← Тараджим

Тараджим · id 11524

اللواء الركن محمود شيت خطاب

عبد الله محمود الطنطاوي

Полный текст (160 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

ومضات من نور المصطفى ﷺ - هذا الكتاب هو تلخيص لحياة الرسول القائد، ﵊، لتكون سهلة المنال، يستفيد منها (العالم والجاهل، والتلميذ والمعلم، والطالب والأستاذ، وتفيد الداعية والدعوة). حاول فيه اختصار السيرة النبوية اختصاراً غير مخل، ليطلع المسلمون على سيرة (قائدنا، وقدوتنا، ورائدنا، وزعيمنا .. سيِّدي ومولاي رسول الله ﷺ ، سيّد القادات، وقائد السادات، رجل الرجال، وبطل الأبطال. إمام المجاهدين، وقائد الغرّ الميامين). (ودراسة سيرته العطرة - عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم - واجب على كل مسلم؛ حاكماً أو محكوماً، رئيساً أو مرؤوساً، عالماً أو جاهلاً، غنياً أو فقيراً، ضابطاً أو جندياً .. فأعماله تطبيق لتعاليم الإسلام، وأقواله تفصيل للكتاب العزيز، وأخلاقه أخلاق القرآن الكريم ومنهجه طريق الدعاة). والمؤلف هنا كما هو في كتابه (الرسول القائد) ﷺ ، ولكنه قدم - هنا - لمحات من حياة النبي الكريم ﷺ : من ولادته إلى النبوة، ومن النبوة إلى الهجرة، وحياته في المدينة المنورة، ثم تحدث عن صفاته السامية، خَلْقيّة وخُلُقيّة: عن حسن خُلُقه، حلمه وصفحه، وعن تواضعه، وشفقته ومداراته، وحيائه، ورحمته للعالمين، وعن جوده وشجاعته. ومنها انتقل إلى (الجهاد) فذكر عدداً من الآيات الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة التي تحدثت عن الجهاد.

стр. 107

ثم قدّم درساً، بل دروساً في بناء الرجال من الرسول القائد ﷺ الذي كان يعرف أصحابه جيداً، فيضع الرجل المناسب في المكان المناسب، ويحاول الإفادة منهم جميعاً؛ من القائد، ومن الجندي الشجاع، ومن الثري، ومن الفقيه والعالم، والشاعر، والحكيم، ومن رجل الإدارة. ثم تحدث عن أسباب انتصارات الرسول القائد ﷺ فوجدها في القرار السريع الصحيح، وفي الشجاعة النادرة والإرادة القوية، وفي السيطرة على أعصابه، وفي بُعد نظره، ووضع الرجل المناسب في المكان المناسب، وفي الثقة المتبادلة بينه وبين جنوده، وفي المحبة المتبادلة بينهم، وفي الشخصية القوية النافذة، وفي القابلية البدنية، وفي تاريخه الشخصي الناصع، وفي معرفته مبادئ الحرب وتطبيقه إياها بحنكة ومهارة. وتحدث عن جنوده الممتازين المتميزين بالعقيدة الراسخة، والمعنويات العالية، والضبط المتين، والتدريب الجيد، والتنظيم السليم، والتسليح الجيّد. وأخيراً تحدَّث عن الحرب العادلة التي خاضها النبي ﷺ وأصحابه. جاء الكتاب في (٨٩) صفحة من القطع الكبير، وكانت طبعته الشَّرْعيَّة الثانية عشرة عام ١٩٨٨ م من منشورات مكتبة النهضة في بغداد. ***

стр. 108

التصور الصهيوني للتفتيت الطائفي والعرقي كتب اللواء خطاب هذا الكتاب عام ١٩٨٧ م ولم تساعده صحّته لمتابعة هذا البحث القيّم الذي هدف منه إلى تحذير العرب والمسلمين من مكايد اليهود، ليكونوا على بيّنة من أمرهم، وحتى لا يقولوا يوماً: ما جاءنا من نذير، فقد أنذرهم اللواء الباحث الاستراتيجي أكثر من مرّة، ولكن قادتهم عموا وصمّوا، ولم يستمعوا له ولم ينصتوا، ليعوا صوت النذير العريان قبيل وقوع نكبة حزيران، وقبلها وبعدها. وقد رجع بنا المؤلف إلى العصور القديمة، واستعرض لنا مسيرة الغدر والخيانة لدى يهود منذ السبي البابلي الذي قام به نبوخذ نصر مرتين ضدّ اليهود، ثم ما كان من استقرار قسم منهم في العراق القديم الذي أحسن إليهم سكّانُه، فأساؤوا - أي اليهود - إليهم، وغدروا بهم، وعملوا على تفتيت بلادهم وتمزيقها، وحرّضوا أعداءهم عليهم، وأغروهم بغزوهم، ثم ساعدوهم في غزو العراق، وتقتيل أهله واستعبادهم. كلّ هذا من أجل إضعافه، وإرهاق أهله، لتكون لهم الغلبة عليهم. ثم انتقل بنا المؤلف إلى (مصاولة الإسلام والمسلمين في عهد الرسالة) حيث ناصبوا النبيَّ ﷺ العداء، وأظهروا النفاق، ولم يرعوا المعاهدة التي أبرمها الرسول القائد ﷺ معهم بُعيْدَ هجرته إلى المدينة. وقد أحصى المؤلف إحدى عشرة مكيدة لهم، وضرب الأمثلة على تلك المكايد من المصادر الموثوقة، كعهده في الأمانة والصدق فيما يروي من

стр. 109

كتب التاريخ المعتمدة .. ولكنّ الله ردَّ كيدهم في نحورهم، وكانت مكايدهم سبباً في تخليص شبه الجزيرة من شرورهم وآثارهم. وتابع المؤلف (محاولات اليهود التخريبية على عهد الخلفاء الراشدين) فتحدث عن دورهم في استشهاد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁، على يد أبي لؤلؤة المجوسيّ، ودورهم في إثارة الفتنة على أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁، التي تولّى كبرها اليهودي ابن السوداء (عبد الله بن سبأ) الذي أعلن الإسلام وأبطن اليهودية، ليفسد أهل البصرة والكوفة ومصر على عثمان وانتهت باستشهاده، وتمزيق وحدة الأمة. وقد تابع ابن السوداء مهمته التضليلية أيام الإمام علي، ﵁، فزعم أن علياً نبي، ثم زعم للناس أن علياً إله، وبعد استشهاد علي، زعم أن علياً لم يُقتل، بل رُفع إلى السماء كعيسى، وأن الذي قُتل شيطان في صورة علي. كما كان له دوره في تمزيق شمل المسلمين، بظهور الخوارج، وبمقتل علي، وفي المعارك التي دارت رحاها بين المسلمين. وفي (مكايد اليهود) عبر القرون الأربعة عشر التي تلت عهد النبوّة، تحدّث عن مكايد اليهودي ميمون القدّاح الذي ادّعى الإسلام، وأسقط الفرائض عن أتباعه، فلا صلاة ولا صيام ولا زكاة ولا حجّ، كما أباح كلَّ المحرّمات، فجوّز نكاح المحارم من الأمهات والأخوات والبنات، ودعاهم إلى الانسلاخ من سائر التعاليم الإسلامية، والضوابط الإنسانية، ومكّن بالغدر والخداع للباطنية، الذين انطلقوا يعيثون فساداً وإفساداً، قتلاً وحرقاً وتدميراً واغتصاباً، ويتعاونون مع الجيوش المعادية الغازية. وميمون القدّاح هذا - يهوديّ متعصب ليهوديته، وحبرٌ من أحبار يهود، وكان عالماً بالفلسفة والتنجيم، وكان صائغاً في بلدة (السلمية) أعلن إسلامه، وأضمر يهوديته، ثم ألحق نسب ابنه سعيد بنسب آل النبي ﷺ ،

стр. 110

وكان وأتباعه يتعاملون مع اليهود، ويكلون إليهم أمورهم. وعندما جاء من بعده العبيديون، استوزروا اليهود، فظلم اليهودُ المسلمين. وتحدّث عن الفتن التي أحدثها القدّاحيون، ثم القرامطة، والأرواح التي أزهقوها، والأموال التي صُرفت، والجهود التي بُذلت، في سبيل إخماد تلك الفتن الشيطانية الباطنية التي أثاروها لتمزيق الأمة. وفي (مكايد اليهود في التسلل إلى السلطة) تحدث عن المعاملة الطيّبة التي عامل المسلمون بها اليهود، لأنهم أهل ذمّة والذمة تعني العهد والأمان - حتى تسلموا مناصب رفيعة في الدولة العبّاسية، ولكنهم غدروا بالمسلمين عندما جاء التتار واستولوا على بغداد، فساموهم سوء العذاب، وساعدوا على تقتيلهم والتنكيل بهم. وكذلك فعلوا في الأندلس، عندما استطاعوا التسلل إلى مراكز السلطة، فأثاروا الفتن، وحاكوا المؤامرات، وأوقعوا بين الأمراء، وغدروا بأرباب نعمتهم. وتحدّث المؤلف عن مكيدة استخدام النساء للتأثير في الذين يريدون السيطرة عليهم، وضرب الأمثال بسفر (أستير)، وسفر (يهوديت)، وبما كان منهم في العصر الحديث، وبعد الهدنة عام ١٩٤٨ م في فلسطين، مع ضباط الأمم المتحدة، من فرنسيين، وهولنديين، وبلجيكيين، حتى صاروا جواسيس لدى اليهود الذين أغرقوهم بالجنس. وتحدّث عن لجوئهم إلى إنشاء الجمعيات السرية، من أجل تحقيق أهدافهم الخبيثة، لأنهم قلة، ولا يستطيعون فرض هيمنتهم بغيرها، وكان من أهمّ أهدافهم، العمل على تجزئة أمم الأرض، وإثارة الحروب والفتن

