجاتِ، ومَن عداهُما فهوَ خاسرٌ. كما قالَ تَعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ١ - ٣]. فأقْسَمَ اللهُ تَعالى أن كلَّ الإنسانِ خاسرٌ إلَّا مَنِ اتَّصَفَ بهذهِ الأوصافِ الأربعةِ: الإيمانِ، والعملِ الصَّالحِ، والتَّواصي بالحقِّ، والتَّواصي بالصَّبرِ على الحقِّ. فهذهِ السُّورةُ ميزانٌ [لـ]ـلأعمالِ، يَزِنُ المؤمنُ بها نفسَهُ فيَتَبَيَّنُ لهُ بها ربحُهُ مِن خسرانِهِ، ولهذا قالَ الشَّافِعِيُّ: لو فَكَّرَ النَّاسُ

стр. 653

كلُّهُم فيها؛ لكَفَتْهُم. رَأى بعضُ المتقدِّمينَ النَّبيَّ ﷺ في منامِهِ. فقالَ لهُ: أوْصِني. فقالَ لهُ: مَنِ اسْتَوى يوماهُ فهوَ مغبونٌ، ومَن كانَ يومُهُ شرًّا مِن أمسِهِ فهوَ ملعونٌ، ومَن لمْ يَتَفَقَّدِ الزِّيادةَ في عملِهِ فهوَ في نقصانٍ، ومَن كانَ في نقصانٍ فالموتُ خيرٌ لهُ (١). قالَ بعضُهُم: كانَ الصِّدِّيقونَ يَسْتَحْيونَ مِن اللهِ أنْ يَكونوا اليومَ على مثلِ حالِهِمِ بالأمسِ. يُشيرُ إلى أنَّهُم كانوا لا يَرْضَوْنَ كلَّ يومٍ إلَّا بالزِّيادةِ مِن عملِ الخيرِ، ويَسْتَحْيون مِن فقدِ ذلكَ ويَعُدُّونَهُ خسرانًا (٢)، [كما قيلَ]: ألَيْسَ مِنَ الخُسْرانِ أنَّ لَيالِيًا … تَمُرُّ بِلا نَفْعٍ وَتُحْسَبُ مِنْ عُمْري • فالمؤمنُ القائمُ بشروطِ الإيمانِ لا يَزْدادُ بطولِ عمرِهِ إلَّا خيرًا، ومَن كانَ كذلكَ فالحياةُ خيرٌ لهُ مِن الموتِ. وفي دعاءِ النَّبيِّ ﷺ : "اللهمَّ! اجْعَلِ الحياةَ زيادةً لي في كلِّ خيرٍ، والموتَ راحةً لي مِن كلِّ شرٍّ". خَرَّجَهُ مسلمٌ (٣). وفي "التِّرْمِذِيِّ" عنهُ ﷺ ؛ أنَّهُ سُئِلَ: أيُّ النَّاسِ خيرٌ؟ قالَ: "مَن طالَ عمرُهُ وحَسُنَ عملُهُ". قيلَ: فأيُّ النَّاسِ شرٌّ؟ قالَ: "مَن طالَ عمرُهُ وساءَ عملُهُ" (٤). وفي "المسند" وغيرِهِ: أن نفرًا ثلاثةً قَدِموا على النَّبيِّ ﷺ ، فأسْلَموا، فكانوا عندَ

стр. 654

طَلْحَةَ. فبَعَثَ النَّبيُّ ﷺ بعثًا، فخَرَجَ فيهِ أحدُهُم فاسْتُشْهِدَ. ثمَّ بَعَثَ بعثًا آخرَ، فخَرَجَ آخرُ منهُم فاسْتُشْهِدَ. ثمَّ ماتَ الثَّالثُ على فراشِهِ. قالَ طَلْحَةُ: فرَأيْتُهُم في الجنَّةِ، ورَأيْتُ الميِّتَ على فراشِهِ أمامَهُم، ورَأيْتُ الذي اسْتُشْهِدَ آخرًا يَليهِ، ورَأيْتُ الذي اسْتُشْهِدَ أوَّلَهُم آخرَهُم. فأتَيْتُ النَّبيَّ ﷺ ، فذَكَرْتُ ذلكَ لهُ، فقالَ: "وما أنْكَرْتَ مِن ذلكَ؟ ليس أفضلَ عندَ اللهِ مِن مؤمنٍ يُعَمَّرُ في الإسلامِ لتسبيحِهِ وتكبيرِهِ وتهليلِهِ" (١). وفي روايةٍ؛ قالَ: "ألَيْسَ قد مَكَثَ هذا بعدَهُ سنةً؟ ". قالوا: بلى. قالَ: "وأدْرَكَ رمضانَ فصامَهُ؟ ". قالوا: بلى. قالَ: "وصَلَّى كذا وكذا سجدةً في السَّنةِ؟ ". قالوا: بلى. قالَ: "فلَما بينَهُما أبعدُ ممَّا بينَ السَّماءِ والأرضِ" (٢). قيلَ لبعضِ السَّلفِ: طابَ الموتُ. قالَ: لا تَفْعَلْ، لساعةٌ تَعيشُ فيها تَسْتَغْفِرُ الله خيرٌ لكَ مِن موتِ الدَّهرِ. وقيلَ لشيخٍ كبيرٍ منهُم: تُحِبُّ الموتَ؟ قالَ: لا. قيلَ: ولمَ؟ قالَ: ذَهَبَ الشَّبابُ وشرُّهُ، وجاءَ الكبرُ وخيرُهُ، فإذا قُمْتُ قُلْتُ: بسمِ اللهِ، وإذا قَعَدْتُ قُلْتُ: الحمدُ للهِ، فأنا أُحِبُّ أنْ يَبْقى لي هذا. وقيلَ لشيخٍ آخرَ منهُم: ما بَقِيَ ممَّا تُحِبُّ لهُ الحياةَ؟ قالَ: البكاءُ على الذُّنوبِ. ولهذا كانَ السَّلفُ الصَّالحونَ يَتَأسَّفونَ عندَ موتِهِم على انقطاعِ أعمالِهِم عنهُم بالموتِ. وبَكى مُعاذٌ عندَ موتِهِ وقالَ: إنَّما أبْكي على ظَمَأ الهواجرِ وقيامِ ليلِ الشِّتاءِ ومزاحمةِ العلماءِ بالرُّكبِ عندَ حلقِ الذِّكرِ. وبَكى عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ الأسْوَدِ عندَ موتِهِ وقالَ: وا أسفاهُ على الصَّومِ والصَّلاةِ! ولم يَزَلْ يَتْلو القرآنَ حتَّى ماتَ. وبَكى يَزيدُ الرِّقاشِيُّ عندَ موتِهِ وقالَ: أبْكي على ما يَفوتُني مِن قيامِ الليلِ وصيامِ النَّهارِ. ثمَّ بَكى وقالَ: مَن يُصَلِّي لكَ يا يَزيدُ بعدَكَ؟ ومَن يَصومُ؟ ومَن يَتَقَرَّبُ لكَ

