[مقدمة]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله ربّ العالمين، وأشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمّدا عبده ورسوله، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما كثيرا.
أمّا بعد ..
فإنّ أحسن الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمّد ﷺ ، وشرّ الأمور محدثاتها، وكلّ محدثة بدعة، وكلّ بدعة ضلالة، وكلّ ضلالة في النّار.
لقد كانت الرّغبة لديّ في تحرير مقدّمات مهمّة تتّصل بالكتاب العزيز قديمة، وذلك على سبيل المشاركة في تقريب العلوم الأساسيّة لفهم الكتاب والسّنّة، دون بخس لما سبق به أهل العلم في هذا الباب، ولكن بمنهج محرّر يجمع بين صحيح النّقل وصريح العقل دون تكلّف، مجانب الاستدلال بالضّعيف من الأخبار، غير جار على المعتاد من التّقليد لا في المضمون ولا في الأسلوب، إذ لو كنّا مجرّد نقلة لكان الإبقاء على مؤلّفات الأقدمين أولى من تكلّف التّصنيف.
وعلوم القرآن أولى وأوّل ما يشمّر له أصحاب الهمم العالية، إذ هي مفاتيح سائر علوم الإسلام، ولا يحسن بالطّالب أن يقدّم عليها سواها
стр. 2
فيشتغل بحديث أو فقه أو غير ذلك، ولمّا يأخذ من علم القرآن قاعدته، وإنّي لأعجب من منتسب للعلم قد ذهب حظّه من علوم الكتاب، واقتصر سعيه على طرف من فتات المسائل، فاستبدل الّذي هو أدنى بالّذي هو خير، وأسوأ منه حالا من تدنّى تحصيله من ذلك إلى قدر لا يحسن معه تلاوة القرآن وهو يتصدّى لعظام الأمور!
وحيث لا يخفى أنّ علوم القرآن بمعناها العامّ لا حصر لها بأنواع معيّنة، فهو الكتاب الّذي قال الله تعالى فيه: وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ [النحل: ٨٩]، فإنّ الكلام فيها إنّما هو من حيث النّظر إلى معرفة مقدّمات أساسيّة ينبغي الإلمام بها لكلّ راغب في دراسة هذا الكتاب العزيز، توضّح مزاياه، وتحقّق إسناده، وتهدي إلى معرفته وفهمه.
ومن خلال الدّراسة تحصّل لي أنّ البحث في ذلك يتناول معرفة المقدّمات السّتّ التّالية:
المقدّمة الأولى: نزول القرآن.
المقدّمة الثّانية: حفظ القرآن.
المقدّمة الثّالثة: نقل القرآن.
المقدّمة الرّابعة: النّسخ في القرآن.
المقدّمة الخامسة: تفسير القرآن.
المقدّمة السّادسة: أحكام قراءة القرآن.
стр. 3
وربّما أدرجت مباحث أخرى في جملة (علوم القرآن) كالكلام على خصائصه وأسلوبه اللّغويّ، وأسلوب القصّة فيه، وقوانين الجدل والمناظرة، وطريقة وأنواع الأحكام فيه، وشبه ذلك، ممّا ينقسم إجمالا إلى ثلاثة أقسام:
أوّلها: مباحث تتّصل بإبراز الإعجاز في القرآن، وهذا ليس علما تطبيقيّا من علوم القرآن، وقد قدّمت بالتّنبيه على أهمّه، والمقصود الاعتناء بالعلوم التأصيليّة العامّة الّتي سمّيتها ب (المقدّمات) لتكون قاعدة لغيرها، لا بالإنشائيّات الأدبيّة.
وثانيها: مباحث تندرج تحت علم التّفسير، والّذي يعنينا هنا هو ذكر مقدّمة تحتوي على أصول عامّة في هذا الفنّ العظيم، فالقصّة القرآنيّة والمثل في القرآن مثلا ممّا يعرف من تفاصيل ذلك الفنّ، ولا ينبغي إدراجه تحت المقدّمات في علوم القرآن.
وثالثها: ما يتّصل بمباحث الأحكام، فمحلّه تأصيلا علم (أصول الفقه)، وتفريعا (الفقه)، وأخذه من هناك أولى، خصوصا وأنّ السّنّة تشارك القرآن في ذلك من كلّ وجه، إذ طبيعة الأحكام فيهما واحدة.
واستثنيت من ذلك (موضوع النّسخ) فجعلته إحدى هذه (المقدّمات)، مع مشاركة السّنّة للقرآن فيه، وذلك لما له من الصّلة بسلامة القرآن.
كذلك، ليس من مباحث علوم القرآن المحضة: علم النّحو، وعلم
стр. 4
الصّرف، وعلوم البلاغة، وإن اتّصلت به أو كان السّبب في وضعها وإنشائها؛ لأنّها صارت قوانين لعموم لغة العرب، واعتنى النّاس
بها على سبيل الاستقلال لهذه العلّة، فأغنت أبحاثها الخاصّة عن إقحامها في علوم القرآن المحضة.
فهذا الكتاب قد أتيت فيه على تحرير تلك المقدّمات، مع التّقديم بين يديها بتمهيد لبيان الاعتقاد في القرآن وأسمائه وتعريف السّورة والآية، ولبيان ما يعود إليه إعجازه.
والله ﵎ أسأل أن يتقبّل هذا الجهد منّي، وأن يرفعني به ووالديّ وأهل بيتي، ومن بذل جهدا في مراجعته، ومن كان سببا في نشره، إلى منازل أوليائه
المقرّبين، وأن ينفع به جميع من وقف عليه، هو وليّ ذلك والقادر عليه، ولا حول ولا قوّة إلّا بالله العليّ العظيم.
وكتب أبو محمّد عبد الله بن يوسف الجديع في محرّم الحرام ١٤٢٢ هـ
***
стр. 5
تمهيد
القرآن وإعجازه
تعريف القرآن:
القرآن في لغة العرب: مصدر كالقراءة، ومعناه الجمع، وسمّي القرآن الّذي أنزل الله على محمّد ﷺ قرآنا؛ لأنّه يجمع السّور ويضمّها (١).
