← Тараджим

Тараджим · id 11524

اللواء الركن محمود شيت خطاب

عبد الله محمود الطنطاوي

Полный текст (160 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

اللِّواء الرّكن مَحمُودْ شيْت خَطَّابْ المُجَاهِدُ الَّذِي يَحمِلُ سَيْفَهُ في كُتُبِهِ (١٣٣٧ - ١٤١٩ هـ) (١٩١٩ - ١٩٩٨ م) تَألِيفُ عبد الله محْمود

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 3

اللِّواء الرّكن مَحمُودْ شيْت خَطَّابْ

стр. 4

الطّبعَة الأولى ١٤٢٢ هـ - ٢٠٠١ م حُقوق الطَّبْع مَحفُوظَة تطلب جميع كتبنا من: دَارْ القَلمْ - دمَشق: صَ بْ: ٤٥٢٣ - ت: ٢٢٢٩١٧٧ الدّار الشاميَّة - بَيْروت - ت: ٦٥٣٦٥٥/ ٦٥٣٦٦٦ صَ بْ: ٦٥٠١/ ١١٣ توزّع جميع كتبنا في السّعوديّة عَن طريق دَارْ البَشير - جدّة: ٢١٤٦١ - ص بْ: ٢٨٩٥ ت: ٦٦٠٨٩٠٤/ ٦٦٥٧٦٢١

стр. 5

المقَدّمَة عرفت اللواء محمود شيت خطاب في كتابه الرائد (الرسول القائد) ﷺ ، ثمّ في كتبه ومقالاته التي كانت تملأ فراغاً كبيراً ما ملأه غيرها، ثم كان التعارف في بغداد عام ١٩٨٣ م ومذ عرفته والتقيته ما فارقته إلا لماماً ومضطراً، فكنت أجلس إليه، وأستمع منه، وأحاوره في شؤوننا، وهو العسكري المجرِّب الخبير، فأفدت منه علماً، وديناً، وأخلاقاً، وجِدّاً، واكتسبت من خبراته، وأطلعني على كثير من أسراره وأسرار مَنْ حوله، وقد يأتي يوم قريب - إن شاء الله تعالى - أكتب فيه عن تلك المعارف والأسرار التي دوّنتها في لحظتها، بعد عودتي إلى بيتي، وحرصتُ عليها وعلى سرّيّتها، حتى لا يؤذى الرجل الذي ما كان يحسب حساباً لغير الله والحقيقة والتاريخ، ولكني أحسب .. كان أستاذي الثالث، بعد شيخنا السباعي، وأستاذي الرائع أحمد مظهر العظمة، ﵏ جميعاً رحمة واسعة. وهذا الكتاب تعريف موجز بحياته الخصبة، وتعريف ببعض كتبه القيّمة، جاء بهذا الحجم الصغير، ليكون إلى جانب إخوته في سلسلة: (علماء ومفكرون معاصرون) التي تحرص أن تكون هكذا .. تقدّم لمحات من حياة المترجَم له، وتعريفات بكتبه، في صفحات معلومات .. وسوف يليه كتاب كبير يليق به إن شاء الله. أرجو من الله الكريم أن يأجر صاحب فكرتها الأستاذ الكاتب،

стр. 6

والأخ الحبيب محمد علي دولة، مؤسس دار القلم بدمشق، حفظه الله لها، وحفظها له، وحفظهما لخدمة الإسلام ورجالاته في القديم والحديث. وصلّى الله وسلم وبارك على مولاي وسيِّدي وقائدي محمد وعلى آله وصحبه، والحمد لله أولاً وآخراً. عمّان: ٢١/ ١٢/ ١٤٢١ هـ ........ ١٦/ ٣/ ٢٠٠١ م عبد الله محمود

стр. 7

الفصْل الأوّل لمحات من حياته

стр. 8

الفصْل الأوّل لمحات من حياته عصره: عاش اللواء خطاب عصراً متفجّراً من أعنف العصور عنفاً، وأمرِّها مرارات .. فعلى مستوى العالم، تفجّرت حربان عالميتان فاجرتان أكلتا عشرات الملايين من الأرواح، ودمّرتا ما لم تدمّره الحروب الأخرى منذ أول حرب نشبت بين بني البشر، من بدء الخليقة حتى اليوم .. وتفجّرت ثورات حمراء داميات في كل أرجاء المعمورة. وعلى مستوى العالم الإسلامي كانت الحرائق في بيوتات ذلك العالم التعيس البائس، قد أتت على أخضره وهشيمه، وتركته مِزَقاً وأنقاضاً بمعاول أعدائه في الداخل والخارج، وكانت معاول الداخل أضرى ضراوة، وأشدّ بأساً، لأن (الخارج) كان قد أعدَّها، وأحدَّها، لتكون فتّاكة تأتي على بنيان العروبة والإسلام من الجذور، وباسم العروبة هنا، وباسم الإسلام هناك وهنالك، والعروبة والإسلام من هؤلاء وأولئك براء. وكان نصيب العراق كبيراً من تلك الحرائق والمعاول، وكان الأبأسَ والأتعسَ بعد فلسطين الذبيحة، وشعبها المجاهد الذي قدّم وشعبَ العراق ما لم تقدّمه سائر الشعوب العربية والإسلامية الأخرى .. وكان خطّاب شاهد القرن على تلك الكوارث والمآسي التي اجتاحت عراقه الحبيب الغالي الذي بذل من أجل إنهاضه الكثير، وكان العقوق جزاءه.

стр. 9

فتح عينيه على الكيانات التي خَلَفَتْ دولةَ الخلافة، وشهد الصراعات غير البريئة بينها، وميلاد الكيان الصهيوني من بين براثنها، والاستعمار يحطّ بكلكله الثقيل على أرضها، وشعوبها، وعقيدتها وثقافتها، وفكرها، والثورات التي تريد الإطاحة به، ووقودُها شعوب مؤمنة، والمستفيدون زعامات لا تهمّها إلا مصالحها، وكان هو من بين ذلك الوقود في ثورة رشيد عالي الكيلاني، وحرب فلسطين، ومحارق العملاء والمشبوهين والطواغيت .. رضي أن يكون عبدَ الله المقتول، كسائر أبناء شعبه، ودافع بدمه ومستقبله وبكل ما يملك للتخفيف عن ذلك الشعب، ولكن حجم التحدّي كان كبيراً، والذين يتربّصون به وبأمثاله من الرجال المؤمنين المخلصين، أكثر عدداً وأقوى عُدّة .. شاهد مصارع أحرار ومصارع أنذال، وأفول أنظمة وقيام أخرى، وضياع أخلاق ومروءات ومبادئ في متاهات المصالح والأهواء والشهوات، فانكفأ على نفسه، ولزم بيته، واستلّ قلمه، فكان سيفَه في تلك الكتب المقاتلة، وهي الأبقى على الدهر، سيوفاً مشرعة في وجوه الظلم والظلام والظالمين، ومنارات هدى للسائرين في وضح النهار، وتحت شمس الظهيرة، أو في ظلام الأنفاق المعتمة، في قرن كان أشدَّ هولاً من سائر القرون .. شهد هزيمة الأنظمة العربية في حرب حزيران، بعد أن (طُهِّرت) جيوشها من أعدائها وخصومها الافتراضيين، وهم من أصحاب الخبرات والكفايات، وكتب ونصح، وحذّر وأنذر، ولا سميع .. وشهد حربين ضاريتين بين عراقه الحبيب، وبين أشقّاء يعزّ عليه أن

