وعنِ الحَسَنِ قالَ: نِعْمَ زمانُ المؤمنِ الشِّتاءُ؛ ليلُهُ طويلٌ يَقومُه، ونهارُهُ قصيرٌ يَصومُه.
وعن عُبَيْدِ بن عُمَيْرٍ؛ أنَّهُ كانَ إذا جاءَ الشِّتاءُ قالَ: يا أهلَ القرآنِ! طالَ ليلُكُم لقراءتِكُم، وقَصُرَ النَّهارُ لصيامِكُم، فصوموا وقوموا.
لمَّا طالَ ليلُ الشِّتاءِ؛ كانَ قيامُهُ يَعْدِلُ صيامَ نهارِ الصَّيفِ. ولهذا بَكى مُعاذٌ ﵁ عندَ موتِهِ وقالَ: إنَّما أبْكي على ظمإ الهواجرِ، وقيامِ ليلِ الشِّتاءِ، ومزاحمةِ العلماءِ بالرُّكبِ عندَ حلقِ الذِّكرِ. وقالَ مِعْضَدٌ: لولا ثلاثٌ؛ ظمأُ الهواجرِ، وقيامُ ليلِ الشِّتاءِ، ولذاذةُ التَّهجُّدِ بكتابِ اللهِ؛ ما بالَيْتُ أنْ أكونَ يعسوبًا.
• القيامُ في ليلِ الشِّتاءِ يَشُقُّ على النُّفوسِ مِن وجهينِ:
• أحدُهُما: مِن جهةِ تألُّمِ النَّفسِ بالقيامِ مِن الفراشِ في شدَّةِ البردِ. قالَ داوودُ بنُ رُشَيْدٍ: قامَ بعضُ إخواني إلى وردِهِ بالليلِ في ليلةٍ شديدةِ البردِ، وكانَ عليهِ خُلْقانٌ، فضَرَبَهُ البردُ، فبَكى، فهَتَفَ بهِ هاتفٌ: أقَمْناكَ وأنَمْناهُم ثمَّ تَبْكي علينا! خَرَّجَهُ أبو نُعَيْمٍ.
• والثَّاني: بما يَحْصُلُ بإسباغِ الوضوءِ في شدَّةِ البردِ مِن التَّألُّمِ.
وإسباغُ الوضوءِ في شدَّةِ البردِ مِن أفضلِ الأعمالِ (١).
وفي "صحيح مُسْلِم" (٢): عن أبي هُرَيْرَةَ، عن النَّبيِّ ﷺ ؛ قالَ: "ألا أدُلُّكُم على ما يَمْحو اللهُ بهِ الخطايا ويَرْفَعُ بهِ الدَّرجاتِ؟ ". قالوا: بلى يا رسولَ اللهِ! قالّ: "إسباغُ الوضوءِ على المكارهِ، وكثرةُ الخطا إلى المساجدِ، وانتظارُ الصَّلاةِ بعدَ الصَّلاةِ. فذلكُمُ الرِّباطُ، فذلكُمُ الرِّباطُ".
وفي حديثِ مُعاذِ بن جَبَلٍ عن النَّبيِّ ﷺ ؛ أنَّهُ رَأى ربَّهُ (يَعْني: في المنامِ)، فقالَ لهُ: يا مُحَمَّدُ! فيمَ يَخْتَصِمُ الملأُ الأعلى؟ قالَ: "في الدَّرجاتِ والكفَّاراتِ". قالَ: "والكفَّاراتُ: إسباغُ الوضوءِ في الكريهاتِ (٣)، ونقلُ الأقدامِ إلى
стр. 702
الجمعاتِ (وفي روايةٍ: الجماعاتِ)، وانتظارُ الصَّلاةِ بعدَ الصَّلاةِ. مَن فَعَلَ ذلكَ عاشَ بخيرٍ وماتَ بخيرٍ وكانَ مِن خطيئتِهِ كيومَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ. والدَّرجاتُ: إطعامُ الطَّعامِ، وإفشاءُ السَّلامِ، والصَّلاةُ بالليلِ والنَّاسُ نيامٌ … " [وذَكَرَ] الحديثَ (١). خَرَّجَهُ الإمامُ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ. وفي بعضِ الرِّواياتِ: "إسباغُ الوضوءِ في السَّبراتِ". والسَّبرةُ: شدَّةُ البردِ.
فإسباغُ الوضوءِ في شدَّةِ البردِ مِن أعلى خصالِ الإيمانِ.
رَوى ابنُ سَعْدٍ بإسنادِهِ؛ أن عُمَرَ ﵁ وَصَّى ابنَهُ عَبْدَ اللهِ عندَ موتِهِ فقالَ لهُ: يا بنيَّ! عليكَ بخصالِ الإيمانِ. قالَ: وما هيَ؟ قالَ: الصَّومُ في شدَّةِ الحرِّ أيَّامَ الصَّيفِ، وقتلُ الأعداءِ بالسَّيفِ، والصَّبرُ على المصيبةِ، وإسباغُ الوضوءِ في اليومِ الشَّاتي، وتعجيل الصَّلاةِ في يومِ الغيمِ، وتركُ ردغةِ الخبالِ. قالَ: فقالَ: وما ردغةُ الخبالِ؟ قالَ: شربُ الخمرِ (٢).
ورَوى الأوْزاعِيُّ عن يَحْيى بن أبي كَثيرٍ؛ قالَ: ستٌّ مَن كُنَّ فيهِ فقدِ اسْتكْمَلَ الإيمانَ: قتالُ أعداءِ اللهِ بالسَّيفِ، والصِّيامُ في الصَّيفِ، وإسباغُ الوضوءِ في اليومِ الشَّاتي، والتَّبكيرُ بالصَّلاةِ في اليومِ الغيمِ، وتركُ الجدالِ والمراءِ وأنتَ تَعْلَمُ أنَّكَ صادقٌ، والصَّبرُ على المصيبةِ.
و [قد] رُوِيَ هذا مرفوعًا، خَرَّجَهُ مُحَمَّدُ بنُ نَصْرٍ المَرْوَزِيُّ في كتابِ "الصَّلاة" لهُ بإسنادٍ فيهِ ضعفٌ عن أبي سَعيدٍ الخُدْرِيِّ مرفوعًا: "ستٌّ مَن كنَّ فيهِ بَلَغَ حقيقةَ الإيمانِ: ضربُ أعداءِ اللهِ بالسَّيفِ، وابتدارُ الصَّلاةِ في اليومِ الدَّجنِ، وإسباغُ الوضوءِ عندَ المكارِهِ، والصِّيامُ في الحرِّ، وصبرٌ عندَ المصائبِ، وتركُ المراءِ وأنتَ صادقٌ" (٣).
стр. 703
وفي كتابِ "الزُّهد" للإمام أحْمَدَ: عن عَطاءِ بن يَسارٍ؛ قالَ: قالَ موسى ﵇: يا ربِّ! مَن هُم أهلُكَ الذينَ هُم أهلُكَ، تُظِلُّهُم في ظلِّ عرشِكَ؟ قالَ: همُ البريَّةُ أيديهِم، الطَّاهرةُ قلوبُهُمُ، الذينَ يَتَحابُّونَ بجلالي، الذين إذا ذُكِرْتُ ذُكِروا بي وإذا ذُكِروا ذُكِرْتُ بذكرِهِم، الذينَ يُسْبِغونَ الوضوءَ في المكارهِ، ويُنيبونَ إلى ذكري كما تُنيبُ النُّسورُ إلى أوكارِها، ويَكْلَفونَ بحبِّي كما يَكْلَفُ الصَّبيُّ بحبِّ النَّاسِ، ويَغْضَبونَ لمحارمي إذا استُحِلَّتْ كما يَغْضَبُ النَّمرُ إذا حَرِبَ.