وهو اسم للكتاب العربي المنزل على محمّد ﷺ والمكتوب في المصاحف، المبتدأ بالبسملة فسورة الفاتحة، والمختتم بسورة النّاس.
وهو ذاته المكتوب في اللّوح المحفوظ، كما قال الله تعالى:
بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ ٢١ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ ٢٢ [البروج: ٢١ - ٢٢]، وفي الكتاب المكنون، كما قال تعالى: إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ
(٧٨) لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ ٧٩ [الواقعة: ٧٧ - ٧٩]، وفي الصّحف المكرّمة، كما قال الله : كَلَّا إِنَّها تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ (٥٥) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرامٍ بَرَرَةٍ ١٦ [عبس: ١١ - ١٦].
وهو غير التّوراة الّتي أنزل الله على موسى، وغير الإنجيل الّذي أنزل على عيسى.
стр. 6
وهو جميعه بسوره وآياته وكلماته كلام الله تعالى، تكلّم به، أسمعه لرسوله جبريل ﵇، فنزل به جبريل مبلّغا إيّاه كما سمعه لرسول الله محمّد ﷺ ، كما قال الله : قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ [النحل: ١٠٢]، وقال: وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ ١٩٢ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ ١٩٤ [الشّعراء: ١٩٢ - ١٩٤].
فبلّغه محمّد ﷺ كما أنزل عليه ما كتم منه حرفا، وبلّغه أصحابه للأمّة من بعده ما كتموا منه حرفا، وهو بأيدي النّاس في المصاحف مسطور، وفي قلوب الحفّاظ محفوظ، تعهّد الله تعالى بحفظه فما يقدر على تبديل شيء منه أحد حتّى يرفع من الصّدور والسّطور بإذنه تعالى.
كما قال الله : وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنا وَكِيلًا (٨٦) إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كانَ عَلَيْكَ كَبِيراً [الإسراء: ٨٦ - ٨٧]، فدلّ على أنّ القرآن يمكن أن يرفعه الله بقدرته إن شاء.
وقد صحّ من حديثي حذيفة بن اليمان وأبي هريرة، رضي الله
عنهما، عن النّبيّ ﷺ قال: «ليسرى على كتاب الله في ليلة، فلا يبقى في الأرض منه آية» (١).
стр. 7
وهو مضاف إلى الله تعالى إضافة صفة لا إضافة خلق، هذا اعتقاد أهل السّنّة والجماعة، وهو الّذي دلّت عليه البراهين النّقليّة والعقليّة (١).
و (القرآن) اسم لجميع الكتاب المنزل.
стр. 8
كما أنّ الجزء منه كآية أو نحوها يسمّى (قرآنا) أيضا، كما قال تعالى: وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ٢٠٤ [الأعراف: ٢٠٤]، وهذا مراد به بعض القرآن.
أسماء القرآن:
سمّى الله تعالى القرآن العظيم بأسماء، ونعته بنعوت، فمن أسمائه:
١ - الكتاب، كما قال تعالى ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ [البقرة: ٢].
٢ - كلام الله، كما قال تعالى: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ [التّوبة: ٦].
٣ - الفرقان، كما قال : تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ [الفرقان: ١].
٤ - الذّكر، كما قال تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ ٩ [الحجر: ٩].
٥ - المصحف، وهي تسمية ظهرت بعد أن جمع القرآن في عهد الصّدّيق، كما سيأتي شرحه، ولم يثبت حديث مرفوع إلى النّبيّ ﷺ من قوله في إطلاق هذه التّسمية على القرآن المجموع فيما بين الدّفّتين؛ لأنّه لم يكن في عهده بين دفّتين على هيئة المصحف.
стр. 9
وتسمية (المصحف) جاءت من الصّحف الّتي جمع بعضها إلى بعض فأصبحت على هيئة الكتاب.
وأمّا ما ذكر الله من نعوت كلامه المنزل على محمّد ﷺ فكثير، فهو: هدى، وشفاء، ورحمة، وموعظة، وذكرى، وبشرى، ونذير، وبيان، وروح، ونور، ومبين، ومفصّل، ومبارك، وبصائر، وكريم، وعليّ، وحكيم، وعزيز، ومجيد، وقيّم، وأحسن الحديث، وغير ذلك من الصّفات الدّالّة على عظمته ومنزلته ورفيع قدره ممّا اقترن بذكره أو عند الإشارة إليه في كتاب الله تعالى وسنّة نبيّه ﷺ .
تعريف السورة والآية:
السّورة، قيل في معناها أقوال أعدلها ما يأتي:
الأوّل: يقال (سورة) للمنزلة من البناء، فسمّيت (السّورة) من القرآن بذلك؛ لأنّها منزلة بعد منزلة، مقطوعة عن الأخرى، أو لأنّها درجة إلى غيرها.
والثّاني: الشّرف والمنزلة، ومنه قول النّابغة:
ألم تر أنّ الله أعطاك سورة ... ترى كلّ ملك دونها يتذبذب
فسمّيت (السّورة) من القرآن بذلك لشرفها ومنزلتها.
стр. 10
والثّالث: أصلها (سؤرة) وهي بقيّة الشّيء، ترك الهمز فيها تسهيلا لكثرتها في الكلام والقرآن، وعليه تكون (السّورة) بمعنى القطعة من القرآن (١).
والآية: العلامة، وسمّيت (الآية) من القرآن بذلك- فيما قيل-
لأنّها علامة لانقطاع كلام من كلام، أو لأنّها بمنزلة أعلام الطّريق المنصوبة للاهتداء بها (٢).
وكذلك (الآية) الجماعة في قول بعض أهل العربيّة، وعليه فسمّيت (الآية) من القرآن بذلك لأنّها جماعة حروف (٣).
القرآن المعجزة الباقية:
إعجاز القرآن: إثباته عجز البشر عن الإتيان بمثله أو بمثل بعضه، في ألفاظه ومعانيه.
وهذه الخصوصيّة جعلت القرآن أعظم الأدلّة على صدق النّبيّ ﷺ في رسالته، والحجّة الباقية على النّاس إلى أن تقوم السّاعة.
стр. 11
قال الله : وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ٥١ [العنكبوت: ٥٠ - ٥١].