стр. 10

يهانوا أو يُقتلوا، وبكى في الحرب الثانية كما لم تبك ثكلى .. بكى على الجيش الذي كان يعدّه للملمّات .. لتحرير فلسطين .. وإذا هو لقمة سائغة تتناهشها أنياب ثلاث وثلاثين دولة، بين شقيقة وعدوّة .. ولقد سمعته يقول، ودموعه السخينة تحرق وجنتيه: - هل رأيت أشلاء جيشنا يا عبد الله؟ هل سمعت بالانسحاب الكيفي أمام لؤم أمريكة المتوحشة، وطيرانها المتغوّل؟ هل هذا هو المصير الذي كنّا نُعِدُّ جيش العراق له؟ هل خُلق جيش العراق ليكون طعاماً لجنازير الدبابات والصواريخ؟ ثم أنشد باكياً والله بنشيج يقطّع القلوب: لمْ يبقَ شيءٌ مِنَ الدُّنيا بأيْدينَا ... إلاَّ بقيّة دَمْعٍ في مَآقينَا وكان يقابل هذه الظلماتِ المدلهمّة، وعيٌ إسلاميٌّ، وصحوة إسلاميّة، كان لها أعداء من الداخل والخارج بالمرصاد .. وكان يفرح لها، ويحزن لمصائر قادتها .. ولما يُبَيَّتُ لها .. ولضعف قياداتها، وارتجاليتهم، أمام التحدّيات الشرسة التي تواجههم، وتريد استئصالهم .. كان يقول: - هذا عصر الأئمة: حسن البنا، وأبي الأعلى المودودي، ومصطفى السباعي، وسيد قطب، وعبد القادر عودة، ومحمد فرغلي .. كان خطّاب يعرف الكثير عنهم، ويعرف المؤامرات التي دُبِّرت لهم، والعجز الذي شلَّ أتباعهم .. كان عصر خطّاب مزيجاً من نار ونور، ولكن وهج النار وتأثيرها أكبر من النور المحاصَر، وأعظم من ضياء الأيدي المتوضّئة. عاش خطّاب عصره بكل ما فيه، وناله الكثير مما فيه، وعاه بعقله

стр. 11

وذكاء قلبه، وأسهم في إطفاء بعض الحرائق، وإيقاد بعض الشموع، ليكشط ما يستطيع من ظلام المادّة الثقيلة الوطأة، ويخفّف من غلواء النفوس المادية، ويكسر الحصار عن النور .. ولكنها ظلمات بعضها فوق بعض .. اسمه ونسبه ونشأته: محمود بن شيت خطّاب ولد في مدينة الموصل - شمال العراق - عام ١٩١٩ م من أبوين عربيين، فأبوه من قبيلة الدليم - فرع الصقور الذين يتصل نسبهم بالنبيّ ﷺ من جهة الحسن بن عليّ ﵄، وأمّه قيسية، وهي بنت الشيخ مصطفى بن خليل، من علماء الموصل. لم يلبث في حضن أمه إلا عاماً أو بعض عام، ثم زاحمه أخوه الذي وُلد بعده بأشهر، فانتقل إلى حضن جدّته لوالده، وهي امرأة تقيّة نقيّة، تقضي أكثر ساعات ليلها في تهجّد وتسبيح وبكاء من خشية الله تعالى، وهي حسينية النسب، تتصف بالعقل والكرم والصدق وحبّ الناس، فانغرست هذه الفضائل في نفس الطفل، ونمتْ بنموّه، فشبّ الطفل على الوفاء لمن أحسن إليه، وعلى حبّ الناس، والعطف على الضعفاء والفقراء والمساكين .. روى خطّاب لنا في بعض كتبه - عن جدّته الصالحة أنها " آثرت أن تبقى جائعة تقدّم طعامها إلى ضيف قدم على غير ميعاد. " وأنها قدّمت طعامها الذي كانت تتناوله إلى فقير طرق الباب، وهي تقول فرحة مستبشرة: حصَّتي في الجنة. " وجاءها - مرة - فقير يرتدي أسمالاً بالية، فخلعت ثوبها، وكسته به. وحين عادت إلى غرفتها لترتدي ثوباً آخر، كانت مسرورة بعملها سروراً لا يوصف.

стр. 12

" وكانت تردّد - كلما أكلت وشبعت -: اللهمّ كما أطعمتني، فأطعم كل فقير " (١). وقال عنها: " كانت تصحبني إلى المسجد القريب لصلاة المغرب، فإذا قُضيت الصلاة، أصغيت معها من مقصورة النساء إلى مواعظ الملك داود، ذي الأسلوب المؤثر، حتى تنهض لصلاة العشاء ... فإذا أوينا إلى النوم، أخذت بذكر الله والاستغفار، ثم لا تدعني حتى تتحقق من نومي، فتتسلل لصلاة القيام. ولطالما استيقظتُ على نشيجها أثناء ذلك، فإذا ما شعرتْ بي، عادتْ لتحنو عليّ. واستمرّ هذا دأبها حتى توفّاها الله، وأنا في السادسة عشرة، فكان لوفاتها وقعٌ لا ينسى " (٢). وأبوه كان صالحاً، يعمل في التجارة وتربية المواشي، وكان يتطلع إلى ولد صالح يرزقه الله إياه، فيتعلم علوم الدين والعربية، ويؤمّه في الصلاة، فرُزق محموداً، فوجّهه الوجهة التي يريد، فانطلق إلى مشايخ الموصل، يتعلم منهم القرآن والحديث واللغة العربية. وهكذا نشأ الفتى في بيت علم وفضل ودين، يُتلى فيه القرآن في الأمساء والأصباح، وتقام فيه الصلوات، ويلتزم كلُّ مَنْ فيه بالدين الحنيف، ويتعاونون على البرّ والتقوى، ويضمّ في جنباته مكتبة عامرة بالكتب والمصادر المطبوعة والمخطوطة.

стр. 13

دراسته: تلقّى دروسه الأولى في تلاوة القرآن وحفظه على يد أبيه ولسان جدّته التي كانت تُعنى بتحفيظه ما تحفظ من قصار السور، ثم في الكُتّاب، ومشايخ الموصل، ثم دخل المدرسة الابتدائية، فالإعدادية، والثانوية، وكان متفوقاً في مراحل دراسته في الموصل، وكان يتلقى العلوم الشرعية والعربية على أيدي بعض مشايخ الموصل في المساجد، وفي أثناء شهور العطل الصيفية. كما كان لمجلس الحيّ أثر في تكوين شخصيته، فقد كان يصحبه أبوه إليه وهو تلميذ صغير، ثم صار هو الذي يقرأ لذلك المجلس كتب التاريخ، ولعل هذا وسواه، مكّنه من اللغة العربية، وحبَّبه في التاريخ. في الجيش: كان الفتى محمود يحلم بدراسة الحقوق، وشاء الله أن يدخل الكلية العسكرية، ليكون لنا منه ضابط قائد مغوار، ومؤرّخ عسكريّ فذّ. في سنة ١٩٣٧ م انتسب الفتى محمود إلى الكلية العسكرية في بغداد، وتخرج فيها برتبة ملازم، حاملاً شهادة الليسانس في العلوم العسكرية سنة ١٩٣٨ م بدرجة جيد جداً. وفي سنة ١٩٤٧ م حصل على شهادة الماجستير بدرجة جيد جداً من كلية الأركان والقيادة، حيث تخرج برتبة نقيب ركن. وفي سنة ١٩٥٤ م تخرج في كلية الضباط الأقدمين في العراق (دراسات عسكرية عليا) بدرجة جيد جداً. وأوفد إلى بريطانية عام ١٩٥٥ م إلى كلية الضباط الأقدمين،

