هذه الأحرف السّبعة الّتي ذكرتها الأحاديث جميعها قرآن أنزله الله تعالى على نبيّه ﷺ وليست اجتهادا، قصد بها التّيسير على الأمّة في أخذ القرآن وتلاوته، يجب الإيمان بها من حيث الإجمال، كما يجب الإيمان بما علمنا صحّة نقله منها من حيث التّفصيل، ولا يحلّ الإقدام على جحدها أو جحد شيء منها إذا ثبت النّقل به، وإن لم يأت على موافقة رسم المصحف، كما سترى بعض أمثلته في المنقول عن الصّحابة، ﵃.
المبحث الثاني: بيان المراد بالأحرف السبعة
اختلف العلماء في المراد بالأحرف السّبعة على أقوال، خلاصة أشهرها:
١ - سبع لغات للمعنى الواحد.
وهذا بمنزلة قولك: (هلمّ، تعال، أقبل) فهي وإن اختلفت في لفظها فقد اتّحدت في معناها ولم تتخالف.
٢ - سبع لغات منثورة في القرآن يتألّف من مجموعها، أغلبه بلغة قريش، ومنه بلغة هذيل أو ثقيف أو تميم أو اليمن أو غيرهم.
٣ - سبعة وجوه من المعاني، هي: الأمر، والنّهي، والحلال، والحرام، والمحكم، والمتشابه، والأمثال.
٤ - الوجوه السّبعة للتّغاير الطّارئ على التّركيب، وهي: اختلاف الأسماء بالإفراد والتّثنية والجمع والتّذكير والتّأنيث، واختلاف وجوه
стр. 72
الإعراب، واختلاف التّصريف، والتّقديم والتّأخير، والاختلاف بالإبدال، والزّيادة والنّقص، واختلاف اللهجات بالتّفخيم والتّرقيق.
والرّاجح من هذه المذاهب المذهب الأوّل .
وذلك أنّ الأحاديث المتواترة الواردة فيه والّتي هي طريقنا لإثبات الأحرف السّبعة، بيّنت بوضوح أنّه اختلاف حروف لا اختلاف معاني، مقصود به رفع الحرج عن التّالين من أصحاب الألسنة المختلفة، والإنسان قد يجري في استعماله لفظ (هلمّ) مثلا بدل (أقبل) ويجده بالاعتياد أيسر عليه، فرفع الحرج في مثل ذلك بنزول القرآن على الحروف المختلفة الجارية في الاستعمال ما دام المعنى متّفقا غير متخالف، ومنه كذلك تقديم لفظ أو تأخيره والمعنى متّحد.
وهذا يبيّنه بوضوح حديث أبيّ بن كعب، ﵁، قال:
قرأت آية وقرأ ابن مسعود خلافها، فأتيت النّبيّ ﷺ فقلت: ألم تقرئني آية كذا وكذا؟ قال: «بلى»، فقال ابن مسعود: ألم تقرئنيها كذا وكذا؟ فقال: «بلى، كلاكما محسن مجمل» قال: فقلت له، فضرب صدري، فقال: «يا أبيّ بن كعب، إنّي أقرئت القرآن فقيل لي: على حرف أو على حرفين؟ قال: فقال الملك الّذي معي: على حرفين، فقلت: على حرفين، فقال: على حرفين أو ثلاثة؟ فقال الملك الّذي
معي: على ثلاثة، فقلت: على ثلاثة، حتّى بلغ سبعة أحرف، ليس منها إلّا شاف كاف، إن قلت: (غفورا رحيما) أو قلت:
стр. 73
(سميعا عليما) أو قلت: (عليما سميعا) فالله كذلك، ما لم تختم آية عذاب برحمة، أو آية رحمة بعذاب» (١).
أراد ﷺ أنّ اختلافهما حين اختلفا في القراءة لم يكن عن تضادّ، فإنّ القرآن أنزل على هذا الوجه وعلى هذا، وما دام الوجهان متّفقين كالتّقديم والتّأخير في المثال المذكور، أو التّنويع فيه بذكر لفظ بدل لفظ، واللّفظان لشيء واحد؛ فليس في هذا من بأس.
ولم يرد ﷺ التّرخيص بأن يبدل التّالي باجتهاده لفظا بلفظ، وإنّما هذا مثل للتّقريب، وأنت تلاحظ في صدر الحديث أنّ أبيّا وابن مسعود إنّما قرآ بما أقرأهما النّبيّ ﷺ لا باجتهادهما.
والشّاهد في هذا الحديث لما قصدناه ظاهر، وهو عود اختلاف الأحرف السّبعة إلى هذا المعنى.
ومثاله في مجيء القراءة النّبويّة بمثل هذه الصّورة؛ ما جاء من حديث
стр. 74
عقبة بن عامر، ﵁، قال:
رأيت رسول الله ﷺ قرأ هذه الآية في خاتمة النّور وهو جاعل إصبعيه تحت عينيه، يقول: «بكلّ شيء بصير» (١).
والّذي في المصحف: بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [النّور: ٦٤].
ويزيد هذا القول قوّة المأثور من قراءة جماعة من أصحاب النّبيّ ﷺ ، فمن ذلك:
١ - عن عبد الرّحمن بن حاطب، عن عمر:
أنّه صلّى العشاء الآخرة، فاستفتح آل عمران، فقرأ: (الم. الله لا إله إلّا هو الحيّ القيّام) (٢).
стр. 75
والّذي في المصحف: الْقَيُّومُ [آل عمران: ٢].
٢ - وعن عبد الله بن عمر، ﵄، قال:
لقد توفّى الله عمر، ﵁، وما يقرأ هذه الآية الّتي
ذكر الله فيها الجمعة: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ إلّا (فامضوا إلى ذكر الله) (١).
والّذي في المصحف: فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ [الجمعة: ٩].
٣ - وعن أبي رزين مسعود بن مالك الأسديّ، قال:
стр. 76
في قراءة عبد الله (يعني ابن مسعود): (وحيث ما كنتم فولّوا وجوهكم قبله) (١).
والّذي في المصحف: فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ [البقرة: ١٥٠].
