← Тараджим

Тараджим · id 11524

اللواء الركن محمود شيت خطاب

عبد الله محمود الطنطاوي

Полный текст (160 стр.). Показаны 141–160 · переход к 146.

стр. 141

والسياسيّ، والمعنويّ في الحرب الحديثة، ومدى التغلغل اليهوديّ الاقتصادي في بلاد العرب والمسلمين، كما في أرتيرية عن طريق الحبشة. إنه مفكر استراتيجي وكفى .. قال عنه الكاتب اليهودي صاحب كتاب (الحرب بين العرب وإسرائيل): " إنه أكبر عقليّة استراتيجية في العرب، ولكنّه كالنبيّ في الصحراء، لا يجد من يستفيد منه " (١). ...

стр. 142

الإسلام والنصر هذا الكتاب هو مجموعة من الدراسات نشرها كاتبها في المجلات العربية، في أوقات متباعدة، ثم جمعها في هذا الكتاب الذي طبع لأول مرة عام ١٩٧٢ م ثم تتالت طبعاته غير الشرعية، وجاء في (٢٤٧) صفحة من القطع الكبير. البحث الأول كان عن (المعنويات) وأهميتها، واستشهد على ذلك بأقوال عدد من القادة، في القديم (خالد بن الوليد ﵁ وأرضاه) وفي الحديث، مثل نابليون الذي جعل (قيمة المعنويات بالنسبة إلى القوى المادية، تساوي ثلاثة على واحد) أي أن الجيش تكون قيمته (٧٥%) في الناحية المعنوية، و (٢٥%) في الناحية المادية. ثم عرّف المعنويات، ورأى أن عوامل رفعها هي: ١ - الدين .. أهمّ تلك العوامل .. فقد غرس الإسلام في أبنائه عقيدة الإيمان بالقضاء والقدر، وأن النفس لن تموت إلا بأجلها، في ساحة الوغى أو على الفراش. وأمر الإسلام بالشجاعة والثبات والإقدام، وبالطاعة والصبر، هذا على مستوى الأفراد، وعلى مستوى الجماعة، أمر بالوحدة، وحثّ على الاستعداد، وأمر بالجهاد بالأموال والأنفس، ووعد المسلمين بالنصر .. ٢ - القيادة المتميزة التي تكون قدوة لرجالها بأعمالها، لا بأقوالها.

стр. 143

٣ - النصر في ميادين القتال .. وللنصر تكاليفه، وأولها التخطيط له، والعمل الدائب لوضع ذلك التخطيط موضع التنفيذ، ليكون الإعداد كاملاً سليماً. وتحدّث عن (أثر الإسلام في إحراز النصر)، وفصَّل هنا ما أجمله في البحث السابق، وضرب الأمثال من الرسول القائد ﷺ ، ومن جنوده الأوفياء، الذين حققوا انتصارات مذهلة، مع قلة عددهم، وكثرة أعدائهم، وكان ذلك بفعل الإسلام الذي ربّى فيهم ملكة الجندية من طاعة، وصبر، وضبط، وشجاعة، وثبات، ويقظة وحذر .. وفي (الإسلام والحرب النفسيّة) فصّل ما أجمله في البحث السابق عن الحرب النفسيّة، فعرّفها، وبيّن معناها، وإيغالها في التاريخ، والحلول الجذرية البسيطة التي يعالج بها الإسلام آفاتها المتمثلة في التخويف من الموت والفقر، وبثّ اليأس والقنوط في النفس، وأن المسلم الحقّ لا تؤثر فيه أراجيفها. ثمّ تساءل: هل العرب والمسلمون اليوم، مؤمنون حقاً، حتى لا تؤثر فيهم خزعبلاتها؟ وقرّر: " لا بدّ من إعادة النظر في (بناء الرجال) ليكونوا دعامة الحاضر، وسند المستقبل، ولتكون الأمة الإسلامية خير أمة أخرجت للناس ". وتحدّث عن (التربية المثالية)، وقد فصّل نظريّته التربويّة التي أجملها في البحث السابق، وركز على القدوة العملية في البيت والمدرسة، وعلى أن الإسلام هو منهج الحياة، وطريق العمل الصالح، والأخلاق السامية .. وقد أولى التربية البيتية أهمية كبيرة، فهي الأساس. والخلاصة: " إن التربية الإسلامية تُعِدُّ المسلم ليكون عنصراً مفيداً