стр. 111

بينها، من أجل تمزيقها، كما هدفوا إلى إفساد عقائد الشعوب، وأخلاقها، ونُظُمها، وإبعادها عن أديانهم، حتى تفقد أهمّ عوامل قوّتها .. وأهم تلك الجمعيات: الجمعيات الماسونية بأسمائها الصريحة والمدلّسة، كجمعية أبناء العهد، والاتحاد اليهودي العالمي، ومحفل لا ينير إنترناشيونال، والروتاري، والليونز، وكلها واجهات للماسونية، وتنحصر أهدافها وأنشطتها في هدم الدين والأخلاق والانتماء الوطني والديني، واستشهد على ذلك بنُقول ونصوص من بروتوكولات صهيون، ومن توراتهم المزيفة، وتلمودهم، وبأقوال ماسونيين معاصرين من يهود ونصارى لا يخفون أهدافهم في السعي لإعادة بناء هيكل سليمان المزعوم، على أنقاض المسجد الأقصى المبارك الذي حاولوا إحراقه، ويحاولون ويعملون على هدمه، بحفر الأنفاق من حوله وتحته. وفي (مكايد الصهيونية من قبيل عام ١٩٤٨ م وحتى اليوم) تحدّث عن إثارتهم الفتن بين الفلسطينيين، وسعيهم لتحقيق الأحلام الصهيونية في (إسرائيل الكبرى) من الفرات إلى النيل، واستشهد بأقوال إسرائيل سيف، وبن غوريون، وبما ورد في كتاب (خنجر إسرائيل)، وكلّها تركّز على ضرورة قيام دويلات طائفية، لأن الوحدة العربية قادرة على مواجهة إسرائيل ودحرها، وبغير الوحدة لا تقوى أي دولة عربية على الوقوف في وجه إسرائيل. وهذا ما حدث فعلاً في الحروب العربية الإسرائيلية، فالعرب كانوا يقاتلون اليهود بعدة جيوش، وعدّة قيادات، بينما حاربهم اليهود بجيش واحد، وقيادة واحدة، فانهزم العرب المنقسمون على أنفسهم، وانتصر اليهود وتغلبوا بوحدة جيشهم، ووحدة قيادته. وفي الخاتمة، رأى المؤلف أن اليهود يعملون لتقوية أنفسهم عسكرياً، وتقنياً، واقتصادياً، وسياسياً، و .. ويعملون على إضعاف جيرانهم العرب عسكرياً، وتقنياً، واقتصادياً، وسياسياً، و .. بالعمل

стр. 112

على إثارة الفتن بينهم، تمهيداً لتمزيقهم إلى كيانات هزيلة .. كما تحدث عن مناهج اليهود في مدارسهم الدينية في العراق، وهي مناهج تربّي أطفالهم على كره العرب، والمسلمين، وحُبِّ اليهود، وتربيتهم تربية عسكرية، ليكونوا مؤهّلين لخوض أيِّ معركة في المستقبل ضدّ العرب، ويدرس مناهجهم، وإن كان المخطط واحداً في سائر البلدان التي يقيمون فيها .. واحداً في أهدافه البعيدة. هذا الكتاب جدير بالدراسة والتأمل، ففيه قال اللواء خطاب كثيراً مما ينبغي أن يقال في هذه الأيام الحبالى. ***

стр. 113

المصطلحات العسكرية في القرآن الكريم يقع هذا الكتاب في جزأين كبيرين طُبعا في بيروت عام ١٩٦٦ م درس فيه المؤلف ما بدا له أنه مصطلح عسكري ورد في القرآن الكريم، وتوسَّع في هذا، وعدّ كثيراً من الكلمات مصطلحات عسكرية، وليست كذلك، ولهذا جاء كتابه في مجلدين كبيرين. وقد قدّم المؤلف لكتابه بفاتحة عرض فيها للمصطلحات العسكرية، ونشأتها، وتطورها في العراق وسائر بلاد العرب. وتقوم طريقة المؤلف على إثباته (الجذر) في أعلى الصفحة، كما فعل في مادة (أثر) ثم أتبعها بنصّ الآية الكريمة: ﴿وَقَفَّيْنَا عَلَىءَاثَارِهِم بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [المائدة: ٤٦]. ثم عاد فأثبت معاني هذه المادة المعجمية .. كما جاء في نقد الدكتور إبراهيم السامرائي لهذا الكتاب (١). ضرب الدكتور السامرائي عدّة أمثلة على نقده لمادة الكتاب الذي كان يمكن للواء خطاب أن يجمع عدداً من ألفاظ القرآن الكريم، ويشكل منها مقالة صغيرة، وليس كتاباً ضخماً. من تلك الأمثلة قوله:

стр. 114

" وإذا كانت (البحريّة) من المصطلحات العسكريّة، لأنّها صنف من الأصناف العسكريّة، فإن ذلك لا يمكن أن يدخل في مادة الكتاب، لأن هذا المصطلح غير موجود في القرآن، وإن كلمة (البحر) الموجودة في القرآن بمعناها الحقيقي، لا يمكن أن يكون مسوِّغاً للمؤلف في إثبات مصطلح (البحرية). " أذكر هذا على سبيل المثال، لأخلص إلى مادة الكتاب برمتها، ولأعطي القارئ المتخصّص نموذجاً واحداً ليتبين أن ما ذهبتُ إليه صحيح ". ومن الأمثلة التي استشهد بها الدكتور السامرائي مادة (أثر)، ومادة (أجر) من قوله تعالى: ﴿إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ المُصْلِحِينَ﴾ [الأعراف: ١٧٠]. ومادة (أجل) من قوله تعالى: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ .. ﴾ [يونس: ٤٩]. ومادة (أخذ) من قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ﴾ [آل عمران: ٨١]. وهكذا .. وهذه الأمثلة مأخوذة كلّها من الباب الأول من الكتاب المبدوء بالهمزة .. وفي هذه ما يكفي للتعريف بالكتاب وطريقة المؤلف في تحريره، وقد أجهد اللواء خطاب نفسه أيما إجهاد في استخلاص هذه التي أسماها: مصطلحات عسكرية، وليست كذلك. ***

стр. 115

دراسات في الوحدة العسكرية العربية كانت الطبعة الرابعة لهذا الكتاب عام ١٩٨٧ م وجاء في (٢٦٠) صفحة من القطع الكبير، احتوى على مقدمة وخاتمة، وأحد عشر بحثاً ودراسة، كلّها تدور حول أهمية الوحدة العسكرية العربية، وأهمية الجهاد، وأهمية القوة التي تنبثق من الوحدة العسكرية العربية، بدأه بالآية الكريمة: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٩٢]. وأهداه " إلى القائد الذي يجاهد من أجل الوحدة، ويوحد من أجل الجهاد فيستعيد القدس وفلسطين من إسرائيل، بالوحدة والجهاد ". ذكر الكاتب في المقدمة، أنه تشرَّب حبّ الوحدة العربية منذ كان تلميذاً صغيراً، وشارك في المظاهرات الصاخبة التي كانت تطالب بالوحدة، وتهاجم التفرقة، وتحثّ على التقارب بين العرب. وكبر التلميذ وكبر معه حبّ الوحدة، وكان يتساءل مع زملائه من طلاب الكلية العسكرية: (لماذا لا تقوم الوحدة فوراً بين العرب؟). ويأتيهم الجواب من معلميهم: " إن الحكام الخونة، هم الذين يحولون بين العرب، وبين أملهم المنشود في الوحدة الناجزة، التي تحطّم السدود والقيود، وتعيد إلى العرب مكانتهم المرموقة بين الأمم " (١).