وعن أبي هريرة، ﵁، قال: قال النّبيّ ﷺ :
«ما من الأنبياء نبيّ إلّا أعطي ما مثله آمن عليه البشر، وإنّما كان الّذي أوتيت وحيا أوحاه الله إليّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة» (١).
وقد كان الله يجري على أيدي رسله وأنبيائه ويسوق لهم
من البراهين ما يدلّ على صدقهم أنّهم مبعوثون من عند الله، ممّا لا يقع مثله في العادة لغيرهم من البشر، وهو معجزاتهم، كعصا موسى، وإحياء عيسى للموتى، والإسراء والمعراج لنبيّنا ﷺ ، لكنّ تلك المعجزات كانت أدلّة لمن شهدها، ونصيب من لم يشهدها إنّما هو الخبر الواجب التّصديق، بخلاف القرآن، فإنّه المعجزة الباقية، الّتي لم تزل حيّة بين النّاس، لم يتبدّل ولم يتغيّر، ولن يكون ذلك في يوم من الدّهر.
تحدّى الله أرباب الفصاحة والبيان، بل جميع بني الإنسان، بل حتّى لو ظاهرهم عليه الجانّ، ولم يزل يتحدّى: أن يأتوا بمثل هذا القرآن،
стр. 12
أو بمثل بعضه، فما فعلوا، ولن يفعلوا.
كما قال جلّ وعلا: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً ٨٨ [الإسراء: ٨٨]، وقال : أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٣) فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ [هود: ١٣ - ١٤]، وقال سبحانه:
وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٢٣) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ [البقرة: ٢٣ - ٢٤].
تحدّاهم بأن يأتوا بأقصر سورة من مثله، على مثاله في النّظم والتّأليف والإحكام، وفي المعاني والدّلالات والأحكام، فعجزوا عن معارضته في كلّ ذلك، عن مماثلته بعباراتهم، أو مجاراته ببيانهم، أو مسابقته بقوانينهم وشرائعهم.
ذلك؛ لأنّه كلام ربّ العالمين ﵎، وكلامه سبحانه من
صفاته، وهو الّذي لا مثل له في ذاته ولا في صفاته، كما قال: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشّورى: ١١]، فكما لا مثل له في سمعه، ولا مثل له في بصره، ولا مثل له في سائر صفاته، فكذلك لا مثل له في كلامه.
стр. 13
فهذه- والله- هي العلّة الّتي فارق بها كلامه سائر الكلام، وعجز لأجله الخلق عن معارضته، فليس كشعرهم ولا كنثرهم، ولا كقوانينهم وشرائعهم، مع أن حروفه من حروف كلامهم، ومفرداته من مفردات قاموسهم، فلم يجدوا له في ألسنتهم مع الفصاحة، ولا في عقولهم مع الرّجاحة، ما يمكنهم به أن يأتوا بمثل أقصر سورة منه، فقد أبت قوانين الشّعر وأساليب النّثر ولوائح الأنظمة أن يقايس بها ويجري عليها.
وَما كانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٣٧) أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٣٨) بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ ... [يونس: ٣٧ - ٣٩].
وعن أبي ذرّ الغفاريّ، ﵁، قال:
خرجنا من قومنا غفار، وكانوا يحلّون الشّهر الحرام، فخرجت أنا وأخي أنيس وأمّنا، (فذكر قصّة إسلامه)، وفيها قال أبو ذرّ:
فقال أنيس: إنّ لي حاجة بمكّة فاكفني، فانطلق أنيس حتّى أتى مكّة، فراث (١) عليّ ثمّ جاء، فقلت: ما صنعت؟ قال: لقيت رجلا بمكّة على دينك، يزعم أنّ الله أرسله، قلت: فما يقول النّاس؟ قال:
يقولون: شاعر، كاهن، ساحر، وكان أنيس أحد الشّعراء، قال أنيس:
لقد سمعت قول
стр. 14
الكهنة، فما هو بقولهم، ولقد وضعت قوله على أقراء (١) الشّعر، فما يلتئم على لسان أحد بعدي أنّه شعر، والله إنّه لصادق، وإنّهم لكاذبون (٢).
أنواع الإعجاز في القرآن:
يعسر أن تحدّ وجوه الإعجاز في القرآن العظيم، فكلّ شيء منه لا نظير له، فهو باهر في ألفاظه وأسلوبه، في تأليفه ونظمه، في بيانه وبلاغته، في تشريعه وحكمه الّتي
حيّرت الألباب، في أنبائه وأخباره، في تاريخه وحفظه، في علومه الّتي لا تنقطع ولا تقف عند غاية.
وقد أجمل وصفه وأحسنه من قال:
«فيه نبأ ما قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، وهو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبّار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضلّه الله، وهو حبل الله المتين، وهو الذّكر الحكيم، وهو الصّراط المستقيم، هو الّذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة (٣)، ولا يشبع منه العلماء،
стр. 15
ولا يخلق على كثرة الرّدّ (١)، ولا
تنقضي عجائبه، هو الّذي لم تنته الجنّ إذ سمعته حتّى قالوا: إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ [الجنّ: ١ - ٢]، من قال به صدق، ومن عمل به أجر، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم» (٢).
والتّنبيه هاهنا على أربعة أنواع للإعجاز القرآني:
النّوع الأوّل: الإعجاز اللّغويّ:
هذا النّوع هو أبرز ما تحدّى به القرآن العرب في حياة النّبيّ ﷺ ، وهو التّحدّي في أبرز خصائصهم، فمع أنّه بلسانهم، وأتى بما لا يخرج عن وجوه فصاحتهم وأساليب بيانهم، وهم يومئذ في الذّروة في ذلك نثرا ونظما،
стр. 16
لكنّهم عجزوا عن معارضته ولو بسورة من مثله، فصاروا يتخبّطون، فتارة يقولون: (هو شعر)، وتارة: (قول كاهن)، وتارة: (أساطير الأوّلين)، لا يثبتون على شيء؛ لأنّهم يعلمون أنّه ليس كما يقولون، وما كان لهم ليغفلوا عن صفة الشّعر ولا صيغة النّثر، وهم أهل ذلك وعباقرته، وإنّما شأنهم شأن من قال الله فيهم:
فَلَمَّا جاءَتْهُمْ آياتُنا مُبْصِرَةً قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ (١٣) وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا [النّمل: ١٣ - ١٤].
