* ومنها: ذكرُ اللهِ على الأكلِ والشُّربِ؛ فإنَّ المشروعَ في الأكلِ والشُّربِ أنْ يُسَمِّيَ اللهَ في أوَّلِهِ ويَحْمَدَهُ في آخرِهِ. وفي الحديثِ عنِ النَّبيِّ ﷺ : "إنَّ اللهَ يَرْضى عنِ العبدِ أنْ يَأْكُلَ الأكلةَ فيَحْمَدَهُ عليها ويَشْرَبَ الشَّربةَ فيَحْمَدَهُ عليها" (١). وقد رُوِيَ أنَّ مَن سَمَّى على أوَّلِ طعامِهِ وحَمِدَ اللهَ على آخرِهِ؛ فقد أدَّى ثمنَهُ ولمْ يُسْألْ بعدُ عن شكرِهِ (٢).
* ومنها: ذكرُهُ بالتَّكبيرِ عندَ رميِ الجمارِ في أيَّامِ التَّشريقِ. وهذا يَخْتَصُّ بهِ أهلُ الموسمِ.
* ومنها: ذكرُ اللهِ تَعالى المطلقُ؛ فإنَّهُ يُسْتَحَبُّ الإكثارُ منهُ في أيَّامِ التَّشريقِ، وقد كانَ عُمَرُ يُكَبِّرُ بمنى في قبَّتِهِ فيَسْمَعُهُ النَّاسُ فيُكَبِّرونَ فتَرْتَجُّ منى تكبيرًا. وقد قالَ : ﴿فَإذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ فَاذْكُروا اللهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أوْ أشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ
стр. 635
يَقولُ رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا وَما لَهُ في الآخِرَة مِنْ خَلاقٍ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَقولُ رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا حَسَنَةً وَفي الآخِرَةِ حَسَنهً وَقِنا عَذابَ النَّارِ﴾ [البقرة: ٢٠٠ - ٢٠١]. وقدِ اسْتَحَبَّ كثيرٌ مِن السَّلفِ الدُّعاءَ بهذا في أيَّامِ التَّشريقِ.
قالَ عِكْرِمَةُ: كانَ يُسْتَحَبُّ أنْ يُقالَ في أيَّامِ التَّشريقِ: رَبَّنا آتِنا في الدُّنيا حسنةً وفي الآخرةِ حسنةً وقِنا عذابَ النَّارِ.
وعن عطاءٍ؛ قالَ: يَنْبَغي لكلِّ مَن نَفَرَ أنْ يَقولَ حينَ يَنْفِرُ متوجِّهًا إلى أهلِهِ: رَبَّنا آتِنا في الدُّنيا حسنةً وفي الآخرةِ حسنةً وقِنا عذابَ النَّارِ.
خَرَّجَهُما عَبْدُ بنُ حُمَيْدٍ في "تفسيره".
وهذا الدُّعاءُ مِن أجمعِ الأدعيةِ للخيرِ، وكانَ النَّبيُّ ﷺ يُكْثِرُ منهُ، ورُوِيَ أنَّهُ كانَ أكثرَ دعائِهِ، وكانَ ﷺ إذا دَعا بدعاءٍ جَعَلَهُ معَهُ؛ فإنَّهُ يَجْمَعُ خيريِ الدُّنيا والآخرةِ (١).
قالَ الحَسَنُ: الحسنةُ في الدُّنيا العلمُ والعبادةُ وفي الآخرةِ الجنَّةُ.
وقالَ سُفْيانُ: الحسنةُ في الدُّنيا العلمُ والرِّزقُ الطَّيِّبُ.
والدُّعاءُ مِن أفضلِ أنواعِ ذكرِ اللهِ . وقد رَوى: زيادٌ الجَصَّاصُ، عن أبي كِنانَةَ القُرَشِيِّ؛ أنَّهُ سَمِعَ أبا موسى الأشْعَرِيَّ يَقولُ في خطبتِهِ يومَ النَّحرِ: بعدَ يومِ النَّحرِ ثلاثةُ أيَّامٍ التي ذَكَرَ اللهُ الأيَّامُ المعدوداتُ لا يُرَدُّ فيهنَّ الدُّعاءُ، فارْفَعوا رغبتكُم إلى اللهِ .
• وفي الأمرِ بالذِّكرِ عندَ انقضاءِ النُّسكِ معنًى، وهوَ أنَّ سائرَ العباداتِ تَنْقَضي ويُفْرَغُ منها وذكرُ اللهِ باقٍ لا يَنْقَضي ولا يُفْرَغُ منه بل هوَ مستمرٌّ للمؤمنينَ في الدُّنيا وفي الآخرةِ.
وقد أمَرَ اللهُ تَعالى بذكرِهِ عندَ انقضاءِ الصَّلاةِ: قالَ تَعالى: ﴿فَإذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُروا اللهَ قِيامًا وَقُعودًا وَعَلى جُنوبِكُمْ﴾ [النساء: ١٠٣]. وقالَ في صلاةِ الجمعةِ: ﴿فَإذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِروا في الأرْضِ وَابْتَغوا مِنْ فَضْلِ اللهِ وَأذْكُروا اللهَ كَثيرًا﴾
стр. 636
[الجمعة:١٠]. وقالَ: ﴿فَإذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ. وَإلى رَبّكَ فَارْغَبْ﴾ [الشرح: ٧ - ٨]، رُوِيَ عن ابن مَسْعودٍ؛ [قالَ]: فإذا فَرَغْتَ مِن الفرائضِ فَانْصَبْ. وعنهُ في قولِهِ [تَعالى]: ﴿وَإلى رَبِّكَ فَأرْغَبْ﴾؛ قالَ: في المسألةِ وأنتَ جالسٌ. وقالَ الحَسَنُ: أمَرَهُ إذا فَرَغَ مِن غزوِهِ أنْ يَجْتَهِدَ في الدُّعاءِ والعبادةِ.
والأعمالُ كلُّها يُفْرَغُ منها، والذِّكرُ لا فراغَ لهُ ولا انقضاءَ، والأعمالُ تَنْقَطِعُ بانقطاعِ الدُّنيا ولا يَبْقى منها شيءٌ في الآخرةِ، والذِّكرُ لا يَنْقَطِعُ. المؤمنُ يَعيشُ على الذِّكرِ، ويَموتُ عليهِ، وعليهِ يُبْعَثُ.