و [قد] رُوِيَ عن داوودَ بن رُشَيْدٍ؟ قالَ: قامَ رجلٌ ليلةً باردةً لِيَتَوَضَّأ للصَّلاةِ، فأصابَ الماءَ باردًا، فبَكى، فنودِيَ: أما تَرْضى أنَّا أنَمْناهُم وأقَمْناكَ حتَّى تَبْكِيَ علينا؟ خَرَّجَهُ ابنُ السَّمْعانِيِّ.
• معالجةُ الوضوءِ في جوفِ الليلِ للتهجُّدِ موجبٌ لرضى الرَّبِّ ومباهاةِ الملائكةِ، ففي شدَّةِ البردِ يَتَأكَّدُ ذلكَ.
ففي "المسند" و"صحيح ابن حِبَّان": عن عُقْبَةَ بن عامِرٍ، عن النَّبيِّ ﷺ ؛ قالَ: "رجلانِ مِن أُمَّتي، يَقومُ أحدُهُما مِن الليلِ [فـ]ــيعالجُ نفسَهُ إلى الطَّهورِ وعليهِ عقدٌ، فيَتَوَضَّأُ، فإذا وَضَّأ يديهِ انْحَلَّتْ عقدةٌ، وإذا وَضَّأ وجهَهُ انْحَلَّتْ عقدةٌ، وإذا مَسَحَ رأْسَهُ انْحَلَّتْ عقدةٌ، وإذا وَضَّأ رجليهِ انْحَلَّتْ عقدةٌ، فيَقولُ الرَّبُّ للذيـ[ــن] وراءَ الحجابِ: انْظُروا إلى عبدي هذا يُعالجُ نفسَهُ، ما سَألَني عبدي هذا فهوَ لهُ" (١).
وفي حديثِ: عَطِيَّةَ، عن أبي سَعيدٍ، عن النَّبيِّ ﷺ ؛ قالَ: "إنَّ الله لَيَضْحَكُ إلى ثلاثةِ نفرٍ: رجلٌ قامَ مِن جوفِ الليلِ فأحْسَنَ الطُّهورَ ثمَّ صَلَّى … " (٢).
قالَ أبو سُلَيْمانَ الدَّارانِيُّ: كنتُ ليلةً باردةً في المحرابِ، فأقْلَقَنِيَ البردُ، فخَبَّأْتُ إحدى يديَّ مِن البردِ وبَقِيَتِ الأُخرى ممدودةً، فغَلَبَتْني عيني، فهَتَفَ بي هاتفٌ (٣): يا أبا
стр. 704
سُلَيْمانَ! قد وَضَعْنا في هذهِ ما أصابَها، ولو كانَتِ الأُخرى؛ لَوَضَعْنا فيها. [قالَ]: فآلَيْتُ على نفسي ألَّا أدْعُوَ إلَّا ويدايَ خارجتانِ حرًّا كانَ أو بردًا.
وقالَ مالِكٌ: كانَ صَفْوانُ بنُ سُلَيْمٍ يُصَلِّي (يَعْني: بالليلِ) في الشِّتاءِ في السَّطحِ وفي الصَّيفِ في بطنِ البيتِ؛ يَتيَقَّظُ بالحرِّ والبردِ حتَّى يُصْبِحَ، ثمَّ يَقولُ: هذا الجهدُ مِن صفوانَ، وأنتَ أعلمُ بهِ! وإنَّهُ لَتَرِمُ رجلاهُ حتَّى يَعودَ مثلَ السِّقطِ مِن قيامِ الليلِ ويَظْهَرُ فيهِما عروقٌ خضرٌ.
وكانَ صفوانُ وغيرُهُ مِن العبَّادِ يُصَلُّونَ في الشِّتاءِ بالليلِ في ثوبٍ واحدٍ لِيَمْنَعَهُمُ البردُ مِن النَّومِ.
ومنهُم مَن كانَ إذا نَعَسَ ألْقى نفسَهُ في الماءِ ويَقولُ: هذا أهونُ مِن صديدِ جهنَّمَ (١).
كانَ عَطاءٌ الخُراسانِيُّ يُنادي أصحابَهُ بالليلِ: يا فلانُ! يا فلانُ! يا فلانُ! قوموا تَوَضَّؤوا وصَلُّوا، فقيامُ هذا الليلِ وصيامُ هذا النَّهارِ أهونُ مِن شربِ الصَّديدِ ومقطَّعاتِ الحديدِ غدًا في النَّارِ. الوَحا الوَحا (٢)! النَّجاءَ النَّجاءَ!
وكانَ قومٌ مِن العبَّادِ يَبيتونَ في مسجدٍ، [وكانوا] يَتَهَجَّدونَ بالليلِ، فاسْتَيْقَظَ واحدٌ منهُم ليلةً، فوَجَدَ إخوانَهُ نيامًا، فسَمعَ هاتفًا يَهْتِفُ مِن جانبِ المسجدِ:
أيا عَجَبًا لِلنَّاسِ قَرَّتْ عُيونَهُمْ … مَطاعِمُ غَمْضٍ بَعْدَها المَوْتُ مُنْتَصِبْ
وطولُ قيامِ الليلِ أيْسَرُ مُؤْنَةً … وَأهْوَنُ مِن نارٍ تَفورُ وتَلْتَهِبْ
وفي الحديثِ الصَّحيحِ: أن ابنَ عُمَرَ رَأى في منامِهِ كأنَّ آتيًا أتاهُ فانْطَلَقَ بهِ إلى النَّارِ حتَّى رَآها، ورَأى فيها رجالًا يَعْرِفُهُم معلَّقينَ بالسَّلاسلِ، فأتاهُ ملكٌ فقالَ لهُ: لمْ تُرَعْ، لستَ مِن أهلِها. فقَصَّ ذلكَ على أُختِهِ حَفْصَةَ. فقَصَّتْهُ حَفْصَةُ على رسولِ اللهِ
стр. 705
- ﷺ ، فقالَ: "نِعْمَ الرَّجلُ عَبْدُ اللهِ لو كانَ يُصَلِّي مِن الليلِ". فكانَ ابنُ عُمَرَ بعدَ ذلكَ لا يَنامُ مِن الليلِ إلَّا قليلًا (١).
قالَ الحَسَنُ: أفضلُ العبادةِ الصَّلاةُ في جوفِ الليلِ.
وقالَ: هوَ أقربُ ما يُتَقَرَّبُ بهِ إلى اللهِ تَعالى، وما وَجَدْتُ في العبادةِ أشدَّ منها.
ورُئِيَ سَلَمَةُ بنُ كُهَيْلٍ في النَّومِ فقالَ: وَجَدْتُ أفضلَ الأعمالِ قيامَ الليلِ، ما عندَهُم أشرفُ منهُ.
ورَأى بعضُ السَّلفِ خيامًا ضُرِبَتْ، فسَألَ: لمَن هيَ؟ فقيلَ: للمتهجِّدينَ بالقرآنِ، فكانَ بعدَ ذلكَ لا يَنامُ.
فَما لي بَعيدَ الدَّارِ لا أقْرَبُ الحِمى … وَقَدْ نُصِبَتْ لِلسَّائِرينَ خِيامُ
عَلامَةُ طَرْدي طولُ لَيْلِيَ نائِمٌ … وَغَيْري يَرى أن المَنامَ حَرامُ
• ومِن الصَّالحينَ مَن كانَ يُلْطَفُ بهِ في الحرِّ والبردِ.
كما دَعا النَّبيُّ ﷺ لعَلِيٍّ ﵁ أنْ يُذْهِبَ [الله] عنهُ الحرَّ والبردَ، فكانَ يَلْبَسُ في الشِّتاءِ ثيابَ الصَّيفِ وفي الصَّيفِ ثيابَ الشِّتاءِ ولا يَجِدُ حرًّا ولا بردًا (٢).