стр. 655

بالأعمالِ الصَّالحةِ؟ ومَن يَتوبُ لكَ مِن الذُّنوبِ السَّالفةِ؟ وجَزِعَ بعضُهُم عندَ موتِهِ وقالَ: إنَّما أبْكي على أنْ يَصومَ الصَّائمونَ للهِ ولَسْتُ فيهِم ويُصَلِّيَ المصلُّونَ ولَسْتُ فيهِم ويَذْكُرَ الذَّاكرونَ ولَسْتُ فيهِم، فذلكَ الذي أبْكاني. تَحَمَّلَ أصْحابي وَلَمْ يَجِدوا وَجْدي … وَلِلنَّاسِ أشْجانٌ وَلي شَجَنٌ وَحْدي أُحِبُّكُمُ ما دُمْتُ حَيًّا فَإنْ أمُتْ … فَوا أَسَفا مِمَّنْ يُحِبُّكُمُ بَعْدي في "التِّرْمِذِيِّ": عن أبي هُرَيْرَةَ مرفوعًا: "ما مِن ميِّتٍ ماتَ إلَّا نَدِمَ: إنْ كانَ محسنًا نَدِمَ أنْ لا يَكونَ ازْدادَ، وإنْ كانَ مسيئًا نَدِمَ أنْ لا يَكونَ اسْتَعْتَبَ" (١). إذا كانَ المحسنُ يَنْدَمُ على تركِ الزِّيادةِ؛ فكيفَ يَكونُ حالُ المسيءِ؟! رَأى بعضُ المتقدِّمينَ في المنامِ قائلًا يَقولُ لهُ: قُلْ: يا خَدُّ إنَّكَ إنْ تُوَسَّدْ لَيِّنا … وُسِّدْتَ بَعْدَ المَوْتِ صُمَّ الجَنْدَلِ فَاعْمَلْ لِنَفْسِكَ في حَياتِكَ صالِحًا … فَلَتَنْدَمَنَّ غَدًا إذا لَمْ تَفْعَلِ ورَأى آخرُ في المنامِ قائلًا يَقولُ لهُ: إنْ كُنْتَ لا تَرْتابُ أنَّكَ مَيِّتٌ … وَلَسْتَ لِبَعْدِ المَوْتِ ما أنْتَ تَعْمَلُ فَعُمْرُكَ ما يُغْني وَأنْتَ مُفَرِّطٌ … وَإسْمُكَ في المَوْتى مُعَدٌّ مُحَصَّلُ رُئِيَ بعضُ الموتى في المنامِ، فقالَ: ما عندَنا أكثرُ مِن النَّدامةِ، وما عندَكُم أكثرُ مِن الغفلةِ. وُجِدَ على قبرٍ مكتوبٌ: نَدِمْتُ عَلى ما كانَ منِّي نَدامَةً … وَمَنْ يَتَّبِعْ ما تَشْتَهي (٢) النَّفْسُ يَنْدَمُ

стр. 656

ألَمْ تَعْلَموا أنَّ الحِسابَ أمامَكُمْ … وَأنَّ وَراكُمْ طالِبًا لَيْسَ يَسْأمُ فَخافُوا لِكَيْما تَأْمَنوا بَعْدَ مَوْتِكُمْ … سَتَلْقَوْنَ ربًّا عادِلًا لَيْسَ يَظْلِمُ فَلَيْسَ لِمَغْرورٍ بِدُنْياهُ راحَةٌ … سَيَنْدَمُ إنْ زَلَّتْ بهِ النَّعْلُ فَاعْلَموا الموتى في قبورِهِم يَتَحَسَّرونَ على زيادةٍ في أعمالِهِم بتسبيحةٍ أو بركعةٍ، ومنهُم مَن يَسْألُ الرَّجعةَ إلى الدُّنيا لذلكَ فلا يَقْدِرونَ على ذلكَ قد حيلَ بينَهُم وبينَ العملِ وغَلِقَتْ منهُمُ الرُّهونُ. ورُئِيَ بعضُهُم في المنامِ فقالَ: قَدِمْنا على أمرٍ عظيمٍ، نَعْلَمُ ولا نَعْمَلُ، وأنتُم تَعْمَلونَ ولا تَعْلَمونَ! واللهِ؛ لتسبيحةٌ أو تسبيحتانِ أو ركعةٌ أو ركعتانِ في صحيفةِ أحدِنا أحبُّ إليهِ مِن الدُّنيا وما فيها. قالَ بعضُ السَّلفِ: كلُّ يومٍ يَعيشُ فيهِ المؤمنُ غنيمةٌ. وقالَ بعضُهُم: بقيَّةُ عمرِ المؤمنِ لا قيمةَ لهُ. يَعْني: أنَّهُ يُمْكِنُهُ أنْ يَمْحُوَ فيهِ ما سَلَفَ مهنهُ مِن الذُّنوبِ بالتَّوبةِ، وأنْ يَجْتَهِدَ فيهِ في بلوغِ الدَّرجاتِ العاليةِ بالعملِ الصَّالحِ. فأمَّا مَن فَرَّطَ في بقيَّةِ عمرِهِ؛ فإنَّهُ خاسرٌ، فإنِ ازْدادَ فيهِ مِن الذُّنوبِ؛ فذلكَ هوَ الخسرانُ المبينُ. الأعمالُ بالخواتيمِ: مَن أصْلَحَ فيما بَقِيَ غُفِرَ لهُ ما مَضى، ومَن أساءَ فيما بَقِيَ أُخِذَ بما بَقِيَ وما مَضى (١). يا بائِعَ عُمْرِهِ مُطيعًا أمَلَهْ … في مَعْصِيَةِ اللهِ كَفِعْلِ الجَهَلَهْ إنْ ساوَمَكَ الجَهْلُ بِباقيهِ فَقُلْ … باقي عُمُرِ المُؤْمِنِ لا قيمَةَ لَهْ • ما مَضى مِن العمرِ وإنْ طالَتْ أوقاتُه فقد ذَهَبَتْ لذَّاتُهُ وبَقِيَتْ تبعاتُه، وكأنَّهُ لم يَكُنْ إذا جاءَ الموتُ وميقاتُه. قالَ اللهُ تَعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (٢٠٥) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (٢٠٦) مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٥ - ٢٠٧].