стр. 14

دراسات عسكرية عليا، وكان الأول على دورته، وتخرج بدرجة ممتاز .. كانت الدورة تحتوي على مئة طالب من جنسيات مختلفة .. و" شهد أربعاً وعشرين دورة تدريبية عسكرية في العراق، وشمالي إفريقية، وإنكلترة، والتحق بالوحدات البريطانية في أثناء تدريبها الإجمالي في الصحراء الغربية في شمالي إفريقية سنة ١٩٥٣ م، وفي إنكلترة سنة ١٩٥٥ م وكان تقديره في جميع تلك الدورات بدرجة جيد جداً، ودرجة ممتاز. ومن هذه الدورات، دورات الفروسية والأسلحة، ودورات التعبية ... إلخ " (١). ومع احتفاظه بشارة الفرسان، شغل واجبات الأركان والقيادة في عدد من القطعات العسكرية، وكان قائداً متميزاً بانضباطه، وجدّيته، آلفاً مألوفاً، يحبه مرؤوسه وعناصره، ولكن بعض رؤسائه التافهين كانوا يكرهون فيه تديُّنه، وبُعْدَه عن الفجور والموبقات، وتمسُّكه بالفضيلة والأخلاق والإسلام. " ويتحدّث - اللواء خطاب - عن واقع الحياة في الجيش العراقي آنئذ، فيرينا العجب العجاب من آثار التوجيه الاستعماري؛ إذ كان كلّ شيء هناك، يسير بالضابط في طريق التميع والانحلال، فلا يجد عاصماً إلا أن يكون مزوّداً بالحصانة القادرة على الثبات في وجه الأعاصير. كان من تقاليد الجيش أن تولم الوحدات لضباطها الجدد وليمة يُطلق عليها (وليمة التعارف والاستقبال)، تقدم فيها الخمر مع ما لذَّ وطاب من الأطعمة، وقد يصاحب ذلك أنغام الموسيقى والرقص، زيادة في الحفاوة والتكريم.

стр. 15

دراسات عسكرية عليا، وكان الأول على دورته، وتخرج بدرجة ممتاز .. كانت الدورة تحتوي على مئة طالب من جنسيات مختلفة .. و" شهد أربعاً وعشرين دورة تدريبية عسكرية في العراق، وشمالي إفريقية، وإنكلترة، والتحق بالوحدات البريطانية في أثناء تدريبها الإجمالي في الصحراء الغربية في شمالي إفريقية سنة ١٩٥٣ م، وفي إنكلترة سنة ١٩٥٥ م وكان تقديره في جميع تلك الدورات بدرجة جيد جداً، ودرجة ممتاز. ومن هذه الدورات، دورات الفروسية والأسلحة، ودورات التعبية ... إلخ " (١). ومع احتفاظه بشارة الفرسان، شغل واجبات الأركان والقيادة في عدد من القطعات العسكرية، وكان قائداً متميزاً بانضباطه، وجدّيته، آلفاً مألوفاً، يحبه مرؤوسه وعناصره، ولكن بعض رؤسائه التافهين كانوا يكرهون فيه تديُّنه، وبُعْدَه عن الفجور والموبقات، وتمسُّكه بالفضيلة والأخلاق والإسلام. " ويتحدّث - اللواء خطاب - عن واقع الحياة في الجيش العراقي آنئذ، فيرينا العجب العجاب من آثار التوجيه الاستعماري؛ إذ كان كلّ شيء هناك، يسير بالضابط في طريق التميع والانحلال، فلا يجد عاصماً إلا أن يكون مزوّداً بالحصانة القادرة على الثبات في وجه الأعاصير. كان من تقاليد الجيش أن تولم الوحدات لضباطها الجدد وليمة يُطلق عليها (وليمة التعارف والاستقبال)، تقدم فيها الخمر مع ما لذَّ وطاب من الأطعمة، وقد يصاحب ذلك أنغام الموسيقى والرقص، زيادة في الحفاوة والتكريم.

стр. 16

العلمية، كما هو معروف في الأوساط العسكرية، والسياسية، ولهذا كان يدعى إلى تلك الهيئات والجمعيات العلمية، فقد كان عضواً في المجمع العلمي العراقي منذ عام ١٩٦٣ م وعضواً في مجمع البحوث الإسلامية في الأزهر (١٩٦٨ م)، وعضواً في مجمع اللغة العربية في القاهرة (١٩٦٦ م)، وعضواً في مجمع اللغة العربية بدمشق (١٩٦٦ م)، وعضواً في مجمع اللغة العربية الأردني (١٩٧٩ م)، وعضواً في المجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي (١٩٦٤ م)، وعضواً في المجلس الأعلى للمساجد في مكة المكرمة (١٩٧٥ م). في الصحافة: كان اللواء خطاب يكتب في عدد من الصحف والمجلات والدوريات الجادّة، مثل: مجلة المجمع العلمي العراقي (١٩٥٤ م)، ومجمع اللغة العربية المصري (١٩٦٦ م)، ومجلة مجمع اللغة العربية السوري (١٩٦٦ م)، ومجلة العربي الكويتية (١٩٦٦ م)، ومجلة الوعي الإسلامي الكويتية (١٩٦٦ م)، ومجلة الأزهر (١٩٦٦ م)، ومجلة الفيصل (١٩٧٥ م)، ومجلة الحرس الوطني/ السعودية (١٩٨٠ م)، ومجلة الأمة القطرية (١٩٨٠ م)، ومجلة الدوحة/ القطرية (١٩٨٠ م)، ومجلة دعوة الحق/ المغربية (١٩٧٨ م)، ومجموعة بحوث مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر (١٩٦٨ م)، ومجموعة بحوث مجمع اللغة العربية المصري (١٩٦٦ م)، ومجلة الفكر الإسلامي البيروتية (١٩٦٤ م)، ومجلة المورد العراقية (١٩٧٣ م)، ومجلة رسالة الخليج العربي (١٩٨٣ م)، ومجلة معهد البحوث والدراسات العربية (١٩٨٣ م)، ومجلة التربية الإسلامية في بغداد (١٩٦١ م)، ومجلة الرسالة/ المصرية (١٩٦٤ م)، ومجلة حضارة الإسلام الدمشقية، ومجلة التمدن الإسلامي الدمشقية، وسواها وسواها من الصحف العربية والإسلامية.

стр. 17

في الإذاعة والتلفزيون: قدّم اللواء خطاب عدداً من الأحاديث في الإذاعات العربية المسموعة والمرئية .. منها - على سبيل المثال - برنامج (نور على نور) في إذاعة القاهرة عام ١٩٧٠ م لمدة ساعتين عن غزوة بدر الكبرى، وساعتين عن دروس في الكتمان من الرسول القائد ﷺ ، وكذلك الأمر في إذاعة العراق سنة ١٩٦٦ م عن التاريخ العربي العسكري، وفي إذاعة دولة الإمارات عن التاريخ العسكري الإسلامي، وفي الإذاعة السعودية عن قادة الفتح الإسلامي، وفي إذاعة المغرب عن العدو الصهيوني والأسلحة المتطورة، وعن اللغة العسكرية، والدفاع عن اللغة العربية، والإسلام دين ودنيا، وسواها من الموضوعات المهمة. أهم الموضوعات التي كان يكتب فيها: ١ - قادة الفتح الإسلامي، وقادة استعادة الفتح الإسلامي. ٢ - معارك الفتح الإسلامي، ومعارك استعادة الفتح الإسلامي. ٣ - الفن العسكري العربي الإسلامي. ٤ - اللغة العسكرية، وتطهير العربية من الألفاظ الدخيلة. ٥ - العسكرية الإسرائيلية. ٦ - الدفاع عن العربية لغة، والإسلام ديناً. ٧ - القصص الهادفة. ٨ - تحقيق التراث العربي الإسلامي العسكري. ٩ - ترجمة الكتب العسكرية التي تفيد الفكر العسكري. ١٠ - مناقشة المشكلات العربية الإسلامية، ومحاولة إيجاد الحلول لها.

