← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 11521

المقدمات الأساسية في علوم القرآن

عبد الله الجديع

Полный текст (578 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّداً (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا (١٠٨) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً ١٠٩ [الإسراء: ١٠٦ - ١٠٩]. كما قال : أُولئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْراهِيمَ وَإِسْرائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنا وَاجْتَبَيْنا إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيًّا [مريم: ٥٨]. فهذه الآيات البيّنات واضحة الدّلالة على الأمر بالخشوع، وبيان ما يكون من حال الصّفوة من عباد الله من النّبيّين وأولي العلم عند سماع الآيات تتلى عليهم من الخضوع والبكاء من خشية الله. وعن عبد الله بن مسعود، ﵁، قال: قال لي النّبيّ ﷺ : «اقرأ عليّ»، قلت: أقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال: «فإنّي أحبّ أن أسمعه من غيري»، فقرأت عليه سورة النّساء، حتّى بلغت: فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً ٤١ قال: «أمسك»، فإذا عيناه تذرفان. وفي لفظ: فرفعت رأسي فرأيت دموعه تسيل (١). وهذا معنى يشترك فيه التّالي والمستمع. وعلى هذه الصّفة كان أصحاب النّبيّ ﷺ .

стр. 492

فعن عائشة، ﵂، قالت: «إنّ أبا بكر رجل رقيق، إذا قرأ غلبه البكاء» (١). وعن عبد الله بن شدّاد بن الهاد، قال: سمعت نشيج عمر بن الخطّاب وأنا في آخر الصّفوف في صلاة الصّبح، يقرأ من سورة يوسف، يقول: إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ [يوسف: ٨٦] (٢). فهذا حال إمامي الأمّة بعد نبيّها ﷺ ، ورضي الله عنهما، وذلك واقع في صلاة وفي غيرها، وهو أمر يجلبه الخشوع للقرآن، لا يملك الخاشعون ردّه وهم يتلون آيات الله أو تتلى عليهم، ولذا سيق ذلك عنهم مساق المدح.

стр. 493

وكذلك حكت أسماء بنت أبي بكر ﵄ من حال الصّحابة: فعن عبد الله بن عروة بن الزّبير، قال: قلت لجدّتي أسماء: كيف كان يصنع أصحاب رسول الله ﷺ إذا قرءوا القرآن؟ قالت: «كانوا كما نعتهم الله : تدمع أعينهم وتقشعرّ جلودهم»، قلت: فإنّ ناسا هاهنا إذا سمعوا ذلك تأخذهم عليه غشية، فقالت: «أعوذ بالله من الشّيطان» (١). وفي هذا إنكار من أسماء أن يبلغ الخشوع بصاحبه إلى الغشيان، وإنّما ذلك بالقشعريرة ودمع العين، كذلك كان حال النّبيّ ﷺ وحال أصحابه، ولا يعرف ذلك الغشيان فيهم، ولا يثبت عن أحد منهم أنّه كان يصعق عند القرآن، إنّما ذكر ذلك عمّن بعدهم، وهدي النّبيّ ﷺ وأصحابه أحسن الهدي وأكمله. وما يروى في تكلّف البكاء فلا يصحّ، كحديث: «إنّ هذا القرآن نزل بحزن، فإذا قرأتموه فابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا» (٢).

стр. 494

٦ - أن يستحضر أنّه مخاطب بما يقرأ، فيتأمّل ذكر التّوحيد والإيمان، والأمر والنّهي، والوعد والوعيد، والقصص والأمثال، ويلاحظ ما يلزمه من ذلك من التّصديق والامتثال والاعتبار، ويراعي الجواب في موضع السّؤال، ولا يفوّت ما تقتضيه الآية من تسبيح أو تحميد أو تكبير أو استغفار أو دعاء، ويغتنم ذكر الجنّة بالرّغبة إلى ربّه وسؤاله الفوز بدخولها، وذكر النّار بالرّهبة وسؤاله ربّه النّجاة منها. عن حذيفة بن اليمان، ﵁، قال: صلّيت مع النّبيّ ﷺ ذات ليلة، قال: فافتتح البقرة، فقرأ حتّى بلغ رأس المائة، فقلت: يركع، ثمّ مضى حتّى بلغ المائتين، فقلت: يركع، ثمّ مضى حتّى ختمها، قال: فقلت: يركع، قال: ثمّ افتتح سورة آل عمران، حتّى ختمها، قال: فقلت: يركع، قال: ثمّ افتتح سورة النّساء، فقرأها، قال: ثمّ ركع، قال: فقال في ركوعه: سبحان ربّي العظيم، قال: وكان ركوعه بمنزلة قيامه، ثمّ سجد، فكان سجوده مثل ركوعه، وقال في سجوده: سبحان ربّي الأعلى، قال: وكان إذا مرّ بآية رحمة سأل، وإذا مرّ بآية فيها عذاب تعوّذ (وفي لفظ: استجار)، وإذا مرّ بآية فيها تنزيه لله سبّح (١).

стр. 495

وعن ابن عبّاس، ﵄: أنّ النّبيّ ﷺ كان إذا قرأ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ١ قال: «سبحان ربّي الأعلى» (١). وعن ابن عبّاس، قال: «إذا قرأ أحدكم سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ١ فليقل: سبحان ربّي الأعلى، وإذا قرأ أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى ٤٠ [القيامة: ٤٠] فليقل: اللهمّ بلى، أو: اللهمّ سبحان ربّي، بلى» (٢). وعن عبد الله بن السّائب، ﵁، قال: أخّر عمر، كرّم الله وجهه، العشاء الآخرة، فصلّيت، ودخل فكان في ظهري، فقرأت: وَالذَّارِياتِ ذَرْواً ١ حتّى أتيت على قوله: وَفِي السَّماءِ

