فيفصم عنّي (١) وقد وعيت عنه ما قال، وأحيانا يتمثّل لي الملك رجلا فيكلّمني فأعي ما يقول» (٢).
ولم ير النّبيّ ﷺ جبريل على صورته الملكيّة إلّا مرّتين، كما ثبت به الخبر من حديث عائشة ﵂ وقد سألها مسروق بن الأجدع عن قوله تعالى: وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ ٢٣ وقوله: وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى ١٣؟ فقالت: أنا أوّل هذه الأمّة سأل عن ذلك رسول الله ﷺ ؟ فقال: «إنّما هو جبريل، لم أره على صورته الّتي خلق عليها غير هاتين المرّتين، رأيته منهبطا من السّماء، سادّا عظم خلقه ما بين السّماء إلى الأرض» (٣).
...
стр. 37
الفصل الثاني: أسباب نزول القرآن
المبحث الأول: القرآن من جهة النزول قسمان
الأول: ما لا يتوقّف على سبب .
ويندرج تحته أكثر نصوص القرآن، فقد كانت تنزل ابتداء بالعقائد والشّرائع من غير توقّف على سبب يتطلّب جوابا كواقعة أو سؤال، ذلك أنّ هذا القرآن إنّما أنزله الّذي يعلم الإنسان خلقا وجبلّة، ويعلم ما يحقّق نفعه ومصلحته، فيبتدئه بالعلم والشّرائع على الصّفة الّتي يعلم من حاجته.
الثاني: ما ينزل لحادثة مخصوصة أو سؤال .
وهذا القسم بمنزلة الفتاوى في النّوازل، والنّازلة: قضيّة معيّنة تنزل بالمسلمين أو بعضهم، فيوحي الله تعالى جوابها إلى نبيّه للفصل فيها.
وتحت هذا تندرج (أسباب نزول القرآن) من نحو الأمثلة التّالية:
١ - عن جندب بن سفيان، ﵁، قال:
اشتكى رسول الله ﷺ فلم يقم ليلتين أو ثلاثا، فجاءت امرأة فقالت: يا محمّد، إنّي أرجو أن يكون شيطانك قد تركك، لم أره قربك منذ ليلتين أو ثلاثا، فأنزل الله : وَالضُّحى (١) وَاللَّيْلِ إِذا سَجى (٢) ما وَدَّعَكَ
стр. 38
رَبُّكَ وَما قَلى ٣ [الضّحى: ١ - ٣] (١).
٢ - وعن عائشة، ﵂، قالت:
الحمد لله الّذي وسع سمعه الأصوات، لقد جاءت المجادلة إلى النّبيّ ﷺ تكلّمه وأنا في ناحية البيت ما أسمع ما تقول، فأنزل الله : قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها [المجادلة: ١] (٢).
٣ - وعن عبد الله بن عمر، ﵄:
أنّ عبد الله بن أبيّ لمّا توفّي جاء ابنه إلى النّبيّ ﷺ فقال: يا رسول الله، أعطني قميصك أكفّنه فيه، وصلّ عليه واستغفر له، فأعطاه النّبيّ ﷺ قميصه، فقال: «آذنّي أصلّي عليه»، فآذنه، فلمّا أراد أن يصلّي عليه جذبه عمر ﵁، فقال: أليس الله قد نهاك أن تصلّي على المنافقين؟ فقال: «أنا بين خيرتين، قال: اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ
إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ
стр. 39
مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ [التّوبة: ٨٠]»، فصلّى عليه، فنزلت: وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً [التّوبة: ٨٤] (١).
واعلم أنّ القسمين من التّنزيل ما كان منهما لسبب وما كان لغير سبب جمعهما النّزول للحاجة، إذ جميع القرآن لهداية المكلّفين وإرشادهم إلى خير الدّنيا والآخرة، الأمر الّذي لا سبيل لهم إليه إلّا به، كما قال الله تعالى: قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّما أَضِلُّ عَلى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ [سبأ: ٥٠].
المبحث الثاني: الطريق إلى معرفة سبب النزول
يعرف سبب نزول الآية بطريق النّقل عن رسول الله ﷺ ، أو أصحابه.
واعلم أنّ قول الصّحابي: (نزلت هذه الآية في كذا) بمنزلة الحديث المرفوع إلى النّبيّ ﷺ وإن لم يذكر فيه النّبيّ ﷺ ، كحديث أبي مسعود الأنصاريّ، ﵁، قال:
لمّا أمرنا بالصّدقة كنّا نتحامل، فجاء أبو عقيل بنصف صاع، وجاء إنسان بأكثر منه، فقال المنافقون: إنّ الله لغنيّ عن صدقة هذا، وما فعل هذا
стр. 40
الآخر إلّا رئاء، فنزلت: الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ الآية [التّوبة: ٧٩] (١).
لكن يلاحظ: حين يقول صحابيّ: (نزلت هذه الآية في كذا)، ويقول آخر:
(نزلت في كذا) ويذكر أمرا آخر؛ أنّ سبب النّزول منهما أقربهما في سياقه لإفادة ذلك من غير تأويل، ويكون الثّاني قصد إلى مجرّد التّفسير في أنّ هذا الأمر الّذي ذكر مندرج حكمه تحت هذه الآية.
مثل حديث عبد الله بن مسعود، ﵁، قال:
سألت- أو سئل- رسول الله ﷺ : أيّ الذّنب عند الله أكبر؟
قال: «أن تجعل لله ندّا وهو خلقك» قلت: ثمّ أيّ؟ قال: «ثمّ أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك» قلت: ثمّ أيّ؟ قال: «أن تزاني بحليلة جارك»، قال: ونزلت هذه الآية تصديقا لقول رسول الله ﷺ : وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ [الفرقان: ٦٨] (٢).