стр. 657

تلا بعضُ السَّلفِ هذهِ الآيةَ وبَكى وقالَ: إذا جاءَ الموتُ؛ لمْ يُغْنِ عن المرءِ ما كانَ فيهِ مِن اللذَّةِ والنَّعيمِ. وفي هذا المعنى ما أنْشَدَهُ أبو العَتَاهِيَةِ للرَّشيدِ حينَ بَنى قصرَهُ واسْتَدْعى إليهِ ندماءَهُ. عِشْ ما بَدا لَكَ سالِمًا … في ظِلِّ شاهِقَةِ القُصورِ يُسْعى عَلَيْكَ بِما اشْتَهَيْـ … ـتَ لَدى الرَّواحِ وفي البُكورِ فَإذا النُّفوسُ تَقَعْقَعَتْ … في ضيقِ حَشْرَجَةِ الصُّدورِ فَهُناكَ تَعْلَمُ موقِنًا … ما كُنْتَ إلَّا في غُرورِ في "صحيح البُخارِي" (١): عن النَّبيِّ ﷺ ؛ قالَ: "أعْذَرَ اللهُ إلى مَن بَلَّغَـ[ـهُ] ستِّينَ مِن عمرِهِ". وفي "التِّرْمِذِيِّ": "أعمارُ أُمَّتي ما بينَ السِّتِّينَ إلى السَّبعينَ، وأقلُّهُم مَن يَجوزُ ذلكَ" (٢). وفي روايةٍ: "حصادُ أُمَّتي" (٣). مَن بَلَغَ الخمسينَ؛ فقد تنصَّفَ المئةَ، فماذا يَنْتَظِرُ؟! لَهْفي عَلى خَمْسينَ عامًا [قَدْ] مَضَتْ … كانَتْ أمامي ثُمَّ خَلَّفْتُها لَوْ كانَ عُمْري مئةً هَدَّني … تَذَكُّري أنِّي تَنَصَّفْتُها في بعضِ الكتبِ السَّالفةِ: إنَّ للهِ مناديًا يُنادي كلَّ يومٍ: أبناءَ الخمسينَ! زرعٌ دَنا حصادُهُ. أبناءَ السِّتِّينَ! هَلُمُّوا إلى الحسابِ. أبناءَ السَّبعينَ! ماذا قَدَّمْتُمْ وماذا أخَّرْتم؟ أبناءَ الثَّمانينَ! لا عذرَ لكُم. لَيْتَ الخلقَ لم يُخْلَقوا! ولَيْتَهُم إذ خُلِقوا عَلِموا لماذا خُلِقوا وتَجالَسوا بينَهُم فتذاكَروا ما عَمِلوا! ألا أتَتْكُمُ السَّاعةُ فخُذوا حذرَكُم. وقالَ وهبٌ (٤): إنَّ للهِ مناديًا يُنادي في السَّماءِ الرَّابعةِ كلَّ صباحٍ: أبناءَ الأربعين!

стр. 658

زرعٌ دَنا حصادُهُ، أبناءَ الخمسينَ! ماذا قَدَّمْتُمْ وماذا أخَّرْتُم؟ أبناءَ السِّتِّينَ! لا عذرَ لكُم. وفي حديثٍ: "إنَّ الله تَعالى يَقولُ للحفظةِ: ارْفُقوا بالعبدِ ما دامَ في حداثةٍ، فإذا بَلَغَ الأربعينَ؛ حَقِّقا وتَحَفَّظا" (١). فكانَ بعضُ رواتِهِ يَبْكي عندَ روايتِهِ ويَقولُ: حينَ كَبِرَتِ السِّنُّ ورَقَّ العظمُ وَقَعَ التَّحفُّظُ. قالَ مَسْروقٌ: إذا أتَتْكَ الأربعونَ؛ فخُذْ حذرَكَ. وقالَ النَّخَعِيُّ: كانَ يُقالُ لصاحبِ الأربعينَ: احْتَفِظْ بنفسِكَ. وكانَ كثيرٌ مِن السَّلفِ إذا بَلَغَ الأربعينَ تَفَرَّغَ للعبادةِ. وقالَ عُمَرُ بنُ عَبْدِ العَزيزِ: تَمَّتْ حجَّةُ اللهِ على ابن الأربعينَ. فماتَ لها. ورَأى في منامِهِ قائلًا يَقولُ لهُ: إذا [ما] أتَتْكَ الأرْبَعونَ فَعِنْدَها … فَاخْشَ الإلهَ وَكُنْ لِلْمَوْتِ حَذَّارا (٢) يا أبناءَ العشرينَ! كم ماتَ مِن أقرانِكُم وتَخَلَّفْتُم. يا أبناءَ الثَّلاثينَ! أُصِبْتُمْ بالشَّبابِ على قربٍ مِن العهدِ فما تأسَّفْتُم. يا أبناءَ الأربعينَ! ذَهَبَ الصِّبا وأنتُم على اللهوِ قد عَكَفْتُم. يا أبناءَ الخمسينَ! [قد] تنصَّفْتُمُ المئةَ وما أنْصَفْتُم. يا أبناءَ السِّتِّينَ! أنتُم على معتركِ المنايا قد أشْرَفْتُم، أتَلْهُونَ وتَلْعَبونَ؟! لقد أسْرَفْتُم! وَإذا تَكامَلَ لِلْفَتى مِنْ عُمْرِهِ … خَمْسونَ وَهْوَ إلى التُّقى لا يَجْنَحُ عَكَفَتْ عَلَيْهِ المُخْزِياتُ فَما لَهُ … مُتَأخَّرٌ عَنْها ولا مُتَزَحْزَحُ وَإذا رَأى الشَّيْطانُ غُرَّةَ وَجْهِهِ … حَيَّا وقالَ فَدَيْتُ مَنْ لا يُفْلِحُ قالَ الفُضَيْلُ لرجلٍ: كم أتى عليكَ؟ قالَ: ستُّونَ سنةً. قالَ لهُ: [أنتَ] منذُ ستِّينَ سنةً تَسيرُ إلى ربِّكَ يوشِكُ أنْ تَصِلَ. وَإنَّ امْرَأً قَدْ سارَ سِتِّينَ حِجَّةً … إلى مَنْهَلٍ مِنْ وِرْدِهِ لَقَريبُ • يا مَن يَفْرَحُ بكثرةِ مرورِ السِّنينَ عليهِ! إنَّما تَفْرَحُ بنقصِ عمرِكَ.

