← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 1151

لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف - ت عامر

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (739 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

فيهِ، وكانَ كالذي يَأْكُلُ ولا يَشْبَعُ". وفي "صحيح مُسْلِمٍ" (١): عن أبي سَعيدٍ الخُدْرِيِّ، عن النَّبيِّ ﷺ ؛ قالَ: "إنَّ الدُّنيا خضرةٌ حلوةٌ، وإنَّ الله مستخلفُكُم فيها فناظرٌ كيفَ تَعْمَلونَ. فاتَّقوا الدُّنيا، واتَّقوا النِّساءَ؛ فإنَّ أوَّلَ فتنةِ بني إسرائيلَ كانَتْ في النِّساءِ". واستخلافُهُم فيها هوَ ما أوْرَثَهُمُ اللهُ منها ممَّا كانَ في أيدي الأُممِ مِن قبلِهِم كفارِسَ والرُّومِ. وحَذَّرَهُم مِن فتنةِ الدُّنيا وفتنةِ النِّساءِ خصوصًا؛ فإنَّ النِّساءَ أوَّلُ ما ذَكَرَهُ اللهُ مِن شهواتِ الدُّنيا ومتاعِها في قولِهِ: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [آل عمران: ١٤]. وفي "المسند" و"التِّرْمِذِيِّ": عن خَوْلَةَ بنتِ قَيْسٍ، عن النَّبِيِّ ﷺ ؛ قالَ: "إنَّ هذا المالَ خضرةٌ حلوةٌ، فمَن أصابَهُ بحقِّهِ بورِكَ لهُ فيهِ، وربَّ متخوِّضٍ فيما شاءَتْ نفسُهُ مِن مالِ اللهِ ورسولِهِ ليسَ لهُ يومَ القيامةِ (٢) إلَّا النَّارُ" (٣).

стр. 667

وفي "المسند" أيضًا: عن خَوْلَةَ بنتِ تامِرٍ الأنْصارِيَّةِ (١)، عن النَّبيِّ ﷺ ؛ قالَ: "إنَّ هذهِ الدُّنيا خضرةٌ حلوةٌ، وإنَّ رجالًا يَتَخَوَّضونَ في مالِ اللهِ بغيرِ حقٍّ لهُمُ النَّارُ يومَ القيامةِ" (٢). وخَرَّجَ البُخارِيُّ (٣) مِن قولِهِ "إنَّ رجالًا" إلى آخرِهِ. وفي "المسند" أيضًا: عن عائِشَةَ، عن النَّبيِّ ﷺ ؛ قالَ: "إن هذهِ الدُّنيا خضرة حلوةٌ، فمَن آتَيْناهُ منها شيئًا بطيبِ نفسٍ أو طيبِ طعمةٍ ولا إشرافٍ؛ بورِكَ لهُ فيهِ، ومَن آتيْناهُ منها شيئًا بغيرِ طيبِ نفسٍ منَّا وغيرِ طيبِ طعمةٍ وإشرافٍ منهُ؛ لمْ يُبارَكْ لهُ فيهِ" (٤). وفي المعنى أحاديثُ أُخرُ. • وقولُهُ ﷺ "إنَّ ممَّا يُنْبِتُ (٥) الرَّبيعُ يَقْتُلُ حَبَطًا أو يُلِمُّ؛ إلَّا آكلةَ الخضرِ" مثلٌ آخرُ

стр. 668

ضَرَبَهُ ﷺ لزهرةِ الدُّنيا وبهجةِ منظرِها وطيبِ نعيمِها وحلاوتِهِ في النُّفوسِ. فمثلُهُ كمثلِ نباتِ الرَّبيعِ، وهوَ المرعى الخضرُ الذي يَنْبُتُ في زمانِ الرَّبيعِ؛ فإنَّهُ يُعْجِبُ الدَّوابَّ التي تَرْعى فيهِ وتَسْتَطيبُهُ وتكْثِرُ [مِن] الأكلِ منهُ أكثرَ مِن قدرِ حاجتِها لاستحلائِها لهُ: فإمَّا أنْ يَقْتُلَها فتَهْلِكَ وتَموتَ حَبَطًا - والحَبَطُ: انتفاخُ البطنِ مِن كثرةِ الأكلِ - أو يُقارِبَ قتلَها ويُلِمَّ بهِ فتَمْرَضَ منهُ مرضًا مخوفًا مقاربًا للموتِ. فهذا مثلُ مَن يَأْخُذُ مِن الدُّنيا بشرهٍ وجوعِ نفسٍ مِن حيثُ لاحَتْ لهُ؛ لا بقليلٍ يَقْنَعُ، ولا بكثيرٍ يَشْبَعُ، ولا يُحَلِّلُ ولا يُحَرِّمُ، بل الحلالُ [عندَهُ] ما حَلَّ بيدهِ وقَدَرَ عليهِ، والحرامُ عندَهُ ما مُنعَ منهُ وعَجَزَ عنهُ. فهذا هوَ المتخوِّضُ في مالِ اللهِ ورسولِهِ فيما شاءَتْ نفسُهُ وليسَ لهُ إلَّا النَّارُ يومَ القيامةِ، كما في حديثِ خَوْلَةَ المتقدِّمِ. والمرادُ بمالِ اللهِ ومالِ رسولِهِ: الأموالُ التي يَجِبُ على ولاةِ الأُمورِ حفظُها وصرفُها في طاعةِ اللهِ ورسولِهِ مِن أموالِ الفيءِ والغنائمِ، ويَتْبَعُ ذلكَ مالُ الخراجِ والجزيةِ، وكذلكَ أموالُ الصَّدقاتِ التي تُصْرَفُ للفقراءِ والمساكينِ كمالِ الزَّكاةِ والوقفِ ونحوِ ذلكَ. وفي هذا تنبيهٌ على أنَّ مَن تَخَوَّضَ مِن الدُّنيا في الأموالِ المحرَّمِ أكلُها - كمالِ الرِّبا ومالِ الأيتامِ الذي مَن أكَلَهُ أكَلَ نارًا والمغصوبِ والسَّرقةِ والغشِّ في البيوعِ والخداعِ والمكرِ وجحدِ الأماناتِ والدَّعاوى الباطلةِ ونحوِها مِن الحيلِ المحرَّمةِ - أولى أنْ يَتَخَوَّضَ صاحبُها في نارِ جهنَّمَ غدًا. فكلُّ هذهِ الأموالِ وما أشْبَهَها يَتَوَسَّعُ بها أهلُها في الدُّنيا ويَتَلَذَّذونَ بها ويَتَوَصَّلون بها إلى لذَّاتِ الدُّنيا وشهواتِها، ثمَّ يَنْقَلِبُ ذلكَ بعدَ موتِهِم فيَصيرُ جمرًا مِن جمرِ جهنَّمَ في بطونهِم، فما تَفي لذَّتُها بتبعتِها، كما قيلَ: تَفْنى اللَذاذَةُ مِمَّنْ نالَ لَذَّتَها … مِنَ الحَرامِ وَيَبْقى الإثْمُ وَالعارُ تَبْقى عَواقِبُ سَوْءٍ مِنْ مَغَبَّتِها … ... لا خَيْرَ في لَذَّة مِنْ بَعْدِها النَّارُ فلهذا شَبَّهَ النَّبيُّ ﷺ مَن يَأْخُذُ الدُّنيا بغيرِ حقِّها ويَضَعُها في غيرِ حقِّها بالبهائمِ الرَّاعيةِ مِن خضرِ الرَّبيعِ حتَّى تَنْتَفِخَ بطونُها مِن أكلِهِ فإمَّا أنْ يَقْتُلَها وإمَّا أنْ يُقارِبَ قتلَها.

стр. 669

فكذلكَ مَن أخَذَ الدُّنيا مِن غيرِ حقِّها ووَضَعَها في غيرِ وجهِها (١): إمَّا أنْ يَقْتُلَهُ ذلكَ فيَموتَ بهِ قلبُهُ ودينُهُ - وهوَ مَن ماتَ على ذلكَ مِن غيرِ توبةٍ منهُ وإصلاحِ حالٍ - فيَسْتَحِقَّ النَّارَ بعملِهِ. قالَ تَعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ [محمد: ١٢]. وهذا هوَ الميِّتُ حقيقةً؛ فإنَّ الميتَ مَن ماتَ قلبُهُ، كما قيلَ: لَيْسَ مَنْ ماتَ فَاسْتَراحَ بِمَيْتٍ … إنَّما المَيْتُ مَيِّتُ الأحْياءِ وإمَّا أنْ يُقارِبَ موتُهُ ثمَّ يُعافى، وهوَ مَن أفاقَ مِن هذهِ السَّكرةِ وتابَ وأصْلَحَ عملَهُ قبلَ موتِهِ. وقد قالَ عَلِيٌّ ﵁ في كلامِهِ المشهورِ في أقسامِ حملةِ العلمِ: أو منهومٌ باللذَّاتِ سلسُ القيادِ للشَّهواتِ، أو مغرًى بجمعِ الأموالِ والادِّخارِ، ولَيْسا مِن رعاةِ الدِّينِ، أقربُ شبهًا بهِمُ الأنعامُ السَّارحةُ. وفي الأبياتِ المشهورةِ التي كانَ عُمَرُ بنُ عَبْدِ العَزيزِ يُنْشِدُها كثيرًا (٢): نَهارُكَ يا مَغْرورُ سَهْوٌ وَغَفْلَةٌ … وَلَيْلُكَ نَوْمٌ وَالرَّدى لَكَ لازِمُ [تُسَرُّ بِما يَفْنى وَتَفْرَحُ بِالمنى … كَما سُرَّ بِاللَّذاتِ في النَّومِ حالِمُ] (٣) وَتَتْعَبُ فيما سَوْفَ تَكْرَهُ غِبَّهُ … كَذلِكَ في الدُّنْيا تَعيشُ البَهائِمُ • وأمَّا استثناؤهُ ﷺ مِن ذلكَ آكلةَ الخضرِ؛ فمرادُهُ بذلكَ مثلُ المقتصدِ الذي يَأْخُذُ مِن الدُّنيا بحقِّها مقدارَ حاجتِهِ، فإذا نَفِدَ واحْتاجَ (٤)؛ عادَ إلى الأخذِ منها قدرَ الحاجةِ بحقِّهِ. وآكلةُ الخضرِ دُوَيْبَّةٌ، تَأْكُلُ مِن الخضرِ بقدرِ حاجتِها إذا احْتاجَتْ إلى الأكلِ ثمَّ تَصْرِفُهُ عنها، فتَسْتَقْبِلُ عينَ الشَّمسِ فتَصْرِفُ بذلكَ ما في بطنِها وتُخْرِجُ منهُ (٥) ما يُؤْذيها مِن الفضلاتِ.

стр. 670

وقد قيلَ: إنَّ الخضرَ ليسَ مِن نباتِ الرَّبيعِ عندَ العربِ، إنَّما هوَ مِن كلإ الصَّيفِ بعدَ يبسِ العشبِ وهيجِهِ واصفرارِهِ، والماشيةُ مِن الإبلِ لا تَسْتكْثِرُ منهُ، بل تَأْخُذُ منهُ قليلًا قليلًا، ولا تَحْبَطُ بطونُها عنهُ. فهذا مثلُ المؤمنِ المقتصدِ مِن الدُّنيا؛ يَأْخُذُ مِن حلالِها - وهوَ قليلٌ بالنِّسبةِ إلى حرامِها - قدرَ بلغتِهِ وحاجتِهِ، ويَجْتَزِئُ مِن متاعِها بأدونِهِ وأخشنِهِ، ولا يَعودُ إلى الأخذِ منها إلَّا إذا نَفِدَ ما عندَهُ وخَرَجَتْ فضلاتُهُ، فلا يوجِبُ لهُ هذا الأخذُ ضررًا ولا مرضًا ولا هلاكًا، بل يَكونُ ذلكَ بلاغًا لهُ يَتَبَلَّغُ بهِ مدَّةَ حياتِهِ ويُعينُهُ على التَّزوُّدِ لآخرتهِ. وفي هذا إشارةٌ إلى مدحِ مَن أخَذَ مِن حلالِ الدُّنيا بقدرِ بلغتِهِ وقَنِعَ بذلكَ: كما قالَ النَّبيُّ ﷺ : "قد أفْلَحَ مَن هَداهُ اللهُ إلى الإسلامِ وكانَ عيشُهُ كفافًا فقَنِعَ بهِ" (١). وقالَ ﷺ : "خيرُ الرِّزقِ ما يَكْفي " (٢).