стр. 18

١١ - تربية الشباب وتصحيح الانحرافات لديهم. ١٢ - تعريب المصطلحات العسكرية الأجنبية الحديثة .. ١٣ - توحيد المصطلحات العسكرية وغير العسكرية في البلاد العربية. هذا وقد كتب ما كتب ضمن المحاور الأربعة التالية: ١ - محور التاريخ العربي الإسلامي العسكري: وله في هذا المجال: الرسول القائد ﷺ قادة فتح العراق والجزيرة - قادة فتح فارس - قادة فتح بلاد الشام ومصر - قادة فتح المغرب العربي - الفاروق القائد - الصدّيق القائد - خالد بن الوليد - عقبة بن نافع - قادة فتح السند وأفغانستان - قادة النبي ﷺ قادة فتح أرمينية - قادة فتح بلاد الروم (جزءان) - قادة فتح بلاد ما وراء النهر (جزءان) - قادة فتح بلاد الأندلس (جزءان) ... إلخ. وقد كان المؤلف " في بداية حياته العسكرية، يقرأ عن القادة الأجانب الذين غزوا البلاد العربية، ومعارك الأجانب التي استعمروا بها البلاد العربية، ولم تكن المدارس والمعاهد والكليات العسكرية العربية تدرّس تلاميذها وطلاّبها العرب عن قادة الفتح الإسلامي، ولا عن معارك الفتوح الإسلامية، ولا عن غزوات النبيّ ﷺ . وبعد مثابرته التي بدأت قبل أربعين سنة، واستمرت، دون كلل ولا ملل، حتى اليوم، تبدّل الحال غير الحال، والحمد لله، فأصبحت المدارس والمعاهد والجامعات العسكرية تعجّ بنشاطها المثمر في دراسة قادة الفتح الإسلامي، ومعارك الفتوح، وغزوات الرسول القائد ﵊ " (١).

стр. 19

٢ - محور اللغة العسكرية: وله في هذا المجال من الكتب: المصطلحات العسكرية في القرآن الكريم (جزءان) - المصطلحات العسكرية في كتاب (المخصّص) لابن سيده. وكان اقترح توحيد المصطلحات العسكرية للجيوش العربية، ثم وضع هذا الاقتراح في حيّز التنفيذ، فأصدر المعجمات العسكرية الموحِّدة الأربعة، فشاعت لغة القرآن الكريم في الجيوش العربية، بدلاً من اللغات الأجنبية والدخيلة. ٣ - محور العدو الصهيوني: في محاولة منه أن يعرف العرب والمسلمون عدوّهم على حقيقته، لا كما يحلو للعدو الصهيوني أن يعرف العرب والمسلمون عنه. لقد كانت المعلومات عن العدو الصهيوني قليلة، ومضلّلة، فكان هذا الجهل بالعدوّ من أهمّ أسباب نكسة حزيران ١٩٦٧ م فقاتل العرب عدواً لا يعرفون عنه إلا القليل. ولهذا قرّر أن يحاضر ويؤلف في العسكرية الإسرائيلية، فكان له في هذا المجال: الوجيز في العسكرية الإسرائيلية - العسكرية الإسرائيلية - أهداف العدو الصهيوني في البلاد العربية - العدو الصهيوني والأسلحة المتطورة ... إلخ. ٤ - محور الدعوة الإسلامية، والدفاع عن الإسلام ديناً، والعربية لغة ، وله فيه: بين العقيدة والقيادة - رسالة المسجد العسكرية - عدالة السماء - تدابير القدر ... والمحاور الأربعة السابقة، تصبّ في بحر الدعوة.

стр. 20

المؤتمرات العلميّة: كان اللواء خطاب يدعى إلى الكثير من المؤتمرات والندوات العلميّة، فكان يحضر بعضها، ويعتذر عن بعضها الآخر، لأسباب تتعلق به حيناً، وأسباب أخرى خارجة عن إرادته، وخاصة في ربع القرن الأخير من حياته في بغداد. من هذه المؤتمرات ما كان في بغداد، كتلك التي كان يعقدها المجمع العلمي العراقي خاصة، ومؤتمرات مجمع اللغة العربية في القاهرة، ومؤتمرات مجمع البحوث الإسلامية في الأزهر الشريف، ومؤتمرات رابطة العالم الإسلامي في مكة المكرمة، والمؤتمرات الإسلاميّة على نطاق البلاد العربيّة. وكان له في كل مؤتمر محاضرة، أو بحث، مثل بحث: (أهمية توحيد المصطلحات العسكرية في الجيوش العربية)، و (أسد بن الفرات: فاتح صقلية)، و (الأمثال العسكرية في مجمع الأمثال للميداني)، و (تاريخ المعجمات العسكرية في البلاد العربية)، و (المصطلحات العسكرية في القرآن الكريم)، و (حاضر المسلمين ومستقبلهم بين الآمال والآلام)، و (الحرب الإجماعية في الإسلام)، و (أمّ الخبائث)، و (رسالة المسجد العسكرية)، و (إرادة القتال في الجهاد الإسلامي)، و (أهداف إسرائيل التوسّعية في البلاد العربية)، و (دروس في الكتمان من الرسول القائد) ﷺ ، و (أهمية الدعوة)، وسواها من الأبحاث القيمة التي كادت تكون محور تلك المؤتمرات. في الكليات العسكرية: كان اللواء خطاب يدعى إلى إلقاء العديد من المحاضرات في الكليات العسكرية، وكليات القيادة والأركان، وجامعات الدراسات العسكرية العليا، والجامعات والجمعيات غير العسكرية، في العراق وفي

стр. 21

الأردن، والسعودية، ودول الخليج العربي، وليبية، والمغرب، ومصر .. ومن تلك المحاضرات: (العدو الصهيوني والسلاح النووي)، و (العدو الصهيوني والأسلحة المتطورة)، و (البلاد العربية في الحرب العالمية الثانية)، و (أهمية البلاد العربية سَوْقيّاً)، و (أسباب نكسة حزيران ١٩٦٧ م)، و (طريق النصر على الصهاينة)، وسواها من المحاضرات ذات القيمة الاستراتيجية. بل إن اللواء خطاباً كان أول من أقدم على تدريس العسكرية الإسرائيلية في المعهد العالي التابع لجامعة الدول العربية، في الوقت الذي كان يحجم فيه كبار القادة والضباط عن الحديث في تلك الموضوعات .. كان شعاره: (اعرف عدوَّك تأمن مكره، وتنتصر عليه). وكان يأبى إلا أن يدرِّس ويحاضر باللغة العربية التي تجمع الشعوب العربية ولا تفرّقها كتلك اللهجات العاميّة. في الوزارة: لم يكن اللواء خطاب يفكر في الوزارة، بل كان يتحاشاها، ولكنّ صديقه المشير عبد السلام عارف - رحمه الله تعالى- أصرَّ عليه أن يكون إلى جانبه في الحكم، وأن يأتيه بناس صالحين، من الإخوان وغير الإخوان، ولكن الإخوان المسلمين رفضوا المشاركة في الحكم، لأن تجربتهم القاسية مع عبد الناصر ما تزال ماثلة للعيان، وضحايا عبد الناصر منهم فاقت مجموع ضحاياهم وشهدائهم في فلسطين، والقنال، وجرائم القصر والأحزاب التابعة له بكثير. نزولاً عند إصرار المشير عبد السلام الذي خوّفه بالله، وحمّله مسؤولية عدم المشاركة أمام الله والتاريخ، شارك اللواء خطاب في عدّة وزارات، ولكنه انتهز أول فرصة سنحت له، فاستقال، وآلى على نفسه أن

стр. 22

يكون بعيداً عنها، وعن أيّ مسؤولية، وتفرّغ للعلم وللعلم وحده. وقد عُرضت عليه المشاركة في كل حكومة شكلت بعد عام ١٩٦٤ م ولكنه كان يعتذر باستمرار. وفي ١٧ من تموز ١٩٦٨ م عُيِّن وزيراً للمواصلات، وكان يومها في مصر، يعمل رئيساً للجنة توحيد المصطلحات العسكرية للجيوش العربية التي أعدّت المعجمات العسكرية الأربعة الموحِّدة، فاعتذر عن قبول هذا المنصب، وآثر العمل في المجالات العلميّة، على العمل في المناصب الحكومية، وبقي في القاهرة، حتى أخرج المعجمات آنفة الذكر، وكان هو الذي اقترح توحيد هذه المصطلحات، وهو الذي وضعها في حيّز التنفيذ. ومن طريف ما حدّثني به، أن أخاه المستشار في محكمة النقض ذهب إلى قيادة الجيش ليأخذ راتب أخيه، ويرسله إليه، فأجابوه: أخوك لم يعد في الجيش، صار وزيراً، فراجع الوزارة .. وذهب المستشار إلى الوزارة ليقبض الراتب، فقيل له: أخوك اللواء اعتذر عن قبول الوزارة، وهو من ملاك الجيش، فاذهب إلى هناك. وهكذا ضاع اللواء محمود بين الجيش والوزارة، وهو في مصر، ولا يملك إلا راتبه لينفق منه، ولولا أصدقاؤه الكرام في مصر، من أمثال: الشيخ محمد أبو زهرة، والشيخ عبد الحليم محمود، وسواهما، لجاع هو وأسرته في القاهرة. وعندما عاد من مصر إلى بغداد عام ١٩٧٣ م عرض عليه صديقه أحمد حسن البكر رئيس الجمهورية، عدة مناصب حكومية رفيعة، ولكنه اعتذر عن قبولها، وتفرّغ كلياً لبحوثه ودراساته ومحاضراته في المعاهد والمدارس والكليات العسكرية العربية.

