← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 1151

لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف - ت عامر

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (739 стр.). Показаны 701–739 · переход к 706.

стр. 701

وعنِ الحَسَنِ قالَ: نِعْمَ زمانُ المؤمنِ الشِّتاءُ؛ ليلُهُ طويلٌ يَقومُه، ونهارُهُ قصيرٌ يَصومُه. وعن عُبَيْدِ بن عُمَيْرٍ؛ أنَّهُ كانَ إذا جاءَ الشِّتاءُ قالَ: يا أهلَ القرآنِ! طالَ ليلُكُم لقراءتِكُم، وقَصُرَ النَّهارُ لصيامِكُم، فصوموا وقوموا. لمَّا طالَ ليلُ الشِّتاءِ؛ كانَ قيامُهُ يَعْدِلُ صيامَ نهارِ الصَّيفِ. ولهذا بَكى مُعاذٌ ﵁ عندَ موتِهِ وقالَ: إنَّما أبْكي على ظمإ الهواجرِ، وقيامِ ليلِ الشِّتاءِ، ومزاحمةِ العلماءِ بالرُّكبِ عندَ حلقِ الذِّكرِ. وقالَ مِعْضَدٌ: لولا ثلاثٌ؛ ظمأُ الهواجرِ، وقيامُ ليلِ الشِّتاءِ، ولذاذةُ التَّهجُّدِ بكتابِ اللهِ؛ ما بالَيْتُ أنْ أكونَ يعسوبًا. • القيامُ في ليلِ الشِّتاءِ يَشُقُّ على النُّفوسِ مِن وجهينِ: • أحدُهُما: مِن جهةِ تألُّمِ النَّفسِ بالقيامِ مِن الفراشِ في شدَّةِ البردِ. قالَ داوودُ بنُ رُشَيْدٍ: قامَ بعضُ إخواني إلى وردِهِ بالليلِ في ليلةٍ شديدةِ البردِ، وكانَ عليهِ خُلْقانٌ، فضَرَبَهُ البردُ، فبَكى، فهَتَفَ بهِ هاتفٌ: أقَمْناكَ وأنَمْناهُم ثمَّ تَبْكي علينا! خَرَّجَهُ أبو نُعَيْمٍ. • والثَّاني: بما يَحْصُلُ بإسباغِ الوضوءِ في شدَّةِ البردِ مِن التَّألُّمِ. وإسباغُ الوضوءِ في شدَّةِ البردِ مِن أفضلِ الأعمالِ (١). وفي "صحيح مُسْلِم" (٢): عن أبي هُرَيْرَةَ، عن النَّبيِّ ﷺ ؛ قالَ: "ألا أدُلُّكُم على ما يَمْحو اللهُ بهِ الخطايا ويَرْفَعُ بهِ الدَّرجاتِ؟ ". قالوا: بلى يا رسولَ اللهِ! قالّ: "إسباغُ الوضوءِ على المكارهِ، وكثرةُ الخطا إلى المساجدِ، وانتظارُ الصَّلاةِ بعدَ الصَّلاةِ. فذلكُمُ الرِّباطُ، فذلكُمُ الرِّباطُ". وفي حديثِ مُعاذِ بن جَبَلٍ عن النَّبيِّ ﷺ ؛ أنَّهُ رَأى ربَّهُ (يَعْني: في المنامِ)، فقالَ لهُ: يا مُحَمَّدُ! فيمَ يَخْتَصِمُ الملأُ الأعلى؟ قالَ: "في الدَّرجاتِ والكفَّاراتِ". قالَ: "والكفَّاراتُ: إسباغُ الوضوءِ في الكريهاتِ (٣)، ونقلُ الأقدامِ إلى

стр. 702

الجمعاتِ (وفي روايةٍ: الجماعاتِ)، وانتظارُ الصَّلاةِ بعدَ الصَّلاةِ. مَن فَعَلَ ذلكَ عاشَ بخيرٍ وماتَ بخيرٍ وكانَ مِن خطيئتِهِ كيومَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ. والدَّرجاتُ: إطعامُ الطَّعامِ، وإفشاءُ السَّلامِ، والصَّلاةُ بالليلِ والنَّاسُ نيامٌ … " [وذَكَرَ] الحديثَ (١). خَرَّجَهُ الإمامُ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ. وفي بعضِ الرِّواياتِ: "إسباغُ الوضوءِ في السَّبراتِ". والسَّبرةُ: شدَّةُ البردِ. فإسباغُ الوضوءِ في شدَّةِ البردِ مِن أعلى خصالِ الإيمانِ. رَوى ابنُ سَعْدٍ بإسنادِهِ؛ أن عُمَرَ ﵁ وَصَّى ابنَهُ عَبْدَ اللهِ عندَ موتِهِ فقالَ لهُ: يا بنيَّ! عليكَ بخصالِ الإيمانِ. قالَ: وما هيَ؟ قالَ: الصَّومُ في شدَّةِ الحرِّ أيَّامَ الصَّيفِ، وقتلُ الأعداءِ بالسَّيفِ، والصَّبرُ على المصيبةِ، وإسباغُ الوضوءِ في اليومِ الشَّاتي، وتعجيل الصَّلاةِ في يومِ الغيمِ، وتركُ ردغةِ الخبالِ. قالَ: فقالَ: وما ردغةُ الخبالِ؟ قالَ: شربُ الخمرِ (٢). ورَوى الأوْزاعِيُّ عن يَحْيى بن أبي كَثيرٍ؛ قالَ: ستٌّ مَن كُنَّ فيهِ فقدِ اسْتكْمَلَ الإيمانَ: قتالُ أعداءِ اللهِ بالسَّيفِ، والصِّيامُ في الصَّيفِ، وإسباغُ الوضوءِ في اليومِ الشَّاتي، والتَّبكيرُ بالصَّلاةِ في اليومِ الغيمِ، وتركُ الجدالِ والمراءِ وأنتَ تَعْلَمُ أنَّكَ صادقٌ، والصَّبرُ على المصيبةِ. و [قد] رُوِيَ هذا مرفوعًا، خَرَّجَهُ مُحَمَّدُ بنُ نَصْرٍ المَرْوَزِيُّ في كتابِ "الصَّلاة" لهُ بإسنادٍ فيهِ ضعفٌ عن أبي سَعيدٍ الخُدْرِيِّ مرفوعًا: "ستٌّ مَن كنَّ فيهِ بَلَغَ حقيقةَ الإيمانِ: ضربُ أعداءِ اللهِ بالسَّيفِ، وابتدارُ الصَّلاةِ في اليومِ الدَّجنِ، وإسباغُ الوضوءِ عندَ المكارِهِ، والصِّيامُ في الحرِّ، وصبرٌ عندَ المصائبِ، وتركُ المراءِ وأنتَ صادقٌ" (٣).

стр. 703

وفي كتابِ "الزُّهد" للإمام أحْمَدَ: عن عَطاءِ بن يَسارٍ؛ قالَ: قالَ موسى ﵇: يا ربِّ! مَن هُم أهلُكَ الذينَ هُم أهلُكَ، تُظِلُّهُم في ظلِّ عرشِكَ؟ قالَ: همُ البريَّةُ أيديهِم، الطَّاهرةُ قلوبُهُمُ، الذينَ يَتَحابُّونَ بجلالي، الذين إذا ذُكِرْتُ ذُكِروا بي وإذا ذُكِروا ذُكِرْتُ بذكرِهِم، الذينَ يُسْبِغونَ الوضوءَ في المكارهِ، ويُنيبونَ إلى ذكري كما تُنيبُ النُّسورُ إلى أوكارِها، ويَكْلَفونَ بحبِّي كما يَكْلَفُ الصَّبيُّ بحبِّ النَّاسِ، ويَغْضَبونَ لمحارمي إذا استُحِلَّتْ كما يَغْضَبُ النَّمرُ إذا حَرِبَ. و [قد] رُوِيَ عن داوودَ بن رُشَيْدٍ؟ قالَ: قامَ رجلٌ ليلةً باردةً لِيَتَوَضَّأ للصَّلاةِ، فأصابَ الماءَ باردًا، فبَكى، فنودِيَ: أما تَرْضى أنَّا أنَمْناهُم وأقَمْناكَ حتَّى تَبْكِيَ علينا؟ خَرَّجَهُ ابنُ السَّمْعانِيِّ. • معالجةُ الوضوءِ في جوفِ الليلِ للتهجُّدِ موجبٌ لرضى الرَّبِّ ومباهاةِ الملائكةِ، ففي شدَّةِ البردِ يَتَأكَّدُ ذلكَ. ففي "المسند" و"صحيح ابن حِبَّان": عن عُقْبَةَ بن عامِرٍ، عن النَّبيِّ ﷺ ؛ قالَ: "رجلانِ مِن أُمَّتي، يَقومُ أحدُهُما مِن الليلِ [فـ]ــيعالجُ نفسَهُ إلى الطَّهورِ وعليهِ عقدٌ، فيَتَوَضَّأُ، فإذا وَضَّأ يديهِ انْحَلَّتْ عقدةٌ، وإذا وَضَّأ وجهَهُ انْحَلَّتْ عقدةٌ، وإذا مَسَحَ رأْسَهُ انْحَلَّتْ عقدةٌ، وإذا وَضَّأ رجليهِ انْحَلَّتْ عقدةٌ، فيَقولُ الرَّبُّ للذيـ[ــن] وراءَ الحجابِ: انْظُروا إلى عبدي هذا يُعالجُ نفسَهُ، ما سَألَني عبدي هذا فهوَ لهُ" (١). وفي حديثِ: عَطِيَّةَ، عن أبي سَعيدٍ، عن النَّبيِّ ﷺ ؛ قالَ: "إنَّ الله لَيَضْحَكُ إلى ثلاثةِ نفرٍ: رجلٌ قامَ مِن جوفِ الليلِ فأحْسَنَ الطُّهورَ ثمَّ صَلَّى … " (٢). قالَ أبو سُلَيْمانَ الدَّارانِيُّ: كنتُ ليلةً باردةً في المحرابِ، فأقْلَقَنِيَ البردُ، فخَبَّأْتُ إحدى يديَّ مِن البردِ وبَقِيَتِ الأُخرى ممدودةً، فغَلَبَتْني عيني، فهَتَفَ بي هاتفٌ (٣): يا أبا

стр. 704

سُلَيْمانَ! قد وَضَعْنا في هذهِ ما أصابَها، ولو كانَتِ الأُخرى؛ لَوَضَعْنا فيها. [قالَ]: فآلَيْتُ على نفسي ألَّا أدْعُوَ إلَّا ويدايَ خارجتانِ حرًّا كانَ أو بردًا. وقالَ مالِكٌ: كانَ صَفْوانُ بنُ سُلَيْمٍ يُصَلِّي (يَعْني: بالليلِ) في الشِّتاءِ في السَّطحِ وفي الصَّيفِ في بطنِ البيتِ؛ يَتيَقَّظُ بالحرِّ والبردِ حتَّى يُصْبِحَ، ثمَّ يَقولُ: هذا الجهدُ مِن صفوانَ، وأنتَ أعلمُ بهِ! وإنَّهُ لَتَرِمُ رجلاهُ حتَّى يَعودَ مثلَ السِّقطِ مِن قيامِ الليلِ ويَظْهَرُ فيهِما عروقٌ خضرٌ. وكانَ صفوانُ وغيرُهُ مِن العبَّادِ يُصَلُّونَ في الشِّتاءِ بالليلِ في ثوبٍ واحدٍ لِيَمْنَعَهُمُ البردُ مِن النَّومِ. ومنهُم مَن كانَ إذا نَعَسَ ألْقى نفسَهُ في الماءِ ويَقولُ: هذا أهونُ مِن صديدِ جهنَّمَ (١). كانَ عَطاءٌ الخُراسانِيُّ يُنادي أصحابَهُ بالليلِ: يا فلانُ! يا فلانُ! يا فلانُ! قوموا تَوَضَّؤوا وصَلُّوا، فقيامُ هذا الليلِ وصيامُ هذا النَّهارِ أهونُ مِن شربِ الصَّديدِ ومقطَّعاتِ الحديدِ غدًا في النَّارِ. الوَحا الوَحا (٢)! النَّجاءَ النَّجاءَ! وكانَ قومٌ مِن العبَّادِ يَبيتونَ في مسجدٍ، [وكانوا] يَتَهَجَّدونَ بالليلِ، فاسْتَيْقَظَ واحدٌ منهُم ليلةً، فوَجَدَ إخوانَهُ نيامًا، فسَمعَ هاتفًا يَهْتِفُ مِن جانبِ المسجدِ: أيا عَجَبًا لِلنَّاسِ قَرَّتْ عُيونَهُمْ … مَطاعِمُ غَمْضٍ بَعْدَها المَوْتُ مُنْتَصِبْ وطولُ قيامِ الليلِ أيْسَرُ مُؤْنَةً … وَأهْوَنُ مِن نارٍ تَفورُ وتَلْتَهِبْ وفي الحديثِ الصَّحيحِ: أن ابنَ عُمَرَ رَأى في منامِهِ كأنَّ آتيًا أتاهُ فانْطَلَقَ بهِ إلى النَّارِ حتَّى رَآها، ورَأى فيها رجالًا يَعْرِفُهُم معلَّقينَ بالسَّلاسلِ، فأتاهُ ملكٌ فقالَ لهُ: لمْ تُرَعْ، لستَ مِن أهلِها. فقَصَّ ذلكَ على أُختِهِ حَفْصَةَ. فقَصَّتْهُ حَفْصَةُ على رسولِ اللهِ