стр. 706
وكانَ بعضُ التَّابعينَ يَشْتَدُّ عليهِ الطُّهورُ في الشِّتاءِ، فدَعا الله ، فكانَ يُؤْتى بالماءِ في الشِّتاءِ ولهُ بخارٌ مِن حرِّهِ.
رَأى أبو سُلَيْمانَ في طريقِ الحجِّ في شدَّةِ البردِ شيخًا عليهِ أخلاقٌ وهوَ يَرْشَحُ عرقًا، فعَجِبَ منهُ وسَألَهُ عن حالِهِ، فقالَ: إنَّما الحرُّ والبردُ خلقانِ للهِ؛ فإنْ أمَرَهُما أنْ يَغْشَياني أصاباني، وإنْ أمَرَهُما أنْ يَتْرُكاني تَرَكاني. وقالَ: أنا في هذهِ [البرِّيَّةِ] مِن ثلاثينَ سنةً؛ يُلْبِسُني في البردِ فيحًا مِن محبَّتِهِ، ويُلْبِسُني في الصَّيفِ بردًا مِن محبَّتِهِ.
وقيلَ لآخرَ وعليهِ خرقتانِ في يومِ بردٍ شديدٍ: لوِ اسْتَتَرْتَ في موضعٍ يُكِنُّكَ مِن البردِ. فأنْشَدَ:
وَيَحْسُنُ ظَنِّي أنَّني في فِنائِهِ … وَهَلْ أحَدٌ كِنِّهِ يَجِدُ البَرْدا (١)
• وأمَّا مَن يَجِدُ البردَ - وهُم عامَّةُ الخلقِ -؛ فإنَّهُ يُشْرَعُ لهُم دفعُ أذاهُ بما يَدْفَعُهُ مِن لباسٍ وغيرِهِ.
وقدِ امْتَنَّ اللهُ على عبادِهِ بأنْ خَلَقَ لهُم مِن أصوافِ بهيمةِ الأنعامِ وأوبارِها وأشعارِها ما فيهِ دفءٌ لا لهُم:
قالَ تَعالى: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ [النحل: ٥].
وقال تَعالى: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ [النحل: ٨٠].
رَوى: ابنُ المُبارَكِ، عن صَفْوانَ بن عَمْرٍو، عن سُلَيْمِ بن عامِرٍ (٢)؛ قالَ: كانَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ إذا حَضَرَ الشِّتاءُ تَعاهَدَهُم وكتَبَ إليهِم بالوصيَّةِ: إنَّ الشِّتاءَ قد حَضَرَ، وهوَ عدوٌّ، فتَأَهَّبوا لهُ أُهْبَتَهُ مِن الصُّوفِ والخفافِ والجواربِ، واتَّخِذوا الصُّوفَ شعارًا
стр. 707
ودثارًا؛ فإنَّ البردَ عدوٌّ، سريعٌ دخولُهُ، بعيدٌ خروجُهُ.
وإنَّما كانَ يَكْتُبُ بذلكَ عُمَرُ إلى أهلِ الشَّامِ لمَّا فُتِحَتْ في زمنِهِ، فكانَ يَخْشى على مَن بها مِن الصَّحابةِ وغيرِهِم ممَّن لمْ يَكُنْ لهُ عهدٌ بالبردِ أنْ يَتَأذَّى ببردِ الشَّامِ، وذلكَ مِن تمامِ نصيحتِهِ وحسنِ نظرِهِ وشفقتِهِ وحياطتِهِ لرعيَّتِهِ ﵁.
ورُوِيَ عن كَعْبٍ؛ قالَ: أوْحى اللهُ إلى داوودَ ﵇: أنْ تأهَّبْ لعدوٍّ قد أظَلَّكَ. قالَ: يا ربِّ! مَن عدوِّي، وليسَ بحضرتي عدوٌّ؟ قالَ: بلى؛ الشِّتاءُ.
وليس المشروعُ أنْ (١) يَتَّقِيَ البردَ حتَّى لا يُصيبَهُ [منهُ] (٢) شيءٌ بالكلِّيَّةِ؛ فإنَّ ذلكَ يَضرُّ أيضًا. وقد كانَ بعضُ الأُمراءِ يَصونُ نفسَهُ من البردِ والحرِّ بالكلِّيَّةِ حتَّى لا يُحِسَّ بهِما بدنُهُ، فتَلِفَ باطنُهُ وتُعُجِّلَ موتُهُ. فإنَّ الله بحكمتِهِ جَعَلَ الحرَّ والبردَ في الدُّنيا لمصالحِ عبادِهِ، فالحرُّ لتحلُّلِ الأخلاطِ والبردُ لجمودِها، فمتى لم يُصِبِ الأبدانَ شيءٌ مِن الحرِّ والبردِ؛ تَعَجَّلَ فسادُها، ولكنِ المأْمورُ بهِ اتِّقاءُ ما يُؤْذي البدنَ مِن ذلكَ؛ فإنَّ الحرَّ المؤذيَ والبردَ المؤذيَ معدودانِ مِن جملةِ أعداءِ بني آدَمَ.
قيلَ لأبي حازِمٍ الزَّاهدِ: إنَّكَ لَتُشَدِّدُ (يَعْني: في العبادةِ)! فقالَ: وكيفَ لا أُشَدِّدُ وقد تَرَصَّدَ لي أربعةَ عشرَ عدوًّا؟! قيلَ: لكَ خاصَّةً؟ قالَ: بل لجميعِ مَن يَعْقِلُ. قيلَ لهُ: وما هذهِ الأعداءُ؟ قالَ: أمَّا أربعةٌ؛ فمؤمنٌ يَحْسُدُني ومنافقٌ يُبْغِضُني وكافرٌ يُقاتِلُني وشيطانٌ يُغْويني ويُضِلُّني، وأمَّا العشرةُ؛ فالجوعُ والعطشُ والحرُّ والبردُ والعريُ والمرضُ والفاقةُ والهرمُ والموتُ والنَّارُ، ولا أُطيقُهُنَّ إلَّا بسلاحٍ تامٍّ، ولا أجِدُ لهنَّ سلاحًا أفضلَ مِن التَّقوى. فعَدَّ الحرَّ والبردَ مِن جملةِ أعدائِهِ.
وقالَ الأصْمَعِيُّ: كانتِ العربُ تُسَمِّي الشِّتاءَ الفاضحَ. فقيلَ لامرأةٍ منهُم: أيُّما أشدُّ عليكُـ[ــمُ]؛ القيظُ أمِ القرُّ؟ قالَـ[ــتْ]: سبحانَ اللهِ! مَن جَعَلَ البأْسَ كالأذى؟! فجَعَلْتِ الشِّتاءَ بأْسًا والقيظ أذًى (٣).
стр. 708
قالَ بعضُ السَّلفِ: إنَّ الله وَصَفَ الجنَّةَ بصفةِ الصَّيفِ لا بصفةِ الشِّتاءِ، ققالَ تَعالى: ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ. وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ. وَظِلٍّ مَمْدُودٍ. وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ. وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ﴾ [الواقعة: ٢٨ - ٣٢].
وقالَ اللهُ تَعالى في صفةِ أهلِ الجنَّةِ: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا﴾ [الإنسان: ١٣]؛ فنَفى عنهُم شدَّةَ الحرِّ والبردِ. قالَ قَتادَةُ: عَلِمَ اللهُ أن شدَّةَ الحرِّ تُؤْذي وشدَّةَ البردِ تُؤْذي، فوَقاهُم أذاهُما جميعًا.
وقالَ أبو عَمْرِو بنُ العَلاءِ: إنِّي لأُبْغِضُ الشِّتاءَ لنقصِ الفروضِ وذهابِ الحقوقِ وزيادةِ الكلفةِ على الفقراءِ.