стр. 23

وفاته: في صباح اليوم الثالث عشر من كانون الأول ١٩٩٨ م كان يجلس اللواء خطاب في مجلسه المعتاد: تحت درج منزله على كرسيّ عتيق، وجاءت ابنته تودّعه، وقبل أن تغادر المنزل إلى الجامعة، طلب منها أن تجلس معه، لتقرأ معه سورة (يَس) حاولت الطالبة الاعتذار من أجل حضور المحاضرات، فأشار إليها: أن اجلسي، فجلست، وجاءت زوجته الصالحة الصابرة، وجلست، وقرأت (آمنة) سورة (يَس)، وكان الوالد يقرأ معها، فأحسّ بجفاف في حلقه، بعد الانتهاء من قراءة السورة، فطلب من زوجته أن تأتيه بكأس من الشراب، وأسرعت الزوجة إلى المطبخ، وهي تسمع زوجها يردّد: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله .. وكرّرها مرة وثانياً وثالثاً ورابعاً وخامساً ثم سكت، وابنتُه تنظر إليه، وتردّد معه شهادة الحقّ، فأسرعت زوجته إليه، لتراه كالنائم، قد أسلم روحه لبارئها .. ﵀ رحمة واسعة. وحُملت جنازته، ودُفن، دون أن يدري بوفاته ودفنه أكثر أصحابه ومحبّيه الكثر من أبناء الشعب العراقي، ولو علموا لكانت من الجنازات المشهودة في تاريخ بغداد. ***

стр. 24

مواقفه ١ - مواقفه في نصرة دعاة الإسلام: أ - مع سيد قطب: حدّثني اللواء خطّاب أنه زار القاهرة، بصحبة رئيس الجمهورية العراقية المشير عبد السلام عارف. وهناك في القاهرة، طلب من المشير عارف أن يتوسّط لدى صديقه عبد الناصر للإفراج عن سيد قطب. وتحدّث عارف مع ناصر بحضور خطاب، ووافق ناصر على الإفراج عن سيّد. عندها طلب خطاب من عبد الناصر أن يسمح له بزيارة سيد في سجنه، ليبشّره بقرار الرئيس، فسمح بذلك، وجاءت سيارة من القصر حملت خطاباً إلى سجن سيّد. وفرح سيّد بلقاء خطاب، وحمّله سلامه إلى المشير عارف، فقال له خطاب: - أبشرك بالإفراج عنك قريباً جداً. تساءل سيّد: كيف؟ فقصّ عليه خطّاب قصّة وساطة المشير عبد السلام الذي يكنّ له حبّاً ومودّة وتقديراً وإعجاباً بجهاده، وفكره، وقوة إيمانه وصموده في وجه الأعاصير. فسأل سيّد، وقد علت وجهه كآبة: يعني .. كلمتم الرئيس، وانتهى الأمر؟ أجاب خطاب بسرور: نعمْ والحمد لله.

стр. 25

قال سيّد في حزن: سامحكم الله .. لو أنكم شاورتموني. قال خطاب في دهشة: وهل كان سيكون لك رأي آخر؟ قال سيّد: نعمْ .. لو شاورتموني لرفضت الوساطة، ولما خرجت بهذه الصورة. قال خطّاب في حزن وسهوم: ولكنها كريمة .. إخراج كريم .. الرسول القائد ﷺ قال معلّقاً على إباء يوسف الخروج من السجن حتى يسأل الملك النسوة اللواتي قطّعن أيديهنّ: رحم الله أخي يوسف. لو خُيّرت - مكانه - لاخترت الخروج على المكث في السجن. قال سيّد: - على أيّ حال .. سبق السيف العذل، وشكر الله لكم مسعاكم النبيل، ونيّتكم الحسنة في الإفراج عن أخيكم، وأطيب تحياتي لكم وللأخ عبد السلام عارف .. الرجل الصالح. " وخرج سيّد من السجن، وقدّم لي وللمشير عارف كتبه كلّها مجلّدة تجليداً فاخراً، وكتب على الظلال إهداء لطيفاً لكلٍّ منا ". ثم اصطحبني اللواء خطّاب إلى مكتبته العامرة، وأراني كتب الشهيد العظيم، وقرأت إهداءه بخط يده على المجلد الأول من الظلال، واللواء خطّاب يدندن بهذين البيتين في تأثّر ثائر: ذلك المؤمن المجاهد يغشى ... غمرة الحرب، والرَّدَى يخشاه تحت ظلِّ السيوف ماضٍ قويٌّ ... درْعُه: لا إله إلا الله ثم التفت إليّ، وقد أخذ الحزن مأخذه في وجهي وعينيّ، وقال في حزن:

стр. 26

وهوِّن عليك، فإن الأمور ... بكفّ الإله مقاديرها فليس يؤاتيك مَنْهيُّها ... ولا قاصرٌ عنك مأمورها ب - مع المودودي: وتابع اللواء خطاب حديثه، فقال: في العام نفسه: (١٩٦٤ م) زرت باكستان بصحبة الأخ المشير عبد السلام عارف، وهناك حدثته عن اعتقال الأستاذ أبي الأعلى المودودي، فأبدى امتعاضه وأسفه لتصرف الحكام مع قادة الفكر الإسلامي، وقال: - سوف أكلّم أيوب خان - رئيس الجمهورية - بشأنه. قال خطّاب: - وتذكّرتُ عتاب الأستاذ سيد قطب، لأننا لم نشاوره قبل التوسّط لدى عبد الناصر للإفراج عنه، فقلت للأخ المشير: - لا تكلّمه - أيوب خان - قبل أن أزور الأستاذ في سجنه، وأرى رأيه في ذلك. وعندما التقينا الجنرال أيوب خان، استأذنتُه في زيارة الأستاذ المودودي، فأذن بذلك وقال: - الأستاذ المودودي عالم كبير، وإنسان مفكّر عاقل، ولكنه يكرهني .. لماذا؟ لا أدري. فأنا هنا الرئيس - يا سيادة الرئيس - وكلما أصدرت قانوناً، أو اتخذت قراراً، أو رسمت مرسوماً، بادر الأستاذ المودودي إلى تفنيده، والتنديد به. ثم التفتَ إليَّ وقال:

стр. 27

- زره - يا حضرة الأخ خطاب - وافهمْ منه ماذا يريد، حتى نتفاهم ونتعاون. قلت لأيوب خان: - يريد الإسلام حاكماً لباكستان، فباكستان ما انفصلت عن الهند إلا من أجل الإسلام، وأن يحكم الإسلام، ويكون الدستور الباكستانيّ إسلامياً. قال أيوب خان: - ونحن معه، ولكنه يتعجل الأمور .. يحرّض على الانقلاب عليّ ... وزرت الأستاذ المودودي في سجنه، ففرح بلقائي، واختلطت مشاعر الفرح والحزن بلقائه .. فرحت بلقاء هذا العالم المجاهد العظيم، وحزنت أن يكون فى السجن، وليس فى قمة السلطة، يخطّط لباكستان المسلمة وينظِّر. وبعد تبادل التحيات، وسؤاله عن أحوالنا، وسؤالي عن أحواله وأحوال جماعته، وأحوال المسلمين في باكستان، قلت له: - المشير عبد السلام عارف يحبّك، ويحترمك، ويقرأ كتبك، ويتأثر بها جداً، وهو يعدّ نفسه من تلاميذك، ويريد أن يخدمك، ويسعى للإفراج عنك. فقاطعني المودودي: - هل كلّم أيوب خان بشأني؟ أجبت: ليس بعد.