стр. 705

- ﷺ ، فقالَ: "نِعْمَ الرَّجلُ عَبْدُ اللهِ لو كانَ يُصَلِّي مِن الليلِ". فكانَ ابنُ عُمَرَ بعدَ ذلكَ لا يَنامُ مِن الليلِ إلَّا قليلًا (١). قالَ الحَسَنُ: أفضلُ العبادةِ الصَّلاةُ في جوفِ الليلِ. وقالَ: هوَ أقربُ ما يُتَقَرَّبُ بهِ إلى اللهِ تَعالى، وما وَجَدْتُ في العبادةِ أشدَّ منها. ورُئِيَ سَلَمَةُ بنُ كُهَيْلٍ في النَّومِ فقالَ: وَجَدْتُ أفضلَ الأعمالِ قيامَ الليلِ، ما عندَهُم أشرفُ منهُ. ورَأى بعضُ السَّلفِ خيامًا ضُرِبَتْ، فسَألَ: لمَن هيَ؟ فقيلَ: للمتهجِّدينَ بالقرآنِ، فكانَ بعدَ ذلكَ لا يَنامُ. فَما لي بَعيدَ الدَّارِ لا أقْرَبُ الحِمى … وَقَدْ نُصِبَتْ لِلسَّائِرينَ خِيامُ عَلامَةُ طَرْدي طولُ لَيْلِيَ نائِمٌ … وَغَيْري يَرى أن المَنامَ حَرامُ • ومِن الصَّالحينَ مَن كانَ يُلْطَفُ بهِ في الحرِّ والبردِ. كما دَعا النَّبيُّ ﷺ لعَلِيٍّ ﵁ أنْ يُذْهِبَ [الله] عنهُ الحرَّ والبردَ، فكانَ يَلْبَسُ في الشِّتاءِ ثيابَ الصَّيفِ وفي الصَّيفِ ثيابَ الشِّتاءِ ولا يَجِدُ حرًّا ولا بردًا (٢).

стр. 706

وكانَ بعضُ التَّابعينَ يَشْتَدُّ عليهِ الطُّهورُ في الشِّتاءِ، فدَعا الله ، فكانَ يُؤْتى بالماءِ في الشِّتاءِ ولهُ بخارٌ مِن حرِّهِ. رَأى أبو سُلَيْمانَ في طريقِ الحجِّ في شدَّةِ البردِ شيخًا عليهِ أخلاقٌ وهوَ يَرْشَحُ عرقًا، فعَجِبَ منهُ وسَألَهُ عن حالِهِ، فقالَ: إنَّما الحرُّ والبردُ خلقانِ للهِ؛ فإنْ أمَرَهُما أنْ يَغْشَياني أصاباني، وإنْ أمَرَهُما أنْ يَتْرُكاني تَرَكاني. وقالَ: أنا في هذهِ [البرِّيَّةِ] مِن ثلاثينَ سنةً؛ يُلْبِسُني في البردِ فيحًا مِن محبَّتِهِ، ويُلْبِسُني في الصَّيفِ بردًا مِن محبَّتِهِ. وقيلَ لآخرَ وعليهِ خرقتانِ في يومِ بردٍ شديدٍ: لوِ اسْتَتَرْتَ في موضعٍ يُكِنُّكَ مِن البردِ. فأنْشَدَ: وَيَحْسُنُ ظَنِّي أنَّني في فِنائِهِ … وَهَلْ أحَدٌ كِنِّهِ يَجِدُ البَرْدا (١) • وأمَّا مَن يَجِدُ البردَ - وهُم عامَّةُ الخلقِ -؛ فإنَّهُ يُشْرَعُ لهُم دفعُ أذاهُ بما يَدْفَعُهُ مِن لباسٍ وغيرِهِ. وقدِ امْتَنَّ اللهُ على عبادِهِ بأنْ خَلَقَ لهُم مِن أصوافِ بهيمةِ الأنعامِ وأوبارِها وأشعارِها ما فيهِ دفءٌ لا لهُم: قالَ تَعالى: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ [النحل: ٥]. وقال تَعالى: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ [النحل: ٨٠]. رَوى: ابنُ المُبارَكِ، عن صَفْوانَ بن عَمْرٍو، عن سُلَيْمِ بن عامِرٍ (٢)؛ قالَ: كانَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ إذا حَضَرَ الشِّتاءُ تَعاهَدَهُم وكتَبَ إليهِم بالوصيَّةِ: إنَّ الشِّتاءَ قد حَضَرَ، وهوَ عدوٌّ، فتَأَهَّبوا لهُ أُهْبَتَهُ مِن الصُّوفِ والخفافِ والجواربِ، واتَّخِذوا الصُّوفَ شعارًا

стр. 707

ودثارًا؛ فإنَّ البردَ عدوٌّ، سريعٌ دخولُهُ، بعيدٌ خروجُهُ. وإنَّما كانَ يَكْتُبُ بذلكَ عُمَرُ إلى أهلِ الشَّامِ لمَّا فُتِحَتْ في زمنِهِ، فكانَ يَخْشى على مَن بها مِن الصَّحابةِ وغيرِهِم ممَّن لمْ يَكُنْ لهُ عهدٌ بالبردِ أنْ يَتَأذَّى ببردِ الشَّامِ، وذلكَ مِن تمامِ نصيحتِهِ وحسنِ نظرِهِ وشفقتِهِ وحياطتِهِ لرعيَّتِهِ ﵁. ورُوِيَ عن كَعْبٍ؛ قالَ: أوْحى اللهُ إلى داوودَ ﵇: أنْ تأهَّبْ لعدوٍّ قد أظَلَّكَ. قالَ: يا ربِّ! مَن عدوِّي، وليسَ بحضرتي عدوٌّ؟ قالَ: بلى؛ الشِّتاءُ. وليس المشروعُ أنْ (١) يَتَّقِيَ البردَ حتَّى لا يُصيبَهُ [منهُ] (٢) شيءٌ بالكلِّيَّةِ؛ فإنَّ ذلكَ يَضرُّ أيضًا. وقد كانَ بعضُ الأُمراءِ يَصونُ نفسَهُ من البردِ والحرِّ بالكلِّيَّةِ حتَّى لا يُحِسَّ بهِما بدنُهُ، فتَلِفَ باطنُهُ وتُعُجِّلَ موتُهُ. فإنَّ الله بحكمتِهِ جَعَلَ الحرَّ والبردَ في الدُّنيا لمصالحِ عبادِهِ، فالحرُّ لتحلُّلِ الأخلاطِ والبردُ لجمودِها، فمتى لم يُصِبِ الأبدانَ شيءٌ مِن الحرِّ والبردِ؛ تَعَجَّلَ فسادُها، ولكنِ المأْمورُ بهِ اتِّقاءُ ما يُؤْذي البدنَ مِن ذلكَ؛ فإنَّ الحرَّ المؤذيَ والبردَ المؤذيَ معدودانِ مِن جملةِ أعداءِ بني آدَمَ. قيلَ لأبي حازِمٍ الزَّاهدِ: إنَّكَ لَتُشَدِّدُ (يَعْني: في العبادةِ)! فقالَ: وكيفَ لا أُشَدِّدُ وقد تَرَصَّدَ لي أربعةَ عشرَ عدوًّا؟! قيلَ: لكَ خاصَّةً؟ قالَ: بل لجميعِ مَن يَعْقِلُ. قيلَ لهُ: وما هذهِ الأعداءُ؟ قالَ: أمَّا أربعةٌ؛ فمؤمنٌ يَحْسُدُني ومنافقٌ يُبْغِضُني وكافرٌ يُقاتِلُني وشيطانٌ يُغْويني ويُضِلُّني، وأمَّا العشرةُ؛ فالجوعُ والعطشُ والحرُّ والبردُ والعريُ والمرضُ والفاقةُ والهرمُ والموتُ والنَّارُ، ولا أُطيقُهُنَّ إلَّا بسلاحٍ تامٍّ، ولا أجِدُ لهنَّ سلاحًا أفضلَ مِن التَّقوى. فعَدَّ الحرَّ والبردَ مِن جملةِ أعدائِهِ. وقالَ الأصْمَعِيُّ: كانتِ العربُ تُسَمِّي الشِّتاءَ الفاضحَ. فقيلَ لامرأةٍ منهُم: أيُّما أشدُّ عليكُـ[ــمُ]؛ القيظُ أمِ القرُّ؟ قالَـ[ــتْ]: سبحانَ اللهِ! مَن جَعَلَ البأْسَ كالأذى؟! فجَعَلْتِ الشِّتاءَ بأْسًا والقيظ أذًى (٣).

стр. 708

قالَ بعضُ السَّلفِ: إنَّ الله وَصَفَ الجنَّةَ بصفةِ الصَّيفِ لا بصفةِ الشِّتاءِ، ققالَ تَعالى: ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ. وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ. وَظِلٍّ مَمْدُودٍ. وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ. وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ﴾ [الواقعة: ٢٨ - ٣٢]. وقالَ اللهُ تَعالى في صفةِ أهلِ الجنَّةِ: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا﴾ [الإنسان: ١٣]؛ فنَفى عنهُم شدَّةَ الحرِّ والبردِ. قالَ قَتادَةُ: عَلِمَ اللهُ أن شدَّةَ الحرِّ تُؤْذي وشدَّةَ البردِ تُؤْذي، فوَقاهُم أذاهُما جميعًا. وقالَ أبو عَمْرِو بنُ العَلاءِ: إنِّي لأُبْغِضُ الشِّتاءَ لنقصِ الفروضِ وذهابِ الحقوقِ وزيادةِ الكلفةِ على الفقراءِ. وقد رُوِيَ في حديثٍ مرفوعٍ: "إنَّ الملائكةَ تَفْرَحُ بذهابِ الشِّتاءِ لِما يَدْخُلُ فيهِ على فقراءِ المؤمنينَ مِن الشِّدَّةِ" (١). ولكنْ لا يَصِحُّ إسنادُهُ. ورُوِيَ أيضًا مرفوعًا: "خيرُ صيفِكُم أشدُّهُ حرًّا، وخيرُ شتائِكُم أشدُّهُ بردًا، وإنَّ الملائكةَ لَتَبْكي في الشِّتاءِ رحمةً لبني آدمَ" (٢). وإسنادُهُ أيضًا باطلٌ. وقالَ بعضُ السَّلفِ: البردُ عدوُّ الدِّينِ. يُشيرُ إلى أنَّهُ يُفَتِّرُ عن كثيرٍ مِن الأعمالِ ويُثَبِّطُ عنها، فتَكْسَلُ النُّفوسُ بذلكَ. وقالَ بعضُهُم: خُلِقَتِ القلوبُ مِن طينٍ، فهيَ تَلينُ في الشِّتاءِ كما يَلينُ الطِّينُ فيهِ.