وقد رُوِيَ في حديثٍ مرفوعٍ: "إنَّ الملائكةَ تَفْرَحُ بذهابِ الشِّتاءِ لِما يَدْخُلُ فيهِ على فقراءِ المؤمنينَ مِن الشِّدَّةِ" (١). ولكنْ لا يَصِحُّ إسنادُهُ.
ورُوِيَ أيضًا مرفوعًا: "خيرُ صيفِكُم أشدُّهُ حرًّا، وخيرُ شتائِكُم أشدُّهُ بردًا، وإنَّ الملائكةَ لَتَبْكي في الشِّتاءِ رحمةً لبني آدمَ" (٢). وإسنادُهُ أيضًا باطلٌ.
وقالَ بعضُ السَّلفِ: البردُ عدوُّ الدِّينِ. يُشيرُ إلى أنَّهُ يُفَتِّرُ عن كثيرٍ مِن الأعمالِ ويُثَبِّطُ عنها، فتَكْسَلُ النُّفوسُ بذلكَ.
وقالَ بعضُهُم: خُلِقَتِ القلوبُ مِن طينٍ، فهيَ تَلينُ في الشِّتاءِ كما يَلينُ الطِّينُ فيهِ.
стр. 709
قالَ الحَسَنُ: الشِّتاءُ ذكرٌ فيهِ اللقاحُ، والصَّيفُ أُنثى فيهِ النَّتاجُ. يُشيرُ إلى أن الصَّيفَ تُنْتَجُ فيهِ المواشي والشَّجرُ.
والصَّيفُ عندَ العرب هوَ الرَّبيعُ، وأمَّا الذي تُسَمِّيهِ النَّاسُ الصَّيفَ؛ فالعربُ تُسَمِّيهِ القيظَ. ففي الشِّتاءِ تَغورُ (١) الحرارةُ إلى باطنِ الشَّجرِ فتَنْعَقِدُ موادُّ الثَّمرِ فتَظْهَرُ في الرَّبيعِ مباديها فتُزْهِرُ الشَّجرُ ثمَّ تورِقُ، ثمَّ إذا ظَهَرَتِ الثِّمارُ قَوِيَ حرُّ الشَّمسِ لإنضاجِها.
• الإيثارُ في الشِّتاءِ للفقراءِ (٢) بما يَدْفَعُ عنهُمُ البردَ لهُ فضلٌ عظيمٌ.
خَرَجَ صَفْوانُ بنُ سُلَيْمٍ في ليلةٍ باردةٍ بالمدينةِ مِن المسجدِ، فرَأي رجلًا عاريًا، فنَزَعَ ثوبَهُ وكَساهُ إيَّاهُ، فرَأى بعضُ أهلِ الشَّامِ في منامِهِ أن صَفْوانَ بنَ سُلَيْمٍ دَخَلَ الجنَّةَ بقميصٍ كَساهُ، فقَدِمَ المدينةَ فقالَ: دُلُّوني على صَفْوانَ، فأتاهُ فقَصَّ عليهِ ما رَأى.
رأى مِسْعَرٌ أعرابيًّا يَتَشَرَّقُ (٣) في الشَّمسِ وهوَ يَقولُ:
جاءَ الشِّتاءُ وَلَيْسَ عِنْدِيَ دِرْهَمٌ … وَلَقَدْ يُخَصُّ بِمِثْلِ ذاكَ المُسْلِمُ
قَدْ قَطَّعَ النَّاسُ الجِبابَ وَغَيْرَها … وَكَأنَّني بِفِناءِ مَكَّةَ مُحْرِمُ
فنَزَعَ مِسْعَرٌ جبَّتَهُ فألْبَسَهُ إيَّاها.
رُفعَ إلى بعضِ الوزراءِ الصَّالحينَ أن امرأةً معَها أربعةُ أطفالٍ أيتامٍ وهُم عراةٌ جياعٌ، فأمَرَ رجلًا أنْ يَمْضِيَ إليهِم ويَحْمِلَ معَهُ ما يُصْلِحُهُم مِن كسوةٍ وطعامٍ، ثمَّ نَزَعَ ثيابَهُ وحَلَفَ: لا لَبِسْتُها ولا دَفِيتُ حتَّى تَعودَ وتُخْبِرَني أنَّكَ كَسَوْتَهُم وأشْبَعْتَهُم. فمَضى وعادَ وأخْبَرَهُ أنَّهُمُ اكْتَسَوْا وشَبِعوا وهوَ يَرْعُدُ مِن البردِ، فلَبِسَ حينئذٍ ثيابَهُ.
خَرَّجَ التَرْمِذِيُّ مِن حديثِ أبي سَعيدٍ مرفوعًا: "مَن أطْعَمَ مؤمنًا على جوعٍ؛ أطْعَمَهُ اللهُ يومَ القيامةِ مِن ثمارِ الجنَّةِ، ومَن سَقاهُ على ظمإ؛ سَقاهُ اللهُ يومَ القيامةِ مِن الرَّحيقِ
стр. 710
المختومِ، ومَن كَساهُ على عريٍ؛ كَساهُ اللهُ مِن خضرِ الجنَّةِ" (١).
ورَوى ابنُ أبي الدُّنيا بإسنادِهِ عن ابن مَسْعودٍ؛ قالَ: يُحْشَرُ النَّاسُ يومَ القيامةِ أعرى ما كانوا قطُّ وأجوعَ ما كانوا قطُّ وأظمأ ما كانوا قطُّ: فمَن كَسا للهِ كَساهُ اللهُ، ومَن أطْعَمَ للهِ أطْعَمَهُ اللهُ، ومَن سَقى للهِ سَقاهُ اللهُ، ومَن عَفا للهِ عفا اللهُ عنهُ" (٢).
стр. 711
• ومِن فضائلِ الشِّتاءِ أنَّهُ يُذَكِّرُ بزمهريرِ جهنَّمَ ويوجِبُ الاستعاذةَ منها.
وفي حديثِ أبي هُرَيْرَةَ وأبي سَعيدٍ: عن النَّبيِّ ﷺ ؛ قالَ: "إذا [كانَ] يومٌ شديدُ البردِ، فإذا قالَ العبدُ: لا إلهَ إلَّا اللهُ، ما أشدَّ بردَ هذا اليومِ! اللهمَّ أجِرْني مِن زمهريرِ جهنَّمَ. قالَ اللهُ تَعالى لجهنَّمَ: إنَّ عبدًا مِن عبادي اسْتَجارَ بي مِن زمهريرِكِ، وإنِّي أُشْهِدُكِ أنِّي قد أجَرْتُهُ". قالوا: وما زمهريرُ جهنَّمَ؟ قالَ: "بيتٌ يُلْقى فيهِ الكافرُ فيَتَمَيَّزُ مِن شدَّةِ بردِهِ" (١).
قامَ زُبَيْدٌ اليامِيُّ ذاتَ ليلةٍ للتَّهجُّدِ، فعَمَدَ إلى مطهرةٍ لهُ كانَ يَتَوَضَّأُ منها، فغَمَسَ يدَهُ في المطهرةِ، فوَجَدَ الماءَ باردًا شديدًا كادَ أنْ يَجْمُدَ مِن شدَّةِ البردِ، فذَكَرَ الزَّمهريرَ ويدُهُ في المطهرةِ، فلمْ يُخْرِجْها حتَّى أصبحَ. فجاءَتْ جاريتُهُ وهوَ على تلكَ الحالِ، فقالَتْ: ما شأْنُك يا سيِّدي لم تُصَلِّ الليلةَ كما كُنْتَ تُصَلِّي وأنتَ قاعدٌ هنا على هذهِ الحالةِ؟ قالَ: ويحكِ! إنِّي أدْخَلْتُ يدي في هذهِ المطهرةِ، فاشْتَدَّ عليَّ بردُ الماءِ، فذَكَرْتُ بهِ الزَّمهريرَ، فواللهِ؟ ما شَعَرْتُ بشدَّةِ بردِهِ حتَّى وَقَفْتِ عليَّ، فانْظُري لا تُحَدِّثي بهذا أحدًا ما دمتُ حيًّا. فما عَلِمَ بذلكَ أحدٌ حتَّى ماتَ.