стр. 671

وقالَ: "اللهمَّ! اجْعَلْ رزقَ آلِ مُحَمَّدٍ قوتًا" (١). خُذْ مِنَ الرِّزْقِ ما كَفى … وَمِنَ العَيْشِ ما صَفا كُلُّ هذا سَيَنْقَضي … كَسِراجٍ إذا انْطَفا • ثمَّ قالَ ﷺ : "إنَّ هذا المالَ خضرةٌ حلوةٌ". فأعادَ مرَّةَّ ثَانيةً تحذيرًا مِن الاغترارِ بهِ. فخضرتُهُ بهجةُ منظرِهِ، وحلاوتُهُ طيبُ طعمِهِ. فلذلكَ تَشْتَهيهِ النُّفوسُ وتُسارِعُ إلى طلبِهِ، ولكنْ لو فَكَّرَتْ في عواقبِهِ لَهَرَبَتْ منهُ. الدُّنيا في الحالِ حلوةٌ خضرةٌ وفي المآلِ مرَّةٌ كدرةٌ، نِعْمَتِ المرضعةُ وبِئْسَتِ الفاطمةُ! إنَّما الدُّنْيا نَهارُ … ضَوْؤُهُ ضَوْءٌ مُعارُ بَيْنَما عَيْشُكَ غَضٌّ … ... ناعِمٌ فيهِ اخْضِرارُ إذْ رَماهُ زَمَناهُ … فَإذا فيهِ اصْفِرارُ وَكَذاكَ اللَيْلُ يَأْتي … ثُمَّ يَمْحوهُ النَّهارُ مثلُ حرامِ الدُّنيا كشجرةِ الدِّفلى؛ تُعْجِبُ مَن رَآها، وتَقْتُلُ مَن أكَلَها. تَرى الدُّنْيا وَزَهْرَتَها فَتَصْبو … وَما يَخْلو مِنَ الشَّهَواتِ قَلْبُ فُضولُ العَيْشِ أكْثَرُهُ هُمومٌ … وَأكْثَرُ ما يَضُرُّكَ ما تُحِبُّ إذا اتَّفَقَ القَليلُ وَفيهِ سِلْمٌ … فَلا تُرِدِ الكَثيرَ وَفيهِ حَرْبُ الذي بَشَّرَ أُمَّتَهُ بفتحِ الدُّنيا عليهِم حَذَّرَهُم مِن الاغترارِ بزهرتِها وخَوَّفَهُم مِن خضرتِها وحلاوتِها وأخْبَرَهُم بخرابِها وفنائِها وأنَّ بينَ أيديهِم دارًا لا تَنْقَطِعُ خضرتُها وحلاوتُها. فمَن وَقَفَ معَ زهرةِ هذهِ العاجلةِ انْقَطَعَ وهَلَكَ، ومَن لم يَقِفْ معَها وسارَ إلى تلكَ [الآجلةِ] وَصَلَ ونَجا.

стр. 672

في "المسند": عن ابن عَبَّاسٍ، أنَّ النَّبيَّ ﷺ أتاهُ فيما يَرى النَّائمُ ملكانِ، فقَعَدَ أحدُهُما عندَ رأْسِهِ والآخرُ عندَ رجليهِ، فقالَ أحدُهُما للآخرِ: اضْرِبْ لهُ مثلًا. فقالَ: إنَّ مثلَهُ ومثلَ أُمَّتِهِ كمثلِ قومٍ سَفْرٍ، انْتَهَوْا إلى رأْسِ مفازةٍ، فلمْ يَكُنْ معَهُم مِن الزَّادِ ما يَقْطَعونَ بهِ المفازةَ ولا ما يَرْجِعونَ بهِ، فبينَما هُم كذلكَ إذْ أتاهُم رجلٌ في حلَّةٍ حبرةٍ فقالَ: أرَأيْتُمْ إنْ وَرَدْتُ بكُم رياضًا معشبةً وحياضًا رواءً؛ أتَتْبَعوني؟ قالوا: نعم. قالَ: فانْطَلَقَ بهِم فأوْرَدَهُم رياضًا معشبةً وحياضًا رواءً، فأكَلوا وشَرِبوا وسَمِنوا. فقالَ لهُم: ألَمْ ألْقَكُمْ على تلكَ الحالِ فجَعَلْتُمْ لي إنْ وَرَدْتُ بكُم رياضًا معشبةً وحياضًا رواءً أنْ تَتْبَعوني؟ قالوا: بلى. قالَ: فإنَّ بينَ أيديكُم رياضًا هيَ أعشبُ مِن هذهِ وحياضًا هيَ أروى مِن هذهِ، فاتْبَعوني. قالَ: فقالَتْ طائفةٌ: صَدَقَ واللهِ، لنَتْبَعَنَّهُ. وقالَتْ طائفةٌ: قد رَضِينا بهذا نُقيمُ عليهِ (١). وقد خَرَّجَهُ ابنُ أبي الدُّنْيا وغيرُهُ عن الحَسَنِ مرسلًا بسياقٍ أبْسَطَ مِن هذا، وفيهِ أنَّهُم لمَّا رَتَعوا وسَمِنوا وأعْجَبَهُمُ المنزلُ؛ صاحَ بهِم فقالَ: ارْتَحِلوا؟ فإنَّ هذهِ الرَّوضةَ ذاهبةٌ، وإنَّ هذا الماءَ غائرٌ ذاهبٌ، وإنَّ أمامَكُم روضةً أعشبَ مِن هذهِ وماءً أرْوى مِن هذا الماءِ. فكَرِهَ ذلكَ عامَّةُ النَّاسِ وقالوا: ما نُريدُ بهذا بدلًا. وهُم أكثرُ النَّاسِ. وقالَ آخرونَ: واللهِ؛ إنَّ آخرَ قولِهِ كأوَّلِهِ، ارْتَحِلوا. فأبَوْا، فارْتَحَلَ قومٌ فنَجَوْا، ولمْ يَشْعُرِ الذينَ أقاموا حتَّى طَرَقَهُمُ العدوُّ ليلًا، فأصْبَحوا مِن بين قتيلٍ وأسيرٍ (٢). الدُّنيا خضراءُ الدِّمنِ. ومعنى ذلكَ أن خضرتَها نابتةٌ على مزبلةٍ منتنةٍ. يا دنيَّ

стр. 673

الهمَّةِ! قَنِعْتَ بروضةٍ على مزبلةٍ والملكُ يَدْعوكَ إلى فردوسِهِ الأعلى؟! ﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [التوبة: ٣٨]؟! أرَضِيتُم بخراباتِ البِلى مِن الفردوسِ؟! يا لها صفقةُ غبنٍ ما أخسرَها! أتَقْنَعُ بخسائسِ الحشائشِ والرِّياضُ معشبةٌ بينَ يديكَ؟! فَإنْ حَنَنْتَ لِلْحِمى وَرَوْضِهِ … فَبِالْغَضى ماءٌ وَرَوْضاتٌ أُخَرْ • وقولُهُ ﷺ "مَن أخَذَهُ بحقِّهِ ووَضَعَهُ في حقِّهِ؛ فنِعْمَ المعونةُ هوَ، ومَن أخَذَهُ بغيرِ حقِّهِ؛ كانَ كالذي يَأْكُلُ ولا يَشْبَعُ" تقسيم لمَن يَأْخُذُ المالَ إلى قسمينِ: • فأحدُهُما: يُشْبِهُ حالَ آكلةِ الخضرِ، وهوَ مَن أخَذَهُ بحقِّهِ ووَضَعَهُ في حقِّهِ. وذَكَرَ ﷺ أنَّهُ نِعْمَ المعونةُ هوَ؛ فإنَّهُ نعمَ العونُ لمَن هذهِ صفتُهُ على الآخرةِ، كما في حديثِ عَمْرِو بن العاصِ عن النَّبيِّ ﷺ ؟ قالَ: "نعمَ المالُ الصَّالحُ للرَّجلِ الصَّالحِ" (١)، وهوَ الذي يَأْخُذُهُ بحقِّهِ ويَضَعُهُ في حقِّهِ، فهذا يوصِلُهُ مالُهُ إلى اللهِ تَعالى، فمَن أخَذَ مِن المالِ بحقِّهِ ما يُقَوِّيهِ على طاعةِ اللهِ ويَسْتَعينُ بهِ عليها؛ كانَ أخذُهُ طاعةً ونفقتُهُ طاعةً. وفي الحديثِ الصَّحيحِ: عن النَّبيِّ ﷺ ؛ قالَ: "إنَّكَ لنْ تُنْفِقَ نفقةً تَبْتَغي بها وجهَ اللهِ إلَّا أُجِرْتَ عليها، حتَّى اللقمةَ تَرْفَعُها إلى في امرأتِكَ" (٢). وفي حديثٍ آخرَ: "ما أطْعَمْتَ نفسَكَ فهوَ لكَ صدقةٌ، وما أطْعَمْتَ أهلَكَ فهوَ لكَ صدقةٌ، وما أطْعَمْتَ ولدَكَ فهوَ لكَ صدقةٌ، وما أطْعَمْتَ خادمَكَ فهوَ لكَ صدقةٌ" (٣).

стр. 674

فما أُخِذَ مِن الدُّنيا بنيَّةِ التَّقوِّي بهِ على طلبِ الآخرةِ فهوَ داخلٌ في قسمِ إرادةِ الآخرةِ والسَّعيِ لها لا في إرادةِ الدُّنيا والسَّعيِ لها. قالَ الحَسَنُ: ليسَ مِن حبِّ الدُّنيا طلبُكَ ما يُصْلِحُكَ فيها، ومِن زهدِكَ فيها تركُ الحاجةِ يَسُدُّها عنكَ تركُها. ومَن أحَبَّ الدُّنيا وسَرَّتْهُ ذَهَبَ خوفُ الآخرةِ مِن قلبِهِ. وقالَ سَعيدُ بنُ جُبَيْرٍ: متاعُ الغرورِ ما يُلْهيكَ عن طلبِ الآخرةِ، وما لمْ يُلْهِكَ فليسَ بمتاعِ الغرورِ، ولكنَّهُ بلاغٌ إلى ما هوَ خيرٌ منهُ. وقالَ بعضُ العارفينَ: كلُّ ما أصَبْتَ مِن الدُّنيا تُريدُ بهِ الدُّنيا فهوَ مذمومٌ، وكلُّ ما أصَبْتَ منها تُريدُ [بهِ] الآخرةَ فليسَ مِن الدُّنيا. وقالَ أبو سُلَيْمانَ: الدُّنيا حجابٌ عن اللهِ لأعدائِهِ ومطيَّةٌ موصلةٌ إليهِ لأوليائِهِ، فسُبْحانَ مَن جَعَلَ شيئًا واحدًا سببًا للاتِّصالِ بهِ والانقطاعِ عنهُ. • والقسمُ الثَّاني: يُشْبِهُ حالُهُ حالَ البهائمِ التي تَرْعى ممَّا يُنْبِتُ الرَّبيعُ فيَقْتُلُها حَبَطًا أو يُلِمُّ، وهوَ مَن يَأْخُذُ المالَ بغيرِ حقِّهِ، فيَأْخُذُهُ مِن الوجوهِ المحرَّمةِ، فلا يَقْنَعُ منهُ بقليلٍ ولا بكثيرٍ ولا تَشْبَعُ نفسُهُ منهُ. ولهذا قالَ: "وكانَ كالذي يَأْكُلُ ولا يَشْبَعُ". وكانَ النَّبيُّ ﷺ يَتَعَوَّذُ مِن نفسٍ لا تَشْبَعُ (١). وفي حديثِ: زَيْدِ بن ثابتٍ، عن النَّبيِّ ﷺ : "مَن كانَتِ الدُّنيا همَّهُ؛ فَرَّقَ اللهُ عليهِ أمرَهُ، وجَعَلَ فقرَهُ بينَ عينيهِ، ولمْ يَأْتِهِ مِن الدُّنيا إلَّا ما كُتِبَ لهُ" (٢)، فمَن كانَ فقرُهُ بينَ

стр. 675

عينيهِ؛ لمْ يَزَلْ خائفًا مِن الفقرِ، لا يَسْتَغْني قلبُهُ بشيءٍ ولا يَشْبَعُ مِن الدُّنيا؛ فإنَّ الغنى غنى القلبِ والفقرَ فقرُ النَّفسِ. وفي حديثٍ خَرَّجَهُ الطَّبَرانِيُّ مرفوعًا: "الغنى في القلبِ، والفقرُ في القلبِ. ومَن كانَ الغنى في قلبِهِ فلا يَضُرُّهُ ما لَقِيَ مِن الدُّنيا، ومَن كانَ الفقرُ في قلبِهِ فلا يُغْنيهِ ما أُكْثِرَ لهُ منها، وإنَّما يَضُرُّ نفسَهُ [شحُّها] (١) " (٢). وعن عيسى ﵇؛ قالَ: مثلُ طالبِ الدُّنيا كشاربِ ماءِ البحرِ، كلَّما زادَ شربًا منهُ؛ زادَ عطشًا، حتَّى تقْتُلَهُ.