стр. 659

قالَ أبو الدَّرْداءِ والحَسَنُ (١): إنَّما أنتَ أيَّامٌ، كلَّما مَضى منكَ يومٌ؛ مَضى بعضُكَ. [وأنْشَدَ بعضُهُم]: إنَّا لَنَفْرَحُ بِالأيَّامِ نَقْطَعُها … وَكُلُّ يَوْمٍ مَضى يُدْني مِنَ الأجَلِ فَاعْمَلْ لِنَفْسِكَ قَبْلَ المَوْتِ مُجْتَهِدًا … فَإنَّما الرِّبْحُ وَالخُسْرانُ في العَمَلِ قالَ بعضُ الحكماءِ: كيفَ يَفْرَحُ بالدُّنيا مَن يومُهُ يَهْدِمُ شهرَهُ، وشهرُهُ يَهْدِمُ سنتَهُ، وسنتُهُ تَهْدِمُ عمرَهُ؟! كيفَ يَفْرَحُ مَن يَقودُهُ عمرُهُ إلى أجلِهِ وحياتُهُ إلى موتِهِ؟! تَزيدُ سُرورًا (٢) بِالهِلالِ إذا بَدا … وَما هُوَ إلَّا السَّيْفُ لِلْحَتْفِ يُنْتَضَى إذا قيلَ تَمَّ العامُ فَهْوَ كِنايَةٌ … وَتَرْجَمَةٌ عَنْ شَطْرِ عُمْرٍ قَدِ انْقَضى قالَ الحَسَنُ: الموتُ معقودٌ بنواصيكُم، والدُّنيا تُطْوى مِن ورائِكُم. نَسيرُ إلى الآجالِ في كُلِّ لَحْظَةٍ … وَأعْمارُنا تُطْوى وَهُنَّ مَراحِلُ تَرَحَّلْ مِن الدُّنْيا بِزادٍ مِنَ التُّقى … فَعُمْرُكَ أيَّامٌ وَهُنَّ قَلائِلُ قالَ بعضُ الحكماءِ: مَن كانَتِ الليالي والأيَّامُ مطاياهُ؛ سارَتْ بهِ وإنْ لمْ يَسِرْ. وما هذهِ الأيَّامُ إلَّا مَراحِلٌ … يَحُثُّ بِها حادٍ إلى المَوْتِ قاصِدُ وَأعْجَبُ شَيْءٍ لَوْ تَأمَّلْتَ أنَّها … مَنازِلُ تُطْوى وَالمُسافِرُ قاعِدُ قالَ بعضُ الحكماءِ: قدِ اعْتَوَرَكَ الليلُ والنَّهارُ، فالليلُ يَدْفَعُكَ إلى النَّهارِ والنَّهارُ يَدْفَعُكَ إلى الليلِ، حتَّى يَأْتِيَكَ الموتُ. أيا وَيْحَ نَفْسي مِنْ نَهارٍ يَقودُها … إلى عَسْكَرِ المَوْتى وَلَيْلٍ يَذودُها • يا مَن كلَّما طالَ عمرُهُ زادَ ذنبُه! يا مَن كلَّما أبْيَضَّ شعرُهُ بمرورِ الأيَّامِ اسْوَدَّ بالآثامِ قلبُه! شَيْخٌ كَبيرٌ لَهُ ذُنوبُ … تَعْجِزُ عَنْ حَمْلِها المَطايا قَدْ بَيَّضَتْ شَعْرَهُ الليالي … وَسَوَّدَتْ قَلْبَهُ الخَطايا يا مَن تَمُرُّ عليهِ سنةٌ بعدَ سنة وهوَ مستثقلٌ في نومِ الغفلةِ والسِّنة! يا مَن يَأْتي عليهِ

стр. 660

عامٌ بعدَ عام وقد غَرِقَ في بحرِ الخطايا فهامَ (١)! يا مَن يُشاهِدُ الآياتِ والعبرَ كلَّما توالَتْ عليهِ الأعوامُ والشُّهور، ويَسْمَعُ الآياتِ والسُّورَ ولا يَنْتَفِعُ بما يَسْمَعُ ولا بما يَرى مِن عظائمِ الأُمور! ما الحيلةُ فيمَن سَبَقَ عليهِ الشَّقاءُ في الكتابِ المسطور؟! ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦]! ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور: ٤٠]. خَليلَيَّ كَمْ مِنْ مَيِّتٍ قَدْ حَضَرْتُهُ … وَلكِنَّني لَمْ أنْتَفِعْ بِحُضوري وَكَمْ مِنْ لَيالي قَدْ أرَتْني عَجائِبًا … لَهُن وَأيَّامٍ خَلَتْ وَشُهورِ وَكَمْ مِنْ سِنينٍ قَدْ طَوَتْني كَثيرَةٍ … وَكَمْ مِنْ أُمورٍ قَدْ جَرَتْ وَأُمورِ وَمَنْ لَمْ يَزِدْهُ السِّنُّ ما عاشَ عِبْرَةً … فَذاكَ الَّذي لا يَسْتَنيرُ بِنورِ * * * * *

