وأمَّا البروزُ للشَّمسِ تعبُّدًا بذلكَ مطلقًا؛ فغيرُ مشروعٍ؛ فإنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ لأبي إسْرائيلَ لمَّا رَآهُ قائمًا في الشَّمسِ، فأمَرَهُ أنْ يَجْلِسَ ويَسْتَظِلَّ، وكانَ نَذَرَ أنْ يَقومَ في الشَّمسِ معَ الصَّومِ، فأمَرَهُ أنْ يُتِمَّ صومَهُ فقطْ (١).
وإنَّما يُشْرَعُ البروزُ للشَّمسِ للمحرمِ، كما قالَ ابنُ عُمَرَ لمحرمٍ رَآهُ قدِ اسْتَظَلَّ: اضْحَ لمَن أحْرَمْتَ لهُ. أي: ابْرُزْ إلى الضُّحَى، وهوَ حرُّ الشَّمسِ (٢).
كانَ بعضُهُم لا يَسْتَظِلُّ في إحرامِهِ، فقيلَ لهُ: لو أخَذْتَ بالرُّخصةِ، فأنْشَدَ:
ضَحَيْتُ لَهُ كَيْ أسْتَظِلَّ بظِلِّهِ … إذا الظِّلُّ أضْحى في القِيامَةِ قالِصا
فوا أسَفا إنْ كانَ سَعْيُكَ خائِبًا … ووا أسَفا إنْ كانَ حظُّكَ ناقِصا (٣)
وممَّا يُؤْمَرُ بالصَّبرِ فيهِ على حرِّ الشَّمسِ: النَّفيرُ للجهادِ في الصَّيفِ، كما قالَ تَعالى عن المنافقينَ: ﴿وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾ [التوبة: ٨١]. وكذلكَ المشيُ إلى المساجدِ للجمعِ والجماعاتِ وشهودِ الجنائزِ ونحوِها مِن الطَّاعاتِ. والجلوسُ في الشَّمسِ لانتظارِ ذلكَ حيثُ لا يوجَدُ ظلٌّ.
خَرَجَ رجلٌ مِن السَّلفِ إلى الجمعةِ، فوَجَدَ النَّاسَ قد سَبَقوهُ إلى الظِّلِّ، فقَعَدَ في الشَّمسِ، فناداهُ رجلٌ مِن الظِّلِّ أنْ يَدْخُلَ إليهِ، فأبى أنْ يَتَخَطَّى النَّاسَ لذلكَ، ثمَّ تَلا: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [لقمان: ١٧] (٤).
стр. 689
كانَ بعضُهُم إذا رَجَعَ مِن الجمعةِ في حرِّ الطهيرةِ تَذَكَّرَ أنصرافَ النَّاسِ مِن موقفِ الحسابِ إلى الجنَّةِ أوِ النَّارِ. فإنَّ السَّاعةَ تَقومُ يومَ الجمعةِ، ولا يَنْتَصِفُ ذلكَ النَّهارُ حتَّى يَقيلَ أهلُ الجنَّةِ في الجنَّةِ وأهلُ النَّارِ في النَّارِ. قالَهُ ابنُ مَسْعودٍ، وتَلا قولَهُ تَعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٤].
ويَنْبَغي لمَن كانَ في حرِّ الشَّمسِ أنْ يَتَذَكَّرَ حرَّها في الموقفِ؛ فإنَّ الشَّمسَ تَدْنو مِن رؤوسِ العبادِ يومَ القيامةِ ويُزادُ في حرِّها.
وكذا يَنْبَغي لمَن لا يَصْبِرُ على حرِّ الشَّمسِ في الدُّنيا أنْ يَجْتَنِبَ مِن الأعمالِ ما يَسْتَوْجِبُ صاحبُهُ بهِ دخولَ النَّارِ، فإنَّهُ لا قوَّةَ لأحدٍ عليها ولا صبرَ.
قالَ قَتادَةُ وقد ذَكَرَ شرابَ أهلِ جهنَّمَ، وهوَ ما يَسيلُ مِن صديدِهِم مِن الجلدِ (١) واللحمِ، فقالَ: هل لكُم بهذا يَدانِ أم لكُم عليهِ صبرٌ؟ طاعةُ اللهِ أهونُ عليكُم يا قومِ! فأطيعوا الله ورسولَهُ.
نَسِيتَ لَظًى عِنْدَ ارْتِكابِكَ لِلْهَوى … وَأنْتَ تَوَقَّى حَرَّ شَمْسِ الهواجِرِ
كَأنَّكَ لَمْ تَدْفِنْ حَميمًا وَلَمْ تَكُنْ … لَهُ في سِياقِ المَوْتِ يَوْمًا بِحاضِرِ
رَأى عُمَرُ بنُ عَبْدِ العَزيزِ قومًا في جنازةٍ، وقد هَرَبوا مِن الشَّمسِ إلى الظِّلِّ، وتَوَقَّوُا الغبارَ، [فبَكى ثمَّ] أنْشَدَ:
مَن كانَ حينَ تُصيبُ الشَمْسُ جَبْهَتَهُ … أوِ الغُبارُ يَخافُ الشَّيْنَ وَالشَّعَثا
وَيَأْلَفُ الظِّل كَيْ تَبْقى بَشاشَتُهُ … فَسَوْفَ يَسْكُنُ يَوْمًا راغِمًا جَدَثا
في ظِلِّ مُقْفِرَةٍ غَبْراءَ مُظْلِمَةٍ … يُطيلُ تَحْتَ الثَّرى في غَمِّهِ اللَبَثا
تَجَهَّزي بِجَهازٍ تَبْلُغينَ بِهِ … يا نَفْسُ قَبْلَ الرَّدى لَمْ تُخْلَقي عَبَثا
وممَّا يُضاعَفُ ثوابُهُ في شدَّةِ الحرِّ الصِّيامُ؛ لما فيهِ مِن ظمإ الهواجرِ.
ولهذا كانَ مُعاذُ بنُ جَبَلٍ يَتَأسَّفُ عندَ موتهِ على ما يَفوتُهُ مِن ظمإ الهواجرِ. وكذلكَ غيرُهُ مِن السَّلفِ.