стр. 116

وبعد أن صار ضابطاً في الجيش، كان حديث الوحدة يرافقه صباح مساء .. وكان الضباط يتقنونه كما يتقنون واجباتهم العسكرية. " وكان في الجيش بعثة عسكرية بريطانية، يعمل أفرادها مفتّشين ومدرّبين ظاهرياً، ولكنهم كانوا في الواقع يرصدون حركات الضباط وسكناتهم، ويعدّون عليهم أنفاسهم " (١)، لأن الضباط كانوا وطنيين، وكانوا وحدويين، وظهر هذا في ثورة رشيد عالي الكيلاني عام ١٩٤١ م التي بادر الإنكليز إلى القضاء عليها بسرعة وقسوة وشدّة وعنف، ووقوف الضباط الوطنيين بشجاعة وبسالة، وفي حرب فلسطين عام ١٩٤٨ م فقد لقّن الجيش العراقي - وكان الكاتب مشاركاً فيها - لقّن اليهود دروساً قاسية في معارك (جنين) وسواها. ولو كان أمر الجيش العراقي بيده، لقدّم لفلسطين أضعاف ما قدّم .. وظهرت وحدوية الشعب والجيش إبان العدوان الثلاثي على مصر عام ١٩٥٦ م وعندما أُعلنت الوحدة بين سورية ومصر عام ١٩٥٨ م، وحزن الضباط العراقيون لانفصال سورية عن مصر عام ١٩٦١ م، وظهرت وحدوية الضباط أيام عبد الكريم قاسم، فقد قاوم قسم كبير منهم انحراف قاسم، وكان يجمع صفوفهم حبّهم للوحدة، وكرههم لأعدائها، وعندما قام عبد السلام عارف بثورته ضد قاسم، ورفع شعار الوحدة، أيّده الضباط والشعب " ومع ذلك، بقيت الوحدة في متاهات النزاعات والأهواء، تقاومها المصالح الشخصية، والرغبات الأنانية، دون أن يكون للمصلحة العربية العليا أيُّ دخل في الموضوع " (٢). " واليوم .. تحتم عليهم ضرورة البقاء أمة ذات سيادة ومكانة، أن

стр. 117

يُقبلوا على الوحدة العسكرية، وأن يضعوا تحت أقدامهم كل ما يحول دون تحقيقها، وإلا، فسيكونون بعد سنوات عبيداً في بلادهم، أو لاجئين في بلاد أخرى " (١). كان البحث الأول فى هذا الكتاب بعنوان: (الوحدة العسكرية من التاريخ العربي الإسلامي)، وقد استهله بأن القاعدة الثابتة هي أن الشعب - كل شعب - لا يكون قوياً ما لم يكن موحَّد الصفوف والأهداف. والوحدة تجعل من الأمة قوة ضاربة لا تغلب من قلة أبداً، والفرقة تجعل من الأمة غثاء كغثاء السيل، لا قيمة لها في حرب ولا في سلام. وضرب الأمثال على ذلك بألمانية، وإيطالية، والولايات المتحدة الأمريكية، ثم جاء إلى العرب عندما كانوا شراذم، وعندما جاء الإسلام ووحّدهم، صاروا قوة يحسب حسابها، تهابها أكبر إمبراطوريتين في ذلك الزمان: الفرس، والروم، وعندما تشرذموا ثانية واختلفوا، طمع فيهم الروم، وصار الطالب مطلوباً بسبب التفرق والانقسام .. وهكذا دواليك. وفي العصر الحديث، احتلَّ المستعمرون بلاد العرب عام ١٩١٨ م وأقاموا الحدود والسدود بين الأقطار العربية، وشجعوا الروح الإقليمية والطائفية، وأشاعوا التحلل الخلقي، ونشروا مبادئ حضارتهم، وجعلوا العرب يشيحون عن تراثهم، وكان غزو فكري، ثم صنعوا إسرائيل في بقعة عربية مقدّسة، لتعينهم على إضعاف العرب، واستنزاف طاقاتهم، ولتكون قاعدة لهم أيام السلم والحرب، وأمدّوها بكلِّ أسباب القوة، ولهذا، لم يبق أمام العرب غير طريق واحد: أن يأخذوا حقوقهم بالقوة، وبالقوة وحدها، وسبيل القوة، هي الوحدة العسكرية بين العرب.

стр. 118

وفي البحث الثاني: (عبرة الاتفاقية العسكرية العربية قبل حرب ١٩٦٧ م) يرى أن ما لقيه العرب من إسرائيل في حروب: ١٩٤٨ و ١٩٥٦ و ١٩٦٧ م خير حافز لوضع الوحدة العسكرية في حيز التنفيذ، فقد كان من جملة أسباب اندحار الجيوش العربية فيها، عدم وجود الوحدة العسكرية. ويميز الكاتب بين التعاون العسكري، والوحدة العسكرية، فالأول يخضع للظروف والملابسات، بينما الوحدة العسكرية أمر وتنفيذ، وواجب وفرض، ولها خططها المرسومة، وإعدادها المسبق، وقيادتها الواحدة التي تعرف هدفها جيداً، وتسعى إلى تحقيقه. تحدث الكاتب عن التعاون العسكري بين الدول العربية في تلك الحروب .. عن معاهدة الدفاع المشترك عام ١٩٥٠ م التي جعلت العمل العسكري وسيلة من عدة وسائل لصد الاعتداء الإسرائيلي، ولكن ليس في نصوصها ما يلزم الدول العربية باستخدام قواتها المسلحة للدفاع عن أي دولة عربية تتعرض للعدوان، وهذا ما جعل بعض الدول العربية تتنصّل من تقديم المساعدات لمصر عندما تعرضت للعدوان الثلاثي عام ١٩٥٦ م. وهكذا أخفقت سائر أشكال التعاون العسكري ضمن الجامعة العربية وكل الاتفاقات الثنائية بين دول الجامعة، لأسباب، أهمها الخلافات العربية. وخلص المؤلف إلى: ١ - أن الجامعة العربية بأجهزتها الراهنة، لا يمكن أن تنهض بالوحدة العسكرية أو التعاون العسكري. ٢ - أن التعاون العسكري لن يكون مجدياً، ما لم توحّد الجيوش العربية وبكل ما في الوحدة العسكرية من معانٍ. ٣ - لا بدّ للوحدة العسكرية من قيادة سياسية.

стр. 119

٤ - الوحدة العسكرية العربية قضية مصيرية للحاضر والمستقبل. وفي بحث (المؤتمرات العسكرية العربية) أبدى استغرابه لعدم انعقاد مؤتمر عسكري يبحث أسباب نكبة حرب حزيران، لاستخلاص الدروس والعبر منها، ووضع المقترحات اللازمة لمعالجتها، لأن تلك النكبة عسكرية قبل كل شيء. والعسكريون وحدهم يقدّرون أسباب تلك النكبة. والمؤتمر العسكري الذي يطالب بعقده على النطاق العربي، لابدّ أن يكون أعضاؤه على مستوى الأحداث، علماً، وكفاية، وتجربة، وخلقاً كريماً. يضمّ أعلى المستويات العسكرية العربية مسؤولية، ومنزلة، وخبرة، وإخلاصاً، ليتمكن المؤتمرون من تحقيق أهداف معيّنة تفيد العرب في حاضرهم ومستقبلهم. ولابدّ من الإعداد الجيّد لهذا المؤتمر سلفاً، بالدراسات والبحوث، ليكون بعيداً عن الارتجال الذي هو سمة سائر المؤتمرات العربية .. فمن أجل نجاح المؤتمر لا بدّ من: ١ - التبليغ بموعد عقد المؤتمر قبل مدّة كافية، من أجل التحضير المسبّق له. ٢ - عقد اجتماع تمهيدي لإعداد كل ما يجب أن يناقش في المؤتمر. ٣ - اختيار أعضاء الاجتماع التمهيدي من ذوي الاختصاص والإخلاص. ٤ - اختيار أعضاء المؤتمر من ذوي الكفايات العالية، والإخلاص النادر، والاستقامة المثالية. من الذين يضحّون بمصالحهم الشخصية في سبيل مصلحة الأمة.

стр. 120

٥ - أن يكون مع كل وفد دراسات مستوعبة. ٦ - أن تلتزم الدول العربية بمقررات المؤتمر التزاماً كاملاً. ويرى الكاتب ضرورة اتصاف الضباط الذين سيُعِدّون الدراسات بـ: ١ - الخبرة الدقيقة التفصيلية في المعلومات العسكرية النظرية والعملية. ٢ - التجربة العملية الموفقة في القيادات العسكرية العملية أيام السلم والحرب. ٣ - العمل المتواصل البناء. ٤ - الكتمان الشديد. ٥ - الخلق الكريم الذي يشهد له به ماضيه المجيد. ٦ - البعد عن الأنانية وحبّ الظهور. ٧ - النزاهة المطلقة، والإخلاص المطلق لقيادته ووطنه وشرفه. أما صفات الضباط الذين سيشهدون المؤتمر، فهي: ١ - أن يكونوا تدرّجوا في مناصبهم القيادية، ولم يصلوا إلى أعلى الرتب بالترقيات الاستثنائية. ٢ - من اللامعين في مهنتهم. ٣ - أن تكون لديهم حاسّة استراتيجية. ويرى الكاتب أن يبحث المؤتمر الذي يدعو إليه: ١ - أسباب نكسة حزيران بصراحة تامة. ٢ - وضع الحلول الجذرية للأخطاء التي أدت إلى النكسة.