وهكذا قال أولئك المشركون عن القرآن: هذا سِحْرٌ مُبِينٌ [الأحقاف: ٧]، وقالوا: إِنْ هَذا إِلَّا إِفْكٌ افْتَراهُ وَأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جاؤُ ظُلْماً وَزُوراً (٤) وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٥) [الفرقان: ٤ - ٥]، وقالوا: أَضْغاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَراهُ بَلْ هُوَ شاعِرٌ [الأنبياء: ٥].
فهو سبيل من سبق، وحجّة من لا برهان له، كَذلِكَ ما أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قالُوا ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ ٥٢ [الذّاريات: ٥٢]، إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ (٤١) لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢) ما يُقالُ لَكَ إِلَّا ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ [فصّلت: ٤١ - ٤٣].
أعيتهم الحيل، وضاقت بهم السّبل، فلجئوا إلى وصف القرآن بما لا يشكّون لو أنصفوا أنّهم فيه مبطلون، لكن أعمتهم الأهواء فأنّى يبصرون.
стр. 17
فَذَكِّرْ فَما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ (٢٩) أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ (٣٠) قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ (٣١) أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهذا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ (٣٢) أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ (٣٣) فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كانُوا صادِقِينَ ٣٤ [الطّور: ٢٩ - ٣٤].
ويبقى القرآن يتحدّى ولا يرجع الكفّار جوابا، فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ١٤ [هود: ١٤]، وأنّى لهم الجواب، والله يقول وهو أعلم بهم: وَلَنْ تَفْعَلُوا [البقرة: ٢٤].
قال الأديب الرّافعيّ: «فقطع أنّهم لن يفعلوا، وهي كلمة يستحيل أن تكون إلّا من الله، ولا يقولها عربيّ في العرب أبدا، وقد سمعوها واستقرّت فيهم ودارت على الألسنة، وعرفوا أنّها تنفي عنهم الدّهر نفيا، وتعجزهم آخر الأبد، فما فعلوا ولا طمعوا أن يفعلوا، وطارت الآية بعجزهم وأسجلته عليهم ووسمتهم على ألسنتهم، فلمّا رأوا هممهم لا
تسمو إلى ذلك، ولا تقارب المطمعة فيه، وقد انقطعت بهم كلّ سبيل إلى المعارضة، بذلوا له السّيف، وانصرفوا عن توهّن حجّته إلى تهوينها على أنفسهم بكلام من الكلام، فقالوا: ساحر، وشاعر، ومجنون، ورجل يكتتب أساطير الأوّلين، وإنّما يعلّمه بشر، وأمثال ذلك، ممّا أخذت به الحجّة عليهم، وكان إقرارا منهم بالعجز، إذ جنحوا فيه إلى سياسة الطّباع والعادات» (١).
стр. 18
وإنّما حالهم كما قال الله : انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا [الفرقان: ٩].
ثمّ إنّ هذا القرآن قد اشتمل من القاموس العربيّ على أحسن الكلمات وأفصحها، اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ [الزّمر: ٢٣]، أمّا في تركيب جمله، وتناسق عباراته، ومقاطع آياته، فهو الفرد الّذي لا نظير له.
كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ٣ [فصّلت: ٣]، وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ٢٧ قُرْآناً عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ٢٨ [الزّمر: ٢٨].
فكم ترى يكون في الكلام من المعاني أو البيان أو البديع، فإنّ
القرآن في ذروة ذلك، بل به عرف كلّ ذلك، فما وضعت علوم البلاغة إلّا بسببه، طريقا إلى فهمه، وإبرازا لعظيم قدره، وتأصيلا ليبنى سائر الكلام على قاعدته ونهجه.
وأهل التّفسير في القديم والحديث يراعون هذه الخصوصيّة للقرآن، فلم يتكلّم أحد في تفسير هذا الكتاب وبيان دلائله ومعانيه من لدن أصحاب النّبيّ ﷺ وإلى اليوم إلّا وهو يراعي الجوانب البلاغيّة فيه، وأسرار ذلك لا تنتهي، ولن تنتهي.
وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً [النّساء: ٨٢].
стр. 19
النّوع الثّاني: الإعجاز الإخباريّ:
وهذا هو الإعجاز فيما تضمّنه القرآن من الأنباء، وهو أربعة أشياء:
أوّلها: الإخبار عن الغيب المطلق، كالخبر عن الله وأسمائه وصفاته، والملائكة، وصفة الجنّة وصفة النّار.
وقد أتى القرآن في هذا الأمر بما لا يدركه بشر من تلقاء نفسه، إذ طريقه لا يكون من جهة العقول، إنّما طريقه السّمع الّذي لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ [فصّلت: ٤٢].
وثانيها: الإخبار عن الأمور السّابقة، كالخبر عن بدء الخلق، وعن الأمم السّالفة.
وقد قصّ علينا القرآن من ذلك عجبا، وأتى من الأنباء بما لم يملك المنصفون من أهل الكتاب والعلم إلّا تصديقه، كما قال الله : وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ [الأنعام: ١١٤]، وقال تعالى:
قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ [الأحقاف: ١٠]، وقال سبحانه: وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥) وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ (١٩٦) أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إِسْرائِيلَ ١٩٧ [الشّعراء: ١٩٢ - ١٩٧].
فجاء ما آتاه الله من ذلك تصديقا لما بين يديه، وما تعلّم من أحد من
يَخْتَصِمُونَ [آل عمران: ٤٤].
ما أعظمها من منّة يمتنّ الله بها على نبيّه ﷺ ! وما أعظمها من معجزة خرقت جميع قوانين الخلق في التّعلّم والتّلقّي! يبلغ ﷺ الأربعين من عمره وهو بين قومه، يعرفونه بالأمّيّة، لا يقرأ ولا يكتب، ولم يعرفوه بمجالسة معلّم، ثمّ يظهر للنّاس بما لا طاقة لهم بمثله.