стр. 41
مع حديث عبد الله بن عبّاس، ﵄:
أنّ ناسا من أهل الشّرك كانوا قد قتلوا وأكثروا وزنوا وأكثروا، فأتوا محمّدا ﷺ فقالوا: إنّ الّذي تقول وتدعو إليه لحسن، لو تخبرنا أنّ لما عملنا كفّارة، فنزل: وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ [الفرقان: ٦٨]، ونزل: قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ [الزّمر: ٥٣] (١).
فهذان الحديثان جميعا صحيحان من جهة النّقل، واختلفا في الظّاهر في بيان السّبب الّذي نزلت لأجله الآية، فطريق التّوفيق بينهما أنّك لو تأمّلت أقربهما في إفادة السّببيّة وجدتها أظهر في حديث ابن عبّاس، فإنّه صريح في نزول الآية جوابا لسؤال النّفر من أهل الشّرك عن كفّارة أعمالهم.
أمّا حديث ابن مسعود فليس فيه من المناسبة بين سياق الحديث ونزول الآية غير ما جاء فيها من موافقة القرآن لقول رسول الله ﷺ ، وليس بلازم من تلك الموافقة أن تكون الآية نزلت بخصوصها، وإنّما وجد ابن مسعود اندراج الحكم المذكور فيما حدّث به النّبيّ ﷺ في جملة الآية، ولا ريب أنّها نزلت في إفادة ذلك الحكم والدّلالة عليه، فهو استدلال بعموم الآية من قبل ابن مسعود.
стр. 42
المبحث الثالث: هل يمكن تكرر النزول ؟
لا مانع من أن تنزل الآية لأكثر من سبب.
مثاله: ما وقع في نزول آيات اللّعان، فقد صحّ أنّها نزلت في قصّة قذف عويمر العجلانيّ امرأته، وفي قصّة قذف هلال بن أميّة امرأته، وفي كلّ من القصّتين ما يبيّن أنّ الآيات نزلت بسببها، وإن كانت في الثّانية منهما أظهر.
فأمّا قصّة عويمر؛ فعن سهل بن سعد: أنّ عويمرا أتى عاصم بن عديّ- وكان سيّد بني عجلان-، فقال: كيف تقولون في رجل وجد
مع امرأته رجلا؛ أيقتله فتقتلونه، أم كيف يصنع؟ سل لي رسول الله ﷺ عن ذلك، فأتى عاصم النّبيّ ﷺ فقال: يا رسول الله، فكره رسول الله ﷺ المسائل، فسأله عويمر، فقال: إنّ رسول الله ﷺ كره المسائل وعابها، قال عويمر: والله لا أنتهي حتّى أسأل رسول الله ﷺ عن ذلك، فجاء عويمر فقال: يا رسول الله، رجل وجد مع امرأته رجلا، أيقتله فتقتلونه، أم كيف يصنع؟ فقال رسول الله ﷺ : «قد أنزل الله القرآن فيك وفي صاحبتك» فأمرهما رسول الله ﷺ بالملاعنة بما سمّى الله في كتابه، فلاعنها، (وذكر سائر الحديث) (١).
وأمّا قصّة هلال، فعن عبد الله بن عبّاس، ﵄:
стр. 43
أنّ هلال بن أميّة قذف امرأته عند النّبيّ ﷺ بشريك بن سحماء، فقال النّبيّ ﷺ : «البيّنة أو حدّ في ظهرك»، فقال: يا رسول الله، إذا رأى أحدنا على امرأته رجلا ينطلق يلتمس البيّنة! فجعل النّبيّ ﷺ يقول: «البيّنة وإلّا فحدّ في ظهرك»، فقال هلال: والّذي بعثك بالحقّ إنّي لصادق، فلينزلنّ الله ما يبرّئ ظهري من الحدّ، فنزل جبريل وأنزل عليه: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ فقرأ حتّى بلغ: إِنْ كانَ مِنَ الصَّادِقِينَ [النّور: ٦ - ٩]، (وذكر سائر الحديث) (١).
فهذا وشبهه ليس من التّعارض، إنّما هو من نزول الآية أو الآيات لأكثر من سبب، ربّما توافق السّببان وقتا فنزلت الآية فيهما، وربّما تكرّر نزول الآية عند تكرّر الوقعة المقتضية لها، ولا يمنع من
ذلك كونها موجودة عند رسول الله ﷺ ، فالنّزول الأوّل تناول الحدث الأوّل مع الإعلام للنّبيّ ﷺ بما تضمّنته الآية من عموم الحكم لنظائر تلك الوقعة وأشباهها، والنّزول الثّاني ليعرف أنّ الحدث الجديد مراد بتلك الآية على سبيل القطع واليقين، إذ كلّ آية تنزل لسبب فإنّ إرادة السّبب بها قطعيّة، بخلاف ما يخضع لتصرّفات الحاكم واجتهاده، فإنّ تنزيله الآية على وقعة أو حدث فإنّما يقع على سبيل الظّنّ لا القطع، وهذه فائدة جليلة في مثل هذه الصّورة من أسباب النّزول.
стр. 44
المبحث الرابع: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب
ما نزل لسبب خاصّ فهل يقصر فيه الحكم على سببه؟
تلاحظ عند مقارنة ألفاظ الآيات الّتي نزلت لسبب أنّها تأتي باللّفظ العامّ الّذي يشمل تلك الوقعة الّتي جاء الحديث بأنّها السّبب في نزولها، كما يشمل كلّ ما يندرج تحت عموم ذلك اللّفظ.
وحين نقلت لنا أسباب نزول بعض آيات الكتاب لم يقصد النّاقلون لذلك بقولهم مثلا: (نزلت هذه الآية في فلان) أنّ حكمها لا يتعدّاه إلى غيره.
وحمل اللّفظ العامّ على سبب خاصّ إبطال لدلالة العموم وفائدته، ولو أراد الله تعالى اختصاص الحكم بالواقعة الّتي نزل فيها لما أنزله نصّا عامّا، وإنّما أريد للنّصّ أن يكون قانونا عامّا يجري على كلّ الأشباه والنّظائر لتلك القصّة الّتي نزلت الآية لأجلها.