أحَسِبْتُمُ أن اللَيالِيَ غَيَّرَتْ … عَهْدَ الهَوى لا كانَ مَنْ يَتَغَيَّرُ
يَفْنى الزَّمانُ وَلَيْسَ يَفْنى ذِكْرُكُمْ … وَعَلى مَحَبَّتِكُمْ أموتُ وَأُحْشَرُ
قالَ ذو النُّونِ: ما طابَتِ الدُّنيا إلَّا بذكرِهِ، ولا الآخرةُ إلَّا بعفوِهِ، ولا الجنَّةُ إلَّا برؤيتِهِ.
بِذِكْرِ اللهِ تَرْتاحُ القُلوبُ … وَدُنْيانا بذِكْراهُ تَطيبُ
إذا ذُكِرَ المَحْبوبُ عِنْدَ حَبيبِهِ … تَرَنَّحَ نَشْوانٌ وَحَنَّ طَروبُ (١)
فأيَّامُ التَّشريقِ يَجْتَمعُ فيها للمؤمنينَ نعيمُ أبدانِهِم بالأكلِ والشُّربِ ونعيمُ قلوبِهِم بالذِّكرِ والشُّكرِ، وبذلكَ تَتِمُّ النِّعمةُ، وكلَّما أحْدَثوا شكرًا على النِّعمةِ؛ كانَ شكرُهُم نعمةً أُخرى، فيَحْتاجُ إلى شكرٍ آخرَ، ولا يَنْتَهي الشُّكرُ أبدًا.
إذا كانَ شُكْري نِعمَةَ اللهِ نِعْمَةً … عَلَيَّ لَهُ في مِثْلِها يَجِبُ الشُّكْرُ
فَكَيْفَ بُلوغُ الشُّكْرِ إلَّا بِفَضْلِهِ … وَإنْ طالَتِ الأيَّامُ وَاتَّصَلَ العُمْرُ
• وفي قولِ النَّبيِّ ﷺ "إنَّها أيَّامُ أكلٍ وشربٍ وذكرِ اللهِ " إشارةٌ إلى أن الأكلَ في أيَّامِ الأعيادِ والشُّربَ إنَّما يُسْتَعانُ بهِ على ذكرِ اللهِ وطاعتِهِ، وذلكَ مِن تمامِ شكرِ النِّعمةِ أنْ يُسْتَعانَ بها على الطَّاعاتِ.
وقد أمَرَ اللهُ في كتابِهِ بالأكلِ مِن الطَّيِّباتِ والشُّكرِ لهُ، فمَنِ اسْتَعانَ بنعمِ اللهِ على
стр. 637
معاصيهِ؛ فقد كَفَرَ نعمةَ اللهِ وبَدَّلَها كفرًا، وهوَ جديرٌ أنْ يُسْلَبَها، كما قيلَ:
إذا كُنْتَ في نِعْمَةٍ فَارْعَها … فَإنَّ المَعاصي تُزيلُ النِّعَمْ
وَداوِمْ عَلَيْها بِشُكْرِ الإلهِ … فَشُكْرُ الإلهِ يُزيلُ النِّقَمْ
وخصوصًا نعمةَ الأكلِ مِن لحومِ بهيمةِ الأنعامِ، كما في أيَّامِ التَّشريقِ؛ فإنَّ هذهِ البهائمَ مطيعةٌ للهِ لا تَعْصيهِ، وهيَ مسبِّحةٌ لهُ قانتةٌ، كما قالَ تَعالى: ﴿وَإنْ مِنْ شَيْءٍ إلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤]، وإنَّها تَسْجُدُ لهُ، كما أخْبَرَ اللهُ بذلكَ في سورةِ النَّحلِ [٤٩] وسورةِ الحجِّ [١٨]. وربَّما كانَتْ أكثرَ ذكرًا للهِ مِن بعضِ بني آدَمَ. وفي "المسند" مرفوعًا: "ربَّ بهيمةٍ خيرٌ مِن راكبِها وأكثرُ للهِ منهُ ذكرًا" (١). وقد أخْبَرَ اللهُ في كتابِهِ أن كثيرًا مِن الجنِّ والإنسِ كالأنعامِ بل هم أضلُّ سبيلًا.
فأباحَ اللهُ تَعالى [ذبحَ] هذهِ البهائمِ المطيعةِ الذَّاكرةِ لهُ لعبادِهِ المؤمنينَ حتَّى تَتَقَوَّى بها أبدانُهُم وتَكْمُلَ لذَّاتُهُم في أكلِهِمُ اللحومَ؛ فإنَّهـ[ــــا]، مِن أجلِّ الأغذيةِ وألذِّها، معَ أن الأبدانَ تَقومُ بغيرِ اللحمِ مِن النَّباتاتِ وغيرِها، لكنْ لا تَكْمُلُ القوَّةُ والعقلُ واللذَّةُ إلَّا باللحمِ، فأباحَ للمؤمنينَ قتلَ هذهِ البهائمِ والأكلَ مِن لحومِها، لِيُكْمِلَ بذلكَ قوَّةَ عبادِهِ وعقولَهُم، فيَكونَ ذلكَ عونًا لهُم على علومٍ نافعةٍ وأعمالٍ صالحةٍ يَمْتازُ بها بنو آدَمَ على البهائمِ وعلى ذكرِ اللهِ وهوَ أكبرُ مِن ذكرِ البهائمِ، فلا يَليقُ بالمؤمنِ معَ هذا إلَّا مقابلةُ هذهِ النِّعمِ بالشُّكرِ عليها والاستعانةِ بها على طاعةِ اللهِ تَعالى وذكرِهِ حيثُ فَضَّلَ ابنَ آدَمَ على كثيرٍ مِن المخلوقاتِ وسَخَّرَ لهُ هذهِ الحيواناتِ. قالَ تَعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [الحج: ٣٦].
стр. 638
فأمَّا مَن قَتَلَ هذهِ البهائمَ المطيعةَ الذَّاكرةَ للهِ تَعالى، ثمَّ اسْتَعانَ بأكلِ لحومِها على معاصي اللهِ تَعالى ونَسِيَ ذكرَ اللهِ؛ فقد قَلَبَ الأمرَ وكَفَرَ النِّعمةَ، فلا كانَ مَن كانَتِ البهائمُ خيرًا منهُ وأطوعَ.
نَهارُكَ يا مَغْرورُ سَهْوٌ وَغَفْلَةٌ … وَلَيْلُكَ نَوْمٌ وَالرَّدى لَكَ لازِمُ
وَتَتْعَبُ فيما سَوْفَ تَكْرَهُ غِبَّهُ … كَذلِكَ في الدُّنْيا تَعيشُ البَهائِمُ
• وإنَّما نُهِيَ عن صيامِ أيَّامِ التَّشريقِ؛ لأنَّها أعيادٌ للمسلمينَ معَ يومِ النَّحرِ، فلا تُصامُ بمنى ولا غيرِها عندَ جمهورِ العلماءِ، خلافًا لعطاء في قولِهِ: إنَّ النَّهيَ مختصٌّ بأهلِ منى.