стр. 28

فتنفّس الصُّعداء وقال بحرارة يكاد شواظها يلفحني: - الحمد لله. قلت: على ماذا تحمد الله؟ قال: لو توسّط لدى أيوب خان، لرفضت الوساطة، وما خرجت من السجن، فالحمد لله أنكم لم تكلموا ذلك الطاغية بشأني. قلت: ولكنّ الأستاذ سيّد قطب قبل وساطة الأخ المشير. قال: أظنكم أحرجتموه فقبل هذه الوساطة الكريمة .. الأستاذ سيّد رجل حيي .. أمّا أنا، فما كنت لأقبلها، حتى لو أحرجتكم .. ثم ودّعته محمَّلاً بدعواته وتحياته للأخ عبد السلام. ٢ - موقفه من اللهجة العاميّة: يتلخص في أن عواقب انتشارها خطيرة، وكلّ الدعوات إليها مريبة، وكلّ الداعين إليها مشبوهون، وكثير منهم ماسونيون يريدون تقسيم الدولة العربية الواحدة إلى دويلات، أو دولة فيها عدة لهجات تقوم مقام اللغات، وفي النهاية، يريدون أن يصبح القرآن الكريم غير مفهوم، ومن يريد فهمه، فليترجمه إلى عاميته، أو أن يتعلم لغة أجنبية، كاللغة العربية، ليفهمه، لأن تلك اللهجات بعيدة عن العربية الفصيحة، أو يفهمونه مترجماً إلى إحدى اللغات (١) .. إنه يحذر من استخدامها ومن الداعين إليها من المستشرقين والمستغربين. ٣ - موقفه من شعر التفعيلة: قَرَنَ اللواء خطاب بين الدعوة إلى استخدام العامية بالدعوة إلى

стр. 29

استخدام الشعر الحر، وقال: " فالشعر الموزون المقفَّى هو من دعائم اللغة العربية، والدعوة إلى الشعر الحرّ أصلها صهيوني من إسرائيل " (١). وعندما أطلعته على مقالي الذي نشرته في مجلة (الآداب) البيروتية عام ١٩٦٩ م - العدد التاسع، وأثبتّ فيه أن الشاعر الإسلامي علي أحمد باكثير- ﵀ هو أول من بدأ هذا النمط من الشعر، قبل السياب ونازك وغيرهما من الشعراء، قرأ المقال بإمعان، ثم قال: " جهد غير مشكور .. ليتك لم تكتب هذا الكلام، وتتعب نفسك، وتبرئ ساحة أعداء العربية الذين يدعون إليه، وتلصق هذه التهمة بالشاعر والأديب الرائع باكثير الذي كتب صدفة أو قدراً مثل ذلك الكلام الذي هو ترجمة لباكثير، وكتبه تحدّياً، وليس ابتداعاً من عندياته ". ٤ - موقفه من اللغة العربية: هي أحسن لغة في العالم، كما أن عقيدتنا أحسن عقيدة (٢). وقد آلى على نفسه أن يكون الذائد عن حياض اللغة العربية ما عاش، ولهذا تراه في كل مناسبة يدعو إلى استخدامها، والتعمق فيها، ويندّد بأولئك الخونة الجهلة الذين يطلقون عليها أوصاف (لغة الكهوف - لغة أهل القبور - اللغة التي لا تستطيع أن تجهر بالعلم) ويجرون استفتاءات عما إذا كانت تستطيع النهوض بالعلوم الحديثة في القرن العشرين (٣). ويرى أنّ اللغة العربية عالمية، متغلغلة في العالم شرقاً وغرباً، وقد

стр. 30

دخلت في كل لغة من لغات العالم، كالروسيّة والإنكليزية والفرنسية والألمانية، ناهيك عن لغات الشعوب الإسلامية، كالتركية والفارسية واللغات الهندية. ٥ - يرفض رفضاً قاطعاً دعوة أعداء العربية إلى كتابتها بالحروف اللاتينية، تحت أيّ ذريعة (١)، من أجل قطع صلة المسلمين بقرآنهم، وهو سندهم القويّ المتين. ٦ - موقفه من الحضارة الغربية: يرى أن الحضارة الغربية مقسومة إلى قسمين. الأول: علميّ، نقبله ونستورده. والثاني: ذو صلة بالمبادئ، وهذا نرفضه ولا نرضى بشيء منه ... إنه من قبيل الاستعمار الفكري والغزو الثقافي، وهو أخطر أنواع الاستعمار الحديث (٢) وهو القائل: " إن هذا العصر الذي نجح في تطوير العلوم التطبيقية، والوصول إلى القمر، أخفق في تطوير معاملات البشر، أفراداً أو أمماً، بعضهم لبعض لذلك، لا يزال البشر بعيدين عن الكمال، لأن حضاراتهم اهتمت بظاهر الإنسان وحياته المادية، بينما اهتمّ الإسلام بباطن الإنسان وظاهره، وبحياته الماديّة والرّوحيّة على حدٍّ سواء " (٣). ٧ - موقفه من أدب الجنس: قال في مقدمة مجموعته القصصية: (عدالة السماء): " صدرت قصص كثيرة في الأعوام الأخيرة، أقبل على قراءتها

стр. 31

الشباب والشابات، لأنها تدور على الجنس، وتشجّع عليه، ممّا أدى إلى إشاعة الفحشاء في كثير من قرائها .. هذه القصص الجنسية الداعرة، قصص المخدع، التي تتبجّح بالخلاعة، وتدعو إلى الميوعة، أضرّت بقرائها أبلغ الضرر، لأنها عملت على إفساد أخلاقهم، وجعلتهم يرون في (الجنس) هدفهم الحيويّ في الحياة .. ولست أشكّ في أنّ الذي يتلوّث جنسياً لا يقوى على تحمُّل أعباء الحرب. ولا يستطيع النهوض بواجباته في القتال .. وبذلك أفاد مؤلفو قصص المخدع إسرائيل من حيث يدرون أو من حيث لا يدرون " (١). وندّد بالأدب الماجن في عدّة مواضع من كتبه، وقال: " إنّ ترك شبابنا يلجؤون إلى الأفكار المستوردة، والتخنّث، والعبث، وتقليد الغرب حتى في (خنافسه) لن يفيد غير أعدائنا المستعمرين والصهاينة، لأن الترف والتخنّث على طرفي نقيض من حبّ التضحية والإقدام. إن أدب المخدع، والصور العارية، والصحف والمجلات الخلاعية، وكتب الجنس والرقص، والأفلام العابثة، والحانات، والعلاقات المشبوهة بين الجنسين بدون حسيب أو رقيب، كلّها معاول هدم للفرد العربيّ أولاً، وللأسرة ثانياً، وللأمّة ثالثاً، وهي لا تفيد غير إسرائيل، لأن من نتائجها: تمييع الشعب وتخنّثه، والشعب المائع المخنّث لا يحارب أبداً " (٢). ثمّ وجه نداءه الحارّ إلى المؤلفين " أن يحرصوا على أخلاق أبنائنا