وحين افتروا فقالوا: إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ، قال الله :
لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ [النّحل: ١٠٣].
ويستمرّ التّحدّي، فيجعل الله من الواقع المشاهد دليلا على صدق ما جاء به نبيّه ﷺ : وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَثَمُودُ (٤٢) وَقَوْمُ إِبْراهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ (٤٣) وَأَصْحابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسى فَأَمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ (٤٤) فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها وَهِيَ ظالِمَةٌ فَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ (٤٥) أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها أَوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ٤٦ [الحج: ٤٢ - ٤٦].
وثالثها: الإخبار عمّا يكون في مستقبل الزّمان، كالإخبار عن الشّيء قبل وقوعه في عهد النّبيّ ﷺ ، أو عمّا سيكون بعد ذلك.
كما في قوله : الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ
стр. 22
مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ٥ [الرّوم: ١ - ٥].
وقد صحّت الرّواية بتحقّق ما أخبرت به هذه الآيات عن غير واحد من أصحاب النّبيّ ﷺ ، فمن ذلك حديث نيار بن مكرم الأسلميّ، قال:
لمّا نزلت الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ فكانت فارس يوم نزلت هذه الآية قاهرين للرّوم، وكان المسلمون يحبّون ظهور الرّوم عليهم؛ لأنّهم وإيّاهم أهل كتاب، وفي ذلك قول الله تعالى: وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ٥، فكانت قريش تحبّ ظهور فارس؛ لأنّهم وإيّاهم ليسوا بأهل كتاب ولا إيمان ببعث، فلمّا أنزل الله تعالى هذه الآية، خرج أبو بكر الصّدّيق يصيح في نواحي مكّة: الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ، قال ناس من قريش لأبي بكر: فذلك بيننا وبينكم، زعم صاحبكم أنّ الرّوم ستغلب فارسا في بضع سنين، أفلا نراهنك على ذلك؟ قال: بلى، وذلك قبل تحريم الرّهان، فارتهن أبو بكر والمشركون وتواضعوا الرّهان، وقالوا لأبي بكر: كم تجعل البضع ثلاث سنين إلى تسع سنين، فسمّ بيننا وبينك
وسطا تنتهي إليه، قال: فسمّوا بينهم ستّ سنين، قال: فمضت السّت سنين قبل أن يظهروا، فأخذ المشركون رهن أبي بكر، فلمّا دخلت السّنة السّابعة
стр. 23
ظهرت الرّوم على فارس، فعاب المسلمون على أبي بكر تسمية ستّ سنين؛ لأنّ الله تعالى قال: فِي بِضْعِ سِنِينَ، قال:
وأسلم عند ذلك ناس كثير (١).
كذلك ما تضمّنه القرآن من الإخبار عن أشراط السّاعة، والبعث بعد الموت، والحشر والحساب، والمصير إلى الجنّة أو إلى النّار، بما لا سبيل للبشر إلى معرفته إلّا بوحي الله ، جميعه برهان على أنّ القرآن كلام الله.
ورابعها: الإخبار عمّا تكنّه النّفوس وتخفيه الضّمائر، ممّا لا يمكن أن يعلمه إلّا الله، ولا يصل إلى علم النّبيّ ﷺ إلّا بوحي الله.
كالّذي تراه في سورة التّوبة من ذكر أسرار المنافقين، حتّى خاف النّاس أن ينزل القرآن بأسمائهم يظهر حقائق ما في نفوسهم.
كما قال سعيد بن جبير: قلت لابن عبّاس: سورة التّوبة، قال:
التّوبة؟، قال: بل هي الفاضحة، ما زالت تنزل: وَمِنْهُمْ، وَمِنْهُمْ، حتّى ظنّوا أن لا يبقى منّا أحد إلّا ذكر فيها (٢).
стр. 24
النّوع الثّالث: الإعجاز التّشريعيّ:
ويكمن فيما أودع الله في كتابه من القوانين الّتي تشهد في استقامتها وعدلها وصلاحها لكلّ زمان أنّها من عند الله، وأن لا طاقة للخلق أن يوجدوا لها نظيرا، مهما بلغت العقول.
ذلك أنّ التّشريع مبنيّ على تحقيق مصالح العباد في الدّارين، ولا يحيط بتلك المصالح أحد من خلق الله؛ لقصور العلم، والنّقص بالطّبع، لكنّ الله سبحانه هو الخالق، فهو أعلم
بخلقه وحاجتهم وما يكون به صلاحهم وفسادهم، أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الملك: ١٤].
فلذا جاء تشريعه موصوفا بالحسن المطلق وبالحقّ المطلق، كما قال : وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائدة: ٥٠]، وقال:
وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً ٣٣ [الفرقان: ٣٣]، وقال تعالى: اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزانَ [الشّورى: ١٧]، وقال : إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً [البقرة: ١١٩]، وقال سبحانه: وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ [الأنعام: ٦٦]، وقال تعالى:
وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ [الإسراء: ١٠٥]، وقال : وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ [المائدة: ٤٨].
ولو كان من عند غير الله لما صحّ في العقول أن يكون هو الحقّ المطلق،
стр. 25
أو يكون أحسن قانون وتشريع، مهما رجحت عقول مقنّنيه، فإنّه ما من قوم إلّا ولهم من الشّرائع والقوانين ما يسيّرون به شئون حياتهم، لكنّهم لا يفتئون يغيّرون ويصلحون، ولو وصفوا قانونهم
بالحقّ المطلق لتعذّر عليهم تبديله والاستدراك عليه، وإنّما هذه أوصاف لا تكون إلّا لما هو خارج عن قدرات المخلوقين.
كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ [هود: ١].
وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ (٤١) لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ٤٢ [فصّلت: ٤١ - ٤٢].
فأنزل القرآن حين أنزل، وهو إلى اليوم، وسيبقى إلى آخر الدّهر، لا يجد النّاس سبيلا إلى نقض شيء من أحكامه وشرائعه، مهما سعى الكفّار والّذين في قلوبهم مرض لإبطال ما جاء به من الحقّ والعدل والهدى، كما لا يجدون سبيلا للإتيان بما هو أحسن منه، إذ لا أحسن منه.