стр. 496

رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ ٢٢ [٢٢]، فرفع صوته حتّى ملأ المسجد: أشهد (١). وعن عائشة، ﵂، أنّها كانت إذا قرأت فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا وَوَقانا عَذابَ السَّمُومِ ٢٧ [الطّور: ٢٧] قالت: اللهمّ منّ عليّ وقني عذاب السّموم (٢). ومن ذلك أن يجيب عند مثل قول الله تعالى: فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ* [الأعراف: ١٨٥، المرسلات: ٥٠] فيقول مثلا: آمنت بالله وكتابه. وعند قوله: أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ ٨ [التّين: ٨]، فيقول: بلى، وأنا على ذلك من الشّاهدين (٣). وعند قوله: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ١٣* [الرّحمن: ١٣]، فيقول: ولا

стр. 497

بشيء من نعمة ربّنا نكذّب (١). وعند قوله: أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ ٥٩ [الواقعة: ٥٩]، وقوله: أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ ٦٤ [الواقعة: ٦٤]، وقوله: أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ ٦٩ [الواقعة: ٦٩]، وقوله: أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ ٧٢ [الواقعة: ٧٢]، فيقول عند جميعها: بل أنت يا ربّ (٢). ولا يجب أن تكون صيغة الجواب توقيفيّة، بل لك أن تجتهد فيه؛ فإنّ عموم الهدي النّبويّ في ذلك يجعل للمتدبّر السّعة في أن يستعمل من الصّيغ ما بدا له ممّا يتحقّق به المقصود، كذلك فهمه السّلف، كما قدّمته عن عمر وعائشة وابن عبّاس، وذلك في صلاة وفي غيرها، غير أنّي أنبّه على أن لا يشغل بذلك عن استماع التّلاوة إذا كان يستمع لغيره ولم يجد فسحة للجواب أو السّؤال أو التّسبيح. ٧ - وممّا يعين التّالي على التّدبّر: أن يجتنب ما يقطع تلاوته ممّا لا يتّصل بها، ككلام الآدميّين، إلّا ما لزمه بأمر الشّرع، كردّ سلام أو تشميت عاطس، أو شبه ذلك، أو دعت إليه حاجة واقتضته مصلحة. عن عبد الله بن عون، قال: كان ابن سيرين يكره أن يقرأ الرّجل القرآن

стр. 498

إلّا كما أنزل، يكره أن يقرأ ثمّ يتكلّم ثمّ يقرأ (١). ولو تخلّل تلاوته ما لا يخرج عن موضوعها، كالّذي ذكرته في المسألة السّابقة من إجابة سؤال القرآن، أو تقديس الله تعالى، وشبه ذلك، أو تبيين فائدة لغيره من شرح غريب أو ذكر سبب نزول، فالقطع لمثل ذلك حسن. عن نافع مولى عبد الله بن عمر، قال: كان ابن عمر، ﵄، إذا قرأ القرآن لم يتكلّم حتّى يفرغ منه، فأخذت عليه يوما، فقرأ سورة البقرة حتّى انتهى إلى مكان، قال: تدري فيم أنزلت؟ قلت: لا، قال: أنزلت في كذا وكذا، ثمّ مضى (٢). قال أبو عبيد الهرويّ: «إنّما رخّص ابن عمر في هذا؛ لأنّ الّذي تكلّم به من تأويل القرآن وسببه، ولو كان الكلام من أحاديث النّاس وأخبارهم كان عندي مكروها أن تقطع القراءة به» (٣). ٨ - أن يكفّ التّثاؤب إذا ورد؛ لما ثبت أنّ التّثاؤب من الشّيطان، وأنّ الله تعالى يكرهه. فعن أبي هريرة، ﵁، عن النّبيّ ﷺ قال: «إنّ الله يحبّ العطاس، ويكره التّثاؤب، فإذا عطس أحدكم وحمد الله

стр. 499

كان حقّا على كلّ مسلم سمعه أن يقول له: يرحمك الله، وأمّا التّثاؤب فإنّما هو من الشّيطان، فإذا تثاءب أحدكم فليردّه ما استطاع، فإنّ أحدكم إذا تثاءب ضحك منه الشّيطان» (١). وعن مجاهد المكّيّ، قال: «إذا تثاءبت وأنت تقرأ القرآن، فأمسك عن القراءة حتّى يذهب تثاؤبك» (٢). وعن عكرمة مولى ابن عبّاس، قال: «إذا تثاءب أحدكم وهو يقرأ القرآن فليسكت، ولا يقل: ها، ها، وهو يقرأ» (٣). ولو استعاذ بالله من الشّيطان الرّجيم عند ورود التّثاؤب مع الاجتهاد في ردّه لكان حسنا، لقوله تعالى: وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ٢٠٠ [الأعراف: ٢٠٠]. ٩ - وممّا يعين على التّدبّر: أن يراعي أحكام الوقف والابتداء، على ما بيّنته في الفصل السّابق. وينبغي له أن يجتنب بدء تلاوته في أثناء السّياق، أو قطعها قبل تتمّته،

стр. 500

فذلك ممّا يختلّ به المعنى. وهذا ممّا يغفل عنه كثير من النّاس، ويسبّبه أحيانا قسمة الأجزاء والأحزاب والأرباع الموجودة في مصاحف المسلمين، فكثير منها لم يراع فيه هذا الّذي ذكرته، فترى القارئ يقرأ الجزء أو الحزب أو الرّبع في صلاة أو غيرها، فيقف على رأس ذلك ولم يتمّ المعنى بعد، أو يبدأ من وسط الكلام وقد ذهب عليه أوّله. كما ترى في جزء وَالْمُحْصَناتُ* [النّساء: ٢٤]، والحكم فيها متّصل بما قبلها، وجزء قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ [الأعراف: ١١١] وهذا قطع القصّة، وجزء إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِياءُ [التّوبة: ٩٣] وهذه تتمّة لما قبلها، وجزء وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي [يوسف: ٥٣] وقطعها عمّا قبلها خلل بيّن، وهكذا في أجزاء أخرى، وهو في الأحزاب والأرباع أكثر، فعلى التّالي أن يلاحظ ذلك، ولا ينهى قراءته إلّا في موضع تمّ به المعنى، كما لا يبدأ إلّا من حيث ابتدأ الموضوع. عن ميمون بن مهران، قال: «إنّي لأقشعرّ من قراءة أقوام، يرى أحدهم حتما عليه ألّا يقصر عن العشر، إنّما كانت القرّاء تقرأ القصص إن طالت أو قصرت، يقرأ أحدهم اليوم وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ ١١ [البقرة: ١١]، قال: ويقوم في الرّكعة الثّانية فيقرأ أَلا