стр. 32

وبناتنا، وألاّ يكتبوا ما يحطم تلك الأخلاق .. وستلعن الأجيال القادمة كل مؤلف اتخذ العلم (تجارة) فقذف إلى أسواق الكتب مؤلفات أضرّت بالخلق الكريم، وألحقت بالفضيلة أبلغ الأضرار " (١). ٨ - موقفه من يهود والصهاينة: كانت الصهيونية أو اليهودية أعدى أعدائه، ومحور تفكيره وهمومه، وأمَّ أحزانه وآلامه، وشغله الشاغل الذي لا يشغله عنه شاغل آخر، فلا يكاد كتاب من كتبه يخلو من التنديد بها، والتحريض عليها، والتحذير منها، والتبكيت لعملائها، والمتهاونين في مقاومتها .. كان ينعى على الكتاب السائرين في ركابها، كذلك الأديب الكبير الذي منحوه جائزة نوبل لعلاقاته المريبة بالصهيونية ويهود، ويتساءل: لمصلحة مَنْ منحوك هذه الجائزة اليهودية يا أديب كنانة الأزهر؟ وألهب ظهور حكام العرب بالمقال الذي كتبه عن (اللغة الوحيدة التي تفهمها إسرائيل)، وذكر فيه أن القوّة وحدها، ولا شيء غير القوة، هي اللغة الوحيدة التي تفهمها إسرائيل (٢). والجهاد وحده هو الطريق الصحيح لتحرير فلسطين، وسحق إسرائيل. يرى أن إسرائيل دويلة عنصرية، وكل ما بُني على العنصرية إلى زوال، وكل أمّة أو دولة تُبنى على العنصرية إلى زوال وفناء، كما حدث لألمانيا النازية (٣). ويرى أن مركّب النقص لدى يهود، الذي تغلغل في عمق أعماق

стр. 33

نفوسهم وقلوبهم وعقولهم وأعصابهم، نتيجة للذلّ والحرمان والمهانة التي عانوا منها عبر القرون - دفعهم إلى جعل دولتهم عسكرية تؤمن بالقوّة وبالقوة فقط، وربُّوا أطفالهم، وأنشؤوا عناصرهم البشرية على المظاهر العسكرية، ووجّهوهم توجيهاً حربياً ذا أهداف احتلالية، ولقّنوهم ما يعمّق فيهم التعصّب الضيّق جدّاً كالذي يُطبَّق في النُّظُم العسكرية، التي تؤلّه جيوشها. إنهم ينشّئون الأطفال هذه التنشئة العسكرية، مستعينين بجميع الوسائل التي تملكها الدولة، ليطبعوا كل شيء فيها بطابع الغزو والاستعمار (١). وحول محاولات إسرائيل إقامة هيكل سليمان المزعوم قال: يوم ٢١ من آب سنة ٧٠ م أحرق تيتيوس الرّوماني هيكل سليمان. وفي ٢١ من آب سنة ١٩٦٩ م يحرق اليهود المسجد الأقصى. هل يمكن أن يكون هذا صدفة؟ أنا أقول - وهذا ليس تنبُّؤاً، إنما هو حساب محسوب: يوم ٢١ من آب سنة ١٩٧٠ م سيوضع الحجر الأساس لهيكل سليمان، ذلك لأن اليهود يهتمون برقم سبعة، ويعتبرونه رقماً ربّانيّاً، وكل الأعمال الكبيرة يعملونها في السبعة. مثلاً: سنة ١٨٩٧ كان المؤتمر الصهيوني الأول في بازل بسويسرة. سنة ١٩٠٧ م بدء الهجرة اليهودية بطاقات كبيرة. سنة ١٩٣٧ م وضع الحجر الأساس في جيش الهاجاناه. سنة ١٩٤٧ م كان قرار التقسيم.

стр. 34

سنة ١٩٥٧ م كان الإبحار في إيلات. وسنة ١٩٦٧ م كان لهم النصر العظيم في حرب حزيران (١) ٩ - موقفه من المستشرقين: اللواء خطاب عسكريّ يقظ، لا تلتبس عليه الأمور، ولا يستطيع الخبثاء من المستشرقين والمستعمرين التدليس عليه، أو الإيقاع به، في دراساتهم المطليّة بالموضوعية والبحث العلميّ - زعموا - وهي مليئة بالمفتريات والافتيات على كل ما يمتّ إلى العروبة والإسلام بصِلة .. إنها سموم مطلية بحلاوة صناعية .. ولمعرفة خطّاب بهذا، انطلق في اتجاههم .. واجههم .. تصدّى لهم .. وتعقّبهم، وألقمهم أحجاراً تسدّ أفواههم ذات الأنياب الحمر والزرق، وتكسر أقلامهم، في أبحاث علميّة رصينة، قائمة على الأدلّة والبراهين. فمثلاً البطل عقبة بن نافع، كان، وما يزال وسيبقى، المثل الأعلى للقائد الفاتح، والبطل الفذ، والمؤمن الحق، والمجاهد الصادق، لذلك حاول الاستعمار بأذنابه، الانتقاص من قدره قائداً، ليحطم تأثيره العميق في نفوس العرب والمسلمين في شمال إفريقية بخاصة، وفي العالم العربي والإسلاميّ كلّه بعامّة. ردّ خطّاب على أولئك الحاقدين من المستشرقين وأذنابهم المستغربين في كتاب كامل قوامه (٣٢٧) صفحة، كما تعقّبهم وردّ عليهم مزاعمهم في أهداف الفتح الإسلامي، وفي سواها من الموضوعات، وكتبه مليئة بهذه الردود المهمّة.

стр. 35

١٠ - بناء الرجال: يعوِّل خطّاب أكثر ما يعوِّل على أن تكون البدايات التربوية سليمة. فالعناية تبدأ في البيت، والآباء والأمهات أول من يُسأل عن تربية الأطفال قبل ولوجهم رياض الأطفال .. يربّونهم على الفضيلة، ويغرسون في عقولهم عقيدة الإسلام، ومبادئه، وحبّ الخير، والصدق، والأمانة .. ويكون كل من الأبوين قدوة حسنة لأطفالهما، فهي تؤثر فيهم أعمق التأثير، والأطفال المنحرفون، هم نسخ طبق الأصل عن آبائهم المنحرفين، وأمهاتهم المنحرفات. ثم يأتي دور المدرسة، ومناهجها، ومعلّميها .. ويرى الكاتب أن تكون المناهج مستمدَّة من تعاليم الإسلام، وأن يُعَدَّ المعلمون إعداداً سليماً، ثم يأتي دور المسجد، وهنا يؤكد على وجوب إقامة المساجد في كل مدرسة ومعهد وكلية، وحث التلاميذ والطلاب على أداء فريضة الصلاة فيها جماعة ودعا إلى تنظيم رحلات جماعية لهم لأداء العمرة وفريضة الحج، فهي توجّههم إلى الخير والنور، وقد حجَّ خطّاب وهو تلميذ في الصف الثالث الإعدادي، وكان أثر ذلك في نفسه وحياته ورسم مستقبله عظيماً. ودعا إلى مراقبة تصرفات التلاميذ والطلاب والمعلمين، ووضع حدّ للانحراف والمنحرفين بحزم وقوّة قبل أن يستفحل الداء، ويصعب أو يعزّ الدواء. ١١ - شروط النَّهضة: يحدّد اللواء خطاب الشروط الواجب تحقّقها في العلماء، من أجل النهوض بالأمة العربية والإسلاميّة فيراها في: " سعة الأفق العلمي التي