стр. 661

فصل ويلتحق بوظائف شهور السنة الهلالية وظائف فصول السنة الشمسية وفيهِ ثلاثةُ مجالسَ: المجلس الأول في ذكر فصل الربيع خَرَّجا في الصَّحيحينِ (١) من حديثِ: أبي سَعيدٍ الخُدْرِيِّ، عن النَّبيِّ ﷺ ؛ قالَ: "إنَّ أخوفَ ما أخافُ عليكُم ما يُخْرِجُ اللهُ لكُم مِن بركاتِ الأرضِ". قيلَ: ما بركاتُ الأرضِ؟ قالَ: "زهرةُ الدُّنيا". فقالَ لهُ رجلٌ: "هل يَأْتي الخيرُ بالشَّرِّ؟ ". فصَمَتَ رسولُ اللهِ ﷺ حتَّى ظَنَنْتُ أنَّهُ سَيُنْزَلُ عليهِ. ثمَّ جَعَلَ يَمْسَحُ عن جبينِهِ. قالَ: "أينَ السَّائلُ؟ ". قالَ: أنا. قالَ: "لا يَأْتي الخيرُ إلَّا بالخيرِ، إنَّ هذا المالَ خضرةٌ حلوةٌ، وإنَّ كلَّ ما أنْبَتَ الرَّبيعُ تقْتُلُ حبطًا أو يُلِمُّ، إلَّا آكلةَ الخضرِ، أكَلَتْ، حتَّى إذا امْتَدَّتْ خاصرتاها؛ اسْتَقْبَلَتِ الشَّمسَ، فاجْتَرَّتْ وثَلَطَتْ وبالَتْ، ثمَّ عادَتْ فأكَلَتْ. وإنَّ هذا المالَ خضرةٌ حلوةٌ، مَن أخَذَهُ بحقِّهِ ووَضَعَهُ في حقِّهِ؛ فنِعْمَ المعونةُ هوَ، وإنْ أخَذَهُ بغيرِ حقِّهِ؛ كانَ كالذي يَأْكُلُ ولا يَشْبَعُ". • كانَ النَّبيُّ ﷺ يَتَخَوَّفُ على أُمَّتِهِ مِن فتحِ الدُّنيا عليهِم، فيَخافُ عليهِمُ الافتتانَ بها. ففي الصَّحيحين (٢): عن عَمْرِو بن عَوْفٍ؛ أن النَّبيَّ ﷺ قالَ للأنصارِ لمَّا جاءَهُ مالُ

стр. 662

البحرينِ: "أبْشِروا وأمِّلوا ما يَسُرُّكُم، فواللهِ؛ ما الفقرَ أخْشى عليكُم، ولكنْ أخْشى عليكُم أنْ تُبْسَطَ الدُّنيا عليكُم كما بُسِطَتْ على مَن كانَ قبلَكُم، فتَنافَسوها كما تَنافَسوها، فتُهْلِكَكُمْ كما أهْلَكَتْهُم". وكانَ آخرَ خطبةٍ خَطَبَها على المنبرِ حَذَّرَ [فيها] مِن زهرةِ الدُّنيا. ففي الصَّحيحين (١): عن عُقْبَةَ بن عامِرٍ؛ أن النَّبيَّ ﷺ صَعِدَ المنبرَ، فقالَ: "إنِّي لَسْتُ أخشى عليكُم أنْ تُشْرِكوا بعدي، ولكنِّي أخشى عليكُمُ الدُّنيا أنْ تَنافَسوا فيها فتَقْتَتِلوا فتَهْلِكوا كما هَلَكَ مَن كانَ قبلَكُم". قالَ عُقْبَةُ: فكانَ آخرَ ما رَأيْتُ رسولَ اللهِ ﷺ على المنبرِ. وفي "صحيح مسلم" (٢): عن عَبْدِ اللهِ بن عَمْرٍو؛ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: "إذا فُتِحَتْ عليكُم خزائنُ فارسَ والرُّومِ؛ أيُّ قومٍ أنتُم؟ ". فقالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ عَوْفٍ: نَقولُ كما أمَرَنا اللهُ. فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ : "أو غيرَ ذلكَ! تَتَنافَسونَ، ثمَّ تَتَحاسَدونَ، ثمَّ تَتَدابَرونَ، ثمَّ تَتَباغَضونَ". وفي "المسند": عن عُمَرَ، عن النَّبيِّ ﷺ ؛ قالَ: "لا تُفْتَحُ الدُّنيا على أحدٍ إلَّا ألْقى اللهُ بينَهُمُ العداوةَ والبغضاءَ إلى يومِ القيامةِ". قالَ عُمَرُ: وأنا أشْفِقُ مِن ذلكَ (٣). وفيهِ أيضًا: عن أبي ذَرٍّ؛ أنَّ أعرابيًّا قالَ: يا رسولَ اللهِ! أكَلَتْنا الضَّبُعُ (يَعْني: السَّنةَ والجدبَ). فقالَ النَّبيُّ ﷺ : "غيرُ ذلكَ أخوفُ منِّي عليكُم، حينَ تُصَبُّ عليكُمُ الدُّنيا صبًّا، فليتَ أُمَّتي لا يَلْبَسونَ الذَّهبَ (وفي روايةٍ: الدِّيباجَ) " (٤).

стр. 663

وفيهِ أيضًا: عن أبي هُرَيْرَةَ، عن النَّبيِّ ﷺ ؛ قالَ: "ما أخشى عليكُمُ الفقرَ، ولكنْ أخْشى عليكُمُ التَّكاثرَ" (١). ويُروى مِن حديثِ: عَوْفِ بن مالِكٍ وأبي الدَّرْداءِ، عن النَّبيِّ ﷺ ؛ قالَ: "الفقرَ تَخافونَ؟ والذي نفسي بيدِهِ؛ لَتُصَبَّنَّ عليكُمُ الدُّنيا صبًّا حتَّى لا يُزيغَ قلبَ أحدِكُم إنْ أزاغَهُ إلَّا هيَ" (٢).