стр. 501

إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ [البقرة: ١٢]» (١). وعلى قارئ القرآن أن يتخلّق بأخلاقه ويتأدّب بآدابه، فإنّه قد اشتمل على جميع مكارم الأخلاق ومعاليها، في السّلوك إلى الله في عبادته في الظّاهر والباطن، والسّلوك مع الخلق في معاملتهم ومعايشتهم. والمقصود أن تتحوّل توجيهات القرآن إلى عمل في حياة المسلم، فلا يتقدّم ولا يتأخّر إلّا وفق تبصيره وتعليمه، يمتثل أمره ونهيه، ويحلّ حلاله، ويحرّم حرامه، ويقف عند حدوده، ويؤمن بأخباره ووعده ووعيده، ويعتبر بأمثاله وقصصه. عن سعد بن هشام أنّه سأل عائشة ﵂، فقال: أنبئيني عن خلق رسول الله ﷺ ، قالت: «ألست تقرأ القرآن؟»، قلت: بلى، قالت: «فإنّ خلق نبيّ الله ﷺ كان القرآن» (٢). والّذي يفسّر هذا الحديث هو هدي رسول الله ﷺ ، فإنّ ما كان عليه من السّيرة والعمل هو معنى التّخلّق بأخلاق القرآن.

стр. 502

وعلى قارئ القرآن أن يحذر من القول في تفسيره بغير علم . الطّريق إلى تفسير القرآن هو العلم بآلته مع القدرة على الاستدلال له بالحجج الصّحيحة نقليّة كانت أو عقليّة. أمّا الكلام في معاني القرآن بمجرّد الرّأي فهو ممنوع، ويقود صاحبه إلى القول على الله غير الحقّ، وهذا من أعظم الذّنوب. قال تعالى: وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا ٣٦ [الإسراء: ٣٦]. وشدّد الله تعالى في حرمته حتّى قرنها بالشّرك به، كما قال تعالى: قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ [الأعراف: ٣٣]. ومن لم يحصّل من آلة العلم بالتّفسير ما يؤهّله للكلام فيه، رجع إلى أهل العلم به والكتب المصنّفة فيه، على ما بيّنته في (المقدّمة الخامسة). وعلى قارئ القرآن أن يؤمن بمتشابهه على مراد الله منه، ولا يحمل نفسه على الكلام فيه، فإنّ الخوض في المتشابه من أعظم أسباب الضّلال. وما أشكل عليك معناه، فهو نوعان:

стр. 503

أحدهما: ما اشتبه عليك، وعلمه أهل العلم، فيرجع إليهم لكشف المراد به، قال تعالى: وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ [يوسف: ٧٦]، وقال: فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ* [النّحل: ٤٣]. والثّاني: ما استأثر الله بعلمه، ولم يطلع عليه خلقه، لحكمة أرادها، وهذا هو المتشابه. والعباد في هذا غير مكلّفين بأكثر من الإيمان به كما أخبر الله تعالى، وتفويض المراد به إليه. ومن ذلك نصوص صفات الله ، لا من جهة معاني ألفاظها، وإنّما من جهة إدراك كيفيّاتها في حقّ الله تعالى، فإنّه منزّه عن الشّبيه والنّظير، منزّه أن يكون ما أخبر به عن نفسه من جنس ما يخبر به عن المخلوقين، كما قال : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشّورى: ١١]. عن عائشة، ﵂، قالت: تلا رسول الله ﷺ هذه الآية: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ [آل عمران: ٧]، قالت: قال رسول الله ﷺ : «فإذا رأيت الّذين يتّبعون ما تشابه منه، فأولئك الّذين

стр. 504

سمّى الله فاحذروهم» (١). وعن أبيّ بن كعب، ﵁، قال: «كتاب الله، ما استبان منه فاعمل به، وما اشتبه عليك فآمن به وكله إلى عالمه» (٢). ويأتي حديثا أبي هريرة، وعبد الله بن عمرو بن العاص، في هذا المعنى في الأدب التّالي (٣). وحاصل هذا: أن ينتهي إلى حكم الله في كتابه، وأن لا يقدّم رأيه عليه، وإن ضعف عقله عن استيعاب المراد، قابل ذلك بالتّسليم والرّضا والانقياد. وعلى قارئ القرآن أن لا يماري أحدا فيه، فإن نازعه في شيء منه منازع تركه، وإن خاض فيه خائض أعرض عنه. ومعنى المراء في القرآن: الجدال والاختلاف فيه وفي نصوصه إلى أن

стр. 505

يضرب بعضها ببعض، فهذا الكتاب سالم من التّناقض والتّضارب، كما قال الله تعالى: وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً [النّساء: ٨٢]، وقال: لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ [فصّلت: ٤٢]، وتصوّر وجود التّضادّ في القرآن تجويز للباطل فيه، فإنّ الضّدّين لا يجتمعان في شيء واحد. وكتاب الله هو المفزع عند الاختلاف، وهو حقّ كلّه، فإذا اختلف النّاس فيه ضلّوا، إذ لم يبق لديهم ما يفزعون إليه عند التّنازع، كما وقع للأمم قبلنا حين اختلفوا في الكتاب. وهذا معنى قد شدّدت النّصوص في إنكاره غاية التّشديد: قال الله : ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتابِ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ [البقرة: ١٧٦]. وقال تعالى: وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [الأنعام: ٦٨]. وقال سبحانه: وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ [آل عمران: ١٠٥]. وعن أبي هريرة، ﵁، أنّ رسول الله ﷺ قال: «نزل القرآن على سبعة أحرف، المراء في القرآن كفر» ثلاث مرّات «فما