ولذا جاءت القاعدة هنا: (العبرة بعموم اللّفظ لا بخصوص السّبب).
وخذ لها مثالا:
عن عبد الله بن مسعود، ﵁:
أنّ رجلا أصاب من امرأة قبلة، فأتى النّبيّ ﷺ فذكر ذلك له، قال: فنزلت: وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذلِكَ ذِكْرى لِلذَّاكِرِينَ [هود: ١١٤]، قال: فقال الرّجل:
ألي
стр. 45
هذه يا رسول الله؟ قال: «لمن عمل بها من أمّتي».
وفي رواية: فقال رجل من القوم: يا نبيّ الله، هذا له خاصّة؟
قال: «بل للنّاس كافّة» (١).
المبحث الخامس: فوائد معرفة أسباب النزول
معرفة أسباب نزول القرآن من الأسباب الّتي لا يستغني عنها المتدبّر لكلام الله تعالى، وفيها من الفوائد شيء عظيم، فمن ذلك:
إدراك حكم التّشريع، ومعرفة مقاصد الشّريعة، وكيف أنّ الأحكام الشّرعيّة كانت تأتي مناسبة للواقع، ومسايرة للحدث، ومحقّقة ومستوفية حاجة المكلّف.
فتدلّك أسباب النّزول على أن القرآن لم ينزل لتلتمس بتلاوته البركة وإن كان فيه أعظم البركات، وإنّما نزل قانونا للحياة، تضبط به المعاملات من بيوع ونكاح وطلاق وأقضية وميراث، كما تضبط به العبادات من طهارة وصلاة وصيام، وغير ذلك، ليس للفرد خاصّة، بل للمجتمع والدّولة كذلك.
стр. 46
معرفة الوجه الّذي يكون عليه معنى الآية.
وهذا يعني أنّ معرفة السّبب أصل في تفسير الآية، ولذلك يهتدي به المفسّرون لإدراك معاني القرآن.
وتأمّل ذلك فيما حدّث به حميد بن عبد الرّحمن بن عوف: أنّ مروان (هو ابن الحكم) قال: اذهب يا رافع (لبوّابه) إلى ابن عبّاس فقل: لئن كان كلّ امرئ منّا فرح بما أتى وأحبّ أن يحمد بما لم يفعل معذّبا لنعذّبنّ أجمعون، فقال ابن عبّاس: ما لكم ولهذه الآية؟ إنّما أنزلت هذه الآية في أهل الكتاب، ثمّ تلا ابن عبّاس: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ هذه الآية [آل عمران: ١٨٧]، وتلا ابن عبّاس: لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا [آل عمران: ١٨٨]، وقال ابن عبّاس:
سألهم النّبيّ ﷺ عن شيء فكتموه إيّاه وأخبروه بغيره، فخرجوا قد أروه أن قد أخبروه بما سألهم عنه واستحمدوا بذلك إليه، وفرحوا بما أتوا من كتمانهم إيّاه ما سألهم عنه (١).
وأراد ابن عبّاس أنّ هذه الآية الّتي استدلّ بها مروان لما قال إنّما هي متّصلة بالآية الّتي قبلها، وهي قوله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ فهؤلاء أهل الكتاب، ووجه الذّمّ لهم أنّهم
стр. 47
كتموا رسول الله ﷺ إذ سألهم وأجابوه بغيره معجبين بما صنعوا، مظهرين للنّبيّ ﷺ أنّهم أعطوه ما أراد، يرجون بذلك ثناءه عليهم ومدحه لهم.
ولم يرد ابن عبّاس أن يجعل الآية مقصورة عليهم، فإنّ العبرة بعموم اللّفظ لا بخصوص السّبب، وإنّما بيّن لمروان غلطه باستعماله عموم اللّفظ دون مراعاة سبب النّزول في فهم ذلك العموم، فالآية عامّة فيمن صنع صنيع أولئك اليهود، والله إنّما ذكر نبأهم للاعتبار، لكن ذلك الاعتبار يجب أن يراعى فيه مورد الآية، اتّقاء لتنزيل النصّ في غير محلّه.
المبحث السادس: وجوب التحقق من صحة السبب
لما تقدّم بيانه من أثر معرفة أسباب نزول القرآن على فهمه على أفضل وجه وأتمّه، فإنّه يجب التّحرّي في ثبوت ذلك، واعلم أنّ الغلط يرد في هذا من جهة تحديث الإنسان بكلّ ما يبلغه، وكفى بالمرء إثما أن يحدّث بكلّ ما سمع دون أن يتحقّق من صحّة ذلك.
مثل ما حدّث به يوسف بن ماهك، قال: كان مروان على
الحجاز استعمله معاوية، فخطب فجعل يذكر يزيد بن معاوية لكي يبايع له بعد أبيه، فقال له عبد الرّحمن بن أبي بكر شيئا، فقال: خذوه، فدخل بيت عائشة، فلم يقدروا، فقال مروان: إنّ هذا الّذي أنزل الله فيه: وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما أَتَعِدانِنِي [الأحقاف: ١٧]، فقالت عائشة من وراء
стр. 48
الحجاب: ما أنزل الله فينا شيئا من القرآن، إلّا أنّ الله أنزل عذري (١).
فجائز أن يكون مروان بلغه مثل ذلك عن عبد الرّحمن بن أبي بكر أنّ هذه الآية نزلت فيه، وجائز أن يكون قاله من قبل نفسه، فأنكرت ذلك أمّ المؤمنين عائشة رضي الله
عنها، تقول: نحن ذرّيّة أبي بكر ما أنزل الله في أحد منّا ذمّا، وقولها قول من عايش التّنزيل وعلم مواقعه، بخلاف قول مروان الّذي غاية أمره أن يكون بلغه ذلك فحدّث به، إذ لم يشهد التّنزيل، مع ما انضمّ إليه من العصبيّة.