стр. 664

وفي روايةِ عَوْفٍ (١): "فإنَّ الله فاتحٌ عليكُم فارسَ والرُّومَ". وفي المعنى أحاديثُ أُخرُ. وفي "التِّرْمِذِيِّ": أنَّهُ ﷺ قالَ: "لكلِّ أُمَّةٍ فتنةٌ، وإنَّ فتنةَ أُمَّتي المالُ" (٢). • فقولُهُ ﷺ في حديثِ أبي سَعيدٍ: "إنَّ أخوفَ ما أخافُ عليكُم ما يُخْرِجُ اللهُ لكُم مِن بركاتِ الأرضِ"، ثمَّ فسَّرَهُ بزهرةِ الدُّنيا، ومرادُهُ: ما يُفْتَحُ على أُمَّتِهِ منها مِن ملكِ فارِسَ والرُّومِ وغيرِهِم مِن الكفَّارِ الذينَ وَرِثَتْ هذهِ الأُمَّةُ ديارَهُم وأموالَهُم وأراضيَهُم التي تَخْرُجُ منها زروعُهُم وثمارُهُم وأنهارُهُم ومعادنُهُم، وغيرُ ذلكَ ممَّا يَخْرُجُ مِن بركاتِ الأرضِ. وهذا مِن أعظمِ المعجزاتِ، وهوَ إخبارُهُ ﷺ بظهورِ أُمَّتِهِ على كنوزِ فارسَ والرُّومِ وأموالِهِم وديارِهِم، ووَقَعَ [على] ما أخْبَرَ بهِ. ولكنَّهُ لمَّا سَمَّى ذلكَ بركاتِ الأرضِ، وأخْبَرَ أنَّهُ أخوفُ ما يَخافُـ[ـهُ] عليهِم؛ أشْكَلَ ذلكَ على بعضِ مَن سَمِعَهُ، حيثُ سَمَّاهُ بركةً ثمَّ خافَ منهُ أشدَّ الخوفِ؛ فإنَّ البركةَ إنَّما هيَ خيرٌ ورحمةٌ. وقد سَمَّى اللهُ تَعالى المالَ خيرًا في مواضعَ كثيرةٍ مِن القرآنِ: فقالَ: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات: ٨]. وقالَ: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠]. وقالَ عن سُلَيْمانَ: ﴿إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ [ص:

стр. 665

٣٢]. • فلمَّا سَألَهُ السَّائلُ: هل يَأْتي الخيرُ بالشَّرِّ؟ صَمَتَ النَّبيُّ ﷺ حتَّى ظَنُّوا أنَّهُ أُوحِيَ إليهِ. والظَّاهرُ أن الأمرَ كانَ كذلكَ، ويَدُلُّ عليهِ أنَّهُ وَرَدَ في روايةٍ لمُسْلِمٍ (١) في هذا الحديثِ: "فأفاقَ يَمْسَحُ عنهُ الرُّحَضاءَ"، وهوَ العرقُ، وكانَ النَّبيُّ ﷺ إذا أُوحِيَ إليهِ يَتَحَدَّرُ منهُ مثلُ الجُمانِ مِن العرقِ مِن شدَّةِ الوحيِ وثقلِهِ عليهِ (٢). وفي هذا دليلٌ على أنَّهُ كانَ ﷺ إذا سُئِلَ عن شيءٍ لمْ يَكُنْ أُوحِيَ إليهِ فيهِ شيءٌ؛ انْتَظَرَ الوحيَ فيهِ، ولمْ يَتكَلَّمْ فيهِ بشيءٍ حتَّى يُوحى إليهِ فيهِ. • فلمَّا نَزَلَ عليهِ جوابُ ما سُئِلَ عنهُ؛ قالَ: "أينَ السَّائلُ؟ ". قالَ: ها أنا. فقالَ النَّبيُّ ﷺ : "إنَّ الخيرَ لا يَأْتي إلَّا بالخيرِ". وفي روايةٍ لمسلمٍ (٣): فقالَ: "أوَ خيرٌ هوَ؟ ". وفي ذلكَ دليلٌ على أن المالَ ليسَ بخيرٍ على الإطلاقِ، بل منهُ خيرٌ ومنهُ شرٌّ. ثمَّ ضَرَبَ مثلَ المالِ ومثلَ مَن يَأْخُذُهُ بحقِّهِ ويَصْرِفُهُ في حقِّهِ ومَن يَأْخُذُهُ مِن غيرِ حقِّهِ ويَصْرِفُهُ في غيرِ حقِّهِ. فالمالُ في حقِّ الأوَّلِ خيرٌ، وفي حقِّ الثَّاني شرٌّ. فتَبَيَّنَ بهذا أن المالَ ليسَ بخيرٍ مطلقٍ، بل هوَ خيرٌ مقيَّدٌ: فإنِ اسْتَعانَ بهِ المؤمنُ على ما يَنْفَعُهُ في آخرتِهِ؛ كانَ خيرًا لهُ، وإلَّا؛ كانَ شرًّا لهُ. • فأمَّا المالُ؛ فقالَ: إنَّهُ "خضرةٌ حلوة"، وقد وُصِفَ المالُ والدُّنيا بهذا الوصفِ في أحاديثَ كثيرةٍ: ففي الصَّحيحينِ (٤): عن حَكيمِ بن حِزامٍ؛ أنَّهُ سَألَ النَّبيَّ ﷺ فأعْطاهُ، ثمَّ سَألَهُ فأعْطاهُ، ثمَّ سَألَهُ فأعْطاهُ، [ثمَّ] سَألَهُ فقالَ لهُ ﷺ : "يا حَكيمُ! إنَّ هذا المالَ خضرةٌ حلوةٌ، فمَن أخَذَهُ بسخاوةِ نفسٍ؛ بورِكَ لهُ فيهِ، ومَن أخَذَهُ بإشرافِ نفسٍ؛ لمْ يُبارَكْ لهُ