وفي الحديثِ الصَّحيحِ: عن النَّبيِّ ﷺ : "إن لجهنَّمَ نفسينِ؛ نفسًا في الشِّتاءِ ونفسًا في الصَّيفِ. فأشدُّ ما تَجِدونَ مِن البردِ مِن زمهريرِها، وأشدُّ ما تَجِدونَ مِن الحرِّ مِن سمومِها" (٢).
[و] رُوِيَ عن أبنِ عَبَّاسٍ؛ قالَ: يَسْتَغيثُ أهلُ النَّارِ مِن الحرِّ، فيُغاثونَ بريحٍ باردةٍ يُصَدِّعُ العظامَ بردُها، فيَسْألونَ الحرَّ.
وعن مُجاهِدٍ؛ قالَ: يَهْرُبونَ إلى الزَّمهريرِ، فإذا وَقَعوا فيهِ؛ حَطَمَ عظامَهُم حتَّى يُسْمَعَ لها نقيصٌ.
وعن كَعْبٍ قالَ: إنَّ في جهنَّمَ بردًا هوَ الزَّمهريرُ، يُسْقِط اللحمَ، حتَّى يَسْتَغيثوا بحرِّ جهنَّمَ.
стр. 712
وعن عَبْدِ المَلِكِ بن عُمَيْرٍ؛ قالَ: بَلَغَني أن أهلَ النَّارِ سَألوا خازِنَها أنْ يُخْرِجَهُم إلى جنباتِها، فأُخرِجوا، فقَتَلَهُمُ البردُ والزَّمهريرُ، حتَّى رَجَعوا إليها فدَخَلوها ممَّا وَجَدوا مِن البردِ.
وقد قالَ اللهُ تَعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا. إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا﴾ [النبأ: ٢٤ - ٢٥]. وقالَ تَعالى: ﴿هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ﴾ [ص: ٥٧]. قالَ ابنُ عَبَّاسٍ: الغَسَّاقُ: الزَّمهريرُ الباردُ الذي يُحْرِقُ مِن بردِهِ. وقالَ مُجاهِدٌ: هوَ الذي لا يَسْتَطيعونَ أنْ يَذوقوهُ مِن بردِهِ. وقيلَ: إنَّ الغسَّاقَ الباردُ المنتنُ.
أجارَنا اللهُ تَعالى مِنها.
يا مَن تُتْلى عليهِ أوصافُ جهنَّم، ويُشاهِدُ نفسَها كلَّ عامٍ حتَّى يُحِسَّ بهِ ويَتَألَّم، وهوَ مصرٌّ على ما يُقْتَضي دخولَها معَ أنَّهُ يَعْلَم، سَتَعْلَمُ إذا جِيءَ بها تُقادُ بسبعينَ ألفِ زمامٍ مَن يَنْدَم، ألكَ صبرٌ على سعيرِها وزمهريرِها؟ قُلْ وتَكَلَّمْ، ما كانَ صلاحُكَ يُرْجى واللهُ أعلم.
كَمْ يَكونُ الشِّتاءُ ثُمَّ المَصيفُ … وَرَبيعُ يَمْضي وَيَأْتي الخَريفُ
وَارْتِحالٌ مِنَ الحَرورِ إلى البَرْ … دِ وَسَيْفُ الرَّدى عَلَيْكَ مُنِيفُ
يا قَليلَ المُقامِ في هذهِ الدُّنْـ … ـــيا إلى كَمْ يَغُرُّكَ التَّسْويفُ (١)
عَجَبًا لامْرِئ يَذِلُّ لِذي الدُّنْـ … ــــيا وَيَكْفيهِ كُلَّ يَوْمٍ رَغيفُ
* * * * *
стр. 713
مجلس في ذكر التوبة والحث عليها قبل الموت وختم العمر بها
فإنَّ التَّوبةَ وظيفةُ العمرِ. وهيَ خاتمةُ مجالسِ الكتابِ.
خَرَّجَ الإمامُ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وابنُ حِبَّانَ في "صحيحه" مِن حديثِ: ابن عُمَرَ، عن النَّبيِّ ﷺ ؛ قالَ: "إنَّ الله يَقْبَلُ توبةَ العبدِ ما لمْ يُغَرْغِرْ" (١). قالَ التِّرْمِذِيُّ: حديثٌ حسنٌ.
• دَلَّ هذا الحديثُ على قبولِ اللهِ توبةَ عبدِهِ ما دامَتْ روحُهُ في جسدِهِ لمْ تَبْلُغِ
стр. 714
الحلقومَ والتَّراقيَ.
وقد دَلَّ القرآنُ على مثلِ ذلكَ [أيضًا]: قالَ اللهُ : ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: ١٧]. وعملُ السُّوءِ إذا أُفْرِدَ؛ دَخَلَ فيهِ (١) جميعُ السَّيِّئاتِ صغيرُها وكبيرُها.
• والمرادُ بالجهالةِ الإقدامُ على عملِ السُّوءِ، وإنْ عَلِمَ صاحبُهُ أنَّهُ سوءٌ؛ فإنَّ كلَّ مَن عَصى الله فهوَ جاهلٌ وكلَّ مَن أطاعَهُ فهوَ عالمٌ، وبيانُهُ مِن وجهينِ:
• أحدُهُما: أن مَن كانَ عالمًا باللهِ وعظمتِهِ وكبريائِهِ وجلالِهِ؛ فإنَّهُ يَهابُهُ ويَخْشاهُ، فلا يَقَعُ منهُ معَ استحضارِ ذلكَ عصيانُهُ. كما قالَ بعضُهُم: لو تَفَكَّرَ النَّاسُ في عظمةِ اللهِ؛ ما عَصَوْهُ. وقالَ آخرُ: كَفى بخشيةِ اللهِ علمًا وكَفى بالاغترارِ باللهِ جهلًا.
• والثاني: أن مَن آثَرَ المعصيةَ على الطَّاعةِ؛ فإنَّما حَمَلَهُ على ذلكَ: جهلُهُ وظنُّهُ أنَّها تَنْفَعُهُ عاجلًا باستعجالِ لذَّتِها، وإنْ كانَ عندَهُ إيمانٌ؟ فهوَ يَرْجو التَّخلُّصَ مِن سوءِ عاقبتِها بالتَّوبةِ في آخرِ عمرِهِ. وهذا جهلٌ محضٌ؛ فإنَّهُ يَتَعَجَّلُ الإثمَ والخزيَ ويَفوتُهُ عزُّ التَّقوى وثوابُها ولذَّةُ الطَّاعةِ، وقد يَتَمَكَّنُ مِن التَّوبةِ بعدَ ذلكَ وقد يُعاجِلُهُ الموتُ بغتةً، فهوَ كجائعٍ أكَلَ طعامًا مسمومًا لدفعِ جوعِهِ الحاضرِ ورَجا أنْ يَتَخَلَّصَ مِن ضررِهِ بشربِ الدِّرياقِ (٢) بعدَهُ، وهذا لا يَفْعَلُهُ إلَّا جاهلٌ.