والأشدّ من هذا الأخذ مما يرى في الكتب كتب التّفسير وغيرها من ذكر أسباب النّزول، دون تمييز للثّابت منها من غيره، بل ربّما من المؤلفين والكتّاب والوعّاظ من يذكر الشّيء من ذلك ويؤصّل على وفقه ويفصّل، ثمّ يتبيّن مجيئه من رواية كذّاب أو متروك.
ومن الأمثلة الشّائعة لذلك ما تتناقله كتب التّفسير في سبب نزول قوله تعالى: وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَ
وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥) فَلَمَّا آتاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٧٦) فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِما أَخْلَفُوا اللَّهَ ما وَعَدُوهُ وَبِما كانُوا يَكْذِبُونَ ٧٧ [التّوبة: ٧٥ - ٧٧] أنّها نزلت في ثعلبة بن حاطب الأنصاريّ،
стр. 49
وهي قصّة كذب، وثعلبة هذا مبرّأ من النّفاق، وهو من البدريّين، وقد غفر الله تعالى لأهل بدر (١).
стр. 50
خلاصة وأحكام
١ - من القرآن ما نزل ابتداء، ومنه ما نزل لسبب.
٢ - يعرف السّبب عن طريق الرّواية الثّابتة إلى النّبيّ ﷺ ، أو الصّحابي.
٣ - ما يقوله الصّحابيّ كسبب نزول آية له حكم الحديث المرفوع وإن لم يذكر فيه النّبيّ ﷺ .
٤ - إذا روي في سبب نزول الآية أكثر من سبب اتّبعت القاعدة التّالية:
إن كان أحدهما أصحّ من الآخر من جهة الإسناد، قدّم الأصحّ.
إن تساويا في الثّبوت وكانا غير صريحين في السّببيّة دخلا جميعا في عموم حكم الآية.
إن كان أحدهما صريحا في السّببيّة دون الآخر قدّم الصّريح.
إن كانا صريحين في السّببيّة؛ سلك فيهما طريق الجمع والتّوفيق.
إن تعذّر الجمع فلا مانع من القول بتكرّر النّزول.
٥ - العبرة بعموم اللّفظ لا بخصوص السّبب.
٦ - صورة السّبب قطعيّة الدّخول في العموم، بمعنى أنّ سبب النّزول مقصود جزما بالآية، وليست ظنّيّة الدّلالة عليه.
٧ - معرفة أسباب النّزول من قواعد التّفسير.
стр. 51
الفصل الثالث: معرفة المكي والمدني
المبحث الأول: المراد بالمكي والمدني
للعلماء في تفسير ذلك طرق أحسنها: مراعاة زمن النّزول، وجعل الفاصل بينهما الهجرة.
فالمكّيّ: ما نزل قبل الهجرة، وإن كان بغير مكّة، والمدنيّ: ما نزل بعد الهجرة وإن لم يكن بالمدينة.
أمّا من ذهب من العلماء مثلا إلى اعتبار مكان النّزول فقال:
المكّيّ ما نزل بمكّة، والمدنيّ: ما نزل بالمدينة، فقسمته غير دقيقة، إذ من القرآن ما نزل بغير مكّة ولا المدينة، فالاقتصار حينئذ على مكّيّ ومدنيّ قصور.
ومنهم من ذهب إلى أنّ المكّيّ ما كان فيه خطاب: يا أَيُّهَا النَّاسُ والمدنيّ ما كان فيه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا، وهذا حدّ
مضطرب، فإنّه وجد في المكّي: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا وفي المدنيّ: يا أَيُّهَا النَّاسُ.
فلذا كان التّفسير المذكور أوّلا أقرب تفسيراتهم، وذلك باعتبار الهجرة فاصلا بينهما، خاصّة مع ما في مراعاته من الحكم والفوائد الّتي سيأتي التّنبيه على بعضها.
стр. 52
المبحث الثاني: طريق معرفة المكي والمدني
يعرف المكّيّ والمدنيّ بواحد من طريقين:
الأوّل: النّقل عن الصّحابة، فقد كانوا يشهدون التّنزيل ويعلمون وقائعه وأحواله وأزمانه.
والآثار المنقولة عنهم ممّا يميّز بعض المكّيّ أو بعض المدنيّ عديدة.
فإن لم نجد الخبر عنهم بذلك ووجدنا النّقل الثّابت عن التّابعين، خاصّة من كانت له عناية بالتّفسير كمجاهد مثلا، فلا بأس من اعتماد قولهم فيه إن سلم من المعارض الأصحّ.
أقول هذا لورود بعض الآثار في ذلك عن بعض التّابعين ورد ما هو أولى منها وأصحّ.
والثّاني: الاجتهاد عند عدم النّقل، وذلك بتمييز خصائص المكّيّ والمدنيّ وإلحاق ما لم يرد النّقل به أنّه مكّيّ أو مدنيّ، بجامع تلك الخصائص.
المبحث الثالث: خصائص المكي والمدني
خصائص المكّي:
١ - الدّعوة إلى التّوحيد، وإثبات الرّسالة، وإثبات اليوم الآخر، والوعد والوعيد، وجدال المشركين بالبراهين العقليّة والآيات الكونيّة.
стр. 53
٢ - وضع القواعد العامّة للتّشريع في الحلال والحرام، والتّركيز على تثبيت مكارم الأخلاق كالعدل والإحسان، وإبطال ما ينافيها من مساوئ الأخلاق كالظّلم والفجور والأذى ممّا كان يفعله أهل الجاهليّة.
٣ - ذكر قصص الأنبياء والأمم السّالفة للعبرة والقياس، وتثبيت النّبيّ ﷺ والمؤمنين.
٤ - قصر الفواصل بين الآي، مع قوّة الوقع في الألفاظ والإيجاز في العبارة.