стр. 506

عرفتم فاعملوا، وما جهلتم منه فردّوه إلى عالمه» (١). وعن عبد الله بن عمرو بن العاص، ﵄، قال: لقد جلست أنا وأخي مجلسا، ما أحبّ أنّ لي به حمر النّعم، أقبلت أنا وأخي وإذا مشيخة من صحابة رسول الله ﷺ جلوس عند باب من أبوابه، فكرهنا أن نفرّق بينهم، فجلسنا حجرة (٢)، إذ ذكروا آية من القرآن، فتماروا فيها حتّى ارتفعت أصواتهم، فخرج رسول الله ﷺ مغضبا قد احمرّ وجهه يرميهم بالتّراب، ويقول: «مهلا يا قوم! بهذا أهلكت الأمم من قبلكم: باختلافهم على أنبيائهم، وضربهم الكتب بعضها ببعض، إنّ القرآن لم ينزل يكذّب بعضه بعضا، بل يصدّق بعضه بعضا، فما عرفتم منه فاعملوا به، وما جهلتم منه فردّوه إلى عالمه» (٣).

стр. 507

وفي رواية: خرج رسول الله ﷺ على أصحابه وهم يتنازعون في القدر، هذا ينزع آية، وهذا ينزع آية، فكأنّما سفي في وجهه حبّ الرّمّان (١)، فقال: «ألهذا خلقتم؟ أم بهذا أمرتم؟ لا تضربوا كتاب الله بعضه ببعض، انظروا ما أمرتم به فاتّبعوه، وما نهيتم عنه فاجتنبوه» (٢). والواجب على من جلس مجلسا وقع فيه شيء من ذلك أن يسارع إلى مفارقته، ولا يتمادى في مشاركة الخائضين في آيات الله. فعن جندب بن عبد الله، ﵁، قال: قال النّبيّ ﷺ : «اقرءوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم، فإذا اختلفتم فيه فقوموا» (٣). المبحث الثاني: أحكام يحتاج إلى معرفتها القارئ ١ - الطّهارة لقراءة القرآن: مسألة الطّهارة لمسّ المصحف تأتي في (أحكام المصاحف)، وإنّما

стр. 508

الكلام هاهنا في الطّهارة من الحدثين: الأصغر، والأكبر، وطهارة المكان والثّوب، والسّواك، لتلاوة القرآن، فهذه أربع مسائل: المسألة الأولى: الطّهارة من الحدث الأصغر: الوضوء لقراءة القرآن مستحبّ وليس بواجب، وتجوز القراءة بدونه. دليل الاستحباب: ما ثبت عن المهاجر بن قنفذ، ﵁: أنّه سلّم على رسول الله ﷺ وهو يتوضّأ، فلم يردّ عليه حتّى توضّأ، فردّ عليه، وقال: «إنّه لم يمنعني أن أردّ عليك إلّا أنّي كرهت أن أذكر الله إلّا على طهارة [وفي لفظ: وضوء]» (١). قال قتادة بن دعامة السّدوسيّ: فكان الحسن (يعني البصريّ) من أجل هذا الحديث يكره أن يقرأ أو يذكر الله حتّى يتطهّر (٢). وأمّا ما دلّ على جواز التّلاوة على غير وضوء، فأحاديث، من أظهرها: ١ - حديث عائشة، ﵂، قالت: كان النّبيّ ﷺ يذكر الله

стр. 509

على كلّ أحيانه (١). فهذا عموم يندرج تحته حال الطّهارة وعدمها، كما أنّ كلّ ما يسمّى ذكرا لله تعالى فهو مراد هنا، والقرآن أعظم الذّكر، قال تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ [الحجر: ٩]. ٢ - ما حدّث به أبو سلّام الحبشيّ، قال: حدّثني من رأى النّبيّ ﷺ بال، ثمّ تلا شيئا من القرآن قبل أن يمسّ ماء (٢). ٣ - حديث ابن عبّاس، ﵄، أنّ رسول الله ﷺ خرج من الخلاء، فقرّب إليه طعام، فقالوا: ألا نأتيك بوضوء (٣)؟ قال: «إنّما أمرت

стр. 510

بالوضوء إذا قمت إلى الصّلاة» (١). قوله: «إنّما» أداة قصر في اللّغة والأصول، فقصر الأمر الواجب على الوضوء عند القيام إلى الصّلاة، فدلّ على أنّ ما سوى الصّلاة لا يجب له الوضوء، وزعم بعضهم أنّ القصر هنا ليس حقيقيّا؛ لما ألجأه إليه القول بوجوب الوضوء للطّواف بالبيت ومسّ المصحف، وليس كذلك، فإنّه ثبت أنّ الطّواف بمنزلة الصّلاة، فيأخذ حكمها في الطّهارة، وأمّا مسّ المصحف فالوضوء له ليس بواجب على التّحقيق، على ما سيأتي ذكره (٢). وأمّا الآثار عن السّلف في استحباب الوضوء وعدم وجوبه، فكثيرة، عن عمر بن الخطّاب، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عبّاس، وسلمان الفارسيّ، وأبي هريرة، ومن التّابعين عن عليّ بن الحسين زين العابدين، وسعيد بن جبير، ومحمّد بن سيرين، وإبراهيم النّخعيّ، وغيرهم (٣).