وقد قالَ اللهُ تَعالى في حقِّ الذينَ يُؤْثِرونَ السِّحرَ: ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ. وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٠٢ - ١٠٣]. والمرادُ أنَّهُم آثَروا السِّحرَ على التَّقوى والإيمانِ لِما رَجَوْا فيهِ مِن منافعِ الدُّنيا المعجَّلةِ معَ علمِهِم أنَّهُم يَفوتُهُم بذلكَ ثوابُ الآخرةِ، وهذا جهلٌ منهُم؛ فإنَّهُم لو عَلِموا؛ لآثَروا الإيمانَ والتَّقوى على ما عَداهُما، فكانوا يُحْرِزونَ أجرَ الآخرةِ ويَأْمَنونَ عقابَها ويَتَعَجَّلونَ عزَّ التَّقوى في الدُّنيا، وربَّما وَصَلوا إلى ما يَأْمُلونَهُ في الدُّنيا
стр. 715
[أ] وإلى خيرٍ منهُ [وأنفعَ]؛ فإن أكثرَ ما يُطْلَبُ بالسِّحرِ قضاءُ حوائجَ محرَّمةٍ أو مكروهةٍ عندَ اللهِ، والمؤمنُ المتَّقي يُعَوِّضُهُ اللهُ في الدُّنيا خيرًّا ممَّا يَطْلُبُهُ السَّاحرُ ويُؤْثِرُهُ معَ تعجيلِهِ عزَّ التَّقوى وشرفَها وثوابَ الآخرةِ وعلوَّ درجاتِها، فتبَيَّنَ بهذا أن إيثارَ المعصيةِ على الطَّاعةِ إنَّما يَحْمِلُ عليهِ الجهلُ، فلذلكَ كانَ كلُّ مَن عَصى الله جاهلًا وكلُّ مَن أطاعَهُ عالمًا، وكَفى بخشيةِ اللهِ علمًا وبالاغترارِ بهِ جهلًا.
• فأمَّا التَّوبةُ مِن قريبٌ؛ فالجمهورُ على أن المرادَ بها التَّوبةُ قبلَ الموتِ. والعمرُ كلُّهُ قريبٌ، والدُّنيا كلُّها قريبٌ، فمَن تابَ قبلَ الموتِ؛ فقد تابَ مِن قريبٍ، ومَن ماتَ ولمْ يَتُبْ؛ فقد بَعُدَ كلَّ البعدِ. كما قيلَ:
فَهُمْ جِيرَةُ الأحْياءِ أمَّا مَزارُهُمْ … فَدانٍ وَأمَّا المُلْتَقى فَبَعيدُ
فالحيُّ قريبٌ، والميِّتُ بعيدٌ مِن الدُّنيا على قربِهِ منها؛ فإنَّ جسمَهُ في الأرضِ يَبْلى، وروحَهُ عندَ اللهِ تُنَعَّمُ أو تُعَذَّبُ، ولقاؤُهُ لا يُرْجى في الدُّنيا، كما قيلَ:
مُقيمٌ إلى أنْ يَبْعَثَ اللهُ خَلْقَهُ … لِقاؤُكَ لا يُرْجى وَأنْتَ قَريبُ
تَزيدُ بِلًى في كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ … وَتُنْسى كَما تَبْلى وَأنْتَ حَبيبُ
وهذانِ البيتانِ سَمِعَهُما داوودُ الطَّائِيُّ ﵀ مِنِ امرأةٍ في مقبرةٍ تَنْدُبُ بهِما ميِّتًا لها، فوَقَعا مِن قلبِهِ موقعًا، فاسْتَيْقَظَ بهِما ورَجَعَ زاهدًا في الدُّنيا راغبًا في الآخرةِ وانْقَطَعَ إلى العبادةِ إلى أنْ ماتَ.
فمَن تابَ قبلَ أنْ يُغَرْغِرَ؛ فقد تابَ مِن قريبٍ، فتُقْبَلُ توبتُهُ.
ورُوِيَ عن ابن عَبَّاسٍ في قولِهِ تَعالى: ﴿يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ [النساء: ١٧]؛ قالَ: قبلَ المرضِ والموتِ.
وهذا إشارةٌ إلى أنَّ أفضلَ أوقاتِ التَّوبةِ هوَ أنْ يُبادِرَ الإنسانُ بالتَّوبةِ في صحَّتِهِ قبلَ نُزولِ المرضِ بهِ حتَّى يَتَمَكَّنَ حينئذٍ مِن العملِ الصَّالحِ. ولذلكَ قَرَنَ اللهُ التَّوبةَ بالعملِ الصَّالحِ في مواضعَ كثيرةٍ مِن القرآنِ.
وأيضًا؛ فالتَّوبةُ في الصِّحَّةِ ورجاءِ الحياةِ تُشبِهُ الصَّدقةَ بالمالِ في الصِّحَّةِ ورجاءِ البقاءِ، والتَّوبةُ في المرضِ عندَ حضورِ أماراتِ الموتِ تُشْبِهُ الصَّدقةَ بالمالِ عندَ الموتِ،
стр. 716
فكأنَّ مَن لا يَتوبُ إلَّا في مرضِهِ قدِ اسْتَفْرَغَ صحَّتَهُ وقوَّتَهُ في شهواتِ نفسِهِ وهواهُ ولذَّاتِ دنياهُ، فإذا أيِسَ مِن الدُّنيا والحياةِ فيها؛ تابَ حينئذٍ وتَرَكَ ما كانَ عليهِ. فأينَ توبةُ هذا مِن توبةِ مَن يَتوبُ مِن قريب وهوَ صحيحٌ قويٌّ قادرٌ على عملِ المعاصي تاركٌ لها خوفًا مِن اللهِ ورجاءً لثوابِهِ وإيثارًا لطاعتِهِ على معصيتِهِ؟!
دَخَلَ قومٌ على بِشْرٍ الحافي وهوَ مريضٌ، فقالوا لهُ: على ماذا عَزَمْتَ؟ قالَ: عَزَمْتُ على أنِّي إذا عوفِيتُ تُبْتُ. فقالَ لهُ رجلٌ منهُم: فهلَّا تُبْتَ السَّاعةَ! فقالَ: يا أخي! أما عَلِمْتَ أن الملوكَ لا تَقْبَلُ الأمانَ ممَّن في رجلِهِ القيدُ وفي رقبتِهِ الغلُّ، إنَّما يُقْبَلُ الأمانُ ممَّن هوَ راكبٌ الفرسَ والسَّيفُ مجرَّدٌ بيدِهِ؟! فبَكى القومُ جميعًا (١).
ومعنى هذا أن التَّائبَ في صحَتِهِ بمنزلةِ مَن هوَ راكبٌ على متنِ جوادِهِ وبيدِهِ سيفٌ مشهورٌ، فهوَ يَقْدِرُ على الكرِّ والفرِّ والقتالِ وعلى الهربِ مِن الملكِ وعصيانِهِ، فإذا جاءَ على هذهِ الحالِ إلى بينَ يديِ الملكِ ذليلًا لهُ طالبًا لأمانِهِ؛ فقد صارَ بذلكَ مِن خواصِّ الملكِ وأحبابِهِ؛ لأنَّهُ جاءَهُ طائعًا مختارًا لهُ راغبًا في [قربِهِ وخدمتِهِ. وأمَّا مَن هوَ في أسرِ الملكِ وفي رجلِهِ قيدٌ وفي رقبتِهِ غلٌّ؛ فإنَّهُ إذا طَلَبَ] الأمان مِن الملكِ؛ فإنَّما طَلَبَهُ خوفًا على نفسِهِ مِن الهلاكِ، وقد لا يَكونُ محبًّا للملكِ ولا مؤثرًا لرضاهُ. فهذا مثلُ مَن لا يَتوبُ إلَّا في مرضِهِ عندَ موتِهِ، والأوَّل بمنزلةِ مَن يَتوبُ في صحَّتِهِ وقوَّتِهِ وشبيبتِهِ.