стр. 709

قالَ الحَسَنُ: الشِّتاءُ ذكرٌ فيهِ اللقاحُ، والصَّيفُ أُنثى فيهِ النَّتاجُ. يُشيرُ إلى أن الصَّيفَ تُنْتَجُ فيهِ المواشي والشَّجرُ. والصَّيفُ عندَ العرب هوَ الرَّبيعُ، وأمَّا الذي تُسَمِّيهِ النَّاسُ الصَّيفَ؛ فالعربُ تُسَمِّيهِ القيظَ. ففي الشِّتاءِ تَغورُ (١) الحرارةُ إلى باطنِ الشَّجرِ فتَنْعَقِدُ موادُّ الثَّمرِ فتَظْهَرُ في الرَّبيعِ مباديها فتُزْهِرُ الشَّجرُ ثمَّ تورِقُ، ثمَّ إذا ظَهَرَتِ الثِّمارُ قَوِيَ حرُّ الشَّمسِ لإنضاجِها. • الإيثارُ في الشِّتاءِ للفقراءِ (٢) بما يَدْفَعُ عنهُمُ البردَ لهُ فضلٌ عظيمٌ. خَرَجَ صَفْوانُ بنُ سُلَيْمٍ في ليلةٍ باردةٍ بالمدينةِ مِن المسجدِ، فرَأي رجلًا عاريًا، فنَزَعَ ثوبَهُ وكَساهُ إيَّاهُ، فرَأى بعضُ أهلِ الشَّامِ في منامِهِ أن صَفْوانَ بنَ سُلَيْمٍ دَخَلَ الجنَّةَ بقميصٍ كَساهُ، فقَدِمَ المدينةَ فقالَ: دُلُّوني على صَفْوانَ، فأتاهُ فقَصَّ عليهِ ما رَأى. رأى مِسْعَرٌ أعرابيًّا يَتَشَرَّقُ (٣) في الشَّمسِ وهوَ يَقولُ: جاءَ الشِّتاءُ وَلَيْسَ عِنْدِيَ دِرْهَمٌ … وَلَقَدْ يُخَصُّ بِمِثْلِ ذاكَ المُسْلِمُ قَدْ قَطَّعَ النَّاسُ الجِبابَ وَغَيْرَها … وَكَأنَّني بِفِناءِ مَكَّةَ مُحْرِمُ فنَزَعَ مِسْعَرٌ جبَّتَهُ فألْبَسَهُ إيَّاها. رُفعَ إلى بعضِ الوزراءِ الصَّالحينَ أن امرأةً معَها أربعةُ أطفالٍ أيتامٍ وهُم عراةٌ جياعٌ، فأمَرَ رجلًا أنْ يَمْضِيَ إليهِم ويَحْمِلَ معَهُ ما يُصْلِحُهُم مِن كسوةٍ وطعامٍ، ثمَّ نَزَعَ ثيابَهُ وحَلَفَ: لا لَبِسْتُها ولا دَفِيتُ حتَّى تَعودَ وتُخْبِرَني أنَّكَ كَسَوْتَهُم وأشْبَعْتَهُم. فمَضى وعادَ وأخْبَرَهُ أنَّهُمُ اكْتَسَوْا وشَبِعوا وهوَ يَرْعُدُ مِن البردِ، فلَبِسَ حينئذٍ ثيابَهُ. خَرَّجَ التَرْمِذِيُّ مِن حديثِ أبي سَعيدٍ مرفوعًا: "مَن أطْعَمَ مؤمنًا على جوعٍ؛ أطْعَمَهُ اللهُ يومَ القيامةِ مِن ثمارِ الجنَّةِ، ومَن سَقاهُ على ظمإ؛ سَقاهُ اللهُ يومَ القيامةِ مِن الرَّحيقِ

стр. 710

المختومِ، ومَن كَساهُ على عريٍ؛ كَساهُ اللهُ مِن خضرِ الجنَّةِ" (١). ورَوى ابنُ أبي الدُّنيا بإسنادِهِ عن ابن مَسْعودٍ؛ قالَ: يُحْشَرُ النَّاسُ يومَ القيامةِ أعرى ما كانوا قطُّ وأجوعَ ما كانوا قطُّ وأظمأ ما كانوا قطُّ: فمَن كَسا للهِ كَساهُ اللهُ، ومَن أطْعَمَ للهِ أطْعَمَهُ اللهُ، ومَن سَقى للهِ سَقاهُ اللهُ، ومَن عَفا للهِ عفا اللهُ عنهُ" (٢).

стр. 711

• ومِن فضائلِ الشِّتاءِ أنَّهُ يُذَكِّرُ بزمهريرِ جهنَّمَ ويوجِبُ الاستعاذةَ منها. وفي حديثِ أبي هُرَيْرَةَ وأبي سَعيدٍ: عن النَّبيِّ ﷺ ؛ قالَ: "إذا [كانَ] يومٌ شديدُ البردِ، فإذا قالَ العبدُ: لا إلهَ إلَّا اللهُ، ما أشدَّ بردَ هذا اليومِ! اللهمَّ أجِرْني مِن زمهريرِ جهنَّمَ. قالَ اللهُ تَعالى لجهنَّمَ: إنَّ عبدًا مِن عبادي اسْتَجارَ بي مِن زمهريرِكِ، وإنِّي أُشْهِدُكِ أنِّي قد أجَرْتُهُ". قالوا: وما زمهريرُ جهنَّمَ؟ قالَ: "بيتٌ يُلْقى فيهِ الكافرُ فيَتَمَيَّزُ مِن شدَّةِ بردِهِ" (١). قامَ زُبَيْدٌ اليامِيُّ ذاتَ ليلةٍ للتَّهجُّدِ، فعَمَدَ إلى مطهرةٍ لهُ كانَ يَتَوَضَّأُ منها، فغَمَسَ يدَهُ في المطهرةِ، فوَجَدَ الماءَ باردًا شديدًا كادَ أنْ يَجْمُدَ مِن شدَّةِ البردِ، فذَكَرَ الزَّمهريرَ ويدُهُ في المطهرةِ، فلمْ يُخْرِجْها حتَّى أصبحَ. فجاءَتْ جاريتُهُ وهوَ على تلكَ الحالِ، فقالَتْ: ما شأْنُك يا سيِّدي لم تُصَلِّ الليلةَ كما كُنْتَ تُصَلِّي وأنتَ قاعدٌ هنا على هذهِ الحالةِ؟ قالَ: ويحكِ! إنِّي أدْخَلْتُ يدي في هذهِ المطهرةِ، فاشْتَدَّ عليَّ بردُ الماءِ، فذَكَرْتُ بهِ الزَّمهريرَ، فواللهِ؟ ما شَعَرْتُ بشدَّةِ بردِهِ حتَّى وَقَفْتِ عليَّ، فانْظُري لا تُحَدِّثي بهذا أحدًا ما دمتُ حيًّا. فما عَلِمَ بذلكَ أحدٌ حتَّى ماتَ. وفي الحديثِ الصَّحيحِ: عن النَّبيِّ ﷺ : "إن لجهنَّمَ نفسينِ؛ نفسًا في الشِّتاءِ ونفسًا في الصَّيفِ. فأشدُّ ما تَجِدونَ مِن البردِ مِن زمهريرِها، وأشدُّ ما تَجِدونَ مِن الحرِّ مِن سمومِها" (٢). [و] رُوِيَ عن أبنِ عَبَّاسٍ؛ قالَ: يَسْتَغيثُ أهلُ النَّارِ مِن الحرِّ، فيُغاثونَ بريحٍ باردةٍ يُصَدِّعُ العظامَ بردُها، فيَسْألونَ الحرَّ. وعن مُجاهِدٍ؛ قالَ: يَهْرُبونَ إلى الزَّمهريرِ، فإذا وَقَعوا فيهِ؛ حَطَمَ عظامَهُم حتَّى يُسْمَعَ لها نقيصٌ. وعن كَعْبٍ قالَ: إنَّ في جهنَّمَ بردًا هوَ الزَّمهريرُ، يُسْقِط اللحمَ، حتَّى يَسْتَغيثوا بحرِّ جهنَّمَ.

стр. 712

وعن عَبْدِ المَلِكِ بن عُمَيْرٍ؛ قالَ: بَلَغَني أن أهلَ النَّارِ سَألوا خازِنَها أنْ يُخْرِجَهُم إلى جنباتِها، فأُخرِجوا، فقَتَلَهُمُ البردُ والزَّمهريرُ، حتَّى رَجَعوا إليها فدَخَلوها ممَّا وَجَدوا مِن البردِ. وقد قالَ اللهُ تَعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا. إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا﴾ [النبأ: ٢٤ - ٢٥]. وقالَ تَعالى: ﴿هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ﴾ [ص: ٥٧]. قالَ ابنُ عَبَّاسٍ: الغَسَّاقُ: الزَّمهريرُ الباردُ الذي يُحْرِقُ مِن بردِهِ. وقالَ مُجاهِدٌ: هوَ الذي لا يَسْتَطيعونَ أنْ يَذوقوهُ مِن بردِهِ. وقيلَ: إنَّ الغسَّاقَ الباردُ المنتنُ. أجارَنا اللهُ تَعالى مِنها. يا مَن تُتْلى عليهِ أوصافُ جهنَّم، ويُشاهِدُ نفسَها كلَّ عامٍ حتَّى يُحِسَّ بهِ ويَتَألَّم، وهوَ مصرٌّ على ما يُقْتَضي دخولَها معَ أنَّهُ يَعْلَم، سَتَعْلَمُ إذا جِيءَ بها تُقادُ بسبعينَ ألفِ زمامٍ مَن يَنْدَم، ألكَ صبرٌ على سعيرِها وزمهريرِها؟ قُلْ وتَكَلَّمْ، ما كانَ صلاحُكَ يُرْجى واللهُ أعلم. كَمْ يَكونُ الشِّتاءُ ثُمَّ المَصيفُ … وَرَبيعُ يَمْضي وَيَأْتي الخَريفُ وَارْتِحالٌ مِنَ الحَرورِ إلى البَرْ … دِ وَسَيْفُ الرَّدى عَلَيْكَ مُنِيفُ يا قَليلَ المُقامِ في هذهِ الدُّنْـ … ـــيا إلى كَمْ يَغُرُّكَ التَّسْويفُ (١) عَجَبًا لامْرِئ يَذِلُّ لِذي الدُّنْـ … ــــيا وَيَكْفيهِ كُلَّ يَوْمٍ رَغيفُ * * * * *

стр. 713

مجلس في ذكر التوبة والحث عليها قبل الموت وختم العمر بها فإنَّ التَّوبةَ وظيفةُ العمرِ. وهيَ خاتمةُ مجالسِ الكتابِ. خَرَّجَ الإمامُ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وابنُ حِبَّانَ في "صحيحه" مِن حديثِ: ابن عُمَرَ، عن النَّبيِّ ﷺ ؛ قالَ: "إنَّ الله يَقْبَلُ توبةَ العبدِ ما لمْ يُغَرْغِرْ" (١). قالَ التِّرْمِذِيُّ: حديثٌ حسنٌ. • دَلَّ هذا الحديثُ على قبولِ اللهِ توبةَ عبدِهِ ما دامَتْ روحُهُ في جسدِهِ لمْ تَبْلُغِ

стр. 714

الحلقومَ والتَّراقيَ. وقد دَلَّ القرآنُ على مثلِ ذلكَ [أيضًا]: قالَ اللهُ : ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: ١٧]. وعملُ السُّوءِ إذا أُفْرِدَ؛ دَخَلَ فيهِ (١) جميعُ السَّيِّئاتِ صغيرُها وكبيرُها. • والمرادُ بالجهالةِ الإقدامُ على عملِ السُّوءِ، وإنْ عَلِمَ صاحبُهُ أنَّهُ سوءٌ؛ فإنَّ كلَّ مَن عَصى الله فهوَ جاهلٌ وكلَّ مَن أطاعَهُ فهوَ عالمٌ، وبيانُهُ مِن وجهينِ: • أحدُهُما: أن مَن كانَ عالمًا باللهِ وعظمتِهِ وكبريائِهِ وجلالِهِ؛ فإنَّهُ يَهابُهُ ويَخْشاهُ، فلا يَقَعُ منهُ معَ استحضارِ ذلكَ عصيانُهُ. كما قالَ بعضُهُم: لو تَفَكَّرَ النَّاسُ في عظمةِ اللهِ؛ ما عَصَوْهُ. وقالَ آخرُ: كَفى بخشيةِ اللهِ علمًا وكَفى بالاغترارِ باللهِ جهلًا. • والثاني: أن مَن آثَرَ المعصيةَ على الطَّاعةِ؛ فإنَّما حَمَلَهُ على ذلكَ: جهلُهُ وظنُّهُ أنَّها تَنْفَعُهُ عاجلًا باستعجالِ لذَّتِها، وإنْ كانَ عندَهُ إيمانٌ؟ فهوَ يَرْجو التَّخلُّصَ مِن سوءِ عاقبتِها بالتَّوبةِ في آخرِ عمرِهِ. وهذا جهلٌ محضٌ؛ فإنَّهُ يَتَعَجَّلُ الإثمَ والخزيَ ويَفوتُهُ عزُّ التَّقوى وثوابُها ولذَّةُ الطَّاعةِ، وقد يَتَمَكَّنُ مِن التَّوبةِ بعدَ ذلكَ وقد يُعاجِلُهُ الموتُ بغتةً، فهوَ كجائعٍ أكَلَ طعامًا مسمومًا لدفعِ جوعِهِ الحاضرِ ورَجا أنْ يَتَخَلَّصَ مِن ضررِهِ بشربِ الدِّرياقِ (٢) بعدَهُ، وهذا لا يَفْعَلُهُ إلَّا جاهلٌ. وقد قالَ اللهُ تَعالى في حقِّ الذينَ يُؤْثِرونَ السِّحرَ: ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ. وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٠٢ - ١٠٣]. والمرادُ أنَّهُم آثَروا السِّحرَ على التَّقوى والإيمانِ لِما رَجَوْا فيهِ مِن منافعِ الدُّنيا المعجَّلةِ معَ علمِهِم أنَّهُم يَفوتُهُم بذلكَ ثوابُ الآخرةِ، وهذا جهلٌ منهُم؛ فإنَّهُم لو عَلِموا؛ لآثَروا الإيمانَ والتَّقوى على ما عَداهُما، فكانوا يُحْرِزونَ أجرَ الآخرةِ ويَأْمَنونَ عقابَها ويَتَعَجَّلونَ عزَّ التَّقوى في الدُّنيا، وربَّما وَصَلوا إلى ما يَأْمُلونَهُ في الدُّنيا