стр. 676

قالَ يَحْيى بنُ مُعاذٍ: مَن كانَ غناهُ في قلبِهِ؛ لمْ يَزَلْ غنيًّا، ومَن كانَ غناهُ في كسبِهِ؛ لمْ يَزَلْ فقيرًا، ومَن قَصَدَ المخلوقينَ بحوائجِهِ؛ لمْ يَزَلْ محرومًا. ويَشْهَدُ لذلكَ كلِّهِ الحديثُ الصَّحيحُ عن النَّبيِّ ﷺ : "لو كانَ لابنِ آدَمَ واديانِ مِن ذهبٍ؛ لابْتَغى لهُما ثالثًا، ولا يَمْلأُ جوفَ ابن آدَمَ إلَّا التُّرابُ، ويَتوبُ اللهُ على مَن تابَ" (١). لو فَكَّرَ الطَّامعُ في عاقبةِ الدُّنيا لَقَنعَ، ولو تَذَكَّرَ الجائعُ إلى فضولٍ مآلَها لَشَبِعَ. هَبَ انَّكَ قَدْ مَلَكْتَ الأرْضَ طُرًّا … ودانَ لَكَ العِبادُ فَكانَ ماذا ألَيْسَ مَصيرُ جِسْمِكَ جَوْفَ قَبْرٍ (٢) … وَيَحْثِي التُّرْبَ هذا ثمَّ هذا • وقد ضَرَبَ اللهُ في كتابِهِ مثلَ الدُّنيا وخضرتها ونضرتِها وبهجتِها وسرعةِ تقلُّبِها وزوالِها، وجعلَ مثلَها كمثلِ نباتِ الأرضِ النابتِ مِن قطرِ السَّماءِ في تقلُّبِ أحوالِهِ ومآلِهِ: قالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا﴾ [الكهف: ٤٥]. وقالَ اللهُ تَعالى: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢٤)﴾ [يونس: ٢٤]. وقالَ تَعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (٢٠)﴾ [الحديد: ٢٠]. وقالَ تَعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ

стр. 677

يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ٢١]. فالدُّنيا وجميعُ ما فيها مِن الخضرةِ والبهجةِ والنَّضرةِ تتقَلَّبُ أحوالُهُ وتَتبَدَّلُ ثمَّ تَصيرُ حطامًا يابسًا. وقد عَدَّدَ سبحانَهُ زينةَ الدُّنيا ومتاعَها المبهجَ في قولِهِ: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ … ﴾ الآيةَ [آل عمران: ١٤]. وهذا كلُّهُ يَصيرُ ترابًا، ما خلا الذَّهبَ والفضَّةَ، ولا يُنْتَفَعُ بأعيانِهِما، بل هُما قيمُ الأشياءِ، فلا يَنْتَفِعُ صاحبُهُما بإمساكِهِما، وإنَّما يَنْتَفعُ بإنفاقِهِما. ولهذا قالَ الحَسَنُ: بِئْسَ الرَّفيقُ الدِّرهمُ والدِّينارُ؛ لا يَنْفعانِكَ حتَّى يُفارِقانِكَ (١). وأجسامُ بني آدَمَ - بل وسائرِ الحيواناتِ - كنباتِ الأرضِ تَتَقَلَّبُ مِن حالٍ إلى حالٍ ثمَّ تَجِفُّ وتَصيرُ ترابًا. قالَ تَعالى: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا (١٧) ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا﴾ [نوح: ١٧، ١٨]. وَما المَرْءُ إلَّا كَالنَّباتِ وَزَهْرِهِ … يَعودُ رُفاتًا بَعْدَما هُوَ ساطِعُ فيَنْتَقِلُ ابنُ آدَمَ مِن الشَّبابِ إلى الهرمِ ومِن الصِّحَّةِ إلى السَّقمِ ومِن الوجودِ إلى العدمِ، كما قيلَ: وَما حالاتُنا إلَّا ثلاثُ … شَبابٌ ثُمَّ شَيْبٌ ثُمَّ مَوْتُ وَآخِرُ ما يُسَمَّى المَرْءُ شَيْخًا … وَيَتْلوهُ مِنَ الأسْماءِ مَيْتُ مدَّةُ الشَّبابِ قصيرةٌ كمدَّةِ زهرِ الرَّبيعِ وبهجتِهِ ونضارتِهِ، فإذا يَبِسَ وابْيَضَّ فقد آنَ ارتحالُهُ كما أن الزَّرعَ إذا ابْيَضَّ فقد آنَ حصادُهُ. وأجلُّ زهورِ الرَّبيعِ الوردُ، ومتى كَثُرَ فيهِ البياضُ فقد قَرُبَ زمنُ انتقالِهِ. قالَ وُهَيْبُ بنُ الوَرْدِ: إنَّ للهِ ملكًا يُنادي في السَّماءِ كلَّ يومٍ: أبناءَ الخمسينَ! زرعٌ دَنا حصادُهُ. وفي حديثٍ مرفوعٍ: "إنَّ لكلِّ شيءٍ حصادًا، وحصادُ أُمَّتي ما بينَ السِّتِّينَ إلى

стр. 678

السَّبعينَ" (١). قَدْ يَبْلُغُ الزَّرْعُ مُنْتَهاهُ (٢) … لا بُدَّ لِلزَّرْعِ مِنْ حَصادِ وقد يُدْرِكُ الزَّرعَ آفةٌ قبلَ بلوغِ حصادِهِ فيَهْلِكُ، كما أُشِيرَ إليهِ في قولِهِ تَعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾ الآية [يونس: ٢٤]. قالَ مَيْمونُ بنُ مِهْرانَ لجلسائِهِ: يا معشرَ الشُّيوخِ! ما يُنْتَظَرُ بالزَّرعِ إذا ابْيَضَّ؟ قالوا: الحصادُ. فنَظَرَ إلى الشَّبابِ، فقالَ: يا معشرَ الشَّبابِ! إنَّ الزَّرعَ قد تُدْرِكُهُ الآفةُ قبلَ أنْ يَسْتَحْصِدَ. وقالَ بعضُهُم: أكثرُ مَن يَموتُ الشَّبابُ، وآيةُ ذلكَ أن الشُّيوخَ في النَّاسِ قليلٌ. أيا ابْنَ آدَمَ لا تَغْرُرْكَ عافِيَةٌ … عَلَيْكَ ضافِيَةٌ فَالْعُمْرُ مَعْدودُ ما أنْتَ إلَّا كَزَرْعٍ عِنْدَ خُضْرَتِهِ … بِكُلِّ شَيْءٍ مِنَ الآفاتِ مَقْصودُ فَإنْ سَلِمْتَ مِنَ الآفاتِ أجْمَعِها … فَأنْتَ عِنْدَ كَمالِ الأمْرِ مَحْصودُ • كلُّ ما في الدُّنيا فهوَ مذكِّرٌ بالآخرةِ ودليلٌ عليهِ: • فنباتُ الأرضِ واخضرارُها في الرَّبيعِ بعدَ قحولها ويبسِها في الشِّتاءِ وإيناعُ الأشجارِ وزهوُها (٣) بعدَ كونِها خشبًا يابسًا يَدُلُّ على بعثِ الموتى مِن الأرضِ. وقد ذَكَرَ اللهُ تَعالى ذلكَ في كتابِهِ في مواضعَ كثيرةٍ: قالَ تَعالى: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [الحج: ٥ - ٧]. وقالَ تَعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (٩) وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (١٠) رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا

стр. 679

كَذَلِكَ الْخُرُوجُ﴾ [ق: ٩ - ١١]. وقالَ تَعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٥٧]. قالَ أبو رَزِينٍ للنَّبيِّ ﷺ : كيفَ يُحْيي اللهُ الموتى؟ وما آيةُ ذلكَ في خلقِهِ؟ قالَ: "هل مَرَرْتَ بوادٍ أُهْلِكَ محلًا ثمَّ مَرَرْتَ بهِ يَهْتَزُّ خضرًا؟ ". قالَ: نعم. قالَ: "كذلكَ يُخْرِجُ اللهُ الموتى، وذلكَ آيتُهُ في خلقِهِ" (١). خَرَّجَهُ الإمامُ أحْمَدُ. • وقصرُ مدَّةِ الزَّرعِ والثِّمارِ وعودُ الأرضِ بعدَ ذلكَ إلى يبسِها والشَّجرِ إلى حالِها الأوَّلِ كعودِ ابن آدَمَ بعدَ كونهِ حيًّا إلى التُّرابِ الذي خُلِقَ منهُ. • وفصولُ السَّنةِ تُذَكِّرُ بالآخرةِ: فشدَّةُ حرِّ الصَّيفِ يُذَكِّرُ بحرِّ جهنَّمَ وهوَ مِن سمومِها. وشدَّةُ بردِ الشِّتاءِ يُذَكِّرُ بزمهريرِ جهنَّمَ وهوَ مِن زمهريرِها. والخريفُ يَكْمُلُ فيهِ اجتناءُ الثَّمراتِ التي تَبْقى وتُدَّخَرُ في البيوتِ، فهوَ منبِّهٌ على اجتناءِ ثمراتِ الأعمالِ في الآخرةِ. وأمَّا الرَّبيعُ؛ فهوَ أطيبُ فصولِ السَّنةِ، وهوَ يُذَكِّرُ بنعيمِ الجنَّةِ وطيبِ عيشِها، فيَنْبَغي أنْ يَحُثَّ المؤمنَ على الاستعدادِ لطلبِ الجنَّةِ بالأعمالِ الصَّالحةِ. كانَ بعضُ السَّلفِ يَخْرُجُ في أيَّامِ الرَّياحينِ والفواكهِ إلى السُّوقِ فيَقِفُ ويَنْظُرُ ويَعْتَبِرُ ويَسْألُ الله الجنَّةَ.

стр. 680

• ومَرَّ سَعيدُ بنُ جُبَيْرٍ بشبابٍ مِن أبناءِ الملوكِ جلوسٍ في مجالسِهِم في زينتِهِم، فسَلَّموا عليهِ، فلمَّا بَعُدَ عنهُم؛ بَكى واشْتَدَّ بكاؤُهُ وقالَ: ذَكَّرَني هؤلاءِ بشبابِ أهلِ الجنَّةِ. • تزَوَّجَ صِلَةُ بنُ أشْيَمَ بمُعاذَةَ العَدَوِيَّةِ، وكانا مِن كبارِ الصَّالحينَ، فأدْخَلَهُ ابنُ أخيهِ الحمَّامَ ثمَّ أدْخَلَهُ على زوجتِهِ في بيتٍ مطيَّبٍ منجَّدٍ، فقاما يُصَلِّيانِ إلى الصَّباحِ، فسَألَهُ ابنُ أخيهِ عن حالِهِ، فقالَ: أدْخَلْتَني بالأمسِ بيتًا أذْكَرْتَني بهِ النَّارَ (يَعْني: الحمَّامَ)، وأدْخَلْتَني الليلةَ بيتًا أذْكَرْتَني بهِ الجنَّةَ، فلم يَزَلْ فكري في الجنَّةِ والنَّارِ إلى الصَّباحِ. • دَعا عَبْدُ الواحِدِ بنُ زَيْدٍ إخوانَهُ إلى طعامٍ صَنَعَهُ لهُم، فقامَ على رؤوسِهِم عُتْبَةُ الغلامُ يَخْدُمُهُم وهوَ صائمٌ وهُم يَأْكُلونَ، فجَعَلَتْ عيناهُ تَهْمُلانِ، فسَألَهُ عَبْدُ الواحِدِ بعدُ عن سببِ بكائِهِ، فقالَ: ذَكَرْتُ موائدَ أهلِ الجنَّةِ إذا أكَلوا وقامَ الولدانُ على رؤوسِهِم. إنَّما جُعِلَتِ الدُّنيا مرآةً لِيُنْظَرَ بها إلى الآخرةِ لا لِيُنْظَرَ إليها ويُوقَفَ معَها. كَفى حَزَنًا أنْ لا أُعايِنَ بُقْعَةً … مِنَ الأرْضِ إلَّا ازْدَدْتُ شَوْقًا إلَيْكُمُ وَأنِّي مَتى ما طابَ لي خَفْضُ عِيشَةٍ … تَذَكَّرْتُ أيَّامًا مَضَتْ لي لَدَيْكُمُ • تدقيقُ النَّظرِ والفكرِ في حالِ النَّباتِ يَسْتَدِلُّ بهِ المؤمنُ على عظمةِ خالقِهِ وكمالِ قدرتِهِ ورحمتِهِ فتَزْدادُ القلوبُ هيمانًا في محبَّتِهِ. وإلى ذلكَ الإشارةُ بقولِهِ تَعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٩٩)﴾ [الأنعام: ٩٩]. • زمانُ الرَّبيعِ كلُّهُ واعظٌ يُذَكِّرُ بعظمةِ موجدِهِ وكمالِ قدرتِهِ ويُشَوِّقُ إلى طيبِ مجاورتِهِ في دارِ كرامتِهِ: كما قالَ ابنُ سَمْعونَ في وصفِ الرَّبيعِ: أرضُهُ حريرٌ، وأنفاسُهُ عبيرٌ، وأوقاتُهُ كلُّها وعظٌ وتذكيرٌ. وقالَ غيرُهُ: الأرضُ فيهِ زمرُّدةٌ، والأشجارُ حللٌ، والهواءُ مسكٌ، والنَّسيمُ عنبرٌ، والماءُ راحٌ، والطَّيرُ قيانٌ، والكلُّ دالٌّ على كمالِ الصَّانعِ شاهدٌ لهُ بالوحدانيَّةِ.