لكنَّ ملكَ الملوكِ أكرمُ الأكرمينَ وأرحمُ الرَّاحمينَ، وكلُّ خلقِهِ أسيرٌ في قبضتِهِ،
стр. 717
لا يُعْجِزُهُ منهُم أحدٌ، لا يُعْجِزُهُ هاربٌ ولا يَفوتُهُ ذاهبٌ، كما قيلَ: لا أقْدَرَ ممَّن طَلِبَتُهُ في يدِهِ، ولا أعْجَزَ ممَّن هوَ في يدِ طالبِهِ. ومع هذا؛ فكلُّ مَن طَلَبَ الأمانَ مِن عذابِهِ مِن عبابٍ أمَّنَهُ على أيِّ حالٍ كانَ إذا عَلِمَ منهُ الصِّدقَ في طلبِهِ (١).
أنْشَدَ بعضُ العارفينَ:
الأمانَ الأمانَ وِزْري ثَقيلُ … وَذُنوبي إذا عَدَدْتُ تَطولُ
أوْبَقَتْني وَأوْثَقَتْني ذُنوبي … فَتُرى لي إلى الخَلاصِ سَبيلُ
• وقولُهُ : ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء: ١٨]: فسَوَّى بينَ مَن تابَ عندَ الموتِ ومَن ماتَ مِن غيرِ توبةٍ.
والمرادُ بالتَّوبةِ عندَ الموتِ التَّوبةُ عندَ انكشافِ الغطاءِ ومعاينةِ المحتضَرِ أُمورَ الآخرةِ ومشاهدةِ الملائكةِ؛ فإنَّ الإيمانَ والتَّوبةَ وسائرَ الأعمالِ إنَّما تَنْفَعُ بالغيبِ، فإذا كُشِفَ الغطاءُ وصارَ الغيبُ شهادةً؛ لمْ يَنْفَعِ الإيمانُ ولا التَّوبةُ في تلكَ الحالِ.
ورَوى ابنُ أبي الدُّنْيا بإسنادِهِ عن عَلِيٍّ؛ قالَ: لا يَزالُ العبدُ في مهلةٍ مِن التَّوبةِ ما لمْ يَأْتِهِ ملكُ الموتِ يَقْبِضُ روحَهُ، فإذا نَزَلَ ملكُ الموتِ؛ فلا توبةَ حينئذٍ.
وبإسنادِهِ عن الثَّوْريِّ؛ قالَ: قالَ ابنُ عُمَرَ: التَّوبةُ مبسوطةٌ ما لمْ يَنْزِلْ سلطانُ الموتِ.
وعنِ الحَسَنِ؛ قالَ: التَّوبةُ معروضةٌ لابنِ آدَمَ ما لمْ بَأْخْذِ الموتُ بكظمِهِ.
وعن بكْرٍ المُزَنيِّ؛ قالَ: لا تَزالُ التَّوبةُ للعبدِ مبسوطةً ما لمْ تَأْتِهِ الرُّسلُ، فإذا عايَنَهُمُ؛ انْقَطَعَتِ المعرفةُ.
وعن أبي مِجْلَزٍ؛ قالَ: لا يَزالُ العبدُ في توبةٍ ما لم يُعايِنِ الملائكةَ.
ورَوى في "كتاب الموت" بإسنادِهِ: عن أبي موسى الأشْعَرِيِّ" قالَ: إذا عايَنَ الميِّتُ الملَكَ؛ ذَهَبَتِ المعرفةُ.
وعن مجاهِدٍ نحوَهُ.
стр. 718
وعن حُصَيْنٍ؛ قالَ: بَلَغَني أن ملكَ الموتِ إذا غَمَزَ وريدَ الإنسانِ حينئذٍ يَشْخَصُ بصرُهُ ويَذْهَلُ عن النَّاسِ.
وخَرَّجَ ابنُ ماجَهْ حديثَ أبي موسى مرفوعًا؛ [قالَ]: سَألْتُ النَّبيَّ ﷺ : متى تَنْقَطِعُ معرفةُ العبدِ مِن النَّاسِ؟ قالَ: "إذا عايَنَ" (١). وفي إسنادِهِ مقالٌ، والموقوفُ أشبهُ.
وقد قيلَ: إنَّهُ مُنِعَ مِن (٢) التَّوبةِ حينئذٍ؛ لأنَّهُ إذا انْقَطَعَتْ معرفتُهُ وذَهِلَ عقلُهُ؛ لم يُتَصَوَّرْ منهُ ندمٌ ولا عزمٌ؛ فإنَّ النَّدمَ والعزمَ إنَّما يَصِحُّ معَ حضورِ العقلِ، وهذا (٣) ملازمٌ لمعاينةِ الملائكةِ، كما دَلَّتْ عليهِ هذهِ الأخبارُ (٤).
• وقولُهُ ﷺ في حديثِ ابن عُمَرَ: "ما لمْ يُغَرْغِرْ"؛ يَعْني: ما لمْ تَبْلُغْ روحُهُ عندَ خروجِها منهُ إلى حلقِهِ. فشَبَّهَ تردُّدَها في حلقِ المحتضَرِ بما يَتَغَرْغَرُ بهِ الإنسانُ مِن الماءِ وغيرِهِ ويُرَدِّدُهُ في حلقِهِ.
وإلى ذلكَ الإشارةُ في القرآنِ: بقولِهِ : ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ. وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ. وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ﴾. [الوقعة: ٨٣] وبقولهِ : ﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ﴾ [القيامة: ٢٦].
ورَوى ابنُ أبي الدُّنيا بإسنادِهِ عن الحَسَنِ؛ قالَ: أشدُّ ما يَكونُ الموتُ على العبدِ إذا بَلَغَتِ الرُّوحُ التَّراقيَ. قالَ: فعندَ ذلكَ يَضْطَرِبُ ويَعْلو نفسُهُ. ثمَّ بَكى الحَسَنُ ﵀.
عِشْ ما بَدَا لَكَ سالِمًا … في ظِلِّ شاهِقَةِ القُصورِ
стр. 719
يُسْعى عَلَيْكَ بِما اشْتَهَيْـ … ــتَ لَدى الرَّواحِ وفي البُكورِ
فَإذا النُّفوسُ تَقَعْقَعَتْ … في ضيقِ حَشْرَجَةِ الصُّدورِ
فَهُناكَ تَعْلَمُ موقِنًا … ما كُنْتَ إلَّا في غُرورِ
• واعْلَمْ أنَّ الإنسانَ ما دامَ يُؤَمِّلُ الحياةَ فإنَّهُ لا يَقْطَعُ أملَهُ مِن الدُّنيا، وقد لا تَسْمَحُ نفسُهُ بالإقلاعِ عن لذَّاتِها وشهواتِها مِن المعاصي وغيرِها، ويُرَجِّيهِ الشَّيطانُ التَّوبةَ في آخرِ عمرِهِ، فإذا تَيَقَّنَ الموتَ وأيِسَ مِن الحياةِ؛ أفاقَ مِن سكرتِهِ بشهواتِ الدُّنيا، فنَدِمَ (١) حينئذٍ على تفريطِهِ ندامةً يَكادُ يَقْتُلُ نفسَهُ، وطَلَبَ الرَّجعةَ إلى الدُّنيا لِيَتوبَ ويَعْمَلَ صالحًا، فلا يُجابُ إلى شيءٍ مِن ذلكَ، فيَجْتَمعُ عليهِ سكرة الموتِ معَ حسرةِ الفوتِ.
وقد حَذَّرَ اللهُ تَعالى عبادَهُ مِن ذلكَ في كتابِهِ لِيَسْتَعِدُّوا للموتِ قبلَ نزولِهِ بالتَّوبةِ والعملِ الصَّالحِ:
قالَ تَعالى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ. وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ. أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾ [الزمر: ٥٤ - ٥٦].
وقد سُمعَ بعضُ المحتضَرينَ عندَ احتضارِهِ يَلْطِمُ على وجهِهِ وتقولُ: يا حَسْرَتا عَلى ما فَرَّطْتُ في جنبِ اللهِ.