إلى أمثلة أخرى مرويّة عنهم، تدلّ جميعا على أنّ ذلك من تلك الأحرف الّتي قرأ عليهم بها رسول الله ﷺ ، ولا ترى بين شيء منها وبين ما في المصحف مخالفة في المعنى.
أمّا الأقوال الأخرى فضعفها بعد هذا ظاهر، فهي مع مخالفتها لما ذكرت من الأدلّة فإنّ كلّا منها لا يخلو من ضعف في نفسه:
فالقول الثّاني يردّه أنّ عمر وهشاما اختلفا في الحروف وكلاهما قرشيّ.
والقول الثّالث يردّه أنّ الأحرف السّبعة بدلالة النّصوص الواردة فيها إنّما هي بقراءة الكلمة الواحدة على وجهين فأكثر، والكلمة الواحدة لا تكون أمرا ونهيا وحلالا وحراما ومحكما ومتشابها ومثلا، بل في هذا ضمّ النّقيض إلى النّقيض.
стр. 77
وروي في الحديث ما يشهد لهذا المذهب، لكنّه لا يثبت من جهة الإسناد (١).
والقول الرّابع يردّه وجود أكثر هذه الوجوه في المصحف العثمانيّ الّذي عليه قراءات القرّاء، مع أنّ جمع عثمان ﵁ إنّما كان في الإبقاء على حرف من السّبعة وما
كان منها موافقا للرّسم دون سائرها، وذلك درءا للفتنة باختلاف الحروف، فإن كانت تلك الحروف لا زالت جميعا موجودة في المصحف فلا معنى إذا لما صنع عثمان.
كما تردّه الأحاديث المفسّرة في الأحرف السّبعة، كحديث أبيّ بن كعب المتقدّم.
والمقصود بهذه المسألة تبيين كون القرآن أنزل على سبعة أحرف، وأنّها جميعا قرآن أنزله الله تعالى.
ولكن اعلم أنّ هذا الأمر قبل المصحف العثمانيّ، فإنّ تلك الأحرف كانت معروفة لأصحاب النّبيّ ﷺ قبل ذلك، أمّا بعده فإنّ النّاس لم يبق لهم طريق لتمييز تلك الأحرف إلّا بالمقدار الّذي تضمّنه المصحف العثمانيّ، فما لم يكن فيه، فهو حتّى لو ثبت به الإسناد فيجوز عليه من الاحتمال ما يمنع القطع بكونه لم يزل قرآنا، لجواز أن يكون من المنسوخ تلاوة، والعلّة ورود نقله بطريق الآحاد، وما في المصحف منقول بطريق التّواتر.
стр. 78
وهذا أبيّ بن كعب ﵁ كان له مصحف كتبه لنفسه ممّا أقرأه النّبيّ ﷺ ، وكان فيه ما ليس في مصحف الجماعة من اختلاف الأحرف وزيادة المنسوخ (١)، فلو قبلنا الشّيء من ذلك وصيّرناه كالقرآن الّذي في المصاحف فقد نضيف إلى القرآن ما نسخت تلاوته.
ومجرّد اتّفاق مصحف الجماعة على عدم ذكر هذا الحرف أو ذاك دليل كاف على احتمال النّسخ لذلك الحرف.
كما يرد عليه احتمال الوهم على الرّاوي، وإن ضعف، بخلاف نقل الجماعة، فهو مقطوع به.
وسيأتي التّنبيه على صلة الأحرف السّبعة بالقراءات السّبع.
...
стр. 79
المقدمة الثانية حفظ القرآن
الفصل الأول: جمع القرآن الفصل الثاني: ترتيب القرآن الفصل الثالث: الرسم العثماني***
стр. 80
الفصل الأول: جمع القرآن
المبحث الأول: تمكين الأمة من حفظ القرآن
حين قال المشركون فيما ذكره الله تعالى عنهم: يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ [الحجر: ٦] مستهزئين متهكّمين برسول الله ﷺ ، منكرين أن يكون ما جاءهم به من عند الله، ردّ الله عليهم بقوله:
إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ ٩ [الحجر: ٩] يقول: نعم، إنّه تنزيلنا ووحينا، وهو محفوظ بحفظنا، ليس لأحد عليه سلطان بتغيير أو تبديل أو زيادة أو نقص.
كما قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ (٤١) لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ٤٢ [فصّلت: ٤١ - ٤٢]، فنفى ربّنا تعالى عن القرآن كلّ باطل، فحفظه من ذلك فيما تقدّمه، فما هو بقول ساحر ولا مجنون، ولا بأساطير الأوّلين، بل هو المصدّق لما قبله من وحي الله وتنزيله، والشّاهد على ما فيه من
الحقّ، والمصوّب لما طرأ عليه من التّحريف والتّبديل، كما حفظه من الباطل بعد أن أوحاه إلى نبيّه ﷺ ، فبرّأه من كتمانه، كما برّأه من الزّيادة أو النّقص فيه، كما قال تعالى: وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ
стр. 81
لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ ٤٧ [الحاقّة: ٤٤ - ٤٧]، فإذا كان هذا الوعيد في حقّ نبيّ الله ومصطفاه، فكيف يمكن لأحد بعده أن يبدّل كلام الله؟ فقاتل الله أهل الأهواء!
عن نافع مولى عبد الله بن عمر، قال:
خطب الحجّاج (يعني الثّقفيّ) فقال: إنّ ابن الزّبير (يعني عبد الله) يبدّل كلام الله تعالى، قال: فقال ابن عمر، ﵄: كذب الحجّاج، إنّ ابن الزّبير لا يبدّل كلام الله تعالى، ولا يستطيع ذلك (١).
وفي قوله تعالى في الآية المتقدّمة: وَلا مِنْ خَلْفِهِ مع قوله:
وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ دليل على سلامة القرآن ما أبقاه الله بين أيدي النّاس، محفوظ بحروفه كما أنزله الله، يقرأه النّاس في كلّ زمان وكأنّه حديث عهد بالله ربّ العالمين، كأنّما رسول الله ﷺ بين أيديهم يتلوه عليهم وعنه يأخذونه غضّا طريّا.