стр. 681

أنْشَدَ بعضُهُم في وصفِ زمانِ الرَّبيعِ: يا قَوْمَنا فاحَ الرَّبيـ … ـعُ وَلاحَ لِلأْحْبابِ نَجْدُ الزَّهْرُ مِسْكٌ وَالرِّيا … ضُ أريضَةٌ وَالماءُ جَعْدُ (١) وَالظِّلُّ مَنْثورٌ وَفي … جيدِ الشَّقائِقِ مِنْهُ عِقْدُ هذا النَّسيمُ مُعَنْبَرٌ … وَضَبابُ هذا النَّوْءِ نَدُّ وَالغُصْنُ يَرْقُصُ وَالغَديـ … ـرُ مُصَفِّق وَالوُرْقُ تَشْدو (٢) وَالجَوُّ بَعْضٌ مِنْهُ يا … قوتٌ وَبَعْضٌ لازَوَرْدُ (٣) وَالكُلُّ يَشْهَدُ أن صا … نِعَهُ قَديرٌ وَهْوَ فَرْدُ وأنْشَدَ آخرُ: الطَّلُّ في سِلْكِ الغُصونِ كَلُؤْلُؤٍ … رَطْبٍ يُصافِحُهُ النَّسيمُ فَيَسْقُطُ (٤) وَالطَّيْرُ يَقْرَأُ وَالغَديرُ صَحيفَةٌ … وَالرِّيحُ يَكْتُبُ وَالغَمامُ يُنَقِّطُ رُئِيَ بعضُ الشُّعراءِ المتقدِّمينَ في المنامِ بعدَ موتِهِ، فسُئِلَ عن حالِهِ، فقالَ: غُفِرَ لي بأبياتٍ قلتُها في النَّرجسِ، وهيَ: تَفَكَّرْ في نَباتِ الأرْضِ وَانْظُرْ … إلى آثارِ ما صَنَعَ المَليكُ عُيونٌ مِنْ لجَيْنٍ ناظِراتٌ … بِأحْداقٍ هِيَ الذَّهَبُ السَّبيكُ (٥) عَلى قُضُبِ الزَّبَرْجَدِ شاهِداتٌ … بِأنَّ الله لَيْسَ لَهُ شَريكُ سبحانَ مَن سَبَّحَتِ المخلوقاتُ بحمدِهِ فمَلأ الأكوانَ تحميدُه، وأفْصَحَتِ الكائناتُ بالشَّهادةِ بوحدانيَّتِهِ فوَضَحَ توحيدُه، يُسَبِّحُهُ النَّباتُ جمعُهُ وفريدُه، والشَّجرُ عتيقُهُ وجديدُه، ويُمَجِّدُهُ رهبانُ الأطيارِ في صوامعِ الأشجارِ فيُطْرِبُ السَّامعَ تمجيدُه، كلَّما دَرَّسَ الهزارُ دَرْسَ شكرِهِ فالبلبلُ بالحمدِ معيدُه، وكلَّما أقامَ خطيبُ

стр. 682

الحمامِ النَّوحَ على منابرِ الدَّوحِ هَيَّجَ المستهامَ نوحُهُ وتغريدُه، ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ [العنكبوت: ١٩]. • وا عجبًا للمتقلِّبِ بينَ مشاهدةِ حِكَمِهِ وتناولِ نعمِهِ ثمَّ لا يَشْكُرُ نعمَهُ ولا يُبْصِرُ حِكَمَهُ! وأعجبُ مِن ذلكَ مَن تَراكَمَ عليهِ الجهلُ بظلمتِهِ فعَصى المنعمَ بنعمتِهِ. هذا عودُ شجرِ الكرمِ يَكونُ يابسًا طولَ الشِّتاءِ، ثمَّ إذا جاءَ الرَّبيعُ دَبَّ فيهِ الماءُ واخْضَرَّ، ثمَّ يُخْرِجُ الحصرمَ فيَنْتَفعُ النَّاسُ بهِ حامضًا ويَتَناوَلونَ منهُ طبخًا واعتصارًا، ثمَّ يَنْقَلِبُ حلوًا فيَنْتَفعُ النَّاسُ بهِ حلوًا رطبًا ويابسًا ويَسْتَخْرِجونَ منهُ ما يَنْتَفِعونَ بحلاوتِهِ طولَ العامِ وما يَأْتَدِمونَ بحمضِهِ وهوَ نعمَ الإدامُ. فهذهِ التَّنقُلاتُ توجِبُ للعاقلِ الدَّهشَ والتَّعجُّبَ مِن صنعِ صانعِهِ وقدرةِ خالقِهِ، فيَنْبَغي لهُ أنْ يُفَرِّغَ عقلَهُ للتَّفكُّرِ في هذهِ النِّعمِ والشِّكرِ عليها. وأمَّا الجاهلُ؛ فيَأْخُذُ العنبَ فيَجْعَلُهُ خمرًا فيُغَطِّي بهِ العقلَ الذي يَنْبَغي أنْ يُسْتَعْمَلَ في التَّفكُّرِ والشُّكرِ حتَّى يَنْسى خالقَهُ المنعمَ عليهِ بهذهِ النِّعمِ كلِّها، فلا يَسْتَطيعُ بعدَ سكرِهِ أنْ يَقومَ لهُ بذكرِهِ ولا بشكرِهِ، بل يَنْسى في سكرِهِ مَن خَلَقَهُ ورَزَقَهُ فلا يَعْرِفُهُ بالكلِّيَّة، وهذا نهايةُ كفرانِ النِّعمِ الوقوعُ في هذهِ البليَّة. فَوا عَجَبًا كَيْفَ يَعْصي الإلـ … ـهَ أمْ كَيْفَ يَجْحَدُهُ الجاحِدُ وَلِلهِ في كُلِّ تَحْريكَةٍ … وَفي كُلِّ تَسْكينَةٍ شاهِدُ وَفي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ … تَدُلُّ عَلى أنَّهُ واحِدُ • ومِن وجوهِ الاعتبارِ في النَّظرِ إلى الأرضِ التي أحْياها اللهُ بعدَ موتِها في فصلِ الرَّبيعِ بما ساقَ إليها مِن قطرِ السَّماءِ أنَّهُ يُرْجى مِن كرمِهِ أنْ يُحْيِيَ القلوبَ الميتةَ بالذُّنوبِ وطولِ الغفلةِ بسماعِ الذِّكرِ النَّازلِ مِن السَّماءِ. وإلى ذلكَ الإشارةُ بقولهِ تَعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ إلى قولِهِ: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [الحديد: ١٦، ١٧]. ففيهِ إشارةٌ إلى أن مَن قَدَرَ على إحياءِ الأرضِ بعدَ موتها بوابلِ القطرِ فهوَ قادرٌ على إحياءِ القلوبِ الميتةِ القاسيةِ بالذِّكرِ. عَسى لمحةٌ مِن لمحاتِ عطفِهِ، ونفحةٌ مِن نفحاتِ لطفِهِ، وقد صَلَحَ مِن القلوبِ كلُّ ما فَسَدَ، فهوَ اللطيفُ الكريمُ.

стр. 683

عَسى فَرَجٌ يَأْتي بهِ اللهُ إنَّهُ … لَهُ كُلَّ يَوْمٍ في خَليقَتِهِ أمْرُ إذا اشْتَدَّ عُسْرٌ فَارْجُ يُسْرًا فَإنَّهُ … قَضى اللهُ أنَّ العُسْرَ يَتْبَعُهُ اليُسْرُ عَسى مَن أحْيا الأرضَ الميتةَ بالقطرِ أنْ يُحْيِيَ القلوبَ الميتةَ بالذِّكرِ. عسى نفحةٌ مِن نفحاتِ رحمتِهِ تَهُبُّ، فمَن أصابَتْهُ سَعِدَ سعادةً لا يَشْقى بعدَها أبدًا، فهوَ المنَّانُ الرَّحيمُ. إذا ما تَجَدَّدَ فَصْل الرَّبيعِ … تَجَدَّدَ لِلْقَلْبِ فَضْلُ الرَّجاءِ عَسى الحال يَصْلُحُ بعدَ الذُّنوبِ … كَما الأرْضُ تَهْتَزُّ بَعْدَ الشِّتاءِ وَمَنْ ذا الذي لَيْسَ يَرْجُوكَ رَبِّ … وَرَبْعُ عَطائِكَ رَحْبُ الفِناءِ المجلس الثاني في [ذكر] فصل الصيف خَرَّجا في الصَّحيحينِ (١) مِن حديثِ: أبي هُرَيْرَةَ، عن النَّبيِّ ﷺ ؛ قالَ: "اشْتكتِ النَّارُ إلى ربِّها فقالَتْ: يا ربِّ! أكَلَ بعضي بعضًا، فأذِنَ لها بنَفَسَيْنِ؛ نفسٍ في الشِّتاءِ، ونفسٍ في الصَّيفِ، فأشدُّ ما تَجِدونَ مِن الحرِّ مِن سمومِ جهنَّمَ، وأشدُّ ما تَجِدونَ مِن البردِ مِن زمهريرِ جهنَّمَ". • لا شك أن الله تَعالى خَلَقَ لعبادِهِ دارينِ يَجْزيهِم فيهِما بأعمالِهِم معَ البقاءِ في الدَّارينِ مِن غيرِ موتٍ. وخَلَقَ دارًا معجَّلةً للأعمالِ، وجَعَلَ فيها موتًا وحياةً، وابْتَلى عبادَهُ فيها بما أمَرَهُم بهِ ونَهاهُم عنهُ، وكَلَّفَهُم فيها الإيمانَ بالغيبِ، ومنهُ الإيمانُ بالجزاءِ والدَّارينِ المخلوقتينِ لهُ، وأنْزَل بذلكَ الكتبَ وأرْسَلَ بهِ الرُّسلَ وأقامَ الأدلَّةَ الواضحةَ على الغيبِ الذي أمَرَ بالإيمانِ بهِ، وأقامَ علاماتٍ وأماراتٍ تَدُلُّ على وجودِ داريِ الجزاءِ؛ فإنَّ إحدى الدَّارينِ المخلوقتينِ للجزاءِ دارُ نعيمٍ محضٍ لا يَشوبُهُ ألمٌ، والأُخرى دارُ عذابٍ محضٍ لا يَشوبُهُ راحةٌ، وهذهِ الدَّارُ الفانيةُ ممزوجةٌ بالنَّعيمِ والألمِ،

стр. 684

فما فيها مِن النَّعيمِ يُذَكِّرُ بنعيمِ الجنَّةِ، وما فيها مِن الألمِ يُذَكِّرُ بألمِ النَّارِ. • وجَعَلَ اللهُ تَعالى في هذهِ الدَّارِ أشياءَ كثيرةً تُذَكِّرُ بدارِ الغيبِ المؤجَّلةِ الباقيةِ: • فمنها ما يُذَكِّرُ بنعيمِ الجنَّةِ مِن زمانٍ ومكانٍ: - أمَّا الأماكنُ؛ فخَلَقَ اللهُ بعضَ البلدانِ - كالشَّامِ وغيرِها - فيها مِن المطاعمِ والمشاربِ والملابسِ وغيرِ ذلكَ مِن نعيمِ الدُّنيا ما يُذَكِّرُ بنعيمِ الجنَّةِ. - وأمَّا الأزمانُ: فكزمنِ الرَّبيعِ؛ فإنَّهُ يُذَكِّرُ طيبُهُ بنعيمِ الجنَّةِ وطيبِها، وكأوقاتِ الأسحارِ؛ فإنَّ بردَها يُذَكِّرُ ببردِ الجنَّةِ. وفي الحديثِ الذي خَرَّجَهُ الطَّبَرانِيُّ: "إنَّ الجنَّةَ تُفْتَحُ كلَّ ليلةٍ في السَّحرِ، فيَنْظُرُ اللهُ إليها، فيَقولُ لها: ازْدادي طيبًا لأهلِكِ، فتَزْدادُ طيبًا، فذلكَ بردُ السَّحرِ الذي يَجِدُهُ النَّاسُ" (١). ورَوى: سَعيدٌ الجُرَيْرِيُّ، عن سَعيدِ بن أبي الحَسَنِ؛ أن داوودَ ﵇ قالَ: يا جِبْريلُ! أيُّ الليلِ أفضلُ؟ قالَ: ما أدري، غيرَ أن العرشَ يَهْتَزُّ إذا كانَ وقتُ السَّحرِ، ألا تَرى أنَّهُ يَفوحُ ريحُ كلِّ الشَّجرِ (٢). • ومنها: ما يُذَكِّرُ بالنَّارِ؛ فإنَّ الله جَعَلَ في الدُّنيا أشياءَ كثيرةً تُذَكِّرُ بالنَّارِ [المعدَّةِ لمَن عَصاهُ وبما فيها] (٣) مِن الآلامِ والعقوباتِ مِن أماكنَ وأزمانٍ وأجسامٍ وغيرِ ذلكَ: - أمَّا الأماكنُ؛ فكثيرٌ مِن البلدانِ مفرطةُ الحرِّ أوِ البردِ: فبردُها يُذَكِّرُ بزمهريرِ جهنَّمَ، وحرُّها يُذَكِّرُ بحرِّ جهنَّمَ وسمومِها. - وبعضُ البقاعِ يَذَكِّرُ بالنَّارِ كالحمَّامِ: قالَ أبو هُرَيْرَةَ: نعمَ البيتُ الحمَّامُ؛ يَدْخُلُهُ المؤمنُ فيُزيلُ بهِ الدَّرنَ ويَسْتَعيذُ باللهِ فيهِ مِن النَّارِ. كانَ السَّلفُ يَذْكُرونَ النَّارَ بدخولِ الحمَّامِ، فيُحْدِثُ ذلكَ لهُم عبادةً.

стр. 685

دَخَلَ ابنُ وَهْبٍ الحمَّامَ، فسَمعَ تاليًا يَتْلو: ﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ﴾ [غافر: ٤٧]، فغُشِيَ عليهِ. وتَزَوَّجَ صِلَةُ بنُ أشْيَمَ، فدَخَلَ الحمَّامَ، ثمَّ دَخَلَ على زوجتِهِ تلكَ الليلةَ، فقامَ يُصَلِّي حتَّى أصبحَ، وقالَ: دَخَلْتُ بالأمسِ بيتًا أذْكَرَنِيَ النَّارَ، ودَخَلْتُ الليلةَ بيتًا ذَكَرْتُ بهِ الجنَّةَ، فلم يَزَلْ فكري فيهِما حتَّى أصْبَحْتُ. كانَ بعضُ السَّلفِ إذا أصابَهُ كربُ الحمَّامِ يَقولُ: يا برُّ! يا رحيمُ! مُنَّ علينا وقِنا عذابَ السَّمومِ. صَبَّ بعضُ الصَّالحينَ على رأْسهِ ماءً مِن الحمَّامِ، فوَجَدَهُ حارًّا، فبَكى وقالَ: ذَكَرْتُ قولَهُ تَعالى: ﴿يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ﴾ [الحج: ١٩]. كلُّ ما في الدُّنيا دليلٌ على صانعِهِ يُذَكِّرُ بهِ ويَدُلُّ على صفاتِهِ، فما فيها مِن نعيمٍ وراحةٍ يَدُلُّ على كرمِ خالقِهِ وفضلِهِ وإحسانِهِ وجودِهِ ولطفِهِ، وما فيها مِن نقمةٍ وشدَّةٍ وعذابٍ يَدُلُّ على شدَّةِ بأْسِهِ وبطشِهِ وقهرِهِ وانتقامِهِ، واختلافُ أحوالِ الدُّنيا مِن حرٍّ وبردٍ وليلٍ ونهارٍ وغيرِ ذلكَ يَدُلُّ على انقضائِها وزوالِها. قالَ الحَسَنُ: كانَ الصَّحابةُ ﵃ يَقولونَ: الحمدُ للهِ الرَّفيقِ الذي لو جَعَلَ هذا الخلقَ خلقًا دائمًا لا يَتَصَرَّفُ؛ لقالَ الشَّاكُّ في اللهِ: لو كانَ لهذا الخلقِ ربٌّ لَحادَثَهُ (١)، وإنَّ الله قد حادَثَ بما تَرَوْنَ مِن الآياتِ، إنَّهُ جاءَ بضوءٍ طَبَّقَ ما بينَ الخافقينِ وجَعَلَ فيها معاشًا وسراجًا وهَّاجًا، ثمَّ إذا شاءَ ذَهَبَ بذلكَ الخلقِ وجاءَ بظلمةٍ طَبَّقَتْ ما بينَ الخافقينِ وجَعَلَ فيها سكنًا ونجومًا وقمرًا منيرًا، وإذا شاءَ بَنى بناءً جَعَلَ فيهِ المطرَ والبرقَ والرَّعدَ والصَّواعقَ ما شاءَ، وإذا شاءَ صرفَ ذلكَ الخلقَ، وإذا شاءَ جاءَ ببردٍ يُقَرْقِفُ النَّاسَ، وإذا شاءَ أذْهَبَ ذلكَ وجاءَ بحرٍّ يَأْخُذُ بأنفاسِ النَّاسِ؛ لِيَعْلَمَ النَّاسُ أن لهذا الخلقِ ربًّا هوَ يُحادِثُهُ بما تَرَوْنَ مِن الَاياتِ، كذلكَ وإذا شاءَ ذَهَبَ بالدُّنيا وجاءَ بالآخرةِ.