وسُمِعَ من آخرَ: سَخِرَتْ بيَ الدُّنيا حتَّى ذَهَبَتْ أيَّامي.
وقالَ آخرُ عندَ موتِهِ: لا تَغُرَّنَكُمُ الدُّنيا كما غَرَّتْني (٢).
стр. 720
وقالَ اللهُ : ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُون لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ. كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾ [المؤمنون: ٩٩ - ١٠٠].
وقالَ تَعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ. وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المنافقون: ١٠].
وقالَ تَعالى: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾ [سبأ: ٥٤]. وفَسَّرَهُ طائفةٌ مِن السَّلفِ - منهُم عُمَرُ بنُ عَبْدِ العَزيزِ - بأَنَّهُم طَلَبوا التَّوبةَ حينَ حيلَ بينَهُم وبينَها.
قالَ الحَسَنُ: اتَّقِ الله يا أبنَ آدَمَ! لا يَجْتَمعُ عليكَ خصلتانِ؛ سكرةُ الموتِ، وحسرةُ الفوتِ.
وقالَ ابنُ السَّمَّاكِ: احْذَرِ السَّكرةَ والحسرةَ؛ أنْ يَفْجَأكَ الموتُ وأنتَ على الغرَّةِ، فلا يَصِفُ واصفٌ قدرَ ما تَلْقى ولا قدرَ ما ترى.
وقالَ الفُضَيْلُ: يَقولُ اللهُ : ابنَ آدَمَ! إذا كُنْتَ تتقَلَّبُ في نعمتي وأنتَ تتقَلَّبُ في معصيتي؛ فاحْذَرْني لا أصْرَعُكَ بينَ معاصِيَّ.
وفي بعضِ الإسرائيليَّاتِ: ابنَ آدَمَ! احْذَرْ لا يَأْخُذُكَ اللهُ على ذنبٍ فتَلْقاهُ لا حجَّةَ لكَ.
• ماتَ كثيرٌ مِن المصرِّينَ على المعاصي على أقبحِ أحوالِهِم وهُم مباشرونَ للمعاصي، فكانَ ذلكَ خزيًا لهُم في الدُّنيا مع ما صاروا إليهِ مِن عذابِ الآخرةِ. وكثيرًا ما يَقَعُ هذا للمصرِّينَ على الخمرِ المدمنينَ لشربِها، كما قالَ القائلُ (١):
стр. 721
أتَأْمَنُ أيُّها السَّكْرانُ جَهْلًا … بِأنْ تَفْجَاكَ في السُّكرِ المَنِيَّهْ
فَتَضْحى عِبْرَةً لِلنَّاسِ طُرًّا … وَتَلْقى الله مِن شَرِّ البَرِيَّهْ
سَكِرَ بعضُ المتقدِّمينَ ليلةً، فعاتَبَتْهُ زوجتُهُ على تركِ الصَّلاةِ، فحَلَفَ بطلاقِهما ثلاثًا لا يُصَلِّي ثلاثةَ أيَّامٍ، فاشْتَدَّ عليهِ فراقُ زوجتِهِ، فاسْتَمَرَّ على تركِ الصَّلاةِ مدَّةَ الأيَّامِ الثَّلاثةِ، فماتَ فيها على حالِهِ وهوَ مصرٌّ على الخمرِ تاركٌ للصَّلاةِ.
كانَ بعضُ المصرِّينَ على الخمرِ يُكْنى أبا عمرٍو، فنامَ ليلةً وهوَ سكرانُ، فرَأى في منامِهِ قائلًا يَقولُ لهُ:
جَدَّ بِكَ الأمْرُ أبا عَمْرِو … وَأنْتَ مَعْكوفٌ عَلى الخَمْرِ
تَشْرَبُ صَهْباءَ صُراحِيَّةً … سالَ بِكَ السَّيْلُ وَلاتَدْري
فاسْتَيْقَظَ منزعجًا وأخْبَرَ مَن عندَهُ بما رَأى، ثمَّ غَلَبَهُ سكرُهُ فنامَ، فلمَّا كانَ وقتُ الصُّبحِ؛ ماتَ فجأةً.
قالَ يَحْيى بنُ مُعاذٍ: الدُّنيا خمرُ الشَّيطانِ، مَن سَكِرَ منها لمْ يُفِقْ إلَّا في عسكرِ الموتى نادمًا معَ الخاسرينَ.
стр. 722
وفي حديثٍ خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ مرفوعًا: "ما مِن أحدٍ يَموتُ إلَّا نَدِمَ". قالوا: وما ندامتُهُ؟ قالَ: "إنْ كانَ محسنًا نَدِمَ أنْ لا يَكونَ ازْدادَ، وإنْ كانَ مسيئًا نَدِمَ أنْ لا يَكونَ اسْتَعْتَبَ" (١).
إذا نَدِمَ المحسنُ عندَ الموتِ؛ فكيفَ يَكونُ حالُ المسيءِ؟!
غايةُ أُمنيةِ الموتى في قبورِهِم حياةُ ساعةٍ يَسْتَدْرِكونَ فيها ما فاتَهُم مِن توبةٍ وعملٍ صالحٍ، وأهلُ الدُّنيا يُفَرِّطونَ في حياتِهِم فتَذْهَبُ أعمارُهُم في الغفلةِ ضياعًا، ومنهُم مَن يَقْطَعُها بالمعاصي.
قالَ بعضُ السَّلفِ: أصْبَحْتُم في أُمنيةِ ناسٍ كثيرٍ؛ يَعْني: أن الموتى كلَّهُم يَتَمَنَّوْنَ حياةَ ساعةٍ لِيَتوبوا [فيها] ويَجْتَهِدوا في الطَّاعةِ، ولا سبيلَ لهُم إلى ذلكَ.
وقد أنْشَدَ بعضُهُم:
لَوْ قيلَ لِلْقَوْمِ مُناكُمْ (٢) طَلَبوا … حَياةَ يَوْمٍ لِيَتوبوا فَاعْلَمِ
وَيْحَكِ يا نَفْسُ ألا تَيَقُّظٌ … يَنْفَعُ قَبْلَ أنْ تَزِلَّ قَدَمي
مَضى الزَّمانُ في تَوانٍ وَهوى … فَاسْتَدْرِكي ما قَدْ بَقِيَ وَاغْتَنِمي
• الناسُ في التَّوبةِ على أقسامٍ:
* فمنهُم: مَن لا يُوَفَّقُ لتوبةٍ نصوحٍ، بل يُيَسَّرُ له عملُ السَّيِّئاتِ مِن أوَّلِ عمرِهِ إلى آخرِهِ حتَّى يَموتَ مصرًّا عليها، وهذهِ حالةُ الأشقياءِ.
• وأقبحُ مِن ذلكَ: مَن يُسِّرَ لهُ في أوَّلِ عمرِهِ عملُ الطَّاعاتِ، ثمَّ خُتِمَ لهُ بعملِ سوءٍ حتَّى ماتَ عليهِ: كما في الحديثِ الصَّحيحِ: "إنَّ أحدَكُم لَيَعْمَلُ بعملِ أهلِ الجنَّةِ، حتَّى ما يَكونُ بينَهُ وبينَها إلَّا ذراعٌ، فيَسْبِقُ عليهِ الكتابُ، فيَعْمَلُ بعملِ أهلِ النَّارِ، فيَدْخُلُها" (٣). وفي الحديثِ الذي خَرَّجَهُ أهلُ "السُّنن": "إنَّ العبدَ لَيَعْمَلُ بعملِ أهلِ الجنَّةِ سبعينَ عامًا، ثمَّ يَحْضُرُهُ الموتُ، فيَجورُ في وصيَّتِهِ، فيَدْخُلُ