خصائص المدني:
١ - تفصيل العبادات والمعاملات والحدود وقانون الدّولة الإسلاميّة وسائر شرائع الإسلام ممّا يتناسب التّكليف به مع واقع التّمكّن للمجتمع المسلم.
٢ - التّركيز على دعوة أهل الكتاب وشرح أحوالهم وبيان ضلالهم، حيث كانوا يوجدون في مجتمع المدينة بعد الهجرة.
٣ - الكشف عن حقيقة النّفاق وشرح صفات المنافقين وأحوالهم،
والنّفاق لم يظهر في عهد النّبيّ ﷺ حتّى مكّن الله لهذا الدّين، فصار بعض النّاس يستترون بالإسلام في الظّاهر خوفا من سلطان الحقّ وأهله، وهم يسرّون له العداوة والكيد والتّآمر.
٤ - طول الآيات بما يتناسب مع الشّرح والبيان لشرائع الإسلام.
стр. 54
المبحث الرابع: علامات لتمييز المكي والمدني
يعرف المكّيّ والمدنيّ بعلامات مستفادة من تتبّع المأثور عن السّلف من أهل التّفسير، مع مراعاة الخصائص المتقدّمة.
فمن العلامات لمعرفة المكّي ما يلي:
١ - كلّ سورة فيها سجدة فهي مكّيّة، ومنها سورة الحجّ.
٢ - كلّ سورة فيها لفظ كُلا فهي مكّيّة، لما فيها من الدّلالة على الرّدع، وإنّما كان مع المشركين قبل التّمكين.
٣ - كلّ سورة فيها يا أَيُّهَا النَّاسُ وليس فيها يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا فهي مكّيّة.
وكان عبد الله بن مسعود، ﵁، يقول:
قرأنا المفصّل حججا ونحن بمكّة ليس فيها يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا (١).
٤ - كلّ سورة فيها قصص الأنبياء وذكر الأمم الغابرة سوى أهل الكتاب فهي مكّيّة.
قال التّابعيّ الإمام عروة بن الزّبير:
ما كان من ذكر الأمم والقرون والعذاب، فإنّه أنزل بمكّة.
стр. 55
وفي رواية: إنّي لأعلم ما نزل من القرآن بمكّة، وما أنزل بالمدينة، فأمّا ما نزل بمكّة فضرب الأمثال وذكر القرون، وأمّا ما نزل بالمدينة فالفرائض والحدود والجهاد (١).
٥ - كلّ سورة فيها قصّة آدم وإبليس فهي مكّيّة إلّا البقرة.
٦ - كلّ سورة تفتتح بالحروف فهي مكّيّة إلّا البقرة وآل عمران.
ومن العلامات لمعرفة المدني ما يلي:
١ - كلّ سورة فيها فريضة أو حدّ فهي مدنيّة.
قال عروة بن الزّبير: ما كان من حدّ أو فريضة فإنّه أنزل بالمدينة (٢).
٢ - كلّ سورة فيها ذكر المنافقين فهي مدنيّة، سوى العنكبوت فهي مكّيّة، وذلك في قوله تعالى: وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنافِقِينَ ١١ [الآية: ١١].
٣ - كلّ سورة فيها مجادلة أهل الكتاب فهي مدنيّة.
واعلم أنّ هذه العلامات تقريبيّة، دلّ عليها الأثر والتّدبّر والنّظر.
стр. 56
المبحث الخامس: فوائد معرفة المكي والمدني
١ - تمييز النّاسخ والمنسوخ، وهو من شرط الكلام في شرائع الدّين.
٢ - التّمكين من فهم القرآن من خلال الواقع الّذي كان ينزل فيه، ممّا يخلص منه القدرة على وضع نصوص الكتاب في مواضعها، فالخطاب المكّي مثلا يراعي حال الاستضعاف للمؤمنين والطّغيان والاستعلاء للكافرين، بخلاف الخطاب المدنيّ ففيه مراعاة القوّة والتّمكّن والعزّة للمؤمنين، والذّلّة والهزيمة للكافرين.
وما يقتضيه كلّ وضع من تلك الأوضاع المختلفة قاعدة عظيمة لفقه شرائع الإسلام وتنزيل كلّ شيء منزلته بمراعاة أحوال المكلّفين.
٣ - استفادة المنهج السّليم للدّعوة إلى الله ، فالمكّيّ والمدنيّ يعني مراحل السّيرة النّبويّة في الدّعوة والتّبليغ، وكلّ دعوة لهذا الدّين تقوم على هدي رسول الله ﷺ فهي لا تخلو من أن تكون في مرحلة من تلك المراحل، وحيث إنّ الأمّة مأمورة بمتابعة ما جاء به الرّسول ﷺ فهي غير معذورة في مجاوزة ذلك الهدي في استعمال القرآن.
وهذه حقيقة لا يساعد عليها مجرّد الوقوف عند حرفيّات
النّصوص، حتّى يتعدّاها البصير إلى التّأمّل والفقه للواقع النّبويّ، إذ كان القرآن ينزل معالجا لذلك الواقع.
стр. 57
المبحث السادس: حصر السور المكية والمدنية
ما يوجد في كثير من المصاحف من وصف السّورة في صدرها بأنّها (مكّيّة) أو (مدنيّة) ليس توقيفيا عن الله تعالى أو نبيّه ﷺ ، وإنّما هو بحسب المنقول عن السّلف في ذلك، ومنه ما هو متّفق عليه، ومنه ما هو مختلف فيه، فإليك أصحّ ما قيل في ذلك:
السّور المكّيّة:
الأنعام، الأعراف، يونس، هود، يوسف، إبراهيم، الحجر، النّحل، الإسراء، الكهف، مريم، طه، الأنبياء، المؤمنون، الفرقان، الشّعراء، النّمل، القصص، العنكبوت، الرّوم، لقمان، السّجدة، سبأ، فاطر، يس، الصّافّات، ص، الزّمر، غافر، فصّلت، الشّورى، الزّخرف، الدّخان، الجاثية، الأحقاف، ق، الذّاريات، الطّور، النّجم، القمر، الملك، القلم، الحاقّة، المعارج، نوح، الجنّ، المزّمّل، المدّثّر، القيامة، المرسلات، النّبأ، النّازعات، عبس، التّكوير، الانفطار، الانشقاق، البروج، الطّارق، الأعلى، الغاشية، الفجر، البلد، الشّمس، اللّيل، الضّحى، الشّرح، التّين، العلق، القدر، القارعة، الهمزة، الفيل، قريش، الكافرون، المسد.