стр. 121

٣ - أسباب إخفاق القيادة العربية الموحدة، وعوامل تقويتها؛ لتكون عند مسؤوليتها التاريخية. ٤ - العمل على حشد الطاقات المادية والمعنوية للعرب، من أجل مجابهة إسرائيل، وذلك بإقرار الوحدة العسكرية، وإيجاد قيادة عربية سياسية مسؤولة، ترتبط بها القيادة العربية الموحدة. وفي بحث (أهمية الوحدة العسكرية العربية) ركّز المؤلف على الإفادة من الطاقات المادية والمعنوية للأمة، وهي كبيرة، بالتنظيم السليم الدقيق الذي هو روح القوة، وعمادها وركنها الركين، والوحدة العسكرية التي تسيطر عليها قيادة عربية موحّدة هي التي تنهض بهذا التنظيم، كما توحّد التدريب، والتسليح، والتنظيم، والتجهيز، وبهذا التوحيد ترتفع المعنويات وتوحّد الجهود، كما توحد بجهة القتال. هذا على الصعيد الداخلي .. وأمّا على الصعيد الخارجي فهي: ١ - توقف إسرائيل عن تنفيذ مطامعها التوسعية. ٢ - وتغيّر نظرة الدول إلى العرب، فتكون معهم لا عليهم. وفي بحث (القيادة العربية الموحدة) يرى أنها: ١ - تقوم بتوحيد التدريب العسكري. ٢ - تعمل على توحيد تسليح الجيوش العربية. ٣ - وتنظم تلك الجيوش بأسلوب واحد. ٤ - وتوحّد التجهيز والعتاد. ٥ - وتجمع المعلومات العسكرية عن العدو وقوّاته. ٦ - وتعدّ الخطط العسكرية ضدّ العدوّ.

стр. 122

هذا قبل الحرب، أما واجباتها في الحرب، فهي: ١ - وضع الخطط العسكرية موضع التنفيذ. ٢ - استخدام القطعات العسكرية المناسبة، والسلاح المناسب، في المكان والزمان المناسبين. ٣ - وضع القائد المناسب، في المكان المناسب. ٤ - التنسيق العسكري في ميادين القتال. ثم تحدّث عن إنجازات القيادة العربية الموحدة منذ ولادتها، وحتى حرب حزيران ١٩٦٧ م وعن العقبات التي اعترضتها، ثم بيّن كيف يمكن لهذه القيادة أن تنهض بواجباتها أيام السلم وأيام الحرب. ثم تحدث عن (الوحدة السياسية العربية) لأن الناحية العسكرية وحدها لا تكفي لجعل القيادة العربية ذات أثر وتأثير، فالجانب السياسي ضروري جداً لدعم الوحدة العسكرية، من أجل أن تكون فعالة، وضرب الأمثال عما جرى لدول الجامعة العربية وما كان ينبغي أن يجري. وتحدث عن (أثر الوحدة العسكرية في المعنويات)، وبيَّن معنى المعنويات، ورأى أن عوامل تقويتها هي العقيدة (لا نصر لجيش لا عقيدة له)، والقيادة المتميزة، والنصر في الميادين الحربية، والعلمية والعملية، بل إن كل نصر في أي ميدان حيوي، يرفع المعنويات، وللمعنويات تأثيرها الكبير في تحقيق النصر، جعلها نابليون ذات قيمة كبيرة تصل إلى (٧٥%) من قيمة الجيش، وترك (٢٥%) للجوانب المادية من تسليح وعتاد وتدريب و .. ثم تحدث عن أثر الوحدة العسكرية في رفع المعنويات فرأى أن الوحدة قوة ونصر (يد الله مع الجماعة)، لما فيها من حشد للقوى، يجعل العرب قوة ضخمة ضاربة.

стр. 123

وتحدث عن (أثر الوحدة العسكرية في تكامل الإنتاج الحربي، وتطويره) لأن بلاد العرب تشكل وحدة اقتصادية متكاملة، ولكنها تحتاج إلى التنسيق الاقتصادي الذي يؤدي حتماً إلى الاكتفاء الذاتي، ويحرم إسرائيل ومن وراءها من تهديد العرب اقتصادياً. وهذا يحتاج إلى تخطيط دقيق يتولاه الخبراء الاقتصاديون، بالتعاون مع العسكريين، ولا بد أن يلي التخطيط تنفيذ سليم مثله. ودعا إلى ضرورة التنسيق في الصناعات العسكرية، وهذا يتطلب وجود خبراء عسكريين لديهم إحصائيات دقيقة تعينهم على اتخاذ القرارات التي تشمل احتياجات الحاضر، وتطوير المصانع لسد احتياجات المستقبل. ويتطلب وجود علماء في الاقتصاد يقدمون أفضل الطرق لإخراج هذه المصانع إلى حيز الإنتاج لكي نسد حاجة الجيوش العربية في الحاضر والمستقبل. كما يتطلب وجود خبراء من علماء إنتاج السلاح والعتاد، ينتجون هذه المواد. والوحدة العسكرية هي التي تجعل التنسيق الصناعي العسكري العربي عملاً ملموساً، وليس حبراً على ورق. ثم تحدث عن (أثر الوحدة العسكرية في المجال العلمي) وقدم لذلك بالترسانة العسكرية الضخمة لدى العدو الإسرائيلي، وما فيها من سلاح صاروخي وذري، والمفاعلات النووية الإسرائيلية، والمسرّعات الذرية في إسرائيل، وعن تدابير الدفاع المدني ضد السلاح الذري في إسرائيل، وعن الأسلحة الكيماوية، والجرثومية لديها، وعن أبحاثها في مجال الفضاء وفي مجال الفيزياء وعن بعض أبحاثها السرية الخطيرة، كجهاز تغيير اتجاه القذائف، وجهاز الاختفاء عن الأنظار، وسوى هذا وذاك ...

стр. 124

ثم انتقل إلى الحديث عن البحث العلمي، والتطور التكنولوجي في مجال التعاون العربي، فوجدهما متفاوتين بين دولة وأخرى. ودعا إلى أن يمتلك العرب السلاح الذري، لأنه الرادع الوحيد لإسرائيل، الذي يمكن أن يحول بينها وبين استعمال السلاح الذري ضد العرب. ثم تحدث عن واجب الدول العربية تجاه السلاح الذري الإسرائيلي، فرآه في: ١ - التدابير العسكرية: (الحصول على السلاح الذري - الإسراع بإنشاء الأفران الذرية - إعادة النظر في تنظيم الجيوش العربية، وتدريبها، وتجهيزها - تعليم المدنيين حقائق الحرب الذرية، وأساليب الوقاية منها، وأساليب الدفاع ضد أخطارها - الاهتمام بتدابير الدفاع السلبي ضد أخطار الحرب الذرية - مراقبة إنتاج السلاح الذري الإسرائيلي - وضع خطة عربية عسكرية موحدة لمجابهة الخطر الذري الإسرائيلي، وإحباطه). ٢ - التدابير العلمية: (حشد الكفايات العلمية العربية أولاً، ثم الإسلامية - الاستفادة من خبراء الذرة في العالم - إرسال البعثات العلمية للتخصص في مجالات الذرة - الاهتمام بسلاح الصواريخ - الاهتمام بالأسلحة الكيماوية - الاهتمام بالأسلحة الجرثومية). ٣ - التدابير السياسية: (التشهير بامتلاك إسرائيل السلاح الذري - محاولة عزل إسرائيل عن الدول الآسيوية والأفريقية - الدعوة إلى نزع السلاح الذري في المحافل الدولية). وتحدث عن واجب الدول العربية تجاه الحرب الجرثومية، والحرب الكيماوية .. ثم جاءت (الخاتمة) وكانت رائعة، بما فيها من تحليل وتطلعات