وهذا مقدّمة لتمكين الأمّة من حفظ القرآن، فما يأتي بيانه من مراحل جمعه ومصيره إلى المصاحف، فهو الطّريق الّذي أراد الله تعالى به حفظ هذا القرآن ليبقى حجّته على العالمين، وفيه دليل على أنّ ما قامت به الأمّة بعد نبيّها ﷺ بخصوص ذلك كان ممّا أراده الله قدرا
لحفظ كتابه، وسخّرهم له
стр. 82
كأسباب، ولعلّ الله تعالى أراد أن يزيد في أجورهم ويرفع في درجاتهم بمثل ذلك العمل، لعظيم بلائهم مع رسول الله ﷺ ، ولتعرف الأمّة من بعدهم ما جعل الله لهم من الفضل عليهم أن كانوا سببا في حفظ دينهم بحفظ هذا القرآن، فجازى الله أبا بكر وعمر وعثمان ومن كان معهم من إخوانهم من أصحاب رسول الله ﷺ في حفظ هذا القرآن عن أمّة الإسلام أفضل ما يجازي به أولياءه الصّالحين.
المبحث الثاني: مراحل جمع القرآن
المرحلة الأولى: جمع القرآن في عهد الرّسالة:
جمع القرآن في عهد النّبيّ ﷺ حصل على صورتين:
الصّورة الأولى: الحفظ في الصّدور .
وقدوة النّاس فيه رسول الله ﷺ ، فإنّه لم يكن يكتب، ولا يقرأ من كتاب، إنّما كان يقرأ القرآن حفظا.
فعن عبد الله بن عبّاس، ﵄، في قوله تعالى: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ ١٦ [القيامة: ١٦]، قال: كان النّبيّ ﷺ يعالج من التّنزيل شدّة، كان يحرّك شفتيه، فأنزل الله تعالى: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ ١٧، قال: جمعه في صدرك ثمّ تقرأه، فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ١٨ قال: فاستمع وأنصت، [ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ ١٩] ثمّ إنّ علينا أن
стр. 83
تقرأه، قال: فكان
رسول الله ﷺ إذا أتاه جبريل استمع، فإذا انطلق جبريل قرأه النّبيّ ﷺ كما أقرأه (١).
وكان جبريل يأتيه في كلّ عام في رمضان يدارسه القرآن، فكان النّبيّ ﷺ يعرض عليه حفظه.
فعن فاطمة بنت رسول الله ﷺ ، ورضي الله عنها، قالت:
أسرّ إليّ النّبيّ ﷺ : «إنّ جبريل كان يعارضني القرآن كلّ سنة مرّة، وإنّه عارضني العام مرّتين، ولا أراه إلّا حضر أجلي» (٢).
وأمّته ﷺ أمّيّة كذلك، وإنّما كان النّاس يأخذون عنه القرآن فيجمعونه في صدورهم، وكانوا ﵃ أمّة عمل، يأخذون القرآن للعمل به، لم يكن يغرّهم كثرة الحفظ دون العمل، وهذا أحد أهمّ الأسباب في قلّة الحفّاظ الّذين جمعوا القرآن كلّه في حياة رسول الله ﷺ ، وإن كان الواحد منهم لا يخلو من حفظ بعض القرآن.
قال عبد الله بن مسعود، ﵁:
стр. 84
كان الرّجل منّا إذا تعلّم عشر آيات؛ لم يجاوزهنّ حتّى يعرف معانيهنّ، والعمل بهنّ (١).
والّذين عرفوا بجمع القرآن كلّه في صدورهم في عهد رسول الله ﷺ ، ممّن صحّت بتسميتهم الأخبار هؤلاء السّادة الأخيار:
أبيّ بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن مسعود، وسالم مولى أبي حذيفة، وأبو الدّرداء، وأبو زيد الأنصاريّ، وعبد الله بن عمرو بن العاص.
عن عبد الله بن عمرو، ﵄، قال: سمعت النّبيّ ﷺ يقول:
«خذوا القرآن من أربعة: من ابن أمّ عبد، ومعاذ بن جبل، وأبيّ بن كعب، وسالم مولى أبي حذيفة» (٢).
وابن أمّ عبد هو عبد الله بن مسعود، ﵁.
وعن أنس بن مالك، ﵁، قال:
стр. 85
جمع القرآن على عهد رسول الله ﷺ أربعة كلّهم من الأنصار:
معاذ بن جبل، وأبيّ بن كعب، وزيد بن ثابت، وأبو زيد (١).
وأمّا عبد الله بن عمرو؛ فهو صاحب سنّة التّوقيت في الختم (٢).
وهؤلاء الأعيان من الصّحابة كانوا قد تفرّغوا لأخذ القرآن والاعتناء بحفظه، والّذين أمر النّبيّ ﷺ بأخذ القرآن عنهم كانوا قد عرضوا عليه قراءتهم وعلم إتقانهم؛ ولذا زكّاهم.
وستأتي في مرحلة جمع القرآن في عهد أبي بكر الإشارة إلى كثرة من قتل من القرّاء في حرب المرتدّين ممّا يدلّ على وجود الحفظ في آخرين من الصّحابة، وجائز أن يكون عند بعضهم القرآن كلّه، مثلما وقع لهؤلاء النّفر
стр. 86
المذكورين هنا من أصحاب النّبيّ ﷺ ، كما يجوز أن يكون عند بعضهم بعضه لا كلّه.
الصّورة الثّانية: الحفظ في السّطور .
لم يكن الاعتماد على الصّدور وحده كافيا لحفظ القرآن الّذي أراد الله تعالى أن يبقى دستورا للبشر إلى قيام السّاعة، فإنّ حفظ الصّدور لغير رسول الله ﷺ يعتريه ما كتب الله على بني آدم من النّسيان والوهم، وبناء الثّقة في الدّين عليه مجرّدا غير ممكن، لذلك كان التّدوين والكتابة ضرورة لا بدّ منها لحفظه وإبقاء قدسيّته، والقرآن نفسه أشعر بضرورة الكتابة في مواضع كثيرة، فإنّ الله تعالى سمّاه (الكتاب)، وهذا يقتضي أن يكون مكتوبا.
ولذا كان النّبيّ ﷺ قد اتّخذ جماعة مأمونة من أصحابه ممّن كان
يعرف الكتابة يكتبون ما كان ينزل عليه من القرآن، كما كان الإذن فيه عامّا لكلّ من شاء أن يكتب، وقد قال لهم:
«لا تكتبوا عنّي شيئا غير القرآن، فمن كتب عنّي شيئا غير القرآن فليمحه» (١).