стр. 144

في الأمة الإسلامية من الناحيتين: العسكرية والمدنية ". وتحدّث في بحثه (مونتكومري والتربية المثالية) عن النظرية التربوية لدى هذا القائد العسكري في كتابه (السبيل إلى القيادة) فقد وقف عند باب (قيادة الشبيبة) ملخصاً أبرز آرائه التربوية، وأفكاره في تربية الشباب: ١ - هو غير راض عن شباب اليوم، لضعف أخلاقهم. ٢ - يجب العناية بتربية الطفل منذ السادسة من العمر، وفي البيت خاصة. ٣ - يؤكد أهمية التعاليم الدينية في بناء شخصية الطفل، لأنها تغرس في نفسه المثل العليا. ٤ - يلحّ على القدوة العملية في البيت والمدرسة. ٥ - ينصح الشباب: برزانة الفكر، وبالطاعة التي تعني قبول قانون الواجب قانوناً للحياة، وبالجدّ والمثابرة وكسب الوقت، وأخيراً يقول لهم: " لقد تعلمت في حياتي الخاصة، أن صفات ثلاثاً ضرورية للنجاح: العمل الشاق، والاستقامة المطلقة، والشجاعة الأدبيّة، وهي تعني: عدم خوف الإنسان من قول ما يعتقده صواباً، والثبات على هذا الاعتقاد ". وقرّر في بحث (الأخلاق المحاربة) أن الملوّث جنسيّاً، أو الملوّث جيبياً، لا يمكن أن يقاتل في الحرب كما يقاتل الرجال. ولذلك عندما جاء الجنرال غورو لاحتلال لبنان عام ١٩١٨ م جاء بجيشٍ لجبٍ معه من البغايا حمولة سفينة. فقيل له: واجب الجيش المقاتل مفهوم، فما فائدة الجيش الآخر من المومسات؟ فأجاب: إن أثر هذا الجيش أعظم من الجيش المقاتل ". وصدق غورو، وكان صريحاً في جوابه .. لقد عمل المستعمر في أيامه على إشاعة الفاحشة والتهتك في كل

стр. 145

بلد حلَّ فيه، ونجح في مهمته أعظم النجاح ". ووجد الكاتب تلازماً (بين التديُّن والقيادة) الحقيقية الفاعلة فيما حولها، وضرب على ذلك الأمثال في الفتح الإسلامي العظيم، وفي معركة حطين، ومعركة عين جالوت، وكان انتصار المسلمين في حطين بفضل قيادة البطل صلاح الدين الذي كانت العقيدة الإسلامية تملأ نفسه ومشاعره، وليس شيء آخر غيرها من أعراض الدنيا، حتى إنه لما توفي لم يخلّف مالاً ولا عقاراً، ولم يجدوا في خزائنه شيئاً من الذهب والفضة سوى دينار واحد وسبعة وأربعين درهماً. وكان صلاح الدين الأيوبي يحمل - في أيام جهاده - صناديق مقفلة، كان يحرص عليها حرصاً عظيماً، فلمّا مات فتحوها، فوجدوا فيها: وصيّته، وكفنه الذي اشتراه من كدّه، وكميّة من التراب. وجاء في وصيته: " أُكفَّن بهذا الكفن الذي تعطّر بماء زمزم، وزار الكعبة المشرَّفة، وقبر النبيّ ﷺ . وهذا التراب هو من مخلّفات أيام الجهاد، يُصنع منه طابوق يوضع تحت رأسي في قبري ". وصنعوا من ذلك التراب اثنتي عشرة طابوقة كبيرة تستقرُّ اليوم تحت رأس صلاح الدين في قبره، وسوف يلقى بها الله يوم القيامة. وكان انتصار المسلمين في (عين جالوت) على التتار، عجباً من عجب، فقد كان التفاوت بين جيوش التتار الجرارة، وبين جيش المسلمين البسيط الذي يقوده قطز ومن معه من الأبطال المؤمنين، كبيراً وكبيراً جداً، ومع ذلك " كان النصر المؤزَّر خلافاً لكل مبادئ الحرب، وبعد هذه المعركة لم يفلح التتار أبداً، فقد تكبّدوا خسائر هائلة بالأرواح والأموال، فولَّوا مدبرين، وطمع فيهم الناس، وصاروا يتخطفونهم. وقارن المؤلف بين جيش قطز، وجيش العباسيين الذي سحقه التتار