هذه السّور لا يكاد يختلف في شيء منها أنّها مكّيّة.
أمّا ما اختلف فيها والرّاجح أنّها مكّيّة، فإليكها:
الفاتحة، الرّعد، الحجّ، الرّحمن، الواقعة، التّغابن، الإنسان، الزّلزلة،
стр. 58
العاديات، التّكاثر، العصر، الماعون، الكوثر، الإخلاص.
السّور المدنيّة:
البقرة، آل عمران، النّساء، المائدة، الأنفال، التّوبة، النّور، الأحزاب، محمّد ﷺ ، الفتح، الحجرات، الحديد، المجادلة، الحشر، الممتحنة، الصّفّ، الجمعة، المنافقون، الطّلاق، التّحريم، البيّنة، النّصر.
هذه السّور لا يوجد اختلاف معتبر في كونها مدنيّة.
أمّا ما اختلف فيها والرّاجح أنّها مدنيّة، فهي:
المطفّفين، الفلق، النّاس (١).
المبحث السابع: آيات مدنية في سور مكية
الوصف للسّورة بأنّها (مكّيّة) إنّما هو بحسب الأغلب الأعمّ في سور القرآن، تكون السّورة مكّيّة بجميع آياتها، والقرآن كما بيّنا في نزوله كانت تنزل الآية فيقول النّبيّ ﷺ : «ضعوها في موضع كذا»، لذا
جاءت بعض الآيات المدنيّة ضمن سور مكّيّة، وثبتت بذلك الرّواية، كذلك جاءت آية مكّيّة ضمن سورة مدنيّة.
وقمت بتتبّع ذلك بأسانيده، فخلصت منه إلى أنّ الّذي ثبتت به الرّواية من المدنيّ في المكّيّ في تسع سور، هي كالتّالي:
١ - في سورة هود: وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذلِكَ ذِكْرى لِلذَّاكِرِينَ [الآية: ١١٤].
٢ - وفي سورة النّحل: وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ [الآية: ١٢٦].
٣ - وفي سورة الإسراء: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [الآية: ٨٥].
٤ - وفي سورة الحجّ ثلاثة مواضع:
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ [الآية: ١١].
وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ [الآية: ٦٧].
٧ - وفي سورة الشّورى: وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ إِنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ [الآية: ٢٧].
٨ - وفي سورة الأحقاف: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ١٠ [الآية: ١٠].
٩ - وفي سورة التّغابن: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [الآية: ١٤].
وموضع مجيء المكّيّ في المدنيّ، هو قوله تعالى في سورة
الحديد: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ [الآية: ١٦].
***
стр. 64
الفصل الرابع: أول ما نزل وآخر ما نزل
المبحث الأول: أول ما نزل من القرآن
اختلف في ذلك على أقوال، الثّابت نقله منها قولان:
الأوّل: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ.
كما جاء في قصّة بدء الوحي لرسول الله ﷺ .
قالت عائشة ﵂:
أوّل ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرّؤيا الصّالحة في النّوم، فكان لا يرى رؤيا إلّا جاءت مثل فلق الصّبح، ثمّ حبّب إليه الخلاء وكان يخلو بغار حراء، فيتحنّث فيه (وهو التّعبّد) اللّيالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله، ويتزوّد لذلك، ثمّ يرجع إلى خديجة فيتزوّد لمثلها، حتّى جاءه الحقّ وهو في غار حراء، فجاءه الملك فقال: اقرأ، قال: «ما أنا بقارئ» قال: «فأخذني فغطّني حتّى بلغ منّي الجهد، ثمّ أرسلني فقال: اقرأ، قلت:
ما أنا بقارئ، فأخذني فغطّني الثّانية حتّى بلغ منّي الجهد، ثمّ أرسلني فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطّني الثّالثة، ثمّ أرسلني فقال: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ
стр. 65
٣ [العلق: ١ - ٣]»، فرجع بها رسول الله ﷺ يرجف فؤاده، فدخل على خديجة بنت خويلد ﵂ فقال: «زمّلوني، زمّلوني» الحديث (١).
والثّاني: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ١.
كما في حديث جابر بن عبد الله، ﵄.
قال يحيى بن أبي كثير: سألت أبا سلمة: أيّ القرآن أنزل أوّل؟
فقال: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ١، فقلت: أنبئت أنّه اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ١ فقال أبو سلمة: سألت جابر بن عبد الله: أيّ القرآن أنزل أوّل؟ فقال: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ١ فقلت: أنبئت أنّه اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ، فقال: لا أخبرك إلّا بما قال رسول الله ﷺ ، قال رسول الله ﷺ : «جاورت في حراء، فلمّا قضيت جواري هبطت، فاستبطنت الوادي، فنوديت، فنظرت أمامي وخلفي وعن يميني وعن شمالي، فإذا هو جالس على عرش بين السّماء والأرض، فأتيت خديجة فقلت: دثّروني وصبّوا عليّ ماء باردا، وأنزل عليّ: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ ٣ [المدّثر: ١ - ٣]» (٢).