стр. 87
وعلّة ذلك مدركة، وهي الخوف من أن يختلط بالقرآن ما ليس منه.
ومن أعيان كتّاب الوحي لرسول الله ﷺ : عليّ بن أبي طالب، وزيد بن ثابت، وأبيّ بن كعب، ومعاوية بن أبي سفيان، ﵃.
وكانوا جميعا من آمن النّاس على كلام الله تعالى، وهم مزكّون من رسول الله ﷺ باختياره لهم لهذه الوظيفة الثّقيلة، بل مزكّون من الله تعالى بإقرار نبيّه ﷺ على اتّخاذهم لذلك.
ومن لم يكن في موضع الثّقة فإنّ الله تعالى فضحه، كما وقع لذاك الّذي كان يكتب الوحي لرسول الله ﷺ وكان يغيّر ما كان يمليه عليه النّبيّ ﷺ .
فعن أنس بن مالك، ﵁:
أنّ رجلا كان يكتب لرسول الله ﷺ ، فكان إذا أملى عليه سَمِيعاً بَصِيراً كتب سَمِيعاً عَلِيماً، فإذا كان سَمِيعاً عَلِيماً كتب
سَمِيعاً بَصِيراً، وكان قد قرأ البقرة وآل عمران، وكان من قرأهما فقد قرأ قرآنا كثيرا، قال: فتنصّر الرّجل، وقال: إنّما كنت أكتب ما شئت عن محمّد، قال: فمات فدفن فلفظته الأرض، ثمّ دفن فلفظته، قال أنس:
قال أبو طلحة: فأنا رأيته منبوذا على ظهر الأرض (١).
стр. 88
وفي رواية لهذه القصّة، قال أنس:
كان رجل نصرانيّا فأسلم، وقرأ البقرة وآل عمران، فكان يكتب للنّبيّ ﷺ ، فعاد نصرانيّا، فكان يقول: ما يدري محمّد إلّا ما كتبت له، فأماته الله فدفنوه، فأصبح وقد لفظته الأرض، فقالوا: هذا فعل محمّد وأصحابه لمّا هرب منهم نبشوا عن صاحبنا فألقوه، فحفروا له فأعمقوا، فأصبح وقد لفظته الأرض، فقالوا: هذا فعل محمّد
وأصحابه نبشوا عن صاحبنا لمّا هرب منهم فألقوه، فحفروا له وأعمقوا له في الأرض ما استطاعوا، فأصبح قد لفظته الأرض، فعلموا أنّه ليس من النّاس، فألقوه (١).
وهذه العقوبة وعيد لمن يظنّ أنّه يقدر أن يبدّل كلام الله، ذلك أنّ الله تعالى قد تعهّد بحفظه، كما قال: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ ٩ [الحجر: ٩].
فحاصل هذا المبحث:
أنّ جمع القرآن على العهد النّبويّ كان بهذين الطّريقين: جمعه في
стр. 89
الصّدور، وكتابته في السّطور.
وكانوا يكتبونه فيما تهيّأ لهم الكتابة فيه، من الجلود وجريد النّخل وغير ذلك، ولم يكن جمعهم له مكتوبا على صفة الكتاب الواحد تجمع أوراقه إلى بعضها لتعذّر ذلك يومئذ، حيث كان القرآن مستمرّ النّزول، وربّما نزلت الآية أو السّورة فقال لهم النّبيّ ﷺ : «ضعوها في موضع كذا وكذا»، كما كان نسخ التّلاوة واردا في حياته ﷺ ، فلو كان مؤلّفا على صفة الكتاب التّامّ لشقّ معه إضافة الجديد وإزالة المنسوخ، خاصّة وأنّهم ما كان لهم من آلة الكتابة يومئذ ما تهيّأ لمن بعدهم.
المرحلة الثّانية: جمع القرآن في عهد الصّدّيق:
وهذه يبيّنها أخبر النّاس بها كاتب الوحي الأمين زيد بن ثابت.
قال، ﵁: أرسل إليّ أبو بكر مقتل أهل اليمامة (١)، فإذا عمر بن الخطّاب عنده، قال أبو بكر ﵁: إنّ عمر أتاني فقال:
إنّ القتل قد استحرّ يوم اليمامة بقرّاء القرآن، وإنّي أخشى أن يستحرّ القتل بالقرّاء بالمواطن فيذهب كثير من القرآن، وإنّي أرى أن تأمر بجمع القرآن، قلت لعمر: كيف تفعل شيئا لم يفعله رسول الله ﷺ ؟ قال عمر: هذا والله خير، فلم يزل عمر يراجعني حتّى شرح الله صدري لذلك، ورأيت في ذلك
стр. 90
الّذي رأى عمر، قال زيد: قال أبو بكر: إنّك رجل شابّ عاقل لا
نتّهمك، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله ﷺ ، فتتبّع القرآن فاجمعه، فو الله لو كلّفوني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل عليّ ممّا أمرني به من جمع القرآن، قلت: كيف تفعلون شيئا لم يفعله رسول الله ﷺ ؟ قال: هو والله خير، فلم يزل أبو بكر يراجعني حتّى شرح الله صدري للّذي شرح له صدر أبي بكر وعمر ﵄، فتتبّعت القرآن أجمعه من العسب واللّخاف وصدور الرّجال، حتّى وجدت آخر سورة التّوبة مع أبي خزيمة الأنصاريّ لم أجدها مع أحد غيره: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حتّى خاتمة براءة [التّوبة: ١٢٨ - ١٢٩]، فكانت الصّحف عند أبي بكر حتّى توفّاه الله، ثمّ عند عمر حياته، ثمّ عند حفصة بنت عمر، ﵁ (١).
(العسب) جمع عسيب، وهو جريدة النّخل، و (اللّخاف) حجارة بيض رقاق.
وقوله: (لم أجدها مع أحد غيره) إنّما أراد مكتوبة، ولم يرد محفوظة، فإنّ زيدا نفسه كان ممّن جمع القرآن حفظا على عهد رسول الله ﷺ ، وجمعه طائفة كانوا أحياء يومئذ.