стр. 715

[أ] وإلى خيرٍ منهُ [وأنفعَ]؛ فإن أكثرَ ما يُطْلَبُ بالسِّحرِ قضاءُ حوائجَ محرَّمةٍ أو مكروهةٍ عندَ اللهِ، والمؤمنُ المتَّقي يُعَوِّضُهُ اللهُ في الدُّنيا خيرًّا ممَّا يَطْلُبُهُ السَّاحرُ ويُؤْثِرُهُ معَ تعجيلِهِ عزَّ التَّقوى وشرفَها وثوابَ الآخرةِ وعلوَّ درجاتِها، فتبَيَّنَ بهذا أن إيثارَ المعصيةِ على الطَّاعةِ إنَّما يَحْمِلُ عليهِ الجهلُ، فلذلكَ كانَ كلُّ مَن عَصى الله جاهلًا وكلُّ مَن أطاعَهُ عالمًا، وكَفى بخشيةِ اللهِ علمًا وبالاغترارِ بهِ جهلًا. • فأمَّا التَّوبةُ مِن قريبٌ؛ فالجمهورُ على أن المرادَ بها التَّوبةُ قبلَ الموتِ. والعمرُ كلُّهُ قريبٌ، والدُّنيا كلُّها قريبٌ، فمَن تابَ قبلَ الموتِ؛ فقد تابَ مِن قريبٍ، ومَن ماتَ ولمْ يَتُبْ؛ فقد بَعُدَ كلَّ البعدِ. كما قيلَ: فَهُمْ جِيرَةُ الأحْياءِ أمَّا مَزارُهُمْ … فَدانٍ وَأمَّا المُلْتَقى فَبَعيدُ فالحيُّ قريبٌ، والميِّتُ بعيدٌ مِن الدُّنيا على قربِهِ منها؛ فإنَّ جسمَهُ في الأرضِ يَبْلى، وروحَهُ عندَ اللهِ تُنَعَّمُ أو تُعَذَّبُ، ولقاؤُهُ لا يُرْجى في الدُّنيا، كما قيلَ: مُقيمٌ إلى أنْ يَبْعَثَ اللهُ خَلْقَهُ … لِقاؤُكَ لا يُرْجى وَأنْتَ قَريبُ تَزيدُ بِلًى في كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ … وَتُنْسى كَما تَبْلى وَأنْتَ حَبيبُ وهذانِ البيتانِ سَمِعَهُما داوودُ الطَّائِيُّ ﵀ مِنِ امرأةٍ في مقبرةٍ تَنْدُبُ بهِما ميِّتًا لها، فوَقَعا مِن قلبِهِ موقعًا، فاسْتَيْقَظَ بهِما ورَجَعَ زاهدًا في الدُّنيا راغبًا في الآخرةِ وانْقَطَعَ إلى العبادةِ إلى أنْ ماتَ. فمَن تابَ قبلَ أنْ يُغَرْغِرَ؛ فقد تابَ مِن قريبٍ، فتُقْبَلُ توبتُهُ. ورُوِيَ عن ابن عَبَّاسٍ في قولِهِ تَعالى: ﴿يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ [النساء: ١٧]؛ قالَ: قبلَ المرضِ والموتِ. وهذا إشارةٌ إلى أنَّ أفضلَ أوقاتِ التَّوبةِ هوَ أنْ يُبادِرَ الإنسانُ بالتَّوبةِ في صحَّتِهِ قبلَ نُزولِ المرضِ بهِ حتَّى يَتَمَكَّنَ حينئذٍ مِن العملِ الصَّالحِ. ولذلكَ قَرَنَ اللهُ التَّوبةَ بالعملِ الصَّالحِ في مواضعَ كثيرةٍ مِن القرآنِ. وأيضًا؛ فالتَّوبةُ في الصِّحَّةِ ورجاءِ الحياةِ تُشبِهُ الصَّدقةَ بالمالِ في الصِّحَّةِ ورجاءِ البقاءِ، والتَّوبةُ في المرضِ عندَ حضورِ أماراتِ الموتِ تُشْبِهُ الصَّدقةَ بالمالِ عندَ الموتِ،

стр. 716

فكأنَّ مَن لا يَتوبُ إلَّا في مرضِهِ قدِ اسْتَفْرَغَ صحَّتَهُ وقوَّتَهُ في شهواتِ نفسِهِ وهواهُ ولذَّاتِ دنياهُ، فإذا أيِسَ مِن الدُّنيا والحياةِ فيها؛ تابَ حينئذٍ وتَرَكَ ما كانَ عليهِ. فأينَ توبةُ هذا مِن توبةِ مَن يَتوبُ مِن قريب وهوَ صحيحٌ قويٌّ قادرٌ على عملِ المعاصي تاركٌ لها خوفًا مِن اللهِ ورجاءً لثوابِهِ وإيثارًا لطاعتِهِ على معصيتِهِ؟! دَخَلَ قومٌ على بِشْرٍ الحافي وهوَ مريضٌ، فقالوا لهُ: على ماذا عَزَمْتَ؟ قالَ: عَزَمْتُ على أنِّي إذا عوفِيتُ تُبْتُ. فقالَ لهُ رجلٌ منهُم: فهلَّا تُبْتَ السَّاعةَ! فقالَ: يا أخي! أما عَلِمْتَ أن الملوكَ لا تَقْبَلُ الأمانَ ممَّن في رجلِهِ القيدُ وفي رقبتِهِ الغلُّ، إنَّما يُقْبَلُ الأمانُ ممَّن هوَ راكبٌ الفرسَ والسَّيفُ مجرَّدٌ بيدِهِ؟! فبَكى القومُ جميعًا (١). ومعنى هذا أن التَّائبَ في صحَتِهِ بمنزلةِ مَن هوَ راكبٌ على متنِ جوادِهِ وبيدِهِ سيفٌ مشهورٌ، فهوَ يَقْدِرُ على الكرِّ والفرِّ والقتالِ وعلى الهربِ مِن الملكِ وعصيانِهِ، فإذا جاءَ على هذهِ الحالِ إلى بينَ يديِ الملكِ ذليلًا لهُ طالبًا لأمانِهِ؛ فقد صارَ بذلكَ مِن خواصِّ الملكِ وأحبابِهِ؛ لأنَّهُ جاءَهُ طائعًا مختارًا لهُ راغبًا في [قربِهِ وخدمتِهِ. وأمَّا مَن هوَ في أسرِ الملكِ وفي رجلِهِ قيدٌ وفي رقبتِهِ غلٌّ؛ فإنَّهُ إذا طَلَبَ] الأمان مِن الملكِ؛ فإنَّما طَلَبَهُ خوفًا على نفسِهِ مِن الهلاكِ، وقد لا يَكونُ محبًّا للملكِ ولا مؤثرًا لرضاهُ. فهذا مثلُ مَن لا يَتوبُ إلَّا في مرضِهِ عندَ موتِهِ، والأوَّل بمنزلةِ مَن يَتوبُ في صحَّتِهِ وقوَّتِهِ وشبيبتِهِ. لكنَّ ملكَ الملوكِ أكرمُ الأكرمينَ وأرحمُ الرَّاحمينَ، وكلُّ خلقِهِ أسيرٌ في قبضتِهِ،

стр. 717

لا يُعْجِزُهُ منهُم أحدٌ، لا يُعْجِزُهُ هاربٌ ولا يَفوتُهُ ذاهبٌ، كما قيلَ: لا أقْدَرَ ممَّن طَلِبَتُهُ في يدِهِ، ولا أعْجَزَ ممَّن هوَ في يدِ طالبِهِ. ومع هذا؛ فكلُّ مَن طَلَبَ الأمانَ مِن عذابِهِ مِن عبابٍ أمَّنَهُ على أيِّ حالٍ كانَ إذا عَلِمَ منهُ الصِّدقَ في طلبِهِ (١). أنْشَدَ بعضُ العارفينَ: الأمانَ الأمانَ وِزْري ثَقيلُ … وَذُنوبي إذا عَدَدْتُ تَطولُ أوْبَقَتْني وَأوْثَقَتْني ذُنوبي … فَتُرى لي إلى الخَلاصِ سَبيلُ • وقولُهُ : ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء: ١٨]: فسَوَّى بينَ مَن تابَ عندَ الموتِ ومَن ماتَ مِن غيرِ توبةٍ. والمرادُ بالتَّوبةِ عندَ الموتِ التَّوبةُ عندَ انكشافِ الغطاءِ ومعاينةِ المحتضَرِ أُمورَ الآخرةِ ومشاهدةِ الملائكةِ؛ فإنَّ الإيمانَ والتَّوبةَ وسائرَ الأعمالِ إنَّما تَنْفَعُ بالغيبِ، فإذا كُشِفَ الغطاءُ وصارَ الغيبُ شهادةً؛ لمْ يَنْفَعِ الإيمانُ ولا التَّوبةُ في تلكَ الحالِ. ورَوى ابنُ أبي الدُّنْيا بإسنادِهِ عن عَلِيٍّ؛ قالَ: لا يَزالُ العبدُ في مهلةٍ مِن التَّوبةِ ما لمْ يَأْتِهِ ملكُ الموتِ يَقْبِضُ روحَهُ، فإذا نَزَلَ ملكُ الموتِ؛ فلا توبةَ حينئذٍ. وبإسنادِهِ عن الثَّوْريِّ؛ قالَ: قالَ ابنُ عُمَرَ: التَّوبةُ مبسوطةٌ ما لمْ يَنْزِلْ سلطانُ الموتِ. وعنِ الحَسَنِ؛ قالَ: التَّوبةُ معروضةٌ لابنِ آدَمَ ما لمْ بَأْخْذِ الموتُ بكظمِهِ. وعن بكْرٍ المُزَنيِّ؛ قالَ: لا تَزالُ التَّوبةُ للعبدِ مبسوطةً ما لمْ تَأْتِهِ الرُّسلُ، فإذا عايَنَهُمُ؛ انْقَطَعَتِ المعرفةُ. وعن أبي مِجْلَزٍ؛ قالَ: لا يَزالُ العبدُ في توبةٍ ما لم يُعايِنِ الملائكةَ. ورَوى في "كتاب الموت" بإسنادِهِ: عن أبي موسى الأشْعَرِيِّ" قالَ: إذا عايَنَ الميِّتُ الملَكَ؛ ذَهَبَتِ المعرفةُ. وعن مجاهِدٍ نحوَهُ.

стр. 718

وعن حُصَيْنٍ؛ قالَ: بَلَغَني أن ملكَ الموتِ إذا غَمَزَ وريدَ الإنسانِ حينئذٍ يَشْخَصُ بصرُهُ ويَذْهَلُ عن النَّاسِ. وخَرَّجَ ابنُ ماجَهْ حديثَ أبي موسى مرفوعًا؛ [قالَ]: سَألْتُ النَّبيَّ ﷺ : متى تَنْقَطِعُ معرفةُ العبدِ مِن النَّاسِ؟ قالَ: "إذا عايَنَ" (١). وفي إسنادِهِ مقالٌ، والموقوفُ أشبهُ. وقد قيلَ: إنَّهُ مُنِعَ مِن (٢) التَّوبةِ حينئذٍ؛ لأنَّهُ إذا انْقَطَعَتْ معرفتُهُ وذَهِلَ عقلُهُ؛ لم يُتَصَوَّرْ منهُ ندمٌ ولا عزمٌ؛ فإنَّ النَّدمَ والعزمَ إنَّما يَصِحُّ معَ حضورِ العقلِ، وهذا (٣) ملازمٌ لمعاينةِ الملائكةِ، كما دَلَّتْ عليهِ هذهِ الأخبارُ (٤). • وقولُهُ ﷺ في حديثِ ابن عُمَرَ: "ما لمْ يُغَرْغِرْ"؛ يَعْني: ما لمْ تَبْلُغْ روحُهُ عندَ خروجِها منهُ إلى حلقِهِ. فشَبَّهَ تردُّدَها في حلقِ المحتضَرِ بما يَتَغَرْغَرُ بهِ الإنسانُ مِن الماءِ وغيرِهِ ويُرَدِّدُهُ في حلقِهِ. وإلى ذلكَ الإشارةُ في القرآنِ: بقولِهِ : ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ. وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ. وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ﴾. [الوقعة: ٨٣] وبقولهِ : ﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ﴾ [القيامة: ٢٦]. ورَوى ابنُ أبي الدُّنيا بإسنادِهِ عن الحَسَنِ؛ قالَ: أشدُّ ما يَكونُ الموتُ على العبدِ إذا بَلَغَتِ الرُّوحُ التَّراقيَ. قالَ: فعندَ ذلكَ يَضْطَرِبُ ويَعْلو نفسُهُ. ثمَّ بَكى الحَسَنُ ﵀. عِشْ ما بَدَا لَكَ سالِمًا … في ظِلِّ شاهِقَةِ القُصورِ