стр. 666

فيهِ، وكانَ كالذي يَأْكُلُ ولا يَشْبَعُ". وفي "صحيح مُسْلِمٍ" (١): عن أبي سَعيدٍ الخُدْرِيِّ، عن النَّبيِّ ﷺ ؛ قالَ: "إنَّ الدُّنيا خضرةٌ حلوةٌ، وإنَّ الله مستخلفُكُم فيها فناظرٌ كيفَ تَعْمَلونَ. فاتَّقوا الدُّنيا، واتَّقوا النِّساءَ؛ فإنَّ أوَّلَ فتنةِ بني إسرائيلَ كانَتْ في النِّساءِ". واستخلافُهُم فيها هوَ ما أوْرَثَهُمُ اللهُ منها ممَّا كانَ في أيدي الأُممِ مِن قبلِهِم كفارِسَ والرُّومِ. وحَذَّرَهُم مِن فتنةِ الدُّنيا وفتنةِ النِّساءِ خصوصًا؛ فإنَّ النِّساءَ أوَّلُ ما ذَكَرَهُ اللهُ مِن شهواتِ الدُّنيا ومتاعِها في قولِهِ: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [آل عمران: ١٤]. وفي "المسند" و"التِّرْمِذِيِّ": عن خَوْلَةَ بنتِ قَيْسٍ، عن النَّبِيِّ ﷺ ؛ قالَ: "إنَّ هذا المالَ خضرةٌ حلوةٌ، فمَن أصابَهُ بحقِّهِ بورِكَ لهُ فيهِ، وربَّ متخوِّضٍ فيما شاءَتْ نفسُهُ مِن مالِ اللهِ ورسولِهِ ليسَ لهُ يومَ القيامةِ (٢) إلَّا النَّارُ" (٣).

стр. 667

وفي "المسند" أيضًا: عن خَوْلَةَ بنتِ تامِرٍ الأنْصارِيَّةِ (١)، عن النَّبيِّ ﷺ ؛ قالَ: "إنَّ هذهِ الدُّنيا خضرةٌ حلوةٌ، وإنَّ رجالًا يَتَخَوَّضونَ في مالِ اللهِ بغيرِ حقٍّ لهُمُ النَّارُ يومَ القيامةِ" (٢). وخَرَّجَ البُخارِيُّ (٣) مِن قولِهِ "إنَّ رجالًا" إلى آخرِهِ. وفي "المسند" أيضًا: عن عائِشَةَ، عن النَّبيِّ ﷺ ؛ قالَ: "إن هذهِ الدُّنيا خضرة حلوةٌ، فمَن آتَيْناهُ منها شيئًا بطيبِ نفسٍ أو طيبِ طعمةٍ ولا إشرافٍ؛ بورِكَ لهُ فيهِ، ومَن آتيْناهُ منها شيئًا بغيرِ طيبِ نفسٍ منَّا وغيرِ طيبِ طعمةٍ وإشرافٍ منهُ؛ لمْ يُبارَكْ لهُ فيهِ" (٤). وفي المعنى أحاديثُ أُخرُ. • وقولُهُ ﷺ "إنَّ ممَّا يُنْبِتُ (٥) الرَّبيعُ يَقْتُلُ حَبَطًا أو يُلِمُّ؛ إلَّا آكلةَ الخضرِ" مثلٌ آخرُ

стр. 668

ضَرَبَهُ ﷺ لزهرةِ الدُّنيا وبهجةِ منظرِها وطيبِ نعيمِها وحلاوتِهِ في النُّفوسِ. فمثلُهُ كمثلِ نباتِ الرَّبيعِ، وهوَ المرعى الخضرُ الذي يَنْبُتُ في زمانِ الرَّبيعِ؛ فإنَّهُ يُعْجِبُ الدَّوابَّ التي تَرْعى فيهِ وتَسْتَطيبُهُ وتكْثِرُ [مِن] الأكلِ منهُ أكثرَ مِن قدرِ حاجتِها لاستحلائِها لهُ: فإمَّا أنْ يَقْتُلَها فتَهْلِكَ وتَموتَ حَبَطًا - والحَبَطُ: انتفاخُ البطنِ مِن كثرةِ الأكلِ - أو يُقارِبَ قتلَها ويُلِمَّ بهِ فتَمْرَضَ منهُ مرضًا مخوفًا مقاربًا للموتِ. فهذا مثلُ مَن يَأْخُذُ مِن الدُّنيا بشرهٍ وجوعِ نفسٍ مِن حيثُ لاحَتْ لهُ؛ لا بقليلٍ يَقْنَعُ، ولا بكثيرٍ يَشْبَعُ، ولا يُحَلِّلُ ولا يُحَرِّمُ، بل الحلالُ [عندَهُ] ما حَلَّ بيدهِ وقَدَرَ عليهِ، والحرامُ عندَهُ ما مُنعَ منهُ وعَجَزَ عنهُ. فهذا هوَ المتخوِّضُ في مالِ اللهِ ورسولِهِ فيما شاءَتْ نفسُهُ وليسَ لهُ إلَّا النَّارُ يومَ القيامةِ، كما في حديثِ خَوْلَةَ المتقدِّمِ. والمرادُ بمالِ اللهِ ومالِ رسولِهِ: الأموالُ التي يَجِبُ على ولاةِ الأُمورِ حفظُها وصرفُها في طاعةِ اللهِ ورسولِهِ مِن أموالِ الفيءِ والغنائمِ، ويَتْبَعُ ذلكَ مالُ الخراجِ والجزيةِ، وكذلكَ أموالُ الصَّدقاتِ التي تُصْرَفُ للفقراءِ والمساكينِ كمالِ الزَّكاةِ والوقفِ ونحوِ ذلكَ. وفي هذا تنبيهٌ على أنَّ مَن تَخَوَّضَ مِن الدُّنيا في الأموالِ المحرَّمِ أكلُها - كمالِ الرِّبا ومالِ الأيتامِ الذي مَن أكَلَهُ أكَلَ نارًا والمغصوبِ والسَّرقةِ والغشِّ في البيوعِ والخداعِ والمكرِ وجحدِ الأماناتِ والدَّعاوى الباطلةِ ونحوِها مِن الحيلِ المحرَّمةِ - أولى أنْ يَتَخَوَّضَ صاحبُها في نارِ جهنَّمَ غدًا. فكلُّ هذهِ الأموالِ وما أشْبَهَها يَتَوَسَّعُ بها أهلُها في الدُّنيا ويَتَلَذَّذونَ بها ويَتَوَصَّلون بها إلى لذَّاتِ الدُّنيا وشهواتِها، ثمَّ يَنْقَلِبُ ذلكَ بعدَ موتِهِم فيَصيرُ جمرًا مِن جمرِ جهنَّمَ في بطونهِم، فما تَفي لذَّتُها بتبعتِها، كما قيلَ: تَفْنى اللَذاذَةُ مِمَّنْ نالَ لَذَّتَها … مِنَ الحَرامِ وَيَبْقى الإثْمُ وَالعارُ تَبْقى عَواقِبُ سَوْءٍ مِنْ مَغَبَّتِها … ... لا خَيْرَ في لَذَّة مِنْ بَعْدِها النَّارُ فلهذا شَبَّهَ النَّبيُّ ﷺ مَن يَأْخُذُ الدُّنيا بغيرِ حقِّها ويَضَعُها في غيرِ حقِّها بالبهائمِ الرَّاعيةِ مِن خضرِ الرَّبيعِ حتَّى تَنْتَفِخَ بطونُها مِن أكلِهِ فإمَّا أنْ يَقْتُلَها وإمَّا أنْ يُقارِبَ قتلَها.