стр. 511

المسألة الثّانية: الطّهارة من الحدث الأكبر: وهو ما يوجب الغسل، كالجنابة، والحيض والنّفاس. مذهب جمهور العلماء حرمة قراءة القرآن للجنب والحائض، وأحسن ما استدلّوا به لذلك حديث يروى عن عليّ، ﵁، قال: كان رسول الله ﷺ يقضي حاجته، ثمّ يخرج فيقرأ القرآن، ويأكل معنا اللّحم، ولم يكن يحجبه عن القرآن شيء ليس الجنابة. وآخر يروى عن ابن عمر، عن النّبيّ ﷺ ، قال: «لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئا من القرآن». وهذان حديثان لا يصحّان عن النّبيّ ﷺ ، والتّحريم لا يجوز القول به إلّا ببرهان صحيح بيّن. وذهبت طائفة من أهل العلم إلى جواز القراءة للجنب والحائض، إبقاء على الأصل في عدم ثبوت المانع، لكنّ بعضهم قصر الرّخصة على القليل من ذلك كالآية والآيتين، خاصّة للجنب. وكأنّ ذلك جاء من جهة أنّ النّبيّ ﷺ كره ذكر الله على غير وضوء، والجنابة أكبر من الحدث الّذي يوجب الوضوء، فحالها أولى بالكراهة، لكن هذا لا يبلغ التّحريم. والّذي أراه الرّاجح في حقّ الجنب: كراهة قراءة القرآن له حتّى يتطهّر، فإذا قرأ ترك الأولى ولم يأثم.

стр. 512

وصحّ عن عمر بن الخطّاب، ﵁، قال: «لا يقرأ الجنب القرآن»، وعن عليّ بن أبي طالب، ﵁، سئل عن الجنب: أيقرأ القرآن؟ قال: «لا، ولا حرفا» (١). فهذا وشبهه ممّا يحسن الانتهاء إليه ولا يجب؛ لأنّ الوجوب حكم الله ورسوله ﷺ ، ولم يثبت هنا، وإنّما أقصى ما يفيده المنقول الثّابت عن النّبيّ ﷺ هو النّدب إلى ذلك. أمّا الحائض، فأمرها أيسر من الجنب؛ لأنّ حيضتها ليست في يدها، وهي تجلس الأيّام لا تصلّي انتهاء عند نهي الله ورسوله ﷺ ، فلا يصلح أن تحجب فيها عن سائر الأعمال الصّالحة، دون أن يمنعها من ذلك الله ورسوله ﷺ ، وحيث علمت عدم ثبوت مانع يمنعها من قراءة القرآن، فيبقى حالها على الأصل في الجواز. بل تأكّد لنا ذلك بأكثر من هذا الاستدلال، ومحلّ بيانه غير هذا الموضع. المسألة الثّالثة: طهارة الموضع الّذي يقرأ فيه: ينبغي لقارئ القرآن أن لا يقرأ إلّا في محلّ طاهر، تعظيما للقرآن؛ فإنّه أعظم الذّكر، وقد ثبت من حديث عبد الله بن عمر، ﵄:

стр. 513

أنّ رجلا مرّ برسول الله ﷺ وهو يهريق الماء (١)، فسلّم عليه الرّجل، فردّ عليه رسول الله ﷺ ، ثمّ قال: «إذا رأيتني هكذا فلا تسلّم عليّ، فإنّك إن تفعل لا أردّ عليك السّلام» (٢). ففي هذا دليل على كراهته ﷺ ردّ السّلام وهو يقضي حاجته، وإنّما الكراهة لكونه ذكرا لله تعالى، هذا مع أنّ ظاهر الحديث أنّه ردّ عليه تلك المرّة وهو لم يزل يقضي الحاجة، فدلّ على الجواز في الأصل، ولو كان حراما لم يردّ عليه أصلا. ثمّ علّمه ما ينبغي أن يكون عليه الأدب مستقبلا. فإن قيل: لكنّ هذا الحكم في حال الشّخص لا في شأن الموضع. قلنا: نعم، لكنّا نعلم أنّ السّبب عائد إلى الخبث والنّجس، وأنّ ذكر الله لا يصلح في حال مواقعة ذلك، والخبث في موضع الخلاء دائم، فهو أولى بتنزيه ذكر الله أن يكون فيه. وفي قصّة بول الأعرابيّ في المسجد ما يؤكّد هذا المعنى:

стр. 514

فعن أنس بن مالك، ﵁، قال: بينما نحن في المسجد مع رسول الله ﷺ إذ جاء أعرابيّ، فقام يبول في المسجد، فقال أصحاب رسول الله ﷺ : مه، مه، قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تزرموه (١)، دعوه» فتركوه حتّى بال، ثمّ إنّ رسول الله ﷺ دعاه فقال له: «إنّ هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول والقذر، إنّما هي لذكر الله ، والصّلاة، وقراءة القرآن» أو كما قال رسول الله ﷺ ، قال: فأمر رجلا من القوم، فجاء بدلو من ماء، فشنّه عليه (٢). فدلّ هذا على أنّ ذكر الله ينبغي أن يتخيّر له الموضع الطّاهر. وجاء عن التّابعيّ الفاضل عامر الشّعبيّ: أنّه كره قراءة القرآن في ثلاثة مواطن: الرّحا، وبيت الخلاء، وبيت الحمّام (٣). والمراد ب (الرّحا) الموضع الّذي يتّخذ لطحن الحبوب، لما ترتفع به

стр. 515

المطاحن من الأصوات الّتي لا تتهيّأ معها القراءة بالخشوع، والأصل في (الرّحا) آلة الطّحن، والمعنى في الخلاء والحمّام لأنّهما موضعا إزالة الأذى. المسألة الرّابعة: السّواك لقراءة القرآن: هو مستحبّ لأجل القرآن، لحديث جابر بن عبد الله، ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا قام أحدكم يصلّي من اللّيل فليستك، فإنّ أحدكم إذا قرأ في صلاته وضع ملك فاه على فيه، ولا يخرج من فيه شيء إلّا دخل فم الملك» (١). فعلّل النّبيّ ﷺ الأمر بالسّواك بأنّه لأجل القرآن. وهذا الحديث أحسن شيء يروى في استحباب السّواك لذلك.