стр. 91
وقد روي أنّ عمر بن الخطّاب شهد مع خزيمة أو أبي خزيمة على حفظه، كما روي أنّ عثمان شهد بذلك، ولا يثبت عن عمر ولا عثمان من جهة الإسناد (١).
وهذا الجمع الّذي حصل بأمر أبي بكر الصّدّيق، ﵁، كان للقرآن جميعا على الصّورة الّتي كان النّبيّ ﷺ أملاها على أصحابه من كتّاب الوحي، مشتملة على الأحرف السّبعة الّتي أنزل عليها القرآن.
هل هناك جمع وقع في خلافة عمر ؟
روي في ذلك من الخبر ما لا يثبت من طريق النّقل؛ إمّا من رواية ضعيف، أو من جهة انقطاع في الإسناد (٢)، والصّحيح ما تقدّم في حديث زيد بن ثابت أنّ عمر أشار على أبي بكر بجمع القرآن، وأنّ الصّحف الّتي جمعت على عهد الصّدّيق بقيت بعده عند عمر إلى أن استشهد، ﵁، ثمّ عند ابنته حفصة أمّ المؤمنين، ﵂.
المرحلة الثّالثة: جمع القرآن في عهد عثمان:
وهذه هي المرحلة الأخيرة من مراحل جمع القرآن، وهي الّتي تمّ فيها جمع النّاس على مصحف واحد منعا للفتنة، وإليك قصّة ذلك:
стр. 92
عن أنس بن مالك، ﵁:
أنّ حذيفة بن اليمان قدم على عثمان، وكان يغازي أهل الشّام في فتح إرمينية وأذربيجان مع أهل العراق، فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة، فقال حذيفة لعثمان: يا أمير المؤمنين، أدرك هذه الأمّة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنّصارى، فأرسل عثمان إلى حفصة: أن أرسلي إلينا بالصّحف ننسخها في المصاحف ثمّ نردّها إليك، فأرسلت بها حفصة إلى عثمان، فأمر زيد بن ثابت وعبد الله بن الزّبير وسعيد بن العاص
وعبد الرّحمن بن الحارث بن هشام، فنسخوها في المصاحف، وقال عثمان للرّهط القرشيّين الثّلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن (وفي رواية: في عربيّة من عربيّة القرآن) فاكتبوه بلسان قريش، فإنّما نزل بلسانهم، ففعلوا، حتّى إذا نسخوا الصّحف في المصاحف ردّ عثمان الصّحف إلى حفصة، وأرسل إلى كلّ أفق بمصحف ممّا نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كلّ صحيفة أو مصحف أن يحرق (١).
قال الإمام أبو عمرو الدّانيّ: «أكثر العلماء على أنّ عثمان بن عفّان، ﵁، لمّا كتب المصحف جعله على أربع نسخ، وبعث إلى كلّ ناحية من النّواحي بواحدة منهنّ، فوجّه إلى الكوفة إحداهنّ، وإلى البصرة أخرى، وإلى الشّام الثّالثة، وأمسك عند نفسه واحدة، وقد قيل: إنّه جعله سبع
стр. 93
نسخ، ووجّه من ذلك أيضا نسخة إلى مكّة، ونسخة إلى اليمن، ونسخة إلى البحرين، والأوّل أصحّ، وعليه الأئمة» (١).
المبحث الثالث: الفرق بين جمع الصديق وجمع عثمان
والفرق بين الجمعين ظاهر من الرّوايات الصّحيحة في ذلك، والفارق بينهما في أمرين بارزين:
الأوّل: السّبب الدّاعي للجمع .
ففي عهد الصّدّيق الخوف على ذهاب القرآن بذهاب حملته، كما
وقع في إشارة عمر على أبي بكر، حيث قال: «إنّي أخشى أن يستحرّ القتل بالقرّاء بالمواطن فيذهب كثير من القرآن، وإنّي أرى أن تأمر بجمع القرآن».
أمّا في عهد عثمان فكان الدّاعي الخوف على الأمّة من الافتتان في دينها بسبب اختلاف الحروف الّتي يقرأ بها القرآن، كما كان في إشارة حذيفة بن اليمان على عثمان، قال له: «يا أمير المؤمنين، أدرك هذه الأمّة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنّصارى»، وإذا كان بعض كبار الصّحابة لم يستوعب أوّل الأمر مثل ذلك الاختلاف، كأبيّ بن كعب، حتّى أزال النّبيّ ﷺ عنه الحرج، فكيف الشّأن في سائر النّاس بعد انتشار الإسلام وتوسّع رقعته وكثرة من دخل فيه من الشّعوب؟
стр. 94
والثّاني: الصّفة الّتي وقع عليها الجمع .
في عهد الصّدّيق جمع القرآن من السّطور والصّدور على الصّفة الّتي أخذها النّاس عن النّبيّ ﷺ وكتبها بأمره كتّاب الوحي، فصارت جميعا بما فيها الأحرف السّبعة في صحف، محفوظة في موضع واحد، ولم تكتب منها المصاحف يومئذ، كما أنّ ظاهر الأمر أنّ السّور لم تؤلّف يومئذ على صفة معيّنة، إنّما في قصّة ذلك ما يشعر بضمّ آيات السّورة الواحدة إلى بعضها كما سمعوها من رسول الله ﷺ وكتبوها عنه كالشّأن في آخر سورة التّوبة.
وأمّا في عهد عثمان؛ فإنّ الجمع كان بكتابة مصحف يكون للنّاس إماما، لا يختلف في شيء من حروفه، يعصمون به من
الضّلالة، وجعل عثمان ﵁ إمامه في ذلك الصّحف الّتي جمعت في عهد الصّدّيق، وأمر الكتّاب أن يصيروا فيما اختلفوا فيه عند الكتابة إلى لغة قريش فتكون فصلا بينهم، وكلّ حرف لا يأتي على موافقة الرّسم وإن كان من السّبعة؛ فلم يكتبوه في المصحف، ذلك أنّ الصّحابة أدركوا المعنى الّذي لأجله أنزل القرآن على سبعة أحرف، وهو التّيسير على التّالين، وأنّه ما من حرف إلّا وهو على وفاق الآخر في معناه، ورأوا بعد النّبيّ ﷺ ابتداء ظهور اختلاف الأمّة بسبب ذلك، كما رأوا العلّة في اختلاف الأحرف الّتي هي التّيسير قد زالت، وبدأ يحلّ محلّها فرقة وفتنة، فدرءوا تلك الفتنة بحفظ القرآن مجموعا على رسم واحد عمّم على جميع عواصم الدّولة الإسلاميّة، وبقي من تلك الأحرف ما يتّفق في الرّسم مع المصحف الإمام.