стр. 690
ورُوِيَ عن أبي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ أنَّهُ كانَ يَصومُ في الصَّيفِ ويُفْطِرُ في الشِّتاءِ (١).
ووَصَّى عُمَرُ ﵁ عندَ موتهِ ابنَهُ عَبْدَ اللهِ ﵁ فقالَ لهُ: عليكَ بخصالِ الإيمانِ، وسَمَّى أوَّلَها الصَّومَ في شدَّةِ الحرِّ في الصَّيفِ (٢).
قالَ القاسِمُ بنُ مُحَمَّدٍ: كانَتْ عائِشَةُ ﵂ تَصومُ في الحرِّ الشَّديدِ. قيلَ لهُ: ما حَمَلَها على ذلكَ؟ قالَ: كانَتْ تُبادِرُ الموتَ (٣).
وكانَ مُجَمِّعٌ التَّيْمِيُّ يَصومُ في الصَّيفِ حتَّى يَسْقُطَ.
كانَتْ بعضُ الصَّالحاتِ تَتَوَخَّى أشدَّ الأيَّامِ حرًّا فتَصومُهُ، فيُقالُ لها في ذلكَ، فتَقولُ: إنَّ السِّعرَ إذا رَخُصَ اشْتَراهُ كلُّ أحدٍ. تُشيرُ إلى أنَّها لا تُؤْثِرُ إلَّا العملَ الذي لا يَقْدِرُ عليهِ إلَّا القليلُ مِن النَّاسِ لشدَّتِهِ عليهِم. وهذا مِن علوِّ الهمَّةِ (٤).
كانَ أبو موسى الأشْعَرِيُّ ﵁ في سفينةٍ، فسَمعَ هاتفًا يَهْتِفُ: يا أهلَ المركبِ! قِفوا! يَقولُها ثلاثًا. فقالَ أبو موسى: يا هذا! كيفَ نَقِفُ؟ أما تَرى ما نحنُ فيهِ؟ كيفَ نَسْتَطيعُ وقوفًا؟ فقالَ الهاتفُ: ألا أُخْبِرُكُمْ بقضاءٍ قَضاهُ اللهُ على نفسِهِ؟ قالَ: بلى؛ أخْبِرْنا. قالَ: فإنَّ الله قَضى على نفسِهِ أنَّهُ مَن عَطَّشَ نفسَهُ للهِ في يومٍ حارٍّ كانَ حقًّا على اللهِ أنْ يُرْوِيَهُ يومَ القيامةِ. فكانَ أبو موسى يَتَوَخَّى ذلكَ اليومَ الحارَّ الشَّديدَ الحرِّ الذي
стр. 691
يَكادُ الإنسانُ يَنْسَلِخُ منهُ فيَصومُهُ (١).
وقالَ كَعْبٌ: إنَّ الله قالَ لموسى ﵇: إنِّي آلَيْتُ على نفسي أنَّهُ مَن عَطَّشَ نفسَهُ لي أنْ أُرْوِيَهُ يومَ القيامةِ.
وقالَ غيرُهُ: مكتوبٌ في التَّوراةِ: طوبى لمَن جَوَّعَ نفسَهُ ليومِ الشِّبعِ الأكبرِ، طوبى لمَن عَطَّشَ نفسَهُ ليومِ الرِّيِّ الأكبرِ.
وقالَ الحَسَنُ: تَقولُ الحوراءُ لوليِّ اللهِ وهوَ متَّكئ معَها على نهرِ الخمرِ في الجنَّةِ تُعاطيهِ الكأْسَ في أنعمِ عيشةٍ: أتَدْري في أيِّ يومٍ زَوَّجَنيكَ اللهُ؟ إنَّهُ نَظَرَ إليكَ في يومٍ صائفٍ بعيدِ ما بينَ الطَّرفينِ، وأنتَ في ظمإ هاجرةٍ مِن جهدِ العطشِ، فباهى بكَ الملائكةَ وقالَ: انْظُروا إلى عبدي، تَرَكَ زوجتَهُ ولذَّتَهُ وطعامَهُ وشرابَهُ مِن أجلي؛ رغبةً فيما عندي، اشْهَدوا أنِّي قد غَفَرْتُ لهُ. فغَفَرَ لكَ يومئذٍ وزَوَّجَنيكَ (٢).
لمَّا سارَ عامِرُ بنُ عَبْدِ قَيْسٍ مِن البصرةِ إلى الشَّامِ كانَ مُعاوِيَةُ يَسْألُهُ أنْ يَرْفَعَ إليهِ حوائجَهُ فَيَأْبى، فلمَّا أكْثَرَ عليهِ؛ قالَ: حاجتي أنْ تَرُدَّ عليَّ مِن حرِّ البصرةِ، لَعَلَّ الصَّومَ أنْ يَشْتَدَّ علي شيئًا؛ فإنَّهُ يَخِفُّ عليَّ في بلادِكُم.
نَزَلَ الحجَّاجُ في بعضِ أسفارِهِ بماءٍ بينَ مَكَّةَ والمَدينَةِ، فدَعا بغدائِهِ، ورَأى أعرابيًّا، فدَعاهُ إلى الغداءِ معَهُ، فقالَ لهُ: دَعاني مَن هوَ خيرٌ منكَ فأجَبْتُهُ. قالَ: ومَن هوَ؟ قالَ: اللهُ ، دَعاني إلى الصِّيامِ فصُمْتُ. قالَ: في هذا الحرِّ الشَّديدِ؟ قالَ: نعم؟ صُمْتُ ليومٍ هوَ أشدُّ منهُ حرًّا. قالَ: فأفْطِرْ وصُمْ غدًا. قالَ: إنْ ضَمِنْتَ ليَ البقاءَ
стр. 692
إلى غدٍ أفْطَرْتُ. قالَ: ليسَ ذلكَ إليَّ. قال: فكيفَ تَسْألُني عاجلًا بآجلٍ لا تَقْدِرُ عليهِ؟!