стр. 686

وقالَ خَليفَةُ العَبْدِيُّ: لو أن الله لمْ يُعْبَدْ إلَّا عن رؤيةٍ ما عَبَدَهُ أحدٌ، ولكنَّ المؤمنينَ تَفَكَّروا في مجيءِ هذا الليلِ إذا جاءَ فطَبَّقَ كلَّ شيءٍ ومَلأ كلَّ شيءٍ ومَحا سلطانَ النَّهارِ، وتَفَكَّروا في مجيءِ النَّهارِ إذا جاءَ فمَلأ كلَّ شيءٍ وطَبَّقَ كلَّ شيءٍ ومَحا سلطانَ الليلِ، وتَفَكَّروا في السَّحابِ المسخَّرِ بينَ السَّماءِ والأرضِ، وتَفَكَّروا في الفلكِ التي تَجْري في البحرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ، وتَفَكَّروا في مجيءِ الشِّتاءِ والصَّيفِ، فواللهِ؛ ما زالَ المؤمنونَ يَتَفَكَّرونَ فيما خَلَقَ لهُم ربُّهُم حتَّى أيْقَنَتْ قلوبُهُم وحتَّى كأنَّما عَبَدوا الله عن رؤيتِهِ. يُذَكِّرُنيكَ الحَرُّ وَالبَرْدُ وَالَّذي … أخافُ وَأرْجو وَالَّذي أتَوَقَّعُ ما رَأى العارفونَ شيئًا مِن الدُّنيا إلَّا تَذَكَّروا بهِ ما وَعَدَهُمُ اللهُ بهِ مِن جنسِهِ في الآخرةِ. قُلوبُ العارِفينَ لَها عُيونٌ … تَرى ما لا يَراهُ النَّاظِرونا - وأمَّا الأزمانُ؛ فشدَّةُ الحرِّ والبردِ تُذَكِّرُ بما في جهنَّمَ مِن الحرِّ والزَّمهريرِ. وقد دَلَّ هذا الحديثُ الصَّحيحُ على أن ذلكَ مِن تنفُّسِ النَّارِ في ذلكَ الوقتِ: قالَ الحَسَنُ: كلُّ بردٍ أهْلَكَ شيئًا فهوَ مِن نَفَسِ جهنَّمَ، وكلُّ حرٍّ أهْلَكَ شيئًا فهوَ مِن نَفَسِ جهنَّمَ. وفي الحديثِ الصَّحيحِ: عن النَّبيِّ ﷺ ؛ قالَ: "إذا اشْتَدَّ الحرُّ؛ فأبْرِدوا بالصَّلاةِ؛ فإنَّ شدَّةَ الحرِّ مِن فيحِ جهنَّمَ" (١). وفي حديثٍ مرفوعٍ خَرَّجَهُ عُثْمانُ الدَّارِمِيُّ وغيرُهُ: "إذا كانَ يومٌ شديدُ الحرِّ، فقالَ العبدُ: لا إلهَ إلَّا اللهُ، ما أشدَّ حرَّ هذا اليومِ! اللهمَّ! أجِرْني مِن حرِّ جهنَّمَ. قالَ اللهُ لجهنَّمَ: إنَّ عبدًا مِن عبادي قدِ اسْتَجارَ بي منكِ، وقد أجَرْتُهُ. وإذا كانَ يومٌ شديدُ البردِ، فقالَ العبدُ: لا إلهَ إلَّا اللهُ، ما أشدَّ بردَ هذا اليومِ! اللهمَّ! أجِرْني مِن زمهريرِ جهنَّمَ. قالَ اللهُ لجهنَّمَ: إنَّ عبدًا مِن عبادي قدِ اسْتَجارَ بي مِن زمهريرِكِ، وإنِّي

стр. 687

أُشْهِدُكِ أنِّي قد أجَرْتُهُ". قالوا: وما زمهريرُ جهنَّمَ؟ قالَ: "بيتٌ يُلْقى فيهِ الكافرُ فيَتَمَيَّزُ مِن شدَّةِ بربٍ" (١). أبوابُ النَّارِ مغلَّقةٌ وتُفْتحُ أحيانًا، فتُفْتَحُ أبوابُها كلُّها عندَ الظَّهيرةِ، فلذلكَ يَشْتَدُّ الحرُّ حينئذٍ فيَكونُ في ذلكَ تذكرةٌ بنارِ جهنَّمَ. - وأمَّا الأجسامُ المشاهدةُ في الدُّنيا المذكِّرةُ بالنَّارِ؛ فكثيرةٌ: [١] منها: الشَّمسُ عندَ اشتدادِ حرِّها، وقد رُوِيَ أنَّها خُلِقَتْ مِن النَّارِ وتَعودُ إليها (٢). وخَرَّجَ الطَّبَرانِيُّ بإسنادِهِ: أن رجلًا في عهدِ النَّبيِّ ﷺ نَزَعَ ثيابَهُ ثمَّ تَمَرَّغَ في الرَّمضاءِ وهوَ تقولُ لنفسِهِ: ذوقي! نارُ جهنَّمَ أشدُّ حرًّا، جيفةٌ بالليلِ، بطَّالٌ بالنَّهارِ. فرَآهُ النَّبيُّ ﷺ ، فقالَ: يا رسولَ اللهِ! غَلَبَتْني نفسي. فقالَ النَّبيُّ ﷺ : "لقد فُتِحَتْ لكَ أبوابُ السَّماءِ، وباهى اللهُ بكَ الملائكةَ" (٣).

стр. 688

وأمَّا البروزُ للشَّمسِ تعبُّدًا بذلكَ مطلقًا؛ فغيرُ مشروعٍ؛ فإنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ لأبي إسْرائيلَ لمَّا رَآهُ قائمًا في الشَّمسِ، فأمَرَهُ أنْ يَجْلِسَ ويَسْتَظِلَّ، وكانَ نَذَرَ أنْ يَقومَ في الشَّمسِ معَ الصَّومِ، فأمَرَهُ أنْ يُتِمَّ صومَهُ فقطْ (١). وإنَّما يُشْرَعُ البروزُ للشَّمسِ للمحرمِ، كما قالَ ابنُ عُمَرَ لمحرمٍ رَآهُ قدِ اسْتَظَلَّ: اضْحَ لمَن أحْرَمْتَ لهُ. أي: ابْرُزْ إلى الضُّحَى، وهوَ حرُّ الشَّمسِ (٢). كانَ بعضُهُم لا يَسْتَظِلُّ في إحرامِهِ، فقيلَ لهُ: لو أخَذْتَ بالرُّخصةِ، فأنْشَدَ: ضَحَيْتُ لَهُ كَيْ أسْتَظِلَّ بظِلِّهِ … إذا الظِّلُّ أضْحى في القِيامَةِ قالِصا فوا أسَفا إنْ كانَ سَعْيُكَ خائِبًا … ووا أسَفا إنْ كانَ حظُّكَ ناقِصا (٣) وممَّا يُؤْمَرُ بالصَّبرِ فيهِ على حرِّ الشَّمسِ: النَّفيرُ للجهادِ في الصَّيفِ، كما قالَ تَعالى عن المنافقينَ: ﴿وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾ [التوبة: ٨١]. وكذلكَ المشيُ إلى المساجدِ للجمعِ والجماعاتِ وشهودِ الجنائزِ ونحوِها مِن الطَّاعاتِ. والجلوسُ في الشَّمسِ لانتظارِ ذلكَ حيثُ لا يوجَدُ ظلٌّ. خَرَجَ رجلٌ مِن السَّلفِ إلى الجمعةِ، فوَجَدَ النَّاسَ قد سَبَقوهُ إلى الظِّلِّ، فقَعَدَ في الشَّمسِ، فناداهُ رجلٌ مِن الظِّلِّ أنْ يَدْخُلَ إليهِ، فأبى أنْ يَتَخَطَّى النَّاسَ لذلكَ، ثمَّ تَلا: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [لقمان: ١٧] (٤).

стр. 689

كانَ بعضُهُم إذا رَجَعَ مِن الجمعةِ في حرِّ الطهيرةِ تَذَكَّرَ أنصرافَ النَّاسِ مِن موقفِ الحسابِ إلى الجنَّةِ أوِ النَّارِ. فإنَّ السَّاعةَ تَقومُ يومَ الجمعةِ، ولا يَنْتَصِفُ ذلكَ النَّهارُ حتَّى يَقيلَ أهلُ الجنَّةِ في الجنَّةِ وأهلُ النَّارِ في النَّارِ. قالَهُ ابنُ مَسْعودٍ، وتَلا قولَهُ تَعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٤]. ويَنْبَغي لمَن كانَ في حرِّ الشَّمسِ أنْ يَتَذَكَّرَ حرَّها في الموقفِ؛ فإنَّ الشَّمسَ تَدْنو مِن رؤوسِ العبادِ يومَ القيامةِ ويُزادُ في حرِّها. وكذا يَنْبَغي لمَن لا يَصْبِرُ على حرِّ الشَّمسِ في الدُّنيا أنْ يَجْتَنِبَ مِن الأعمالِ ما يَسْتَوْجِبُ صاحبُهُ بهِ دخولَ النَّارِ، فإنَّهُ لا قوَّةَ لأحدٍ عليها ولا صبرَ. قالَ قَتادَةُ وقد ذَكَرَ شرابَ أهلِ جهنَّمَ، وهوَ ما يَسيلُ مِن صديدِهِم مِن الجلدِ (١) واللحمِ، فقالَ: هل لكُم بهذا يَدانِ أم لكُم عليهِ صبرٌ؟ طاعةُ اللهِ أهونُ عليكُم يا قومِ! فأطيعوا الله ورسولَهُ. نَسِيتَ لَظًى عِنْدَ ارْتِكابِكَ لِلْهَوى … وَأنْتَ تَوَقَّى حَرَّ شَمْسِ الهواجِرِ كَأنَّكَ لَمْ تَدْفِنْ حَميمًا وَلَمْ تَكُنْ … لَهُ في سِياقِ المَوْتِ يَوْمًا بِحاضِرِ رَأى عُمَرُ بنُ عَبْدِ العَزيزِ قومًا في جنازةٍ، وقد هَرَبوا مِن الشَّمسِ إلى الظِّلِّ، وتَوَقَّوُا الغبارَ، [فبَكى ثمَّ] أنْشَدَ: مَن كانَ حينَ تُصيبُ الشَمْسُ جَبْهَتَهُ … أوِ الغُبارُ يَخافُ الشَّيْنَ وَالشَّعَثا وَيَأْلَفُ الظِّل كَيْ تَبْقى بَشاشَتُهُ … فَسَوْفَ يَسْكُنُ يَوْمًا راغِمًا جَدَثا في ظِلِّ مُقْفِرَةٍ غَبْراءَ مُظْلِمَةٍ … يُطيلُ تَحْتَ الثَّرى في غَمِّهِ اللَبَثا تَجَهَّزي بِجَهازٍ تَبْلُغينَ بِهِ … يا نَفْسُ قَبْلَ الرَّدى لَمْ تُخْلَقي عَبَثا وممَّا يُضاعَفُ ثوابُهُ في شدَّةِ الحرِّ الصِّيامُ؛ لما فيهِ مِن ظمإ الهواجرِ. ولهذا كانَ مُعاذُ بنُ جَبَلٍ يَتَأسَّفُ عندَ موتهِ على ما يَفوتُهُ مِن ظمإ الهواجرِ. وكذلكَ غيرُهُ مِن السَّلفِ.