стр. 95
المبحث الرابع: موقف الصحابة من الجمع العثماني
تلقّى الصّحابة يومئذ صنيع عثمان ﵁ بالقبول، وسلّموا له ما فعل، وإن كان بعضهم قد احتفظ بمصحفه الخاصّ، كعبد الله بن مسعود، كما سيأتي في قصّته.
عن مصعب بن سعد بن أبي وقّاص، قال:
أدركت أصحاب رسول الله ﷺ متوافرين، فما رأيت أحدا منهم عاب ما صنع عثمان ﵁ في المصاحف (١).
والمرويّ عن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب، ﵁، موافقة عثمان على ما فعل (٢)، لم يرو عنه غير ذلك، فطعن الغلاة فيه في عثمان ﵁ في أمر جمع المصحف وارد منهم على عليّ نفسه، فإنّه ولي الخلافة بعد عثمان، وشأن القرآن هو شأن دين الإسلام، فما كان لإمام هدى كعليّ
стр. 96
بن أبي طالب يعلم في صنيع عثمان نقصا أو عيبا ويقرّه في مصاحف المسلمين وذلك وعثمان حيّ، فضلا عن حاله من بعد حين ولي الخلافة، فسحقا لأهل البدع، كم تجني عليهم بدعهم من الضّلال؟!
أمّا عامّة أهل الإسلام من بعد، فإنّهم رأوا ما صنع عثمان ﵁ منقبة له، كيف لا؛ وقد وقى الله به الأمّة من الاختلاف في القرآن، وحفظه به! ويكفي أن تكون الأمّة كلّها باختلاف طوائفها لا يوجد عندها قرآن غير هذا الّذي جمع عثمان ﵁، وإذا كان الله تعالى قد تعهّد بوقاية هذا الكتاب وحفظه والنّاس لا يعرفون إلّا ما جمعه عثمان، فذلك من أعظم البراهين على أنّ الله تعالى أبقاه محفوظا في الأمّة بصنيع عثمان، فرضي الله عن عثمان.
عبد الله بن مسعود والجمع العثمانيّ:
لا يخفى قدر عبد الله بن مسعود ﵁ ومكانه من رسول الله ﷺ ، ومنزلته في الصّحابة، بل ومكانته في القرآن خاصّة، وكان معارضا لصنيع عثمان في أمور ثلاثة:
الأوّل: تولية زيد بن ثابت دونه.
كان ابن مسعود في الكوفة حين شرع عثمان في جمع المصحف، وكان عثمان قد اقتدى بالشّيخين قبله أبي بكر وعمر ﵄ في اختيار زيد بن ثابت لهذه المهمّة، لكن أغضب ذلك عبد الله بن مسعود، حتّى قال:
стр. 97
على قراءة من تأمرونّي أقرأ؟ لقد قرأت على رسول الله ﷺ بضعا وسبعين سورة وإنّ زيدا لصاحب ذؤابتين يلعب مع الصّبيان.
وفي رواية عن أبي وائل شقيق بن سلمة الأسديّ، قال:
لمّا أمر عثمان ﵁ في المصاحف بما أمر به، قام عبد الله بن مسعود خطيبا، فقال: أتأمروني أن أقرأ القرآن على قراءة زيد بن ثابت؟ فو الّذي نفسي بيده، لقد أخذت من في رسول الله ﷺ بضعا وسبعين سورة وزيد بن ثابت عند ذلك يلعب مع الغلمان، ثمّ استحيا ممّا قال، فقال: وما أنا بخيرهم، ثمّ نزل.
قال شقيق: فقعدت في الحلق فيها أصحاب رسول الله ﷺ وغيرهم، فما سمعت أحدا ردّ ما قال (١).
فهذا الخبر واضح في غضب ابن مسعود من تقديم زيد بن ثابت عليه
стр. 98
في هذه الوظيفة، وأنا أحيل غضب ابن مسعود على أمرين مهمّين:
أوّلهما: ما يعلمه من نفسه من العناية بالقرآن كما يدلّ عليه قوله المذكور، مع التّزكية النّبويّة له في ذلك.
فتقدّم ذكره في الحديث فيمن أمر النّبيّ ﷺ أن يؤخذ عنهم القرآن من أصحابه، وكذلك ما ثبت عن علقمة بن قيس النّخعيّ، قال:
جاء رجل إلى عمر، ﵁ وهو بعرفات، فقال: جئتك من الكوفة، وتركت بها رجلا يملي المصاحف عن ظهر قلبه، قال:
فغضب عمر وانتفخ حتّى كاد يملأ ما بين شعبتي الرّحل، وقال:
ويحك، من هو؟ قال: عبد الله بن مسعود، قال: فو الله ما زال يطفأ ويذهب عنه الغضب حتّى عاد إلى حاله الّتي كان عليها، ثمّ قال: والله ما أعلم من النّاس أحدا هو أحقّ بذلك منه، وسأخبركم عن ذلك، كان رسول الله ﷺ يسمر عند أبي بكر اللّيلة كذلك في الأمر من أمور المسلمين، وأنّه سمر عنده ذات ليلة وأنا معه، فلمّا دخل المسجد إذا رجل قائم يصلّي، فقام رسول الله ﷺ يستمع قراءته، فما كدنا نعرف
الرّجل، قال رسول الله ﷺ : «من سرّه أن يقرأ القرآن رطبا كما أنزل، فليقرأه على قراءة ابن أمّ عبد» وذكر بقيّة الحديث (١).
стр. 99
فهذا رسول الله ﷺ يزكّي قراءته، وهذا عمر من بعده يعدّه أولى النّاس بإقراء القرآن يومئذ.