стр. 669

فكذلكَ مَن أخَذَ الدُّنيا مِن غيرِ حقِّها ووَضَعَها في غيرِ وجهِها (١): إمَّا أنْ يَقْتُلَهُ ذلكَ فيَموتَ بهِ قلبُهُ ودينُهُ - وهوَ مَن ماتَ على ذلكَ مِن غيرِ توبةٍ منهُ وإصلاحِ حالٍ - فيَسْتَحِقَّ النَّارَ بعملِهِ. قالَ تَعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ [محمد: ١٢]. وهذا هوَ الميِّتُ حقيقةً؛ فإنَّ الميتَ مَن ماتَ قلبُهُ، كما قيلَ: لَيْسَ مَنْ ماتَ فَاسْتَراحَ بِمَيْتٍ … إنَّما المَيْتُ مَيِّتُ الأحْياءِ وإمَّا أنْ يُقارِبَ موتُهُ ثمَّ يُعافى، وهوَ مَن أفاقَ مِن هذهِ السَّكرةِ وتابَ وأصْلَحَ عملَهُ قبلَ موتِهِ. وقد قالَ عَلِيٌّ ﵁ في كلامِهِ المشهورِ في أقسامِ حملةِ العلمِ: أو منهومٌ باللذَّاتِ سلسُ القيادِ للشَّهواتِ، أو مغرًى بجمعِ الأموالِ والادِّخارِ، ولَيْسا مِن رعاةِ الدِّينِ، أقربُ شبهًا بهِمُ الأنعامُ السَّارحةُ. وفي الأبياتِ المشهورةِ التي كانَ عُمَرُ بنُ عَبْدِ العَزيزِ يُنْشِدُها كثيرًا (٢): نَهارُكَ يا مَغْرورُ سَهْوٌ وَغَفْلَةٌ … وَلَيْلُكَ نَوْمٌ وَالرَّدى لَكَ لازِمُ [تُسَرُّ بِما يَفْنى وَتَفْرَحُ بِالمنى … كَما سُرَّ بِاللَّذاتِ في النَّومِ حالِمُ] (٣) وَتَتْعَبُ فيما سَوْفَ تَكْرَهُ غِبَّهُ … كَذلِكَ في الدُّنْيا تَعيشُ البَهائِمُ • وأمَّا استثناؤهُ ﷺ مِن ذلكَ آكلةَ الخضرِ؛ فمرادُهُ بذلكَ مثلُ المقتصدِ الذي يَأْخُذُ مِن الدُّنيا بحقِّها مقدارَ حاجتِهِ، فإذا نَفِدَ واحْتاجَ (٤)؛ عادَ إلى الأخذِ منها قدرَ الحاجةِ بحقِّهِ. وآكلةُ الخضرِ دُوَيْبَّةٌ، تَأْكُلُ مِن الخضرِ بقدرِ حاجتِها إذا احْتاجَتْ إلى الأكلِ ثمَّ تَصْرِفُهُ عنها، فتَسْتَقْبِلُ عينَ الشَّمسِ فتَصْرِفُ بذلكَ ما في بطنِها وتُخْرِجُ منهُ (٥) ما يُؤْذيها مِن الفضلاتِ.

стр. 670

وقد قيلَ: إنَّ الخضرَ ليسَ مِن نباتِ الرَّبيعِ عندَ العربِ، إنَّما هوَ مِن كلإ الصَّيفِ بعدَ يبسِ العشبِ وهيجِهِ واصفرارِهِ، والماشيةُ مِن الإبلِ لا تَسْتكْثِرُ منهُ، بل تَأْخُذُ منهُ قليلًا قليلًا، ولا تَحْبَطُ بطونُها عنهُ. فهذا مثلُ المؤمنِ المقتصدِ مِن الدُّنيا؛ يَأْخُذُ مِن حلالِها - وهوَ قليلٌ بالنِّسبةِ إلى حرامِها - قدرَ بلغتِهِ وحاجتِهِ، ويَجْتَزِئُ مِن متاعِها بأدونِهِ وأخشنِهِ، ولا يَعودُ إلى الأخذِ منها إلَّا إذا نَفِدَ ما عندَهُ وخَرَجَتْ فضلاتُهُ، فلا يوجِبُ لهُ هذا الأخذُ ضررًا ولا مرضًا ولا هلاكًا، بل يَكونُ ذلكَ بلاغًا لهُ يَتَبَلَّغُ بهِ مدَّةَ حياتِهِ ويُعينُهُ على التَّزوُّدِ لآخرتهِ. وفي هذا إشارةٌ إلى مدحِ مَن أخَذَ مِن حلالِ الدُّنيا بقدرِ بلغتِهِ وقَنِعَ بذلكَ: كما قالَ النَّبيُّ ﷺ : "قد أفْلَحَ مَن هَداهُ اللهُ إلى الإسلامِ وكانَ عيشُهُ كفافًا فقَنِعَ بهِ" (١). وقالَ ﷺ : "خيرُ الرِّزقِ ما يَكْفي " (٢).
следующие страницы →