стр. 125

تصب في بحر القوة التي لا تفهم إسرائيل لغة غيرها، وكان فيها دعوة وهتاف ونداء إلى أن يتوحد العرب، عسكرياً وسياسياً، واقتصادياً، فالوحدة قوة، والتفرق ضعف ... ودعا إلى التمسك بالإسلام العظيم: (إن العرب بالإسلام كل شيء، والعرب بلا إسلام لا شيء) ففي الإسلام طاعة أي ضبط ونظام، وفيه معاني الخلق الكريم، ومنه الصبر الجميل، وغرس الإسلام روح الشجاعة والإقدام في المسلمين، وجعل التولي يوم الزحف من الكبائر، وأمر بالثبات في ميادين القتال، ودعا إلى الجهاد بالأموال والأنفس لإعلاء كلمة الله، وجعل الشهداء في مقام العظماء مع الأنبياء والصدّيقين والصالحين. واهتم الإسلام بالحرب النفسية، وأهم أهدافها: (التخويف من الموت والفقر - ومن القوة الضاربة للمنتصر - ومحاولة جعل النصر حاسماً - والدعوة إلى الاستسلام - وبث الإشاعات والأراجيف - وإشاعة اليأس والقنوط .. )، وقد تصدى الإسلام لهذه الحرب، بتربية أبنائه التربية التي تقيهم الوقوع في حبائلها، فالمسلم لا يخشى الموت، لأن الآجال بيد الله، ولا يخشى قوة العدو من عدد وعُدد، لأنه يعتقد أن النصر من عند الله، وما دام هو في حماية عقيدته، فلا خوف عليه، والمسلم لا يستسلم للهزيمة، ولا يصدق الإشاعات، ولا يجوز له اليأس والقنوط. وتحدث عن الحوافز المادية في الإسلام، وهي لا تقل تأثيراً عن الحوافز الروحية، فهما تعملان - جنباً إلى جنب - لترسيخ إرادة القتال في نفوس المسلمين وعقولهم معاً. فالمسلمون لا يستهينون بالعدو، ويستعدون للحرب ويكونون في حالة حذر ويقظة. يقول المؤلف: " السؤال الذي يتردد اليوم هو: ألسنا مسلمين؟ وإذا كنا مسلمين، فلماذا لا ينصرنا الله على أعدائنا؟ " ويجيب: (كيف ينصرنا الله، ونحن

стр. 126

لا نطبق تعاليمه؟ وهل ورد في القرآن أن الله ينصر المسلمين الذين يتقبلون الإسلام بدون تكاليفه في الجهاد والعمل الصالح؟ إن هذا الأمر لا يصلح إلا بما صلح به أوله: العودة إلى الإسلام. وحينذاك سيقول يهود كما قالوا من قبل: (إن فيها قوماً جبارين)، ويومئذٍ يفرح المؤمنون بنصر الله. هذا وقد احتوى الكتاب على مجموعة من الملاحق التي هي وثائق مهمة، تعزز ما ذكره الكاتب وتضيف إلى معلومات القارئ معلومات أخرى، سمع بها، ولكنه لم يقرأها في كتاب أو مرجع آخر، أو أصبحت من منسياته. وأخيراً أقول: إن لهذا الكتاب القيم أهمية كبيرة في حياة الأمة العربية، فقد دعا الكاتب فيه إلى ضرورة قيام الوحدة العسكرية بين الدول العربية، وعدّها شرطاً أساسياً لأي نصر في أي معركة يخوضها العرب ضد أعدائهم أدعياء البنوّة لإسرائيل، وإسرائيل بريء منهم ومن أعمالهم. كما ظهر لنا الكاتب مفكراً عربياً إسلامياً، يؤمن بالعروبة والإسلام، ويدعو إلى الوحدة العربية، وإلى التعاون الإسلامي، ويندد بأعدائهما، وواضعي العقبات في طريقهما. ***

стр. 127

طريق النصر في معركة الثأر صدرت الطبعة الأولى من هذا الكتاب سنة ١٩٦٦ م، ثم تتالت الطبعات دون أن يغيّر المؤلف حرفاً واحداً مما كتب في الطبعة الأولى. وهذا يعني أن طريق النصر واضح: هو الإعداد للحرب، والحرب. وعلى العرب أن يستبدلوا بالخطة الدفاعية، خطة هجومية. في هذا الكتاب بيّن أسباب الهزيمة في فلسطين، وطريق النصر في معركة الثأر، باختصار شديد، متطرّقاً إلى المبادئ العامة، دون المساس بالأشخاص أو الدول العربية؛ فهو كتاب يريد بناء المستقبل، ولا يثير معايب الماضي القريب. جاء الكتاب في (٣٦٠) صفحة من القطع الكبير، احتوت على بضعة فصول .. تحدّث في البحث الأول عن (أسباب الهزيمة) عام ١٩٤٨ م ومهّد لها بالحديث عن واقع العرب المتخلف في فلسطين وخارج فلسطين، وواقع اليهود الذين كانوا يعملون ولا يضيعون لحظة من أوقاتهم، فيما كان العرب يقولون ولا يفعلون ثم تساءل: لماذا خسرنا الحرب في فلسطين؟ ومع أن المقدّمات أجابت عن هذا التساؤل، فإنه أجاب: ١ - فشل السياسة العربيّة في إفهام العالم حق العرب التاريخيّ والواقعيّ في أرض فلسطين. ٢ - عدم إعداد الفلسطينيين تنظيماً وتدريباً وتسليحاً وتجهيزاً وقيادة، من أجل أن يتحمّلوا مسؤوليّة الدّفاع عن وطنهم.

стр. 128

٣ - عدم وجود حكومة لفلسطين، تُعِدُّ العُدَّة، وتقود، وتخطط، وتنفذ. ٤ - عدم وجود قيادة عربيّة موحّدة أيام السِّلْم، تخطط وتوحّد، لتكون جاهزة لقيادة المعركة أيام الحرب. ٥ - عدم جاهزيّة كلّ الجيوش العربية حين خوضها المعركة مع اليهود. ٦ - عدم توظيف الثروات العربية الطبيعية والاقتصادية، للضغط على الدّول التي تساند اليهود سرّاً وعلانية. ٧ - فشل الحكومات العربيّة في الإفادة من المتطوعين العرب والمسلمين بل إن العراقيل وُضعت في طريق التحاق أولئك المتطوعين بفلسطين، فحوربوا من بعض جيوش الدّول العربية حرباً لا هوادة فيها: انتُزعت أسلحتهم، وسُجن بعضهم، وطورد آخرون، وحرموا من كلّ معاونة ماديّة أو معنويّة: وكانت القيادة العامّة للمتطوعين اسماً على غير مسمّى. ثم تحدّث عن (حقيقة إسرائيل) فبيّن عوامل قوة إسرائيل: ١ - الدول التي تساند إسرائيل، وعلى رأسها: أمريكة، وبريطانية، وفرنسة، بكل ما لديها من إمكانات سياسية، واقتصادية، وعلمية، وعسكرية. ٢ - الصهيونية العالمية التي تضمّ بين صفوفها: وزراء، وأعضاء في مجلس الشيوخ الأمريكي، وأعضاء في مجالس النوّاب الأمريكي والبريطاني، وعلماء، وكتَّاباً وأدباء وشعراء وأطباء ومحامين .. في الدول الغربية عامة، وأمريكة خاصة.

стр. 129

٣ - أجهزة إعلامية قويّة تبذل جهدها في خدمة إسرائيل. ٤ - وجود استخبارات قويّة لها في جميع أرجاء العالم، ومنها في الدّول العربيّة. ٥ - تصنيع بلادها. وخاصّة صناعة الأسلحة والعتاد والمعدّات العسكريّة. ٦ - هيمنتها على الاقتصاد العالمي. ٧ - وسائلها التخطيطية الدّقيقة المتقنة؛ فلا ارتجال ولا عواطف .. تخطيط لسياستها الخارجية، والدّاخليّة، والتصنيعيّة، والتجاريّة، والزراعيّة، والاقتصاديّة، والعسكريّة .. ٨ - قوّة جيشها: ضباطاً، وقادة، وجنوداً، وتدريباً، وتسليحاً، وعتاداً، وتخطيطاً .. أمّا عوامل ضعف إسرائيل ، فيراها في: ١ - كثرة الأحزاب فيها. ٢ - التردّي الأخلاقي بين أبنائها. ٣ - الماديّة الطاغية على أبنائها. ٤ - الجبن المتأصّل في أبنائها. ٥ - التمييز العنصريّ بين اليهود الشَّرقيين، وبين اليهود الغربيين. ٦ - موقعها الجغرافي، فهي تحتلّ بقعة صغيرة تحيط بها سورية، ولبنان، والأردن، ومصر. ٧ - عامل الوقت، فهو ليس في صالح إسرائيل، بل في صالح العرب.

стр. 130

٨ - الفساد في جيشها، فمظهر جيش إسرائيل غير مخبره .. عناصره جبناء، مخنّثون، ماديون، وبغايا. وتحدّث عن (إسرائيل والقنبلة الذرّيّة) فأنذر العرب والمسلمين بخطر محاولة إسرائيل امتلاك القنبلة الذّرّيّة منذ عام ١٩٦١ م ولكنّ العرب والمسلمين خدَّروا أنفسهم بالأماني .. جدّ اليهود في محاولاتهم، ولها العرب وبدّدوا أوقاتهم سدى، حتى إذا جاء عام ١٩٦٥ م استيقظوا من سُباتهم العميق، ولكن .. بعد فوات الأوان. ثم تحدّث عن تاريخ المحاولات الإسرائيلية للحصول على السلاح الذّرّيّ، منذ قيام (الدولة) عام ١٩٤٨ م، وكانت تتكتم وتتظاهر بالفقر وبالدعوة إلى السلام، وحكام العرب يتبجحون بالخطب الطنّانة، يخدعون الجماهير الجاهلة البائسة .. بدأت إسرائيل تخطط لإقامة فرن ذريّ (ديمونا) في منطقة بئر السبع عام ١٩٥٧ م وزوّدتها فرنسة بالأسرار الفنّية اللازمة لصنع القنبلة الذرّيّة، وبالموادّ والخبراء عام ١٩٦٠ م وأشرف هؤلاء على إنشائه. وتحدث عن عوامل إنتاج السلاح الذريّ في إسرائيل - وعن أهدافها من التسلح الذّريّ، ثم عن واجب الدول العربية إزاء هذا التسلح، فذكر التدابير العسكريّة الواجب اتخاذها، كالحصول على هذا السلاح بأيّ وسيلة كانت، وبسرعة (!!!) و .. و .. وما كان المؤلف بعيداً عن الواقع المعيش .. ولكنه حذّر وأنذر، وهو يعرف أنه ينفخ في قربة مقطوعة .. في القسم الثاني من الكتاب، تحدّث عن أسباب النصر، فذكر أسباباً عامة: ١ - وضوح الهدف من محاربة إسرائيل، وهو: تحطيم إرادة إسرائيل على القتال.