وقال أبو وائل شقيق بن سلمة: خطبنا عبد الله بن مسعود، فقال:
والله، لقد أخذت من في رسول الله ﷺ بضعا وسبعين سورة، والله لقد علم أصحاب النّبيّ ﷺ أنّي من أعلمهم بكتاب الله، وما أنا بخيرهم (١).
فهذه التّزكية والقبول عند النّبيّ ﷺ وعامّة أصحابه أعطى ابن مسعود الحقّ في الاعتراض: أن يختار زيد بن ثابت ويقدّم عليه، وقد أسلم ابن مسعود وحفظ عن النّبيّ ﷺ الكثير من القرآن وزيد يومئذ صبيّ لم يعرف الإسلام بعد فضلا عن القرآن.
وثانيهما: شهوده العرضة الأخيرة على النّبيّ ﷺ .
فعن ابن عبّاس، ﵄، قال: أيّ القراءتين تعدّون أوّل؟ قالوا: قراءة عبد الله، قال: لا، بل هي الآخرة (وفي رواية:
قراءتنا القراءة
стр. 100
الأولى، وقراءة عبد الله قراءة الأخيرة)، كان يعرض القرآن على رسول الله ﷺ في كلّ عام مرّة، فلمّا كان العام الّذي قبض فيه عرض عليه مرّتين، فشهده عبد الله، فعلم ما نسخ منه وما بدّل (١).
والثّاني: موقفه من إثبات المعوّذتين في المصحف.
وهذا الاعتراض من أشدّ ما يذكر عن عبد الله بن مسعود على الجمع العثمانيّ.
فعن عبد الرّحمن بن يزيد، قال: رأيت عبد الله يحكّ المعوّذتين، ويقول: لم تزيدون ما ليس فيه؟
وفي رواية قال: لا تخلطوا فيه ما ليس منه.
стр. 101
وفي رواية عنه: أنّه كان يحكّ المعوّذتين من المصحف، يقول:
ليستا من كتاب الله (١).
والثّالث: إنكاره تحريق المصاحف الّتي لا توافق المصحف العثمانيّ.
إنّ النّاس قبل المصحف الإمام كانت عندهم المصاحف الّتي انتسخوها لأنفسهم، وربّما كان مرجع النّاس في ذلك إلى من سمعوا منه من القرّاء من الصّحابة أو غيرهم،
فجائز عليها الاختلاف، سواء بسبب اختلاف الحروف الّتي بلغهم القرآن عليها، أم بسبب النّسخ، وصنيع عثمان إنّما قصد إلى توحيد المسلمين على مصحف واحد.
فحين كتبت المصاحف العثمانيّة جعلها أمير المؤمنين عثمان المرجع للمسلمين في مصاحفهم، وأمر بإزالة ما سواها ممّا كتب عن غيرها، فساء ذلك ابن مسعود، وأبى أن يسلّم مصحفه، وأفتى النّاس بالاحتفاظ بمصاحفهم، كما تدلّ على ذلك الأخبار عنه، ومنها:
стр. 102
عن خمير بن مالك الهمدانيّ، قال: أمر بالمصاحف أن تغيّر، قال: قال ابن مسعود: من استطاع منكم أن يغلّ مصحفه فليغلّه، فإنّه من غلّ شيئا جاء به يوم القيامة، قال: ثمّ قال: قرأت من فم رسول الله ﷺ سبعين سورة، أفأترك ما أخذت من في رسول الله ﷺ ؟ (١).
وعن أبي ميسرة عمرو بن شرحبيل، قال: أتى عليّ رجل وأنا أصلّي، فقال: ثكلتك أمّك، ألا أراك تصلّي وقد أمر بكتاب الله أن يمزّق كلّ ممزّق، قال: فتجوّزت في صلاتي، وكنت أحبس، فدخلت الدّار ولم أحبس، ورقيت فلم أحبس، فإذا أنا بالأشعريّ، وحذيفة وابن مسعود يتقاولان، وحذيفة يقول لابن مسعود: ادفع إليهم هذا المصحف، قال: والله لا أدفعه إليهم، أقرأني رسول الله ﷺ بضعا وسبعين سورة ثمّ أدفعه إليهم؟ والله لا أدفعه إليهم (٢).
стр. 103
هذا الحصر يعود إليه جميع ما يذكر عن ابن مسعود من أسباب الاعتراض على الجمع العثمانيّ، وجوابه باختصار:
١ - قدّم زيد عليه لأنّ النّبيّ ﷺ ائتمنه على كتابة الوحي، وهذه
خصلة تكفي وحدها لتقديم زيد، كيف وقد جمع القرآن والنّبيّ ﷺ حيّ، وائتمنه أبو بكر الصّدّيق وعمر الفاروق على الجمع الأوّل وما اعترض ابن مسعود عليهما في ذلك.
وما ضرّ زيدا أن يسبقه ابن مسعود بالسّنّ أو الإسلام أو التّلقّي لبعض سور القرآن تلقّاها زيد من بعد مشافهة من رسول الله ﷺ وخطّها بيده!
٢ - ما قصد أحد من أصحاب النّبيّ ﷺ لا عثمان ولا غيره الغضّ من منزلة ابن مسعود في الإسلام، بل فضله عندهم مجمع عليه، وإن اختاروا غيره لهذه الوظيفة.
٣ - شهوده العرضة الأخيرة لا ريب أنّه من أسباب تفضيله وتقديمه في القرآن، لكنّه نفسه لم يجعل شهوده لما ممّا يرجّحه على زيد، كذلك ابن عبّاس لم يعدل عن قراءة زيد مع قوله المذكور، وإنّما الفائدة في قول ابن عبّاس أنّ ما جاء في حرف ابن مسعود فهو غير منسوخ التّلاوة.
على أنّ قول ابن عبّاس مقابل بما هو مشهور من كون قراءة النّاس الّتي في هذه المصاحف هي العرضة الأخيرة.
ومن الدّليل عليه حديث سمرة بن جندب، ﵁، قال:
стр. 104
عرض القرآن على رسول الله ﷺ عرضات، فيقولون: إنّ قراءتنا هذه هي العرضة الأخيرة (١).
وعن محمّد بن سيرين، قال: يرون أو يرجون أن تكون قراءتنا هذه أحدث القراءتين عهدا بالعرضة الأخيرة (٢).