وإنَّما نُهِيَ عن التَّطوُّعِ بصيامِها سواءٌ وافَقَ عادةً أو لمْ يوافِقْ. فأمَّا صيامُها عن قضاءِ فرضٍ أو نَذْرٍ أو صيامُها بمنى للمتمتِّعِ إذا لم يَجِدِ الهديَ؛ ففيهِ اختلافٌ مشهورٌ بينَ العلماءَ، ولا فرَقَ بينَ يومٍ منها ويومٍ عندَ الأكثرينَ؛ إلَّا عندَ مالكٍ؛ فإنَّهُ قالَ في اليومِ الثَّالثِ منها: يَجوزُ صيامُهُ عن نذرٍ خاصَّةً (١).
وفي النَّهيِ عن صيامِ هذهِ الأيَّامِ والأمرِ بالأكلِ فيها والشُربِ سرٌّ حسنٌ، وهوَ أن الله تَعالى لمَّا عَلِمَ ما يُلاقي الوافدونَ إلى بيتِهِ مِن مشاقِّ السَّفرِ وتعبِ الإحرامِ وجهادِ النُّفوسِ على قضاءِ المناسكِ؛ شَرَعَ لهُمُ الاستراحةَ عقيبَ ذلكَ بالإقامةِ بمنى يومَ النَّحرِ وثلاثةَ أيَّامِ التَّشريقِ بعدَهُ، وأمَرَهُم بالأكلِ فيها مِن لحومِ نسكِهِم، فهُم في ضيافةِ اللهِ فيها؛ لطفًا مِن اللهِ بهِم ورأْفةً ورحمةً. وشارَكَهُم أيضًا أهلُ الأمصارِ في ذلكَ؛ لأنَّ أهلَ الأمصارِ شارَكوهُم في النَّصبِ للهِ (٢) والاجتهادِ في عشرِ ذي الحجَّةِ بالصَّومِ والذِّكرِ والاجتهادِ في العباداتِ، وشارَكوهُم في حصولِ المغفرةِ وفي التَّقرُّبِ إلى اللهِ تَعالى بإراقةِ دماءِ الأضاحي، فشارَكوهُم في أعيادِهِم، واشْتَرَكَ الجميعُ في الرَّاحةِ في أيَّامِ الأعيادِ بالأكلِ والشُّربِ كما اشْتَرَكوا جميعًا في أيَّامِ العشرِ في الاجتهادِ في الطَّاعةِ والنَّصبِ، وصارَ المسلمونَ كلُّهُم في ضيافةِ اللهِ تَعالى في هذهِ الأيَّامِ، يَأْكُلونَ مِن رزقِهِ
стр. 639
ويَشْكُرونَهُ على فضلِهِ. ونُهُوا عن صيامِها؛ لأنَّ الكريمَ لا يَليقُ بهِ أنْ يُجيعَ أضيافَهُ، فكأنَّهُ قيلَ للمؤمنينَ في هذهِ الأيَّامِ: قد فَرَغَ عملُكُمُ الذي عَمِلْتُموهُ، فما بَقِيَ لكُم إلَّا الرَّاحةُ، فهذهِ الرَّاحةُ بذلكَ التَّعبِ، كما أُريحَ الصَّائمونَ للهِ شهرَ رمضانَ بأمرِهِم بإفطارِ يومِ عيدِ الفطرِ.
• ويُؤْخَذُ مِن هذا إشارةٌ إلى حالِ المؤمنِ في الدُّنيا؛ فإن الدُّنيا كلَّها أيَّامُ سفرٍ كأيامِ الحجِّ، وهيَ زمانُ إحرامِ المؤمنينَ عمَّا حَرَّمَ اللهُ عليهِم مِن الشَّهواتِ، فمَن صَبَرَ في مدَّةِ سفرِهِ على إحرامِهِ وكَفَّ عن الهوى، فإذا انْتَهى سفرُ عمرِهِ ووَصَلَ إلى منى المُنى فقد قَضى تفثَهُ ووَفَّى نذرَهُ، فصارَتْ أيَّامُهُ كلُّها كأيَّامِ منى أيَّامَ أكلٍ وشربٍ وذكرِ اللهِ ، وصارَ في ضيافةِ اللهِ في جوارِهِ أبدَ الأبدِ. ولهذا يُقالُ لأهلِ الجنَّةِ: ﴿كُلوا وَاشْرَبوا هَنيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلونَ﴾ [الطور: ١٩]، ﴿كُلوا وَاشْرَبوا هَنيئًا بِما أسْلَفْتُمْ في الأيَّامِ الخالِيةِ﴾ [الحاقَّة: ٢٤]. وقد قيلَ: إنَّها نَزَلَتْ في الصُّوَّامِ في الدُّنيا.
وَقَدْ صُمْتُ عَنْ لَذَّاتِ دَهْرِيَ كُلِّها … وَيَوْمَ لِقاكُمْ ذاكَ فِطْرُ صِيامي
قالَ بعضُ السَّلفِ: صُمِ الدُّنيا ولْيَكُنْ فطرُكَ الموتَ.
فَصُمْ يَوْمَكَ الأدْنى لَعَلَّكَ في غَدٍ … تَفوزُ بِعيدِ الفِطْرِ وَالنَّاسُ صُوَّمُ
مَن صامَ اليومَ عن شهواتِه؛ أفْطَرَ عليها غدًا بعدَ وفاتِه، ومَن تَعَجَّلَ ما حُرِّمَ عليهِ مِن لذَّاتِه؛ عوقِبَ بحرمانِ نصيبِهِ مِن الجنَّةِ وفواتِه. شاهدُ ذلكَ: "مَن شَرِبَ الخمرَ في الدُّنيا لمْ يَشْرَبْها في الآخرةِ" (١)، و"مَن لَبِسَ الحريرَ في الدُّنيا لمْ يَلْبَسْهُ في الآخرةِ" (٢).
أنْتَ في دارِ شَتاتٍ … فَتَأهَّبْ لِشَتاتِكْ
وَاجْعَلِ الدُّنْيا كَيَوْمٍ … صُمْتَهُ عَنْ شَهَواتِكْ
وَلْيَكُنْ فِطْرُكَ عِنْدَ الـ … ـــــلهِ فسي يَوْمِ وَفاتِكْ
стр. 640
قالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَاللهُ يَدْعو إلى دارِ السَّلامِ وَيَهْدي مَنْ يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقيمٍ﴾ [يونس: ٢٥].