стр. 146

في بغداد سنة ٦٥٦ هـ فوجد الفروق هائلة أيضاً، غير أن قادة جيش العباسيين كانوا مشغولين عن الحرب ومتطلباتها، بجمع الأموال، والتطاول في البنيان، وحبّ الشهوات، فدبّ بينهم الفساد، وهانت نفوسهم عليهم، كما هانت عليهم كرامة الناس وأعراضهم .. كانوا لا يتسنّمون المناصب الرفيعة لكفايتهم العسكرية، ومزاياهم الإنسانية السامية، ولتجربتهم الطويلة في معاناة الحروب، وإنما لأنهم من (شلّة) أصحاب السلطة، فباؤوا بالخذلان. بينما كان جيش قطز خرج مهاجراً إلى الله ورسوله ﷺ ، ليست له غاية سوى إدراك رضا الله تعالى، والجهاد بالأموال والأنفس لإعلاء كلمته، فانتصر على التتار، وهذا يؤكد أهمية العقيدة في إحراز النصر. وقد أكد الكاتب هذه المعاني في بحثه التالي (التدين من مزايا القائد المنتصر) فركز على العقيدة كمزية من مزايا القائد المنتصر في تاريخنا أولاً، وفي المصادر الأجنبية ثانياً .. وعاد واستشهد بما كتبه مونتكمري عن علاقة الدين بالقيادة. وفي بحث (شجاعة النبيّ ﷺ ) ذكر أهمية السيرة النبويّة بما تقدّمُ من النماذج الرائعة الفذّة عن شجاعة الرسول القائد في أيام السلم وأيام الحرب معاً، وذكر بعضها في (بدر)، و (أحد)، و (الخندق)، و (حنين)، وقال: إن الرسول القائد ﷺ كان يقود رجاله من (الأمام) يقول لهم: " اتبعوني اتبعوني "، ولم يكن يقودهم من (الخلف)، ويقول لهم: " تقدّموا .. تقدّموا " ثم يأوي إلى مقر آمن مريح، كما فعل ويفعل القادة المخذولون. ثم قدّم درساً في بناء الرجال، استخلصه من سيرة الرسول القائد ﷺ الذي كان يبني الرجال ولا يحطّمهم، ويقوّم المعوجّ ولا يكسره، ويضع الرجل المناسب في المكان المناسب، ويوظّف إمكانات كلٍّ منهم

стр. 147

الرجل المناسب في المكان المناسب، ويوظّف إمكانات كل منهم فيما يخدم المعركة، فيستفيد من القائد العسكري، كما يستفيد من التاجر الغني، والشاعر المجيد، يحترمهم، ويعرف كلاًّ منهم حقَّ المعرفة، فيثني على المزايا الحسنة، ويتغاضى عن المثالب والسلبيات، ولا يبرزها أمام الآخرين. وكان الدرس المستخلص: " يجب ألاّ نبرز المثالب، ونغضّ الطرف عن المناقب. يجب الاّ نخلق المثالب للناس خلقاً، ونغمط المناقب غمطاً. يجب أن نبني الرجال ولا نحطّم الرجال. إن الذين يعملون على تحطيم الرجال يخدمون إسرائيل وأعداء العرب والمسلمين في كل مكان ". وتحدّث عن الفوائد العسكرية للصوم، مثل الإيمان العميق، والتدريب العنيف على الحرمان من الطعام والشراب وسواهما، مما يعلّم الصبر، وصدق العزيمة، والتضحية، فالصوم يوجّه المسلم إلى ما يجب أن يعمل، لا إلى ما يحبّ أن يعمل. وأعاد في بحثه (عامل الوقت مع العرب على إسرائيل) ما سبق أن ذكره في كتابيه (الأيام الحاسمة)، و (طريق النصر في معركة الثأر)، وذكر الأمثال على واقعية هذه النظرة المستقبلية، وهو متفائل بأن النصر سيكون للمسلمين على إسرائيل، إذا وعوا ما يقول لهم، وأحسنوا التصرف. وكذلك الأمر في بحثه (الوحدة العسكرية في التاريخ العربي والإسلامي)، وفي (التطبيق العملي للجهاد) فقد ركز على المعنويات، ثم على المال، ثم في إخراج الجهاد من نطاق الفتاوى، إلى نطاق العمل الإيجابي البنّاء.