стр. 719

يُسْعى عَلَيْكَ بِما اشْتَهَيْـ … ــتَ لَدى الرَّواحِ وفي البُكورِ فَإذا النُّفوسُ تَقَعْقَعَتْ … في ضيقِ حَشْرَجَةِ الصُّدورِ فَهُناكَ تَعْلَمُ موقِنًا … ما كُنْتَ إلَّا في غُرورِ • واعْلَمْ أنَّ الإنسانَ ما دامَ يُؤَمِّلُ الحياةَ فإنَّهُ لا يَقْطَعُ أملَهُ مِن الدُّنيا، وقد لا تَسْمَحُ نفسُهُ بالإقلاعِ عن لذَّاتِها وشهواتِها مِن المعاصي وغيرِها، ويُرَجِّيهِ الشَّيطانُ التَّوبةَ في آخرِ عمرِهِ، فإذا تَيَقَّنَ الموتَ وأيِسَ مِن الحياةِ؛ أفاقَ مِن سكرتِهِ بشهواتِ الدُّنيا، فنَدِمَ (١) حينئذٍ على تفريطِهِ ندامةً يَكادُ يَقْتُلُ نفسَهُ، وطَلَبَ الرَّجعةَ إلى الدُّنيا لِيَتوبَ ويَعْمَلَ صالحًا، فلا يُجابُ إلى شيءٍ مِن ذلكَ، فيَجْتَمعُ عليهِ سكرة الموتِ معَ حسرةِ الفوتِ. وقد حَذَّرَ اللهُ تَعالى عبادَهُ مِن ذلكَ في كتابِهِ لِيَسْتَعِدُّوا للموتِ قبلَ نزولِهِ بالتَّوبةِ والعملِ الصَّالحِ: قالَ تَعالى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ. وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ. أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾ [الزمر: ٥٤ - ٥٦]. وقد سُمعَ بعضُ المحتضَرينَ عندَ احتضارِهِ يَلْطِمُ على وجهِهِ وتقولُ: يا حَسْرَتا عَلى ما فَرَّطْتُ في جنبِ اللهِ. وسُمِعَ من آخرَ: سَخِرَتْ بيَ الدُّنيا حتَّى ذَهَبَتْ أيَّامي. وقالَ آخرُ عندَ موتِهِ: لا تَغُرَّنَكُمُ الدُّنيا كما غَرَّتْني (٢).

стр. 720

وقالَ اللهُ : ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُون لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ. كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾ [المؤمنون: ٩٩ - ١٠٠]. وقالَ تَعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ. وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المنافقون: ١٠]. وقالَ تَعالى: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾ [سبأ: ٥٤]. وفَسَّرَهُ طائفةٌ مِن السَّلفِ - منهُم عُمَرُ بنُ عَبْدِ العَزيزِ - بأَنَّهُم طَلَبوا التَّوبةَ حينَ حيلَ بينَهُم وبينَها. قالَ الحَسَنُ: اتَّقِ الله يا أبنَ آدَمَ! لا يَجْتَمعُ عليكَ خصلتانِ؛ سكرةُ الموتِ، وحسرةُ الفوتِ. وقالَ ابنُ السَّمَّاكِ: احْذَرِ السَّكرةَ والحسرةَ؛ أنْ يَفْجَأكَ الموتُ وأنتَ على الغرَّةِ، فلا يَصِفُ واصفٌ قدرَ ما تَلْقى ولا قدرَ ما ترى. وقالَ الفُضَيْلُ: يَقولُ اللهُ : ابنَ آدَمَ! إذا كُنْتَ تتقَلَّبُ في نعمتي وأنتَ تتقَلَّبُ في معصيتي؛ فاحْذَرْني لا أصْرَعُكَ بينَ معاصِيَّ. وفي بعضِ الإسرائيليَّاتِ: ابنَ آدَمَ! احْذَرْ لا يَأْخُذُكَ اللهُ على ذنبٍ فتَلْقاهُ لا حجَّةَ لكَ. • ماتَ كثيرٌ مِن المصرِّينَ على المعاصي على أقبحِ أحوالِهِم وهُم مباشرونَ للمعاصي، فكانَ ذلكَ خزيًا لهُم في الدُّنيا مع ما صاروا إليهِ مِن عذابِ الآخرةِ. وكثيرًا ما يَقَعُ هذا للمصرِّينَ على الخمرِ المدمنينَ لشربِها، كما قالَ القائلُ (١):

стр. 721

أتَأْمَنُ أيُّها السَّكْرانُ جَهْلًا … بِأنْ تَفْجَاكَ في السُّكرِ المَنِيَّهْ فَتَضْحى عِبْرَةً لِلنَّاسِ طُرًّا … وَتَلْقى الله مِن شَرِّ البَرِيَّهْ سَكِرَ بعضُ المتقدِّمينَ ليلةً، فعاتَبَتْهُ زوجتُهُ على تركِ الصَّلاةِ، فحَلَفَ بطلاقِهما ثلاثًا لا يُصَلِّي ثلاثةَ أيَّامٍ، فاشْتَدَّ عليهِ فراقُ زوجتِهِ، فاسْتَمَرَّ على تركِ الصَّلاةِ مدَّةَ الأيَّامِ الثَّلاثةِ، فماتَ فيها على حالِهِ وهوَ مصرٌّ على الخمرِ تاركٌ للصَّلاةِ. كانَ بعضُ المصرِّينَ على الخمرِ يُكْنى أبا عمرٍو، فنامَ ليلةً وهوَ سكرانُ، فرَأى في منامِهِ قائلًا يَقولُ لهُ: جَدَّ بِكَ الأمْرُ أبا عَمْرِو … وَأنْتَ مَعْكوفٌ عَلى الخَمْرِ تَشْرَبُ صَهْباءَ صُراحِيَّةً … سالَ بِكَ السَّيْلُ وَلاتَدْري فاسْتَيْقَظَ منزعجًا وأخْبَرَ مَن عندَهُ بما رَأى، ثمَّ غَلَبَهُ سكرُهُ فنامَ، فلمَّا كانَ وقتُ الصُّبحِ؛ ماتَ فجأةً. قالَ يَحْيى بنُ مُعاذٍ: الدُّنيا خمرُ الشَّيطانِ، مَن سَكِرَ منها لمْ يُفِقْ إلَّا في عسكرِ الموتى نادمًا معَ الخاسرينَ.

стр. 722

وفي حديثٍ خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ مرفوعًا: "ما مِن أحدٍ يَموتُ إلَّا نَدِمَ". قالوا: وما ندامتُهُ؟ قالَ: "إنْ كانَ محسنًا نَدِمَ أنْ لا يَكونَ ازْدادَ، وإنْ كانَ مسيئًا نَدِمَ أنْ لا يَكونَ اسْتَعْتَبَ" (١). إذا نَدِمَ المحسنُ عندَ الموتِ؛ فكيفَ يَكونُ حالُ المسيءِ؟! غايةُ أُمنيةِ الموتى في قبورِهِم حياةُ ساعةٍ يَسْتَدْرِكونَ فيها ما فاتَهُم مِن توبةٍ وعملٍ صالحٍ، وأهلُ الدُّنيا يُفَرِّطونَ في حياتِهِم فتَذْهَبُ أعمارُهُم في الغفلةِ ضياعًا، ومنهُم مَن يَقْطَعُها بالمعاصي. قالَ بعضُ السَّلفِ: أصْبَحْتُم في أُمنيةِ ناسٍ كثيرٍ؛ يَعْني: أن الموتى كلَّهُم يَتَمَنَّوْنَ حياةَ ساعةٍ لِيَتوبوا [فيها] ويَجْتَهِدوا في الطَّاعةِ، ولا سبيلَ لهُم إلى ذلكَ. وقد أنْشَدَ بعضُهُم: لَوْ قيلَ لِلْقَوْمِ مُناكُمْ (٢) طَلَبوا … حَياةَ يَوْمٍ لِيَتوبوا فَاعْلَمِ وَيْحَكِ يا نَفْسُ ألا تَيَقُّظٌ … يَنْفَعُ قَبْلَ أنْ تَزِلَّ قَدَمي مَضى الزَّمانُ في تَوانٍ وَهوى … فَاسْتَدْرِكي ما قَدْ بَقِيَ وَاغْتَنِمي • الناسُ في التَّوبةِ على أقسامٍ: * فمنهُم: مَن لا يُوَفَّقُ لتوبةٍ نصوحٍ، بل يُيَسَّرُ له عملُ السَّيِّئاتِ مِن أوَّلِ عمرِهِ إلى آخرِهِ حتَّى يَموتَ مصرًّا عليها، وهذهِ حالةُ الأشقياءِ. • وأقبحُ مِن ذلكَ: مَن يُسِّرَ لهُ في أوَّلِ عمرِهِ عملُ الطَّاعاتِ، ثمَّ خُتِمَ لهُ بعملِ سوءٍ حتَّى ماتَ عليهِ: كما في الحديثِ الصَّحيحِ: "إنَّ أحدَكُم لَيَعْمَلُ بعملِ أهلِ الجنَّةِ، حتَّى ما يَكونُ بينَهُ وبينَها إلَّا ذراعٌ، فيَسْبِقُ عليهِ الكتابُ، فيَعْمَلُ بعملِ أهلِ النَّارِ، فيَدْخُلُها" (٣). وفي الحديثِ الذي خَرَّجَهُ أهلُ "السُّنن": "إنَّ العبدَ لَيَعْمَلُ بعملِ أهلِ الجنَّةِ سبعينَ عامًا، ثمَّ يَحْضُرُهُ الموتُ، فيَجورُ في وصيَّتِهِ، فيَدْخُلُ

стр. 723

النَّارَ" (١). ما أصعبَ الانتقالَ مِن البصرِ إلى العمى! وأصعبُ منهُ الضَّلالةُ بعدَ الهدى والمعصيةُ بعدَ التُّقى. كم مِن وجوهٍ خاشعةٍ وُقِّعَ على قصصِ أعمالِها: ﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ. تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً﴾ [الغاشية: ٣ - ٤]! كم مَن شارَفَ مركبُهُ ساحلَ النَّجاةِ، فلمَّا هَمَّ أنْ يَرْتَقِيَ؛ لَعِبَ بهِ موجُ الهوى فغَرِقَ. الخلقُ كلُّهُم تحتَ هذا الخطرِ. قلوبُ العبادِ بينَ أُصبعينِ مِن أصابعِ الرَّحمنِ يقَلِّبُها كيفَ يَشاءُ. قالَ بعضُهُم: ما العجبُ ممَّن هَلَكَ كيفَ هَلَكَ، إنَّما العجبُ ممَّن نَجا كيفَ نَجا! وأنْشَدَ: يا قَلْبُ إلامَ تُطالِبُني … بِلِقا الأحْبابِ وَقَدْ رَحَلوا أرْسَلْتُكَ في طَلَبي لَهُمُ … لِتَعودَ فَضِعْتَ وَما حَصَلوا سَلِّمْ وَأصْبِرْ وَأخْضَعْ لَهُمُ … كَمْ قَبْلَكَ مِثْلَكَ قَدْ قَتَلوا ما أحْسَنَ ماعَلَّقْتَ بِهِ … آمالَكَ مِنْهُمْ لَوْ فَعَلوا • وقسمٌ: يُفْني عمرَهُ في الغفلةِ والبطالةِ، ثمَّ يُوَفَّقُ لعملٍ صالحٍ فيَموتُ عليهِ. وهذهِ حالُ مَن عَمِلَ بعملِ أهلِ النَّارِ حتَّى ما يَكونُ بينَهُ وبينَها إلَّا ذراعٌ، فيَسْبِقُ عليهِ الكتابُ، فيَعْمَلُ بعملِ أهلِ الجنَّةِ، فيَدْخُلُها (٢). الأعمالُ بالخواتيمِ.