стр. 690

ورُوِيَ عن أبي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ أنَّهُ كانَ يَصومُ في الصَّيفِ ويُفْطِرُ في الشِّتاءِ (١). ووَصَّى عُمَرُ ﵁ عندَ موتهِ ابنَهُ عَبْدَ اللهِ ﵁ فقالَ لهُ: عليكَ بخصالِ الإيمانِ، وسَمَّى أوَّلَها الصَّومَ في شدَّةِ الحرِّ في الصَّيفِ (٢). قالَ القاسِمُ بنُ مُحَمَّدٍ: كانَتْ عائِشَةُ ﵂ تَصومُ في الحرِّ الشَّديدِ. قيلَ لهُ: ما حَمَلَها على ذلكَ؟ قالَ: كانَتْ تُبادِرُ الموتَ (٣). وكانَ مُجَمِّعٌ التَّيْمِيُّ يَصومُ في الصَّيفِ حتَّى يَسْقُطَ. كانَتْ بعضُ الصَّالحاتِ تَتَوَخَّى أشدَّ الأيَّامِ حرًّا فتَصومُهُ، فيُقالُ لها في ذلكَ، فتَقولُ: إنَّ السِّعرَ إذا رَخُصَ اشْتَراهُ كلُّ أحدٍ. تُشيرُ إلى أنَّها لا تُؤْثِرُ إلَّا العملَ الذي لا يَقْدِرُ عليهِ إلَّا القليلُ مِن النَّاسِ لشدَّتِهِ عليهِم. وهذا مِن علوِّ الهمَّةِ (٤). كانَ أبو موسى الأشْعَرِيُّ ﵁ في سفينةٍ، فسَمعَ هاتفًا يَهْتِفُ: يا أهلَ المركبِ! قِفوا! يَقولُها ثلاثًا. فقالَ أبو موسى: يا هذا! كيفَ نَقِفُ؟ أما تَرى ما نحنُ فيهِ؟ كيفَ نَسْتَطيعُ وقوفًا؟ فقالَ الهاتفُ: ألا أُخْبِرُكُمْ بقضاءٍ قَضاهُ اللهُ على نفسِهِ؟ قالَ: بلى؛ أخْبِرْنا. قالَ: فإنَّ الله قَضى على نفسِهِ أنَّهُ مَن عَطَّشَ نفسَهُ للهِ في يومٍ حارٍّ كانَ حقًّا على اللهِ أنْ يُرْوِيَهُ يومَ القيامةِ. فكانَ أبو موسى يَتَوَخَّى ذلكَ اليومَ الحارَّ الشَّديدَ الحرِّ الذي

стр. 691

يَكادُ الإنسانُ يَنْسَلِخُ منهُ فيَصومُهُ (١). وقالَ كَعْبٌ: إنَّ الله قالَ لموسى ﵇: إنِّي آلَيْتُ على نفسي أنَّهُ مَن عَطَّشَ نفسَهُ لي أنْ أُرْوِيَهُ يومَ القيامةِ. وقالَ غيرُهُ: مكتوبٌ في التَّوراةِ: طوبى لمَن جَوَّعَ نفسَهُ ليومِ الشِّبعِ الأكبرِ، طوبى لمَن عَطَّشَ نفسَهُ ليومِ الرِّيِّ الأكبرِ. وقالَ الحَسَنُ: تَقولُ الحوراءُ لوليِّ اللهِ وهوَ متَّكئ معَها على نهرِ الخمرِ في الجنَّةِ تُعاطيهِ الكأْسَ في أنعمِ عيشةٍ: أتَدْري في أيِّ يومٍ زَوَّجَنيكَ اللهُ؟ إنَّهُ نَظَرَ إليكَ في يومٍ صائفٍ بعيدِ ما بينَ الطَّرفينِ، وأنتَ في ظمإ هاجرةٍ مِن جهدِ العطشِ، فباهى بكَ الملائكةَ وقالَ: انْظُروا إلى عبدي، تَرَكَ زوجتَهُ ولذَّتَهُ وطعامَهُ وشرابَهُ مِن أجلي؛ رغبةً فيما عندي، اشْهَدوا أنِّي قد غَفَرْتُ لهُ. فغَفَرَ لكَ يومئذٍ وزَوَّجَنيكَ (٢). لمَّا سارَ عامِرُ بنُ عَبْدِ قَيْسٍ مِن البصرةِ إلى الشَّامِ كانَ مُعاوِيَةُ يَسْألُهُ أنْ يَرْفَعَ إليهِ حوائجَهُ فَيَأْبى، فلمَّا أكْثَرَ عليهِ؛ قالَ: حاجتي أنْ تَرُدَّ عليَّ مِن حرِّ البصرةِ، لَعَلَّ الصَّومَ أنْ يَشْتَدَّ علي شيئًا؛ فإنَّهُ يَخِفُّ عليَّ في بلادِكُم. نَزَلَ الحجَّاجُ في بعضِ أسفارِهِ بماءٍ بينَ مَكَّةَ والمَدينَةِ، فدَعا بغدائِهِ، ورَأى أعرابيًّا، فدَعاهُ إلى الغداءِ معَهُ، فقالَ لهُ: دَعاني مَن هوَ خيرٌ منكَ فأجَبْتُهُ. قالَ: ومَن هوَ؟ قالَ: اللهُ ، دَعاني إلى الصِّيامِ فصُمْتُ. قالَ: في هذا الحرِّ الشَّديدِ؟ قالَ: نعم؟ صُمْتُ ليومٍ هوَ أشدُّ منهُ حرًّا. قالَ: فأفْطِرْ وصُمْ غدًا. قالَ: إنْ ضَمِنْتَ ليَ البقاءَ

стр. 692

إلى غدٍ أفْطَرْتُ. قالَ: ليسَ ذلكَ إليَّ. قال: فكيفَ تَسْألُني عاجلًا بآجلٍ لا تَقْدِرُ عليهِ؟! خَرَجَ ابنُ عُمَرَ في سفرٍ ومعَهُ أصحابُهُ، فوَضَعوا سفرةً لهُم، فمَرَّ بهِم راعٍ، فدَعَوْهُ إلى الأكلِ معَهُم. فقال: إنِّي صائمٌ. فقالَ ابنُ عُمَرَ: في مثلِ هذا اليومِ الشَّديدِ حرُّهُ وأنتَ بينَ هذهِ الشِّعابِ في آثارِ هذهِ الغنمِ وأنتَ صائمٌ؟! فقالَ: أُبادِرُ أيَّامي هذهِ الخاليةَ. فعَجِبَ منهُ ابنُ عُمَرَ وقالَ لهُ: هل لكَ أنْ تَبيعَنا شاةً مِن غنمِكَ ونُطْعِمَكَ مِن لحمِها ما تُفْطِرُ عليهِ ونُعْطِيَكَ ثمنَها؟ قالَ: إنَّها ليستْ لي إنَّها لمولايَ. قالَ: فما عَسَيْتَ أنْ يَقولَ لكَ مولاكَ إنْ قُلْتَ: أكَلَها الذِّئبُ. فمَضى الرَّاعي وهوَ رافعٌ إصبعَهُ إلى السَّماءِ وهوَ يَقول: فأينَ اللهُ؟! فلمْ يَزَلِ ابنُ عُمَرَ يُرَدِّدُ كلمتَهُ هذهِ. فلمَّا قَدِمَ المدينةَ؛ بَعَثَ إلى سيِّدِ الرَّاعي، فاشْتَرَى منهُ الرَّاعيَ والغنمَ، فأعْتَقَ الرَّاعيَ ووَهَبَ لهُ الغنمَ. ونَزَل رَوْحُ بنُ زِنْباعٍ منزلًا بينَ مَكَّةَ والمدينةِ في حرٍّ شديدٍ، فانْقَضَّ عليهِ راعٍ مِن جبلٍ، فقالَ لهُ: يا راعي! هَلُمَّ إلى الغداءِ. قالَ: إنِّي صائمٌ. قال: أتَصومُ في هذا الحرِّ؟ قالَ: أفَأدَعُ أيَّامي تَذْهَبُ باطلًا؟! فقالَ رَوْحٌ: لقد ضَنِنْتَ بأيَّامِكَ يا راعي إذْ جادَ بها رَوْحُ بنُ زِنْباعٍ. كانَ ابنُ عُمَرَ يَصومُ تطوُّعًا ويُغْشى عليهِ فلا يُفْطِرُ. وكانَ الإمامُ أحْمَدُ يَصومُ، حتَّى يَكادُ يُغْمى عليهِ، فيَمْسَحُ على وجهِهِ بالماءِ. وسُئِلَ عمَّن يَصومُ ويَشْتَدُّ عليهِ الحرُّ، قالَ: لا بأْسَ أنْ يَبُلَّ ثوبًا يَتَبَرَّدُ بهِ ويَصُبَّ عليهِ الماءَ، كانَ النَّبيُّ ﷺ بالعرجِ يَصُبُّ على رأْسِهِ الماءَ وهوَ صائمٌ (١).

стр. 693

وكانَ أبو الدَّرْداءِ يَقولُ: صوموا يومًا شديدًا حرُّهُ لحرِّ يومِ النُّشور، وصَلُّوا ركعتينِ في ظلمةِ الليلِ لظلمةِ القبور. وفي الصَّحيحِ (١): عن أبي الدَّرْداءِ؛ قالَ: لقد رَأيْتُنا معَ رسولِ اللهِ ﷺ في بعضِ أسفارِهِ في اليومِ الحارِّ الشَّديدِ الحرِّ، وإنَّ الرَّجلَ لَيَضَعُ يدَهُ على رأْسِهِ مِن شدَّةِ الحرِّ، وما في القومِ أحدٌ صائمٌ إلَّا رسولَ اللهِ ﷺ وعَبْدَ اللهِ بنَ رَوَاحَةَ. وفي روايةٍ أن ذلكَ كانَ في شهرِ رمضانَ. لمَّا صَبَرَ الصَّائمونَ للهِ في الحرِّ على شدَّةِ العطشِ والظَّمأ؛ أفْرَدَ لهُم بابًا مِن أبوابِ الجنَّةِ، وهوَ بابُ الرَّيَّانِ، مَن دَخَلَهُ شَرِبَ، ومَن شَرِبَ منهُ لمْ يَظْمَأْ بعدَها أبدًا، فإذا دَخَلوا أُغْلِقَ ذلكَ البابُ على مَن بعدَهُم فلا يَدْخُلُ منهُ غيرُهُم. [٢] وقد تَحْدُثُ أحيانًا حوادثُ غيرُ معتادةٍ تُذَكِّرُ بالنَّارِ كالصَّواعقِ والرِّيحِ الحارَّةِ المحرقةِ للزَّرعِ: قالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ﴾ [الرعد: ١٣]. وقد رُوِيَ أن الصَّواعقَ قطعةٌ مِن نارٍ تَطيرُ مِن في الملكِ الذي يَزْجُرُ السَّحابَ عندَ اشتدادِ غضبِهِ (٢). وقالَ تَعالى: ﴿فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ﴾ [البقرة: ٢٦٦]. والإعصارُ: الرِّيحُ الشَّديدةُ العاصفُ التي فيها نارٌ، والصِّرُّ: الرِّيحُ الشَّديدةُ البردِ.

стр. 694

[٣] وقد عَذَّبَ اللهُ قومَ شُعَيْبٍ بالظُّلَّةِ، رُوِيَ أنَّهُ أصابَهُم حرٌّ أخَذَ بأنفاسِهِم، فخَرجوا مِن البيوتِ إلى الصَّحراءِ، فأظَلَّتْهُم سحابةٌ، فوَجَدوا لها بردًا، فاجْتَمَعوا تحتَها كلُّهُم، فأمْطَرَتْ عليهِم نارًا، فأحْرَقَتْهُم كلَّهُم (١). فكلُّ هذهِ العقوباتِ بسببِ المعاصي، وهىَ مِن مقدِّماتِ عقوباتِ جهنَّمَ وأنموذجِها. [٤] وممَّا يَدُلُّ على الجنَّةِ والنَّارِ أيضًا ما يُعَجِّلُهُ اللهُ في الدُّنيا لأهلِ طاعتِهِ وأهلِ معصيتِهِ. فإنَّ الله يُعَجِّلُ لأوليائِهِ وأهلِ طاعتِهِ مِن نفحاتِ نعيمِ الجنَّةِ ورَوْحِها ما يَجِدونَهُ ويَشْهَدونَهُ بقلوبِهم ممَّا لا تُحيطُ بهِ عبارةٌ ولا تَحْصُرُهُ إشارةٌ: حتَّى قالَ بعضُهُم: إنَّهُ لتَمُرُّ بي أوقاتٌ أقولُ: إنْ كانَ أهلُ الجنَّةِ في مثلِ ما أنا فيهِ؛ فإنَّهُم في عيشٍ طيِّبٍ. وقالَ أبو سُلَيْمانَ: أهلُ الليلِ في ليلِهِم ألذُّ مِن أهلِ اللهوِ في لهوِهِم. وقالَ بعضُهُم: الرِّضى بابُ اللهِ الأعظمُ وجنَّةُ الدُّنيا ومستراحُ العابدينَ. قالَ تَعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: ٩٧]. قال الحَسَنُ: يَعْني: نَرْزُقُهُ طاعةً يَجِدُ لذَّتَها في قلبِهِ. أهلُ التَّقوى في نعيمٍ حيثُ كانوا في الدُّنيا وفي البرزخِ وفي الآخرةِ. العَيْشُ عَيْشُهُمُ وَالمُلْكُ مُلْكُهُمُ … ما النَّاسُ إلَّا هُمُ بانوا أوِ اقْتَرَبوا وأمَّا أهلُ المعاصي والمعرضونَ عن اللهِ؛ فإنَّ الله يُعَجِّلُ لهُم في الدُّنيا مِن أنموذجِ عقوباتِ جهنَّمَ ما يُعْرَفُ أيضًا بالتَّجربةِ والذَّوقِ، فلا تَسْألْ عمَّا هُم فيهِ مِن ضيقِ الصَّدرِ والحرجِ والنَّكدِ، وعمَّا يُعَجَّلُ لهُم مِن عقوباتِ المعاصي في الدُّنيا ولو بعدَ حينٍ مِن زمنِ العصيانِ. وهذا مِن نفحاتِ الجحيمِ المعجَّلةِ لهُم. ثمَّ يَنْتَقِلونَ بعدَ هذهِ الدَّارِ إلى أشدَّ مِن ذلكَ وأضيقَ، ولذلكَ يَضيقُ على أحدِهِم قبرُهُ حتَّى تَخْتَلِفَ فيهِ أضلاعُهُ

стр. 695

ويُفْتَحُ لهُ بابٌ إلى النَّارِ فيَأْتيهِ مِن سَمومِها. قالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ [طه: ١٢٤]. وَرَدَ في الحديثِ المرفوعِ تفسيرُها بعذابِ القبرِ (١). ثمَّ بعدَ ذلكَ يَصيرونَ إلى جهنَّمَ وضيقِها. قالَ تَعالى: ﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا (١٣) لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾ [الفرقان: ١٣، ١٤]. [٥] وممَّا يَدُلُّ أيضًا في الدُّنيا على وجودِ النَّارِ ويُذَكِّرُ بها الحمَّى التي تُصيبُ بني آدَمَ، وهيَ نارٌ باطنةٌ. فمنها نفحةٌ مِن نفحاتِ سمومِ جهنَّمَ، ومنها لفحةٌ مِن لفحاتِ زمهريرِها. وقد رُوِيَ في حديثٍ خَرَّجَهُ الإمامُ أحْمَدُ وابنُ ماجَهْ أنَّها حظُّ المؤمنِ مِن النَّارِ (٢).