стр. 148

وكانت الخاتمة، في توجيه الذين يكتبون في الدين، فهم يختلفون عن سائر الكاتبين الآخرين، فشتان بين الأدباء الدِّينيين، وبين الأدباء المتدينين .. فالهدف الحيوي للكاتبين في الدين، هو غرس الإيمان العميق في النفوس والعقول معاً، لا المتاجرة بالدين، والتظاهر به، والارتزاق منه. نصحهم بالأسلوب السلس، وبالدخول في الموضوع مباشرة، وبعدم التطويل، وباختيار الموضوعات المناسبة، والبعد عن الارتزاق فيما يكتبون ... هذا الكتاب من الكتب المهمة في صراعنا السياسي، والعسكري، والفكري مع إسرائيل ومع من وراءها، وهو حامل التوجيهات السديدة، والمعلومات الأكيدة، والنظرات البعيدة .. فيه حماسة الشباب، وحكمة الشيوخ، وحنكة الخبراء المجربين. ***

стр. 149

الأدلة الرسمية في التعابي الحربية هذا الكتاب من تأليف محمد بن مَنْكَلِي (٧٨٤ هـ - ١٣٨٢ م) حقّقه اللواء خطّاب، وكتب له مقدّمة ضافية تصلح أن تكون كتاباً، فقد جاءت في (١٣٤) صفحة، منها (٦٤) صفحة هي عبارة عن بحث عام ومركَّز حول التُّراث العسكريّ العربيّ الإسلاميّ الذي يدلّ ما بقي منه على أن العرب والمسلمين بلغوا شأواً بعيداً في العلوم العسكرية، وكان لهم فيها باع طويل، كما هو شأنهم في سائر العلوم والآداب والفنون، في تراثهم العريق الأصيل، ولا تقلّ أهميةً عنها، والتطبيق العمليّ لذلك التراث، صان حضارتهم، وحماها من الغزو الخارجي، ووضعها في المحلّ اللائق بها، قائدةً للحضارة العالمية ردحاً طويلاً من الزمن، كما هو معروف عربياً وإسلامياً وعالمياً .. وما وصل إلينا من ذلك التراث، يدلّ على سعة اطلاعهم، ومهارتهم في سائر العلوم، عملياً ونظرياً. وهذه العلوم العسكرية التراثية تستطيع أن تجيب المتسائلين عن الكيفية التي مكّنت العرب والمسلمين من بلوغ ما بلغوا في إعداد قوّاتهم العسكرية للحرب، دقةً وإتقاناً، وكفاية، وتكاملاً، وكيف تمكّنوا من الانتصار على أعدائهم في ميادين القتال؟ إنها تجيبهم بأن أسباب النصر تمثّلت في العقيدة الراسخة، والطبع الموهوب، والتجارب العملية، والعلم المكتسب.

стр. 150

وتحدّث المحقق في مقدمته عن جدوى تحقيق التراث العسكري الإسلامي بعد أن تجاوز الزمن تلك الأسلحة التراثية، ورآه ضرورياً، لأنه يلقي الضوء على الأسلحة التي استخدمها الأجداد في حروبهم، وأساليبهم القتالية، وتشكيلاتهم في مجابهة الأعداء .. إنه يفيد مؤرخي الحروب خاصة، والمؤرخين عامة، ويبني الدراسات العسكرية التاريخية على اليقين لا التخمين، وعلى الواقع لا الظن .. ولكن .. لا بدّ من وضع خطة مسبقة واعية للتحقيق، ليثمر الجهد، ولا يضيع الوقت. ثم تحدث عن أنواع كتب التراث العسكري عندنا، فأحصى منها عشرين نوعاً، منها: كتب الأسلحة القديمة، وكتب الأسلحة، ورسم لها الرسوم الموضّحة، ومنها كتب الرمي، وكتب الفروسية، وألعابها، وكتب تدريب الخيول، وكتب الحِيَل، وكتب في تدبير الحروب، وفي القصف (أي رمي النار والنفط والزرّاقات). وكتب في الدبابات والمنجنيقات، وكتب في الجوارح واللعب في الصيد والقنص، وكتب في إرشادات المجاهدين، وهي تبحث في أهمية فريضة الجهاد، والآيات والأحاديث الواردة في الحثّ على الجهاد، ومنزلة المجاهدين، والشهادة والشهداء، وحياتهم المستمرة، ومنزلتهم في الجنة، وإرشاد المجاهدين من مغادرة منازلهم، إلى وصولهم إلى ميادين القتال، والتشكيلات القتالية .. وهناك كتب في الإرشادات العملية للمقاتلين، وكتب في التجنيد والجنود، والكتب الشاملة لأهمّ الأمور العسكرية، وكتب الأسطول والبحرية، تدريباً وتسليحاً وتنظيماً وأساليب قتال، وأنواع السفن، وصناعتها، والمكايد والحيل البحرية، وأساليب إحباط الخطط التعبوية للعدو، وكتب السِّيَر، والتّفسير، والحديث، والفقه، أو ما نسمّيه اليوم:

стр. 151

العلاقات الدّولية في الإسلام، أو القانون الدولي في الحرب والسلام والحياد .. وكان الكاتب يستشهد على كل نوع بأهمّ الكتب المندرجة فيه. معرّفاً بها حيناً، وملخّصاً لأهمِّ ما ورد فيها حيناً آخر، مما يدلّ على اطلاع واسع لديه .. ثم جمع الأنواع العشرين في خمسة أقسام هي: ١ - كتب الأسلحة الخفيفة، والثقيلة، والتدريب عليها. ٢ - كتب الخيل والتدريب عليها، وتدريبها، وعلاجها، وألعاب الفروسيّة والصيد والقنص. ٣ - كتب السَّوْق، والتعبية، والتجنيد، وتجارب الجنود. ٤ - كتب الجهاد (نظرياً وعملياً). ٥ - كتب اللغة العسكرية. واعتباراً من الصفحة (٦٥)، وحتى الصفحة (٨٥) بدأ يعرّف بالكتاب المحقَّق، وعدّه من النوع الشامل وقال: " بدأ المؤلف بتقديم كتابه بمقدّمة، تعرّض فيها إلى أهمية التعابي الحربيّة، وإعراض الناس عنها، لانصرافهم إلى اللهو وإلى متاع الدنيا، ثم تحدّث عن السبب الداعي لتأليفه، ثم ذكر الخطوط العريضة التي ينبغي لأمراء الجيوش الاهتمام بها، لضمان النصر. بدأ كتابه في أهمية التقوى، وأنها أول العوامل التي تقود إلى النصر، لأن النصر من عند الله تعالى. ثم عن مزايا المقاتل، كأن يعرف رئيسُ الجند خواصَّ رجاله بالتفصيل، ليضع الرجل المناسب، في العمل المناسب، وحتى يقودهم على هدى وبينة. كما تحدّث عن (عيوب المقاتل)، وعدّد أبرزها وأشدَّها ضرراً على الضبط والنظام اللذين - بدونهما - لا يبقى الجيش جيشاً، بل يصير عصابات متناحرة.

стр. 152

وتحدّث المؤلف عن المشورة في الحرب، وأهميّتها شرعاً وعقلاً، وحثّ فيه على الاستعانة بذوي الرأي السّديد، وعدم الاستعانة بمشرك، وبنى هذا الرأي على تجاربه في الحياة، فقد شهد من استُعين به، فخان من استشاره، فلا بدّ من حسن اختيار المستشارين. وهنا عدّد صفات المستشارين فأجاد وأبدع وتميّز على غيره من الكتّاب العرب والأجانب في هذا المضمار. وفي الفصل السادس قدّم (وصية لأمراء الجيوش في السفر)، وفصَّل في كيفية سياسة الجيش، وتدبير الحرب، وما يتعلق بذلك من أحكام. وكان الفصل السابع في (المصابرة في القتال)، وتعاليم الشرع في الغنائم وغيرها، وفي الحرب والسلام والهدنة، ومعاملة المحاربين وغيرهم. وقدّم (وصيّة مختصرة تختصّ بالأجناد) ذكر فيها - بعد تقوى الله - اتخاذ الفرس الجيد، وتأديبه ليكون الفرس صالحاً للقتال، واستعمال التجهيزات المناسبة للفرس، كما يوصي الجندي بالتدريب المستمر على القتال، والابتعاد عن القنوط والتكبّر والإعجاب بالنفس، والاشتغال بما ينفع، وتعلّم العلوم الحربية، وعدم ازدراء أحد من المسلمين. وفي (التعابي المنصورة) ألواح مصوّرة لتشكيلات القتال، مع وصايا وإرشادات مهمة تفيد المقاتلين، جنوداً وضباطاً. وفي فصل (أشكال التعابي) ألواح مصورة بالتخطيط لتشكيلات القتال، يطبّقها المشاة والخيالة. وفي فصل (ذكر طبائع الأمم واختلاف أحوالهم في الحرب) معان