стр. 516

٢ - أحكام متفرّقة: إذا ذهب من حفظه شيء فلا ينبغي له أن يقول: (نسيت آية كذا) وإنّما يقول: (نسّيت) أو (أنسيت) بصيغة البناء للمجهول. وذلك لقوله ﷺ : «بئس ما لأحدكم أن يقول (وفي لفظ: لا يقل أحدكم): نسيت آية كيت وكيت، بل نسّى» (١). قال ابن الأثير: «كره نسبة النّسيان إلى النّفس لمعنيين، أحدهما: أنّ الله تعالى هو الّذي أنساه إيّاه؛ لأنّه المقدّر للأشياء كلّها، والثّاني: أنّ أصل النّسيان التّرك، فكره له أن يقول: تركت القرآن، أو قصدت إلى نسيانه؛ ولأنّ ذلك لم يكن باختياره» (٢). ويحتمل الحديث أن يكون النّهي خاصّا بزمن النّبيّ ﷺ ؛ وذلك لأنّ الله تعالى كان ينسخ الآية أو الآيات فتذهب من صدور النّاس، ولكن لاحتمال أن يراد بذلك أحد المعنيين السّابقين فينبغي لقارئ القرآن أن يحافظ على هذا الأدب. أن يتوقّى استعمال آيات الكتاب للشّيء يعرض من أمر الدّنيا . قال الإمام أبو عبيد القاسم بن سلّام: «وهذا كالرّجل يريد لقاء صاحبه

стр. 517

أو يهمّ بالحاجة فتأتيه من غير طلب، فيقول كالمازح: (جئت على قدر يا موسى) وهذا من الاستخفاف بالقرآن» (١). ويحكي التّابعيّ الفقيه إبراهيم النّخعيّ هدي السّلف في ذلك، فيقول: «كانوا يكرهون أن يتلو الآية عند الشّيء يعرض من أمر الدّنيا» (٢). قلت: ومن قبيح ما يجري في استعمال بعض النّاس من ذلك أن يكتب عند مدخل مدينة: ادْخُلُوها بِسَلامٍ آمِنِينَ ٤٦ [الحجر: ٤٦]، وعلى باب دكّان: لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ* [الفرقان: ١٦]، وما يستطرف به بعضهم كقوله: وَلَدَيْنا مَزِيدٌ [ق: ٣٥]، وشبه ذلك. وليس من هذا ما يقتبس من القرآن من الجمل الجوامع في حكاية حال أو وصف أمر يراد بذلك تقريبه للسّامع، كقول القائل وهو يصف حالا صعبة شديدة: لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللَّهِ كاشِفَةٌ ٥٨ [النّجم: ٥٨]، فكثير من الجمل القرآنيّة جرى استعمالها عند النّاس بمنزلة الأمثال، فمثل هذا سائغ لا حرج فيه.

стр. 518

ما يسمّى ب (التّنكيس) في القراءة وارد على معنيين: الأوّل: قراءة السّورة معكوسة، وقد يفعل للإبانة عن تمكّن الحفظ، فيبدأ من آخر السّورة إلى أوّلها بعكس الآيات. وهذا الفعل مذموم قبيح، وعليه يتنزّل الذّمّ الوارد عن بعض السّلف في التّنكيس في التّلاوة. فعن أبي وائل شقيق بن سلمة، قال: قيل لعبد الله بن مسعود: إنّ فلانا يقرأ القرآن منكوسا، فقال عبد الله: «ذاك منكوس القلب» (١). وقبح هذا من جهة أنّ ترتيب السّورة توقيفيّ، كما بيّنّاه قبل؛ فلذا يجب التّرتيب في تلاوة الآيات كما هي في السّورة. قال ابن مفلح المقدسيّ: «وعند شيخنا- يعني ابن تيميّة- ترتيب الآيات واجب؛ لأنّ ترتيبها بالنّصّ» (٢). والثّاني: التّنكيس في السّور، كأن يقرأ (النّاس) ثمّ (الفلق). فهذا جائز لا يتناوله ذمّ، إلّا فيما بين الفاتحة وغيرها في الصّلاة؛ لأنّه

стр. 519

خلاف السّنّة؛ والسّبب في أنّ التّرتيب في القراءة ليس بواجب، يعود إلى كون ترتيب السّور في المصحف إنّما وقع باجتهاد الصّحابة، لكن نبّه بعض العلماء على استحباب ترتيبها على ما هي عليه في المصحف، ولم يوجب ذلك أحد، إنّما ذهب بعضهم إلى كراهة التّنكيس فيها (١). ينبغي لصاحب القرآن أن لا يقول: (سورة صغيرة)، إنّما يقول: (سورة قصيرة)، ولا يقول: (سورة خفيفة)، إنّما يقول: (سورة يسيرة)؛ تعظيما للقرآن. فقد كان السّلف يقولون: (قصار السّور). وعن عاصم بن سليمان الأحول، قال: قال خالد الحذّاء لابن سيرين: سورة خفيفة، فقال ابن سيرين: «من أين

стр. 520

تكون خفيفة والله تعالى يقول: إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا ٥ [المزّمّل: ٥]؟ ولكن قل: يسيرة، فإنّ الله تعالى يقول: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ١٧* [القمر: ١٧]» (١). قراءة البسملة أثناء السّورة: إذا ابتدأ قراءته أثناء السّورة لا من أوّلها، فالأصحّ من مذاهب العلماء أن لا يقرأ البسملة، وإنّما المشروع عند القراءة الاستعاذة. قال ابن مفلح: «وتكره البسملة أوّل بدئه، والفصل بها بين أبعاض السّور، ويحرم إن اعتقده قربة» (٢). وكان الإمام أحمد بن حنبل يقول: «اقرأ ما في المصحف» (٣). وهذا يدلّ على أن يقرأ الإنسان البسملة في موضعها حيث يوافقها في المصحف. والقرّاء جوّزوا ذلك، والظّاهر أنّه باجتهاد ممّن قاله وليس رواية. قال الدّانيّ: «فأمّا الابتداء برءوس الأجزاء الّتي في بعض السّور، فأصحابنا يخيّرون القارئ بين التّسمية وتركها في مذهب الجميع» (٤).

стр. 521

الجمع في التّلاوة الواحدة بين قراءتين فأكثر من البدع المتأخّرة . تقدّم أن بيّنّا أنّ اختلاف القرّاء يرجع إلى نزول القرآن على سبعة أحرف تيسيرا على الأمّة في أخذه، لكنّه لم يردنا أنّ رسول الله ﷺ كان يقرأ يجمع لأصحابه الحرفين أو الأكثر في تلاوة واحدة في مجلس واحد؛ ولهذا كان الرّجل من الصّحابة يسمع صحابيّا آخر يقرأ على غير حرفه فيستغرب ذلك، حتّى يعودا إلى النّبيّ ﷺ فيبيّن لهما أنّه أنزل على الحرفين. من أجل ذلك صرّح بعض أهل العلم بكون هذا من البدع (١). كما كرهه بعض العلماء، وقالوا: يستمرّ في تلاوته على الحرف الّذي بدأ عليه (٢). بل حتّى للتّعلّم وتلقّي القراءة عن الشّيخ، فإنّ القرّاء في الصّدر الأوّل كانوا يقرءون على الشّيخ الواحد العدّة من الرّوايات، والكثير من الختمات، كلّ ختمة برواية، لا يجمعون رواية إلى غيرها. وذكره ابن الجزريّ عن جماعة، وقال: «وهذا الّذي كان عليه الصّدر الأوّل ومن بعدهم إلى أثناء المائة السّادسة ... فمن ذلك الوقت ظهر جمع القراءات في الختمة الواحدة، واستمرّ إلى زماننا، وكان بعض الأئمّة يكره

стр. 522

ذلك من حيث إنّه لم تكن عادة السّلف عليه، ولكنّ الّذي استقرّ عليه العمل هو الأخذ به والتّقرير عليه وتلقّيه بالقبول» (١). والتّحقيق جواز فعل ذلك لأجل التّعليم وعرض القراءة على الشّيخ، على ما جرى عليه صنيع المتأخّرين، وعليه يحمل تسهّلهم الّذي حكاه ابن الجزريّ، إذ هذا مقام يتّسع فيه الاجتهاد، بخلاف مجرّد التّلاوة، فإنّما يقصد بها في الأصل التّعبّد (٢). القراءة بالقراءات الشّاذّة من المنكرات: قال النّوويّ: «نقل الإمام أبو عمر بن عبد البرّ الحافظ إجماع المسلمين على أنّه لا تجوز القراءة بالشّاذّ، وأنّه لا يصلّى خلف من يقرأ بها، قال العلماء: من قرأ بالشّاذّ إن كان جاهلا به أو بتحريمه عرّف بذلك، فإن عاد إليه أو كان عالما به عزّر تعزيرا بليغا إلى أن ينتهي عن ذلك، ويجب على كلّ متمكّن من الإنكار عليه ومنعه الإنكار والمنع» (٣). وقد عرف في تاريخ القرّاء ما جرى لأبي الحسن محمّد بن أحمد بن أيّوب المعروف ب (ابن شنبوذ)، وكان من كبار القرّاء في العراق، أنّه كان يقرأ في

стр. 523

المحراب بحروف تخالف المصحف، ممّا يعزى إلى مصحف أبيّ بن كعب وابن مسعود، فنهي عن ذلك، واستتيب، فتاب (١). سجود التّلاوة: هذا باب جليل ينبغي لصاحب القرآن أن يعتني بمعرفته، وهو السّجود عند تلاوة آيات مخصوصة، كان التّالي في صلاة أو خارجها. وتفصيل ذلك لا يحتمله هذا المقام، وقد استوعبته قدر طاقتي في كتابي «تحرير البيان في سجود القرآن»، وأكتفي هنا بذكر جمل يستفاد تفصيلها من هناك: المواضع الّتي يشرع عند تلاوتها السّجود أربعة عشر، كلّها عزائم، وهي: الآية (٢٠٦) من الأعراف، و (١٥) من الرّعد، و (٤٩ - ٥٠) من النّحل عند الفراغ من الآية الثّانية، و (١٠٧ - ١٠٩) من الإسراء، و (٥٨) من مريم، و (١٨) و (٧٧) من سورة الحجّ، وهي السّورة الّتي فضّلت بسجدتين، و (٦٠) من الفرقان، و (٢٥ - ٢٦) من النّمل، عند الفراغ من الثّانية، و (١٥) من السّجدة، و (٣٧ - ٣٨) من فصّلت، عند الآية الثّانية، و (٦٢) من النّجم، و (٢١) من الانشقاق، و (١٩) من العلق.

стр. 524

يسجد القارئ والمستمع عند الفراغ من تلاوة الآيات المشار إليها. أمّا السّجود في الآية (٢٤) من سورة (ص) فسنّة، لكنّه ليس لأجل التّلاوة، إنّما هي سجدة توبة، فلا يفعل في الصّلاة. وحكم السّجود للتّلاوة أنّه سنّة وليس بواجب، خلافا للحنفيّة، ولو سجد المستمع ولم يسجد القارئ فلا بأس، ولا تشترط له شرائط الصّلاة على التّحقيق، ولا نصّ على إلحاقه بها، والقياس في العبادات ممتنع، ولم يشترط له النّبيّ ﷺ ما يشترط للصّلاة من طهارة واستقبال قبلة وستر عورة، ودعوى الاتّفاق على اشتراط ذلك لسجود التّلاوة منتقضة. وممّا جاء في فضله: حديث أبي هريرة، ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا قرأ ابن آدم السّجدة فسجد اعتزل الشّيطان يبكي، يقول: يا ويله، أمر ابن آدم بالسّجود فسجد فله الجنّة، وأمرت بالسّجود فأبيت فلي النّار» (١). وحديث معدان بن أبي طلحة، قال: لقيت ثوبان مولى رسول الله ﷺ ، فقلت: أخبرني بعمل أعمله يدخلني الله به الجنّة، أو قال: قلت: بأحبّ الأعمال إلى الله، فسكت، ثمّ سألته فسكت، ثمّ سألته الثّالثة، فقال: سألت عن ذلك رسول الله ﷺ ، فقال: «عليك بكثرة السّجود لله، فإنّك لا