стр. 105
ووجه الجمع بين الأخبار هنا أن نقول: حيث إنّ النّبيّ ﷺ عرض عليه القرآن في عامه الّذي توفّي فيه مرّتين باعتبار وقوع ذلك منه مع جبريل ﵇، أو مرّات باعتبار وقوع العرض من الطّرفين النّبيّ ﷺ وجبريل ﵇، فيكون زيد حضر إحداها وابن مسعود الأخرى.
٤ - مستند زيد في الجمع إنّما كان الصّحف الّتي جمعها في عهد الصّدّيق، ولم يعتمد حفظه أو حفظ غيره مجرّدا.
كذلك فإنّه لم ينفرد بشيء غير التّكليف بمسئوليّة وظيفة الجمع،
وقد وافقه عثمان حيث تمّ ذلك بإشرافه، وعليّ بن أبي طالب وأبيّ بن كعب وغيرهم من كبار الصّحابة ممّن تنتهي إليهم أسانيد قراءات القرّاء السّبعة وغيرهم من القراءات الّتي هي على وفاق المصحف في الرّسم، بل إجماع الصّحابة وعامّة التّابعين حاصل على ذلك، ما شذّ عنهم غير ابن مسعود.
٥ - وأمّا شأن المعوّذتين، فإنّ ابن مسعود لم يجحد أن تكونا ممّا أنزله الله، وإنّما حسب أنّهما دعاء أوحي إلى رسول الله ﷺ .
فعن علقمة النخعيّ، عنه: أنّه كان يحكّ المعوّذتين من المصحف، ويقول: إنّما أمر النّبيّ ﷺ أن يتعوّذ بهما، وكان عبد الله لا يقرأ بهما (١).
стр. 106
وعن أبي عبد الرّحمن السّلميّ، عنه أنّه كان يقول: لا تخلطوا بالقرآن ما ليس فيه، فإنّما هما معوّذتان تعوّذ بهما النّبيّ ﷺ : (قل أعوذ بربّ الفلق) و (قل أعوذ بربّ النّاس)، وكان عبد الله يمحوها من المصحف (١).
فابن مسعود يعلم المعوّذتين، ويقرّ بكون النّبيّ ﷺ أمر بالتّعوّذ بهما، لكنّه ينكر أن تكونا من القرآن، ولا ريب أنّ مثل هذا عظيم الخطر، لكنّه ﵁ خفيه أن تكونا قرآنا، وغيره كان أعلم بهما وأنّهما كانتا من القرآن، بل اتّفاق الجميع، وكفى به برهانا على غلط ابن مسعود، فروايته للقرآن عن النّبيّ ﷺ ناقصة، والفرد مهما بلغ في العلم والمعرفة؛ فإنّه يفوته الشّيء من ذلك، وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ.
ولا يردنّ في خاطرك أن يكون ما ذكره ابن عبّاس من أنّ ابن مسعود شهد العرضة الأخيرة فعلم ما نسخ، فكان المعوّذتان ممّا نسخ، فإنّهما لو كانتا كذلك في نظر ابن مسعود لكان ذلك أقوى في حجّته على نفيهما من المصحف، ولما احتاج أن يعلّل نفيهما بكونهما دعاء أوحي إلى النّبيّ ﷺ ليستا بقرآن، ثمّ إنّ المنسوخ قرآن أيضا لكنّه نسخ، وليس هكذا قول ابن
стр. 107
مسعود في المعوّذتين.
فحاصل هذا أنّ ابن مسعود لم يعلم، وغيره قد علم، ومن علم حجّة على من لم يعلم، وممّا يبطل مذهب ابن مسعود في المعوّذتين إضافة إلى مخالفته إجماع عامّة الصّحابة، أدلّة أخرى، منها:
ما ثبت عن النّبيّ ﷺ في الحديث صراحة أنّهما قرآن، وأنّه كان يقرأ بهما في الصّلاة، كما جاء عن عقبة بن عامر الجهنيّ، ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ :
«أنزل عليّ آيات لم ير مثلهنّ: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ١ إلى آخر السّورة، وقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ١ إلى آخر السّورة» (١).
وعنه، قال: اتّبعت رسول الله ﷺ وهو راكب، فوضعت يدي على قدمه، فقلت: أقرئني يا رسول الله سورة هود وسورة يوسف، فقال: «لن تقرأ شيئا أبلغ عند الله من قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ١ وقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ١» (٢).
стр. 108
وعنه، قال: كنت أقود برسول الله ﷺ ناقته في السّفر، فقال لي: «يا عقبة، ألا أعلّمك خير سورتين قرئتا؟» فعلّمني قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ١ وقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ١، قال: فلم يرني سررت بهما جدّا، فلمّا نزل لصلاة الصّبح صلّى بهما صلاة الصّبح للنّاس، فلمّا فرغ رسول الله ﷺ من الصّلاة التفت إليّ فقال: «يا
عقبة، كيف رأيت؟» (١).
стр. 109
وكان أبيّ بن كعب، ﵁، حدّث بموقف ابن مسعود من المعوّذتين، فردّه بما سمعوه من النّبيّ ﷺ في ذلك:
فعن زرّ بن حبيش، قال: قلت لأبيّ بن كعب: إنّ ابن مسعود كان لا يكتب المعوّذتين في مصحفه، فقال: أشهد أنّ رسول الله ﷺ أخبرني أنّ جبريل ﵇ قال له: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ١ فقلتها، فقال:
قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ١ فقلتها، فنحن نقول ما قال النّبيّ ﷺ (١).
وأبيّ بن كعب أحد الّذين أمر النّبيّ ﷺ أن يؤخذ عنهم القرآن، وكان من المقدّمين فيه بعد رسول الله ﷺ ، وإليه تنتهي بعض أسانيد
بعض القرّاء السّبعة، كنافع وابن كثير وعاصم وأبي عمرو، وهي على وفاق هذا المصحف، وفيه المعوّذتان.
стр. 110
كما أنّ المأثور أنّ المعوّذتين كانتا في مصحفه (١).
نعم؛ كان أبيّ ربّما قرأ ببعض المنسوخ من القرآن، وربّما كان ذلك في مصحفه (٢)، إلّا أنّ المعوّذتين لم تكونا من المنسوخ، بدلالة
عدم ردّ ابن