خَرَجَ ابنُ عُمَرَ في سفرٍ ومعَهُ أصحابُهُ، فوَضَعوا سفرةً لهُم، فمَرَّ بهِم راعٍ، فدَعَوْهُ إلى الأكلِ معَهُم. فقال: إنِّي صائمٌ. فقالَ ابنُ عُمَرَ: في مثلِ هذا اليومِ الشَّديدِ حرُّهُ وأنتَ بينَ هذهِ الشِّعابِ في آثارِ هذهِ الغنمِ وأنتَ صائمٌ؟! فقالَ: أُبادِرُ أيَّامي هذهِ الخاليةَ. فعَجِبَ منهُ ابنُ عُمَرَ وقالَ لهُ: هل لكَ أنْ تَبيعَنا شاةً مِن غنمِكَ ونُطْعِمَكَ مِن لحمِها ما تُفْطِرُ عليهِ ونُعْطِيَكَ ثمنَها؟ قالَ: إنَّها ليستْ لي إنَّها لمولايَ. قالَ: فما عَسَيْتَ أنْ يَقولَ لكَ مولاكَ إنْ قُلْتَ: أكَلَها الذِّئبُ. فمَضى الرَّاعي وهوَ رافعٌ إصبعَهُ إلى السَّماءِ وهوَ يَقول: فأينَ اللهُ؟! فلمْ يَزَلِ ابنُ عُمَرَ يُرَدِّدُ كلمتَهُ هذهِ. فلمَّا قَدِمَ المدينةَ؛ بَعَثَ إلى سيِّدِ الرَّاعي، فاشْتَرَى منهُ الرَّاعيَ والغنمَ، فأعْتَقَ الرَّاعيَ ووَهَبَ لهُ الغنمَ.
ونَزَل رَوْحُ بنُ زِنْباعٍ منزلًا بينَ مَكَّةَ والمدينةِ في حرٍّ شديدٍ، فانْقَضَّ عليهِ راعٍ مِن جبلٍ، فقالَ لهُ: يا راعي! هَلُمَّ إلى الغداءِ. قالَ: إنِّي صائمٌ. قال: أتَصومُ في هذا الحرِّ؟ قالَ: أفَأدَعُ أيَّامي تَذْهَبُ باطلًا؟! فقالَ رَوْحٌ: لقد ضَنِنْتَ بأيَّامِكَ يا راعي إذْ جادَ بها رَوْحُ بنُ زِنْباعٍ.
كانَ ابنُ عُمَرَ يَصومُ تطوُّعًا ويُغْشى عليهِ فلا يُفْطِرُ.
وكانَ الإمامُ أحْمَدُ يَصومُ، حتَّى يَكادُ يُغْمى عليهِ، فيَمْسَحُ على وجهِهِ بالماءِ. وسُئِلَ عمَّن يَصومُ ويَشْتَدُّ عليهِ الحرُّ، قالَ: لا بأْسَ أنْ يَبُلَّ ثوبًا يَتَبَرَّدُ بهِ ويَصُبَّ عليهِ الماءَ، كانَ النَّبيُّ ﷺ بالعرجِ يَصُبُّ على رأْسِهِ الماءَ وهوَ صائمٌ (١).
стр. 693
وكانَ أبو الدَّرْداءِ يَقولُ: صوموا يومًا شديدًا حرُّهُ لحرِّ يومِ النُّشور، وصَلُّوا ركعتينِ في ظلمةِ الليلِ لظلمةِ القبور.
وفي الصَّحيحِ (١): عن أبي الدَّرْداءِ؛ قالَ: لقد رَأيْتُنا معَ رسولِ اللهِ ﷺ في بعضِ أسفارِهِ في اليومِ الحارِّ الشَّديدِ الحرِّ، وإنَّ الرَّجلَ لَيَضَعُ يدَهُ على رأْسِهِ مِن شدَّةِ الحرِّ، وما في القومِ أحدٌ صائمٌ إلَّا رسولَ اللهِ ﷺ وعَبْدَ اللهِ بنَ رَوَاحَةَ. وفي روايةٍ أن ذلكَ كانَ في شهرِ رمضانَ.
لمَّا صَبَرَ الصَّائمونَ للهِ في الحرِّ على شدَّةِ العطشِ والظَّمأ؛ أفْرَدَ لهُم بابًا مِن أبوابِ الجنَّةِ، وهوَ بابُ الرَّيَّانِ، مَن دَخَلَهُ شَرِبَ، ومَن شَرِبَ منهُ لمْ يَظْمَأْ بعدَها أبدًا، فإذا دَخَلوا أُغْلِقَ ذلكَ البابُ على مَن بعدَهُم فلا يَدْخُلُ منهُ غيرُهُم.
[٢] وقد تَحْدُثُ أحيانًا حوادثُ غيرُ معتادةٍ تُذَكِّرُ بالنَّارِ كالصَّواعقِ والرِّيحِ الحارَّةِ المحرقةِ للزَّرعِ:
قالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ﴾ [الرعد: ١٣].
وقد رُوِيَ أن الصَّواعقَ قطعةٌ مِن نارٍ تَطيرُ مِن في الملكِ الذي يَزْجُرُ السَّحابَ عندَ اشتدادِ غضبِهِ (٢).
وقالَ تَعالى: ﴿فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ﴾ [البقرة: ٢٦٦]. والإعصارُ: الرِّيحُ الشَّديدةُ العاصفُ التي فيها نارٌ، والصِّرُّ: الرِّيحُ الشَّديدةُ البردِ.
стр. 694
[٣] وقد عَذَّبَ اللهُ قومَ شُعَيْبٍ بالظُّلَّةِ، رُوِيَ أنَّهُ أصابَهُم حرٌّ أخَذَ بأنفاسِهِم، فخَرجوا مِن البيوتِ إلى الصَّحراءِ، فأظَلَّتْهُم سحابةٌ، فوَجَدوا لها بردًا، فاجْتَمَعوا تحتَها كلُّهُم، فأمْطَرَتْ عليهِم نارًا، فأحْرَقَتْهُم كلَّهُم (١).
فكلُّ هذهِ العقوباتِ بسببِ المعاصي، وهىَ مِن مقدِّماتِ عقوباتِ جهنَّمَ وأنموذجِها.
[٤] وممَّا يَدُلُّ على الجنَّةِ والنَّارِ أيضًا ما يُعَجِّلُهُ اللهُ في الدُّنيا لأهلِ طاعتِهِ وأهلِ معصيتِهِ.
فإنَّ الله يُعَجِّلُ لأوليائِهِ وأهلِ طاعتِهِ مِن نفحاتِ نعيمِ الجنَّةِ ورَوْحِها ما يَجِدونَهُ ويَشْهَدونَهُ بقلوبِهم ممَّا لا تُحيطُ بهِ عبارةٌ ولا تَحْصُرُهُ إشارةٌ:
حتَّى قالَ بعضُهُم: إنَّهُ لتَمُرُّ بي أوقاتٌ أقولُ: إنْ كانَ أهلُ الجنَّةِ في مثلِ ما أنا فيهِ؛ فإنَّهُم في عيشٍ طيِّبٍ.
وقالَ أبو سُلَيْمانَ: أهلُ الليلِ في ليلِهِم ألذُّ مِن أهلِ اللهوِ في لهوِهِم.
وقالَ بعضُهُم: الرِّضى بابُ اللهِ الأعظمُ وجنَّةُ الدُّنيا ومستراحُ العابدينَ.
قالَ تَعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: ٩٧]. قال الحَسَنُ: يَعْني: نَرْزُقُهُ طاعةً يَجِدُ لذَّتَها في قلبِهِ.
أهلُ التَّقوى في نعيمٍ حيثُ كانوا في الدُّنيا وفي البرزخِ وفي الآخرةِ.
العَيْشُ عَيْشُهُمُ وَالمُلْكُ مُلْكُهُمُ … ما النَّاسُ إلَّا هُمُ بانوا أوِ اقْتَرَبوا
وأمَّا أهلُ المعاصي والمعرضونَ عن اللهِ؛ فإنَّ الله يُعَجِّلُ لهُم في الدُّنيا مِن أنموذجِ عقوباتِ جهنَّمَ ما يُعْرَفُ أيضًا بالتَّجربةِ والذَّوقِ، فلا تَسْألْ عمَّا هُم فيهِ مِن ضيقِ الصَّدرِ والحرجِ والنَّكدِ، وعمَّا يُعَجَّلُ لهُم مِن عقوباتِ المعاصي في الدُّنيا ولو بعدَ حينٍ مِن زمنِ العصيانِ. وهذا مِن نفحاتِ الجحيمِ المعجَّلةِ لهُم. ثمَّ يَنْتَقِلونَ بعدَ هذهِ الدَّارِ إلى أشدَّ مِن ذلكَ وأضيقَ، ولذلكَ يَضيقُ على أحدِهِم قبرُهُ حتَّى تَخْتَلِفَ فيهِ أضلاعُهُ
стр. 695
ويُفْتَحُ لهُ بابٌ إلى النَّارِ فيَأْتيهِ مِن سَمومِها. قالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ [طه: ١٢٤]. وَرَدَ في الحديثِ المرفوعِ تفسيرُها بعذابِ القبرِ (١). ثمَّ بعدَ ذلكَ يَصيرونَ إلى جهنَّمَ وضيقِها. قالَ تَعالى: ﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا (١٣) لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾ [الفرقان: ١٣، ١٤].
[٥] وممَّا يَدُلُّ أيضًا في الدُّنيا على وجودِ النَّارِ ويُذَكِّرُ بها الحمَّى التي تُصيبُ بني آدَمَ، وهيَ نارٌ باطنةٌ. فمنها نفحةٌ مِن نفحاتِ سمومِ جهنَّمَ، ومنها لفحةٌ مِن لفحاتِ زمهريرِها.
وقد رُوِيَ في حديثٍ خَرَّجَهُ الإمامُ أحْمَدُ وابنُ ماجَهْ أنَّها حظُّ المؤمنِ مِن النَّارِ (٢).
стр. 696
والمرادُ أنَّ الحمَّى تُكَفِّرُ ذنوبَ المؤمنِ وتُنَقِّيهِ منها كما يُنَقِّي الكيرُ خبثَ الحديدِ.
وإذا طُهِّرَ المؤمنُ مِن ذنوبِهِ في الدُّنيا؛ لم يَجِدْ حرَّ النَّارِ إذا مَرَّ عليها يومَ القيامةِ؛ لأنَّ وجدانَ النَّاسِ لحرِّها عندَ المرور عليها بحسبِ ذنوبِهِم، فمَن طُهِّرَ مِن الذُّنوبِ ونُقِّيَ منها في الدُّنيا؛ جازَ على الصِّراطِ كالبرقِ الخاطفِ والرِّيحِ ولم يَجِدْ شيئًا مِن حرِّ النَّارِ ولم يُحِسَّ بها.
تَقولُ النَّارُ للمؤمنِ: جُزْ يا مؤمنُ! فقد أطْفَأ نورُكَ لهبي.
وفي حديثِ جابرٍ المرفوعِ في "مسند الإمام أحْمَد": أنَّهُم يَدْخُلونَها فتكونُ عليهِم بردًا وسلامًا كما كانَتْ على إبْراهيمَ، حتَّى إنَّ للنَّارِ ضجيجًا مِن بردِهِم (١).
стр. 697
[٤] ومِن أعظمِ ما يُذَكِّرُ بنارِ جهنَّمَ النَّارُ التي في الدُّنيا. قالَ اللهُ تَعالى: ﴿نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً﴾ [الواقعة: ٧٣]؛ يَعْني: أن نارَ الدُّنيا جَعَلَها اللهُ تذكرةً تُذَكِّرُ بنارِ الآخرةِ.
مَرَّ ابنُ مَسْعودٍ بالحدَّادينَ وقد أخْرَجوا حديدًا مِن النَّارِ فوَقَفَ يَنْظُرُ إليهِ ويَبْكي.
ورُوِيَ عنهُ أنَّهُ مَرَّ على الذينَ يَنْفُخونَ الكيرَ فسَقَطَ.
وكانَ أُوَيْسٌ يَقِفُ على الحدَّادينَ فيَنْظُرُ إليهِم كيفَ يَنْفُخونَ الكيرَ ويَسْمَعُ صوتَ النَّارِ فيَصْرُخُ ثمَّ يَسْقُطُ.
وكذلكَ الرَّبيعُ بنُ خُثَيْمٍ.
وكانَ كثيرٌ مِن السَّلفِ يَخْرُجونَ إلى الحدَّادينَ يَنْظُرونَ [إلى] ما يَصْنَعونَ بالحديدِ، فيَبْكونَ ويَتَعَوَّذونَ باللهِ مِن النَّارِ.
ورَأى عَطاءٌ السَّليمِيُّ (١) امرأةً قد سَجَرَتْ تنَّورًا فغُشِيَ عليهِ.
وقالَ الحَسَنُ: كانَ عُمَرُ ربَّما توقَدُ لهُ نارٌ، ثمَّ يُدْني يدَهُ منها، ثمَّ يَقولُ: يا ابنَ الخَطَّابِ! هل لكَ على هذا صبرٌ؟
كانَ الأحْنَفُ بنُ قَيْسٍ يَجيءُ إلى المصباحِ فيَضَعُ أصبعَهُ فيهِ ويَقولُ: حَسَّ (٢)! ثمَّ يُعاتِبُ نفسَهُ على ذنوبِهِ.
وأجَّجَ بعضُ العبَّادِ نارًا بينَ يديهِ وعاتَبَ نفسَهُ فلمْ يَزَلْ يُعاتِبُها حتَّى ماتَ.
نارُ الدُّنيا جزءٌ مِن سبعينَ جزءًا مِن نارِ جهنَّمَ، وغُسِلَتْ بالبحرِ مرَّتينِ حتَّى أشْرَقَتْ وخَفَّ حرُّها، ولولا ذلكَ ما انْتَفَعَ بها أهلُ الدُّنيا، وهيَ تَدْعو الله ألَّا يُعيدَها إليها.
стр. 698
قالَ بعضُ السَّلفِ: لو أُخْرِجَ أهلُ النَّارِ منها إلى نارِ الدُّنيا؟ لَقالوا (١) فيها ألفي عامٍ. يَعْني: أنَّهُم كانوا يَنامونَ فيها ويَرَوْنَها بردًا.
كانَ عُمَرُ ﵁ يَقولُ: أكْثِروا ذكرَ النَّارِ؛ فإنَّ حرَّها شديد، وإنَّ قعرَها بعيد، وإنَّ مقامعَها حديد.
كانَ ابنُ عُمَرَ وغيرُهُ مِن السَّلفِ إذا شَرِبوا ماءً باردًا بَكَوْا وذَكَروا أُمنيةَ أهلِ النَّارِ وأنَّهُم يَشْتَهونَ الماءَ الباردَ - وقد حيلَ بينَهُم وبينَ ما يَشْتَهونَ - وتقولونَ لأهلِ الجنَّةِ: ﴿أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٥٠]، فيَقولونَ [لهُم]: إنَّ الله حَرَّمَهُما على الكافرينَ.
والمصيبةُ العظمى حينَ تُطْبِقُ النَّارُ على أهلِها ويَيْأسونَ مِن الفرجِ، وهوَ الفزعُ الأكبرُ الذي يَأْمَنُهُ أهلُ الجنَّةِ الذينَ سَبَقَتْ لهُم منَّا الحسنى أُولئكَ عنها مبعَدونَ.
لَوْ أبْصَرَتْ عَيْناكَ أهْلَ الشَّقا … سِيقُوا إلى النَّارِ وَقَدْ أُحْرِقوا
شَرابُهُمُ المُهْلُ في قَعْرِها … إذْ خَالَفوا الرُّسْلَ وَما صَدَّقوا
تَقولُ أُخْراهُمْ لأُولاهُمُ … في لُجَجِ المُهْلِ وَقَدْ أُغْرِقوا
قَدْ كُنْتُمُ خُوِّفْتُمُ حَرَّها … لكِنْ مِنَ النِّيرانِ لَمْ تَفْرَقوا
وَجِيءَ بِالنِّيرانِ مَزْمومَةً … شَرارُها مِنْ حَوْلِها مُحْدِقُ
وَقيلَ لِلنِّيرانِ أنْ أحْرِقي … وَقيلَ لِلْخُزَّانِ أنْ أطْبِقوا
المجلس الثالث في ذكر فصل الشِّتاء
خَرَّجَ الإمامُ أحْمَدُ مِن حديثِ: أبي سَعيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁، عن النَّبيِّ ﷺ ؛ قالَ: "الشِّتاءُ ربيعُ المؤمنِ" (٢).
стр. 699
وخَرَّجَهُ البَيْهَقِيُّ وغيرُهُ وزادَ فيهِ: "طالَ ليلُهُ فقامَه، وقَصُرَ نهارُهُ فصامَه" (١).
• إنَّما كانَ الشِّتاءُ ربيعَ المؤمنِ لأنَّهُ يَرْتَعُ فيهِ في بساتينِ الطَّاعاتِ ويَسْرَحُ في ميادينِ العباداتِ ويُنَزِّهُ قلبَهُ في رياضِ الأعمالِ الميسَّرةِ فيهِ كما تَرْتَعُ البهائمُ في مرعى الرَّبيعِ فتَسْمَنُ وتَصْلُحُ أجسادُها، فكذلكَ يَصْلُحُ دينُ المؤمنِ في الشِّتاءِ بما يَسَّرَ اللهُ تَعالى فيهِ مِن الطَّاعاتِ:
• فإنَّ المؤمنَ يَقْدِرُ في الشِّتاءِ على صيامِ نهارِهِ مِن غيرِ مشقَّةٍ ولا كلفةٍ تَحْصُلُ لهُ مِن جوعٍ ولا عطشٍ؛ فإنَّ نهارَهُ قصيرٌ باردٌ، فلا يُحِسُّ فيهِ بمشقَّةِ الصِّيامِ.
وفي "المسند" و"التِّرْمِذِيِّ": عن النَّبيِّ ﷺ ؛ قالَ: "الصِّيامُ في الشِّتاءِ الغنيمةُ الباردةُ" (٢).
стр. 700
وكانَ أبو هُرَيْرَةَ يَقولُ: ألا أدُلُّكُمْ على الغنيمةِ الباردةِ؟ قالوا: بلى. فيَقولُ: الصِّيامُ في الشِّتاءِ (١).
ومعنى كونِها غنيمةً باردةً أنَّها غنيمةٌ حَصَلَتْ بغيرِ قتالٍ ولا تعبٍ ولا مشقَّةٍ، فصاحبُها يَحوزُ هذهِ الغنيمةَ عفوًا صفوًا بغيرِ كلفةٍ.
• وأمَّا قيامُ ليلِ الشِّتاءِ؛ فلطولِهِ يُمْكِنُ أنْ تَأْخُذَ النَّفسُ حظَّها مِن النَّومِ ثمَّ تَقومَ بعدَ ذلكَ إلى الصَّلاةِ، فيَقْرَأُ المصلِّي وردَهُ كلَّهُ مِن القرآنِ وقد أخَذَتْ نفسُهُ حظَّها مِن النَّومِ، فيَجْتَمعُ لهُ فيهِ نومُهُ المحتاجُ إليهِ معَ إدراكِ وردِهِ مِن القرآنِ، فيَكْمُلُ لهُ مصلحةُ دينِهِ وراحةُ بدنِهِ. ومِن كلامِ يَحْيى بن مُعاذٍ: الليلُ طويلٌ؛ فلا تُقَصِّرْهُ بمنامِك، والإسلامُ نقيٌّ فلا تُدَنِّسْهُ بآثامِك. بخلافِ ليلِ الصَّيفِ؛ فإنَّهُ لقصرِهِ وحرِّهِ يَغْلِبُ النَّومُ فيهِ فلا تكادُ تَأْخُذُ النَّفسُ حظَّها بدونِ نومِهِ كلِّهِ، فيَحْتاجُ القيامُ فيهِ إلى مجاهدةٍ، وقد لا يَتَمَكَّنُ فيهِ لقصرِهِ مِن الفراغِ مِن وردِهِ مِن القرآنِ.
ورُوِيَ عن ابن مَسْعودٍ؛ قالَ: مرحبًا بالشِّتاءِ؛ تَنْزِلُ فيهِ البركةُ، ويَطولُ فيهِ الليلُ للقيامِ، ويَقْصُرُ فيهِ النَّهارُ للصِّيامِ. ورُوِيَ عنهُ مرفوعًا ولا يَصِحُّ رفعُهُ (٢).
стр. 701
وعنِ الحَسَنِ قالَ: نِعْمَ زمانُ المؤمنِ الشِّتاءُ؛ ليلُهُ طويلٌ يَقومُه، ونهارُهُ قصيرٌ يَصومُه.
وعن عُبَيْدِ بن عُمَيْرٍ؛ أنَّهُ كانَ إذا جاءَ الشِّتاءُ قالَ: يا أهلَ القرآنِ! طالَ ليلُكُم لقراءتِكُم، وقَصُرَ النَّهارُ لصيامِكُم، فصوموا وقوموا.
لمَّا طالَ ليلُ الشِّتاءِ؛ كانَ قيامُهُ يَعْدِلُ صيامَ نهارِ الصَّيفِ. ولهذا بَكى مُعاذٌ ﵁ عندَ موتِهِ وقالَ: إنَّما أبْكي على ظمإ الهواجرِ، وقيامِ ليلِ الشِّتاءِ، ومزاحمةِ العلماءِ بالرُّكبِ عندَ حلقِ الذِّكرِ. وقالَ مِعْضَدٌ: لولا ثلاثٌ؛ ظمأُ الهواجرِ، وقيامُ ليلِ الشِّتاءِ، ولذاذةُ التَّهجُّدِ بكتابِ اللهِ؛ ما بالَيْتُ أنْ أكونَ يعسوبًا.
• القيامُ في ليلِ الشِّتاءِ يَشُقُّ على النُّفوسِ مِن وجهينِ:
• أحدُهُما: مِن جهةِ تألُّمِ النَّفسِ بالقيامِ مِن الفراشِ في شدَّةِ البردِ. قالَ داوودُ بنُ رُشَيْدٍ: قامَ بعضُ إخواني إلى وردِهِ بالليلِ في ليلةٍ شديدةِ البردِ، وكانَ عليهِ خُلْقانٌ، فضَرَبَهُ البردُ، فبَكى، فهَتَفَ بهِ هاتفٌ: أقَمْناكَ وأنَمْناهُم ثمَّ تَبْكي علينا! خَرَّجَهُ أبو نُعَيْمٍ.
• والثَّاني: بما يَحْصُلُ بإسباغِ الوضوءِ في شدَّةِ البردِ مِن التَّألُّمِ.
وإسباغُ الوضوءِ في شدَّةِ البردِ مِن أفضلِ الأعمالِ (١).
وفي "صحيح مُسْلِم" (٢): عن أبي هُرَيْرَةَ، عن النَّبيِّ ﷺ ؛ قالَ: "ألا أدُلُّكُم على ما يَمْحو اللهُ بهِ الخطايا ويَرْفَعُ بهِ الدَّرجاتِ؟ ". قالوا: بلى يا رسولَ اللهِ! قالّ: "إسباغُ الوضوءِ على المكارهِ، وكثرةُ الخطا إلى المساجدِ، وانتظارُ الصَّلاةِ بعدَ الصَّلاةِ. فذلكُمُ الرِّباطُ، فذلكُمُ الرِّباطُ".
وفي حديثِ مُعاذِ بن جَبَلٍ عن النَّبيِّ ﷺ ؛ أنَّهُ رَأى ربَّهُ (يَعْني: في المنامِ)، فقالَ لهُ: يا مُحَمَّدُ! فيمَ يَخْتَصِمُ الملأُ الأعلى؟ قالَ: "في الدَّرجاتِ والكفَّاراتِ". قالَ: "والكفَّاراتُ: إسباغُ الوضوءِ في الكريهاتِ (٣)، ونقلُ الأقدامِ إلى
стр. 702
الجمعاتِ (وفي روايةٍ: الجماعاتِ)، وانتظارُ الصَّلاةِ بعدَ الصَّلاةِ. مَن فَعَلَ ذلكَ عاشَ بخيرٍ وماتَ بخيرٍ وكانَ مِن خطيئتِهِ كيومَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ. والدَّرجاتُ: إطعامُ الطَّعامِ، وإفشاءُ السَّلامِ، والصَّلاةُ بالليلِ والنَّاسُ نيامٌ … " [وذَكَرَ] الحديثَ (١). خَرَّجَهُ الإمامُ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ. وفي بعضِ الرِّواياتِ: "إسباغُ الوضوءِ في السَّبراتِ". والسَّبرةُ: شدَّةُ البردِ.
فإسباغُ الوضوءِ في شدَّةِ البردِ مِن أعلى خصالِ الإيمانِ.
رَوى ابنُ سَعْدٍ بإسنادِهِ؛ أن عُمَرَ ﵁ وَصَّى ابنَهُ عَبْدَ اللهِ عندَ موتِهِ فقالَ لهُ: يا بنيَّ! عليكَ بخصالِ الإيمانِ. قالَ: وما هيَ؟ قالَ: الصَّومُ في شدَّةِ الحرِّ أيَّامَ الصَّيفِ، وقتلُ الأعداءِ بالسَّيفِ، والصَّبرُ على المصيبةِ، وإسباغُ الوضوءِ في اليومِ الشَّاتي، وتعجيل الصَّلاةِ في يومِ الغيمِ، وتركُ ردغةِ الخبالِ. قالَ: فقالَ: وما ردغةُ الخبالِ؟ قالَ: شربُ الخمرِ (٢).
ورَوى الأوْزاعِيُّ عن يَحْيى بن أبي كَثيرٍ؛ قالَ: ستٌّ مَن كُنَّ فيهِ فقدِ اسْتكْمَلَ الإيمانَ: قتالُ أعداءِ اللهِ بالسَّيفِ، والصِّيامُ في الصَّيفِ، وإسباغُ الوضوءِ في اليومِ الشَّاتي، والتَّبكيرُ بالصَّلاةِ في اليومِ الغيمِ، وتركُ الجدالِ والمراءِ وأنتَ تَعْلَمُ أنَّكَ صادقٌ، والصَّبرُ على المصيبةِ.
و [قد] رُوِيَ هذا مرفوعًا، خَرَّجَهُ مُحَمَّدُ بنُ نَصْرٍ المَرْوَزِيُّ في كتابِ "الصَّلاة" لهُ بإسنادٍ فيهِ ضعفٌ عن أبي سَعيدٍ الخُدْرِيِّ مرفوعًا: "ستٌّ مَن كنَّ فيهِ بَلَغَ حقيقةَ الإيمانِ: ضربُ أعداءِ اللهِ بالسَّيفِ، وابتدارُ الصَّلاةِ في اليومِ الدَّجنِ، وإسباغُ الوضوءِ عندَ المكارِهِ، والصِّيامُ في الحرِّ، وصبرٌ عندَ المصائبِ، وتركُ المراءِ وأنتَ صادقٌ" (٣).
стр. 703
وفي كتابِ "الزُّهد" للإمام أحْمَدَ: عن عَطاءِ بن يَسارٍ؛ قالَ: قالَ موسى ﵇: يا ربِّ! مَن هُم أهلُكَ الذينَ هُم أهلُكَ، تُظِلُّهُم في ظلِّ عرشِكَ؟ قالَ: همُ البريَّةُ أيديهِم، الطَّاهرةُ قلوبُهُمُ، الذينَ يَتَحابُّونَ بجلالي، الذين إذا ذُكِرْتُ ذُكِروا بي وإذا ذُكِروا ذُكِرْتُ بذكرِهِم، الذينَ يُسْبِغونَ الوضوءَ في المكارهِ، ويُنيبونَ إلى ذكري كما تُنيبُ النُّسورُ إلى أوكارِها، ويَكْلَفونَ بحبِّي كما يَكْلَفُ الصَّبيُّ بحبِّ النَّاسِ، ويَغْضَبونَ لمحارمي إذا استُحِلَّتْ كما يَغْضَبُ النَّمرُ إذا حَرِبَ.
و [قد] رُوِيَ عن داوودَ بن رُشَيْدٍ؟ قالَ: قامَ رجلٌ ليلةً باردةً لِيَتَوَضَّأ للصَّلاةِ، فأصابَ الماءَ باردًا، فبَكى، فنودِيَ: أما تَرْضى أنَّا أنَمْناهُم وأقَمْناكَ حتَّى تَبْكِيَ علينا؟ خَرَّجَهُ ابنُ السَّمْعانِيِّ.
• معالجةُ الوضوءِ في جوفِ الليلِ للتهجُّدِ موجبٌ لرضى الرَّبِّ ومباهاةِ الملائكةِ، ففي شدَّةِ البردِ يَتَأكَّدُ ذلكَ.
ففي "المسند" و"صحيح ابن حِبَّان": عن عُقْبَةَ بن عامِرٍ، عن النَّبيِّ ﷺ ؛ قالَ: "رجلانِ مِن أُمَّتي، يَقومُ أحدُهُما مِن الليلِ [فـ]ــيعالجُ نفسَهُ إلى الطَّهورِ وعليهِ عقدٌ، فيَتَوَضَّأُ، فإذا وَضَّأ يديهِ انْحَلَّتْ عقدةٌ، وإذا وَضَّأ وجهَهُ انْحَلَّتْ عقدةٌ، وإذا مَسَحَ رأْسَهُ انْحَلَّتْ عقدةٌ، وإذا وَضَّأ رجليهِ انْحَلَّتْ عقدةٌ، فيَقولُ الرَّبُّ للذيـ[ــن] وراءَ الحجابِ: انْظُروا إلى عبدي هذا يُعالجُ نفسَهُ، ما سَألَني عبدي هذا فهوَ لهُ" (١).
وفي حديثِ: عَطِيَّةَ، عن أبي سَعيدٍ، عن النَّبيِّ ﷺ ؛ قالَ: "إنَّ الله لَيَضْحَكُ إلى ثلاثةِ نفرٍ: رجلٌ قامَ مِن جوفِ الليلِ فأحْسَنَ الطُّهورَ ثمَّ صَلَّى … " (٢).
قالَ أبو سُلَيْمانَ الدَّارانِيُّ: كنتُ ليلةً باردةً في المحرابِ، فأقْلَقَنِيَ البردُ، فخَبَّأْتُ إحدى يديَّ مِن البردِ وبَقِيَتِ الأُخرى ممدودةً، فغَلَبَتْني عيني، فهَتَفَ بي هاتفٌ (٣): يا أبا
стр. 704
سُلَيْمانَ! قد وَضَعْنا في هذهِ ما أصابَها، ولو كانَتِ الأُخرى؛ لَوَضَعْنا فيها. [قالَ]: فآلَيْتُ على نفسي ألَّا أدْعُوَ إلَّا ويدايَ خارجتانِ حرًّا كانَ أو بردًا.
وقالَ مالِكٌ: كانَ صَفْوانُ بنُ سُلَيْمٍ يُصَلِّي (يَعْني: بالليلِ) في الشِّتاءِ في السَّطحِ وفي الصَّيفِ في بطنِ البيتِ؛ يَتيَقَّظُ بالحرِّ والبردِ حتَّى يُصْبِحَ، ثمَّ يَقولُ: هذا الجهدُ مِن صفوانَ، وأنتَ أعلمُ بهِ! وإنَّهُ لَتَرِمُ رجلاهُ حتَّى يَعودَ مثلَ السِّقطِ مِن قيامِ الليلِ ويَظْهَرُ فيهِما عروقٌ خضرٌ.
وكانَ صفوانُ وغيرُهُ مِن العبَّادِ يُصَلُّونَ في الشِّتاءِ بالليلِ في ثوبٍ واحدٍ لِيَمْنَعَهُمُ البردُ مِن النَّومِ.
ومنهُم مَن كانَ إذا نَعَسَ ألْقى نفسَهُ في الماءِ ويَقولُ: هذا أهونُ مِن صديدِ جهنَّمَ (١).
كانَ عَطاءٌ الخُراسانِيُّ يُنادي أصحابَهُ بالليلِ: يا فلانُ! يا فلانُ! يا فلانُ! قوموا تَوَضَّؤوا وصَلُّوا، فقيامُ هذا الليلِ وصيامُ هذا النَّهارِ أهونُ مِن شربِ الصَّديدِ ومقطَّعاتِ الحديدِ غدًا في النَّارِ. الوَحا الوَحا (٢)! النَّجاءَ النَّجاءَ!
وكانَ قومٌ مِن العبَّادِ يَبيتونَ في مسجدٍ، [وكانوا] يَتَهَجَّدونَ بالليلِ، فاسْتَيْقَظَ واحدٌ منهُم ليلةً، فوَجَدَ إخوانَهُ نيامًا، فسَمعَ هاتفًا يَهْتِفُ مِن جانبِ المسجدِ:
أيا عَجَبًا لِلنَّاسِ قَرَّتْ عُيونَهُمْ … مَطاعِمُ غَمْضٍ بَعْدَها المَوْتُ مُنْتَصِبْ
وطولُ قيامِ الليلِ أيْسَرُ مُؤْنَةً … وَأهْوَنُ مِن نارٍ تَفورُ وتَلْتَهِبْ
وفي الحديثِ الصَّحيحِ: أن ابنَ عُمَرَ رَأى في منامِهِ كأنَّ آتيًا أتاهُ فانْطَلَقَ بهِ إلى النَّارِ حتَّى رَآها، ورَأى فيها رجالًا يَعْرِفُهُم معلَّقينَ بالسَّلاسلِ، فأتاهُ ملكٌ فقالَ لهُ: لمْ تُرَعْ، لستَ مِن أهلِها. فقَصَّ ذلكَ على أُختِهِ حَفْصَةَ. فقَصَّتْهُ حَفْصَةُ على رسولِ اللهِ
стр. 705
- ﷺ ، فقالَ: "نِعْمَ الرَّجلُ عَبْدُ اللهِ لو كانَ يُصَلِّي مِن الليلِ". فكانَ ابنُ عُمَرَ بعدَ ذلكَ لا يَنامُ مِن الليلِ إلَّا قليلًا (١).
قالَ الحَسَنُ: أفضلُ العبادةِ الصَّلاةُ في جوفِ الليلِ.
وقالَ: هوَ أقربُ ما يُتَقَرَّبُ بهِ إلى اللهِ تَعالى، وما وَجَدْتُ في العبادةِ أشدَّ منها.
ورُئِيَ سَلَمَةُ بنُ كُهَيْلٍ في النَّومِ فقالَ: وَجَدْتُ أفضلَ الأعمالِ قيامَ الليلِ، ما عندَهُم أشرفُ منهُ.
ورَأى بعضُ السَّلفِ خيامًا ضُرِبَتْ، فسَألَ: لمَن هيَ؟ فقيلَ: للمتهجِّدينَ بالقرآنِ، فكانَ بعدَ ذلكَ لا يَنامُ.
فَما لي بَعيدَ الدَّارِ لا أقْرَبُ الحِمى … وَقَدْ نُصِبَتْ لِلسَّائِرينَ خِيامُ
عَلامَةُ طَرْدي طولُ لَيْلِيَ نائِمٌ … وَغَيْري يَرى أن المَنامَ حَرامُ
• ومِن الصَّالحينَ مَن كانَ يُلْطَفُ بهِ في الحرِّ والبردِ.
كما دَعا النَّبيُّ ﷺ لعَلِيٍّ ﵁ أنْ يُذْهِبَ [الله] عنهُ الحرَّ والبردَ، فكانَ يَلْبَسُ في الشِّتاءِ ثيابَ الصَّيفِ وفي الصَّيفِ ثيابَ الشِّتاءِ ولا يَجِدُ حرًّا ولا بردًا (٢).