стр. 153

قيّمة، كأنّ ابن منكلي كاتب معاصر يصف طبائع الأمم في الوقت الحاضر. وكان الفصل العشرون بعنوان: (أحوال تخصّ المقدَّمة)، وهو في صفات الضباط والآمرين والقادة، وهي: أن يكون الواحد منهم قدوة حسنة لرجاله، قادراً على خداع عدوّه، يحترم الكبير ويعطف على الصغير، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، عالماً في علوم مهنته العسكرية، كريماً، حسن الخلق، متوسّط الانبساط، يعلّم رجاله - في المسير - ما يفيدهم، ويتفقد خيولهم، ويسير بهم برفق، ويغضّ الطرف عن عوراتهم، ويكون ذا حياء وعفّة، وذا ناموس يناسب رتبته، ولا يقف في المواقف المشبوهة، ويقف في سوق الخيل، وسوق السلاح، وسوق الكتب، وله أوراد للتلاوة والذكر والصلاة وغير ذلك من القُرُبات، ويتعلم كلّ العلوم المباحة، ويكون بيته كملعب للرياضة العنيفة، وأن يداوم على التدريب وعلى الرمي .. ثم يضيف: "إن المقدَّم يجب أن يموت عزيزاً، ولا ينهزم ذليلاً "، وهذه الصفات لا أجد لها مثيلاً حتى في صفات الضباط في الوقت الحاضر، ليس على النطاق العربي والإسلامي وحسب، بل على النطاق العالمي أيضاً .. فما انتصر جيش بعَدَده وعُدَده، بل بما يختزن من مُثُل عليا. والفصل الأخيرُ كان بعنوان: (نكت في قتال البحر)، وفيه نصائح وإرشادات عملية في القتال البحري، وهي قابلة للتطبيق في كل زمان ومكان. وفي الصفحة (٨٦) تحدّث اللواء خطاب عن المؤلف محمد منكلي الذي كان يشغل منصب نقيب الجيش في عهد السلطان الأشرف شعبان، أحد سلاطين دولة المماليك في مصر، ويبدو أنه عسكري مجرِّب، له

стр. 154

خبرة جيدة في أساليب القتال، ومعرفة بما ينبغي للجندي أن يتجنّبه من مثالب وسلبيات لا تليق به ولا تناسبه، وعدّد أربعة عشر كتاباً من تأليف ابن منكلي، والكتب المحققة منها، والكتب الضائعة، ثم تحدث عن عصره، وعن دولة المماليك الأولى في مصر، وسلاطينهم الأربعة والعشرين، في إيجاز وتكثيف ووضوح، وخلص إلى أن نقد ابن منكلي بنّاء وليس هدّاماً، يشيّد ولا يحطّم، يرتق الثغرات، ويغطّي العورات، وقد ألّف كتابه هذا لسببين: الأول: أن يُعرف أن في المعسكر الإسلامي من له اهتمام في العلوم العسكرية. الثاني: أن يستثير هِمَمَ المسؤولين، للإفادة من طاقات الرجال، وكفاياتهم المعطلة. يقول خطّاب: لقد أراد - ابن منكلي - بنقده الإصلاح والصلاح، وخير البلد، ومصلحة الأمّة، وكان سبيله إلى ذلك قلمه، بعد أن جاهد بسيفه حقّ الجهاد، فلم يسكت على انحراف، فهاجم المنحرفين، وشخّص الداء، ووصف الدواء .. إنه قال علناً ما (يجب) أن يسمعه السلطان، لا ما (يحبّ) أن يسمعه السلطان، فأدَّى الأمانة، وبقي - بقلمه - حاضراً في سمع الزمن، مرموق المكانة والمكان. كان تحقيق اللواء خطّاب لهذا الكتاب نمطاً فريداً في التحقيق، تجشّم فيه المشاق، وذلّل العقبات، وبذل جهوداً مضنية، وهو لم يحققه لأنه وقع تحت يده، بل تلبّث طويلاً وتردّد في التحقيق، من أجل اعتقاد ابن منكلي بالحروف والأعداد والأرقام، ثم هُدي إلى تحقيقه، وشرح الله صدره لذلك، فأقدم .. فهو رجل الجدّ والصرامة، لا يعبث فيما يحقق، كما لا يعبث فيما يقول ويفعل ويكتب، فلو لم يجد فائدة كبيرة في تحقيقه