стр. 36

تمكّن من فهم العصر وما يعتوره من مشكلات، وما تتطلبه من حلول في ضوء الإسلام. ثم في الإخلاص لله، بحيث لا يخاف - العالم - في الحقّ لومة لائم. والثالث: الحفاظ على كرامة العلم، فلا يمتهنها بالحاجة لغير الله. يقول: " إن المسلمين اليوم في حاجة ماسّة إلى قادة كخالد والمثنّى و ... إلا أنّ حاجتهم إلى العلماء العاملين أمسُّ وأشدّ. " هناك أزمة ثقة بين الشيوخ والشباب، ومردّ هذه الأزمة إلى فقدان عنصر القدوة الصالحة في معظم الذين يُعدّون في الشيوخ، ويظنون أنّ كلّ ما عليهم، هو أن يحسنوا عرض الموعظة السطحية، ولو كان سلوكهم الشخصي أبعد ما يكون عما يدعون إليه " (١). ١٢ - مع الزعماء: قال اللواء خطاب: " لقد رأيت قبل اليوم - ولا أقول: زرت - كثيراً من الملوك والرؤساء والأمراء والوزراء والقادة والزعماء، وكثيراً من ذوي الجاه والسلطان، في نطاق البلاد العربية والدول الإسلامية وغير الإسلامية أيضاً، فكان شعوري عند رؤيتهم متفاوتاً بين الاحترام، والسخرية، والرثاء: احتراماً للذين يعملون من أجل المصلحة العامة حقاً، بكفاية وإخلاص، منكرين أنفسهم، ناسين مصالحهم الشخصية. وما أقلَّهم!. وسخرية من الذين لا يعرفون واقعهم وأقدار أنفسهم، فيتخيّلون لأنفسهم عظمة لا وجود لها، وإنجازات لا حقيقة لها، ويصدّقون مَنْ

стр. 37

حولهم من الإمّعات والتافهين والوصوليّين والهتّافين وأشباه الرجال، في ادّعاءاتهم الباطلة؛ عبقرية ونبوغاً. ورثاء للذين يشغلون مناصب أكبر من قابلياتهم .. فهم أقزام يطمعون أن يصبحوا عمالقة، فأرشدتهم حاشية السوء إلى أنّ السبيل إلى ذلك، هو أن يحطّموا العمالقة، ليخلو لهم الجوّ، فلا استطاعوا أن يحطّموا العمالقة، ولا استطاعوا أن يصبحوا عمالقة، وبقوا أقزاماً لا يستحقون إلا الرثاء .. ولكنني لم أشعر مطلقاً بأيّ نوع من أنواع الاضطراب عند رؤيتهم جميعاً، ولم أخش منهم أحداً، فليس لديّ ما أخافهم عليه، وليس لديهم ما أطمع فيه، وما عند الناس لا يبقى، وما عند الله خير وأبقى. ولو أن الإنسان أخرج من نفسه كلمة واحدة، هي الطمع، بما فيها من معان، لانكشف عنه الغطاء، ولنظر إلى ملكوت السماوات والأرض " (١). إنه شموخ المسلم المعتز بإيمانه وإسلامه وكرامته .. وأين هذه المعاني من الكتاب والمثقفين والعلماء والزعماء الذين لا يعرفون غير العبودية للمتألهين في الأرض من الطواغيت!. ١٣ - موقفه من الوحدة العربية: اللواء خطاب وحدوي حتى العظم، والوحدة جزء من عقيدته كسائر المسلمين. يقول: " والوحدة قدر، والقدر أقوى من البشر. بها يكون العرب كل شيء، وبدونها يكون العرب لا شيء. وهي سلاحٌ يقضي على إسرائيل، والتفرقة سلاحٌ يقضي على العرب. وإذا كانت الوحدة ضرورية أبداً، فإنها

стр. 38

أصبحت أكثر من ضرورية بعد خلق إسرائيل .. إنها قضيّة مصير .. إنها قضيّة حياة أو موت. والذين يقاومون الوحدة نكاية بأشخاص معيّنين، مخطئون، كالذين يريدون الوحدة من أجل أشخاص معيّنين .. إن الوحدة إلى بقاء، والأشخاص إلى فناء. فيجب أن نعمل للوحدة من أجل الوحدة، ومن أجل عزة العرب ومجدهم، ومن أجل القضاء على إسرائيل " (١). وضرب لنا مثلاً بإخوان سورية الذين وقفوا ضدّ انفصال سورية عن مصر، على الرغم ممّا ذاقوه هم وإخوانهم في مصر على يد جمال عبد الناصر ونظامه المفْرط في الديكتاتورية والقسوة والاستبداد. ١٤ - الإسلام هو الحل: الإسلام هو الحل لسائر قضايا الأمة؛ السياسية والاقتصادية والعسكرية، والاجتماعية، وبغير الإسلام تتفاقم المشكلات، وتتردَّى الأمّة، ويطمع بها أعداؤها، فنحن أمّة أعزنا الله بالإسلام، فإذا طلبنا العزة بغيره، أذلّنا الله. ١٥ - موقفه من الأرقام: يصرّ على أن الأرقام التي نستخدمها في المشرق هي الأرقام العربية، ويرفض الأرقام التي يستخدمها إخواننا في المغرب العربي، ويعدّها أجنبية، أو .. عربية بالاسم لا بالواقع، ويقول: كل الكتب التراثية التي وصلت إلينا مرقمة بأرقامنا نحن المشارقة، ولم أرَ كتاباً عربياً واحداً مرقَّماً بالأرقام المستخدمة في المغرب. ولذا كان يستنكر على المغاربة والمشارقة كتابة الأرقام بالحرف

стр. 39

اللاتيني أو الأجنبي كما يقول، ويدعوهم إلى كتابتها كما نكتبها نحن في المشرق العربي. ١٦ - كتابة القرآن بالإملاء الحديث: لا يجيز كتابة القرآن الكريم بالإملاء الحديث في مصحف يُتلى، ويناقش في هذا ويثور ويغضب على من يدعو إلى إعادة كتابته كما نكتب الآن. مع إقراره بأن الرسم العثماني للمصحف ليس توقيفياً، كان يستثنيني لأني أدعو إلى كتابة المصحف حسب الإملاء الحديث، حتى يتمكن المثقفون ناهيك عن المتعلمين وأنصاف المتعلمين من قراءته سليمة صحيحة. ١٧ - يقول بالاتباع، ويصرّ عليه، ويرفض الابتداع في الدين ، ويهاجم المبتدعين بشدّة، لأن الاتباع مضمون، والابتداع غير مأمون. ١٨ - يرى أن العلم يحتاج إلى تفرّغ كامل ، فإذا لم تعط العلم كلَّك، لم يعطك بعضه. ولهذا قرّر التفرّغ للعلم، ولولا تفرُّغه للعلم - كما يقول - لما استطاع أن يصنع شيئاً يُذْكَر. ***

стр. 40

المناضل المجاهد كان اللواء خطاب مجاهداً مناضلاً في سائر أطوار حياته المستقيمة، منذ كان تلميذاً صغيراً يشارك في المظاهرات الطلابية ضدّ الاستعمار البريطاني، وبعد أن شبّ وصار طالباً ضابطاً، ثم ضابطاً في سلاح الفرسان، ثم ضابطاً كبيراً يخشاه الطواغيت، فيحاولون إبعاده عن مواطن التأثير والاحتكاك بالشعب حيناً، أو يسجنونه حيناً آخر، ويشتدون في تعذيبه، لعله يرتدع ويسايرهم أو يسكت عن ظلمهم وطغيانهم وخيانتهم لشعبهم وأمّتهم ... ولكن .. هيهات. فالذي لا يأتي بالترغيب، ولا يكترث بالذهب والمناصب، يرهبه التعذيب، ويردّ إليه عقله المشغول بمصلحة الوطن أرضاً وشعباً، وقلبه المسكون بدين الله والوطن والقيم العربية والإسلامية، حتى بلغ الأمر بالطاغية عبد الكريم قاسم وزبانيته أن يكسروا له (٤٣) عظماً تحت التعذيب الوحشي، ولا يخرجوه من سجنه إلا بعد أن ظنّ هو وجلاوزته جلادُو الشعب، أن خطاباً قد انتهى، ولا يريدون أن يجعلوا منه شهيداً، فأخرجوه من السجن ليموت في بيته، كما يموت الناس العاديون، لا كما يموت الفرسان المجاهدون، ولكن .. أبى الله ذلك، وعاش خطّاب، واندثروا هم كالجيف، الأحياء منهم والأموات: لا يذكرهم الناس إلا باللعنات، وهم يتوارون خوفاً وخجلاً من الناس. فاللواء خطاب مناضل، له عينان ذكيتان، رأتا " أن الضباط الذين
следующие страницы →