стр. 131

٢ - أن يمتلك العرب إرادة القتال .. وهي: الرغبة الأكيدة في خوض الحرب من أجل أهداف سامية، مضحّين بالأموال والأنفس في سبيل الوصول إليها. وضرب المؤلف عدّة أمثلة من تاريخنا، وخلص إلى أن الإسلام (عقيدة وعملاً وتضحية وفداء) هو الذي يغرس روح الضبط والنظام في النفوس، كما يغرس روح الشجاعة والإقدام والصبر على المكاره، ويرفع المعنويات. ٣ - أن تكون للعرب قيادة خيّرة قويّة، تجمع ولا تفرّق، لتحقيق أهداف واحدة، يداً واحدة، وقلباً واحداً، وبتعاون وانسجام. ثم ذكر أسباباً لفلسطين: ١ - أن تكون لها حكومة تنظِّم وتقود بوعي وإخلاص. ٢ - أن يكون لها جيشها القويّ تدريباً، وتسليحاً، هدفه: إنقاذ فلسطين. ٣ - أن يكون لها إعلامها الفاعل، بحيث يفهِّم شعوب العالم حقيقة مأساة فلسطين على أيدي المتآمرين من حكامها (الغربيين والأمريكيين) خاصّة، السائرين في ركاب الصهيونيّة. وأمّا الأسباب الخاصة بالدول العربية فهي: ١ - القيادة العربيّة الموحّدة: توحّد المصطلحات العسكرية في الجيوش العربية، وأساليب التدريب العسكري، وتعمل لتوحيد تسليح الجيوش العربية جهد الإمكان، ولتوحيد تنظيمها، ونُظُمها وعقيدتها القتالية. ٢ - استثمار مؤتمرات القمة.

стр. 132

٣ - تفعيل الجامعة العربية، ليكون لها دور في المعركة. ٤ - تفعيل ميثاق التضامن العربي. ٥ - تحويل روافد نهر الأردن. ٦ - أن تلتزم بتقديم التزاماتها المالية لدعم القضية الفلسطينيّة. ٧ - أن تنسّق - فيما بينها - اقتصادياً، بحيث تشكل وحدة اقتصادية متكاملة، تحقق للعرب اكتفاء ذاتياً، يحرم إسرائيل ومن يساندها من موارد العرب. ووقف المؤلف طويلاً عند سلاح البترول، وقال: " لو لوَّحنا بهذا السلاح الرهيب عام ١٩٤٨ م لتراجع المستعمرون وحلفاؤهم خائفين مذعورين ". ٨ - أن تنسّق صناعياً. ٩ - أن تنسّق إعلامياً. ١٠ - أن تنسق في سياستها الخارجية. ١١ - أن تنسّق مناهجها التعليمية والتربوية. ١٢ - أن يعرف العالم كلُّه والعرب خاصّة أن إسرائيل أكبر قاعدة للاستعمار الجديد في الشرق الأوسط، وإفهام الدول الآسيوية والإفريقية ذلك، من أجل العمل معاً للتخلص منها. ١٣ - العمل من أجل الوحدة العربية بصدق، لا بجعجة فارغة مشهودة. ثم ذكر الأسباب لكل دولة، فرآها في:

стр. 133

١ - تقوية الجيش، ودعا إلى إبعاد الجيش عن السياسة، حتى لا ينقلب إلى حزب من الأحزاب، وينسى واجبه. ودعا إلى الاحتفاظ بالضباط الأكفاء، وعدم تسريحهم لأنهم لا ينتمون إلى الحزب الحاكم. فهذه خيانة. تكلم المؤلف اللواء عن هذا كلاماً فيه واقعية مريرة عاناها هو وكثير من الضباط القادة المتميزين، نتيجة للسياسات الحزبية العمياء. ٢ - الوحدة الوطنية التي لا تفرّق بل تجمع .. الوحدة الوطنية الحقيقية البعيدة عن التفرقة الطائفية ودعاتها الخونة؛ فالوحدة الوطنية هي الخطوة الأولى نحو الوحدة العربية الشاملة، ولا وحدة عربية شاملة، بدون وحدة وطنيّة رصينة. بل إنّ الوحدة الوطنية الرصينة، هي الأساس القويّ للوحدة العربية الشاملة. وحتى الجيش القوي، أساسه الوحدة الوطنية، وتساءل في سخرية ومرارة عن سلوك السياسيين الذين يتسنّمون المناصب الرفيعة، ومقاليد الأمور باسم التفرقة القومية أو الدينية أو الطائفية، فيدّعون أنهم وحدويون لا يرضون بأقلّ من الوحدة من المحيط إلى الخليج، ثم هم يفرّقون بين طائفة وطائفة، بل بين مدينة ومدينة. وقال: هؤلاء السياسيّون يخربون ولا يعمرون، ويهدمون ولا يبنون، ويفرّقون ولا يوحّدون .. مكانهم في صفوف الأعداء، ولا يجوز أن تنطلي أحابيلهم على أحد من العرب المخلصين .. إنهم خونة حقيقيون عريقون في الخيانة، وهم أعوان الاستعمار وورثته الملوّثون بأدرانه. ٣ - التعاون بين الحاكمين والمحكومين. ٤ - الالتزام بالقضيّة الفلسطينية بدءاً من ضمير الفرد، إلى محيط الجماعة، إلى مسؤولية الشعب، إلى واجب الحكومة. ٥ - بناء الرجال، ليكونوا - في المستقبل - عماد الوطن وركنه الركين.

стр. 134

هذا كتاب استراتيجي، ذو نظرات مستقبلية، فيه ثقافة تاريخية، ودينية، وسياسية، واقتصادية، كُتب بأسلوب مشحون بالعاطفة والعقلانية معاً، وله تأثير في قارئه، ما لم يكن حزبياً أو حاكماً، وكان يحرص على شرف أمته، وكرامة وطنه، تقرؤه الآن وكأنه كُتب لهذه الأيام، وليس قبل خمسة وثلاثين عاماً من الآن. ***

стр. 135

الأيام الحاسمة قبل معركة المصير صدر هذا الكتاب في بغداد سنة ١٩٦٧ م عن وزارة الثقافة والإرشاد في (١٦٧) صفحة. وهو مجموعة من الدراسات العسكرية كتبها ونشرها بين ٣٠/ ٥ و ٥/ ٦/ ١٩٦٧ م. هدف من نشرها إلى: ١ - خلق وعي عسكري سليم بين أبناء الشعب. ٢ - استثارة الهمم لحشد الطاقات المادية والمعنوية للجهاد. ٣ - إبراز ما يمكن أن يحدث في الحرب فعلاً بكل صراحة وموضوعية ووضوح ليكون الشعب على بيّنة من أمره، فلا يؤخذ بالأحداث على غرّة، فتنهار معنوياته دون مبرر. في بحثه (خطة إسرائيل في ٥ حزيران) كان مدركاً لمخططات إسرائيل، وخُطّتُها في الهجوم على تلك الهضاب (السورية) مكشوفة، أيضاً .. وهي خطتها التي كررتها مئات المرات في الاعتداء على البلاد العربية المجاورة، مع اختلاف بسيط واحد، هو زيادة حجم دروعها ومشاتها المنقولين بالعجلات المدرعة، وزيادة إسنادها الجوّيّ. خطتها هذه، هي غارات خاطفة، تباغت بها القوات العربية، بقوات أرضية مدرعة، وقوات جوية، مع اختلاف في حجم تلك القوات

стр. 136

بالنسبة للواجب المطلوب، والهدف الذي تريد السيطرة عليه. " وقد حشدت بالقرب من حدود سورية للهجوم على هضاب تحويل مجرى نهر الأردن - قوات تقدّر بأربعة ألوية مدرعة، ولواءين من المشاة المحمولين بالناقلات المدرعة، وهيأت القوة الجوية لإسناد هذا الهجوم الأرضي، لكي تهيّئ الجوّ المناسب لاختراق سريع حاسم ". وإسرائيل " لم تكتم نياتها في الاعتداء على سورية، وفضحت باستهتار عجيب تلك النيات ". لماذا هذا الاستهتار؟ أظنّ الجواب واضحاً .. بل عندما قامت مصر بحشد قواتها في سيناء على حدود إسرائيل، سارعت إسرائيل إلى سحب قواتها من حدودها الشمالية، إلى حدودها الجنوبية مع مصر، وصارت جبهتها الشمالية مع سورية ثانوية، وجبهتها مع مصر هي الحيوية. ومع ذلك .. سقطت الهضاب المنيعة في الجولان الاستراتيجي المنيع. فتأمل. وفي بحث (أهمية حرمان إسرائيل من الملاحة في خليج العقبة) قدّم وصفاً مجملاً لخليج العقبة، وأهميته الاستراتيجية من النواحي العسكرية والاقتصادية والسياسية. وفي (حرب أم لا حرب) الذي كتبه في ٣٠/ ٥/ ١٩٦٧ م أي قبل الحرب بخمسة أيام فقط قال: " وأبادر إلى القول بأن الحرب بين العرب وإسرائيل آتية لا ريب فيها، ولكن: كيف؟ ومتى؟ وأين؟ ". ثم أجاب اللواء خطاب على هذه الأسئلة.