الجنَّةُ ضيافةُ اللهِ أعَدَّها لعباده المؤمنينَ نزلًا، فيها ما لا عينٌ رَأتْ ولا أذنٌ سَمِعَتْ ولا خَطَرَ على قلبِ بشرٍ. وبُعِثَ رسولُ اللهِ ﷺ يَدْعو إليها بالإيمانِ والإسلامِ والإحسانِ، فمَن أجابَهُ؛ دَخَلَ الجنَّةَ وأكَلَ مِن تلكَ الضِّيافةِ، ومَن لمْ يُجِبْ؛ حُرِمَ.
خَرَّجَ التِّرْمِذِيُّ عن جابِرٍ؛ قالَ: خَرَجَ علينا رسولُ اللهِ ﷺ يومًا، فقالَ: "رَأيْتُ في المنامِ كأنَّ جِبْريلَ عندَ رأْسي وميكائيلَ عندَ رجليَّ. فقالَ أحدُهُما لصاحبِهِ: اضْرِبْ لهُ مثلًا. فقالَ: اسْمَعْ سَمِعَتْ أُذُنُكَ واعْقِلْ عَقَلَ قلبُكَ. إنَّما مثلُكَ ومثلُ أُمَّتِكَ كمثلِ ملكٍ اتَّخَذَ دارًا، ثمَّ بَنى فيها بناءً، وجَعَلَ فيها مائدةً، ثمَّ بَعَثَ رسولًا يَدْعو النَّاسَ إلى طعامِهِ، فمنهُم مَن أجابَ الرَّسولَ، ومنهُم مَن تَرَكَهُ. فاللهُ هوَ الملكُ، والدَّارُ هيَ الإسلامُ، والبيتُ الجنَّةُ، وأنتَ يا مُحَمَّدُ رسولٌ، مَن أجابَكَ دَخَلَ الإسلامَ، ومَن دَخَلَ الإسلامَ دَخَلَ الجنَّةَ، ومَن دَخَلَ الجنَّةَ أكَلَ ممَّا فيها" (١).
стр. 641
وخَرَّجَهُ البُخارِيُّ (١) بمعناهُ، ولفظُهُ: "مثلُهُ كمثلِ رجلٍ بنى دارًا، وجَعَلَ فيها مأْدبةً، وبَعَثَ داعيًا، فمَن أجابَ الدَّاعيَ دَخَلَ الدَّارَ وأكَلَ مِن المأْدبةِ، ومَن لمْ يُجِبِ الدَّاعيَ لمْ يَدْخُلِ الدَّارَ ولمْ يَأْكُلْ مِن المأْدبةِ؛ فالدَّارُ الجنَّةُ، والدَّاعي مُحَمَّدٌ".
في بعضِ الآثارِ الإسرائيليّةِ: يَقولُ اللهُ: ابنَ ادَمَ! ما أنْصَفْتَني، أذْكُرُكَ وتَنْساني، وأدْعوكَ إليَّ فتَفِرُّ منِّي إلى غيري، وأُذْهِبُ عنكَ البلايا وأنتَ معتكفٌ على الخطايا. ابنَ آدَمَ! ما يَكونُ اعتذارُكَ غدًا إذا جِئْتَني؟!
طوبى لمَن أجابَ دعوةَ مولاه، ﴿يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ﴾ [الأحقاف: ٣١].
يا نَفْسُ وَيْحَكِ قَدْ أتاكِ هُداكِ … أجيبي فَداعي الحَقِّ قَدْ ناداكِ
كَمْ قَدْ دُعِيتِ إلى الرَّشادِ فتُعْرِضي … وَأجَبْتِ داعي الغَيِّ حينَ دَعاكِ
كلُّ ما في الدُّنيا يُذَكِّرُ بالآخرةِ، فمواسمُها وأعيادُها وأفراحُها تُذَكِّرُ بمواسمِ الآخرةِ وأعيادِها وأفراحِها.
صَنَعَ عَبْدُ الواحِدِ بنُ زَيْدٍ طعامًا لإخوانِهِ، فقامَ عُتْبَةُ الغلامُ على رؤوسِ الجماعةِ يَخْدُمُهُم وهوَ صائمٌ، فجَعَلَ عَبْدُ الواحِدِ يَنْظُرُ إليهِ ويُسارِقُهُ النَّظرَ ودموعُ عُتْبَةَ تَجْري، فسَألَهُ بعدَ ذلكَ عن بكائِهِ، فقالَ: ذَكَرْتُ موائدَ الجنَّةِ والولدانُ قائمونَ على رؤوسِهِم، فصُعِقَ عَبْدُ الواحِدِ (٢)!
أبدانُ العارفينَ في الدُّنيا وقلوبُهُم في الآخرةِ.
جِسْمي مَعي غَيْرَ أن الرُّوحَ عِنْدَكُمُ … فَالجِسْمُ في غُرْبَةٍ وَالرُّوحُ في وَطَنِ
أعيادُ النَّاسِ تَنْقَضي، فأمَّا أعيادُ العارفينَ فدائمةٌ.
قالَ الحَسَنُ: كلُّ يومٍ لا تَعْصي الله فيهِ فهوَ لكَ عيدٌ.
جاءَ بعضُهُم إلى بعضِ العارفينَ فسَلَّمَ عليهِ وقالَ لهُ: أريدُ أنْ أكَلِّمَكَ. قالَ: اليومَ
стр. 642
لنا عيدٌ. فتَرَكَهُ، ثمَّ جاءَهُ يومًا آخرَ، فقالَ لهُ مثلَ ذلكَ. ثمَّ يومًا آخرَ، فقال لهُ مثلَ ذلكَ. فقالَ لهُ: ما أكثرَ أعيادَكَ! قالَ: يا بطَّالُ! أما عَلِمْتَ أن كلَّ يومٍ لا نَعْصي الله فيهِ فهوَ لنا عيدٌ (١).
أوقاتُ العارفينَ كلُّها فرحٌ وسرورٌ بمناجاةِ مولاهُم وذكرِهِ، فهيَ أعيادٌ.