стр. 155

لما حققه، كفعل كثير من المحققين الذين يهمُّهم أن يدفعوا إلى المطبعة في كل يوم كتاباً، مهما كان عادياً أو تافهاً. وهو في التحقيق، كما في سواه يضع فلسطين أمام عينيه، يفكّر بها ولها، ويكتب ويقترح عنها، لعله يجد القائد الذي يأخذ بآرائه، ويسعى إلى تحريرها من بين براثن حفدة القردة والخنازير. ***

стр. 156

الأديب القاص اللواء خطّاب إنسان عجيب، يريد أن يقف على كلِّ ثغرة من ثغر الإسلام، إذا رأى أصحاب تلك الثغرات لا يأبهون لها، فينادي قلمه: الله الله لا تُؤْتينَّ من هذه الثغرة. وهذه الروايات والقصص (العاطفية) التي تدغدغ الجنس، وتهوي بقرائها الشبان إلى سفاسف الحياة - تملأ الأسواق الأدبية، ويقبل عليها المراهقون والمراهقات، وقد يمتدّ عمر المراهقة لدى بعضهم إلى القبر. يقبلون عليها، يقرؤونها، ويتأثرون بما يقرؤون، فيجري الفجور من عيونهم إلى قلوبهم ودمائهم وعقولهم، ويكون الفساد الذي تولَّى كبره عدد من الهالكين الذين أغرقوا الشباب بأدب مكشوف عاهر، ثم أخرجه الفاسدون الآخرون أفلاماً ومسلسلات مهلهلات تافهات. ولأنّ خطّاباً لا يترك ثغرة يستطيع سدَّها إلا ويبادر إليها، وعلى الرغم من جسامة أعبائه، أخرج للناس أربع مجموعات قصصية، هي: عدالة السماء - تدابير القدر - اليوم الموعود - الرقيب العتيد. لقيت مجموعته القصصية الأولى: (عدالة السماء) قبولاً كبيراً من القراء، وانتشرت انتشاراً عظيماً في البلاد العربية والإسلامية، وأعيد نشر قصصها في عدد من المجلات والصحف، وأذيعت من عدّة إذاعات، وترجمت إلى بضع لغات، وكان تأثيرها في قرائها واضحاً، وهم كثر،

стр. 157

لأنها - كأكثر كتبه - طُبعت عشرات الطبعات الشرعية والمسروقة في لبنان وسورية والعراق. يقول المؤلف: " وما صنعت جديداً في هذا الكتاب .. لم أجوِّد في صياغة قصصه، بل تركت قلمي على سجيته، يسجل حوادث القصص كما شهدتها، بدون تكلف، ولا تزيُّد، فكان الكتاب مجموعة حكايات واقعية، استهدفتُ من روايتها - بعفوية كاملة، وصدق وأمانة - أن أعيد القارئ العربي والمسلم إلى التفكير بالروح، بعد أن انصرف تفكيره إلى المادة، وإلى القلب، بعد أن شُغل بالجيب، وأن أذكّره بالعمل للآخرة كما يعمل للدنيا، وللحياة الباقية كما يعمل للحياة الفانية. وإذا كانت الحقيقة الأزلية للإنسان هي الموت، فماذا أعدَّ له من العمل الصالح؟ " (١). وهذا النص المجتزأ من مقدمة مجموعته الثانية: (تدابير القدر) مهمٌّ جداً، لأنه تصريح صريح وواضح بالمغازي التي رمى إليها المؤلف من قصصه هذه، وهو المؤرخ العسكري، والباحث في الاستراتيجيات العسكرية، والمشغول بتراجم القادة الفاتحين. بل إنه يقول بوضوح أوضح في مقدمة: (عدالة السماء): إنّ " هدفي الأصلي من كتابة هذه القصص: هو الدعوة إلى الله " (٢). حوى كتابه (عدالة السماء) إحدى عشرة قصة، وكتابه (تدابير القدر) ثماني قصص، استقى مادتها من الواقع المعاش، بكل ما فيه من