стр. 696

والمرادُ أنَّ الحمَّى تُكَفِّرُ ذنوبَ المؤمنِ وتُنَقِّيهِ منها كما يُنَقِّي الكيرُ خبثَ الحديدِ. وإذا طُهِّرَ المؤمنُ مِن ذنوبِهِ في الدُّنيا؛ لم يَجِدْ حرَّ النَّارِ إذا مَرَّ عليها يومَ القيامةِ؛ لأنَّ وجدانَ النَّاسِ لحرِّها عندَ المرور عليها بحسبِ ذنوبِهِم، فمَن طُهِّرَ مِن الذُّنوبِ ونُقِّيَ منها في الدُّنيا؛ جازَ على الصِّراطِ كالبرقِ الخاطفِ والرِّيحِ ولم يَجِدْ شيئًا مِن حرِّ النَّارِ ولم يُحِسَّ بها. تَقولُ النَّارُ للمؤمنِ: جُزْ يا مؤمنُ! فقد أطْفَأ نورُكَ لهبي. وفي حديثِ جابرٍ المرفوعِ في "مسند الإمام أحْمَد": أنَّهُم يَدْخُلونَها فتكونُ عليهِم بردًا وسلامًا كما كانَتْ على إبْراهيمَ، حتَّى إنَّ للنَّارِ ضجيجًا مِن بردِهِم (١).

стр. 697

[٤] ومِن أعظمِ ما يُذَكِّرُ بنارِ جهنَّمَ النَّارُ التي في الدُّنيا. قالَ اللهُ تَعالى: ﴿نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً﴾ [الواقعة: ٧٣]؛ يَعْني: أن نارَ الدُّنيا جَعَلَها اللهُ تذكرةً تُذَكِّرُ بنارِ الآخرةِ. مَرَّ ابنُ مَسْعودٍ بالحدَّادينَ وقد أخْرَجوا حديدًا مِن النَّارِ فوَقَفَ يَنْظُرُ إليهِ ويَبْكي. ورُوِيَ عنهُ أنَّهُ مَرَّ على الذينَ يَنْفُخونَ الكيرَ فسَقَطَ. وكانَ أُوَيْسٌ يَقِفُ على الحدَّادينَ فيَنْظُرُ إليهِم كيفَ يَنْفُخونَ الكيرَ ويَسْمَعُ صوتَ النَّارِ فيَصْرُخُ ثمَّ يَسْقُطُ. وكذلكَ الرَّبيعُ بنُ خُثَيْمٍ. وكانَ كثيرٌ مِن السَّلفِ يَخْرُجونَ إلى الحدَّادينَ يَنْظُرونَ [إلى] ما يَصْنَعونَ بالحديدِ، فيَبْكونَ ويَتَعَوَّذونَ باللهِ مِن النَّارِ. ورَأى عَطاءٌ السَّليمِيُّ (١) امرأةً قد سَجَرَتْ تنَّورًا فغُشِيَ عليهِ. وقالَ الحَسَنُ: كانَ عُمَرُ ربَّما توقَدُ لهُ نارٌ، ثمَّ يُدْني يدَهُ منها، ثمَّ يَقولُ: يا ابنَ الخَطَّابِ! هل لكَ على هذا صبرٌ؟ كانَ الأحْنَفُ بنُ قَيْسٍ يَجيءُ إلى المصباحِ فيَضَعُ أصبعَهُ فيهِ ويَقولُ: حَسَّ (٢)! ثمَّ يُعاتِبُ نفسَهُ على ذنوبِهِ. وأجَّجَ بعضُ العبَّادِ نارًا بينَ يديهِ وعاتَبَ نفسَهُ فلمْ يَزَلْ يُعاتِبُها حتَّى ماتَ. نارُ الدُّنيا جزءٌ مِن سبعينَ جزءًا مِن نارِ جهنَّمَ، وغُسِلَتْ بالبحرِ مرَّتينِ حتَّى أشْرَقَتْ وخَفَّ حرُّها، ولولا ذلكَ ما انْتَفَعَ بها أهلُ الدُّنيا، وهيَ تَدْعو الله ألَّا يُعيدَها إليها.

стр. 698

قالَ بعضُ السَّلفِ: لو أُخْرِجَ أهلُ النَّارِ منها إلى نارِ الدُّنيا؟ لَقالوا (١) فيها ألفي عامٍ. يَعْني: أنَّهُم كانوا يَنامونَ فيها ويَرَوْنَها بردًا. كانَ عُمَرُ ﵁ يَقولُ: أكْثِروا ذكرَ النَّارِ؛ فإنَّ حرَّها شديد، وإنَّ قعرَها بعيد، وإنَّ مقامعَها حديد. كانَ ابنُ عُمَرَ وغيرُهُ مِن السَّلفِ إذا شَرِبوا ماءً باردًا بَكَوْا وذَكَروا أُمنيةَ أهلِ النَّارِ وأنَّهُم يَشْتَهونَ الماءَ الباردَ - وقد حيلَ بينَهُم وبينَ ما يَشْتَهونَ - وتقولونَ لأهلِ الجنَّةِ: ﴿أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٥٠]، فيَقولونَ [لهُم]: إنَّ الله حَرَّمَهُما على الكافرينَ. والمصيبةُ العظمى حينَ تُطْبِقُ النَّارُ على أهلِها ويَيْأسونَ مِن الفرجِ، وهوَ الفزعُ الأكبرُ الذي يَأْمَنُهُ أهلُ الجنَّةِ الذينَ سَبَقَتْ لهُم منَّا الحسنى أُولئكَ عنها مبعَدونَ. لَوْ أبْصَرَتْ عَيْناكَ أهْلَ الشَّقا … سِيقُوا إلى النَّارِ وَقَدْ أُحْرِقوا شَرابُهُمُ المُهْلُ في قَعْرِها … إذْ خَالَفوا الرُّسْلَ وَما صَدَّقوا تَقولُ أُخْراهُمْ لأُولاهُمُ … في لُجَجِ المُهْلِ وَقَدْ أُغْرِقوا قَدْ كُنْتُمُ خُوِّفْتُمُ حَرَّها … لكِنْ مِنَ النِّيرانِ لَمْ تَفْرَقوا وَجِيءَ بِالنِّيرانِ مَزْمومَةً … شَرارُها مِنْ حَوْلِها مُحْدِقُ وَقيلَ لِلنِّيرانِ أنْ أحْرِقي … وَقيلَ لِلْخُزَّانِ أنْ أطْبِقوا المجلس الثالث في ذكر فصل الشِّتاء خَرَّجَ الإمامُ أحْمَدُ مِن حديثِ: أبي سَعيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁، عن النَّبيِّ ﷺ ؛ قالَ: "الشِّتاءُ ربيعُ المؤمنِ" (٢).

стр. 699

وخَرَّجَهُ البَيْهَقِيُّ وغيرُهُ وزادَ فيهِ: "طالَ ليلُهُ فقامَه، وقَصُرَ نهارُهُ فصامَه" (١). • إنَّما كانَ الشِّتاءُ ربيعَ المؤمنِ لأنَّهُ يَرْتَعُ فيهِ في بساتينِ الطَّاعاتِ ويَسْرَحُ في ميادينِ العباداتِ ويُنَزِّهُ قلبَهُ في رياضِ الأعمالِ الميسَّرةِ فيهِ كما تَرْتَعُ البهائمُ في مرعى الرَّبيعِ فتَسْمَنُ وتَصْلُحُ أجسادُها، فكذلكَ يَصْلُحُ دينُ المؤمنِ في الشِّتاءِ بما يَسَّرَ اللهُ تَعالى فيهِ مِن الطَّاعاتِ: • فإنَّ المؤمنَ يَقْدِرُ في الشِّتاءِ على صيامِ نهارِهِ مِن غيرِ مشقَّةٍ ولا كلفةٍ تَحْصُلُ لهُ مِن جوعٍ ولا عطشٍ؛ فإنَّ نهارَهُ قصيرٌ باردٌ، فلا يُحِسُّ فيهِ بمشقَّةِ الصِّيامِ. وفي "المسند" و"التِّرْمِذِيِّ": عن النَّبيِّ ﷺ ؛ قالَ: "الصِّيامُ في الشِّتاءِ الغنيمةُ الباردةُ" (٢).

стр. 700

وكانَ أبو هُرَيْرَةَ يَقولُ: ألا أدُلُّكُمْ على الغنيمةِ الباردةِ؟ قالوا: بلى. فيَقولُ: الصِّيامُ في الشِّتاءِ (١). ومعنى كونِها غنيمةً باردةً أنَّها غنيمةٌ حَصَلَتْ بغيرِ قتالٍ ولا تعبٍ ولا مشقَّةٍ، فصاحبُها يَحوزُ هذهِ الغنيمةَ عفوًا صفوًا بغيرِ كلفةٍ. • وأمَّا قيامُ ليلِ الشِّتاءِ؛ فلطولِهِ يُمْكِنُ أنْ تَأْخُذَ النَّفسُ حظَّها مِن النَّومِ ثمَّ تَقومَ بعدَ ذلكَ إلى الصَّلاةِ، فيَقْرَأُ المصلِّي وردَهُ كلَّهُ مِن القرآنِ وقد أخَذَتْ نفسُهُ حظَّها مِن النَّومِ، فيَجْتَمعُ لهُ فيهِ نومُهُ المحتاجُ إليهِ معَ إدراكِ وردِهِ مِن القرآنِ، فيَكْمُلُ لهُ مصلحةُ دينِهِ وراحةُ بدنِهِ. ومِن كلامِ يَحْيى بن مُعاذٍ: الليلُ طويلٌ؛ فلا تُقَصِّرْهُ بمنامِك، والإسلامُ نقيٌّ فلا تُدَنِّسْهُ بآثامِك. بخلافِ ليلِ الصَّيفِ؛ فإنَّهُ لقصرِهِ وحرِّهِ يَغْلِبُ النَّومُ فيهِ فلا تكادُ تَأْخُذُ النَّفسُ حظَّها بدونِ نومِهِ كلِّهِ، فيَحْتاجُ القيامُ فيهِ إلى مجاهدةٍ، وقد لا يَتَمَكَّنُ فيهِ لقصرِهِ مِن الفراغِ مِن وردِهِ مِن القرآنِ. ورُوِيَ عن ابن مَسْعودٍ؛ قالَ: مرحبًا بالشِّتاءِ؛ تَنْزِلُ فيهِ البركةُ، ويَطولُ فيهِ الليلُ للقيامِ، ويَقْصُرُ فيهِ النَّهارُ للصِّيامِ. ورُوِيَ عنهُ مرفوعًا ولا يَصِحُّ رفعُهُ (٢).