وكانَ الشِّبْلِيُّ يُنْشِدُ:
إذا ما كُنْتَ لي عيدًا … فَما أصْنَعُ بِالعيدِ
جَرى حُبُّكَ في قَلْبي … كَجَرْيِ الماءِ في العودِ
وأنْشَدَ أيضًا:
عيدي مُقيمٌ وَعيدُ النَّاسِ مُنْصَرِفُ … وَالقَلْبُ مِنِّي عن اللَذَّاتِ مُنْحَرِفُ
وَلي قَرينانِ ما لي مِنْهُما خَلَفٌ … طولُ الحَنينِ وَعَيْنٌ دَمْعُها يَكِفُ
المجلس الرابع في ذكر ختام العام
خَرَّجَ الإمامُ أحْمَدُ مِن حديثِ: جابرٍ، عن النَّبيِّ ﷺ ؛ قالَ: "لا تتمَنَّوُا الموتَ؛ فإنَّ هولَ المطَّلَعِ شديدٌ، وإنَّ مِن السَّعادةِ أنْ يَطول عمرُ العبدِ ويَرْزُقَهُ اللهُ الإنابةَ" (٢).
стр. 643
• تمنِّي الموتِ يَقَعُ على وجوهٍ:
• منها: تمنِّيهِ لضرٍّ دنيويٍّ يَنْزِلُ بالعبدِ، فيُنْهى حينئذٍ عن تمنِّي الموتِ.
وفي الصَّحيحين (١): عن أنسٍ، عن النَّبِيِّ ﷺ ؛ قالَ: "لا يَتَمَنَّيَنَ أحدُكُمُ الموتَ لضرٍّ نَزَلَ بهِ، فإنْ كانَ لا بدَّ فاعلًا؛ فلْيَقُلِ: اللهمَّ! أحْيِني ما كانَتِ الحياةُ خيرًا لي، وتَوَفَّني إذا كانَ الوفاةُ خيرًا لي".
[و] وجهُ كراهتِهِ في هذهِ الحالِ أنَّ المتمنِّيَ للموتِ لضرٍّ نَزَلَ بهِ، إنَّما يَتَمَنَّا [هُ]، تعجيلًا للاستراحةِ مِن ضرِّهِ، وهوَ لا يَدْري إلى ما يَصيرُ بعدَ الموتِ، فلَعَلَّهُ يَصيرُ إلى ضرٍّ أعظمَ مِن ضرِّهِ، فيَكونُ كالمستجيرِ مِن الرَّمضاءِ بالنَّارِ. وفي الحديثِ: عن النَّبِيِّ ﷺ ؛ قالَ: "إنَّما يَسْتَريحُ مَن غُفِرَ له" (٢). فلهذا لا يَنْبَغي لهُ أنْ يَدْعُوَ بالموتِ إلَّا أنْ
стр. 644
يَشْتَرِطَ أنْ يَكونَ خيرًا لهُ عندَ اللهِ ، وكذلكَ كلُّ ما لا يَعْلَمُ العبدُ فيهِ الخيرةَ لهُ، كالغنى والفقرِ وغيرِهِما، كما يُشْرَعُ لهُ استخارةُ اللهِ فيما يُريدُ أنْ يَعْمَلَهُ ممَّا لا يَعْلَمُ وجهَ الخيرةِ فيهِ، وإنَّما يُسْألُ اللهُ على وجهِ الجزمِ والقطعِ ما يُعْلَمُ (١) أنَّهُ خيرٌ محضٌ، كالمغفرةِ والرَّحمةِ والعفوِ والعافيةِ والهدى والتَّقوى ونحوِ ذلكَ (٢).
• ومنها: تمنِّيهِ خوفَ الفتنةِ في الدِّينِ، فيَجوزُ حينئذٍ، وقد تَمَنَّاهُ ودَعا بهِ خشيةَ الفتنةِ في الدِّينِ خلقٌ مِن الصَّحابةِ وأئمَّةِ الإسلامِ. وفي حديثِ المنامِ: "وإذا أرَدْتَ بقومٍ فتنةً؛ فأقْبِضْني إليكَ غيرَ مفتونٍ" (٣).
• ومنها: تمنِّي الموتِ عندَ حضورِ أسبابِ الشَّهادةِ اغتنامًا لحصولِها، فيَجوزُ ذلكَ أيضًا. وسؤالُ الصَّحابةِ الشَّهادةَ وتعرُّضُهُم لها عندَ حضورِ الجهادِ كثيرٌ مشهورٌ، وكذلكَ سؤالُ معاذٍ لنفسِهِ وأهلِ بيتِهِ الطَّاعونَ لمَّا وَقَعَ بالشَّامِ.
• ومنها: تمنِّي الموتِ لمَن وَثِقَ بعملِهِ شوقًا إلى لقاءِ اللهِ ، فهذا يَجوزُ أيضًا، وقد فَعَلَهُ كثير مِن السَّلفِ. قالَ أبو الدَّرْداءِ: أُحِبُّ الموتَ اشتياقًا إلى ربِّي (٤). وقالَ أبو عِنَبَةَ الخَوْلانِيُّ: كانَ مَن قبلَكُم لقاءُ اللهِ أحبُّ إليهِم مِن الشَّهدِ. وقالَ
стр. 645
بعضُ العارفينَ: طالَتْ عليَّ الأيَّامُ والليالي بالشَّوقِ إلى لقاءِ اللهِ. وقالَ بعضُهُم: طالَ شوقي إليكَ فعَجِّلْ قدومي عليكَ. وقالَ بعضُهُم: لا تَطيبُ نفسي بالموتِ إلَّا إذا ذَكَرْتُ لقاءَ اللهِ؛ فإنَّني أشْتاقُ حينئذٍ إلى الموتِ، كشوقِ الظَّمآنِ الشَّديدِ ظمؤُهُ في اليومِ الحارِّ الشَّديدِ حرُّهُ إلى الماءِ الباردِ الشَّديدِ بردُهُ.
وفي هذا يَقولُ بعضُهُم:
أشْتاقُ إليْكَ يا قَريبًا نائي … شَوْقَ الظَّامي إلى زُلالِ الماءِ
وقد دَلَّ على جوازِ ذلكَ قولُ اللهِ : ﴿قُلْ إنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الآخِرَةُ عِنْدَ اللهِ خالِصَةً مِنْ دونِ النَّاسِ فتَمَنَّوُا المَوْتَ إنْ كُنْتُمْ صادِقينَ﴾ [البقرة: ٩٤]، وقولُهُ تَعالى: ﴿قُلْ يا أيُّها الَّذينَ هادوا إنْ زَعَمْتُمْ أنَّكمْ أوْلِياءُ لِلهِ مِنْ دونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا المَوْتَ﴾ [الجمعة: ٦]، فدَلَّ ذلكَ على أن أولياءَ اللهِ لا يَكْرَهونَ الموتَ بل يَتَمَنَّوْنَهُ، ثمَّ أخْبَرَ أنَّهُم ﴿لا يَتَمَنَّوْنَهُ أبَدًا بِما قَدَّمَتْ أيْديهِمْ﴾ [الجمعة: ٧]، فدَلَّ على أنَّهُ إنَّما يَكْرَهُ المَوْتَ مَن له ذنوبٌ يَخافُ القدومَ عليها، كما قالَ بعضُ السَّلفِ: ما يَكْرَهُ الموتَ إلَّا مريبٌ (١).