النّوع الرّابع: الإعجاز العلميّ:
وذلك فيما بيّن الله في هذا الكتاب ودلّ عليه من الآيات في السّماوات والأرض والأنفس، ممّا لم يكن ليحيط به علم بشر في عهد النّبيّ ﷺ من تلقاء نفسه، ثمّ يبقى النّاس يكتشفون أسراره في الكون، والقرآن قد سبق به منذ دهر بعيد تصريحا وتلويحا، كان يتلوه على النّاس نبيّ أمّيّ، لم يدرس علوم الفضاء ولا البيئة ولا البحار ولا طبقات الأرض ولا الأجنّة، لينبئ
стр. 26
العالم أنّه رسول ربّ العالمين، وأنّ هذا القرآن من علم الله الّذي أحاط بكلّ شيء.
فتأمّل مثاله في الأنفس في قول الله : ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً (١٣) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً ١٤ [نوح: ١٣ - ١٤]، ثمّ تأمّل تفسير تلك الأطوار في قوله تعالى: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَ
جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ [المؤمنون: ١٢ - ١٤].
وتأمّل مثاله في الكون في قول الله : أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ ٣٠ ... الآيات [الأنبياء: ٣٠ - ٣٣]، أو في قوله سبحانه:
وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ (٣٧) وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٣٨) وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩) لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ٤٠ [يس: ٣٧ - ٤٠].
ألا تكفي هذه الآيات باحثا عن الحقيقة ليشهد أنّه الحقّ من ربّه؟
أترى يكون هذا من بشر من أهل مكّة يأتي به من تلقاء نفسه قبل خمسة عشر قرنا من الزّمان؟ كلّا، وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى (٤) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى ٥ [النّجم: ٣ - ٥]، تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ
стр. 27
وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ [البقرة: ٢٥٢].
والعلم الحديث يظهر على النّاس بعجائب في خلق الله، فيبهر النّاس بها، وحقّ لهم، لكنّ الأعجب أن يكون القرآن قد نبّه على اعتبارها ودلّ عليها منذ دهر بعيد، ولم يكن للنّاس يومئذ من وسائل النّظر والاكتشاف ما لأهل زماننا، إنّه استمرار شهادة الحقّ، أنّ هذا القرآن من عند الله:
سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [فصّلت: ٥٣].
أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ [الأعراف: ١٨٥].
إنّ الله سبحانه أراد لهذا القرآن أن يكون حجّته على الأمم إلى قيام السّاعة، وما كان ليصحّ ذلك إلّا والدّليل على أنّه من عند الله باق مستمرّ، فتارة لغته وفصاحته وتأليفه ونظمه، وتارة عصمته من التّحريف وبقاؤه غضّا طريّا كما لو أنزل السّاعة، وتارة ما جاء به من القوانين والشّرائع العادلة الّتي استغرقت جميع مصالح العباد، وتارة ما فيه من التّنبيه على الآيات الكونيّة، والدّلائل العلميّة، وهكذا، إلى براهين لا تنقطع ولا تتناهى، كلّها تشهد أنّه كلام ربّ العالمين.
***
стр. 28
المقدمة الأولى نزول القرآن
الفصل الأول: كيفية نزول القرآن
الفصل الثاني: أسباب نزول القرآن
الفصل الثالث: معرفة المكي والمدني
الفصل الرابع: أول ما نزل وآخر ما نزل
الفصل الخامس: الأحرف السبعة
***
стр. 29
الفصل الأول: كيفية نزول القرآن
المبحث الأول: كيف أنزل القرآن ؟
المقطوع به من دين الإسلام أنّ القرآن لم ينزل على نبيّنا محمّد ﷺ جملة واحدة كما هو الشّأن في الكتب السّالفة كالتّوراة والإنجيل، إنّما نزل بحسب الوقائع منذ البعثة حتّى آخر حياة النّبيّ ﷺ ، كما يثبّت هذه الحقيقة قوله تعالى: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا [الفرقان: ٣٢]، وقوله: وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا ١٠٦ [الإسراء: ١٠٦] (١).
стр. 30
ولكن ما معنى الإنزال في قوله تعالى: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ [البقرة: ١٨٥]، وقوله: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ [الدخان: ٣]، وقوله: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ١ [القدر: ١]؟
فهذه آيات متوافقة فيما بينها، أنبأت بأنّ الله تعالى أنزل القرآن في ليلة مباركة من شهر رمضان هي ليلة القدر.
وهي خبر قد يدلّ ظاهره على نزول جميع القرآن في تلك اللّيلة.
فكيف التّوفيق بين هذا الظّاهر والحقيقة المقطوع بها في نزوله مفرّقا؟ من علماء السّلف من ذهب إلى أنّ ابتداء النّزول كان في ليلة القدر لا جميع القرآن، وهذا القول لا يوجد ما يردّه، وهو وجه في تفسير الآيات الثّلاث المذكورة.
لكن صحّ عن إمام المفسّرين عبد الله بن عبّاس- ﵄ ما أفادنا أنّ للقرآن تنزّلين:
الأوّل: من اللّوح المحفوظ إلى السّماء الدّنيا، وكان جملة واحدة.
والثّاني: من السّماء الدّنيا إلى الأرض على النّبيّ ﷺ مفرّقا على الوقائع.
فعنه قال: أنزل الله القرآن إلى السّماء الدّنيا في ليلة القدر، فكان الله إذا
стр. 31
أراد أن يوحي منه شيئا أوحاه، فهو قوله: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ١.
وفي لفظ: أنزل القرآن كلّه جملة واحدة في ليلة القدر في رمضان إلى السّماء الدّنيا، فكان الله إذا أراد أن يحدث في الأرض شيئا أنزله منه، حتّى جمعه (١).
وهذا خبر تلقّاه أكثر العلماء بالقبول، وهو مرويّ من وجوه متعدّدة عن ابن عبّاس، ومثله إخبار عن أمر غيبيّ لا يصار إلى مثله إلّا بتوقيف، فله حكم الحديث المرفوع، والقول به أولى من القول بمجرّد النّظر.
ومن العلماء من يرى أنّ الحكمة من إنزاله جملة واحدة إلى السّماء الدّنيا وهو كتاب الله تعالى إلى أهل الأرض، هي: إعلام الملإ الأعلى بالرّسالة الجديدة إلى أهل الأرض،
وبيان فضيلة من يوحى إليه هذا الدّستور وفضيلة أتباعه، خاصّة مع حدوث ذلك في أعظم ليلة، ليلة قال الله فيها: فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ ٤ [الدخان: ٤]، وقال فيها: خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ [القدر: ٣]، فهو تمجيد للقرآن نفسه، وللرّسول الموحى إليه به ﷺ ، وللأمّة الّتي ستسعد بالاهتداء به.
ولعلّ من وراء ذلك حكما هي في علم الله أكبر ممّا ذكر وأجلّ وأعظم، والله أعلم.
стр. 32
المبحث الثاني: حكمة التنزيل مفرّقا
نزّل القرآن على نبيّنا ﷺ مفرّقا في ثلاث وعشرين سنة، ثلاث عشرة سنة في مكّة، وعشر سنين في المدينة، وذلك حسب ما كانت تقتضيه الحاجة، فربّما نزلت السّورة تامّة، وربّما نزل منها آيات، بل ربّما نزل بعض آية، كما في سبب نزول قوله تعالى: غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ في آية: لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ من سورة النّساء [الآية: ٩٥] (١).
ولهذه الصّورة في التّنزيل حكم عظيمة، منها:
١ - تثبيت فؤاد النّبيّ ﷺ .
كما قال تعالى: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا [الفرقان: ٣٢]، وهذه الحكمة امتازت بها السّور والآيات المكّيّة؛ وذلك لما كان يحتاج إليه ﷺ يومئذ من
стр. 33
التّثبيت في مواجهة الكفّار واحتمال أذاهم، فجاءت
بالتّذكير بالثّواب، والصّبر والاحتساب، وسرد قصص الأنبياء والسّابقين، كما قال تعالى: وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ [هود: ١٢٠].
٢ - إبطال اعتراضات الكفّار .
وبيانه: أنّ الكفّار كانوا يجتهدون في الطّعن على القرآن ورسول الله ﷺ ويضربون لذلك الأمثال، يقع ذلك منهم على صفة الاستمرار، فكان جبريل ﵇ ينزل بالقرآن ليحقّ الحقّ ويبطل الباطل ويردّ الاعتراض ويدحض الشّبه بأحسن البراهين، كما قال تعالى:
وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً ٣٣ [الفرقان: ٣٣].
٣ - التدرّج في التّشريع مراعاة للمكلّفين .
فعن عائشة، ﵂، قالت: إنّما نزل أوّل ما نزل منه سورة من المفصّل فيها ذكر الجنّة والنّار، حتّى إذا ثاب النّاس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أوّل شيء: لا تشربوا الخمر، لقالوا: لا ندع الخمر أبدا، ولو نزل: لا تزنوا، لقالوا: لا ندع الزّنا أبدا، لقد نزل بمكّة على محمّد ﷺ وإنّي لجارية ألعب: بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ ٤٦ [القمر: ٤٦]، وما نزلت سورة البقرة والنّساء إلّا وأنا عنده (١).
ولا يخفى ما للتّدرّج من الأثر في التّربية وبناء الشّخصيّة، وترى كم كان
стр. 34
لنزول القرآن مفرّقا من الأثر في أعظم غرس غرسه رسول الله ﷺ ، في أصحابه الّذين لم يوجد التّاريخ لهم نظيرا بعدهم، ﵃.
زد على ذلك ما في التّدرّج في النّزول من تيسير أخذ القرآن حفظا وفهما كما لا يخفى.
٤ - توكيد صدق رسول الله ﷺ بكون ما جاء به من عند الله .
قال تعالى: وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً [النّساء: ٨٢]، فكتاب توحى مقاطعه وأجزاؤه في ثلاث وعشرين سنة لا ترى شيئا من آخره ينقض شيئا من أوّله ولا يخالفه، بل يؤكّده ويصدّقه، لهو من أعظم البراهين على أنّه من عند حكيم خبير، ما هو بقول شاعر يتيه به عقله في كلّ واد، ولا كاهن تغرّه الشّياطين بالأكاذيب، بل ولا بقول عاقل أديب قد جرى لسانه بالحكمة والبيان، فإنّ أعقل العقلاء ليدلّه عقله اليوم على خطئه بالأمس أو قصوره، ومن النّاس من يصنّف في علم أو فنّ يكون فيه
رأس صناعته وربّما مكث فيه عقودا من الزّمن وهو يصلح ويزيد وينقّح، لا يخرج للنّاس منه حرفا في تلك السّنين الطّوال، ثمّ يخرج تصنيفه للنّاس حجّة لهم في ذلك الفنّ، فكم ترى له من متعقّب، ومستدرك عليه ومصوّب! وهذا القرآن ينزل في بضع وعشرين سنة تنزل سورة أو بعض آيات، بل آية أو بعض آية، يصبّح النّاس ويمسّون بجديده، لم يأت منه حرف بخلاف حرف ولا كلمة بخلاف كلمة، ولا معنى بخلاف معنى، يتلوه على النّاس نبيّ أمّيّ ما قرأ قبله وما كتب، ﷺ ، وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ
стр. 35
قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ ٤٨ [العنكبوت: ٤٨]، وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا [الشورى: ٥٢]، وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ (٤١) لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ٤٢ [فصّلت: ٤١ - ٤٢].
المبحث الثالث: من كان ينزل بالقرآن ؟
قال الله : وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ ١٩٥ [الشّعراء: ١٩٢ - ١٩٥]، وقال تعالى: قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ [النّحل: ١٠٢]، وقال تعالى: وَالنَّجْمِ إِذا هَوى (١) ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى (٢) وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى (٤) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى (٥) ذُو مِرَّةٍ [النّجم: ١ - ٦]، والرّوح الأمين هو روح القدس وهو شديد القوى، وهو جبريل ﵇، كما قال تعالى: قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ [البقرة: ٩٧].
وقد أخبر النّبيّ ﷺ عن الصّفة الّتي كان يأتيه الوحي عليها، فقد سأله الحارث بن هشام ﵁ فقال: يا رسول الله، كيف يأتيك الوحي؟ فقال رسول الله ﷺ : «أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس، وهو أشدّه عليّ،
стр. 36
فيفصم عنّي (١) وقد وعيت عنه ما قال، وأحيانا يتمثّل لي الملك رجلا فيكلّمني فأعي ما يقول» (٢).
ولم ير النّبيّ ﷺ جبريل على صورته الملكيّة إلّا مرّتين، كما ثبت به الخبر من حديث عائشة ﵂ وقد سألها مسروق بن الأجدع عن قوله تعالى: وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ ٢٣ وقوله: وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى ١٣؟ فقالت: أنا أوّل هذه الأمّة سأل عن ذلك رسول الله ﷺ ؟ فقال: «إنّما هو جبريل، لم أره على صورته الّتي خلق عليها غير هاتين المرّتين، رأيته منهبطا من السّماء، سادّا عظم خلقه ما بين السّماء إلى الأرض» (٣).
...
стр. 37
الفصل الثاني: أسباب نزول القرآن
المبحث الأول: القرآن من جهة النزول قسمان
الأول: ما لا يتوقّف على سبب .
ويندرج تحته أكثر نصوص القرآن، فقد كانت تنزل ابتداء بالعقائد والشّرائع من غير توقّف على سبب يتطلّب جوابا كواقعة أو سؤال، ذلك أنّ هذا القرآن إنّما أنزله الّذي يعلم الإنسان خلقا وجبلّة، ويعلم ما يحقّق نفعه ومصلحته، فيبتدئه بالعلم والشّرائع على الصّفة الّتي يعلم من حاجته.
الثاني: ما ينزل لحادثة مخصوصة أو سؤال .
وهذا القسم بمنزلة الفتاوى في النّوازل، والنّازلة: قضيّة معيّنة تنزل بالمسلمين أو بعضهم، فيوحي الله تعالى جوابها إلى نبيّه للفصل فيها.
وتحت هذا تندرج (أسباب نزول القرآن) من نحو الأمثلة التّالية:
١ - عن جندب بن سفيان، ﵁، قال:
اشتكى رسول الله ﷺ فلم يقم ليلتين أو ثلاثا، فجاءت امرأة فقالت: يا محمّد، إنّي أرجو أن يكون شيطانك قد تركك، لم أره قربك منذ ليلتين أو ثلاثا، فأنزل الله : وَالضُّحى (١) وَاللَّيْلِ إِذا سَجى (٢) ما وَدَّعَكَ
стр. 38
رَبُّكَ وَما قَلى ٣ [الضّحى: ١ - ٣] (١).
٢ - وعن عائشة، ﵂، قالت:
الحمد لله الّذي وسع سمعه الأصوات، لقد جاءت المجادلة إلى النّبيّ ﷺ تكلّمه وأنا في ناحية البيت ما أسمع ما تقول، فأنزل الله : قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها [المجادلة: ١] (٢).
٣ - وعن عبد الله بن عمر، ﵄:
أنّ عبد الله بن أبيّ لمّا توفّي جاء ابنه إلى النّبيّ ﷺ فقال: يا رسول الله، أعطني قميصك أكفّنه فيه، وصلّ عليه واستغفر له، فأعطاه النّبيّ ﷺ قميصه، فقال: «آذنّي أصلّي عليه»، فآذنه، فلمّا أراد أن يصلّي عليه جذبه عمر ﵁، فقال: أليس الله قد نهاك أن تصلّي على المنافقين؟ فقال: «أنا بين خيرتين، قال: اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ
إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ
стр. 39
مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ [التّوبة: ٨٠]»، فصلّى عليه، فنزلت: وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً [التّوبة: ٨٤] (١).
واعلم أنّ القسمين من التّنزيل ما كان منهما لسبب وما كان لغير سبب جمعهما النّزول للحاجة، إذ جميع القرآن لهداية المكلّفين وإرشادهم إلى خير الدّنيا والآخرة، الأمر الّذي لا سبيل لهم إليه إلّا به، كما قال الله تعالى: قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّما أَضِلُّ عَلى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ [سبأ: ٥٠].
المبحث الثاني: الطريق إلى معرفة سبب النزول
يعرف سبب نزول الآية بطريق النّقل عن رسول الله ﷺ ، أو أصحابه.
واعلم أنّ قول الصّحابي: (نزلت هذه الآية في كذا) بمنزلة الحديث المرفوع إلى النّبيّ ﷺ وإن لم يذكر فيه النّبيّ ﷺ ، كحديث أبي مسعود الأنصاريّ، ﵁، قال:
لمّا أمرنا بالصّدقة كنّا نتحامل، فجاء أبو عقيل بنصف صاع، وجاء إنسان بأكثر منه، فقال المنافقون: إنّ الله لغنيّ عن صدقة هذا، وما فعل هذا
стр. 40
الآخر إلّا رئاء، فنزلت: الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ الآية [التّوبة: ٧٩] (١).
لكن يلاحظ: حين يقول صحابيّ: (نزلت هذه الآية في كذا)، ويقول آخر:
(نزلت في كذا) ويذكر أمرا آخر؛ أنّ سبب النّزول منهما أقربهما في سياقه لإفادة ذلك من غير تأويل، ويكون الثّاني قصد إلى مجرّد التّفسير في أنّ هذا الأمر الّذي ذكر مندرج حكمه تحت هذه الآية.
مثل حديث عبد الله بن مسعود، ﵁، قال:
سألت- أو سئل- رسول الله ﷺ : أيّ الذّنب عند الله أكبر؟
قال: «أن تجعل لله ندّا وهو خلقك» قلت: ثمّ أيّ؟ قال: «ثمّ أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك» قلت: ثمّ أيّ؟ قال: «أن تزاني بحليلة جارك»، قال: ونزلت هذه الآية تصديقا لقول رسول الله ﷺ : وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ [الفرقان: ٦٨] (٢).