стр. 724

وفي الحديثِ: "إذا أرادَ اللهُ بعبدٍ خيرًا؛ عَسَلهُ". قالوا: وما عَسَلَهُ؟ قالَ: "وَفَّقَهُ لعملٍ صالحٍ ثمَّ يَقْبِضُهُ عليهِ" (١). وهؤلاءِ: منهُم مَن يوقَظُ قبلَ موتِهِ بمدَّةٍ يَتَمَكَّنُ فيها مِن التَّزوُّدِ بعملٍ صالحٍ يَخْتِمُ بهِ عمرَهُ. ومنهُم مَن يوقَظُ عندَ حضورِ الموتِ فيُوَفَّقُ لتوبةٍ نصوحٍ يَموتُ عليها. قالَتْ عائشةُ ﵂: إذا أرادَ اللهُ بعبدٍ خيرًا؛ قَيَّضَ لهُ ملكًا قبلَ موتهِ بعامٍ فيُسَدِّدُهُ ويُيَسِّرُهُ حتَّى يَموتَ وهوَ خيرٌ ممَّا كانَ، فيَقولُ النَّاسُ: ماتَ فلانٌ خيرَ ما كانَ. وخَرَّجَهُ البَزَّارُ عنها مرفوعًا، ولفظُهُ: "إذا أرادَ اللهُ بعبدٍ خيرًا؛ بَعَثَ إليهِ ملكًا مِن

стр. 725

عامِهِ الذي يَموتُ فيهِ، فيُسَدِّدُهُ ويُيَسِّرُهُ، فإذا كانَ عندَ موتِهِ؛ أتاهُ ملكُ الموتِ، فقَعَدَ عندَ رأْسِهِ، فقالَ: أيَّتُها النَّفسُ المطمئنَّةُ! اخْرُجي إلى مغفرةٍ مِن اللهِ ورضوانٍ. فذلكَ حينَ يُحِبُّ لقاءَ اللهِ ويُحِبُّ اللهُ لقاءَهُ. وإذا أرادَ اللهُ بعبدٍ شرًّا؛ بَعَثَ إليهِ شيطانًا مِن عامِهِ الذي يَموتُ فيهِ، فأغواهُ، فإذا كانَ عندَ موتِهِ؛ أتاهُ ملكُ الموتِ، فقَعَدَ عندَ رأْسِهِ، فقالَ (١): أيَّتُها النَّفسُ الخبيثةُ! اخْرُجي إلى سخطٍ مِن اللهِ وغضبٍ، فتَتَفَرَّقُ في جسدِهِ، فذلكَ حينَ يُبْغِضُ لقاءَ اللهِ ويُبْغِضُ اللهُ لقاءَهُ" (٢). وفي الدُّعاءِ المأْثورِ: "اللهمَّ! اجْعَلْ خيرَ عملي خاتمتَهُ وخيرَ عمري آخرَهُ" (٣). وفي "المسند": عن عَبْدِ اللهِ بن عَمْرِو بن العاص؛ قالَ: "مَن تابَ قبلَ موتهِ عامًا؛ تيبَ عليهِ، ومَن تابَ قبلَ موتِهِ شهرًا؛ تيبَ عليهِ". حتَّى قالَ: "يومًا". حتَّى قالَ:

стр. 726

"ساعةً". حتَّى قالَ: "فواقًا". فقالَ لهُ إنسانٌ: أرَأيْتَ إنْ كانَ مشركًا فأسْلَمَ؟ قالَ: إنَّما أُحَدِّثُكُم ما سَمِعْتُ مِن رسولِ اللهِ ﷺ (١). وفيهِ أيضًا: عن عَبْدِ الرَّحمنِ البَيْلَمانِيِّ؛ قالَ: اجْتَمَعَ أربعةٌ مِن أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ : فقالَ أحدُهُم: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ ﷺ يَقولُ: "إنَّ الله يَقْبَلُ توبةَ العبدِ قبلَ أنْ يَموتَ بيومٍ". قالَ الآخرُ: أنتَ سَمِعْتَ هذا مِن رسولِ اللهِ ﷺ ؟ قالَ: نعم. قالَ: وأنا سَمِعْتُ مِن رسولِ اللهِ ﷺ يَقولُ: "إن الله يَقْبَلُ توبةَ العبدِ قبل أنْ يَموتَ بنصفِ يومٍ". فقالَ الثَّالثُ: أنتَ سَمِعْتَ هذا مِن رسولِ اللهِ ﷺ ؟ قالَ: نعم. قالَ: وأنا سَمِعْتُ مِن رسولِ اللهِ ﷺ يَقولُ: "إنَّ الله تقْبَلُ توبةَ العبدِ قبلَ أنْ يَموتَ بضحوةٍ". قالَ الرَّابعُ: أنتَ سَمِعْتَ هذا مِن رسولِ اللهِ ﷺ ؟ قالَ: نعم. قالَ: وأنا سَمِعْتُ مِن رسولِ اللهِ ﷺ يَقولُ: "إنَّ الله يَقْبَلُ توبةَ العبدِ ما لمْ يُغَرْغِرْ بنفسِهِ" (٢).

стр. 727

وفيهِ أيضًا: عن أبي سَعيدٍ، عن النَّبيِّ ﷺ ؛ قالَ: "إنَّ الشَّيطانَ قالَ: وعزَّتِكَ يا ربِّ! لا أبْرَحُ أُغْوي عبادَكَ ما دامَتْ أرواحُهُم في أجسادِهِم. فقالَ الرَّبُّ : وعزَّتي وجلالي؛ لا أزالُ أغْفِرُ لهُم ما اسْتَغْفَروني" (١). ذَكَرَ ابنُ أبي الدُّنْيا بإسنادٍ لهُ: أن رجلًا مِن ملوكِ البصرةِ كانَ قد تَنَسَّكَ، ثمَّ مالَ إلى الدُّنيا والسُّلطانِ، فبَنى دارًا وشَيدَها وأمَرَ بها ففُرِشَتْ لهُ ونُجِّدَتْ، واتَّخَذَ مأْدبةً وصَنَعَ طعامًا ودَعا النَّاسَ، فجَعَلوا يَدْخُلونَ فيَأْكُلونَ ويَشْرَبونَ ويَنْطرونَ إلى بنائِهِ ويَتَعَجَّبون منهُ ويَدْعونَ لهُ ويَتَفَرَّقونَ. فمَكَثَ بذلكَ أيَّامًا حتَّى فَرَغَ مِن [أمرِ] النَّاسِ، ثُمَّ جَلَسَ في نفرٍ مِن خاصَّةِ إخوانِهِ فقالَ: قد تَرَوْنَ سروري بداري هذهِ، وقد حَدَّثْتُ نفسي أنْ أتَّخِذَ لكلِّ واحدٍ مِن ولدي مثلَها، فأقيموا عندي أيَّامًا أسْتَمْتعُ بحديثِكُم وأُشاوِرُكُم فيما أُريدُ مِن هذا البناءِ لولدي. فأقاموا عندَهُ أيَّامًا يَلْهُونَ ويَلْعَبونَ ويُشاوِرُهُم كيفَ يَبْني لولد وكيفَ يُريدُ أنْ يَصْنَعَ. فبينَما هُم ذاتَ ليلةٍ في لهوِهِم؛ إذْ سَمِعوا قائلًا

стр. 728

يَقولُ مِن أقاصي الدَّارِ: يا أيُّها الباني النَّاسي مَنِيَّتَهُ … لا تَأْمَنَنَّ فَإن المَوْتَ مَكْتوبُ عَلى الخَلائِقِ إنْ سُرُّوا وَإنْ فَرِحوا … فَالمَوْتُ حَتْفٌ لِذي الآمالِ مَنْصوبُ لا تَبْنِيَنَّ دِيارًا لَسْتَ تَسْكُنُها … وَراجِعِ النُّسْكَ كَيْما يُغْفَرَ الحُوبُ قالَ: ففَزِعَ مِن ذلكَ، وفَزِعَ أصحابُهُ فزعًا شديدًا وراعَهُم ما سَمِعوا مِن ذلكَ، فقالَ لأصحابِهِ: هل سَمِعْتُمْ ما سَمِعْتُ؟ قالوا: نعم. قالَ: فهل تَجِدونَ ما أجِدُ؟ قالوا: وما تَجِدُ؟ قالَ: أجِدُ واللهِ مسكةً على فؤادي ما أراها إلَّا علَّةَ الموتِ. قالوا: كلَّا؛ بل البقاءُ والعافيةُ. قالَ: فبَكى وقالَ: أنتُم أخلَّائي وإخواني، فما لي عندَكُم؟ قالوا: مُرْنا بما أحْبَبْتَ. قالَ: فأمَرَ بالشَّرابِ فأُهْريقَ وبالملاهي فأُخْرِجَتْ. ثمَّ قالَ: اللهمَّ! إنِّي أُشْهِدُكَ ومَن حَضَرَ مِن عبادِكَ أنِّي تائبٌ إليكَ مِن جميعِ ذنوبي، نادمٌ على ما فَرَّطْتُ أيَّامَ مهلتي، وإياكَ أسْألُ إنْ أقَلْتَني أنْ تُتِمَّ عليَّ نعمتَكَ بالإنابةِ إلى طاعتِكَ وإنْ أنتَ قَبَضْتَني إليكَ أنْ تَغْفِرَ لي ذنوبي تفضُّلًا منكَ علي. واشْتَدَّ بهِ الأمرُ فلمْ يَزَلْ تقولُ: الموتُ واللهِ! الموتُ واللهِ! حتَّى خَرَجَتْ نفسُهُ. فكانَ الفقهاءُ يَرَوْنَ أنَّهُ ماتَ على توبةٍ. ورَوى عَبْدُ الواحدِ في كتابِ "قتلى القرآنِ" بإسنادِهِ: أن رجلًا مِن أشرافِ أهلِ البصرةِ كانَ منحدرًا إليها في سفينةٍ ومعَهُ جاريةٌ لهُ، فشَرِبَ يومًا وغَنَّتْهُ جاريتُهُ بعودٍ [لها]، وكانَ معَهُم في السَّفينةِ رجلٌ صالحٌ. فقالَ لهُ: يا فتى! هل تُحْسِنُ مثلَ هذا؟ قالَ: أُحْسِنُ ما هوَ أحسنُ مِن هذا. وكانَ الفقيرُ حسنَ الصَّوتِ، فاسْتَفتَحَ ثمَّ قَرَأ: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا. أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء: ٧٧ - ١٧٨]. فرَمى الرَّجلُ ما بيدِهِ مِن الشَّرابِ في الماءِ، وقالَ: أشْهَدُ أن هذا أحسنُ ممَّا سَمِعْتُ، فهل غيرَ هذا؟ قالَ: نعم. وتَلا عليهِ: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف: ٢٩]. فوَقَعَتْ مِن قلبِهِ موقعًا، ورَمى الشَّرابَ في الماءِ، وكَسَرَ العودَ، ثمَّ قالَ: يا فتى! هل هنا فرجٌ؟ قالَ: نعم. ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ

стр. 729

الرَّحِيمُ﴾ الآيةَ [الزمر: ٥٣]. فصاحَ صيحةً عظيمةً، فنَظَروا إليهِ، فإذا هوَ قد ماتَ. ورَوى ابنُ أبي الدُّنْيا بإسنادِهِ: أن صالِحًا المُرِّيَّ ﵀ كانَ يومًا جالسًا في مجلسِهِ يَقُصُّ على النَّاسِ، فقَرَأ عندَهُ قارئ ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر: ١٨]، فذَكَرَ صالحٌ النَّارَ وحالَ العصاةِ فيها وصفةَ سياقِهِم إليها وبالَغَ في ذلكَ، وبَكى النَّاسُ، فقامَ فتًى كانَ حاضرًا في مجلسِهِ وكانَ مسرفًا على نفسِهِ، فقالَ: أكلُّ هذا في القيامةِ؟ قالَ صالحٌ: نعم، وما هوَ أكبرُ منهُ، لقد بَلَغَني أنَّهُم يَصْرُخونَ في النَّارِ حتَّى تَنْقَطعَ أصواتُهُم فلا يَبْقى منهُم إلَّا كهيئةِ الأنينِ مِن المريضِ المدنفِ. فصاحَ الفتى: إنَّا للهِ وإنَّا إليهِ راجعونَ! وا غفلتاهُ عن نفسي أيَّامَ الحياةِ! ووا أسفاهُ على تفريطي في طاعتِكَ يا سيِّداه! ووا أسفاهُ على تضييعِ عمري في دارِ الدُّنيا! ثمَّ اسْتَقْبَلَ القبلةَ، وعاهَدَ الله على توبةٍ نصوحٍ، ودَعا الله أنْ يَتَقَبَّلَ منهُ، وبَكى حتَّى غُشِيَ عليهِ، فحُمِلَ مِن المجلسِ صريعًا، فمَكَثَ صالحٌ وأصحابُهُ يَعودونَهُ أيَّامًا، ثمَّ ماتَ، فحَضَرَهُ خلقٌ كثيرٌ، فكانَ صالِحٌ يَذْكُرُهُ كثيرًا في مجلسِهِ [ويَقولُ]: بأبي قتيلُ القرآن! وبأمِّي قتيلُ المواعظِ والأحزان! فرَآهُ رجلٌ في منامِهِ فقالَ: ما صَنَعْتَ؟ قالَ: عَمَّتْني بركةُ مجلسِ صالِحٌ فدَخَلْتُ في سعةِ رحمةِ اللهِ التي ﴿وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦]. مَن آلَمَتْهُ سياطُ المواعظِ فصاحَ فلا جناح، ومَن زادَ ألمُهُ فماتَ فدمُهُ مباح (١). قَضى اللهُ في القَتْلى قِصاصَ دِمائِهِمْ … وَلكِنْ دِماءُ العاشِقينَ جُبارُ • وبَقِيَ هاهُنا قسمٌ آخرُ، وهوَ أشرفُ الأقسامِ وأرفعُها، وهوَ مَن يُفْني عمرَهُ في الطَّاعةِ، ثمَّ يُنَبَّهُ على قربِ الأجلِ لِيَجِدَّ في التَّزوُّدِ ويَتَهَيَّأ للرَّحيلِ بعملٍ يَصْلُحُ للِّقاءِ ويَكونُ خاتمةً للعملِ. قالَ ابنُ عَبَّاسٍ: لمَّا نَزَلَتْ على النَّبيِّ ﷺ ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [سورة النصر]؛ نُعِيَتْ لرسولِ اللهِ ﷺ نفسُهُ، فأخَذَ في أشدِّ ما كانَ اجتهادًا في أمرِ

стр. 730

الآخرةِ (١). قالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: كانَ رسولُ اللهِ ﷺ في آخرِ أمرِهِ لا يَقومُ ولا يَقْعُدُ ولا يَذْهَبُ ولا يَجيءُ إلَّا قالَ: "سبحانَ اللهِ وبحمدِه". فذَكَرْتُ ذلكَ لهُ، فقالَ: "إنِّي أُمرْتُ بذلكَ"، وتَلا هذهِ السُّورةَ (٢). وكانَ مِن عادتِهِ ﷺ أنْ يَعْتكِفَ في كلِّ عامٍ في رمضانَ عشرًا ويَعْرِضَ القرآنَ على جِبْريلَ مرَّةً، فاعْتكَفَ في ذلكَ العامِ عشرينَ يومًا وعَرَضَ القرآنَ مرَّتينِ (٣). وكانَ يَقولُ: "ما أرى ذلكَ إلَّا لاقترابِ أجلي" (٤). ثمَّ حَجَّ حجَّةَ الوداعِ وقالَ للنَّاسِ: "خُذوا عنِّي مناسكَكُم، فلعلِّي لا ألْقاكُمْ بعدَ عامي هذا"، وطَفِقَ يُوَدِّعُ النَّاسَ. فقالوا: هذهِ حجَّةُ الوداعِ (٥). ثمَّ رَجَعَ إلى المدينةِ، فخَطَبَ قبلَ وصولِهِ إليها وقالَ: "أيُّها النَّاسُ! إنَّما أنا بشرٌ، يُوشِكُ أنْ يَأْتِيَني رسولُ ربِّي فأُجيبَ"، ثمَّ أمَرَ بالتَّمسُّكِ بكتابِ اللهِ (٦). ثمَّ تُوُفِّيَ بعدَ وصولهِ إلى المدينةِ بيسيرٍ ﷺ . إذا كانَ سيِّدُ المحسنينَ يُؤْمَرُ أنْ يَخْتِمَ عمرَهُ بالزِّيادةِ في الإحسان؛ فكيفَ حالُ المسيءِ المفرِّطِ في عمرِهِ بالأماني والنِّسيانِ. خُذْ في جِدٍّ فَقَدْ تَوَلَّى العُمُرُ … كَمْ ذا التَّفْريطُ قَدْ تَدانى الأمْرُ أقْبِلْ فَعَسى يُقْبَلُ مِنْكَ العُذْرُ … كَمْ تَبْني كَمْ تَنْقُضُ كَمْ ذا الغَدْرُ مَرِضَ بعضُ العابدينَ، فوُصِفَ لهُ داوءٌ يَشْرَبُهُ، فأُتِيَ في منامِهِ فقيلَ لهُ: أتَشْرَبُ الدَّواءَ والحورُ العينُ لكَ تُهَيَّأُ؟! فانْتَبَهَ فزعًا، فصَلَّى في ثلاثةِ أيَّامٍ حتَّى انْحَنى صلبُهُ، ثمَّ ماتَ في اليومِ الثَّالثِ.

стр. 731

وكانَ رجلٌ قدِ اعْتَزَلَ وتَعَبَّدَ، فرَأى في منامِهِ قائلًا يَقولُ لهُ: يا فلانُ! ربُّكَ يَدْعوكَ فتَجَهَّزْ واخْرُجْ إلى الحجِّ ولَسْتَ عائدًا، فخَرَجَ إلى الحجِّ، فماتَ في الطَّريقِ. ورَأى بعضُ الصَّالحينَ في منامِهِ مَن يُنْشِدُهُ: تَأهَّبْ لِلَّذي لا بُدَّ مِنْهُ … مِنَ المَوْتِ المُوَكَّلِ بِالعِبادِ • وخَرَّجَ ابنُ ماجَهْ مِن حديثِ: جابِرٍ؛ أن النَّبيَّ ﷺ خَطَبَ، فقالَ في خطبتِهِ: "أيُّها النَّاسُ! توبوا إلى ربِّكُم قبلَ أنْ تَموتوا، وبادِروا بالأعمالِ الصَّالحةِ قبلَ أنْ تُشْغَلوا" (١). فأمَرَ بالمبادرةِ بالتَّوبةِ قبلَ الموتِ. وكلُّ ساعةٍ تَمُرُّ على أبنِ آدَمَ فإنَّهُ يُمْكِنُ

стр. 732

أنْ يَكونَ ساعةَ موتِهِ، بل كلُّ نَفَسٍ: لا تَأْمَنِ المَوْتَ في طَرْفٍ وَلا نَفَسِ … وَلَوْ تَمَنَّعْتَ بِالحُجَّابِ وَالحَرَسِ قالَ لُقْمانُ لابنِهِ: يا بنيَّ! لا تُؤَخِّرِ التَّوبةَ؛ فإنَّ الموتَ يَأْتي بغتةً. وقالَ بعضُ الحكماءِ: لا تَكُنْ ممَّن يَرْجو الآخرةَ بغيرِ عمل ويُؤَخِّرُ التَّوبةَ لطولِ الأمل. إلى اللهِ تُبْ قَبْلَ انْقِضائِكَ لِلْعُمْرِ … أُخَيَّ وَلا تَأْمَنْ مُفاجَأةَ الأمْرِ وَلا تَتَّهِمْني في دُعائِي فَإنَّما … دَعَوْتُكَ إشْفاقًا عَلَيْكَ مِنَ الوِزْرِ فَقَدْ حَذَّرَتْكَ الحادِثاتُ نُزولَها … وَنادَتْكَ إلَّا أنَّ سَمْعَكَ ذو وَقْرِ تَنوحُ وَتَبْكي لِلأحِبةِ إنْ مَضَوْا … وَنَفْسَكَ لا تَبْكي وَأنْتَ عَلى الإثْرِ قالَ بعضُ السَّلفِ: أصْبِحوا تائبينَ وأمْسُوا تائبينَ. يُشيرُ إلى أن المؤمنَ لا يَنْبَغي أنْ يُصْبِحَ ويُمْسِيَ إلَّا على توبةٍ؛ فإنَّهُ لا يَدْري متى يَفْجَؤُهُ الموتُ صباحًا أو مساءً. فمَن أصْبَحَ أو أمْسى على غيرِ توبةٍ، فهوَ على خطرٍ؛ لأنَّهُ يُخْشى أنْ يَلْقى الله غيرَ تائبٍ فيُحْشَرَ في زمرةِ الظَّالمينَ، قالَ تَعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الحجرات: ١١]. تُبْ مِنْ خَطاياكَ وَابْكِ خَشْيَةَ ما … أُثْبِتَ مِنْها عَلَيْكَ في الكُتُبِ أيَّةَ حالٍ تَكونُ حالُ فَتًى … صارَ إلى رَبِّهِ وَلَمْ يَتُبِ تأْخيرُ التَّوبةِ في حالِ الشَّبابِ قبيحٌ، ففي حالِ المشيبِ أقبحُ وأقبحُ. اللهمَّ! ألْهِمْنا رُشْدَنا. نَعى لَكَ ظِلَّ الشَّبابِ المَشيبُ … وَنادَتْكَ بِاسْمِ سِواكَ الخُطوبُ فَكُنْ مُسْتَعِدًّا لِداعِي الفَناءِ … فَكُلُّ الذي هُوَ آتٍ قَريبُ

стр. 733

ألَسْنا نَرى شَهَواتِ النُّفو … سِ تَفْنى وَتَبْقى عَلَيْنا الذُّنوبُ يَخافُ عَلى نَفْسِهِ مَنْ يَتوبُ … فَكَيْفَ يَكُنْ حالُ مَنْ لا يَتوبُ (١) فأَمَّا إذا نَزَلَ المرضُ بالعبدِ؛ فتأخيرُهُ للتَّوبةِ حينئذٍ أقبحُ مِن كلِّ قبيحٍ؛ فإنَّ المرضَ نذيز الموتِ. ويَنْبَغي لمَن عادَ مريضًا أنْ يُذَكِّرَهُ التَّوبةَ والاستغفارَ، فلا أحْسَنَ مِن ختامِ العملِ بالتَّوبةِ والاستغفارِ: فإنْ كانَ العملُ سيِّئًا؛ كانَ كفَّارةً لهُ، وإنْ كانَ حسنًا؛ كانَ كالطَّابعِ عليه. وفي حديثِ سيِّدِ الاستغفارِ المخرَّجِ في الصَّحيحِ (٢): أن مَن قالَهُ إذا أصْبَحَ وإذا أمْسى ثمَّ ماتَ مِن يومِهِ أو ليلتِهِ؛ كانَ مِن أهلِ الجنَّةِ. ولْيُكْثِرْ في مرضِهِ مِن ذكرِ اللهِ، خصوصًا مِن كلمةِ التَّوحيدِ؛ فإنَّهُ مَن كانَتْ آخرَ كلامِهِ دَخَلَ الجنَّةَ. وفي حديثِ أبي سَعيدٍ وأبي هُرَيْرَةَ: عن النَّبيِّ ﷺ ؛ أنَّهُ قالَ: "مَن قالَ في مرضِهِ: لا إلهَ إلَّا اللهُ واللهُ أكبرُ، لا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ لهُ الملكُ ولهُ الحمدُ، لا إلهَ إلَّا اللهُ ولا حولَ ولا قوَّةَ إلَّا باللهِ؛ فإنْ ماتَ في مرضِهِ؛ لمْ تَطْعَمْهُ النَّارُ" (٣). خَرَّجَهُ النَّسائِيُّ وابنُ ماجَهْ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ.

стр. 734

وفي روايةٍ للنَّسائِيِّ: "مَن قالَهُنَّ في يومٍ أو في ليلةٍ أو في شهرٍ، ثمَّ ماتَ في ذلكَ اليومِ أو في تلكَ الليلةِ أو في ذلكَ الشَّهرِ؛ غُفِرَ لهُ ذنبُهُ" (١). ويُرْوى مِن حديثِ: حُذَيْفَةَ، عن النَّبيِّ ﷺ ؛ قالَ: "مَن خُتِمَ لهُ بقولِ لا إلهَ إلَّا اللهُ؛ دَخَلَ الجنَّةَ، ومَن خُتِمَ لهُ بصيامِ يوم أرادَ بهِ وجهَ اللهِ؛ أدْخَلَهُ اللهُ الجنَّةَ، ومَن خُتِمَ لهُ بإطعامِ مسكينٍ أرادَ بهِ وجهَ اللهِ؛ أدْخَلَهُ اللهُ الجنَّةَ" (٢).