стр. 646
وفي حديثِ: عَمَّارِ بن ياسِرٍ، عن النَّبِيِّ ﷺ : "أسْألُكَ لذَّةَ النَّظرِ إلى وجهِكَ وشوقًا إلى لقائِكَ في غيرِ ضرَّاءَ مضرَّةٍ ولا فتنةٍ مضلَّةٍ" (١). فالشَّوقُ إلى لقاءِ اللهِ إنَّما يَكونُ بمحبَّةِ الموتِ. وذلكَ (٢) لا يَقَعُ غالبًا إلَّا عندَ [خوفِ] ضرَّاءَ مضرَّةٍ في الدُّنيا أو فتنةٍ مضلَّةٍ في الدِّينِ. وأمَّا إذا خَلا عن ذلكَ؛ كانَ شوقًا إلى لقاءِ اللهِ، وهوَ المسؤولُ في هذا الحديثِ (٣).
وفي "المسند": عن أبي هُرَيْرَةَ، عن النَّبيِّ ﷺ : "لا يَتَمَنَّيَنَّ الموتَ إلَّا مَن وَثِقَ بعملِهِ" (٤).
فالمطيعُ للهِ مستأْنسٌ بربِّهِ، فهوَ يُحِبُّ لقاءَهُ، واللهُ يُحِبُّ لقاءَهُ. والعاصي
стр. 647
مستوحشٌ، بينَهُ وبينَ مولاهُ وحشةُ الذُّنوبِ، فهوَ يَكْرَهُ لقاءَ ربِّهِ، ولا بدَّ لهُ منهُ.
قالَ ذو النُّونِ: كلُّ مطيعٍ مستأْنسٌ، وكلُّ عاصٍ مستوحشٌ.
وفي هذا يَقولُ بعضُهُم:
أمُسْتَوْحِشٌ أنْتَ مِمَّا جَنَيْتَ … فَأحْسِنْ إذا شِئْتَ وَاسْتَأْنِسِ
قالَ أبو بَكْرٍ الصَدِّيقُ لِعُمَرَ ﵄ في وصيَّتِهِ لهُ عندَ موتِهِ: إنْ حَفِظْتَ وصيَّتي؛ لمْ يكُنْ غائبٌ أحبَّ إليكَ مِن الموتِ ولا بدَّ لكَ منهُ، وإنْ ضَيَّعْتَها؛ لم يَكُنْ غائبٌ أكرَهَ إليكَ مِن الموتِ ولنْ تُعْجِزَهُ (١).
قالَ أبو حازِمٍ: كلُّ عملٍ تَكْرَهُ الموتَ مِن أجلِهِ فاتْرُكْهُ ثمَّ لا يَضُرُّكَ متى مُتَّ.
العاصي يَفِرُّ مِن الموتِ لكراهيةِ لقاءِ اللهِ، وأينَ يَفِرُّ مَن هوَ في قبضةِ مَن يَطْلُبُهُ؟!
أيْنَ المَفَرُّ وَالإلهُ الطَّالِبُ … وَالمُجْرِمُ المَغْلوبُ لَيْسَ الغالِبُ
سُئِلَ أبو حازِمٍ: كيفَ القدومُ على اللهِ؟ قالَ: أمَّا الطَّائعُ؛ فكقدومِ الغائبِ على أهلِهِ المشتاقينَ إليهِ، وأمَّا العاصي؛ فكقدومِ الآبقِ على سيِّدهِ الغضبانِ.
رُئِيَ بعضُ الصَّالحينَ في النَّومِ، فقيلَ لهُ: ما فَعَلَ اللهُ بكَ؟ قالَ: خيرًا، لمْ يُرَ مثلُ الكريمِ إذا حَلَّ بهِ المطيعُ.
الدُّنيا كلُّها شهرُ صيامِ المتَّقينَ، وعيدُ فطرِهِم يومَ لقاءِ ربِّهِم. كما قيلَ:
وَقَدْ صُمْتُ عَنْ لَذَّاتِ دَهْرِيَ كُلِّها … وَيَوْمَ لِقاكُمْ ذاكَ فِطْرُ صِيامي
• ومنها: تمنِّي الموتِ على غيرِ الوجوهِ المتقدِّمةِ. فقدِ اخْتَلَفَ العلماءُ في كراهتِهِ
стр. 648
واستحبابِهِ، وقد رَخَّصَ فيهِ جماعةٌ مِن السَّلفِ وكَرِهَهُ آخرونَ، وحَكى بعضُ أصحابِنا عن أحْمَدَ في ذلكَ روايتينِ، ولا يَصِحُّ؛ فإنَّ أحْمَدَ إنَّما نَصَّ على كراهةِ تمنِّي الموتِ لضررِ الدُّنيا وعلى جوازِ تمنِّيهِ خشيةَ الفتنةِ في الدِّينِ. وربَّما أدْخَلَ بعضُهُم في هذا الاختلافِ القسمَ الذي قبلَهُ، وفي ذلكَ نظرٌ.
واسْتَدَلَّ مَن كَرِهَهُ بعمومِ النَّهيِ عنهُ، كما في حديثِ جابرٍ الذي ذَكَرْناهُ، وفي معناهُ أحاديثُ أُخرُ يَأْتي بعضُها إنْ شاءَ اللهُ تَعالى.
• وقد عُلِّلَ النَّهيُ عن تمنِّي الموتِ في حديثِ جابرٍ بعلَّتينِ:
• إحداهُما: أنَّ هولَ المطَّلَعِ شديدٌ، وهولُ المطَّلعِ هوَ ما يُكْشَفُ للميِّتِ عندَ حضورِ الموتِ مِن الأهوالِ التي لا عهدَ لهُ بشيءٍ منها في الدُّنيا مِن رؤيةِ الملائكةِ ورؤيةِ أعمالِهِ مِن خيرٍ أو شرِّ وما يُبَشَّرُ بهِ عندَ ذلكَ مِن الجنَّةِ والنَّارِ، هذا مع ما يَلْقاهُ مِن شدَّةِ الموتِ وكربِهِ وغصصِهِ.