وهذان في التّحقيق قولان غير متعارضين، فإنّ في حديث جابر نفسه
стр. 66
في رواية عن النّبيّ ﷺ قال وهو يحدّث عن فترة الوحي:
«بينا أنا أمشي إذ سمعت صوتا من السّماء، فرفعت بصري، فإذا
الملك الّذي جاءني بحراء جالس على كرسيّ بين السّماء والأرض، فرعبت منه، فرجعت فقلت: زمّلوني، زمّلوني، فأنزل الله تعالى: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ ٢ إلى قوله: وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ ٥ [المدّثّر: ١ - ٥]، فحمي الوحي وتتابع» (١).
فهذا صريح في أنّ الوحي سبق بالنّزول قبل يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ١، لكنّ جابرا لم يعلم أنّ ذلك الّذي سبق كان اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ، ولذلك لم ينكر هذا القول حين سأله عنه أبو سلمة بن عبد الرّحمن، وإنّما ذكر ما عنده من العلم عن رسول الله ﷺ ، أمّا عائشة فكان عندها بخصوص ذلك من العلم ما لم يكن عند جابر.
ومن العلماء من يحمل حديث عائشة على نزول الوحي بالنّبوّة ب اقْرَأْ، وحديث جابر على نزوله بالرّسالة ب يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ١، فكلاهما أوّل بالنّسبة للنّبوّة والرّسالة.
لكن ليس هناك ما يلجئ إلى هذا، وما تقدّم أولى.
стр. 67
المبحث الثاني: آخر ما نزل من القرآن
آخر آية نزلت من القرآن كلّه قوله تعالى من سورة البقرة في ختام آيات الرّبا: وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ [البقرة: ٢٨١].
فعن ابن عبّاس، ﵄، قال: آخر شيء نزل من القرآن: وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ (١).
ومثله ما جاء عن ابن عبّاس في رواية أخرى، قال: آخر آية نزلت على النّبيّ ﷺ آية الرّبا (٢).
فالمقصود به الآية المذكورة، فهي تمام آيات الرّبا ومعطوفة عليها.
وأمّا ما ثبت عن البراء بن عازب، ﵁، قال: آخر آية نزلت: يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ [النّساء: ١٧٦] (٣).
стр. 68
فهذا محمول على أنّها آخر ما نزل من القرآن في أحكام الميراث.
وحديث ابن عبّاس المتقدّم سالم في التّحقيق من معارض قائم، إذ هو إمّا معارض بما أريد به شيء مخصوص، كما في حديث البراء المذكور، وإمّا معارض بما لم يثبت من جهة الإسناد إلى قائله.
آخر سورة نزلت سورة النّصر .
لحديث عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، قال: قال لي ابن عبّاس:
تعلم آخر سورة نزلت من القرآن، نزلت جميعا؟ قلت: نعم، إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ١ [النّصر: ١]، قال: صدقت (١).
وحديث ابن عبّاس الآخر، قال: كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر، فكأنّ بعضهم وجد في نفسه، فقال: لم تدخل هذا معنا ولنا أبناء مثله؟ فقال عمر: إنّه من حيث علمتم، فدعاه ذات يوم فأدخله معهم، فما رئيت أنّه دعاني يومئذ إلّا ليريهم، قال: ما تقولون في قول الله تعالى: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ١؟ فقال بعضهم: أمرنا نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا، وسكت بعضهم فلم يقل شيئا، فقال لي: أكذاك تقول يا ابن عبّاس؟ فقلت: لا، قال: فما تقول؟ قلت: هو أجل رسول الله ﷺ أعلمه له، قال: ف إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ١ وذلك علامة أجلك فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ
стр. 69
وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً ٣، فقال عمر: ما أعلم منها إلّا ما تقول (١).
وأمّا ما صحّ عن البراء بن عازب من قوله: آخر آية أنزلت آية الكلالة، وآخر سورة أنزلت براءة.
وفي لفظ: إنّ آخر سورة أنزلت تامّة سورة التّوبة، وإنّ آخر آية أنزلت آية الكلالة (٢).
فقد يكون قصد آخر ما نزل في الطّوال؛ وذلك أنّ سورة التّوبة ليس فيها الإشارة إلى أجل النّبيّ ﷺ كما وقع في سورة النّصر، وإنّما نزلت سورة التّوبة بعد غزوة تبوك وبعد هجر النّبيّ ﷺ للثّلاثة الّذين
خلّفوا حيث نزل القرآن بشأنهم، وذلك في سنة تسع للهجرة، وكانت قد نزلت قبل الحجّة الّتي بعث النّبيّ ﷺ أبا بكر عليها، فقد بعث عليّا بهذه السّورة في تلك الحجّة، ومكث النّبيّ ﷺ بعدها ما يزيد على عام، وصحّ عن أنس بن مالك ﵁: إنّ الله تابع الوحي على رسول الله ﷺ قبل وفاته حتّى توفّي، وأكثر ما كان الوحي يوم توفّي رسول الله ﷺ (٣).
...
стр. 70
الفصل الخامس: الأحرف السبعة
المبحث الأول: إنزال القرآن على سبعة أحرف
تواترت الأحاديث عن النّبيّ ﷺ بقوله: «أنزل القرآن على سبعة أحرف».
منها على سبيل المثال: حديث عمر بن الخطّاب، ﵁، قال:
سمعت هشام بن حكيم بن حزام يقرأ سورة الفرقان على غير ما أقرأها وكان رسول الله ﷺ أقرأنيها، فكدت أن أعجل عليه، ثمّ أمهلته حتّى انصرف، ثمّ لبّبته بردائه فجئت به رسول الله ﷺ ، فقلت: يا رسول الله، إنّي سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على غير ما أقرأتنيها، فقال رسول الله ﷺ : «أرسله، اقرأ» فقرأ القراءة الّتي سمعته يقرأ، فقال رسول الله ﷺ : «هكذا أنزلت» ثمّ قال لي: «اقرأ» فقرأت، فقال:
«هكذا أنزلت، إنّ هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف، فاقرءوا ما تيسّر منه» (١).