стр. 701

وعنِ الحَسَنِ قالَ: نِعْمَ زمانُ المؤمنِ الشِّتاءُ؛ ليلُهُ طويلٌ يَقومُه، ونهارُهُ قصيرٌ يَصومُه. وعن عُبَيْدِ بن عُمَيْرٍ؛ أنَّهُ كانَ إذا جاءَ الشِّتاءُ قالَ: يا أهلَ القرآنِ! طالَ ليلُكُم لقراءتِكُم، وقَصُرَ النَّهارُ لصيامِكُم، فصوموا وقوموا. لمَّا طالَ ليلُ الشِّتاءِ؛ كانَ قيامُهُ يَعْدِلُ صيامَ نهارِ الصَّيفِ. ولهذا بَكى مُعاذٌ ﵁ عندَ موتِهِ وقالَ: إنَّما أبْكي على ظمإ الهواجرِ، وقيامِ ليلِ الشِّتاءِ، ومزاحمةِ العلماءِ بالرُّكبِ عندَ حلقِ الذِّكرِ. وقالَ مِعْضَدٌ: لولا ثلاثٌ؛ ظمأُ الهواجرِ، وقيامُ ليلِ الشِّتاءِ، ولذاذةُ التَّهجُّدِ بكتابِ اللهِ؛ ما بالَيْتُ أنْ أكونَ يعسوبًا. • القيامُ في ليلِ الشِّتاءِ يَشُقُّ على النُّفوسِ مِن وجهينِ: • أحدُهُما: مِن جهةِ تألُّمِ النَّفسِ بالقيامِ مِن الفراشِ في شدَّةِ البردِ. قالَ داوودُ بنُ رُشَيْدٍ: قامَ بعضُ إخواني إلى وردِهِ بالليلِ في ليلةٍ شديدةِ البردِ، وكانَ عليهِ خُلْقانٌ، فضَرَبَهُ البردُ، فبَكى، فهَتَفَ بهِ هاتفٌ: أقَمْناكَ وأنَمْناهُم ثمَّ تَبْكي علينا! خَرَّجَهُ أبو نُعَيْمٍ. • والثَّاني: بما يَحْصُلُ بإسباغِ الوضوءِ في شدَّةِ البردِ مِن التَّألُّمِ. وإسباغُ الوضوءِ في شدَّةِ البردِ مِن أفضلِ الأعمالِ (١). وفي "صحيح مُسْلِم" (٢): عن أبي هُرَيْرَةَ، عن النَّبيِّ ﷺ ؛ قالَ: "ألا أدُلُّكُم على ما يَمْحو اللهُ بهِ الخطايا ويَرْفَعُ بهِ الدَّرجاتِ؟ ". قالوا: بلى يا رسولَ اللهِ! قالّ: "إسباغُ الوضوءِ على المكارهِ، وكثرةُ الخطا إلى المساجدِ، وانتظارُ الصَّلاةِ بعدَ الصَّلاةِ. فذلكُمُ الرِّباطُ، فذلكُمُ الرِّباطُ". وفي حديثِ مُعاذِ بن جَبَلٍ عن النَّبيِّ ﷺ ؛ أنَّهُ رَأى ربَّهُ (يَعْني: في المنامِ)، فقالَ لهُ: يا مُحَمَّدُ! فيمَ يَخْتَصِمُ الملأُ الأعلى؟ قالَ: "في الدَّرجاتِ والكفَّاراتِ". قالَ: "والكفَّاراتُ: إسباغُ الوضوءِ في الكريهاتِ (٣)، ونقلُ الأقدامِ إلى

стр. 702

الجمعاتِ (وفي روايةٍ: الجماعاتِ)، وانتظارُ الصَّلاةِ بعدَ الصَّلاةِ. مَن فَعَلَ ذلكَ عاشَ بخيرٍ وماتَ بخيرٍ وكانَ مِن خطيئتِهِ كيومَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ. والدَّرجاتُ: إطعامُ الطَّعامِ، وإفشاءُ السَّلامِ، والصَّلاةُ بالليلِ والنَّاسُ نيامٌ … " [وذَكَرَ] الحديثَ (١). خَرَّجَهُ الإمامُ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ. وفي بعضِ الرِّواياتِ: "إسباغُ الوضوءِ في السَّبراتِ". والسَّبرةُ: شدَّةُ البردِ. فإسباغُ الوضوءِ في شدَّةِ البردِ مِن أعلى خصالِ الإيمانِ. رَوى ابنُ سَعْدٍ بإسنادِهِ؛ أن عُمَرَ ﵁ وَصَّى ابنَهُ عَبْدَ اللهِ عندَ موتِهِ فقالَ لهُ: يا بنيَّ! عليكَ بخصالِ الإيمانِ. قالَ: وما هيَ؟ قالَ: الصَّومُ في شدَّةِ الحرِّ أيَّامَ الصَّيفِ، وقتلُ الأعداءِ بالسَّيفِ، والصَّبرُ على المصيبةِ، وإسباغُ الوضوءِ في اليومِ الشَّاتي، وتعجيل الصَّلاةِ في يومِ الغيمِ، وتركُ ردغةِ الخبالِ. قالَ: فقالَ: وما ردغةُ الخبالِ؟ قالَ: شربُ الخمرِ (٢). ورَوى الأوْزاعِيُّ عن يَحْيى بن أبي كَثيرٍ؛ قالَ: ستٌّ مَن كُنَّ فيهِ فقدِ اسْتكْمَلَ الإيمانَ: قتالُ أعداءِ اللهِ بالسَّيفِ، والصِّيامُ في الصَّيفِ، وإسباغُ الوضوءِ في اليومِ الشَّاتي، والتَّبكيرُ بالصَّلاةِ في اليومِ الغيمِ، وتركُ الجدالِ والمراءِ وأنتَ تَعْلَمُ أنَّكَ صادقٌ، والصَّبرُ على المصيبةِ. و [قد] رُوِيَ هذا مرفوعًا، خَرَّجَهُ مُحَمَّدُ بنُ نَصْرٍ المَرْوَزِيُّ في كتابِ "الصَّلاة" لهُ بإسنادٍ فيهِ ضعفٌ عن أبي سَعيدٍ الخُدْرِيِّ مرفوعًا: "ستٌّ مَن كنَّ فيهِ بَلَغَ حقيقةَ الإيمانِ: ضربُ أعداءِ اللهِ بالسَّيفِ، وابتدارُ الصَّلاةِ في اليومِ الدَّجنِ، وإسباغُ الوضوءِ عندَ المكارِهِ، والصِّيامُ في الحرِّ، وصبرٌ عندَ المصائبِ، وتركُ المراءِ وأنتَ صادقٌ" (٣).

стр. 703

وفي كتابِ "الزُّهد" للإمام أحْمَدَ: عن عَطاءِ بن يَسارٍ؛ قالَ: قالَ موسى ﵇: يا ربِّ! مَن هُم أهلُكَ الذينَ هُم أهلُكَ، تُظِلُّهُم في ظلِّ عرشِكَ؟ قالَ: همُ البريَّةُ أيديهِم، الطَّاهرةُ قلوبُهُمُ، الذينَ يَتَحابُّونَ بجلالي، الذين إذا ذُكِرْتُ ذُكِروا بي وإذا ذُكِروا ذُكِرْتُ بذكرِهِم، الذينَ يُسْبِغونَ الوضوءَ في المكارهِ، ويُنيبونَ إلى ذكري كما تُنيبُ النُّسورُ إلى أوكارِها، ويَكْلَفونَ بحبِّي كما يَكْلَفُ الصَّبيُّ بحبِّ النَّاسِ، ويَغْضَبونَ لمحارمي إذا استُحِلَّتْ كما يَغْضَبُ النَّمرُ إذا حَرِبَ. و [قد] رُوِيَ عن داوودَ بن رُشَيْدٍ؟ قالَ: قامَ رجلٌ ليلةً باردةً لِيَتَوَضَّأ للصَّلاةِ، فأصابَ الماءَ باردًا، فبَكى، فنودِيَ: أما تَرْضى أنَّا أنَمْناهُم وأقَمْناكَ حتَّى تَبْكِيَ علينا؟ خَرَّجَهُ ابنُ السَّمْعانِيِّ. • معالجةُ الوضوءِ في جوفِ الليلِ للتهجُّدِ موجبٌ لرضى الرَّبِّ ومباهاةِ الملائكةِ، ففي شدَّةِ البردِ يَتَأكَّدُ ذلكَ. ففي "المسند" و"صحيح ابن حِبَّان": عن عُقْبَةَ بن عامِرٍ، عن النَّبيِّ ﷺ ؛ قالَ: "رجلانِ مِن أُمَّتي، يَقومُ أحدُهُما مِن الليلِ [فـ]ــيعالجُ نفسَهُ إلى الطَّهورِ وعليهِ عقدٌ، فيَتَوَضَّأُ، فإذا وَضَّأ يديهِ انْحَلَّتْ عقدةٌ، وإذا وَضَّأ وجهَهُ انْحَلَّتْ عقدةٌ، وإذا مَسَحَ رأْسَهُ انْحَلَّتْ عقدةٌ، وإذا وَضَّأ رجليهِ انْحَلَّتْ عقدةٌ، فيَقولُ الرَّبُّ للذيـ[ــن] وراءَ الحجابِ: انْظُروا إلى عبدي هذا يُعالجُ نفسَهُ، ما سَألَني عبدي هذا فهوَ لهُ" (١). وفي حديثِ: عَطِيَّةَ، عن أبي سَعيدٍ، عن النَّبيِّ ﷺ ؛ قالَ: "إنَّ الله لَيَضْحَكُ إلى ثلاثةِ نفرٍ: رجلٌ قامَ مِن جوفِ الليلِ فأحْسَنَ الطُّهورَ ثمَّ صَلَّى … " (٢). قالَ أبو سُلَيْمانَ الدَّارانِيُّ: كنتُ ليلةً باردةً في المحرابِ، فأقْلَقَنِيَ البردُ، فخَبَّأْتُ إحدى يديَّ مِن البردِ وبَقِيَتِ الأُخرى ممدودةً، فغَلَبَتْني عيني، فهَتَفَ بي هاتفٌ (٣): يا أبا

стр. 704

سُلَيْمانَ! قد وَضَعْنا في هذهِ ما أصابَها، ولو كانَتِ الأُخرى؛ لَوَضَعْنا فيها. [قالَ]: فآلَيْتُ على نفسي ألَّا أدْعُوَ إلَّا ويدايَ خارجتانِ حرًّا كانَ أو بردًا. وقالَ مالِكٌ: كانَ صَفْوانُ بنُ سُلَيْمٍ يُصَلِّي (يَعْني: بالليلِ) في الشِّتاءِ في السَّطحِ وفي الصَّيفِ في بطنِ البيتِ؛ يَتيَقَّظُ بالحرِّ والبردِ حتَّى يُصْبِحَ، ثمَّ يَقولُ: هذا الجهدُ مِن صفوانَ، وأنتَ أعلمُ بهِ! وإنَّهُ لَتَرِمُ رجلاهُ حتَّى يَعودَ مثلَ السِّقطِ مِن قيامِ الليلِ ويَظْهَرُ فيهِما عروقٌ خضرٌ. وكانَ صفوانُ وغيرُهُ مِن العبَّادِ يُصَلُّونَ في الشِّتاءِ بالليلِ في ثوبٍ واحدٍ لِيَمْنَعَهُمُ البردُ مِن النَّومِ. ومنهُم مَن كانَ إذا نَعَسَ ألْقى نفسَهُ في الماءِ ويَقولُ: هذا أهونُ مِن صديدِ جهنَّمَ (١). كانَ عَطاءٌ الخُراسانِيُّ يُنادي أصحابَهُ بالليلِ: يا فلانُ! يا فلانُ! يا فلانُ! قوموا تَوَضَّؤوا وصَلُّوا، فقيامُ هذا الليلِ وصيامُ هذا النَّهارِ أهونُ مِن شربِ الصَّديدِ ومقطَّعاتِ الحديدِ غدًا في النَّارِ. الوَحا الوَحا (٢)! النَّجاءَ النَّجاءَ! وكانَ قومٌ مِن العبَّادِ يَبيتونَ في مسجدٍ، [وكانوا] يَتَهَجَّدونَ بالليلِ، فاسْتَيْقَظَ واحدٌ منهُم ليلةً، فوَجَدَ إخوانَهُ نيامًا، فسَمعَ هاتفًا يَهْتِفُ مِن جانبِ المسجدِ: أيا عَجَبًا لِلنَّاسِ قَرَّتْ عُيونَهُمْ … مَطاعِمُ غَمْضٍ بَعْدَها المَوْتُ مُنْتَصِبْ وطولُ قيامِ الليلِ أيْسَرُ مُؤْنَةً … وَأهْوَنُ مِن نارٍ تَفورُ وتَلْتَهِبْ وفي الحديثِ الصَّحيحِ: أن ابنَ عُمَرَ رَأى في منامِهِ كأنَّ آتيًا أتاهُ فانْطَلَقَ بهِ إلى النَّارِ حتَّى رَآها، ورَأى فيها رجالًا يَعْرِفُهُم معلَّقينَ بالسَّلاسلِ، فأتاهُ ملكٌ فقالَ لهُ: لمْ تُرَعْ، لستَ مِن أهلِها. فقَصَّ ذلكَ على أُختِهِ حَفْصَةَ. فقَصَّتْهُ حَفْصَةُ على رسولِ اللهِ

стр. 705

- ﷺ ، فقالَ: "نِعْمَ الرَّجلُ عَبْدُ اللهِ لو كانَ يُصَلِّي مِن الليلِ". فكانَ ابنُ عُمَرَ بعدَ ذلكَ لا يَنامُ مِن الليلِ إلَّا قليلًا (١). قالَ الحَسَنُ: أفضلُ العبادةِ الصَّلاةُ في جوفِ الليلِ. وقالَ: هوَ أقربُ ما يُتَقَرَّبُ بهِ إلى اللهِ تَعالى، وما وَجَدْتُ في العبادةِ أشدَّ منها. ورُئِيَ سَلَمَةُ بنُ كُهَيْلٍ في النَّومِ فقالَ: وَجَدْتُ أفضلَ الأعمالِ قيامَ الليلِ، ما عندَهُم أشرفُ منهُ. ورَأى بعضُ السَّلفِ خيامًا ضُرِبَتْ، فسَألَ: لمَن هيَ؟ فقيلَ: للمتهجِّدينَ بالقرآنِ، فكانَ بعدَ ذلكَ لا يَنامُ. فَما لي بَعيدَ الدَّارِ لا أقْرَبُ الحِمى … وَقَدْ نُصِبَتْ لِلسَّائِرينَ خِيامُ عَلامَةُ طَرْدي طولُ لَيْلِيَ نائِمٌ … وَغَيْري يَرى أن المَنامَ حَرامُ • ومِن الصَّالحينَ مَن كانَ يُلْطَفُ بهِ في الحرِّ والبردِ. كما دَعا النَّبيُّ ﷺ لعَلِيٍّ ﵁ أنْ يُذْهِبَ [الله] عنهُ الحرَّ والبردَ، فكانَ يَلْبَسُ في الشِّتاءِ ثيابَ الصَّيفِ وفي الصَّيفِ ثيابَ الشِّتاءِ ولا يَجِدُ حرًّا ولا بردًا (٢).
следующие страницы →