وفي الحديثِ الصَّحيحِ: "إذا حُمِلَتِ الجنازةُ وكانَتْ صالحةً؛ قالَتْ: قَدِّموني قَدِّموني، وإنْ كانَتْ غيرَ ذلكَ؛ قالَتْ: يا ويلَها! أينَ تَذْهَبونَ بها؟ يَسْمَعُ صوتَها كلُّ شيءٍ إلَّا الإنسانَ، ولو سَمِعَها الإنسانُ لَصَعِقَ" (١).
قالَ الحَسَنُ: لو عَلِمَ ابنُ ادَمَ أن لهُ في الموتِ راحةً وفرحًا؛ لَشَقَّ عليهِ أنْ يَأْتِيَهُ الموتُ؛ لِما يَعْلَمُ مِن فظاعتِهِ وشدَّتِهِ وهولهِ، فكيفَ وهوَ لا يَعْلَمُ ما لهُ في الموتِ مِن نعيمٍ دائمٍ أو عذابٍ مقيمٍ (٢)؟!
بَكى النَّخَعِيُّ عندَ احتضارِهِ وقالَ: أنْتَظِرُ ملكَ الموتِ لا أدْري يُبَشِّرُني بالجنَّةِ أوِ النَّارِ.
فالمتمنِّي للموتِ كأنَّهُ يَسْتَعْجِلُ حلولَ البلاءِ، وإنَّما أُمِرْنا بسؤالِ العافيةِ.
وسَمعَ ابنُ عُمَرَ رجلًا يَتَمَنَّى الموتَ، فقالَ: لا تَتَمَنَّ الموتَ؛ فإنَّكَ ميِّتٌ، ولكنْ
стр. 649
سَلِ الله العافيةَ.
قالَ إبْراهيمُ بنُ أدْهَمَ: إنَّ للموتِ كأْسًا لا يَقْوى عليها إلَّا خائفٌ وَجِلٌ مطيعٌ للهِ كانَ يَتَوَقَّعُها.
وقالَ أبو العَتاهِيَةِ:
ألا لِلْمَوْتِ كَأْسٌ أيُّ كَاسِ … وَأنْتَ لِكَأْسِهِ لا بُدَّ حاسي
إلى كَمْ وَالمَماتُ إلى قَريبٍ … تُذَكَّرُ بِالمَماتِ وأنْتَ ناسي
جَزِعَ الحَسَنُ بنُ عَلِيٍّ ﵉ عندَ موتِهِ وقالَ: إنِّي أُريدُ أنْ أُشْرِفَ على ما لمْ أُشْرِفْ عليهِ قطُّ.
وبَكَى الحَسَنُ البَصْرِيُّ عندَ موتِهِ وقالَ: نُفَيْسَةٌ ضعيفةٌ وأمرٌ مهولٌ عظيمٌ، وإنَّا للهِ وإنَّا إليهِ راجعونَ.
وكانَ حَبيبٌ العَجَمِيُّ عندَ موتِهِ يَبْكي ويَقولُ: إنِّي أُريدُ أنْ أُسافِرَ سفرًا ما سافَرْتُهُ قطُّ، وأسْلُكَ طريقًا ما سَلَكْتُهُ قطُّ، وأزورَ سيِّدي ومولايَ وما رَأيْتُهُ قطُّ، وأُشْرِفَ على أهوالٍ ما شاهَدْتُها قطُّ.
فهذا كلُّهُ مِن هولِ المطَّلعِ الذي قَطَعَ قلوبَ الخائفينَ، حتَّى قالَ عُمَرُ عندَ موتِهِ: لو أن لي ما في الأرضِ لافْتَدَيْتُ بهِ مِن هولِ المطَّلعِ.
ومِن هولِ المطَّلعِ: ما يُكْشَفُ للميِّتِ عندَ نزولِهِ قبرَهُ مِن فتنةِ القبرِ؛ فإنَّ الموتى يُفْتَنونَ بالمسألةِ في قبورِهِم مثلَ أو قريبًا مِن فتنةِ المسيحِ الدَّجَّالِ، وما يُكْشَفُ لهُم في قبورِهِم عن منازلِهِم مِن الجنَّةِ والنَّارِ، وما يَلْقَوْنَ مِن ضمَّةِ القبرِ وضيقِهِ وهولِهِ وعذابِهِ إنْ لمْ يُعافِ اللهُ مِن ذلكَ.
ولأبي العَتاهِيَةِ يَبْكي نفسَهُ:
لأَبْكِيَنَّ عَلى نَفْسي وَحُقَّ لِيَهْ … يا عَيْنُ لا تَبْخَلي عَنِّي بِعَبْرَتِيَهْ
يا هَوْلَ مُطَّلَعي يا ضيقَ مُضْطَجَعي … يا نَأْيَ مُنْتَجَعي يا بُعْدَ شُقَّتِيَهْ
رُئِيَ بعضُ الصَّالحينَ في المنامِ بعدَ موتِهِ، فسُئِلَ عن حالِهِ، فأنْشَدَ:
وَلَيْسَ يَعْلَمُ ما في القَبْرِ داخِلُهُ … إِلَّا الإلهُ وساكِنُ الأجْداثِ
стр. 650
كانَ سُفْيانُ يُنْشِدُ:
إنَّ امْرَءًا يَصْفو لَهُ عَيْشُهُ … لَغافِلٌ عَمَّا تُجِنُّ القُبورُ
نَحْنُ بَنو الأرْضِ وَسُكَّانُها … مِنْها خُلِقْنا وَإلَيْها نَصيرُ
• والعلَّةُ الثَّانيةُ: أن المؤمنَ لا يَزيدُهُ عمرُهُ إلَّا خيرًا، فمِن سعادتِهِ أنْ يَطولَ عمرُهُ ويَرْزُقَهُ اللهُ الإنابةَ إليهِ والتَّوبةَ مِن ذنوبِهِ السَّالفةِ والاجتهادَ في العملِ الصَّالحِ، فإذا تَمَنَّى الموتَ؛ فقد تَمَنَّى انقطاعَ عملِهِ الصَّالحِ، فلا يَنْبَغي لهُ ذلكَ.
ورَوى إبْراهيمُ الحَرْبِيُّ مِن روايةِ: ابن لَهِيعَةَ، عن ابن الهادِ، عن ابنِ المُطَّلِبِ، عن أبيهِ؛ أن النَّبيَّ ﷺ قالَ: "السَّعادةُ كلُّ السَّعادةِ طولُ العمرِ في طاعةِ اللهِ " (١).
وقد رُوِيَ هذا المعنى عن النَّبيِّ ﷺ مِن وجوهٍ متعدِّدةٍ:
ففي "صحيح البُخارِيِّ" (٢): عن أبي هُرَيْرَةَ، عن النَّبيِّ ﷺ ؛ قالَ: "لا يَتَمَنَّيَنَّ أحدُكُمُ الموتَ: إمَّا محسنًا فلَعَلَّهُ أنْ يَزْدادَ خيرًا، وإمَّا مسيئًا فلَعَلَّهُ أنْ يُسْتَعْتَبَ".
وفي "صحيح مُسْلِم" (٣): عن أبي هُرَيْرَةَ، عن النَّبيِّ ﷺ ؛ قالَ: "لا يَتَمَنَّيَنَّ أحدُكُمُ الموتَ ولا يَدْعُ بهِ مِن قبلِ أنْ يَأْتِيَهُ، إنَّهُ إذا ماتَ أحدُكُمُ انْقَطَعَ عملُهُ، وإنَّهُ لا يَزيدُ المؤمنَ عمرُهُ إلَّا خيرًا".
وفي "مسند الإمام أحْمَد": عن أبي هُرَيْرَةَ، عن النَّبيِّ ﷺ ؛ قالَ: "لا يَتَمَنَّيَنَّ أحدُكُمُ الموتَ ولا يَدْعُ بهِ مِن قبلِ أنْ يَأْتِيَهُ؛ إلَّا أنْ يَكونَ قد وَثِقَ بعملِهِ؛ فإنَّهُ إنْ ماتَ
стр. 651
أحدُكُمُ انْقَطَعَ عنهُ عملُهُ، [و] إنَّهُ لا يَزيدُ المؤمنَ عمرُهُ إلَّا خيرًا" (١).
وفيهِ: عن أُمِّ الفَضْلِ؛ أن النَّبيَّ ﷺ سَمِعَ العَبَّاسَ وهوَ يَشْتكي يَتَمَنَّى الموتَ، فقالَ: "لا تَتَمَنَّ الموتَ؛ فإنَّكَ إنْ كنْتَ محسنًا تَزْدادُ إحسانًا إلى إحسانِكَ، وإنْ كُنْتَ مسيئًا فأنْ تُؤَخَّرَ تَسْتَعْتِبُ مِن إساءتِكَ خيرٌ لكَ" (٢).
وفيهِ أيضًا: عن أبي أُمَامَةَ؛ قالَ: جَلَسْنا إلى رسولِ اللهِ ﷺ فذَكَّرَنا ورَقَّقَنا. فبَكى سَعْدُ بنُ أبي وَقَّاصٍ فأكْثَرَ البكاءَ وقالَ: يا لَيْتَني مُتُّ. فقالَ النَّبيُّ ﷺ : "يا سَعْدُ! إنْ كُنْتَ خُلِقْتَ للجنَّةِ؛ فما طالَ مِن عمرِكَ وحَسُنَ مِن عملِكَ، فهوَ خيرٌ لكَ" (٣).
وفي المعنى أحاديثُ أُخرُ كثيرةٌ، كلُّها تَدُلُّ على النَّهيِ عن تمنِّي الموتِ بكلِّ حالٍ وأنَّ طولَ عمرِ المؤمنِ خيرٌ لهُ؛ فإنَّهُ يَزْدادُ فيهِ خيرًا.
стр. 652
وهذا، قد قيلَ: إنَّهُ يَدْخُلُ فيهِ تمنِّيه للشَّوقِ إلى لقاءِ اللهِ، وفيهِ نظرٌ؛ فإنَّ النَّبيَّ ﷺ قد تَمَنَّاهُ في تلكَ الحالِ (١).
• واخْتَلَفَ السَّالكونَ: أيُّما أفضلُ؛ مَن تَمَنَّى الموتَ شوقًا إلى لقاءِ اللهِ، أو مَن تَمَنَّى الحياةَ رغبةً في طاعةِ اللهِ، أو مَن فَوَّضَ الأمرَ إلى اللهِ ورَضِيَ باختيارِهِ لهُ ولم يَخْتَرْ لنفسِهِ شيئًا؟
واسْتَدَلَّ طائفةٌ مِن الصَّحابةِ على تفضيلِ الموتِ على الحياةِ بقولِ اللهِ : ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ﴾ [آل عمران: ١٩٨] (٢).
ولكنَّ الأحاديثَ الصَّحيحةَ تَدُلُّ على أنَّ عمرَ المؤمنِ كلَّما طالَ ازْدادَ بذلكَ ما لَهُ عندَ اللهِ مِن الخيرِ، فلا يَنْبَغي لهُ أنْ يَتَمَنَّى انقطاعَ ذلكَ، اللهمَّ! إلَّا أنْ يَخْشى الفتنةَ على دينِهِ؛ فإنَّهُ إذا خَشِيَ الفتنةَ على دينِهِ؛ فقد خَشِيَ أنْ يَفوتَهُ ما عندَ اللهِ مِن الخيرِ ويَتَبَدَّلَ ذلكَ بالشَّرِّ، عياذًا باللهِ مِن ذلكَ، والموتُ خيرٌ مِن الحياةِ على هذهِ الحالِ.
قالَ مَيْمونُ بنُ مِهْرانَ: لا خيرَ في الحياةِ إلَّا لتائبٍ أو رجلٍ يَعْمَلُ في الدَّرجاتِ. يَعْني: أن التَّائبَ يَمْحو بالتَّوبةِ ما سَلَفَ مِن السَّيِّئاتِ، والعاملُ يَجْتَهِدُ في علوِّ الدَّرجاتِ، ومَن عداهُما فهوَ خاسرٌ.
كما قالَ تَعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ١ - ٣]. فأقْسَمَ اللهُ تَعالى أن كلَّ الإنسانِ خاسرٌ إلَّا مَنِ اتَّصَفَ بهذهِ الأوصافِ الأربعةِ: الإيمانِ، والعملِ الصَّالحِ، والتَّواصي بالحقِّ، والتَّواصي بالصَّبرِ على الحقِّ. فهذهِ السُّورةُ ميزانٌ [لـ]ـلأعمالِ، يَزِنُ المؤمنُ بها نفسَهُ فيَتَبَيَّنُ لهُ بها ربحُهُ مِن خسرانِهِ، ولهذا قالَ الشَّافِعِيُّ: لو فَكَّرَ النَّاسُ