стр. 71
هذه الأحرف السّبعة الّتي ذكرتها الأحاديث جميعها قرآن أنزله الله تعالى على نبيّه ﷺ وليست اجتهادا، قصد بها التّيسير على الأمّة في أخذ القرآن وتلاوته، يجب الإيمان بها من حيث الإجمال، كما يجب الإيمان بما علمنا صحّة نقله منها من حيث التّفصيل، ولا يحلّ الإقدام على جحدها أو جحد شيء منها إذا ثبت النّقل به، وإن لم يأت على موافقة رسم المصحف، كما سترى بعض أمثلته في المنقول عن الصّحابة، ﵃.
المبحث الثاني: بيان المراد بالأحرف السبعة
اختلف العلماء في المراد بالأحرف السّبعة على أقوال، خلاصة أشهرها:
١ - سبع لغات للمعنى الواحد.
وهذا بمنزلة قولك: (هلمّ، تعال، أقبل) فهي وإن اختلفت في لفظها فقد اتّحدت في معناها ولم تتخالف.
٢ - سبع لغات منثورة في القرآن يتألّف من مجموعها، أغلبه بلغة قريش، ومنه بلغة هذيل أو ثقيف أو تميم أو اليمن أو غيرهم.
٣ - سبعة وجوه من المعاني، هي: الأمر، والنّهي، والحلال، والحرام، والمحكم، والمتشابه، والأمثال.
٤ - الوجوه السّبعة للتّغاير الطّارئ على التّركيب، وهي: اختلاف الأسماء بالإفراد والتّثنية والجمع والتّذكير والتّأنيث، واختلاف وجوه
стр. 72
الإعراب، واختلاف التّصريف، والتّقديم والتّأخير، والاختلاف بالإبدال، والزّيادة والنّقص، واختلاف اللهجات بالتّفخيم والتّرقيق.
والرّاجح من هذه المذاهب المذهب الأوّل .
وذلك أنّ الأحاديث المتواترة الواردة فيه والّتي هي طريقنا لإثبات الأحرف السّبعة، بيّنت بوضوح أنّه اختلاف حروف لا اختلاف معاني، مقصود به رفع الحرج عن التّالين من أصحاب الألسنة المختلفة، والإنسان قد يجري في استعماله لفظ (هلمّ) مثلا بدل (أقبل) ويجده بالاعتياد أيسر عليه، فرفع الحرج في مثل ذلك بنزول القرآن على الحروف المختلفة الجارية في الاستعمال ما دام المعنى متّفقا غير متخالف، ومنه كذلك تقديم لفظ أو تأخيره والمعنى متّحد.
وهذا يبيّنه بوضوح حديث أبيّ بن كعب، ﵁، قال:
قرأت آية وقرأ ابن مسعود خلافها، فأتيت النّبيّ ﷺ فقلت: ألم تقرئني آية كذا وكذا؟ قال: «بلى»، فقال ابن مسعود: ألم تقرئنيها كذا وكذا؟ فقال: «بلى، كلاكما محسن مجمل» قال: فقلت له، فضرب صدري، فقال: «يا أبيّ بن كعب، إنّي أقرئت القرآن فقيل لي: على حرف أو على حرفين؟ قال: فقال الملك الّذي معي: على حرفين، فقلت: على حرفين، فقال: على حرفين أو ثلاثة؟ فقال الملك الّذي
معي: على ثلاثة، فقلت: على ثلاثة، حتّى بلغ سبعة أحرف، ليس منها إلّا شاف كاف، إن قلت: (غفورا رحيما) أو قلت:
стр. 73
(سميعا عليما) أو قلت: (عليما سميعا) فالله كذلك، ما لم تختم آية عذاب برحمة، أو آية رحمة بعذاب» (١).
أراد ﷺ أنّ اختلافهما حين اختلفا في القراءة لم يكن عن تضادّ، فإنّ القرآن أنزل على هذا الوجه وعلى هذا، وما دام الوجهان متّفقين كالتّقديم والتّأخير في المثال المذكور، أو التّنويع فيه بذكر لفظ بدل لفظ، واللّفظان لشيء واحد؛ فليس في هذا من بأس.
ولم يرد ﷺ التّرخيص بأن يبدل التّالي باجتهاده لفظا بلفظ، وإنّما هذا مثل للتّقريب، وأنت تلاحظ في صدر الحديث أنّ أبيّا وابن مسعود إنّما قرآ بما أقرأهما النّبيّ ﷺ لا باجتهادهما.
والشّاهد في هذا الحديث لما قصدناه ظاهر، وهو عود اختلاف الأحرف السّبعة إلى هذا المعنى.
ومثاله في مجيء القراءة النّبويّة بمثل هذه الصّورة؛ ما جاء من حديث
стр. 74
عقبة بن عامر، ﵁، قال:
رأيت رسول الله ﷺ قرأ هذه الآية في خاتمة النّور وهو جاعل إصبعيه تحت عينيه، يقول: «بكلّ شيء بصير» (١).
والّذي في المصحف: بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [النّور: ٦٤].
ويزيد هذا القول قوّة المأثور من قراءة جماعة من أصحاب النّبيّ ﷺ ، فمن ذلك:
١ - عن عبد الرّحمن بن حاطب، عن عمر:
أنّه صلّى العشاء الآخرة، فاستفتح آل عمران، فقرأ: (الم. الله لا إله إلّا هو الحيّ القيّام) (٢).
стр. 75
والّذي في المصحف: الْقَيُّومُ [آل عمران: ٢].
٢ - وعن عبد الله بن عمر، ﵄، قال:
لقد توفّى الله عمر، ﵁، وما يقرأ هذه الآية الّتي
ذكر الله فيها الجمعة: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ إلّا (فامضوا إلى ذكر الله) (١).
والّذي في المصحف: فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ [الجمعة: ٩].
٣ - وعن أبي رزين مسعود بن مالك الأسديّ، قال: