← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 11521

المقدمات الأساسية في علوم القرآن

عبد الله الجديع

Полный текст (578 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

٤ - وعن عبد الله بن عمر، ﵄، قال: «لقد عشنا برهة من دهرنا وإنّ أحدنا ليؤتى الإيمان قبل القرآن، وتنزل السّورة على محمّد ﷺ فنتعلّم حلالها وحرامها وما ينبغي أن يوقف عنده منها، كما تتعلّمون أنتم اليوم القرآن، ولقد رأيت اليوم رجالا يؤتى أحدهم القرآن قبل الإيمان، فيقرأ ما بين فاتحته إلى خاتمته، ما يدري ما آمره ولا زاجره، ولا ما ينبغي أن يوقف عنده منه، وينثره نثر الدّقل» (١). وكانوا يراعون الأيسر في الأخذ والحفظ، وعليه يربّون أبناءهم، شبيه بما جرت عليه عادة القرّاء في الكتاتيب مع الصّبيان في البدء بتعليمهم

стр. 457

وتحفيظهم قصار السّور من آخر المصحف، كما يدلّ عليه ما حدّث به التّابعيّ الجليل سعيد بن جبير، قال: إنّ الّذي تدعونه (المفصّل) هو المحكم، قال: وقال ابن عبّاس: «توفّي رسول الله ﷺ وأنا ابن عشر سنين، وقد قرأت المحكم» (١). و (المفصّل) من سورة (ق) إلى آخر المصحف على ما حقّقته في كتابي (تحرير البيان في سجود القرآن). ولسنا نقول: السّنّة أن يبدأ بحفظ قصار السّور، بل له أن يحفظ من أيّ القرآن شاء، وإنّما في هذا الهدي مراعاة الأيسر في الحفظ ليبدأ به. المبحث الخامس: الأمر بتعاهد القرآن خشية تفلّت حفظه تعاهد القرآن حاصل بأمرين: إدمان تلاوته، والعمل به، وتقدّم في المبحث الثّاني ذكر الأمر به من حديث عقبة بن عامر، وهو مؤكّد بأحاديث صحيحة أخرى: ١ - فعن أبي موسى الأشعريّ، قال: قال رسول الله ﷺ : «تعاهدوا القرآن؛ فإنّه أشدّ تفلّتا من قلوب الرّجال من الإبل من عقله» (٢).

стр. 458

٢ - وعن عبد الله بن مسعود، قال: قال النّبيّ ﷺ : «بئس ما لأحدكم أن يقول: نسيت آية كيت وكيت، بل نسّى، واستذكروا القرآن، فإنّه أشدّ تفصّيا من صدور الرّجال من النّعم» (١). ٣ - وعن عبد الله بن عمر، أنّ رسول الله ﷺ قال: «إنّما مثل صاحب القرآن كمثل الإبل المعقّلة: إن عاهد عليها أمسكها وإن أطلقها ذهبت» (٢).

стр. 459

والمعنى في هذه الأحاديث: أنّ سرعة تفلّت القرآن من صدور الحفّاظ أشدّ من سرعة انطلاق البعير حين يفكّ من قيده، ومن طبعه شدّة النّفور، فإذا انطلق شقّ إمساكه، وربّما ذهب فلا يقدر عليه؛ لذا أمر النّبيّ ﷺ الحفّاظ على المواظبة على مراجعة حفظهم للقرآن، وإلّا ذهب عليهم. وهذا الأمر بالمعاهدة إنّما هو على سبيل النّدب المؤكّد لا الوجوب، كما سأبيّنه في المبحث التّالي. المبحث السادس: التحذير من هجر القرآن تقدّم في المبحث الأوّل ذكر تحذير الله تعالى عباده من الإعراض عن القرآن، وتوعّد على ذلك. والإعراض عن القرآن صفة الكافرين، كما قال الله تعالى: حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (٢) كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣) بَشِيراً وَنَذِيراً فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ (٤) وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ [فصّلت: ١ - ٥]. وقال : وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ ٥ [الشّعراء: ٥]. وإعراضهم إنّما كان بعدم الإيمان به، والتّسليم لما جاء به من الحقّ والهدى، فمن آمن به واتّبع هداه فليس من المعرضين عنه، لكن قد ينال

стр. 460

المسلم نصيب من ترك العمل بالقرآن بتقصيره في الطّاعات ومواقعته المعاصي، غير أنّ هذا لا يلحقه بالمعرضين، ما دام قلبه منطويا على حسن الاعتقاد في القرآن، وأنّ خروجه عن متابعته فيما خرج به عنه ليس استباحة لخلاف حكم الله، ولا رضا بذلك، إنّما مع الإقرار بالذّنب والتّقصير، كما قال تعالى: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ [فاطر: ٣٢]، فهؤلاء الأصناف الثّلاثة كلّهم على خير وإن تفاوتت درجاتهم، وهذا الّذي هو ظالم لنفسه منهم تارك للعمل ببعض الكتاب، لكنّه غير معرض، إنّما هو مذنب معترف توّاب، يرجو رحمة ربّه ويخاف عقابه. فالمؤمن لا يوصف بالإعراض عن القرآن. أمّا هجر القرآن فهو تركه، فيدخل فيه: ترك الإيمان به، وترك العمل به، وترك قراءته وتدبّره. فيندرج تحت هجره إعراض الكفّار عنه، كما قال تعالى: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ ٢٦ [فصّلت: ٢٦]، فهؤلاء هجروا القرآن هجرا تامّا، وهم القوم المرادون بقوله تعالى: وَقالَ الرَّسُولُ يا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً ٣٠ [الفرقان: ٣٠]. ومثل هؤلاء كما قال الله تعالى: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا

стр. 461

فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ (١٧٥) وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (١٧٦) ساءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَأَنْفُسَهُمْ كانُوا يَظْلِمُونَ ١٧٧ [الأعراف: ١٧٥ - ١٧٧]. أمّا حال المسلم، فإنّه قد يقع منه التّقصير بترك العمل ببعض الكتاب أو ترك التّلاوة والتّدبّر له، لكنّه لا يوصف معه بالهجر التّامّ للقرآن، إنّما يناله من ذلك الوصف بحسب ما وقع منه من التّقصير، كما وقعت الإشارة إليه في الكلام عن الإعراض عن القرآن، ففعل المعاصي وترك الواجبات من ترك العمل بالكتاب، ولصاحبه نصيب من الذّمّ بحسبه. ومن هذا ما ورد من حديث سمرة بن جندب، ﵁، في رؤيا رآها النّبيّ ﷺ فقصّها عليهم، وفيها: «رأيت اللّيلة رجلين أتياني فأخذا بيدي» فساق الحديث، وفيه: «حتّى أتينا على رجل مضطجع على قفاه، ورجل قائم على رأسه بفهر (١) أو صخرة، فيشدخ (٢) به رأسه، فإذا ضربه تدهده (٣) الحجر، فانطلق إليه ليأخذه، فلا يرجع إلى هذا حتّى يلتئم رأسه، وعاد رأسه كما هو، فعاد إليه فضربه» ثمّ فسّرا ذلك له، فقالا: «والّذي رأيته يشدخ رأسه فرجل علّمه

стр. 462

الله القرآن، فنام عنه باللّيل ولم يعمل فيه بالنّهار، يفعل به إلى يوم القيامة». وفي لفظ: «أمّا الرّجل الأوّل الّذي أتيت عليه يثلغ (١) رأسه بالحجر، فإنّه الرّجل يأخذ القرآن فيرفضه (٢)، وينام عن الصّلاة المكتوبة» (٣). ففي هذا دليل على أنّ من أنعم الله عليه بالعلم بالقرآن فقد قام عليه من الحجّة بمعرفة الأحكام والشّرائع ما لا تسعه مخالفته أو تركه، فإن فعل استحقّ العقوبة على ذلك، وناله نصيب من صفة الهجر للقرآن. أمّا مجرّد ترك التّلاوة فهل يسمّى (هجرا)؟ فيه تفصيل يرجع إلى معرفة ما ينقسم عليه حكم التّلاوة.

стр. 463

والأقسام الّتي تكون عليها تلاوة القرآن من حيث حكمها ثلاثة: الأوّل: فرض عين . ولم نجد في نصوص الكتاب والسّنّة ما يوجب على كلّ فرد من المسلمين أن يتلو من القرآن سوى ما تصحّ به الصّلاة، وهو سورة الفاتحة وحدها على التّحقيق، ممّا محلّ بسطه في غير هذا الموضع. والثّاني: فرض كفاية . وذلك أنّ الله تعالى أوجب إيجاد طائفة أهل الذّكر الّذين يبصّرون النّاس بشرائع ربّهم ودينه، وذلك مستلزم كونهم يتلون كلامه، قال تعالى: فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ [التّوبة: ١٢٢]. وأمر الله نبيّه ﷺ بتلاوة القرآن؛ لأنّه المبلّغ عن الله، كما قال تعالى: وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَأَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ [النّمل: ٩١ - ٩٢]، وأهل الذّكر من أمّته على أثره ﷺ ، مأمورون بالتّبليغ من بعده. يؤيّد أنّه فرض كفاية أنّ النّاس في عهد رسول الله ﷺ لم يكونوا جميعا يقرءون، ولم يوجب النّبيّ ﷺ عليهم من القراءة أكثر ممّا تصحّ به الصّلاة، هذا مع أمر الله تعالى في كتابه بتدبّر القرآن وتلاوته، ممّا دلّ على أنّ ذلك الأمر لأجل أن تبقى في النّاس علوم هذا الكتاب، بحيث لا يزال فيهم من يبلّغهم شرائعه وأحكامه، وهذا تحقّقه طائفة من الأمّة.

стр. 464

فما كان من هذا القسم والّذي قبله فتركه هجر محرّم للقرآن، ولو ترك النّاس في بلد إيجاد من يقرأ القرآن منهم ويتلوه ليبلّغهم إيّاه، لصدق عليهم جميعا وصف الهجر للقرآن. والثّالث: تلاوة مندوبة . وهي ما يزيد على الواجب ممّا يحرص المسلمون عليه في كلّ زمان، فيتلوه القارئ ويحفظه أو يحفظ منه ما شاء، ممّا يعود إلى رغبته وإرادته. فهذا القسم من التّلاوة يثاب فاعله ويؤجر، ولا يعاقب تاركه ولا يؤاخذ، فلا يعدّ فعله من الهجران الّذي ذمّ الله تعالى أهله، لكن لا نشكّ أنّ بفواته فوات خير عظيم. وربّما استشكل بعض النّاس هاهنا ما ورد في شأن التّوقيت لختم القرآن في أربعين يوما، على ما سيأتي في (آداب قارئ القرآن)، أو ستّين في قول البعض، أو غير ذلك من التّحديد، فهل إذا ترك إنسان الختم في هذه المدّة يسمّى (هاجرا) للقرآن؟ الجواب: لا، لأسباب؛ أهمّها: ١ - لم يأت في شيء من الأدلّة ما يوجب على أحد ختم القرآن، بل ولا ما يحضّ عليه، وإنّما غاية ما تجد إفادة استحبابه إذا كان مقرونا بالتّدبّر. وأمّا ما يروى عن ابن عبّاس، قال: قال رجل: يا رسول الله، أيّ العمل أحبّ إلى الله؟ قال: «الحالّ المرتحل»، قال: وما الحالّ المرتحل؟ قال: «الّذي

стр. 465

يضرب من أوّل القرآن إلى آخره، كلّما حلّ ارتحل». فهذا حديث لا يصحّ (١). ٢ - أنّ التّلاوة إنّما أريدت في الأصل؛ لتدبّر القرآن وفهمه والعمل به، وهذا على التّأنّي أعظم نفعا؛ لذلك كان الصّحابة في عهد النّبيّ ﷺ لا يتجاوزون عشر آيات من القرآن إلى أن يتعلّموا ما فيها من العلم والعمل.

стр. 466

٣ - ما ورد في التّوقيت لم يكن لبيان أقصى ما يختم به القرآن، بحيث لا يصلح الختم فيما زاد عليه، وإنّما كان توجيها لعبد الله بن عمرو بن العاص للتّأنّي في تلاوة القرآن وأخذ النّفس بالرّفق في ذلك، ممّا دلّ على أنّ تلك التّوجيهات أحسن ما ينبغي أن يراعى في تلاوة القرآن، كما سنبيّنه. ٤ - وبيّنت فيما تقدّم قريبا أنّه لا يجب على المعيّن من المسلمين أن يقرأ كلّ القرآن، وإنّما يكفيه منه ما تصحّ به الصّلاة، ويغنيه لمعرفة أحكامه أهل العلم الّذين من وظيفته أن يشارك في إيجادهم. فهذه اعتبارات واضحة في أنّ من لم يختم القرآن في مدّة معيّنة أربعين يوما أو ستّين أو غير ذلك ليس بآثم، وليس بهاجر للقرآن ما دام عاملا به: مؤتمرا بأمره، منتهيا عن نهيه، حافظا لحدوده. واجعل من سبيلك أن لا تسمّي الأشياء إلّا بما سمّاها الله ورسوله ﷺ به، ولا تستعملها إلّا حيث استعملها الله ورسوله ﷺ ، تسلم بذلك من خطأ كثير. المبحث السابع: ما جاء في نسيان الحفظ للقرآن بيّنت في (المبحث الرّابع) من هذا الفصل ترغيب السّنّة في حفظ القرآن، وذلك وارد على كلّه أو بعضه. ودلالة ذلك التّرغيب إفادة أنّ حفظ القرآن مندوب إليه محبوب إلى الله

стр. 467

تعالى ورسوله ﷺ ، ولا ريب أنّ هذا كاف لأصحاب الهمم العالية أن يشمّروا لأجله عن سواعدهم، ويشغلوا به فضلة أعمارهم. كما بيّنت أنّ الحفظ يزول بترك معاهدته، يضعف بقلّتها، فيقتضي إبقاؤه أن يديم صاحبه تلاوته آناء اللّيل والنّهار. وأحسن ما يثبّت حفظ القرآن: الصّلاة به، وأحسنه صلاة اللّيل. واعلم أنّ حفظ القرآن وتثبيت ذلك الحفظ من جملة العمل الصّالح الّذي ينبغي للعاقل أن يقايسه بسائر الأعمال، فيقدّم عليه من الأعمال الصّالحة ما هو أولى منه، كالواجبات وما هو أجلّ منه من الطّاعات، فإنّ حفظ القرآن كما قدّمنا مندوب إليه، ليس بواجب، فلو شغل بالأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، أو بالجهاد في سبيل الله، أو طلب العلم، أو كسب الرّزق، ممّا لم يجد معه سعة من الوقت وفضلة لحفظ القرآن أو بعضه ممّا يزيد على الواجب منه، فينبغي أن يقدّم ذلك الأولى على الحفظ. وأولئك أصحاب رسول الله ﷺ كانوا أعلم بمراتب الثّواب، فمع شدّة تمسّكهم بالكتاب، إلّا أن حفظ القرآن كان في طائفة قليلة منهم (١).

стр. 468

قال خالد بن الوليد، ﵁: «لقد شغلني الجهاد في سبيل الله عن كثير من قراءة القرآن» (١). وكذلك من حفظ شيئا منه، أو حفظه، فذهب عليه شيء من حفظه لانشغاله بالأولى، فلا حرج عليه، ولو وقع فوات بعض حفظه بتفريط منه، فهذا مكروه قبيح، عليه أن يجتهد في مجانبته؛ لما تقدّم بيانه من الحثّ النّبويّ على تعاهده ومراجعته، وإن كنّا لم نجد في النّصوص الثّابتة ما نؤثّمه به. أمّا ما يروى من الوعيد في ذلك فلا يثبت منه شيء، وفيه حديثان: الأوّل: «عرضت عليّ ذنوب أمّتي فلم أر ذنبا أعظم من سورة من القرآن أو آية أوتيها رجل ثمّ نسيها» (٢).

стр. 469

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 470

والثّاني: «ما من امرئ يقرأ القرآن ثمّ ينساه، إلّا لقي الله يوم القيامة أجذم» (١).

стр. 471

وهذان الحديثان لو ثبتا لكان معنى النّسيان فيهما الإعراض عن العمل لا نسيان الحفظ؛ لما شرحناه قبل؛ ولأنّ حفظ الآية أو السّورة عن ظهر قلب ليس بواجب، فكيف يكون فواتها بالنّسيان الّذي لا ينفكّ عنه البشر أعظم الذّنوب؟ فأين النّفاق والموبقات وسائر الكبائر، وكلّها توجد في الأمّة؟ هذا ممّا لا يجري على الأصول، ولا ينضبط مع صريح المعقول. ولم يجعل الله العصمة من نسيان بعض حفظ القرآن حتّى لرسوله ﷺ ، فكيف بسائر أمّته؟ كما قال تعالى: سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى (٦) إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ* [الأعلى: ٦ - ٧]، هذا مع ما آتاه الله من جمع القرآن له في صدره، كما قال:

стр. 472

لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ ١٩ [القيامة: ١٦ - ١٩]، فدلّ بطريق الأولى على أنّ الواحد من أمّته ﷺ معذور بما يقع له من تفلّت الحفظ؛ لكون ذلك ممّا طبع عليه الإنسان فلا طاقة له إلى التّحرّز منه، ومن فضل الله على هذه الأمّة أن وضع عنها الإثم بالنّسيان. وبيّن الإمام سفيان بن عيينة المراد بالنّسيان في ذينك الحديثين أنّه التّرك، كما قال تعالى: وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْساكُمْ كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا [الجاثية: ٣٤]، قال: «وليس من اشتهى حفظه وتفلّت منه بناس له، إذا كان يحلّ حلاله، ويحرّم حرامه؛ لأنّ هذا ليس بناس له، ولو كان كذلك ما نسّى النّبيّ ﵇ منه شيئا، وقد نسّى، وقال: ذكّرني هذا آية نسّيتها (١)، وقال الله : سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى (٦) إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ [الأعلى: ٦ - ٧]، فلم يكن الله لينسي نبيّه ﵇ والنّاسي كما يقول هؤلاء الجهّال!» (٢). فإن قيل: المراد بالذّمّ والوعيد ترك تعاهد الحفظ. قلنا: بيّنّا أنّ ذلك التّعاهد مندوب، إذ الحفظ في أصله مندوب إلّا لما

стр. 473

تصحّ به الصّلاة، فلا تنتقل مذاكرته إلى الوجوب، وإنّما كرهنا أن يفرّط فيما حفظ، لكثرة ما يفوته من الفضل بفواته. وقد وجدت طائفة من أفاضل العلماء يوردون الحرج على كثير من عامّة المسلمين بهذين الحديثين، وربّما حال ذلك دون إقبال بعض النّاس على حفظ القرآن؛ خوفا من الوعيد الوارد فيهما، ففاتهم بسببه خير عظيم. والّذي نحثّ عليه كلّ مسلم أن يهتدي بهدي أصحاب النّبيّ ﷺ في حفظهم للقرآن، كمّا وكيفا، استظهارا لألفاظه وفهما لمعانيه وعملا بأحكامه وشرائعه، وأن يقدّم الاعتناء بالتّدبّر والعمل على مجرّد استظهار حفظه، فذلك الغرض الّذي لأجله أنزل القرآن، وإنّما يراد الحفظ ليستعان به على هذا الغرض، لا للاستكثار والمباهاة وأن يقول النّاس: (فلان حافظ)، نسأل الله العافية في الدّنيا والآخرة. تذييل: وتثبيت حفظ القرآن يكون بامتثال الأمر النّبويّ بتعاهده، وسؤال الله تعالى التّوفيق والعون على ذلك. أمّا ما يروى ممّا يسمّى ب (صلاة حفظ القرآن) فهو بدعة غير مشروعة، إذ الرّواية فيها ساقطة موضوعة، وهي أربع ركعات تؤدّى ليلة الجمعة، وتقرأ فيها سور معيّنة، ويقال فيها دعاء مخصوص، وتكرّر في أسابيع (١). ...

стр. 474

الفصل الثالث: أدب تلاوة القرآن المبحث الأول: آداب قارئ القرآن على قارئ القرآن أن يلتزم معه من الأحوال والآداب أمورا، منها: إخلاص النّيّة في قراءته لله تعالى، لا يقصد به دنيا من ذكر أو جاه أو مال، كما هو الشّأن في كلّ عمل صالح الأصل أن تبتغى به الآخرة. فعن جابر بن عبد الله، ﵄، قال: دخل النّبيّ ﷺ المسجد، فإذا فيه قوم يقرءون القرآن، قال: «اقرءوا القرآن وابتغوا به الله ، من قبل أن يأتي قوم يقيمونه إقامة القدح يتعجّلونه ولا يتأجّلونه» (١). وهذا الحديث يوجب أن تكون النّيّة في قراءة القرآن لوجه الله تعالى،

стр. 475

ويحذّر من حال من يجتهد في إتقان تلاوته وضبطها ولكنّه يريد بذلك أجرا عاجلا، ودنيا زائلة، وجاها فاسدا، فهذا من أخسر النّاس صفقة. فعن أبي هريرة، ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنّ أوّل النّاس يقضى يوم القيامة عليه: رجل استشهد، فأتي به فعرّفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتّى استشهدت، قال: كذبت، ولكنّك قاتلت لأن يقال: جريء، فقد قيل، ثمّ أمر به فسحب على وجهه حتّى ألقي في النّار. ورجل تعلّم العلم وعلّمه، وقرأ القرآن، فأتي به فعرّفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: تعلّمت العلم وعلّمته وقرأت فيك القرآن، قال: كذبت، ولكنّك تعلّمت العلم ليقال: عالم، وقرأت القرآن ليقال: هو قارئ، فقد قيل، ثمّ أمر به فسحب على وجهه حتّى ألقي في النّار. ورجل وسّع الله عليه وأعطاه من أصناف المال كلّه، فأتي به فعرّفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: ما تركت من سبيل تحبّ أن ينفق فيها إلّا أنفقت فيها لك، قال: كذبت، ولكنّك فعلت ليقال: هو جواد، فقد قيل، ثمّ أمر به فسحب على وجهه ثمّ ألقي في النّار» (١).

стр. 476

ويتخرّج على هذا من المسائل: هل يجوز أخذ الأجرة على تلاوة القرآن ؟ جواب ذلك: حكمها معلّق بالمقاصد، فإن كان قصد التّالي التّأكّل بالقرآن وتعجيل أجره عليه حرمت عليه الأجرة، وإن قصد التّعليم ونفع النّاس وتفرّغ له جاز أن يأخذها بدل تفرّغه لذلك، وهذا القول يجمع- إن شاء الله- بين مذاهب العلماء المختلفة. والدّليل عليه من وجوه ثلاثة: الأوّل: ثبوت النّصّ بجواز أخذ الأجرة على منفعة القراءة. فعن عبد الله بن عبّاس، ﵄: أنّ نفرا من أصحاب النّبيّ ﷺ مرّوا بماء فيهم لديغ أو سليم، فعرض لهم رجل من أهل الماء، فقال: هل فيكم من راق؟ إنّ في الماء رجلا لديغا أو سليما، فانطلق رجل منهم فقرأ بفاتحة الكتاب على شاء، فبرأ، فجاء بالشّاء إلى أصحابه، فكرهوا ذلك وقالوا: أخذت على كتاب الله أجرا! حتّى قدموا المدينة، فقالوا: يا رسول الله، أخذ على كتاب الله أجرا، فقال رسول الله ﷺ : «إنّ أحقّ ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله» (١).

стр. 477

الثّاني: السّلامة من المعارض الثّابت الّذي لا يقبل التّأويل. وما روي: «من أخذ قوسا على تعليم القرآن قلّده الله قوسا من نار» فهو حديث ضعيف (١). ولو ثبت فمحمول على خلوّ صاحبه من إرادة وجه الله بذلك العمل. الثّالث: أنّ تعليم القرآن واجب على الكفاية، فلو ترك لتطوّع من شاء لقصّر النّاس فيه؛ لانشغالهم بطلب المعاش وسعيهم في مصالح حياتهم، فلزمهم أن يوجدوا من بينهم من يكفيهم ذلك الواجب، وهذا لا يكون إلّا بتهيئة الأسباب للقيام به، وأهمّ تلك الأسباب تفريغ المعلّمين والمقرئين والقيام بأسباب معاشهم بما لا يكونون به أدنى من أمثالهم من أهل مجتمعهم وبيئتهم. ومثل ذلك سائر العلوم الدّينيّة. وعلى قارئ القرآن أن يقرأه قراءة متدبّر؛ لينتفع بتلاوته من جهتين: فهم القرآن، وهو أعظم الغايتين، واحتساب الأجر بالتّلاوة.

стр. 478

وهذا يقتضي أن تكون قراءته بتأنّ وترسّل، وهو التّرتيل، على المعنى الّذي بيّنته في الفصل الأوّل من هدي رسول الله ﷺ . كما يقتضي أن لا يكون همّه آخر السّورة، أو أن يكثر من الختمات، فهذا خلاف هدي السّلف من أصحاب النّبيّ ﷺ . جاء رجل إلى عبد الله بن مسعود، ﵁، فقال: إنّي لأقرأ المفصّل في ركعة، فقال عبد الله: «هذّا كهذّ الشّعر؟ إنّ أقواما يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم، ولكن إذا وقع في القلب فرسخ فيه نفع» (١). وعن أبي جمرة (نصر بن عمران) الضّبعيّ قال: قلت لابن عبّاس: إنّي سريع القراءة، وإنّي أقرأ القرآن في ثلاث، فقال: «لأن أقرأ البقرة في ليلة فأدبّرها وأرتّلها أحبّ إليّ من أن أقرأ كما تقول». وفي لفظ: «أحبّ إليّ من أن أقرأ القرآن أجمع هذرمة» (٢). وفي سياق آخر، قال أبو جمرة: قلت لابن عبّاس: إنّي رجل سريع القراءة، فربّما قرأت القرآن في ليلة مرّة أو مرّتين، فقال ابن عبّاس: «لأن

стр. 479

أقرأ بسورة واحدة أعجب إليّ من أن أفعل مثل الّذي تفعل، فإن كنت فاعلا بعد فاقرأه قراءة تسمع أذنيك ويعيه قلبك» (١). وأحسن ما يصار إليه في أدنى مدّة يختم فيها القرآن وأقصاها، هو سنّة رسول الله ﷺ وبيانه. وأبين ما ورد في ذلك حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، ﵄، أنّه كان يختم في كلّ ليلة، فقال له النّبيّ ﷺ : «اقرأ القرآن في كلّ شهر» قال: قلت: يا نبيّ الله، إنّي أطيق أفضل من ذلك، قال: «فاقرأه في كلّ عشرين» قال: قلت: يا نبيّ الله، إنّي أطيق أفضل من ذلك، قال: «فاقرأه في كلّ عشر» قال: قلت: يا نبيّ الله، إنّي أطيق أفضل من ذلك، قال: «فاقرأه في كلّ سبع، ولا تزد على ذلك» (٢). وفي رواية: بدأ بشهر، فخمس وعشرين، فعشرين، فخمس عشرة، فسبع (٣). وفي رواية أخرى: أنّ النّبيّ ﷺ أمره أن يقرأه في أربعين، ثمّ في شهر، ثمّ

стр. 480

في عشرين، ثمّ في خمس عشرة، ثمّ في سبع (١). وهذا غير متعارض، وإنّما يزيد الرّاوي على غيره ما ليس عنده من العلم، وهذه المدد المذكورة حسن اتّباعها والوقوف عندها، فينبغي للتّالي أن يجعل ورده في يومه وليلته على اختيار مدّة منها يقسم عليها ختمته. وكان كثير من السّلف يختارون السّبع كأدنى مدّة للختم، لقوله ﷺ لعبد الله بن عمرو: «فاقرأه في كلّ سبع، ولا تزد على ذلك». ومعنى النّهي: لا تنزل إلى ما دون ذلك، وليس هو للتّحريم، وإنّما لبيان الأولى؛ وذلك لقوله ﷺ لعبد الله بن عمرو في نفس هذه القصّة: «لم يفقه من قرأ القرآن في أقلّ من ثلاث» (٢).

стр. 481

فهذا إذن في الختم فيما دون السّبع، لكنّه انتهى به إلى الثّلاث، ومقتضاه عدم الإذن فيما دون ذلك. فما يروى عن بعض السّلف أنّه كان يختم كلّ ليلة يردّ صنيعه هذا الحديث الصّحيح، والعذر فيه لمن فعله منهم أن يكون لم يبلغه الحديث فيه. وكانت عائشة، ﵂، تقول: «ولا أعلم نبيّ الله ﷺ قرأ القرآن كلّه في ليلة» (١). وعن عبد الله بن مسعود، ﵁، قال: «اقرءوا القرآن في سبع، ولا تقرءوه في أقلّ من ثلاث، وليحافظ الرّجل في يومه وليلته على جزئه» (٢).

стр. 482

كما قال ﵁: «من قرأ القرآن في أقلّ من ثلاث فهو راجز» (١). الرّجز: شعر خفيف الوزن خفيف الأداء، وقيل: يشبه الشّعر، قال ابن الأثير: «إنّما سمّاه راجزا؛ لأنّ الرّجز أخفّ على لسان المنشد، واللّسان به أسرع من القصيد» (٢). وترك الختم إلى ما فوق الأربعين لا ينبغي ما وجد المسلم إليه سبيلا، ولم يشغله عنه ما هو أولى في تقدير الشّرع، أقول هذا مع أنّي لا أرى الأربعين خرجت مخرج التّحديد لأكثر مدّة للختم كمّا بيّنته في الفصل السّابق. وممّا يعين قارئ القرآن على التّدبّر أمور يراعيها حال التّلاوة، منها: ١ - أن يقرأ في موضع سكون ، ويجتنب القراءة في مواضع اللّغط وارتفاع الأصوات؛ لما يقع بها من التّشويش عليه فلا يتحقّق له المقصود من التّلاوة على وجهه. وقد أمر الله تعالى من حضر التّلاوة بالإنصات، لتحقيق نفع المستمع والتّالي، فالمستمع لئلّا يشغل عن القرآن بغيره وهو يسمعه، والتّالي لئلّا يرد

стр. 483

عليه من التّشويش ما يفوّت عليه التّدبّر، كما قال تعالى: وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ٢٠٤ [الأعراف: ٢٠٤]. ولتحقيق هذا المعنى منع المصلّي من رفع صوته بالقراءة إذا كان مع غيره، كما في حديث عبد الله بن عمر، ﵄: أنّ النّبيّ ﷺ اعتكف وخطب النّاس، فقال: «أما إنّ أحدكم إذا قام في الصّلاة فإنّه يناجي ربّه، فليعلم أحدكم ما يناجي ربّه، ولا يجهر بعضكم على بعض بالقراءة في الصّلاة» (١). وفي مراعاة هذا الأدب من الفائدة: عدم إلجاء من لم يتهيّأ للاستماع إلى أن ينصت ويستمع، وهو مأمور بذلك إذا سمع القرآن، كما تقدّم. ٢ - أن يتهيّأ لتلاوته بصفاء الفكر ، فلا يقرأ وهو يدافع الأخبثين، أو وهو مشغول الفكر بشيء من أمر الدّنيا، فهذا أدعى للخشوع، وآكد في الانتفاع.

стр. 484

ولهذا قال النّبيّ ﷺ : «لا صلاة بحضرة الطّعام، ولا هو يدافعه الأخبثان» (١). ٣ - أن يبدأ قراءته بالاستعاذة بالله من الشّيطان، فإنّها مطردة له . لقوله تعالى: فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ (٩٨) إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩) إِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ ١٠٠ [النّحل: ٩٨ - ١٠٠]. ويتّصل بالاستعاذة مسألتان: الأولى: حكمها: هي مندوبة عند كلّ تلاوة داخل الصّلاة وخارجها، للأمر بها في كتاب الله تعالى، ولما ثبت أنّ النّبيّ ﷺ كان يستعيذ بالله من الشّيطان الرّجيم قبل قراءته في الصّلاة (٢).

стр. 485

فإن قلت: كيف تكون مندوبة لا واجبة مع أمر الله تعالى بها؟ قلت: لما علمناه من هدي النّبيّ ﷺ ، وهو البيان للقرآن. فعن أبي هريرة، قال: كان رسول الله ﷺ إذا كبّر في الصّلاة سكت هنيّة قبل أن يقرأ، فقلت: يا رسول الله، بأبي أنت وأمّي، أرأيت سكوتك بين التّكبير والقراءة ما تقول؟ قال: «أقول: اللهمّ باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهمّ نقّني من خطاياي كما ينقّى الثّوب الأبيض من الدّنس، اللهمّ اغسلني من خطاياي بالثّلج والماء والبرد» (١). فلم يذكر الاستعاذة، ولو كانت واجبة لبيّنها من جملة ما يقول في سرّه؛ لأنّه لم يأت في شيء من الأخبار أنّه كان يجهر بها في الصّلاة، فحيث إنّ الجهر بها في الصّلاة ليس من السّنّة، وبيّن لأبي هريرة نصّا ما يقوله بين تكبيرة الإحرام والقراءة وليس فيه ذكر للاستعاذة، فدلّ على أنّها ليست على النّاس بواجبة، وحيث إنّه ﷺ جاء عنه في غير قصّة أبي هريرة ذكر الاستعاذة قبل القراءة، فدلّ على أنّه كان يفعل ذلك أحيانا ويدعه أحيانا. وكذلك فإنّا نعلم أنّ النّبيّ ﷺ كان يقرأ القرآن في الأحوال المختلفة، فلم يرد عنه التزام الاستعاذة كلّما قرأ القرآن قليلا منه أو كثيرا، فدلّ أيضا على استحبابها.

стр. 486

والقول بذلك مذهب جمهور أهل العلم (١). وهي مستحبّة لكلّ قارئ، قرأ وحده، أو قرأ في جماعة، لكنّها لا تستحبّ للآية أو الآيات في ثنايا الخطب والمواعظ وأجوبة فتاوى النّاس، فإنّ السّنن قد استفاضت عن النّبيّ ﷺ لا يذكر استعاذة عند الاستدلال أو الاستشهاد بآية من القرآن، وهذا على خلاف ما يفعله بعض الوعّاظ اليوم. ولو قطع التّالي تلاوته ثمّ عاد بعد طول فصل حسن أن يستعيذ. والثّانية: صيغتها: الاستعاذة جائزة بكلّ ما تحقّق به امتثال الأمر، والّذي عليه اختيار جميع القرّاء من حيث الرّواية: (أعوذ بالله من الشّيطان الرّجيم) وعليه عامّة الفقهاء (٢). والجهر بالاستعاذة أو الإسرار يتبع القراءة، فإن كانت سرّا أسرّ، وإن كانت جهرا جهر، إلّا في الصّلاة، لما بيّنته من دلالة السّنّة على ترك الجهر بها فيها. ٤ - أن يحسّن صوته بقراءته ما استطاع دون تكلّف . على ذلك دلّت سنّة رسول الله ﷺ : فعن البراء بن عازب، ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ :

стр. 487

«زيّنوا القرآن بأصواتكم» (١). وفي لفظ: «حسّنوا القرآن بأصواتكم، فإنّ الصّوت الحسن يزيد القرآن حسنا» (٢). والمعنى: حسّنوا أصواتكم وأنتم تتلون القرآن، فذلك ممّا يزيد أثر القرآن في النّفس. والمعنى في حسن الصّوت: التّطريب والتّغنّي. واختلف السّلف فيه، فذهبت طائفة منهم إلى كراهته، لما رأوا من شبه ذلك بأصوات الغناء، وذهب آخرون إلى شرعيّته واستحبابه، والفصل في

стр. 488

ذلك لسنّة النّبيّ ﷺ ، فإنّها قد بيّنت صحّة مذهب القائلين باستحباب ذلك من أهل العلم، كحديث البراء هذا. كذلك حديث أبي هريرة، ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «لم يأذن الله لشيء ما أذن للنّبيّ أن يتغنّى بالقرآن» (١). والمعنى: لم يستمع الله لشيء استماعه للنّبيّ ﷺ في تغنّيه بالقرآن. ولا معنى للتّغنّي هنا إلّا تحسين الصّوت؛ لقرينة ذكر الاستماع. وعن أبي موسى الأشعريّ، ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ لأبي موسى: «لو رأيتني وأنا أستمع لقراءتك البارحة، لقد أوتيت مزمارا من مزامير آل داود» (٢). فشبّه صوت أبي موسى بالقرآن بأصوات المزامير، والجامع بينهما الصّوت المطرب الّذي يأخذ بمجامع القلوب. وفي المسألة من الأحاديث أكثر من هذا، لكنّ هذا أصحّه وأبينه، وهو كاف في إفادة المقصود. وحاصله: أنّ قراءة القرآن بالأصوات المطرّبة مشروع محبوب.

стр. 489

قال الشّافعيّ، ﵀: «لا بأس بالقراءة بالألحان وتحسين الصّوت بأيّ وجه ما كان، وأحبّ ما يقرأ إليّ حدرا وتحزينا» (١). وليس لحسن الصّوت حدّ ينتهى إليه، وهو بحسب ما آتى الله الإنسان من ذلك، لكن يجب على التّالي بالألحان أن لا يجاوز أحكام التّجويد وقواعد التّلاوة. ويروى هاهنا حديث شائع «اقرءوا القرآن بلحون العرب وأصواتها، وإيّاكم ولحون أهل الفسق، فإنّه سيجيء من بعدي قوم يرجّعون القرآن ترجيع الغناء والرّهبانيّة والنّوح، لا يجاوز حناجرهم، مفتونة قلوبهم وقلوب الّذين يعجبهم شأنهم». وهذا حديث لا يصحّ (٢)، ولو صحّ فوجه المنع إنّما هو من التّطريب الّذي يقع معه اللّحن والخروج عن الصّواب في القراءة، كما يوحي إليه ذكر لحون العرب، أمّا التّطريب مع المحافظة على حقّ التّلاوة، فذلك من هدي النّبيّ ﷺ وأصحابه. قال أبو الحسن الماورديّ: «إذا أخرجت ألفاظ القرآن عن صيغته،

стр. 490

بإدخال حركات فيه وإخراج حركات منه، يقصد بها وزن الكلام وانتظام اللّحن، أو مدّ مقصور، أو قصر ممدود، أو مطّط حتّى خفي اللّفظ والتبس المعنى، فهذا محظور يفسق به القارئ، ويأثم به المستمع؛ لأنّه قد عدل به عن نهجه إلى اعوجاجه، والله تعالى يقول: قُرْآناً عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ [الزّمر: ٢٨]، وإذا لم يخرجه اللّحن عن صيغة لفظه وقراءته على ترتيله، كان مباحا؛ لأنّه قد زاد بألحانه في تحسينه وميل النّفس إلى سماعه» (١). ٥ - أن يجتهد في الخشوع، ولا بأس بالبكاء، بل هو حسن لمن قدر عليه من غير تكلّف. قال تعالى: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ [الزّمر: ٢٣]. وقال : أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ (١٦) اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ١٧ [الحديد: ١٦ - ١٧]. وقال تعالى: وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا (١٠٦) قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ

стр. 491

يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّداً (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا (١٠٨) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً ١٠٩ [الإسراء: ١٠٦ - ١٠٩]. كما قال : أُولئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْراهِيمَ وَإِسْرائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنا وَاجْتَبَيْنا إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيًّا [مريم: ٥٨]. فهذه الآيات البيّنات واضحة الدّلالة على الأمر بالخشوع، وبيان ما يكون من حال الصّفوة من عباد الله من النّبيّين وأولي العلم عند سماع الآيات تتلى عليهم من الخضوع والبكاء من خشية الله. وعن عبد الله بن مسعود، ﵁، قال: قال لي النّبيّ ﷺ : «اقرأ عليّ»، قلت: أقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال: «فإنّي أحبّ أن أسمعه من غيري»، فقرأت عليه سورة النّساء، حتّى بلغت: فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً ٤١ قال: «أمسك»، فإذا عيناه تذرفان. وفي لفظ: فرفعت رأسي فرأيت دموعه تسيل (١). وهذا معنى يشترك فيه التّالي والمستمع. وعلى هذه الصّفة كان أصحاب النّبيّ ﷺ .

стр. 492

فعن عائشة، ﵂، قالت: «إنّ أبا بكر رجل رقيق، إذا قرأ غلبه البكاء» (١). وعن عبد الله بن شدّاد بن الهاد، قال: سمعت نشيج عمر بن الخطّاب وأنا في آخر الصّفوف في صلاة الصّبح، يقرأ من سورة يوسف، يقول: إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ [يوسف: ٨٦] (٢). فهذا حال إمامي الأمّة بعد نبيّها ﷺ ، ورضي الله عنهما، وذلك واقع في صلاة وفي غيرها، وهو أمر يجلبه الخشوع للقرآن، لا يملك الخاشعون ردّه وهم يتلون آيات الله أو تتلى عليهم، ولذا سيق ذلك عنهم مساق المدح.

стр. 493

وكذلك حكت أسماء بنت أبي بكر ﵄ من حال الصّحابة: فعن عبد الله بن عروة بن الزّبير، قال: قلت لجدّتي أسماء: كيف كان يصنع أصحاب رسول الله ﷺ إذا قرءوا القرآن؟ قالت: «كانوا كما نعتهم الله : تدمع أعينهم وتقشعرّ جلودهم»، قلت: فإنّ ناسا هاهنا إذا سمعوا ذلك تأخذهم عليه غشية، فقالت: «أعوذ بالله من الشّيطان» (١). وفي هذا إنكار من أسماء أن يبلغ الخشوع بصاحبه إلى الغشيان، وإنّما ذلك بالقشعريرة ودمع العين، كذلك كان حال النّبيّ ﷺ وحال أصحابه، ولا يعرف ذلك الغشيان فيهم، ولا يثبت عن أحد منهم أنّه كان يصعق عند القرآن، إنّما ذكر ذلك عمّن بعدهم، وهدي النّبيّ ﷺ وأصحابه أحسن الهدي وأكمله. وما يروى في تكلّف البكاء فلا يصحّ، كحديث: «إنّ هذا القرآن نزل بحزن، فإذا قرأتموه فابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا» (٢).

стр. 494

٦ - أن يستحضر أنّه مخاطب بما يقرأ، فيتأمّل ذكر التّوحيد والإيمان، والأمر والنّهي، والوعد والوعيد، والقصص والأمثال، ويلاحظ ما يلزمه من ذلك من التّصديق والامتثال والاعتبار، ويراعي الجواب في موضع السّؤال، ولا يفوّت ما تقتضيه الآية من تسبيح أو تحميد أو تكبير أو استغفار أو دعاء، ويغتنم ذكر الجنّة بالرّغبة إلى ربّه وسؤاله الفوز بدخولها، وذكر النّار بالرّهبة وسؤاله ربّه النّجاة منها. عن حذيفة بن اليمان، ﵁، قال: صلّيت مع النّبيّ ﷺ ذات ليلة، قال: فافتتح البقرة، فقرأ حتّى بلغ رأس المائة، فقلت: يركع، ثمّ مضى حتّى بلغ المائتين، فقلت: يركع، ثمّ مضى حتّى ختمها، قال: فقلت: يركع، قال: ثمّ افتتح سورة آل عمران، حتّى ختمها، قال: فقلت: يركع، قال: ثمّ افتتح سورة النّساء، فقرأها، قال: ثمّ ركع، قال: فقال في ركوعه: سبحان ربّي العظيم، قال: وكان ركوعه بمنزلة قيامه، ثمّ سجد، فكان سجوده مثل ركوعه، وقال في سجوده: سبحان ربّي الأعلى، قال: وكان إذا مرّ بآية رحمة سأل، وإذا مرّ بآية فيها عذاب تعوّذ (وفي لفظ: استجار)، وإذا مرّ بآية فيها تنزيه لله سبّح (١).

стр. 495

وعن ابن عبّاس، ﵄: أنّ النّبيّ ﷺ كان إذا قرأ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ١ قال: «سبحان ربّي الأعلى» (١). وعن ابن عبّاس، قال: «إذا قرأ أحدكم سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ١ فليقل: سبحان ربّي الأعلى، وإذا قرأ أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى ٤٠ [القيامة: ٤٠] فليقل: اللهمّ بلى، أو: اللهمّ سبحان ربّي، بلى» (٢). وعن عبد الله بن السّائب، ﵁، قال: أخّر عمر، كرّم الله وجهه، العشاء الآخرة، فصلّيت، ودخل فكان في ظهري، فقرأت: وَالذَّارِياتِ ذَرْواً ١ حتّى أتيت على قوله: وَفِي السَّماءِ
следующие страницы →