стр. 137

تحدّث عن القوات الإسرائيلية: النظامية، والعصابات الإرهابية الرديفة للجيش النظامي، والقوات المدنيّة المهيأة للدفاع المحلي عن القرى والبلدات والمستعمرات. وبيّن أن القتال على جبهتين ليس بمقدور إسرائيل، بقواتها النظامية الراهنة، ولذلك دعت إلى النفير العام الذي تستطيع به تجنيد ٢٠٠ - ٣٠٠ ألف مقاتل. وهذا العدد يحتاج إلى التسليح، والتنظيم، والتجهيز، والقيادة. وكل هذا يحتاج إلى الوقت، وهي جادة في كسب الوقت، وتخادع العرب بمظاهر كاذبة .. " هذا ما يجب على العرب أن يضعوه نصب أعينهم، ويستعدّوا لمجابهته بخطط مدروسة دقيقة " فإسرائيل سوف تخوض الحرب لا محالة. وخلص إلى القول في هذه المقالة التي نشرها في ٣٠/ ٥/ ١٩٦٧ م: " أمّا متى تبدأ الحرب؟ فالنفير الإسرائيلي يكمل خلال أسبوعين، وقد بدأت بتنفيذ خطة نفيرها بتاريخ ٢٣/ ٥/ ١٩٦٧ م وينتهي نفيرها يوم ٥/ ٦/ ١٩٦٧ م، وفي خلال هذه الفترة يمكن إنجاز خطط الحركات والخطط الإدارية، وخطط التنقل، وخطط تعيين القيادات، وإصدار الأوامر إليها. وعلى ذلك: ستهاجم إسرائيل القوات العربية يوم ٥/ ٦/ ١٩٦٧ م " (١). ترى .. أي مفكر استراتيجي هذا اللواء الركن محمود شيت خطاب؟ وأيّ حساب دقيق، وذهن متوقّد كان يمتلك؟

стр. 138

وفهمه لقيمة الوقت في هذه المرحلة الحاسمة، جعله يكتب بحثه (الوقت مع العرب على إسرائيل)، وخلص فيه إلى " أن العرب إذا اشتبكوا بالقتال ضدّ إسرائيل، بعد حشد طاقاتهم المادية والمعنوية، فإن الحرب، كلما طال أمدها، يكون الوقت مع العرب على إسرائيل. والذي أريده: أن العرب إذا حاربوا إسرائيل قبل استكمال نفيرها، فسيلحقون بها أضراراً جسيمة ". هذا المعنى الحاسم كان خطاب لا يفتأ يردّده على مسامع العرب، ويؤكّده ليعوا خطورة ما يقول: " والذي أريده: أن العرب يجب أن يبدؤوا بالهجوم على إسرائيل، ليحطموا قواتها أولاً، قبل أن تحطّم إسرائيل القوات العربية، في حال استكمال نفيرها، وإقدامها على مهاجمة العرب، ولكي تكون المبادأة بيد العرب على إسرائيل ". ولكن .. يبدو أنه كان مدركاً أن العرب سوف يفوّتون على أنفسهم فرصة المبادأة، وسوف يقوم اليهود بمهاجمة العرب، وسوف يحققون نصراً كاسحاً في الأيام الأولى من الحرب، وعندها ما على العرب إلا الاستمرار في القتال، فقال: " الدرس الذي أركز عليه في هذا المقال، والذي أريد أن يتفهمه العرب بعمق وأصالة: أن انتصار إسرائيل في الأيام الأولى من الحرب على العرب، يجب أن يزيد من صمود العرب، ومن استقتالهم، دفاعاً عن كرامتهم، وحقوقهم، وشرفهم ". فإذا كان العرب لا يجرؤون على مهاجمة إسرائيل، وتركوا لها فرصة بدء الحرب، وكسب النصر، فليطيلوا أمد الحرب، ولا يوقفوا القتال، وعندها يتراجع جيش اليهود وينتصر العرب، ولكنْ هيهات ... إنها صيحة في وادٍ سحيق. وفي بحثه (حرب البترول) بيّن الأهمية الاستراتيجية للبترول

стр. 139

بالنسبة للآلة العسكرية، وبالنسبة للغرب، وبالنسبة لإسرائيل ... وبعد دراسة مركّزة، قال: " يمكن الجزم بأن قطع البترول عن إسرائيل نهائياً، وعن الدول الاستعمارية التي تساند إسرائيل، سيؤدي إلى اندحار إسرائيل في الحرب، وذلك في حالة صمود العرب، مهما بذلوا من خسائر وأضرار، وسيؤدي إلى انهيار الاقتصاد الغربي خاصة، ويجعل الدول التي وراء إسرائيل، تفكر ألف مرة قبل الإقدام على إلحاق الضرر بمصالح العرب ". ودعا العرب والمسلمين إلى قطع بترولهم عن إسرائيل فوراً، وإذا نشبت الحرب، فعلى العرب أن يوقفوا ضخَّ بترولهم نهائياً، حتى تضع الحرب أوزارها، لكي لا يتسرب هذا النفط إلى إسرائيل، وإلى من وراء إسرائيل من دول الاستعمار. وفي كلمته (إرادة القتال) التي ألقاها من تلفزيون بغداد مساء يوم ٥/ ٦/ ١٩٦٧ م شجّع العرب على القتال والاستبسال والصمود في وجه العدو اليهودي، وبدأ حديثه بذكر عدّة حوادث تاريخية، كغزوة الحديبية التي بايع فيها المسلمون رسولهم وقاندهم ﷺ على الموت، واستذكر بعض بطولات معركة اليرموك، والقادسية، ثم عرّف (إرادة القتال) التي هي: إيمان بهدف سام، وجهاد في سبيل هذا الهدف بالنفس والمال، وثقة بأن هذا الهدف هو أحبّ وأعزّ وأغلى من الآباء والأبناء والإخوان والزوجات والعشيرة والأموال والتجارة والمساكن .. وتحدّث عن الناحية الروحية، والإيمان، وعقيدة الإسلام .. وطالب القادة العسكريين أن يكونوا قدوة لضباطهم وجنودهم، ولشعوبهم، في المعارك، وما يقال للقادة العسكريين، يقال للقادة السياسيين، وطالبهم:

стр. 140

١ - بحشد سائر الطاقات المعنوية والمادية، وزجّها في المعركة. ٢ - بالتوقف عن ضخّ البترول فوراً. ٣ - بأن يفتح العرب على إسرائيل ثلاث جبهات: مصرية، وسورية، وأردنية. ٤ - بأن تحشد سائر الدول العربية قواتها فوراً، وتنقلها إلى ساحات القتال بسرعة. ٥ - بإعلان النفير العام في سائر البلاد العربية. وأنهى كتابه الاستراتيجي هذا بخاتمة لخّص فيها توقّعاته قبل الحرب، وحدوث تلك التوقعات على أرض الواقع، ثم حاول التخفيف من وقع هذه النكسة، النكبة على العرب، ودعاهم إلى الصبر، والإعداد، والصمود، والإفادة من دروس المعركة، والتركيز على المعنويات، على العقيدة، على المبادئ والأخلاق، على أن يعودوا إلى الإسلام من جديد. فنتيجة حرب حزيران كانت متوقّعة، فقد كان همّ اليهود الإعداد لحرب العرب، وكان همُّ العرب مقاتلة بعضهم بعضاً .. لم يصرف اليهود دقيقة من وقتهم في غير الاستعداد للحرب، وصرف العرب كل أوقاتهم في تخدير أنفسهم، وفي اللهو واللعب وتفرفة الصفوف. كانت إسرائيل تعمل، وكان العرب يقولون. وشتان بين الأعمال والأقوال. لقد بدا اللواء خطاب - في هذا الكتاب كما في غيره مفكراً استراتيجياً، مستقبلياً ومثقفاً عميق الثقافة، واسع الاطلاع، نهم القراءة والاستماع، يطالع الصحف، ويقرأ المذكرات والكتب، عربيةً وأجنبية، صديقةً ومعادية، ويستمع إلى الإذاعات المعادية، ويحلّل ما يقرأ ويسمع ويركّب، ثم يستخلص النتائج بوعي، ويفهم دور العامل الاقتصادي،

стр. 141

والسياسيّ، والمعنويّ في الحرب الحديثة، ومدى التغلغل اليهوديّ الاقتصادي في بلاد العرب والمسلمين، كما في أرتيرية عن طريق الحبشة. إنه مفكر استراتيجي وكفى .. قال عنه الكاتب اليهودي صاحب كتاب (الحرب بين العرب وإسرائيل): " إنه أكبر عقليّة استراتيجية في العرب، ولكنّه كالنبيّ في الصحراء، لا يجد من يستفيد منه " (١). ...