стр. 525

تسجد لله سجدة إلّا رفعك الله بها درجة، وحطّ عنك بها خطيئة». قال معدان: ثمّ لقيت أبا الدّرداء، فسألته؟ فقال لي مثل ما قال لي ثوبان (١). فقوله ﷺ : «سجدة» لفظ نكرة في سياق النّفي، مفاده العموم، فيستغرق كلّ أنواع السّجود. أمّا ما يقول السّاجد للتّلاوة في سجوده من الذّكر فإنّ أثبت شيء فيه ما دلّت عليه عمومات الأحاديث: (سبحان ربّي الأعلى)، فهذا يقال في كلّ سجود، في صلاة أو غيرها، كما يجوز فيه الدّعاء، لما صحّ من كون حال السّجود من مظانّ الإجابة. لا بأس أن يقرأ الإنسان القرآن على أيّ حال كان عليه: قائما وقاعدا ومستلقيا، راكبا وماشيا، كاسيا وعاريا، حيث لم يرد ما يمنع ذلك. والقرآن أعظم الذّكر، وقد قال الله تعالى: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ

стр. 526

اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ [آل عمران: ١٩٠ - ١٩١]. كذلك يتلو التّالي دون اعتبار التّوجّه إلى جهة مخصوصة، فليس من سنّة التّلاوة أن تستقبل القبلة، ولا من محذورها أن تستدبر، والشّريعة لم تأت بخصوص ذلك بأمر ولا نهي، فهو على الإباحة. الاجتماع لقراءة القرآن: اجتماع القوم يتلون القرآن جماعة، أو يتلو الواحد منهم ويستمع الحاضرون، مشروع محبوب إلى الله تعالى ورسوله ﷺ ، دلّت عليه نصوص عديدة، منها: حديث أبي هريرة، ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله: يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلّا نزلت عليهم السّكينة، وغشيتهم الرّحمة، وحفّتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده» (١). فهذا ظاهر كالنّصّ في التّرغيب في الاجتماع للقرآن، وأن يكون ذلك على سبيل الجهر، إذ لا يتمّ الاشتراك في التّلاوة مع الإخفات.

стр. 527

ومن جهة أخرى فإنّ إطلاق الحديث دلّ على تسويغ كلّ صورة تتمّ عليها القراءة: سواء كانت من جميعهم بصوت واحد، أو يقرأ شخص ويستمع الحاضرون، أو يتابعونه في التّلاوة بصوت واحد أو متفرّقين. والعجب من طائفة قصدت إلى إنكار المحدثات، وذلك منها خير وعمل محمود، لكنّها بالغت فيه حتّى أنكرت المشروعات، فأنكرت بعض مقتضى هذا الحديث من الاجتماع على ذكر الله وتلاوة القرآن، ففوّتوا على أنفسهم وغيرهم ممّن يتّبعهم خيرا عظيما. وقد ذكر النّوويّ عن الإمام مالك أنّه قيل له: أرأيت القوم يجتمعون فيقرءون جميعا سورة واحدة حتّى يختموها؟ فأنكر ذلك وعابه، وقال: ليس هكذا تصنع النّاس، إنّما كان يقرأ الرّجل على الآخر، يعرضه. ثمّ قال النّوويّ: «هذا الإنكار مخالف لما عليه السّلف والخلف ولما يقتضيه الدّليل، فهو متروك» (١). أقول: يحتمل جدّا أن يكون مالك، ﵀، إنّما أنكر تلقّي القرآن عن الشّيوخ بهذا الطّريق فيعتمد عليه الشّخص في رواية القراءة، كما يشعر به قوله «يعرضه»، ولم يرد اجتماع النّاس للتّلاوة (٢).

стр. 528

تكبير الختم: المراد به أن يقول القارئ: (الله أكبر) عقب كلّ سورة من قصار المفصّل، ابتداء بسورة الضّحى إلى أن يختم القرآن. وهذا التّكبير روي فيه حديث لا يصحّ عن النّبيّ ﷺ (١)، وهو معروف

стр. 529

عند القرّاء في قراءة عبد الله بن كثير أحد الأئمّة السّبعة، وكذلك عن غيره أنّهم كانوا يفعلونه. قال أبو عمرو الدّانيّ: «كان ابن كثير من طريق القوّاس والبزّيّ (١) وغيرهما يكبّر في الصّلاة والعرض (٢)، من آخر سورة وَالضُّحى ١، مع فراغه من كلّ سورة إلى آخر قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ١، فإذا كبّر في (النّاس) قرأ فاتحة الكتاب وخمس آيات من أوّل سورة البقرة على عدد الكوفيّين، إلى قوله: أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ* (٣)، ثمّ دعا بدعاء الختمة» (٤).

стр. 530

وقال ابن الجزريّ: «صحّ عند أهل مكّة قرّائهم وعلمائهم وأئمّتهم ومن روي عنهم، صحّة استفاضت واشتهرت وذاعت وانتشرت حتّى بلغت حدّ التّواتر، وصحّت أيضا عن أبي عمرو من رواية السّوسيّ (١)، وعن أبي جعفر من رواية العمريّ (٢)» (٣). والمقصود بيان أنّ هذا التّكبير ليس من البدع، لكن ينبغي أن لا يفعله القارئ إلّا أن يكون منقولا له في الرّواية الّتي يقرأ بها، كقراءة ابن كثير. وهذا إن وقع وكان سائغا لأحد في زماننا فهو لقارئ مختصّ؛ لأنّ العامّة اليوم إنّما يقرأ أكثرهم برواية حفص عن عاصم، وأهل المغرب الإسلاميّ يقرءون بقراءة نافع من روايتي ورش وقالون، وهؤلاء لم ينقل تكبير الختم في قراءتهم، فعليه فلا ينبغي العمل به. وسئل شيخ الإسلام ابن تيميّة عن جماعة اجتمعوا في ختمة وهم يقرءون لعاصم وأبي عمرو، فإذا وصلوا إلى سورة (الضّحى) لم يهلّلوا ولم يكبّروا إلى آخر الختمة، ففعلهم ذلك هو الأفضل أم لا؟ فأجاب: «نعم، إذا قرءوا بغير حرف ابن كثير كان تركهم لذلك هو
следующие страницы →