стр. 735

• كانَ السَّلفُ يَرَوْنَ أنَّ مَن ماتَ عقيبَ عملٍ صالحٍ كصيامِ رمضانَ أو عقيبَ حجٍّ أو عمرةٍ؛ أنَّهُ يُرْجى لهُ أنْ يَدْخُلَ الجنَّةَ. وكانوا معَ اجتهادِهِم في الصِّحَّةِ في الأعمالِ الصَّالحةِ يُجَدِّدونَ التَّوبةَ والاستغفارَ عندَ الموتِ ويَخْتِمونَ أعمالَهُم بالاستغفارِ وكلمةِ التَّوحيدِ. لمَّا احْتُضِرَ العَلاءُ بنُ زِيادٍ؛ بَكى. فقيلَ لهُ: ما يُبْكيكَ؟ قالَ: كُنْتُ واللهِ أُحِبُّ أنْ أسْتَقْبِلَ الموتَ بتوبةٍ. قالوا: فافْعَلْ رَحِمَكَ اللهُ. فدَعا بطهورٍ فتَطَهَّرَ، ثمَّ دَعا بثوبٍ لهُ جديدٍ فلَبِسَهُ، ثمَّ اسْتَقْبَلَ القبلةَ، فأوْمَأ برأْسِهِ مرَّتينِ أو نحوَ ذلكَ، ثمَّ اضْطَجَعَ فماتَ. ولمَّا احْتُضِرَ عامِرُ بنُ عَبْدِ اللهِ؛ بَكى وقالَ: لمثلِ هذا المصرعِ فلْيَعْمَلِ العاملونَ. اللهمَّ! إنِّي أسْتَغْفِرُكَ مِن تقصيري وتفريطي، وأتوبُ إليكَ مِن جميعِ ذنوبي، لا إلهَ إلَّا اللهُ. ثمَّ لمْ يَزَلْ يُرَدِّدُها حتَّى ماتَ ﵀. وقالَ عَمْرُو بنُ العاصِ عندَ موتهِ: اللهمَّ! أمَرْتَنا فعَصَيْنا، ونَهَيْتَنا فرَكِبْنا، ولا يَسَعُنا إلَّا عفوُكَ، لا إلهَ إلَّا اللهُ. ثمَّ رَدَّدها حتَّى ماتَ. وقالَ عُمَرُ بنُ عَبْدِ العَزيزِ عندَ موتِهِ: أجْلِسوني. فأجْلَسوهُ. فقالَ: أنا الذي أمَرْتَني

стр. 736

فقَصَّرْتُ ونَهَيْتَني فعَصَيْتُ، ولكنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ. ثمَّ رَفَعَ راسَهُ فأحَدَّ النَّظرَ. فقالوا لهُ: إنَّكَ تَنْظُرُ نظرًا شديدًا يا أميرَ المؤمنينَ! قالَ: إنِّي أرى حضرةً ما هُم بإنسٍ ولا جنٍّ. ثمَّ قُبِضَ رحمةُ اللهِ عليهِ. وسَمِعوا تاليًا يَتْلو: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص: ٨٣]. يا غافِلَ القَلْبِ عَنْ ذِكْرِ المَنِيَّاتِ … عَمَّا قَليلٍ سَتَثْوي بَيْنَ أمْواتِ فَاذْكُرْ مَحَلَّكَ مِنْ قَبْلِ الحُلولِ بِهِ … وَتُبْ إلى اللهِ مِنْ لَهْوٍ وَلَذَّاتِ إنَّ الحِمامَ لَهُ وَقْتٌ إلى أجَلٍ … فَاذْكُرْ مَصائِبَ أيَّامٍ وَساعاتِ لا تَطْمَئِنَّ إلى الدُّنْيا وَزينَتِها … قَدْ حانَ لِلْمَوْتِ يا ذا اللُبِّ أنْ يَاتي • التَّوبةَ التَّوبة، قبلَ أنْ يَصِلَ إليكُم مِن الموتِ النَّوبة، فيَحْصُلَ المفرِّطُ على النَّدمِ والخيبة. الإنابةَ الإنابة، قبلَ غلقِ بابِ الإجابة. الإفاقةَ الإفاقة؛ فقد قَرُبَ وقتُ الفاقة. ما أحسنَ قلقَ التُّوَّاب! ما أحلى قدومَ الغيَّاب! ما أجملَ وقوفَهُم بالباب! أسَأْتُ وَلَمْ أُحْسِنْ وَجِئْتُكَ تائِبًا … وَأنَّى لِعَبْدٍ مِنْ مَواليهِ مَهْرَبُ يُؤَمِّلُ غُفْرانًا فَإنْ خابَ ظَنُّهُ … فَما أحَدٌ مِنْهُ عَلى الأرْضِ أخْيَبُ مَن نَزَلَ بهِ الشَّيبُ فهوَ بمنزلةِ الحاملِ التي تَمَّتْ شهورُ حملِها فما تَنْتَظِرُ إلَّا الولادةَ، كذلكَ صاحبُ الشَّيبِ لا يَنْتَظِرُ غيرَ الموتِ، فقبيحٌ منهُ الإصرارُ على الذَّنبِ حينئذٍ. أيَّ شَيْءٍ تُريدُ مِنِّي الذُّنوبُ … شُغِفَتْ بي فَلَيْس عَنِّي تَغيبُ ما يَضُرُّ الذُّنوبَ لَوْ أعْتَقَتْني … رَحْمَةً بي فَقَدْ عَلاني المَشيبُ ولكنْ توبةُ الشَّبابِ أحسنُ وأفضل. في حديثٍ مرفوعٍ خَرَّجَهُ ابنُ أبي الدُّنيا: "إن الله يُحِبُّ الشَّابَّ التَّائبَ" (١).

стр. 737

قالَ عُمَيْرُ بنُ هانئ: تَقولُ التَّوبةُ للشَّابِّ: أهلًا ومرحبًا، وتَقولُ للشَّيخِ: نَقْبَلُكَ على ما كانَ منكَ. الشَّابُّ تَرَكَ المعصيةَ معَ قوَّةِ الدَّاعي إليها، والشَّيخُ قد ضَعُفَتْ شهوتُهُ وقَلَّ داعيهِ، فلا يَسْتَوِيانِ. وفي بعضِ الآثارِ: يَقولُ اللهُ تَعالى: أيُّها الشَّابُّ التَّاركُ شهوتَهُ المبتذلُ شبابَهُ لأجلي! أنتَ عندي كبعضِ ملائكتي (١). قالَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ ﵁ في قولهِ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [الحجرات: ٣]: همُ الذينَ يَشْتَهونَ المعاصيَ ولا يَعْمَلونَ بِها (٢). كم بينَ حالِ الذي قالَ معاذَ اللهِ إنَّهُ ربِّي أحْسَنَ مثوايَ وبينَ شيخٍ عِنِّينٍ يُدْعى لمثلِ ذلكَ!

стр. 738

كانَ عُمَرُ ﵁ يَعُسُّ بالمدينةِ، فسَمعَ امرأةً غابَ عنها زوجُها تُنْشِدُ: تَطاوَلَ هذا اللَّيْلُ تَسْري كَواكِبُهْ … وَأرَّقَني أنْ لا خَليلٌ أُلاعِبُهْ فوَاللهِ لَوْلا اللهُ لا رَبَّ غَيْرُهُ … لَحُرِّكَ مِنْ هذا السَّريرِ جَوانِبُهْ وَلكِنَّني أخْشى رَقيبًا مُوَكَّلًا … بِأنْفُسِنا لا يَفْتُرُ الدَّهْرَ كاتِبُهْ فقالَ لها عُمَرُ: يَرْحَمُكِ اللهُ! يَرْحَمُكِ اللهُ! ثمَّ بَعَثَ إلى زوجِها فأمَرَهُ أنْ يَقْدُمَ عليها، وأمَرَ أنْ لا يَغيبَ أحدٌ عن امرأتِهِ أكثرَ مِن ستَّةِ أشهرٍ. الشَّيخُ قد تَرَكَتْهُ الذُّنوبُ فلا حمدَ لهُ على تركِها، كما قيلَ: تارَكَكَ الذَّنْبُ فَتارَكْتَهُ … بِالفِعْلِ وَالشَّهْوَةُ في القَلْبِ فَالحَمْدُ لِلذَّنْبِ عَلى تَرْكِهِ … لا لَكَ في تَرْكِكَ لِلذَّنْبِ أما تَسْتَحي منَّا؟! لمَّا أعْرَضَتْ لذَّاتُ الدُّنيا عنكَ فلمْ يَبْقَ لها فيكَ رغبةٌ وصِرْتَ مِن سَقَطِ المتاع لا حاجةَ لأحدٍ فيكَ؛ جِئْتَ إلى بابِنا فقُلْتَ: أنا تائبٌ! ومعَ هذا؛ فكلُّ مَن أوى إلينا آوَيْناه، وكلُّ مَنِ اسْتَجارَ بنا أجَرْناه، ومَن تابَ إلينا أحْبَبْناه. أبْشِرْ؛ فربَّما يَكونُ الشَّيبُ شافعًا لصاحبِهِ في العفوِ. ماتَ شيخٌ كانَ مفرِّطًا، فرُّئِيَ في المنامِ، فقيلَ لهُ: ما فَعَلَ اللهُ بكَ؟ قالَ: قالَ لي: لولا أنَّكَ شيخٌ لَعَذَّبْتُكَ. وَقَفَ شيخٌ بعرفةَ، والنَّاسُ يَضِجُّونَ بالدُّعاءِ وهوَ ساكتٌ، ثمَّ قَبَضَ على لحيتِهِ وقالَ: يا ربِّ! شيخٌ! شيخٌ يَرْجو رحمتَكَ. لَمَّا أتَوْا وَالشَّيْبُ شافِعُهُمْ … وَقَدْ تَوالى عَلَيْهِمُ الخَجَلُ قُلْنا لِسودِ الصَّحائِفِ انْقَلِبي … بيضًا فَإنَّ الشُيوخَ قَدْ قُبِلوا كانَ بعضُ الصَّالحينَ يَقولُ: إن الملوكَ إذا شابَتْ عبيدُهُم في رقِّهِم عَتَقوهُم، وقد شِبْتُ في رقِّكَ فأعْتِقْني. إنَّ المُلوكَ إذا شابَتْ عَبيدُهُمُ … في رِقِّهِمْ عَتَقوهُمْ عِتْقَ أبْرارِ وَأنْتَ يا خالِقي أوْلى بِذا كَرَمًا … قَدْ شِبْتُ في الرِّقِّ فَأعْتِقْني مِنَ النَّارِ • أيُّها العاصي! ما يَقْطَعُ مِن صلاحِكَ الطَّمَع، ما نَصَبْنا شركَ المواعظِ إلَّا لِتَقَع.

стр. 739

إذا خَرَجْتَ مِنَ المجلسِ وأنتَ عازمٌ على التَّوبةِ؛ قالَتْ لكَ ملائكةُ الرَّحمةِ: مرحبًا وأهلًا، فإنْ قالَ لكَ رفاقُ المعصيةِ: هلمَّ إلينا؛ فقُلْ لهُم: كلَّا، ذاكَ خمرُ الهوى الذي عَهِدْتُموهُ قدِ اسْتَحالَ خَلًّا. يا مَن سَوَّدَ كتابَهُ بالسِّيِّئاتِ! قد آنَ لكَ بالتَّوبةِ أنْ تَمْحو. يا سكرانَ القلبِ بالشَّهوات! أما آنَ لفؤادِكَ أنْ يَصْحو. يا نَدامايَ صَحا القَلْبُ صَحا … فَاطْرُدوا عَنِّي الصِّبا وَالمَرَحا زَجَرَ الوَعْظُ فُؤادي فَارْعَوى … وَأفاقَ القَلْبُ مِنِّي وَصَحا هَزَمَ العَزْمُ جُنودًا لِلْهَوى … فاسِدي لا تَعْجَبُوا إنْ صَلَحا بادِروا التَّوْبَةَ مِنْ قَبْلِ الرَّدى … فَمُناديهِ يُنادينا الوَحا آخرُها، أحْسَنَ اللهُ خاتمتَها، وكانَ الفراغُ منها على يدِ أفقرِ عبادِ اللهِ وأحوجِهِم إلى رحمتِهِ النَّادمِ على ما كانَ من كسبِهِ إلْياسَ بن خَضِرِ بن مُحَمَّدٍ الدَّاعي لمالكِهِ وكاتبِهِ بطولِ البقاءِ وعلوِّ الدَّرجاتِ والارتقاءِ، وهو الشيخُ الإمامُ العالمُ العاملُ وحيدُ دهرِهِ وفريدُ عصرِهِ ونسيجُ وحدِهِ الشَّيخُ علاءُ الدِّينِ عليُّ بنُ سليمانَ المِرْداوِيُّ أمْتَعَ اللهُ بطولِ بقائِهِ وأعادَ علينا وعلى المسلمينَ مِن بركاتِهِ غَفَرَ اللهُ لهُ ولوالديهِ ولكاتبِ هذهِ الأسطرِ ولجميعِ المسلمينَ والحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ وذلكَ في اليومِ الثَّاني والعشرينَ من شهرِ اللهِ المحرَّمِ من شهورِ سنة خمسينَ وثمانِ مئةٍ بالمدرسةِ الموسومةِ بالشَّيخِ أبي عُمَرَ جَعَلَها اللهُ تَعالى دائمةً ما دامتِ السَّماواتُ والأرضُ ولا أخْلاها ممَّا فيها إنَّهُ على ما يَشاءُ قديرٌ وبالإجابةِ جديرٌ وصَلَّى اللهُ على سيِّدِنا مُحَمَّدٍ وآلِهِ وصحبِهِ وسَلَّمَ وحسبُنا اللهُ ونعمَ الوكيلُ (١). * * * * *