стр. 142

الإسلام والنصر هذا الكتاب هو مجموعة من الدراسات نشرها كاتبها في المجلات العربية، في أوقات متباعدة، ثم جمعها في هذا الكتاب الذي طبع لأول مرة عام ١٩٧٢ م ثم تتالت طبعاته غير الشرعية، وجاء في (٢٤٧) صفحة من القطع الكبير. البحث الأول كان عن (المعنويات) وأهميتها، واستشهد على ذلك بأقوال عدد من القادة، في القديم (خالد بن الوليد ﵁ وأرضاه) وفي الحديث، مثل نابليون الذي جعل (قيمة المعنويات بالنسبة إلى القوى المادية، تساوي ثلاثة على واحد) أي أن الجيش تكون قيمته (٧٥%) في الناحية المعنوية، و (٢٥%) في الناحية المادية. ثم عرّف المعنويات، ورأى أن عوامل رفعها هي: ١ - الدين .. أهمّ تلك العوامل .. فقد غرس الإسلام في أبنائه عقيدة الإيمان بالقضاء والقدر، وأن النفس لن تموت إلا بأجلها، في ساحة الوغى أو على الفراش. وأمر الإسلام بالشجاعة والثبات والإقدام، وبالطاعة والصبر، هذا على مستوى الأفراد، وعلى مستوى الجماعة، أمر بالوحدة، وحثّ على الاستعداد، وأمر بالجهاد بالأموال والأنفس، ووعد المسلمين بالنصر .. ٢ - القيادة المتميزة التي تكون قدوة لرجالها بأعمالها، لا بأقوالها.

стр. 143

٣ - النصر في ميادين القتال .. وللنصر تكاليفه، وأولها التخطيط له، والعمل الدائب لوضع ذلك التخطيط موضع التنفيذ، ليكون الإعداد كاملاً سليماً. وتحدّث عن (أثر الإسلام في إحراز النصر)، وفصَّل هنا ما أجمله في البحث السابق، وضرب الأمثال من الرسول القائد ﷺ ، ومن جنوده الأوفياء، الذين حققوا انتصارات مذهلة، مع قلة عددهم، وكثرة أعدائهم، وكان ذلك بفعل الإسلام الذي ربّى فيهم ملكة الجندية من طاعة، وصبر، وضبط، وشجاعة، وثبات، ويقظة وحذر .. وفي (الإسلام والحرب النفسيّة) فصّل ما أجمله في البحث السابق عن الحرب النفسيّة، فعرّفها، وبيّن معناها، وإيغالها في التاريخ، والحلول الجذرية البسيطة التي يعالج بها الإسلام آفاتها المتمثلة في التخويف من الموت والفقر، وبثّ اليأس والقنوط في النفس، وأن المسلم الحقّ لا تؤثر فيه أراجيفها. ثمّ تساءل: هل العرب والمسلمون اليوم، مؤمنون حقاً، حتى لا تؤثر فيهم خزعبلاتها؟ وقرّر: " لا بدّ من إعادة النظر في (بناء الرجال) ليكونوا دعامة الحاضر، وسند المستقبل، ولتكون الأمة الإسلامية خير أمة أخرجت للناس ". وتحدّث عن (التربية المثالية)، وقد فصّل نظريّته التربويّة التي أجملها في البحث السابق، وركز على القدوة العملية في البيت والمدرسة، وعلى أن الإسلام هو منهج الحياة، وطريق العمل الصالح، والأخلاق السامية .. وقد أولى التربية البيتية أهمية كبيرة، فهي الأساس. والخلاصة: " إن التربية الإسلامية تُعِدُّ المسلم ليكون عنصراً مفيداً

стр. 144

في الأمة الإسلامية من الناحيتين: العسكرية والمدنية ". وتحدّث في بحثه (مونتكومري والتربية المثالية) عن النظرية التربوية لدى هذا القائد العسكري في كتابه (السبيل إلى القيادة) فقد وقف عند باب (قيادة الشبيبة) ملخصاً أبرز آرائه التربوية، وأفكاره في تربية الشباب: ١ - هو غير راض عن شباب اليوم، لضعف أخلاقهم. ٢ - يجب العناية بتربية الطفل منذ السادسة من العمر، وفي البيت خاصة. ٣ - يؤكد أهمية التعاليم الدينية في بناء شخصية الطفل، لأنها تغرس في نفسه المثل العليا. ٤ - يلحّ على القدوة العملية في البيت والمدرسة. ٥ - ينصح الشباب: برزانة الفكر، وبالطاعة التي تعني قبول قانون الواجب قانوناً للحياة، وبالجدّ والمثابرة وكسب الوقت، وأخيراً يقول لهم: " لقد تعلمت في حياتي الخاصة، أن صفات ثلاثاً ضرورية للنجاح: العمل الشاق، والاستقامة المطلقة، والشجاعة الأدبيّة، وهي تعني: عدم خوف الإنسان من قول ما يعتقده صواباً، والثبات على هذا الاعتقاد ". وقرّر في بحث (الأخلاق المحاربة) أن الملوّث جنسيّاً، أو الملوّث جيبياً، لا يمكن أن يقاتل في الحرب كما يقاتل الرجال. ولذلك عندما جاء الجنرال غورو لاحتلال لبنان عام ١٩١٨ م جاء بجيشٍ لجبٍ معه من البغايا حمولة سفينة. فقيل له: واجب الجيش المقاتل مفهوم، فما فائدة الجيش الآخر من المومسات؟ فأجاب: إن أثر هذا الجيش أعظم من الجيش المقاتل ". وصدق غورو، وكان صريحاً في جوابه .. لقد عمل المستعمر في أيامه على إشاعة الفاحشة والتهتك في كل

стр. 145

بلد حلَّ فيه، ونجح في مهمته أعظم النجاح ". ووجد الكاتب تلازماً (بين التديُّن والقيادة) الحقيقية الفاعلة فيما حولها، وضرب على ذلك الأمثال في الفتح الإسلامي العظيم، وفي معركة حطين، ومعركة عين جالوت، وكان انتصار المسلمين في حطين بفضل قيادة البطل صلاح الدين الذي كانت العقيدة الإسلامية تملأ نفسه ومشاعره، وليس شيء آخر غيرها من أعراض الدنيا، حتى إنه لما توفي لم يخلّف مالاً ولا عقاراً، ولم يجدوا في خزائنه شيئاً من الذهب والفضة سوى دينار واحد وسبعة وأربعين درهماً. وكان صلاح الدين الأيوبي يحمل - في أيام جهاده - صناديق مقفلة، كان يحرص عليها حرصاً عظيماً، فلمّا مات فتحوها، فوجدوا فيها: وصيّته، وكفنه الذي اشتراه من كدّه، وكميّة من التراب. وجاء في وصيته: " أُكفَّن بهذا الكفن الذي تعطّر بماء زمزم، وزار الكعبة المشرَّفة، وقبر النبيّ ﷺ . وهذا التراب هو من مخلّفات أيام الجهاد، يُصنع منه طابوق يوضع تحت رأسي في قبري ". وصنعوا من ذلك التراب اثنتي عشرة طابوقة كبيرة تستقرُّ اليوم تحت رأس صلاح الدين في قبره، وسوف يلقى بها الله يوم القيامة. وكان انتصار المسلمين في (عين جالوت) على التتار، عجباً من عجب، فقد كان التفاوت بين جيوش التتار الجرارة، وبين جيش المسلمين البسيط الذي يقوده قطز ومن معه من الأبطال المؤمنين، كبيراً وكبيراً جداً، ومع ذلك " كان النصر المؤزَّر خلافاً لكل مبادئ الحرب، وبعد هذه المعركة لم يفلح التتار أبداً، فقد تكبّدوا خسائر هائلة بالأرواح والأموال، فولَّوا مدبرين، وطمع فيهم الناس، وصاروا يتخطفونهم. وقارن المؤلف بين جيش قطز، وجيش العباسيين الذي سحقه التتار
следующие страницы →