стр. 158

واقعية وسوداوية، ولم يلجأ إلى الخيال ليقتنص من سبحاته حادثة من هنا وأخرى من هناك، ثم يركبها كيف شاء له خياله، ولا إلى الفنّ الذي يدبّج به القصصيون قصصهم، حسب العناصر التي استمدّوها من تاريخ القصة العربية حيناً، والغربية في أكثر الأحيان .. لم يتكلف حادثة، ولم يتزيّد في التفاصيل، وكأنه هنا مؤرخ، وليس كاتب قصّة، وأهمّ صفة في المؤرخ: الصدق والأمانة في النقل .. ولهذا كان خطّاب أميناً في نقله عن الواقع، الأمر الذي أكّد صدقه، وأضرَّ بفنّه، فصارت قصصه من صنف الحكايات التي تروي حوادث وقعت، دون أن يتفنن كاتبها بزخرف من القول أو الخيال، لأنه حريص على صدق ما ينقل، أمين في رواية الحوادث. إنه لا يريد من وراء ما يكتب دنيا يصيبها، ولا يريد كسباً مادياً، ولا شهرة، بل يريد الآخرة لنفسه ولقرّائه؛ فقد انغمس الناس في أوحال المادة حتى الذقون، وما عادوا يأبهون لدين أو خلق أو آخرة .. ضمرت أرواحهم، وتورّمت أجسامهم .. خوت قلوبهم، وانتفخت جيوبهم، وصار لسان حال الواحد منهم يقول: " اعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً " فلا موت ولا قبر ولا حساب ولا عقاب، بل انكباب على الشهوات، وتكاثر في الأرصدة والعقارات. إنه قدّم الحوادث بصدق، بلا تزويق، ولا رتوش فنية .. إنه يريد أن يقدّم العبرة والموعظة، لتقويم الفكر والسلوك معاً. يقول: " أردت بعرضها معالجة بعض عيوبنا الفردية والاجتماعية التي نعاني منها، فكل جريمة لها عقاب، ومن ينجو من عقاب البشر، لا ينجو

стр. 159

من عقاب خالق البشر " (١). كان لا يعير أهمية للفن القصصيّ، ويرى أنّ كتاب القصة يجنحون إلى الكذب من أجل الفنّ وباسم الفنّ، وهم يقلّدون الأوروبيين فيما يكتبون، وهو لا يريد أن يكون مثلهم، ولا ينبغي للكتاب المسلمين أن يكونوا كذّابين ومقلّدين. إلا أنّ القاصَّ خطّاباً كان يُعنى برسم البيئة الاجتماعية فيما يقصّ أو يحكي، فيُطْلعنا على عاداتها، وتقاليدها، وما يسود الناس من معتقدات، والأحوال العامّة التي كانت في المكان الذي تجري حوادث الحكاية فيه، كما في (وليمة قندهارية)، و (في ضيافة النبيّ ﷺ )، و (كلّ مودّة لله تصفو) في كتابه: (تدابير القدر) فكأنه يؤرّخ للحياة الاجتماعية. ومن الطريف أن نعرف - مثلاً - أنّ رطل اللحم في بغداد، في الأربعينيات كان بثلاثين فلساً (هو الآن بثلاثة ملايين فلس)، وأن سعر صفيحة السمن الحيواني النّقي بنصف دينار، وثمن البدلة الرجّالية مع خياطتها - للعيد - ديناران (٢). قال الدكتور مجاهد مصطفى بهجت عن قصص خطّاب: " أسهم - خطّاب - في إصدار سلسلة من الكتب القصصية الهادفة، ذات الطابع الإسلاميّ الواقعي الذي يحيي المعاني الإسلامية، ويبرز البُعْد الغيبيّ في الإيمان بالله تعالى، وقدره: خيره وشرّه ..

стр. 160

وقصصه، وإن خلت من عنصر الخيال المجنّح، لكنها تحفل بغرائب الأحداث وعجائبها، ممّا يقع في كل عصر ومكان، ويضفي على قصصه عنصر الإثارة والتشويق " (١). ...